Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ الوفد الثاني وفد ثقيف: والسلام من تبوك، وكان من أمرهم أنه عَّ لما انصرف من الطائف قيل له: يا رسول الله ادع لنا ثقيف، فقال: اللَّهم اهد ثقيفاً وأتِ بهم. ولما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، المدينة في رمضان، كما قال ابن سعد وابن إسحق، وجزم به مغلطاي، وقال بعضهم: في شعبان سنة تسع، وأما خروجه من المدينة إلى تبوك، فكان يوم الخميس في رجب سنة تسع اتفاقًا كما مر، (وكان من أمرهم،) أي: من جملة الأشياء المتعلقة بثقيف؛ (أنه عٍَّ لما انصرف من الطائف،) أي: ترك محاصرته، وعزم على السفر، (قيل له: يا رسول اللَّه ادع لنا ثقيف،) فقد أحرقتنا نبالهم، (فقال: ((اللهم اهدِ ثقيفًا) إلى الإسلام (وأتِ بهم) مسلمين)). روى الترمذي، وحسنه عن جابر قال: قالوا: يا رسول اللَّه أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، فقال: ((اللهم إهد ثقيفًا وأت بهم)). وعند البيهقي عن عروة: ودعا عَّه حين ركب قافلاً، فقال: ((اللهم اهدهم، واكفنا مؤنتهم))، (ولما انصرف عنهم،) أي: شرع فيه بالفعل ليغاير ما قبله (اتبع بشد التاء - (أثره،) بتثليث الهمزة، وفتح المثلثة وإسكانها (عروة بن مسعود) بن معتب، بمهملة وفوقية مشددة، ابن لملك كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، وهو عم والد المغيرة بن شعبة، وأمه سبيعة بنت عبد مناف، كان أحد الأكابر ممن قيل: إنه المراد بقوله تعالى: ﴿على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١] الآية، قال ابن عباس: وجماعة أرادوا الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وعروة بن مسعود من أهل الطائف. وفي مسلم عرض على الأنبياء الحديث وفيه: ورأيت عيسى فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود، وله ذكر في الصحيح في قصة الحديبية، وكانت له اليد البيضاء في تقرير الصلح، وترجمه ابن عبد البر بأنه شهد الحديبية، وليس كذلك، فالعرف إذا أطلق على الصحابي أنه شهد غزوة كذا، فالمراد شهدها مسلمًا، فلا يقال شهد معوية بدرًا، لأنه إذا أطلق ذلك ظن من لا خبرة له لكونه عرف أنه صحابي أنه شهدها مع المسلمين، أفاده في الإصابة (حتى أدركه،) أي: لحقه، ففيه تجريد، ففي المصباح: أدركته إذا طلبته، فلحقته (قبل أن يدخل المدينة)، كما عند ابن إسحق، وعند موسى بن عقبة عن الزهري وأبي الأسود، عن عروة: لما صدر أبو بكر من الحج سنة تسع قدم عروة بن مسعود على النبي عَ ◌ّهِ، (فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام،) أي: بإظهاره وطلبه منهم. وعند ابن عقبة وغيره، فقال: إني أخاف أن يقتلوك، فقال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني. ١٢٢ الوفد الثاني: وفد ثقيف فلما أشرف على علية له، وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من کل وجه، فأصابه سهم فقتله. ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا فيما بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، وفي رواية ابن إسحق، فقال له: إنهم قاتلوك، وعرف أن فيهم نخوة الامتناع، أي: كبره وعظمته، فقال: أنا أحب إليهم من أبكارهم. وقال ابن هشام من أبصارهم، وكان فيهم كذلك محببًا مطاعًا، فأذن له، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، (فلما أشرف) ظهر (لهم على علية). بضم العين، وكسرها وشد التحتية، غرفة، (وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه) بالإفراد، أي: الإسلام. وفي نسخة: دينهم، أي: بطلان دينهم، لكن الرواية عند ابن إسحق وغيره إنما هي بالإفراد، ثم في هذه الرواية اختصار، ففي رواية ابن عقبة وغيره: فرجع، فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم فنقصوه وأسمعوه من الأذى، فلما كان من السحر قام على غرفة له، فأذن، (رموه بالنبل من كل وجه،) أي: جهة، (فأصابه سهم فقتله). وحكى ابن إسحق: الخلاف في أن اسم قاتله أوس بن عوف أو وهب بن جارية، فقيل لعروة: ماتر في دمك؟ قال: كرامة أكرمني اللَّه بها، وشهادة ساقها اللَّه إليَّ، فليس فيَّ إلاَّ ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول اللَّه عَّه قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معكم، فدفنوه معهم، فقال فيه النبي عَدٍ: ((إن مثله في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه)). روى عروة بن مسعود الثقفي عن النبي عَّ: ((لقنوا موتاكم لا إله إلاَّ اللَّه فإنها تهدم الخطایا))، رواه ابن منده پإسناد ضعيف. وروى أبو نعيم عنه: كان عٍَّ يوضع عنده الماء، فإذا بايع النساء لمسن أيديهن فيه، وإسناده ضعيف منقطع، (ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرًا) نحو: ثمانية، فعند ابن إسحق: قدم عَُّلِّ المدينة من تبوك من رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، (ثم إنهم ائتمروا فيما بينهم ورأوا أنهم لا طاقة،) لا قوَّة (لهم بحرب من حولهم من العرب، و) الحال أنهم (قد بايعوا وأسلموا،) أي: من حولهم، فبقي أهل الطائف منفردين بعد الإسلام معرضين للحرب. وعند ابن إسحق: أن عمرو بن أمية كان مهاجر العبد ياليل لشيء كان بينهما، وكان عمرو من أدهى العرب، فمشى إلى عبد ياليل حتى دخل داره فخرج إليه فرحب به، فقال له عمر: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في أمركم، فعند ذلك ائتمرت ثقيف وقال بعضهم ١٢٣ الوفد الثاني: وفد ثقيف وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله عَ ليه. فبعثوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومعه اثنان من الأحلاف: الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب بن لملك، وشرحبيل بن غيلان، وثلاثة من بني لملك: عثمن بن أبي العاص، وأوس بن عوف، ونمیر لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب، ولا يخرج منكم أحد إلاَّ اقتطع، فأتمروا بينهم (وأجمعوا،) عزموا وصمموا على (أن يرسلوا إلى رسول اللَّه عَّه، فبعثوا عبد ياليل بن عمرو) بفتح العين. (ابن عمير) بضمها مصغر، كذا قاله ابن إسحاق، فذكره ابن حبان في الصحابة، فقال: له صحبة، وكان من الوفد، والذي قاله غيره: إن هذا إنما هو لولده مسعود، ذكره في الإصابة فيمن ذكر غلطًا في الصحابة، ومن الغير موسى بن عقبة، وابن الكلبي، وأبو عبيدة قالوا: إنه مسعود بن عبد ياليل، لكن صاحب الإصابة وغيره ترجموا مسعود بن عمرو. وقالوا: إنه أخو عبد ياليل لا ابنه، وما ذكروا لابنه ترجمة، (ومعه اثنان من الأحلاف: الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب) . بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الفوقية وموحدة، ويجوز فيه إسكان العين، وكسر الفوقية (ابن ملك) بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، كذا نسبه في الإصابة ثقيفًا والمصنف تبعًا لابن إسحق قالا: إنه من أحلافهم، (وشرحبيل) . بفتح المعجمة، والراء، وإسكان المهملة، وكسر الموحدة، وتحتية ولام. (ابن غيلان). بفتح المعجمة وسكون التحتية. ابن معتب بن ملك الثقفي. قال ابن سعد: نزل الطائف وله صحبة، ومات سنة ستين. قال أبو عمرو: له حديث في الاستغفار بين كل سجدتين ليس مما يحتج بإِسناده، (وثلاثة من بني ملك: عثمان بن أبي العاصي) بن بشر بن عبيد بن درهمان بن عبد الله الثقفي، أبو عبد الله نزيل البصرة أسلم في وفد ثقيف، فاستعمله النبي عَّله على الطائف، وأقره أبو بكر، ثم استعمله عمر على البحرين وعمان سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها، قيل: سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وكان هو الذي منع ثقيفًا عن الردة خطبهم، فقال: كنتم آخر الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا، وجاء عنه: أنه شهد آمنة لما ولدت النبي عَّه، فعلى هذا يكون عاش نحوًا من مائة وعشرين سنة. روى عن النبي عَّ أحاديث في مسلم والسنن، (وأوس بن عوف) بن جابر بن سفين بن عبد ياليل بن سالم بن ملك، كذا نسبه ابن حبان في الصحابة، وقال: كان في وفد ثقيف، وزعم أبو نعيم أنه هو أوس بن حذيفة، نسب إلى عوف أحد أجداده. قال الحافظ: وليس كذلك لاختلاف النسبين (ونمير) . بضم النون، وفتح الميم، وإسكان ١٢٤ الوفد الثاني: وفد ثقيف ابن خرشة، فلما قدموا على رسول الله عَّهُ ضرب عليهم قبة في ناحية المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاصي هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله عَلَّه حتى أسلموا واكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكان فيما سألوا رسول الله عَِّ أن يدع لهم الطاغية - وهي اللات - لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم عليه الصلاة والسلام إلا أن يبعث أبا سفين بن حرب والمغيرة بن شعبة یهدمانها. وكان فيما سألوه مع ذلك أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا التحتية وراء. (ابن خرشة). بفتح المعجمة والراء المعجمة. ابن ربيعة بن الحرث بن حبيب بن الحرث بن حطيط بن جشم بن ثقيف نسبه ابن حبان. وقال أبو عمرو: هو حليف لهم من بني كعب، أخرج البغوي، وابن السكن، وأبو نعيم عنه قال: أدركنا النبي عَّ بالجحفة فاستبشر الناس بقدومنا، الحديث. وذكر في سياق اشتراطهم ما اشترط، وذكره في الإصابة. وعند ابن إسحق: فخرج بهم عبد ياليل وهو صاحب أمرهم، فلما دنوا من المدينة، ونزلوا قناة وجدوا المغيرة بن شعبة ليبشر رسول اللَّه عَظِلّه بقدومهم، فلقيه أبو بكر، فقال: أقسمت عليك باللَّه لا تسبقني إلى رسول اللَّه حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر، فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إليهم فروج الظهر، أي: الركاب معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول اللَّه عَّه، فلم يفعلوا إلاَّ بتحية الجاهلية، (فلما قدموا على رسول اللّه عزّ ضرب عليهم قبة) خيمة (في ناحية المسجد) لكي يسمعوا القرءان ويروا الناس إذا صلوا، (وكان خالد بن سعيد بن العاصي) بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف من السابقين الأولين، قيل: كان رابعًا، أو خامسًا، (هو الذي يمشي بينهم وبين رسول اللَّه عَ ◌ّله)) وكانوا لا يطعمون طعامًا يأتيهم من عدده عل حتى يأكل منه خالد، (حتى أسلموا واكتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكان فيما سألوا رسول اللَّه عَئِ أن يدع لهم الطاغية،) اسم لمعبودهم من أصنام وغيرها والجمع طواغي، (وهي،) أي: المراد بها هنا (اللات،) لا أنها مفهوم الطاغية (لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم عليه الصلاة والسلام) في ابن إسحق، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى عٍَّ (إلاَّ أن يبعث أبا سفين بن حرب، والمغيرة بن شعبة يهدمانها، وكان فيما سألوه مع ذلك أن يعفيهم) - بضم الياء وكسر الفاء. يتركهم (من الصلاة، وأن لا يكسروا ١٢٥ الوفد الثاني: وفد ثقيف أوثانهم إلا بأيديهم، فقال عليه الصلاة والسلام: كسروا أوثانكم بأيديكم وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه، فلما أسلموا وكتب لهم الكتاب أمَّر عليهم عثمن بن أبي العاص وكان من أحدثهم سنًا، لكنه كان من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرءان. فرجعوا إلى بلادهم ومعهم أبو سفين بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية، أوثانهم إلاَّ بأيديهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((كسروا أوثانكم بأيديكم))) نقل بالمعنى. ولفظ ابن إسحق: فقال عَّم: ((أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، (وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه)،) فقالوا: يا محمد! فسنؤتيكها وإن كانت دناءة، (فلما أسلموا وكتب لهم الكتاب أمر) . بشد الميم. (عليهم عثمان بن أبي العاصي وكان من أحدثهم سنًّا) بزيادة من في الإثبات على رأي الأخفش أو تبعيضية، والمراد: أن ثلاثة من الستة مثلاً أحدث من باقيهم، وهو واحد منهم، فلا ينافي كونه أصغرهم، فلا يخالف ما هنا قوله: الآتي وأنا أصغر الستة، (لكنه كان من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرءان) . بشد اللام مضمومة والجر عطف على التفقه، فلذا أمره عليهم بإشارة الصديق، كما عند ابن إسحق وعنده عن بعض وفدهم، وصمنا مع النبي ◌َّيه ما بقي من رمضان، فكان بلال يأتينا من عنده بفطرنا وسحورنا، فيأتينا السحور وإنا لنقول: إنا لنرى الفجر قد طلع، فيقول: قد تركت رسول اللَّه يتسحر ويأتينا بفطورنا، وإنا لنقول: ما نرى الشمس ذهبت، فيقول: ما جئتكم حتى أكل عَّ له، ثم يضع يده في الجنة، فيلقم منها، (فرجعوا إلى بلادهم ومعهم أبو سفين بن حرب، والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية) حتى إذا قدموا الطائف، أراد المغيرة أن يقدم أبا سفين، فأبى وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام بماله بذي الهرم . بفتح الهاء، وإسكان الراء وميم. محل بالطائف، كذا عند ابن إسحق وغيره، أنهما ذهبا مع الوفد. وفي رواية: أنهم تأخروا عنهم أيامًا حتى قدموا، وأن الوفد لما قدموا تلقاهم ثقيف، فقصدوا اللات ونزلوا عندها، فسألوهم ماذا جئتم به؟ فقالوا: أتينا رجلاً فظًا غليظًا، قد ظهر بالسيف، وداخ له العرب، قد عرض علينا أمورًا شددًا، أهدم اللات، فقالت ثقيف: واللَّه لا نقبل هذا أبدًا، فقال الوفد: اصلحوا السلاح وتهيؤًا للقتال، فمكثوا يومين أو ثلاثة، ثم ألقى اللَّه في قلوبهم الرعب، فقالوا: والله ما لنا به من طاقة، فارجعوا فأعطوه ما سأل، فقال الوفد: فإنا قاضيناه وشرطنا ما أردنا، وجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه، فاقبلوا عافية اللَّه، فقالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث؟ فقالوا: لو أردنا أن ننزع من ١٢٦ الوفد الثاني: وفد ثقيف فلما دخل المغيرة عليها علاها بضربها بالمعول، وخرج نساء ثقيف حسرًا يبكين عليها، وأخذ المغيرة بعد أن كسرها مالها وحليها. وكان كتاب رسول الله عَِّ الذي كتبه لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله قلوبكم نخوة الشيطان، أي: الكبر والعظمة، فاسلموا مكانهم، ومكثوا أيامًا، ثم قدم رسل النبي عٍَّ لهدم اللات فإن صح، فيحتمل أنهم خرجوا من المدينة مصاحبين للوفد، ثم أخروهم في مكان لكي يستألف الوفد قومهم قبل قدومهم حتى لا يكون نزاع، (فلما دخل المغيرة عليها،) وقام قومه دونه خشية أن يرمي أو يصاب كعروة (علاها يضربها بالمعول) . بكسر الميم، وإسكان المهملة وفتح الواو. الفأس العظيمة يقطع بها الصخر، (وخرج نساء ثقيف حسرًا) . بضم الحاء، وفتح السين المشددة وراء مهملات، أي: منكشفات (ببكين عليها). وفي رواية: خرجت ثقيف كلها حتى العوائق من الحجال، لا ترى أنها مهدومة، ويظنون أنها ممتنعة، فأخذ المغيرة الفأس فضرب، ثم سقط، فارتجوا وقالوا: أبعد اللَّه المغيرة قتلته، وفرحوا وقالوا: واللَّه لا يستطاع هدمها، فوثب المغيرة وقال: قبحكم اللَّه إنما هي حجارة ومدر، فاقبلوا عافية اللَّه واعبدوه، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها وعلا الرجال معه يهدمونها حجرًا حجرًا حتى سورها، فقال البواب: ليغضبن الأساس فيخسف بهم، فحفروا أساسها حتى أخرجوا ترابها، (وأخذ المغيرة بعد أن كسرها مالها وحليها) . بضم الحاء، وكسر اللام والياء المشددة. جمع حلي . بفتح فسكون. عطف خاص على عام. زاد ابن إسحق: وأرسل إلى أبي سفين، وحليها مجموع ومالها من الذهب والفضة والجذع، وقد كان أبو فليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول اللَّه قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريدان فراق قومهما، فأسلما فقال لهما عَِّ: ((توليا من شئتما))، فقالا: نتولى اللَّه ورسوله، فقال عَّه: ((وخالكما أبا سفين بن حرب))، فقالا: وخالنا أبا سفين، فلما أسلم أهل الطائف سأل أبو فليح رسول اللَّه أَن يقضي عن أبيه عروة دينًا كان عليه من مال اللات، فقال: نعم، فقال له: قارب، وعن الأسود: يا رسول اللَّه فاقضه وعروة والأسود شقيقان، فقال عَظّه: ((إن الأسود مات مشركًا))، فقال قارب: يا رسول اللَّه لكن تصل مسلمًا ذات قرابة، يعني نفسه، إنما الدين عليَّ وأنا الذي أطلب به، فأمر أبا سفين أن يقضي دينهما من مال الطاغية فقضاه، ثم قدموا عليه بحليها وكسوتها، فقسمه من يومه وحمد اللَّه على نصر دينه وإعزاز نبيه، (وكان كتاب رسول اللَّه عَّ الذي كتبه لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه،) لفظه في ابن إسحق: من محمد النبي رسول الله فسقط من المصنف، لفظ النبي (إلى المؤمنين: إن عضاه ١٢٧ الوفد الثاني: وفد ثقيف إلى المؤمنين: إن عضاه وج وصيده حرام لا يعضد، من وجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يجلد، وتنزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ النبي محمدًا، وإن هذا أمر النبي محمد رسول الله، وكتب خالد بن سعيد بأمر محمد بن عبد الله، فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله. و «وج)): واد بالطائف. واختلف فيه: هل هو حرم يحرم صيده وقطع شجره؟ فالجمهور: أنه ليس في البقاع حرم إلا حرم مكة والمدينة. وخالفهم أبو حنيفة (وج)، بمهملة مكسورة ومعجمة وآخره هاء لا، تاء كل شجر ذي شوك جمع عضهة، حذفت منه هاء، فصار عضه بهاء تأنيث كشفه، ثم ردت في الجمع، فقيل: عضاه كشفاه، ويقال: عضهه كعنبة، ويقال أيضًا: عضاهة وهو أقبحها. (وصيده حرام لا يعضد) . بضم التحتية وفتح المعجمة. لا يقطع (من وجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يجلد) تعزيرًا لمخالفة النهي (وتنزع ثيابه)،) أي: تكون سلبًا لمن وجده يفعل، (فإن تعدى ذلك،) أي: امتنع من تسليم نيابه لمن وجده يقطع، (فإنه يؤخذ، فيبلغ) به (النبي محمدًا)، فيرى فيه رأيه، (وإن هذا أمر النبي محمد رسول اللَّه وكتب خالد بن سعيد بأمر محمد بن عبد اللّه: فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول اللَّه) زيادة في التأكيد، وإلى هذا ذهب الشافعي في القديم، واختاره النووي في شرح المهذب الأحاديث الصحيحة فيه بلا معارض. روى مسلم: أن سعد بن أبي وقاص وجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه، فسلبه، فجاءه أهل العبد، فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ منه، فقال: معاذ اللَّه أَن أرد شيئًا نفلنيه رسول اللَّه عَلُ، وأبى أن يرد عليهم. وروى أبو داود: أن سعدًا أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة، فسلبه ثيابه، فجاؤوا إليه فكلموه فيه، فقال: إن رسول اللَّه حرم هذا الحرم، وقال: من أخذ أحدًا يصيد فيه فليسلبه فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول اللَّه، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه، ولم يأخذ الجمهور بهذا، ومنهم الشافعي في الجديد، لأن عمل الأمة على خلافه (ووج،) بفتح الواو وشد الجيم. (واد بالطائف) لا بلد به، وغلط الجوهري قاله في القاموس، أي: في قوله إنه بلد، أي: حصن من حصون الطائف. (واختلف فيه هل هو حرم بحرم صيده وقطع شجره، فالجمهور أنه) لا يحرم ذلك، لأنه (ليس في البقاع حرم إلاَّ حرم مكة والمدينة) للأخاديث الصحيحة، (وخالفهم أبو حنيفة في ١٢٨ الوفد الثاني: وفد ثقيف في حرم المدينة. وقال الشافعي - في أحد قوليه - وج حرم، يحرم صيده وشجره، واحتج لهذا القول بحديثين: أحدهما: ما تقدم، والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه أن النبي عَ ◌ّم قال: (إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله) رواه الإمام أحمد وأبو داود: لكن في سماع عروة من أبيه نظر، وإن كان قد رآه. وفي مغازي المعتمر بن سليلمن التيمي عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمه عمرو بن أوس عن عثمن بن أبي العاص، قال: استعملني رسول الله علّ اله وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة، حرم المدينة،) فأباح صيده وقطع شجره، وهو محجوج بالأحاديث الصحيحة في البخاري وغيره. (وقال الشافعي في أحد قوليه: وج حرم يحرم صيده وشجره،) وهو القول الجديد والمشهور، قال في البهجة: وحرم الهادي ووج الطائف كتلك الحرمة والجزا نفي (واحتج لهذا القول بحديثين، أحدهما ما تقدم) في الكتاب وأجاب الجمهور بضعفه، إذ أن إسحق ذكره بلا إسناد، (والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه) الزبير بن العوام: (أن النبي عَِّ قال: ((إن صيد وج وعضاهه حرم محرم للَّه)، رواه الإمام أحمد وأبو داود،) فلو صح لكان حجة (لكن) لا يصح، لأن (في سماع عروة من أبيه نظر وإن كان قد رآه،) فأصحاب الحديث نفوا سماعه منه، فهي علة تقدح في صحته. (وفي مغازي المعتمر بن سليمان التيمي) أبي محمد البصري ثقة، روى له الستة، ومات سنة سبع وثمانين، وقد جاوز الثمانين. (عن عبد الله بن عبد الرحمن) بن يعلى بن كعب (الطائفي) الثقفي، صدوق يخطىء ويهم (عن عمه عمرو بن أوس) الثقفي التابعي الكبير، روى له الجميع، ووهم من ذكره في الصحابة، كالطبري وابن منده، كما بينه الحافظ، (عن عثمان بن أبي العاصي،) الثقفي، الطائفي الصحابي الشهير، (قال: استعملني رسول اللَّه عَ لّه وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني،) أي: لأجل أني (كنت قرأت سورة البقرة في) مدة إقامتهم، كانوا يفدون على المصطفى ويخلفونه في رجالهم لصغره، فإذا رجعوا بالهاجرة عمد عثمان إلى رسول اللَّه، فسأله عن الدين، واستقرأه القرءان حتى فقه في الدين، فأعجب ذلك المصطفى وأحبه. ١٢٩ الوفد الثالث: وفد بني عامر فقلت: يا رسول الله، إن القرءان يتفلت مني، فوضع يده على صدري وقال: يا شيطان اخرج من صدر عثمن، فما نسيت شيئاً بعده أريد حفظه. وفي صحيح مسلم، عن عثمن بن أبي العاص، قلت: يا رسول الله، إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي، فقال: ذلك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثًا قال: ففعلت فأذهبه الله عني. الوفد الثالث وقدم وفد بني عامر عليه عَُّلّه، قال ابن إسحق: لما فرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب، وروى عنه: سألته مصحفاً كان عنده فأعطانيه، (فقلت: يا رسول اللَّه إن القرءان يتفلت مني، فوضع يده على صدري، وقال: ((يا شيطان اخرج من صدر عثمان))، فما نسيت شيئًا بعده أريد حفظه،) وعنه قلت: يا رسول اللَّه ادع الله أن يفقهني في الدين ويعلمني، قال: ماذا قلت؟ فأعدت عليه القول، فقال: ((لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم وعلى من تقدم عليك من قومك. (وفي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاصي قلت: يا رسول اللَّه إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي، فقال: ((ذلك شيطان، يقال له خنزب))) . مثلث الخاء المعجمة، كما في النهاية. قال النووي: والمعروف الفتح والكسر، ثم نون ساكنة، ثم زاي مفتوحة، ثم ياء موحدة، (فإذا أحسسته، فتعوذ باللّه منه واتفل). بضم الفاء وكسرها. من بابي ضرب ونصر (على يسارك ثلاثًا،) أي: على جهته، فيشمل ما إذا ألقى ما يتفله بالأرض، أو على شيء من أعضائه كيده اليسرى، (قال: ففعلت فأذهبه اللَّه عني،) ففيه أن ذلك يذهب الوسواس. وروى ابن إسحق عن عثمان، قال: كان من آخر ما عهد إلى النبي عَّه حين بعثني على ثقيف أن قال: يا عثمان تجاوز في الصلاة وأقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة. (الوفد الثالث:) (وقدم وفد بني عامر) بن صعصعة، كما في الروض، وهو من قيس عيلان (عليه عَّ) قال ابن إسحق، لما فرغ،) أي: رجع (من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت،) أي: سارت (إليه وفود العرب)، كقوله تعالى: ﴿ضربتم في الأرض﴾ [النساء: ١٠١، المائدة: ١٠٦]، ١٣٠ الوفد الثالث: وفد بني عامر فدخلوا في دين الله أفواجًا، يضربون إليه من كل وجه. فوفد عليه عليه الصلاة والسلام بنو عامر، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس وخالد بن جعفر، وحيان بن أسلم بن لملك، وكان هؤلاء النفر لفظ رؤساء القوم وشياطينهم، فقدم - عدو الله - عامر بن الطفيل على رسول الله عليه وهو يريد أن يغدر به، فقال لأربد إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهه، فاعله بالسيف ـَّاللّه فكلم عامر رسول الله عدي﴾. فحذف منها المضروب إليه للعلم به، كما حذف هنا المضروب فيه للعلم به، إذ سير الوفود، إنما يكون في الأرض، أو إشارة إلى أن استعماله بمعنى السير، لا يتوقف على كونه في الأرض، فيقال: ضرب الطائر في الهواء إذًا سار، (فدخلوا في دين اللَّه أفواجًا يضربون إليه من كل وجه، فوفد عليه عليه الصلاة والسلام بنو عامر بن صعصعة (فيهم عامر بن الطفيل) . بضم الطاء وفتح الفاء. ابن لملك بن جعفر بن كلاب العامري، وهذا صريح في أن قصته كانت بعد الفتح. وقال ابن كثير: الظاهر أنها متقدمة على الفتح، وإن ذكرها ابن إسحق والبيهقي بعده (وأربد) . بفتح الهمزة، وإسكان الراء، وفتح الموحدة ومهملة. (ابن قيس وخالد،) كذا في النسخ، وهو تصحيف صوابه، كما في ابن إسحق وغيره، وأربد بن قيس بن جزء بن خالد (بن جعفر وحيان بن أسلم) صوابه، كما في ابن إسحق وغيره وجبار بن سلمى. بفتح الجيم، وشد الموحدة وبالراء، وسلمى . بفتح السين وضمها، والصواب الفتح، قاله أبو ذر، قال في النور: والذي أعرفه الضم، وفي الإصابة: بضم السين، وقيل: بفتحها (ابن لملك) بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الكلابي العامري، كان يقال لأبيه سلمى نزال الضيف، وأسلم جبار بعد ذلك، وصحب رضي اللَّه عنه، (وكان هؤلاء النفر، لفظ) ابن إسحق هؤلاء الثلاثة (رؤساء القوم وشياطينهم،) أي: عتاتهم، فكل عات متمرد، من جن وإنس ودواب شيطان، كما في المصباح، (فقدم عدو اللَّه عامر بن الطفيل على رسول اللَّه عَظِلّه، وهو يريد أن يغدر به). مثلث الدال. قال في القاموس: الغدر ضد الوفاء، غدره وبه كنصر وضرب وسمع. قال ابن إسحق: وقد قال له قومه: يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم، فقال: واللَّه قد كنت آليت لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش، (فقال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهه،) أي: صارفه بأن الهیه بحديث حتی لا یفطن، لما تريد فعله به (فاعله)، أي: أضرب أعلاه (بالسيف) كأنه يريد ضرب عنقه، فانتهى إليه عامر وأربد، وجلسا بين يديه. (فكلم عامر رسول اللَّه عَّل(،) فقال: يا محمد خالني. بمعجمة، فألف، ١٣١ الوفد الثالث: وفد بني عامر وقال: والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً، فلما ولى قال عليه الصلاة والسلام: اللَّهم اكفني عامر بن الطفيل. فلما خرجوا، قال عامر لأربد: ويحك، أينما كنت أمرتك به؟ فقال: والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبينه، أفأضربك بالسيف؟ ولما كانوا ببعض الطريق بعث الله تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله. فلام مشددة مكسورة. من المخالة، وهي المصادقة، أي: اتخذني خليلاً، وروي بخفة اللام، أي: انفرد لي خالياً حتى أتحدث معك، قال: ((لا، واللَّه حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له)، فقال: يا محمد خالني، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، وأربد لا يصنع شيئًا ويبست يده على السيف، فلم يستطع سله، فقال: يا محمد خالني، قال: ((لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له))، قال: ما تجعل لي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، قال: أتجعل لي الأمر بعدك، قال: ليس ذلك لك، ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل، قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، أتجعل لي الوبر ولك المدر؟ قال: لا، فقام عنه (وقال: والله لأملأنها،) أي: المدينة (عليك خيلاً)) زاد في رواية: جرواً (ورجالاً) زاد في رواية: مرداً ولأربطن بكل نخلة فرساً، فقال ◌َ له: ((يمنعك اللَّه)، (فلما ولى قال عليه الصلاة والسلام: ((اللهم إكفني عامر بن الطفيل))،) زاد في رواية: ((بما شئت وابعث له داء يقتله واهد قومه))، (فلما خرجوا، قال عامر لأربد: ويحك أينما كنت أمرتك به،) والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف على نفسي منك، وأيم اللَّه لا أخافك بعد اليوم أبدًا، (فقال) أربد: لا أُبالك لا تعجل عليَّ، (والله ما هممت بالذي أمرتني به إلاَّ دخلت بيني وبينه) حتى ما أرى غيرك، (أفأضربك بالسيف،) والمعنى: أن اللَّه تعالى منع أربد عن رسوله باراءته صورة صاحبه بينهما. قال في الروض: وفي رواية غير ابن إسحق: إلا رأيت بيني وبينه سوراً من حديد، وفي رواية: لما أردت سل سيفي، نظرت فإذا فحل من الإبل فأغرفاه بين يدي يهوي إليَّ، فوالله لو سللته لخفت أن يبلغ رأسي، وجمع بأن ما في الرواية الأولى بعد أن تكرر منه الهم، وما في الثانية بعد أن حصل منه هم آخر، وكذا، يقال في الثالثة، (ولما كانوا ببعض الطريق،) بمكان، يقال له الرقم بفتح الراء والقاف. موضع بالمدينة، (بعث اللَّه تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله اللَّه)) والمتبادر من ذا السياق قتله سريعاً، ووقع في رواية، فمكث عَّ يدعو عليه ثلاثين صباحًا، حتى إذا كان بالرقم بعث اللَّه عليه الطاعون فقتله، والذي يظهر أنها وهم نشأ من دعائه عليه شهراً، لما قتل أصحابه ببئر معونة، فدخل على راويها حديث في حديث، فخلط قصة ١٣٢ الوفد الثالث: وفد بني عامر وفي صحيح البخاري: أن عامرًا أتى النبي مٍَّ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال، يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. فطعن في بيت امرأة فقال: أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل بني فلان. ائتوني بفرسي فمات على ظهر فرسه بقصة، کما أشار إليه شيخنا. (وفي صحيح البخاري) من حديث أنس: (أن عامراً،) أي: ابن الطفيل (أتى النبي عَّه، فقال: أخيرك) لفظ البخاري، وكان عامر رئيس المشركين خيّر (بين ثلاث خصال). قال الحافظ . بفتح أوله وحذف المفعول، أي: خير النبي عَّه وبينه البيهقي في الدلائل من طريق شيخ البخاري فيه، ولفظه: وكان أتى النبي عَ ◌ّهِ، فقال: أخيرك بين ثلاث خصال، وفي نسخة خير . بضم أوله. وخطأها ابن قرقول (يكون لك أهل السهل) . بفتح المهملة وسكون الهاء. سكان البوادي (ولى أهل المدر) - بفتح الميم، والدال المهملة وراء. أهل البلاد. قال المصنف: فتفسير شيخنا السهل بالمدن، والقرى والمدر بالبوادي، خلافه، (أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان)، بمعجمة، ومهملة وفاء مفتوحات. قبيلة (بألف أشقر، وألف شقراء،) الذي في البخاري بألف وألف. قال الحافظ وغيره في رواية البيهقي عن أنس والطبراني عن سهل بن سعد: بألف أشقر، وألف شقراء، وبه مزج المصنف لفظ البخاري بلا عزو، (فطعن في بيت امرأة، فقال: أغدة) · بالنصب. بعامل مقدر، أي: أغد غدة، كما قال سيبويه، والاستفهام تعجبني، لكن لفظ البخاري غدة بدون ألف. قال الحافظ: يجوز رفعه بتقدير أصابتني، أو غدة بي، ويجوز النصب على المصدر، أي: أغد غدة، (كغدة البكر). بفتح الموحدة وإسكان الكاف. الفتى من الإبل، والغدة . بضم المعجمة. من أمراض الإبل وهو طاعونها، (في بيت امرأة من آل بني فلان،) بينها الطبراني من حديث سهل، فقال: امرأة من آل سلول، وهي بنت ذهل بن شيبان، وزوجها مرة بن صعصعة أخو عامر بن صعصعة، ينسب بنوه إليها، كما في الفتح، (ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه) كافراً. وفي رواية: ركب فرسه وأخذ رمحه، وأقبل يجول ويقول: يا ملك الموت ابرز لي، فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتاً. قال الداودي: كانت هذه من حماقات عامر، فأماته اللَّه بذلك ليصغر إليه نفسه، وبنو سلول کانوا موصوفین باللؤم، فرغب أن يموت في بيتها. ١٣٣ الوفد الرابع: وفد عبد القيس الوفد الرابع: وقدم وفد عبد القيس عليه، زاده الله شرفًا وكرمًا لديه، وهي قبيلة كبيرة يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفصى - بسكون الفاء بعدها ضاد مهملة قال في الفتح: وفي الإصابة ذكر جعفر المستغفري عامر بن الطفيل هذا في الصحابة، وهو غلط وخطأ صريح، وموت عامر المذكور على الكفر أشهر عند أهل السير من أن يتردد فيه، وإنما اغتر جعفر برواية أخرجها البغوي وبما أخرجه هو عن أبي أمامة، عن عامر بن الطفيل؛ أنه قال: يا رسول اللَّه زوَّدني بكلمات أعيش بهن؟ قال: ((يا عامر إفش السلام، وأطعم الطعام، واستحي من اللَّه، كما تستحيي رجلاً من أهلك، وإذا أسأت فأحسن، فإن الحسنات يذهبن السيئات))، فعامر هذا أسلمي لا عامري، فقد روى البغوي عن عبد الله بن بريدة الأسلمي، قال: حدثني عمي عامر بن الطفيل، فذكر حديثاً، فعرف أن الصحابي أسلمي، وافق اسمه واسم أبيه العامري، فساق المستغفري في نسب الصحابي نسب العامري، فوهم. قال ابن إسحق: ثم خرج أصحابه حين واروه بالتراب حتى قدموا أرض بني عامر، فأتاهم قومهم، فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شيء، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم، أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل اللّه عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. قال ابن هشام: وذكر زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: فأنزل اللَّه في عامر وأربد: ﴿اللَّه يعلم ما تحمل كل أثنى﴾ إلى قوله: ﴿وما لهم من دونه من والٍ﴾، وأما ثالثهم جبار بن سلمى، فقد أسلم مع من أسلم من بني عامر. ذكر الواقدي عن عبد الله بن كعب بن ملك: قدم وفدهم وهم ثلاثة عشر رجلاً، فيهم لبيد بن ربيعة، فنزلوا دار رملة، وكان بين جبار بن سلمى وبين كعب بن ملك صحبة، فجاء كعب، فرحب بهم، وأكرم جباراً، وانطلق معهم إلى النبي مَّله، فأسلموا وأسلم جبار وحسن إسلامه. قال ابن الكلبي: وكان أفرس بني عامر ذكره في الإصابة. (الوفد الرابع:) (وقد وفد عبد القيس عليه زاده اللَّه شرفاً وكرماً لديه، وهي قبيلة كبيرة يسكنون البحرين) وما والاها من أطراف العراق، كما في الفتح، والنسبة إليها العبدي، (ينسبون إلى عبد القيس بن أفصى - بسكون الفاء بعدها صاد مهملة) مفتوحة، وقبلها ألف مفتوحة، وأفادهما ١٣٤ الوفد الرابع: وفد عبد القيس بوزن أعمى - ابن دُغْمي - بضم الدال وسكون العين المهملتين وكسر الميم بعدها تحتانية -. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس: قدم وفد عبد القيس على رسول الله عَّه فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامی، بقوله: (بوزن أعمى ابن دعمي - بضم الدال، وسكون العين المهملتين، وكسر الميم بعدها تحتانية) ثقيلة، كما في الفتح ومن قال، كالكرماني والمصنف: وياء نسبة، فمراده أنها تثقل كياء النسبة وإلا فهو علم، وهو ابن جذيلة بجيم وزن كبيرة ابن أسد بن ربيعة بن نزار. (وفي الصحيحين) البخاري في عشرة مواضع، ومسلم في الإيمان والأشربة (من حديث ابن عباس قدم وفد عبد القيس على رسول اللَّه عَّه، فقال: ((ممن القوم))؟) وفي رواية: من القوم، أو الوفد بالشك من الراوي، (قالوا: من ربيعة،) كذا للبخاري في الصلاة، وله في الإيمان ربيعة بإسقاط من قال الحافظ فيه التعبير عن البعض بالكل، لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة، فللبخاري في الصلاة، فقالوا: إنا هذا الحي من ربيعة. قال ابن الصلاح: الحي منصوب على الإختصاص والمعنى أنا هذا الحي حي من ربيعة، (قال: مرحباً بالوفد) منصوب بفعل مضمر، أي: صادفت رحباً . بضم الراء، أي: سعة، والرحب · بالفتح. الشيء الواسع وقد يزيدون معها أهلاً، أي: وجدت أهلاً فاستأنس، وأفاد العسكري أن أول من قال: مرحبًا سيف بن ذي يزن، وفيه إستحباب تأنيس القادم، وقد تكرر ذلك من النبي عَّهِ في حديث أم هانىء، وقال لعكرمة بن أبي جهل: مرحبًا بالراكب المهاجر، وفي قصة فاطمة: مرحبًا بابنتي، وكلها صحيحة. وأخرج النسائي عن عاصم بن بشير الحرثي عن أبيه أن النبي عَ ليه، قال له لما دخل فسلم عليه: مرحبًا وعليك السلام (غير خزايا) بنصبه حالاً، وروى بجره صفة، والمعروف الأول، قاله النووي، وأيضاً فيلزم منه وصف المعرفة بالنكرة إلاّ أن تجعل أل للجنس كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني والأولى: أن يكون الخفض على البدل قاله الأبي. قال الحافظ: ويؤيد النصب رواية البخاري في الأدب: مرحبًا بالوفد الذين جاؤا غير خزايا جمع خزيان، أي: غير أذلاء، أو غير مستحيين لقدومكم مسلمين طوعًا من غير حرب، أو سبي يخزيهم ويفضحهم، (ولا ندامى) جمع نادم على غير قياس، اتباعًا لخزايا للمشاكلة والتحسين، کما قالوا: العشایا والغدایا، وغداة جمعها غدوات لكنه اتبع فاصله نادمین، جمع نادم، لأن ندامی ١٣٥ الوفد الرابع: وفد عبد القيس فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل، نأخذ به ونأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة. ٠٠ إنما هو جمع ندمان، أي: المنادم في اللهو، قال الشاعر: فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني كذا قاله الخطابي، قال الحافظ: وقد حكى القزاز والجوهري وغيرهما من أهل اللغة: إنه يقال نادم وندمان في الندامة، بمعنى فعلى هذا، فهو على الأصل، ولا اتباع فيه، وللنسائي والطبراني: مرحبًا بالوفد ليس الخزايا، ولا النادمين. قال ابن أبي جمرة: بشرهم بالخير عاجلاً وآجلاً، لأن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثبت ضدها، وفيه جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الفتنة، (فقالوا: يا رسول اللَّه إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر). بضم الميم وفتح المعجمة. لا ينصرف للعلمية والتأنيث، (وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام،) بتنكيرهما، فهو شامل للأربعة، ويؤيده رواية البخاري في المناقب: إلاّ في كل شهر حرام، وقيل: المراد المعهود، وهو رجب، وبه صرح في رواية البيهقي، وكانت مضر تبالغ في تعظيمه، فلذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة حيث، قال رجب مضر: والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلاَّ أنهم ربما أنسوها بخلافه. وللبخاري في العلم: وإنا نأتيك من شقة بعيدة. قال ابن قتيبة: الشقة: السفر، وقال الزجاج: هي الغاية التي تقصد، (فمرنا) أصله أؤمرنا . بهمزتين. من أمر يأمر، فحذفت الهمزة الأصلية للاستثقال، فصار أمرنا، فاستغنى عن همزة الوصل، فحذفت، فبقي مر على وزن على، لأن المحذوف فاء الفعل (بأمر فصل،) بصاد مهملة وبالتنوين فيهما، لا بالإضافة بمعنى الفاصل كالعدل بمعنى العادل، أي: يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى المفصل، أي: المبين المكشوف حكاه الطيبي. وقال الخطابي: الفصل البين، وقيل: المحكم (نأخذ به ونأمر به من،) أي: الذي استقر (وراءناء) أي: خلفنا من قومنا الذين خلفناهم في بلادهم، (وندخل به الجنة) إذا قبل برحمة اللَّه. ولفظ البخاري في الإيمان: نخبر به من وراءنا، بدل نأمر به، وإسقاط نأخذ به قال الحافظ: نخبر بالرفع على الصفة لأمر، وكذا قوله: وندخل، وروى بالجزم فيهما على أنه جواب الأمر، وسقطت الواو من وندخل في بعض الروايات، فيرفع نخبر، ويجزم ندخل. قال ابن أبي جمرة: فيه إبداء العذر عند العجز عن توفية الحق واجباً كان، أو مندوباً وأنه ١٣٦ الوفد الرابع: وفد عبد القيس قال: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، يبدأ بالسؤال عن الأهم، وأن الأعمال الصالحة تدخل الجنة إذا قبلت، وقبولها برحمة اللَّه، وللبخاري في رواية: وسألوه عن الأشربة، أي: عن ظروفها على حذف مضاف، أو على حذف الصفة، أي: التي تكون في الأواني المختلفة، (قال: آمركم بأربع،) أي: بأربع خصال، أو جمل لقولهم: حدثنا بجمل من الأمر، وهي رواية البخاري في المغازي (وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله) وحده، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا أسقطه المصنف من لفظ الحديث في الصحيحين سهوًا، أو من الكاتب (شهادة أن لا إله إلاَّ اللَّه))) برفع شهادة خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، ويجوز جره على البدلية، (وأن محمداً رسول اللَّه). وهذه رواية البخاري في العلم والصلاة، وسقطت الجملة الثانية من الإيمان، لأن الأولى صارت علمًا عليهما معًا، (وإقام الصلاة) المفروضة، (وإيتاء الزكاة) المعهودة، (وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس) . بضم الخاء، كما في التنزيل. وذكر جواب سؤالهم عن الأشربة بقوله: (وأنهاكم عن أربع: عن الدباء) . بضم المهملة وشد الموحدة والمد، وحكى الفزار: القصر هو الفرع، والمراد منه اليابس، وهو والثلاثة بعده من إطلاق المحل وإرادة الحال، أي: ما في الدباء (والحنتم،) وصرح بالمراد في رواية النسائي، فقال: وأنهاكم عن أربع: ما ينبذ في الحنتم . بفتح المهملة، وسكون النون وفتح الفوقية. هي الجرة، كما فسرها ابن عمر في مسلم، وله عن أبي هريرة: الحنتم الجرار الخضر. وروى الحربي عن عطاء: أنها جرار كانت تعمل من طين وشعر وأدم (والنقير) . بفتح النون وكسر القاف. أصل النخلة تنقر ليتخذ منه وعاء. وفي البخاري: وربما، قال: المقير. بالقاف وفتح التحتية المشددة. ما طلي بالقار، ويقال له: القير، وهو نبت يحرق إذا ييس يطلى به السفن وغيرها، كما يطلى بالزفت قاله في المحكم (والمزفت) . بالزاي والفاء. ما طلي بالزفت. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة، قال: أما الدباء فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع، فيخطرون فيه العنب، ثم يدفنونه حتى يهدر، ثم يمرث، وأما النقير؛ فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة، ثم ينبذون الرطب والبسر، ثم يدعونه حتى يهدر، ثم يمرت، وأما الحنتم، فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت، فهذه الأوعية التي فيها الزفت. ١٣٧ الوفد الرابع: وفد عبد القيس فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم. قال ابن القيم: ففي هذه القصة أن الإيمان بالله مجموع هذه الخصال من القول والعمل، كما على ذلك أصحاب رسول الله علّم والتابعون وتابعوهم كلهم، ذكر ذلك الشافعي في المبسوط، وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة، ولم يعد الحج من هذه الخصال، وقد كان قدومهم في سنة تسع، وهذا أحد ما يحتج به على أن الحج لم يكن فرض بعد، وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان فرض لعده من الإيمان كما عد الصوم والزكاة. انتهى. قال الحافظ: وإسناده حسن، وتفسير الصحابي أولى أن يعتمد عليه من غيره، لأنه أعلم بالمراد، ومعنى النهي عن الإنتباذ في هذه الأوعية بخصوصها، لأنه يسرع إليها الإسكار، فربما يشرب منها من لا يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الإنتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر اهـ، يعني في صحيح مسلم مرفوعاً: كنت نهيتكم عن الانتباذ إلاّ في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا، (فاحفظوهن وادعو إليهن). وفي رواية: وأخبروا بهن (من). بفتح الميم. (وراءكم،) يشمل من جاؤوا من عندهم، وهو باعتبار المكان، ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين معًا حقيقة ومجازًا قاله الحافظ. (قال ابن القيم: ففي هذه القصة أن الإيمان باللّه مجموع هذه الخصال من القول،) وهو الشهادتان (والعمل) وهو ما بعدهما، (كما على ذلك أصحاب رسول اللَّه عَ لّ والتابعون، وتابعوهم كلهم،) وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط كمال، وثم سبعة أقوال أخر، فصلها المصنف في شرح البخاري، (ذكر ذلك) الذي بيناه، وفي نسخة كما ذكره (الشافعي في المبسوط، وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة، ولم يعد الحج من هذه الخصال، وقد كان قدومهم في سنة تسع) إذ هي سنة الوفود، (وهذا أحد ما يحتج به على أن الحج لم يكن فرض بعد،) أي: الآن، (وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان فرض لعده من الإيمان، كما عد الصوم والزكاة انتهى) كلام ابن القيم. قال الحافظ: وأما قول من قال: ترك الحج لكونه على التراخي، فليس بجيد، لأنه لا يمنع من الأمر به، وكذا من قال لشهرته عندهم ليس بقوي، لأنه عند غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم، وكذا القول بأنه تركه، لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر ليس بمستقيم، لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال ترك الإخبار به ليعمل به عند الإمكان، كما في الآية، ١٣٨ الوفد الرابع: وفد عبد القيس وقد كان لعبد القيس وفدتان: إحداهما: قبل الفتح، ولهذا قالوا له عليه الصلاة والسلام: حال بيننا وبينك كفار مضر، وكان ذلك قديمًا، إما في سنة خمس أو قبلها، وكانت قريتهم بالبحرين، وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلاً، وقيل كانوا أربعة عشر راكبًا، بل دعوى أنهم لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة، لأنه يقع في الأشهر الحرم، وقد ذكروا أنهم يأمنون فيها، لكن يمكن أن يقال إنما أخبرهم ببعض الأوامر، لكونهم سألوا أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكن فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلاً وتركًا، ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الإنتباذ في الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشد تحريما من الانتباذ، لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها، وزيادة أبي قلابة الحج بلفظ: وتحجوا البيت الحرام، أخرجه البيهقي شاذة، وقد أخرجه الشيخان ومن استخرج عليهما، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان من طريق شيخ أبي قلابة، فلم يذكر أحد منهم الحج، وأبو قلابة تغير حفظه في آخر أمره، فلعل هذا مما حدث به في التغير، لكن هذا بالنسبة لرواية أبي جمرة . بجيم وراء. عن ابن عباس. وقد روى أحمد من طريق سعيد بن المسيب وعكرمة عن ابن عباس، ذكر الحج في قصة وفد عبد القيس، فإن كان محفوظاً، فالمراد بالأربع ما عدا الشهادتين وأداء الخمس، (وقد كان لعبد القيس وفدتان، إحداهما قبل الفتح، ولهذا قالوا له عليه الصلاة والسلام: حال بيننا وبينك كفار مضر، وكان ذلك قديمًا، إما في سنة خمس) من الهجرة، (أو قبلها،) وكان سبب ذلك أن منقذ، بميم مضمومة، ونون ساكنة وقاف مكسورة. ابن حبان - بفتح المهملة والموحدة، كان متجره إلى المدينة، فمر به عَّ له، وهو قاعد، فنهض إليه منقذ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((كيف قومك))؟ ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل بأسمائهم، فأسلم منقذ، وتعلم الفاتحة وسورة اقرأ، وكتب عليه الصلاة والسلام لجماعة عبد القيس كتابًا، فلما دخل إلى قومه كتمه أيامًا، وكان يصلي، فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذ، وهو الأشج: إني أنكرت فعل بعلي منذ قدم من يثرب، إنه ليغسل أطرافه، ثم يستقبل الكعبة، فيحني ظهره مرة، ويضع جبينه إلى الأرض أخرى، فاجتمعا، فتجاريا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، ثم أخذ المنذر كتابه عليه الصلاة والسلام، وذهب إلى قومه، فقرأه عليهم، فأسلموا، وأجمعوا المسير إلى رسول اللَّه عَّه، كذا ذكر الكرماني، (وكانت قريتهم بالبحرين) أول قرية أقيمت فيها الجمعة بعد المدينة، كما يأتي، (وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلاً،) كما رواه البيهقي وغيره، (وقيل: كانوا أربعة عشر راكبًا،) كما جزم به القرطبي والنووي وهم: المنذر بن عائذ، وهو الأشج، ومنقذ بن حبان، ١٣٩ الوفد الرابع: وفد عبد القيس وفيها سألوه عن الإيمان، وعن الأشربة، وكان فيهم الأشج، وكان كبيرهم، وقال له عليه الصلاة والسلام: إن فيك لخصلتين خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناءة. رواه مسلم من حديث أبي سعيد. وأخرج البيهقي: قال: بينما النبي ◌َّهِ يحدث أصحابه قال: سيطلع عليكم من ومزيدة بن ملك، وهو بميم وزاي بوزن كبيرة، وعمرو بن رحوم، والحرث بن شبيب، وعبيدة بن همام، والحرث بن جندب، وصحار - بضم الصاد وبالحاء المهملتين. ابن العباس، وعقبة بن حروة، وقيس بن النعمان، والجهم بن قثم، وجويرة العبدي، ورستم العبدي، والزراع بن عامر انتهى ملخصاً من الفتح، (وفيها سألوه عن الإيمان وعن الأشربة) على حذف مضاف، أي: عن ظروفها، أو حذف الصفة، أي: التي تكون في الأواني المختلفة، (وكان فيهم الأشج) . بهمزة، فشين معجمة مفتوحتين فجيم، واسمه المنذر بن عائذ. بمهملة وتحتية ومعجمة، سماه النبي معد له الأشج لأثر كان في وجهه. قال النووي: هذا هو الصحيح المشهور في اسمه الذي قاله ابن عبد البر والأكثرون. وقال الكلبي: اسمه المنذر بن الحرث بن زياد بن عصر بن عوف، وقيل: اسمه المنذر بن عامل، وقيل: ابن عبيد، وقيل: اسمه عائذ بن المنذر، وقيل: عبد الله بن عوف العصري، بفتح العين والصاد المهملتين، (وكان كبيرهم) قدرًا لا ينافي الحديث الآتي، وكان أصغرهم سنا، (وقال له عليه الصلاة والسلام: إن فيك لخصلتين يحبهما اللَّه الحلم،) بحاء مكسورة، فلام ساكنة فهيم. العقل (والأناءة)، بهمزة ونون مفتوحتين، فألف، فتاء تأنيث وبالقصر. التثبت وعدم العجلة. قال عياض: وهي تربصه حين نظر في مصالحه ولم يعجل، والحلم أنه معَّة، قال لهم: تبايعون على أنفسكم وقومكم؟ فقالوا: نعم، فقال الأشج: يا رسول اللَّه إنك لن تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، ونرسل من يدعوهم، فمن إتبعنا كان منا، ومن أبى قتلناه، قال: صدقت إن فيك خصلتين الخ، فهذا يدل على صحة عقله وجودة نظره للعواقب انتهى. (رواه مسلم من حديث أبي سعيد) الخدري، ولا يخالف هذا النهي عن مدح الرجل في وجهه، لأن ما كان من النبي عَّ وحي ولا يجوز كتمه، أو أنه علم من حاله أنه لا يلحقه من المدح إعجاب، فأخبره بأن ذلك مما يحبه اللَّه ليشكره على ما منحه ويزداد لزومًا له، (وأخرج البيهقي،) وأبو يعلى، والطبراني بسند جيد، عن مزيد بن ملك العصري، (قال: بينما النبي عَ له يحدث أصحابه، قال: ((سيطلع، ) بضم اللام، ولفظ الرواية: إذ قال لهم: ((سيطلع (عليكم من ١٤٠ الوفد الرابع: وفد عبد القيس لههنا ركب هم خير أهل المشرق، فقام عمر بن الخطاب نحوهم، فلقي ثلاثة عشر راكبًا، فبشرهم بقوله عليه الصلاة والسلام ثم مشى معهم حتى أتوا النبي عَّهِ، فرموا بأنفسهم عن ركائبهم، فأخذوا يده فقبلوها. الحديث وأخرجه البخاري في الأدب المفرد. فيمكن أن يكون أحد المذكورين غير راكب أو مرتدفًا. وثانيتهما: كانت في سنة الوفود و کان عددهم حينئذٍ لههنا ركب هم خير أهل المشرق))، فقام عمر بن الخطاب نحوهم، فلقي ثلاثة عشر راكبًا،) فقال من القوم؟ قالوا: من بني عبد القيس، قال: فما أقدمكم هذه البلاد التجارة؟ قالوا: لا، قال: أما إن النبي عَّهِ قد ذكركم آنفًا، فقال: خيرًا. هذا لفظ رواية البيهقي وغيره، واختصره المصنف تبعًا للحافظ بقوله: (فبشرهم بقوله عليه الصلاة والسلام،) أي: بمعنى قوله على طريق الإجمال، كما علم من لفظ الرواية، (ثم مشى معهم حتى أتوا النبي عَّةٍ،) فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الذي تريدون، (فرموا بأنفسهم عن ركائبهم،) فمنهم من مشى إليه، ومنهم من هرول، ومنهم من سعى حتى أتوا النبي عَ لّهِ، فابتدروه القوم ولم يلبسوا إلاّ ثياب سفرهم. هذا أسقطه من رواية البيهقي قبل قوله: (فاحذوا يده فقبلوها .. الحديث) بقيته، وتخلف الأشج، وهو أصغر القوم في الركاب حتى أناخها، وجمع متاع القوم، وذلك بعين رسول اللَّه معد له. وفي حديث الزراع بن عامر عند البيهقي: فجعلنا نتبادر من رواحلنا نقبل يد رسول الله ورجله، وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عبئته، فلبس ثوبيه، وفي حديث عند أحمد: فأخرج الأشج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول اللَّه عَ ظله، فقبلهما، وكان رجلاً دميماً، فلما نظر عَِّ إلى دمامته، قال: يا رسول اللَّه إنه لا يستقي في مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه، فقال له معَّه: إن فيك خلتين يحبهما اللَّه ورسوله الحلم والأناة، قال: يا رسول اللَّه أنا أتخلق بهما أم اللَّه جبلني عليهما؟ قال: بل اللَّه تعالى جبلك عليهما، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله تعالى ورسوله. وفي مسند أبي يعلى قديمًا كان في أم حدثًا قال: بل قديمًا، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما، (وأخرجه البخاري في الأدب المفرد) مطوّلاً من وجه آخر عن رجل من وفد عبد القيس لم يسمعه، فصرح في ذا الحديث بأنهم ثلاثة عشر راكبًا، فيخالف القول بأنهم أربعة عشر، (فيمكن) في طريق الجمع بينهما (أن يكون أحد المذكورين غير راكب،) بل راجل (أو مرتدفًا) مع واحد منهم، فلا خلف (وثانيتهما كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذ