Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله تعالى، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا
نصيحتي، وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرًا ومعه نفر من المسلمين، والسلام على
من اتبع الهدى.
وبعث الكتاب مع عمرو بن أمية الضمري، فقال النجاشي له عندما قرأ
الكتاب: أشهد بالله أنه النبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى
براكب الحمار، كبشارة عيسى براكب الجمل، وأن العيان ليس بأشفى من الخبز
عنه،
فإني رسول اللَّه) إلى الناس كافة، (وإني أدعوك، و) أدعو (جنودك إلى اللَّه تعالى)، أي طاعته .
وعبادته، (وقد بلغت ونصحت) بضم التاءين على التكلم، (فأقبلوا) بهمزة وصل وفتح الموحدة.
(نصيحتي،) ففيها سعادة الدارين، (وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرًا،) قيل هذا في الهجرة
الثانية إلى الحبشة في السنة السادسة من النبوة، وبعث الكتاب، كما يأتي كان في سنة ست من
الهجرة، واستمر جعفر مقيمًا بالحبشة حتى قدم في خيبر، (ومعه نفر من المسلمين،) وسقط
قوله، وقد بعثت إلى هنا من رواية الواقدي، وثبت للبيهقي عن ابن إسحق (والسلام على من اتبع
الهدى) الرشاد، (وبعث الكتاب مع عمرو بن أمية الضمري) الصحابي المشهور.
قال ابن سعد: أسلم حين انصرف المشركون من أحد، كذا ذکر ابن عبد البر.
قال النووي: والمشهور أنه أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة.
ذكر ابن إسحق أن عمرًا، قال له: يا أصحمة إن علي القول، وعليك الاستماع، إنك كأنك
في الرقة علينا منا، وكأنا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيرًا قط إلا نلناه منك، ولم
نخفك على شىء قط إلاَّ أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا
يرد وقاض لا يجور، وفي ذلك موقع الحز، وإصابة المفصل، وإلاَّ فأنت في هذا النبي الأمي،
كاليهود في عيسى ابن مريم، وقد فرق النبي عَِّ رسله إلى الناس، فرجاك لما لم يرجهم له،
وأمنك على ما خافهم عليه، لخير سالف، وأجر ينتظر، (فقال النجاشي له: عندما قرأ الكتاب،
أشهد باللَّه إنه النبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب. وأن بشارة موسى براكب الحمار) عيسى
عليه السلام، (كبشارة عيسى براكب الجمل) أحمد عَّةٍ، (وأن العيان) بكسر العين المشاهدة له
(ليس بأشفى من الخبر عنه،) لأن ما أعلمه من صفاته وأخباره بحقيقة الإسلام وغير ذلك ثبت
عندي، وتيقنته بحيث لو عاينته لا أزداد من حيث العلم بتحققه شيئًا، فلا تعارض بين هذا، وبين
قوله تعَُّله: ليس الخبر كالمعاينة، إن اللَّه عز وجل أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق

٢٢
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
ولكن أعواني من الحبش قليل، فأنظرني حتى أكثر الأعوان وألين القلوب.
ثم كتب النجاشي جواب الكتاب إلى النبي صَّهِ:
بسم الله الرحمن الرحيم. إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة، سلام
عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني
للإسلام، أما بعد: فقد بلغنى كتابك يا رسول الله، فما ذكرت من أمر عيسى،
فورب السماء والأرض إن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يزيد على ما ذكرت
ثفروقًا،
الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح، فانكسرت، رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن
ابن عباس، لأن معناه أن الخبر يفيد العلم بصفة إجمالية، والمعاينة تفيد حصولها وتصورها عند
الرائي، وذلك لا يفيده الإخبار، أو الحديث حكم على المجموع، ومنه فعل موسى، وقول
النجاشي، أي عندي حق لو رأيته ما زدت على اليقين. كقوله لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا،
(ولكن أعواني من الحبش قليل، فانظرني) أخرني (حتى أكثر الأعوان وألين القلوب) إلى
الإسلام.
قال ابن سعد: فأخذ الكتاب، ووضعه على عينيه، ونزل عن سريره، فجلس على الأرض،
ثم أسلم وشهد شهادة الحق، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته، (ثم كتب النجاشي جواب
الكتاب إلى النبي ◌َِّ بسم الله الرحمن الرحيم،) ابتدأ بها اقتداءً بكتاب المصطفى، لكنه
تأدب، فلم يبدأ باسم نفسه، بل بالاسم الشريف، فقال: (إلى محمد رسول اللَّه من النجاشي
أصحمة) بوزن أربعة وحاؤه مهملة، وقيل معجمة، وقيل إنه بموحدة بدل الميم، وقيل صحمة بغير
ألف، وقيل كذلك، لكن بتقديم الميم على الصاد، وقيل بزيادة ميم في أوَّل بدل الألف.
نقله عن ابن إسحق الحاكم في المستدرك، والمعروف عن ابن إسحق الأوَّل، ويتحصل
من هذا الخلاف في اسمه ستة ألفاظ لم أرها مجموعة، قاله في الإصابة، وصوب النووي أولها،
وقيل اسمه سليم بضم السين، وقيل حازم (سلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة الله وبركات اللَّه
الذي لا إله إلاَّ هو الذي هداني للإسلام،) ذكر اللَّه بالإسم الظاهر دون الضمير لقصد الالتذاذ
بذكر اللَّه وعظم شأنه، والثناء عليه تعالی:
أعد ذكر نعمان لنا أن ذكره هو المسك ما كررته يتضوع
(أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول اللَّه، فما ذكرت) فيه (من أمر عيسى، فورب السماء
والأرض إن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يزيد على ما ذكرت ثفروقًا،) بضم المثلثة، وسكون

٢٣
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
إنه كما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، فأشهد أنك رسول الله صادقًا مصدقًا،
وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين. وقد بعثت
إليك ابني، وإن شئت أتيتك بنفسي فعلت، فإني أشهد أن ما تقوله حق، والسلام
عليك ورحمة الله وبركاته.
٠٠
ثم إنه أرسل ابنه
الفاء، وضم الراء، وسكون الواو، ثم قاف يأتي تفسيره بعلاقة ما بين النواة والقشر؛ (إنه كما
ذكرت،) وأتى بهذا إعلامًا بأنه آمن إيمانًا صحيحًا، وأن ما أخبر به المصطفى عن عيسى، موافق
لما عندهم في الكتب، وتلقوه من الأحبار الذين لم يبدلوا؛ وأنه ليس، كما زعم من ضل من
النصارى ابن اللّه، وليس الهًا معه، ولا ثالث ثلاثة، فأقسامه على ذلك إذاعة الآية محمدية، وهي
موافقة خبره لكتب اللَّه المنزلة التي لم تبدل، (وقد عرفنا ما بعثت به إلينا،) وقد قربنا ابن عمك
وأصحابه، كما في الرواية، (فأشهد أنك رسول اللَّه صادقًا مصدقًا، وقد بايعتك، وبايعت ابن
عمك، وأسلمت على يديه للَّه رب العالمين).
وروى أحمد بسند حسن عن ابن مسعود قصة بعث قريش عمرو بن العاصي، وعمارة بن
الوليد إلى النجاشي ليرد أهل الهجرة إليهم وفيها قول النجاشي: أنا أشهد أنه رسول اللَّه، وأنه
الذي بشر به عيسى في الإنجيل، واللَّه لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته، فأكون أنا الذي أحمل
نعليه، وأوضئه، وإن ابن مسعود تعجل، فشهد بدرًا، وقد أسلفت لفظ الحديث ثمة، فهو صريح
في إسلامه قبل بعث الكتاب سنة ست، فيحتمل أنه أسلم، وكتمه عن قومه حتى بعث إليه
الكتاب، فأعلن بالإيمان والعلم للَّه، (وقد بعثت إليك بابني) اسمه أرخى، كما في مغازي التيمي،
أو أريخا، كما في دلائل البيهقي عن ابن إسحق ذكره الإصابة ودخول الباء على ما يصل بنفسه،
قليل وأكثر اللغويين على تعدية بعث فيما يصل بنفسه، كزيد وبالباء فيما لا يصل كالكتاب، كما
قال أبو حيان، (وإن شئت أنيتك بنفسي) في موضع المفعول لشئت، أي أتياني وجواب الشرط
قوله، (فعلت، فإني أشهد أن ما تقوله حق، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته،) كرر السلام،
وجعله ختام الكتاب زيادة في الشوق والتماس الثواب.
وذكر ابن سعد أنه عَّه بعث إليه مع عمرو بن أمية بكتابين يدعوه في أحدهما إلى
الإسلام، والثاني أن يزوجه أم حبيبة، وأن يبعث إليه من عنده من أصحابه، ويحملهم، فأسلم،
وفعل ما أمر به، ودعا بحق عاج، فجعل فيه الكتابين، وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان
الكتابان بين أظهرها، وجهزهم في سفينتين في إحداهما جعفر ومن معه، (ثم إنه أرسل ابنه) في

٢٤
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
في أثر من أرسله من عنده مع جعفر بن أبي طالب عم رسول الله، فلما كانوا في
وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله عَّه وكانوا سبعين رجلاً
عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام، فقرأ
عليهم رسول الله عَِّ القرءان سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرءان
وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه الصلاة والسلام، وفيهم
أنزل الله تعالى: ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾
[المائدة/٨٢] إلى آخر الآية، لأنهم كانوا من أصحاب الصوامع.
ستين نفسًا في سفينة (في أثر من أرسله من عنده مع جعفر بن أبي طالب عم رسول اللَّه عَلَّهِ،
فلما كانوا في وسط البحر غرقوا،) يعني ابنه والستين الذين معه، كما عند التيمي والبيهقي عن
ابن إسحق، ونجا أصحاب السفينة الأخرى، كما قال، (ووافى جعفر وأصحابه رسول اللَّه عَ له،
وكانوا سبعين رجلاً عليهم ثياب الصوف منهم اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل
الشام) كانوا عنده بالحبشة، وسماهم قتادة، فقال: أبرهة، وإدريس، وأشرف، وأيمن، وبحيرًا،
وتمام، وتميم، ونافع، وظن العز بن الأثير أن بحيرًا هو الراهب المشهور، والظاهر أنه غيره،
لأنه عَّه إنما رآه في أرض الشام، وهذا إنما هو بالحبشة وابن الجنوب من الشمال، ولا مانع أن
یسمی اثنان باسم واحد.
قاله في الإصابة (فقرأ عليهم رسول اللَّه عَ طِّ القرءان سورة يس إلى آخرها،) بدل كل
من كل بناءً على المختار أن القرءان باللام، للقدر المشترك بين جميعه وبعضه، وقيل المعرف
لجميعه، فهو بدل بعض من كل، (فبكوا حين سمعوا القرءان وآمنوا، وقالوا ما أشبه) ما أشد شبه
(هذا بما كان ينزل على عيسى عليه الصلاة والسلام،) لما علموه حين سمعوا القرءان من
الأخبار عن عيسى ورسله والبعث وغير ذلك من الآيات العجيبة، (وفيهم،) كما رواه ابن
أبي حاتم وغيره، (أنزل اللَّه تعالى: ﴿ولتجدن أقربهم﴾،) أي الناس (﴿مودة للذين آمنوا الذين،
قالوا إنا نصارى﴾ إلى آخر الآية، لأنهم كانوا من أصحاب الصوامع،) والتي بعدها ثناء عليهم
أيضًا، ولنزولها فيمن أسلم منهم غير الأسلوب، فلم يقل النصارى، كما قال: لتجدن أشد الناس
عداوة للذين آمنوا اليهود، والذين أشركوا، فمن بقي على نصرانيته، لا يوصف بأنه قريب
للمؤمنين، فضلاً عن كونه أقرب، لا كما يتوهم الجهلة من الآية، وليس قول قتادة نزلت في ناس
من أهل الكتاب كانوا على شريعة الحق مما جاء به عيسى، فلما بعث محمد عَّ آمنوا به،
وصدقوه مقابلاً لهذا، بل هو بمعناه غايته أنه أبهم أهل الكتاب، فيحمل على بيان ابن الزبير عند
النسائي، وابن عباس عند الطبراني، وسعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم؛ أنها نزلت في أصحاب

٢٥
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
والثفروق: علاقة ما بين النواة والقمح.
وهذا هو أصحمة الذي هاجر إليه المسلمون في رجب سنة خمس من
النبوة، وكتب له النبي عَّه كتابًا يدعوه في الإسلام مع عمرو بن أمية الضمري سنة
ست من الهجرة، فآمن به وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وتوفي في رجب
سنة تسع من الهجرة ونعاه النبي عَ له يوم توفي وصلى عليه بالمدينة.
وأما النجاشي الذي ولي بعده، وكتب له النبي عَّهِ يدعوه إلى الإسلام
النجاشي.
وقيل كما حكاه الخازن نزلت في أربعين من بحران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية
من أهل الشام، ومحصله أنها نزلت في أصحاب النجاشي، وشاركهم غيرهم، والاختلاف في
عدة الحبشيين غير ضار، فالأقل داخل في الأكثر، (والثفروق علاقة ما بين النواة والقمح) من
التمرة، وفي القاموس أنه قمع التمر، أو ما يلتزق به قمعها ونحوه في الصحاح، فتفسير المصنف
لا يوافق قولاً منهما إلا بجعل الإضافة بيانية، أي علاقة هي شىء الخ ... ، فيوافق الأول.
(وهذا) النجاشي (هو أصحمة الذي هاجر إليه المسلمون في رجب سنة خمس من
النبوة) الهجرة الأولى، ثم هاجروا إليه بعد ذلك بقليل الهجرة الثانية، كما مر تفصيله، (وكتب له
النبي عَ له، كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام،) وكتابًا آخر، بأن يزوجه أم حبيبة، ويحمل إليه من
عنده من أصحابه، وبعثهما (مع عمرو بن أمية) الضمري (سنة ست من الهجرة، فآمن به وأسلم
على يد جعفر بن أبي طالب، وتوفي في رجب سنة تسع من الهجرة) عند الأكثر.
وقيل سنة ثمان قبل فتح مكة، كما ذكره البيهقي في الدلائل، (ونعاه،) أي أخبر بموته
(النبي ◌َُّ يوم توفي وصلى عليه بالمدينة،) وأخرج أصحاب الصحيح قصة صلاته عليه صلاة
الغائب من طرق عن جابر: لما مات النجاشي، قال عَُّله: قد مات اليوم عبد صالح، يقال له
أصحمة، فقوموا فصلوا فصفنا خلفه.
وعند ابن شاهين والدارقطني عن أنس، قال مَّةٍ: قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي، فقال
بعضهم: يأمرنا أن نصلي على عج من الحبشة، فأنزل اللَّه: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن
بالله﴾ [آل عمران: ١٩٩]، إلى آخر السورة، وللدارقطني وغيره عن أبي هريرة، فوثب عٍَّ،
ووثبنا معه حتى جاء المصلي، فقام، فصففنا وراءه، فكبرا أربع تكبيرات.
وروى ابن إسحق عن عائشة، لما مات النجاشي، كما نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره
نور أخرجه أبو داود، وترجم عليه النور يرى على قبر الشهداء.
(وأما النجاشي الذي ولي بعده، وكتب له النبي عێ) كتابًا (يدعوه إلى الإسلام،) روى

٢٦
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
فكان كافرًا، لم يعرف إسلامه ولا اسمه، وقد خلط بعضهم ولم يميز بينهما.
وفي صحيح مسلم عن قتادة: أن نبي الله عَّم كتب إلى كسرى وإلى قيصر
وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه.
البيهقي عن ابن إسحق، قال: هذا كتاب من النبي محمد عَّ إلى النجاشي الأصحم، عظيم
الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك
له، لم يتخذ صاحبة، ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية اللَّهِ، فإني أنا رسوله،
فأسلم تسلم، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أن لا نعبد إلاَّ اللَّه، ولا نشرك به
شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون اللَّه، فإن تولوا، فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون، فإن أبيت
فعليك إثم النصارى من قومك.
قال الحافظ ابن كثير: الظاهر أن هذا الكتاب إنما هو إلى النجاشي الذي ولى بعد المسلم
صاحب جعفر، وذلك حين كتب إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى اللَّه قبل الفتح.
قال الزهري: كانت كتبه عَّه واحدة، يعني نسخة واحدة، وكلها فيها هذه الآية، وهي
مدنية بلا خلاف انتهى، ومراد الزهري كتبه إلى أهل الكتاب، وهم النجاشيان، وهرقل،
والمقوقس، وإلا فكتاب كسرى وغيره ليس فيه الآية، كما يتلى عليك، (فكان كافرًا لم يعرف
إسلامه ولا اسمه،) لأن النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة، وأما قوله في الكتاب الأصحم،
فقال ابن كثير: لعله مقحم من الراوي بحسب ما فهمه، (وقد خلط بعضهم ولم يميز بينهما،)
فظنهما واحدًا، (وفي صحيح مسلم) ما يرد عليه، ويصرح بأنهما اثنان؛ فإنه أخرج (عن قتادة)
بن دعامة عن أنس (أن نبي اللَّه عَّ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى
كل جبار عنيد، كما هو رواية مسلم، (يدعوهم إلى اللَّه، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه،)
فصرح أنس بأنه غيره، كما هو الواقع عند مسلم لا قتادة، كما أوهمه المصنف، وقد کتب لكل
منهما، كما بينه البيهقي عن ابن إسحق.
وروى الطبراني عن المسور، قال: خرج عَِّ إلى أصحابه، فقال: إن اللَّه بعثني للناس
كافة، فأدوا عني، ولا تخلقوا علي، فبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى، وسليطًا إلى هوذة
واليمامة، والعلاء إلى المنذر بهجر، وعمر بن العاصي إلى جيفر، وعباد ابني الجلندي بعمان،
ودحية إلى قيصر، وشجاع بن وهب إلى ابن أبي شمر، وعمرو بن أمية إلى النجاشي، فرجعوا
جميعًا قبل وفاته عَّلِ غير عمرو بن العاصي.
قال في الفتح: وراد أصحاب السير أنه بعث المهاجر إلى الحرث بن عبد كلال، وجرير
إلى ذي الكلاع، والسائب إلى مسيلمة، وحاطبًا إلى المقوقس، وبين أنس عند مسلم أن

٢٧
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وكتب عَّةِ إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية واسمه جريج بن مينا.
بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله، إلى المقوقس عظيم
القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم
تسلم، يؤتك
النجاشي الذي بعث إليه مع هؤلاء غير النجاشي الذي أسلم انتهى، والله أعلم.
(وكتب عَّةٍ إلى المقوقس،) بضم الميم، وفتح القاف، وسكون الواو، وكسر القاف
الثانية، آخره مهملة.
قال البرهان: معناه المطول البناء، وفي القاموس، وحياة الحيوان أنه لقب له، ولطائر مطوق
طوقًا سواده في بياض، كالحمام، وليس فيهما ما يشعر بالوصف الذي ذكره البرهان، (ملك مصر
والإسكندرية) بكسر الهمزة، وتفتح وسكون السين، والنون، وفتح الكاف، والدال المهملة، وبالراء
بلد، على طرف بحر المغرب من آخر حد مصر نسبت إلى بانيها الإسكندر الرومي، (واسمه
جريج) بضم الجيم الأولى (ابن مينا) بن قرقوب أمير القبط بمصر من ملك الروم، ذكره ابن منده،
وأبو نعيم في الصحابة تعلقًا بما روياه، ومن قبلهما ابن قانع من طريق ابن إسحق عن الزهري عن
عبيد اللَّه بن عبد الله بن عتبة، قال: حدثني المقوقس، قال: أهديت إلى النبي عَّه قدح قوارير،
فكان يشرب فيه، وأنكر ابن الأثير ذكره، فقال: لا وجه لذكره في الصحابة، فإنه لم يزل
نصرانيًّا، ومنه فتح المسلمون مصر في خلافة عمر، ولم يصب من ذكره في الصحابة انتهى.
(بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله،) وفي رواية من محمد رسول الله
(إلى المقوقس) لقبه، كما علم قبل، وهو لقب لكل من ملك مصر والإسكندرية، وقيل ملك
مصر والشام فرعون، فإن إضيف إليهما الإسكندرية، فالعزيز كما في سيرة مغلطاي، (عظيم القبط)
بالكسر اسم لنصارى مصر الواحد قبطي على القياس، كما في القاموس، (سلام على من اتبع
الهدى) الرشاد، (أما بعد،) أي مهما يكن من شىء، كما قال سيبويه، قال الكرماني: إن قلت أما
للتفصيل، فأين القسيم؟ قلت: التقدير، أما الابتداء فإسم اللَّه، وأما المكتوب، فهو من محمد
الخ ... ، وأما المكتوب به، فهو ما ذكر في الحديث.
قال الحافظ: وهو توجيه مقبول، لكنه لا يطرد في كل موضع، ومعناها الفصل بين
الكلامين، وقال العيني: هذا تعسف وذهول، فإن أمالها استعمالاً، لأن التفصيل، وهو الذي يطلب
له القسيم، والآخر الاستئناف من غير أن يتقدمها كلام، كما هنا، ولم يقل أحد إنها في مثل هذا
الموضع تقتضي القسيم، والتحقيق ما قلنا، كذا قال: فليتأمل، (فإني أدعوك بدعاية) بكسر الدال
كلمة التوحيد، وفي لفظ بداعية، أي دعوة (الإسلام أسلم تسلم يؤتك) مجزوم جواب ثان

٢٨
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم القبط، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة
سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا
من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون.
وبعث به مع حاطب بن أبي بلتعة، فتوجه إليه
للأمر، أو بدل اشتمال منه، أو معطوف عليه، بحذف العاطف، فلا يرد أن جواب الأمر حصل
بقوله تسلم، أو جواب الأمر محذوف هو، وأسلم يؤتك، كما في رواية أخرى، فكرر الأمر
للتأكيد، أو الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه (اللَّه أجرك مرتين).
قال ابن المنير: مؤمن أهل الكتاب لا بد أن يكون مؤمنًا بنبينا مَّهِ، لما أخذ اللَّه عليهم
من العهد والميثاق، فإذا بعث، فإيمانه مستمر، فكيف يتعدد إيمانه حتى يتعدد أجره، ثم أجاب بأن
إيمانه الأول، بأن الموصوف، بكذا رسول، والثاني بأن محمدًا هو الموصوف، فظهر التغاير فثبت
التعدد.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون تعدد أجره، لكونه لم يعاند، كما عائد غيره ممن
أضله اللَّه على علم، فحصل له الأجر الثاني، لمجاهدته نفسه على مخالفة أنظاره، (فإن توليت،
فعليك) مع إثمك (إثم القبط،) والمراد رعاياه الذين ينقادون له، سواء كانوا من القبط، أو
غيرهم، فنبه بذكر طائفة على بقية الطوائف (يا أهل الكتاب) بواو وبدونها، كما أفاده البرهان،
وقد صرح في الإصابة بأن هذا الكتاب مثل الكتاب إلى هرقل (تعالوا إلى كلمة سواء) أي
عدل ونصف (بيننا وبينكم)) نستوي نحن وأنتم فيها صفة لكلمة مرادًا بها الجمل المفيدة،
وفسرت بقوله (أن لا نعبد إلاَّ اللَّه، ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون اللَّه،
فإن تولوا، فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون،) وختم الكتاب كما في الرواية، وحكمة كتب هذه الآية
أن القبط وعظيمهم نصارى، وقد جمع النصارى الثلاثة الأشياء المذكورة في الآية، فعبدوا
غير الله، وهم اليعقوبية فرقة منهم الذين، قالوا: إن اللَّه هو المسيح ابن مريم، وأشركوا به في
العبادة غيره، كالذين، قالوا: إن اللَّه ثالث ثلاثة، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله،
فاتبعوهم في تحليل ما حرم، وتحريم ما أحل (وبعث به مع حاطب ابن أبي بلتعة،) بفتح
الموحدة، وسكون اللام، ففوقية، فمهملة مفتوحتين القرشي، مولاهم اللخمي، المتفق على
شهوده بدرًا، (فتوجه إليه) وحدوه.
ذكر السهيلي؛ أنه عدّله، بعث معه جبرًا بجيم وموحدة، مكبر مولى أبي رهم الغفاري، وهو
وهم، فالذي في الاستيعاب والإصابة وغيرهما أن جبرًا كان من القبط، وأنه رسول المقوقس
بمارية إليه عد.

٢٩
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
إلى مصر، فوجده بالاسكندرية، فذهب إليها، فوجده في مجلس مشرف على
البحر، فركب سفينة إليه وحاذى مجلسه وأشار بالكتاب إليه، فلما رآه أمر
بإحضاره بين يديه، فلما جيء به إليه، ووقف بين يديه، ونظر إلى الكتاب فضه
وقرأه، وقال لحاطب: ما منعه إن كان نبيًّا أن يدعو علي فيسلط علي؟ فقال له
حاطب: وما منع عيسى أن يدعو على من خالفه أن يسلط عليه؟ فاستعاد منه
الكلام مرتين ثم سكت، فقال له حاطب:
إنه قد كان قبلك
قال سعيد بن عفير: فالقبط تفتخر بأنه منهم (إلى مصر) بدل الاشتمال من إليه على نية
تكرار العامل، فلا يرد أن الفعل لا يتعدى بجر في جر، متحدين لفظًا، ومعنى فلا يقال مررت
بزيد بعمر، وبخلاف مررت بزيد بالبرية، (فوجده بالإسكندرية، فذهب إليها، فوجده في مجلس
مشرف) صفة، أي مطلع (على البحر، فركب سفينة(،) وقصد بها (إليه، وحاذى مجلسه) مكان
جلوسه، (وأشار بالكتاب إليه؛) بأن جعله بين أصبعيه، وأشار به، (فلما رآه أمر بإحضاره بين
يديه،) هكذا في رواية ابن عبد الحكم في فتوح مصر، ووقع في العيون خرج حاطب إلى
الإسكندرية، فانتهى إلى حاجبه، فلم يلبثه أن أوصل إليه الكتاب، ويحتمل الجمع، بأنه لما خرج
من السفينة لقيه الحاجب، فأوصله سريعًا إلى المقوقس لعلمه بأمره بإحضاره، (فلما جيء به إليه،
ووقف بين يديه، ونظر في الكتاب فضه،) فك ختمه، كذا في كثير من النسخ بلا واو، وفي
بعضها بها، وهي زائدة، لأنه جواب لما، (وقرأه، وقال لحاطب ما منعه إن كان نبيًا أن يدعو
علي فيسلط علي، فقال له حاطب: وما منع عيسى أن يدعو على من خالفه أن يسلط عليه).
زاد ابن عبد الحکم، فوجم له المقوقس، (فاستعاد منه الکلام مرتین) لینظر ھلی یتلعثم،
وكأنه جوز أن جوابه أولاً إتفاقي، (ثم سكت،) لما أفحمه بالحجة، وعند البيهقي عن حاطب،
قال: بعثني عَّه بكتاب إلى المقوقس، فجئته، فأنزلني في منزل، وأقمت عنده، ثم بعث إلي،
وقد جمع بطارقته، وقال: إني سأكلمك بكلام، وأحب أن تفهمه مني، قلت هلم، قال: أخبرني
عن صاحبك أليس هو نبي؟ فقلت: بلى هو رسول اللّه، قال: فما له لم يدع على قومه حيث
أخرجوه من بلده، فقلت له: أتشهد أن عيسى ابن مريم رسول اللَّه، فما له حيث أخذه قومه،
فأرادوا أن يصلبوه، أن لا يكون دعا عليهم، بأن يهلكهم اللَّه حتى رفعه اللَّه، فقال له: أحسنت
أنت حكيم جئت من عند حكيم، ولا يتوهم منافاة بين هاتين الروايتين، فإنه سأله بما ذكره
المصنف حين جاء بالكتاب، ثم أنزله وأكرمه، ثم أحضره بعد مع بطارقته، فسأله عن هذا السؤال
الثاني، ووعظه حاطب أول قدومه عليه لما سكت، (فقال له حاطب: إنه قد كان قبلك) بمصر

٣٠
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم
منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك.
قال: إن دينًا لن ندعه إلا لما هو خير منه.
فقال حاطب: ندعوك إلى دين الله وهو الإسلام الكافي به الله فَقْدَ ما سواه،
إن هذا النبي عَّ دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود،
وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى
بمحمد عَّهِ، وما دعاؤنا إياك إلى القرءان إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل،
وكل نبي أدرك قومًا فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا
(رجل، يزعم أنه الرب الأعلى) على كل من يلي أمركم، وهو فرعون، (فأخذه اللَّه) أهلكه بالغرق
(نكال،) أي عقوبة، أي جعله نكالاً، وعبرة لغيره (الآخرة،) أي هذه الكلمة (والأولى،) أي قوله
قبلها ما علمت لكم من إله غيري، وكان بينهما أربعون سنة، وقيل الأولى الدنيا بالإغراق،
والآخرة يوم القيامة بالإحراق، (فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك،) بأن
تفعل ما يوجب النقمة، فتصير عبرة لغيرك.
فالمراد نهيه عن كونه هذه الصفة، لا نهي غيره من الإعتبار به إن لو وقع فيما
يوجب النقمة، وسقط غيرك من العيون، فقال البرهان: بالبناء للمفعول على الأحسن،
ويجوز بناؤه للفاعل، (قال: إن لنا دينًا لن ندعه إلاَّ لما هو خير منه، فقال حاطب: ندعوك إلى
دين اللَّه، وهو الإسلام) التوحيد المبعوث به الرسل من قبل، (الكافي به اللَّه، فقد) بفتح الفاء،
وإسكان القاف، ودال مهملة مفعول به (ما سواه،) أي المغني به عن غيره الذي، فقد بحيث لا
يجوز التمسك به، ومن يبتغ غير الإسلام دينًا، فلن يقبل منه، إن الدين عند الله الإسلام، (إن هذا
النبي عَّةِ دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش) قومه حسدًا، وتكذيبًا بالحق مع اعترافهم به،
(وأعداهم له يهود) بالرفع بلا تنوين، لأنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث، مع تيقنهم أنه النبي
المبشر به في كتبهم، (وأقربهم منه النصارى) الذين آمنوا به، (ولعمري ما بشارة موسى بعيسى)
التي تحققتها أنت (إلاَّ كبشارة عيسى بمحمد عَّ له،) فيجب عليك اتباعه، (وما دعاؤنا إياك إلى
القرءان إلاَّ كدعائك أهل التوراة) بالنصب مفعول المصدر (إلى الإنجيل،) فكما تعتقد أن ذلك
حق، يجب عليك أن تعتقد حقيقة الإسلام، وأن رسالة محمد عَ لّ ثابتة يجب اتباعها، (وكل
نبي أدرك قومًا فهم من أمته، فالحق) الثابت الواجب (عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدرك هذا

٣١
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكننا نأمرك به.
فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي. فوجدته لا يأمر بمزهود
فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب،
ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى وسأنظر.
النبي،) فالحق عليك اتباعه، (ولسنا ننهاك عن دين المسيح) عيسى، (ولكنا نأمرك به،) لأن من
دينه الأمر باتباع المصطفى، ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، (فقال المقوقس: إني
قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه،) بل يأمر بما تفرح وترغب فيه القلوب
النيرة، والعقول السليمة، وإنما يجحد بعضهم بطرًا وكبرًا، (ولا ينهى عن مرغوب فيه) عند أولي
الألباب.
وفي الروض: ولا ينهى إلاَّ عن مرغوب عنه، (ولم أجده بالساحر الضال) لنفسه، ولغيره،
(ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة،) كذا في العيون، أي علامتها عبر عنها بالآلة،
لأنها سبب في تحقيقها وإظهارها، فأشبهت الآلة. وفي الروض آية مفرد آي وهي العلامة بلا
تكلف (بإخراج الخبء) بفتح الخاء المعجمة تليها موحدة فهمزة الغائب المستور، كأنه يشير
إلى الإخبار بالمغيبات، (والإخبار بالنجوى،) أي يعلم ما يتناجون به حقيقة، وهو من جملة
الأخبار بالغيب.
قال البيضاوي: والنجوى مصدر، أو جمع نجى، وفي المصباح ناجيته ساررته، والإسم
النجوى، (وسأنظر،) وهذا علمه المقوقس من الأخبار الواردة عليه بذلك قبل كتابة المصطفى
إليه، فقد ذكر الواقدي بإسناد له عن المغيرة بن شعبة في قصة خروجهم من الطائف إليه قبل
الإسلام المغيرة، قال: لما دخلنا عليه، قال: ما صنعتم فيما دعاكم إليه محمد؟ قالوا: ما تبعه منا
رجل واحد، قال: كيف صنع قومه؟ قالوا: تبعه أحداثهم، وقد لاقاه من خالفه في مواطن كثيرة،
قال: فإلى ماذا يدعو؟ قالوا: إلى أن نعبد اللَّه وحده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا، ويدعو إلى
الصلاة، والزكاة، وصلة الرحم، ووفاء العهد، وتحريم الزنا والربا والخمر، فقال المقوقس: هذا نبي
مرسل إلى الناس كافة، ولو أصاب القبط والروم لاتبعوه، وقد أمرهم بذلك عيسى، وهذا الذي
تصفون منه نعت الأنبياء من قبله، وستكون له العاقبة حتى لا ينازعه أحد، ويظهر دينه إلى منتهى
الخف والحافر، فقالوا: لو دخل الناس كلهم معه ما دخلنا معه، فهز المقوقس رأسه، وقال: أنتم
في اللعب، ثم سألهم عن نحو ما وقع في قصة هرقل من سؤاله لأبي سفين، وفي آخره فما
فعلت يهود يثرب، قلنا: خالفوه، فأوقع بهم، قال: هم قوم حسد، أما أنهم يعرفون من أمره مثل ما

٣٢
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وأخذ كتاب النبي عَّةٍ فجعله في حق من عاج ودفعه لجارية له، ثم دعا
كاتبًا له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبي معَ له:
بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط،
سلامٌ عليك، أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد
علمت أن نبيًّا قد بقي، وكنت أظن أن يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثته
إليك بجاريتين لهما مكان من القبط عظيم، وكسوة وأهديت إليك بغلة لتركبها
والسلام.
نعرف، (وأخذ كتاب النبي ◌َّم،) وضمه إلى صدره، وقال: هذا زمان النبي الذي نجد نعته في
كتاب اللَّه، رواه ابن عبد الحكم، (فجعله في حق من عاج،) ثم ختم عليه، كما في الرواية،
(ودفعه لجارية له،) لتحفظه، قال البرهان: لا أعرف اسمها، (ثم دعا كاتبًا له يكتب بالعربية،)
قال البرهان: لا أعرف اسمه، (فكتب إلى النبي عَّه) كتابًا صورته (بسم الله الرحمن الرحيم
لمحمد بن عبد اللَّه من المقوقس عظيم القبط سلام عليك،) كما في الرواية، فتأدب، فقدم
اسم المصطفى، ولم يصف نفسه بالملك، بل كتب مثل ما كتب له، (أما بعد فقد قرأت
كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًا قد بقي) خاتم النبيين،
(وكنت أظن أن يخرج من الشام،) لأنه مخرج الأنبياء من قبله، (وقد أكرمت رسولك) بالضيافة،
وقلة المكث عندي، وسرعة إذني في دخوله علي.
قال حاطب: وقد كان مكرمًا لي في الضيافة، وقلة اللبث ببابه ما أقمت عنده إلاَّ خمسة
أيام، وإن وفود العجم بيابه منذ شهرين وأكثر، وأمر لي بمائة دينار وخمسة أثواب، ذكره الواقدي
وغيره، (وبعثته إليك بجاريتين) مارية وأختها سيرين، ولم يذكر الثالثة، وهي أختهما، فيصير
بالصاد عند مغلطاي، والسين عند اليعمري وغيره، بل اقتصر عليهما لحسنهما وجمالهما، كما
قال (لهما مكان من القبط عظيم وكسوة) هي عشرون ثوبًا لينًا من قباطي مصر، كما أسلفه
المصنف في ترجمة مارية.
وروى ابن عبد الحكم مرسلاً؛ أنها بقيت حتى كفن عَّم في بعضها، والصحيح ما في
الصحيح عن عائشة: أنه كفن في ثياب يمانية، (وأهديت إليك بغلة،) ذكرها في الكتاب، لأنها
كانت من مراكبه، وهي دلدل، ولذا، قال: (لتركبها) ولم يذكر فيه الحمار، وهو يعفور، ولا
الألف مثقال ذهبًا، ولا العسل الذي من بنها، بكسر الموحدة وفتحها، كما تقدم في مارية،
لحقارة ذلك عند الملوك، فلا يذكر في الكتب، وللطبراني عن عائشة أنه أهدى له مكحلة عيدان
شامية ومرآة ومشطًا (والسلام).

٣٣
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
ولم يزد على هذا، ولم يسلم.
وكتب عَّ إلى المنذر بن ساوى:
وذكر الواقدي وابن عبد الحكم من طريق أبان بن صالح، قال: أرسل المقوقس إلى
حاطب، فقال: أسألك عن ثلاث، فقال: لا تسألني عن شىء إلا صدقتك، قال: إلام يدعو
محمد، قلت: إلى أن يعبد الله وحده، ويأمر بخمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام رمضان،
وحج البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدم إلى أن قال: صفه لي، فوصفته،
فأوجزت، قال: قد بقيت أشياء لم تذكرها في عينيه حمرة، قلت: ما تفارقه وبين كتفيه خاتم
النبوة يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجزىء بالتمرات، والكسر لا يبالي من لاقى من عم، ولا
ابن عم، قلت: هذه صفته، قال: قد كنت أعلم أن نبيًا قد بقي، وكنت أظن أن مخرجه من
الشام، وهناك كانت تخرج الأنبياء قبله، فأراه قد خرج في أرض العرب في أرض جهد وبؤس،
والقبط لا تطاوعني على اتباعه، وأنا أضن بملكي أن أفارقه، وسيظهر على البلاد، وينزل أصحابه
من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما ههنا، وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفًا، ولا أحب أن
تعلم بمحاورتي إياك أحدًا.
قال حاطب: فذكرت قوله لرسول اللَّه عَّله، فقال: ضن الخبيث بملكه، ولا بقاء
لملكه اهـ، فكان كما قال، (ولم يزد) المقوقس (على هذا، ولم يسلم،) بل استمر على
نصرانيته حتى فتح المسلمون منه مصر في خلافة عمر، وغلط ابن الأثير وغيره من الحفاظ
ابن منده وأبا نعيم وابن قانع في ذكرهم له في الصحابة تشبثًا بما أخرجوه من طريق ابن إسحق عن
الزهري عن عبيد الله، قال: حدثني المقوقس، قال: أهديت إلى النبي عَِّ قدح قوارير، فكان
يشرب فيه، ولا أدري ما وجه إثباتهم الصحبة له من هذا الخبر، فإنه بفرض أن التصلية منه لا
يلزم إسلامه، لأن النصارى تعترف بنبوته، فيصلون عليه، ويزعمون أنها إلى العرب، ولم يقل أحد
أنه سافر، واجتمع بالنبي ◌َّهِ حتى يكون صحابيًا، فما هذا إلا غلط على غلط، (وكتب معد له
إلى المنذر بن ساوى) بن الأخنس بن بيان بن عمرو بن عبد اللَّه بن زيد بن عبد الله بن دارم،
التميمي، الدارمي العبدي، لأنه من ولد عبد اللَّه بن دارم المذكور لا من عبد القيس، كما ظنه
بعض الناس، أفاد ذلك الرشاطي.
روى إسحق بن راهويه، ومن طريق الطبراني وابن قانع من سليمن بن نافع العبدي عن أبيه،
قال: وفد المنذر بن ساوى من البحرين، ومعه أناس، وأنا غليم أمسك جمالهم، فذهبوا بسلاحهم،
فسلموا على النبي عد، ووضع المنذر سلاحه، ولبس ثيابًا كانت معه، ومسح لحيته بدهن،
فأتى نبي الله، وأنا مع الجمال أنظر إلى نبي اللّه.

٣٤
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
ذكر الواقدي بإسناده عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن
عباس بعد موته، فنسخته فإذا فيه:
بعث رسول الله عَّ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى وكتب إليه
كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام. فكتب المنذر إلى رسول الله عٍَّ: أما بعد،
يا رسول الله فإني قد قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام
وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي يهود ومجوس، فأحدث إلي في
ذلك أمرك.
فكتب إليه في ذلك رسول الله عَُّله: بسم الله الرحمن الرحيم، من
قال المنذر: قال لي عَّةٍ رأيت منك ما لم أر من أصحابك، فقلت: أَشىء جبلت عليه،
أو أحدثته، قال: لا، بل جبلت عليه، فأسلموا، قال سليمن وعاش أبي مائة وعشرين سنة، قال في
الإصابة: ولم يثبت ذلك الأكثر، بل قالوا: لم يكن في الوفد، وإنما كتب معهم بإسلامه، وسليمن
ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه، ولم يذكر فيه جرحًا، والقصة معروفة للأشج، واسمه المنذر بن
عائذ، وأظن سليمن وهم في ذكر سن أبيه، لأنه لو كان غلامًا سنة الوفود، وعاش هذا القدر
لبقي إلى سنة عشرين ومائة، وهو باطل، فلعله، قال مائة وعشر، لأن أبا الطفيل آخر الصحابة
موتًا، وأكثر ما قيل في عام موته سنة عشر ومائة انتهى. ومع هذا، فذكر المنذر بن ساوى في
القسم الأول موافقة للأقل، ثم في القسم الثالث موافقة للأكثر.
و (ذكر الواقدي بإسناده عن عكرمة، قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد
موته، فنسخته) نقلته، (فإذا فيه بعث رسول اللَّه عَّ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى،
وكتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام،) لم نر من ذكر لفظ هذا الكتاب، فإنما هذا إخبار
بشىء مما اشتمل عليه الكتاب، كما تقول قرأت القرءان، فوجدت فيه أمر الساعة، وبعث من في
القبور وغير ذلك مع أنك لم تذكر شيئًا من القرءان، (فكتب المنذر،) لما وصل إليه الكتاب،
وآمن (إلى رسول اللَّه عَ لَّ، أما بعد يا رسول اللَّه، فإني قرأت كتابك على أهل البحرين) كتثنية
بحر في حال النصب والجر، قاعدة من قواعد اليمن، وعمل من أعمالها، كذا في النور، ولا
يخالفه قول المصنف كغيره إن البحرين اسم لإقليم مشهور، مشتمل على مدن معروفة قاعدتها
هجر، لأن المراد بالقاعدة الجانب الكبير، كالإقليم، فلا ينافي أن هجر قاعدة من قواعده،
(فمنهم من أحب الإسلام، وأعجبه ودخل فيه،) أي آمن، (ومنهم من كرهه،) فلم يدخل فيه
(وبأرضي يهود ومجوس) باقين على كفرهم، (فأحدث) بهمزة قطع، وكسر الدال ابعث (إلي
في ذلك أمرك) افعل فيهم، (فكتب إليه في ذلك رسول اللَّه علّمه بسم الله الرحمن الرحيم، من

٣٥
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا
إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. أما بعد، فإني أذكرك
الله عز وجل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وأنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم
فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرًا، ....
محمد رسول اللّه إلى المنذر بن ساوى سلام عليك) خاطبه بالسلام، لأن هذا الكتاب، كما
ترى بعد إسلامه، (فإني أحمد إليك اللَّه الذي لا إله إلاَّ هو، وأشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه، وأن
محمدًا رسول اللَّه))) لعله قصد بكتب الشهادتين تعليمهم إياهما، (أما بعد).
قال في فتح الباري: اختلف في أول من قالها، فقيل داود عليه السلام، وقيل يعرب بن
قحطان، وقیل کعب بن لؤي، وقیل قس بن ساعدة، وقيل سحبان.
وفي غرائب ملك للدارقطني: أن يعقوب عليه السلام قالها، فإن ثبت وقلنا: إن قحطان من
ذرية إسماعيل، فيعقوب أول من قالها مطلقًا، وإن قلنا إن قحطان قبل إبراهيم، فيعرب أول من
قالها، وفي الفتح أيضًا في كتاب الجمعة، قيل: أول من قالها داود رواه الطبراني مرفوعًا عن
أبي موسى، وفي إسناده ضعف، وروى عبد بن حميد، والطبري عن الشعبي موقوفًا إنها فصل
الخطاب الذي أعطيه.
وروى الدارقطني بسند رواه في غرائب لملك أول من قالها يعقوب.
وروی الفا کهي کعب بن لؤي بسند ضعيف، وقيل يعرب بن قحطان، وقيل سحبان وائل،
وقيل قس بن ساعدة، والأول أشبه، ويجمع بينه وبين غيره بأنه بالنسبة إلى الأولية المحضة،
والبقية بالنسبة إلى العرب خاصة، ثم يجمع بينها بالنسبة إلى القبائل انتهى، (فإني أذكرك اللَّه))
أي أوامره ونواهيه إشارة إلى أنه لا ينبغي عبادة غيره (عز وجل) ولا الخروج عن أحكامه لأحد،
لأنها معلومة على لسان الرسل، فكأنها من المعلوم الحاصل للجاهل بها مجرد غفلة، (فإنه من
ينصح، فإنما ينصح لنفسه) لعود ثواب نصحه عليها، (وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم) عطف
تفسير (فقد أطاعني،) ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، (ومن نصح لهم فقد نصح لي) والدين
النصيحة، (وإن رسلي) لا يعارض هذا قوله أولا إنه بعث له العلاء بن الحضرمي لإحتمال أنه
اجتمع معه عند المنذر أحد من المسلمين، فسماهم كلهم رسلاً، أو أطلق الجمع على ما فوق
الواحد، فقد ذكر الشامي أنه بعث أبا هريرة مع العلاء، وأوصاه به خيرًا، (قد أثنوا عليك خيرًا)
من قبولك الحق، وانقيادك إلى الإيمان.
ذكر السهيلي في الروض: أن العلاء، لما قدم عليه، قال له: يا منذر إنك عظيم العقل في
الدنيا، فلا تصغرن عن الآخرة، إن هذه المجوسية شردين، ليس فيها تكرم العرب، ولا علم أهل

٣٦
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل
الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على
يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية.
الكتاب ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم عن أكله، ويعبدون في الدنيا نارًا
تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا رأي، فانظر هل ينبغي لمن يكذب في الدنيا أن لا
تصدقه، ولمن لا يخون أن لا تأمنه، ولمن لا يخلف أن لا تثق به؟ فإن كان هذا هكذا، فهذا هو
النبي الأمي الذي واللَّه لا يستطيع ذو عقل أن يقول ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه، أمر
به أوليته، زاد في عفوه، أو نقص من عقابه إذ كل ذلك منه على أمنية أهل العقل وفكر أهل
النظر، فقال المنذر: قد نظرت في هذا الذي في يدي، فوجدته للدنيا دون الآخرة، ورأيت في
دينكم، فرأيته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت، ولقد
عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده، وإن من إعظام ما جاء به أن يعظم رسوله،
وسأنظر انتهى، أي فيما أصنع من الذهاب إليه، أو مكاتبته أو غير ذلك، لا في أنه يسلم، أو لا
فإن قوله: وعجبت اليوم ممن يرده اعتراف منه بأنه دين حق، والأمنية في الأصل ما يقدره
الإنسان في نفسه من منى إذا قدر، والعاقل لا يقدر إلاّ ما فيه فلاحه، (وإني قد شفعتك في
قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه) من مال وزوجات أربع يحل نكاحهن، (وعفوت عن
أهل الذنوب) المتقدمة منهم في الكفر من زنا وشرب ونكاح محارم وسب وغير ذلك، لأن
الإسلام يجب ما قبله، (فأقبل منهم) الإسلام، ولا تؤاخذهم بما مضى، فإن اللَّه يقول: ﴿قل للذين
كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]، (وإنك مهما تصلح، فلن نعزلك
عن عملك،) بل نقيمك فيه نائبًا عنا، (ومن أقام على يهوديته، أو مجوسيته فعليه الجزية).
وأخرج ابن منده عن زيد بن أسلم عن المنذر بن ساوى: أن النبي عَّه كتب إليه أن أفرض
على كل رجل ليس له أرض أربعة دراهم وعباءة.
وروى أنه عَِّ كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا أخذت منهم
الجزية بأن لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم.
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود كتب عَّ إلى المنذر بن ساوى: من صلى صلاتنا،
واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلكم المسلم له ذمة اللَّه ورسوله.
وذكر أبو جعفر الطبري: أن المنذر هذا مات بالقرب من وفاته عليه، وحضره عمرو بن
العاصي، فقال له: كم جعل عَةٍ للميت من ماله عند الموت، فقال: الثلث، قال: فما ترى أن
أصنع في ثلثي، قال: إن شئت قسمته في سبل الخير، وإن شئت جعلت غلته تجري بعدك على

٣٧
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وكتب عليه الصلاة والسلام إلى ملكي عمان، وبعثه مع عمرو بن العاص:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله إلى جيفر - بفتح
الجیم- وعبد ابني الجلندي:
من شئت، قال: ما أحب أن أجعل شيئًا من مالي كالسائبة، ولكني أقسمه، (وكتب عليه الصلاة
والسلام إلى ملكي عمان).
قال الحافظ: بضم المهملة وخفة الميم، قال الرشاطي باليمن: سميت بعمان بن سبأ
ينسب إليها الجلندي رئيس أهلها.
روى مسلم عن أبي برزة بعث علّ﴾ رجلاً إلى قوم، فسبوه وضربوه، فجاء إلى
رسول اللَّهُ مَ ◌ّه، فقال: لو أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك.
وروى أحمد عن عمر سمعت رسول اللَّه عَّه يقول: إني لاعلم أرضًا، يقال لها عمان
ينضح بناحيتها البحر، لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم، ولا حجر وبعمل الشام بلدة، يقال لها
عمان، لكنها بفتح المهملة، وشد الميم، وهي التي أرادها القائل:
في وجهه خالان لولاهما ما بت مفتونًا بعمان
وليست مرادة هنا قطعًا، وإنما وقع اختلاف للرواة فيما جاء في بعض طرق حديث صفة
الحوض النبوي من ذكر عمان انتهى، من فتح الباري (وبعثه) في ذي القعدة سنة ثمان، ووقع
عند ابن عبد البر، أنه بعد خيبر، قال في الفتح، فلعلها كانت بعدحنين، فتصحفت (مع عمرو بن
العاصي،) ولفظه، كما رواه ابن سعد مع القصة كلها من طريق عمرو بن شعيب عن مولى
لعمرو بن العاصي عنه، (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله إلى جيفر
بفتح الجيم) مصروف بوزن جعفر إلاَّ أن بدل العين تحتانية، (وعبد) بموحدة، وقيل تحتيه لا
اضافة فيهما، وصوب الخشنى أنه عياد، وهو الذي في رواية الطبراني وضبطه في الفتح بفتح
المهملة وشد التحتانية وآخره معجمة (ابني الجلندي) بضم الجيم، وفتح اللام، وسكون النون
والقصر، كما في الفتح غير مبال بقوله شيخه في القاموس جلنداء، بضم أوله، وفتح ثانيه ممدودة،
وبضم ثانيه مقصورة، اسم ملك عمان، ووهم الجوهري، فقصر مع فتح ثانيه، قال الأعشى:
وجلنداء في عمان مقيما ثم قيسا في حضرموت المنيف
وذكر وثيمة في كتاب الردة عن ابن إسحق أنه عَّ بعث إلى الجلندي عمرًا يدعوه إلى
الإسلام، فقال: لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه، لا يأمر بخير إلاّ كان أول آخذ به، ولا ينهى
عن شر إلاّ كان أول تارك له، وأنه يغلب، فلا يبطر، ويغلب، فلا يهجر، وإنه يفي بالعهد، وينجز
الوعد، وأشهد أنه نبي، وأنشد أبياتًا منها:

٣٨
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما،
فإني رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين،
وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زال
عنكما، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما.
و کتب أُبي بن كعب، وختم الكتاب.
قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد
- وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقًا - فقلت إني رسول رسول الله عَّه إليك وإلى
أخيك. فقال: أخي المقدم علي بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى تقرأ كتابك
علیه.
ثم قال: وما تدعو إليه؟
قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن
فيا عمرو، قد أسلمت للَّه جهرة ينادي بها في الواديين فصيح
قال في الإصابة، فيحتمل أن عمرًا أرسل إليهم جميعًا (سلام على من اتبع الهدى، أما
بعد فإني أُدعوكما بدعاية الإسلام أسلما) بهمزة قطع، وكسر اللام، أمر من الرباعي (تسلما،
فإني رسول اللَّه إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، وإنكما ان
أقررتها بالإسلام، وليتكما) بشد اللام من التولية، (وإن أبيتما أن تقرأ) هكذا في نسخ صحيحة،
كالعيون وغيرها، ويوجد في بعض النسخ أن، لا تقرأ بزيادة لا، وبتقدير صحتها رواية، فالمعنى أن
أبيتما الإسلام، وأردتما أن لا تقرأ (بالإِسلام، فإن ملككما زائل عنكما، وخيلي تحل) بضم
المهملة تنزل (بساحتكما) فناء دوركما (وتظهر نبوتي)، أي أرها (على ملككما)، فتزيله،
(وكتب) الكتاب (أبي بن كعب، وختم) عَّ (الكتاب) بنفسه، أو بأمره.
(قال عمرو: فخرجت) وسرت (حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت) بفتح الميم
على المشهور بوزن قصدت، ومعناه وفي لغة بكسر الميم، وقد مر مرارًا (إلى عبد، وكان أحلم
الرجلين، وأسهلهما خلقًا) بضمتين، (فقلت: اني رسول اللَّه عَّ إليك، وإلى أخيك) بهذا
الكتاب، وبالدعاء إلى ما تضمنه من الإيمان، (فقال:) عبد (أخي) جيفر (المقدم علي بالسن،
والملك) بضم الميم، (وأنا أوصلك إليه حتى تقرأ كتابك عليه، ثم قال: وما تدعو إليه؟، قلت
أدعوك إلى) عبادة (اللَّه وحده، لا شريك له، و) إلى أن (تخلع ما عبد من دونه و) أن (تشهد أن

٣٩
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
محمدًا عبده ورسوله.
قال: يا عمرو إنك كنت ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا فيه
قدوة.
قلت: مات ولم يؤمن بمحمد عَِّ، ووددت أنه كان أسلم وصدق به، وقد
كنت على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام.
قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبًا، فسألني: أين كان إسلامك؟
قلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم.
قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقروه واتبعوه.
قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم.
قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من
كذب.
قلت: ما کذبت وما
محمدًا عبده ورسوله).
(قال يا عمرو إنك كنت)، أي وجدت (ابن سيد قومك)، والذي في العيون، وغيرها إنك
ابن بدون كنت، (فكيف صنع أبوك) العاصي بن وائل السهمي، أحد الكفار المستهزئين، (فإن لنا
فيه قدوة، قلت مات، ولم يؤمن بمحمد عَّةِ، ووددت) بكسر الدال الأولى (أنه كان أسلم،
وصدق به، وقد كنت) أنا (على مثل رأيه حتى هداني اللَّه للإسلام، قال: فمتى تبعته؟ قلت:
قريبًا، فسألني: أين كان إسلامك؟، قلت: عند النجاشي) على يده، وهو من اللطائف، صحابي
أسلم على يد تابعي، (وأخبرته أن النجاشي، قد أسلم).
(قال: كيف صنع قومه بملكه؟، قلت: أقروه، واتبعوه، قال: والأساقفة) بفتح الهمزة، فسين
مهملة، فألف، فقاف مكسورة، ثم فاء، ثم تاء تأنيث جمع أسقف، وهو السقف بضم السين،
والقاف لفظ أعجمي، ومعناه رئيس دين النصاري، وقيل عربي، وهو الطويل في انحناء، وقيل
ذلك للرئيس، لأنه يتخاشع، كما في الفتح (والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم، قال: انظر يا عمرو ما
تقول،) استعظم وقوع ذلك، واتهمه في صحة الخبر، واحتمل عنده انه قصد ترويج ما أرسل به،
فقال له ذلك، واستشهد عليه بالعلوم من شدة قبح الكذب ليجتنبه، فقال: (إنه ليس من خصلة)
بالفتح خلة (في رجل أفضح،) أي أكثر فضيحة (له من كذب، قلت) أنا صادق في خبري، (وما

٤٠
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
نستحله في ديننا.
ثم قال: أخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه.
قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم،
وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا وشرب الخمر وعن عبادة الحجر والوثن
والصليب.
قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، ولو كان أخي يتابعني لركبنا حتى
نؤمن بمحمد ونصدق به، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبًا.
قلت: إن أسلم ملكه رسول الله عَّ على قومه يأخذ الصدقات من غنيهم ويردها
كذبت، وما نستحله في ديننا) زيادة عن كونه أفضح خصلة، (ثم قال:) أشار إلى أنه حذف
بعض الحديث، وهو كذلك، فعند ابن سعد ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت:
بلى، قال: شيء علمت ذلك؟، قلت: كان النجاشي يخرج خرجًا، فلما أسلم وصدق
بمحمد عَّهِ، قال: لا والله، ولو سألني درهمًا واحدًا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، قال: يناق أخوه
أتدع عبدك، لا يخرج لك خرجًا، ويدين دينا محدثًا؟، قال هرقل: رجل رغب في دين، واختاره
لنفسه ما أصنع به؟، والله لولا الضن بملكي لصنعت، كما صنع، قال انظر ما تقول يا عمرو قلت:
واللَّه صدقتك، قال عبد: (فأخبرني ما الذي يأمر به، وينهى عنه،) ويناق بفتح التحتية، وشد
النون، فألف، فقاف غير مصروف للعملية، والعجمة، لا أعرف له ترجمة، والظاهر هلاكه على
دينه، قاله البرهان (قلت يأمر بطاعة اللَّه عز وجل، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر، وصلة الرحم)
هما من أفراد الطاعة، (وينهي عن الظلم، والعدوان، وعن الزنا، وشرب الخمر، وعن عبادة
الحجر، والوثن) هو كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة،
كصورة الآدمي يعمل، وينصب، ويعبد، والصنم الصورة، بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بين
الصنم، والوثن، ويطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة ذكره البرهان.
(والصليب) للنصارى، والجمع صلب وصلبان، قاله الجوهري، واستعمل عمرو مقام
الاطناب زيادة في البيان، لأنه مقام خطابة، وإلاَّ، فكل هذه من أفراد معصية اللَّه، فاجمل أولا، ثم
فصل بعض التفصيل ليكون أوقع في النفس.
(قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، ولو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد،
ونصدق به، ولكن أخي) جيفر (أضن) بمعجمة، وشد النون أبخل (بملكه من أن يدعه، ويصير
ذنبًا) بفتح المعجمة، والنون وموحدة، أي طرفًا، وتابعًا بعد ان كان رأسًا ومتبوعًا.
(قلت: إن أسلم ملكه رسول اللَّه عَِّ على قومه يأخذ الصدقات من غنيهم، ويردها على