Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
لم ير لغيره، والصواب أنه الفجر المفسر بالصبح في قوله تعالى: ﴿والصبح إذا
تنفس﴾ [التكوير/ ١٨].
وأما ((القوي)) فقال تعالى: ﴿ذي قوة عند ذي العرش مكین﴾ [التكوير/
٢٠] قيل محمد، وقيل جبريل عليهما الصلاة والسلام، وسيأتي في المقصد
الثالث ما في ذلك.
وأما ما قاله ابن عطاء في قوله تعالى: ﴿ق والقراءن المجيد﴾ [ق/ ١]
أقسم بقوة قلب حبيبه محمد علّة حيث حمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثر ذلك
فیه لعلو حاله،
بدليل (لم ير لغيره،) وقد اعترضوه بأنه مع غرابته بعيد مخل بالانتظام، فإن عطف ليال عشر
عليه بالواو، ومن غير جهة جامعة، كقولك الشمس ومرارة الأرنب والبازنجان محدثة مخل
بالبلاغة، وأجيب بأن من فسر الفجر به يفسر الليالي بعشر رمضان، وقد كان عَّه يجتهد فيها
في العبادة والخيرات التي لا تحصى، فيصير المعنى على هذا أقسم بمحمد عَّه في حالته التي
جد في عبادتي والتقرب إلي فيها، وأي مناسبة أتم من هذه، (و) لكن (الصواب،) وهو قول
المحققين من المفسرين (أنه) على حقيقته، وهو (الفجر المفسر بالصبح)، أو فلقه (في قوله
تعالى ﴿والصبح إذا تنفس﴾ امتد حتى يصير نهارًا بينًا، أو هو بتقدير مضاف، أي صلاة الفجر
والليالي العشر عشر ذي الحجة، فلا شاهد في الآية على أنه من أسمائه عَِّ، (وأما القوي) من
الصفات المشبهة، أي الشديد المتمكن، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه القادر، كما، قال
الخطابي وعياض، (فقال تعالى ﴿ذي قوة﴾) على تبليغ ما حمله من الوحي، أي القرءان (﴿عند
ذي العرش مکين﴾،) أي مکین المنزلة رفيع المحل عند ربه.
(قيل محمد، وقيل جبريل عليهما الصلاة والسلام، وسيأتي في المقصد الثالث ما في
ذلك،) وهو ترجيح أنه جبريل، (وأما ما قاله ابن عطاء) نسبة إلى جده، كما علم (في قوله
تعالى: ﴿ق والقرءان المجيد﴾، أقسم بقوة قلب حبيبه محمد عَّله) فق بمعنى قوة على نهج
الاكتفاء کقوله:
قلت لها قفي، فقالت قاف
(حيث حمل) تجمل وأطاق (الخطاب) من اللَّه، (والمشاهدة) له سبحانه ليلة الإسراء، أو
مشاهدة الملكوت ومهابته مما تنهد له الجبال، أو مشاهدة التجليات القلبية، (ولم يؤثر ذلك
فيه،) أي لم يصعب ويشق عليه حتى يمنعه من تحمل مثله (لعلو حاله) تعليل، لما قبله، أي إن

٢٨٢
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
فلا يخفى ما فيه.
وأما ((النجم)) فعن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين في تفسير
قوله تعالى: ﴿والنجم﴾ [النجم/ ١] أنه محمد عَّ ﴿إذا هوى﴾ إذا نزل من
السماء ليلة المعراج. وحكى السلمي في قوله تعالى: ﴿والسماء والطارق، وما
أدراك ما الطارق النجم الثاقب﴾ [الطارق / ٣٠،١] أن النجم هنا محمد عَ له.
له حالاً فى ثبات الجنان ورفعة الشأن، لما رسخ في قلبه من اليقين، (فلا يخفى ما فيه) إذ لا
إشعار له بذلك، بل صرح فيه أنه أقسم بالقرءان، ولفظ ق يحتمل أنه أقسم به أيضًا، وأنه اسم
للسورة، أو الجبل، أو الأمر، أو غير ذلك، فاستنباط مثل ذلك من مجرد لفظ، لا يدل عليه، لا
ينبغي في القرءان، وقد عورض بالمثل، فقيل: لم لا يجوز أن يكون من قدرة اللَّه؟، (وأما النجم
فعن جعفر الصادق (بن محمد) الباقر (بن علي) زين العابدين (بن الحسين) السبط ابن علي
رضي اللَّه عنهم: أن جعفرًا قال (في تفسير قوله تعالى: ﴿والنجم﴾ أنه محمد عَّةٍ)، وإن
معنى قوله: (﴿إِذا هوى﴾ إذا نزل من السماء ليلة المعراج) من الهوي، بفتح الهاء وشد
الياء، وهو الذهاب في انحدار، لا بضمها، لأنه الذهاب في ارتفاع، وقال جعفر أيضًا النجم قلب
محمد هوى انشرح من الأنوار.
وقال أيضًا في هوى انقطع عن غير اللَّه، كما في الشفاء.
(وحكى) أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين الأزدي (السلمي،) بضم، ففتح نسبة إلى
جدٍ له اسمه سليم النيسابوري، الحافظ، المحدث، الورع، الزاهد، الصوفي، صاحب التصانيف
نحو المائة سمع الأصم وغيره، وعنه الحاكم وغيره، وهو ثقة، كما، قال الخطيب.
قال السبكي، وهو الصحيح، ولا عبرة بقول القطان أنه كان يضع للصوفية، وله كرامات
وتوفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة (في قوله تعالى: ﴿والسماء والطارق وما أدراك﴾)،
أعلمك (ما الطارق) مبتدأ وخبر في محل المفعول الثاني لأدرى وما بعد ما الأولى خبرها، وفيه
تفخيم لشأن الطارق، هو (النجم الثاقب) المضىء كأنه يثقب الظلام لشدة إضاءته أبهمه، ثم
فسره للتعظيم.
(إن النجم هنا محمد عَّله)) فسماه النجم، وأقسم به، قال النعماني في الآية الأولى:
ويعجبني هذا التفسير لوجوه، فإنه عَ﴾ نجم هداية، خصوصًا لما هدى إليه من فرض الصلاة
تلك الليلة، وقد علمت منزلتها من الدين، ولأنه أضاء في السماء والأرض، وللتشبيه بسرعة
السير، ولأنه كان ليلاً، وهو وقت ظهور النجم، فلا يخفى على ذي بصر، وأما أرباب البصائر،

٢٨٣
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
والصحيح: أن المراد به النجم على ظاهره، وسمي به لأنه يهتدى به في
طرق الهدى كما يهتدى بالنجم.
وأما ((الشمس)) فسمي بها عليه الصلاة والسلام لكثرة نفعه، وعلو رفعته،
وظهور شريعته، وجلالة قدره وعظم منزلته، لأنه لا يحاط بكماله، حتى لا يسع
الرائي له أن ينظر إليه ملء عينيه إجلالاً له، كما أن الشمس في الرتبة أرفع من
غالب الكواكب لأنها في السماء السادسة، والانتفاع بها أكثر من غيرها، كما لا
یخفی، ولا یدر کھا البصر لکبر جرمها،
فلا يمترون كالصديق، (و) لكن (الصحيح) في الآيتين (إن المراد به النجم على ظاهره،) أي
الثريا، كما اختاره ابن جرير والزمخشري، وصححه السمين، لأنه علم لها بالغلبة، قال عمر ابن
أبي ربيعة:
أحسن النجم في السماء الثريا والثريا في الأرض زين السماء
أو الزهرة أو كل نجم، وقيل غير ذلك في الآية الأولى، وفي الثانية أيضًا الثريا، أو كل
نجم، أو زحل (و) إنما (سمي به) عَّل على التشبيه البليغ، أو الاستعارة من مطلق النجم، أو من
نجم مخصوص (لأنه يهتدى به في طرق الهدى، كما يهتدي بالنجم،) أو لأنه استنارت به
ظلمات الجهل، فإن خص بزحل، فوجه الشبه الإضاءة مع الرفعة، (وأما الشمس،) وهي في
الأصل الكوكب النهاري، (فسمي بها عليه الصلاة والسلام،) لما لم ير في الكاتب، ولا السنة
تسميته بها وجه التسمية، بقوله (لكثرة نفعه وعلو رفعته وظهور شريعته) كالشمس، فإنها ظاهرة
مرتفعة، كثيرة النفع (وجلالة قدره وعظيم منزلته لأنه، لا يحاط بكماله) تعلیل للذين قبله، (حتى،
لا يسع الرائي له أن ينظر إليه ملء عينيه إجلالاً له، كما أن الشمس في الرتبة أرفع من غالب
الكواكب) أتى بغالب لأن زحل أرفع منها لأنه في السابعة، وعليه قول الطغرائي:
فإن علاني من دوني، فلا أسف لي اسوة بانحطاط الشمس عن زحل
(لأنها في السماء السادسة) عند المحققين من متأخري أهل الهيئة، وقيل في الرابعة.
حكاه القرطبي، وجزم به ابن كثير، وصحح ابن العماد انها في السماء الدنيا، (والانتفاع
بها أكثر من غيرها، كما، لا يخفى) لأنها تنضج الزرع وتشد الحب وترطب البدن، (ولا يدركها
البصر،) بل تكاد تخطفه وتعميه (لكبر جرمها،) حتى، قيل إنها قدر الأرض مائة وستين مرة،
وقيل وخمسين، وقيل وعشرين أو لان نور الأنبياء مستمد من نوره، كما قال البوصيري:
وكل آي أتى الرسل الكرام بها فإنما اتصلت من نوره بهم

٢٨٤
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
فلما كان سائر الكواكب يستمد من نورها ناسب تسميته عليه الصلاة والسلام بها.
وأما ((النبي)) و((الرسول)) فمن خصائصه عَّ أنه خاطبه تعالى بهما من
القرءان دون سائر أنبيائه.
ثم إن النبوءة بالهمز مأخوذة من النبأ، وهو الخبر، وقد لا تهمز تسهيلاً. أي
أن الله أطلعه على غيبه وأعلمه أنه نبيه، فيكون نبيًا منبأ، أو يكون مخبرًا عما بعثه
الله به ومنبئًا بما أطلعه الله تعالى عليه. وبغير الهمز يكون مشتقًا من النبوة
كما أن سائر الكواكب مستمد من نور الشمس، وعلى هذا يتفرع قوله: (فلما كان سائر
الکواکب یستمد من نورها).
قال الشامي بمعنى أن نورها، لما كان مغمرًا في نور الشمس فكأنه مستمد منه، وإلاّ، فهي
جوهر شفاف، لا لون لها مضيئة بذواتها، أو بكوا كب أخرى مستترة عنا، لا نشاهدها إلاَّ القمر،
فإنه کمل في نفسه انتھی.
(ناسب تسميته عليه الصلاة والسلام بها،) وقال أبو بكر بن العربي في وجه الشبه بالشمس
أوجه منها: إنها لا تطلع حتى يتقدمها الفجر الأول، والثاني مبشرين بها، وكذلك لم يبعث عد له.
حتى بشر به الأنبياء، والمرسلون، ووصفته الكتب المنزلة، ومنها إن للشمس إحراقًا وإشراقًا،
وكذلك كان عَّلِ لبعثته نور يشرق في قلوب أوليائه ولسيوفه نار تحرق قلوب أعدائه، ومنها أن
فيها هداية ودلالة، وكذلك عَُّلِّ هدى من الضلالة، ودل على الرشاد، ومنها أنها سيدة الأنوار
الفلكية، وهو عَّ سيد الأنبياء، (وأما النبي، والرسول فمن،) أي وجه تسميته بهما.
إن من (خصائصه عَّ) كما جزم به عياض وغيره، (أنه خاطبه تعالى بهما في القرءان)
ولم يخاطبه فيه باسمه في النداء، وذكر في الخبر لأنه ورد مورد التعيين، كقوله محمد
رسول اللَّه، وما محمد إلاّ رسول، لأن صاحب هذا الاسم هو الرسول، ونحو قوله تعالى: ﴿لقد
كان لكم في رسول الله أسوة﴾، لما لم يرد هذا المورد لم يذكر اسمه (دون سائر أنبيائه)،
فإنه خاطبهم بأسمائهم: یا آدم، یا نوح، یا إِبراهيم، يا داود، يا زكريا، يا عيسى، يا يحيى، (ثم إن
النبوءة بالهمز مأخوذة من النبأ، وهو الخبر، وقد لا تهمز تسهيلاً بإبدال الهمزة واو وإدغامها فيما
بعدها، (أي) سمي بالنبي المأخوذ من النبا لأجل (إن اللَّه أطلعه على غيبه، واعلمه أنه نبيه،
فيكون) معنى (نبياً منبأ) بفتح الباء، فهو فعيل بمعنى مفعول، (أو يكون) بمعنى (مخبرًا عما
بعثه اللَّه به، ومنبثًا) بكسر الباء للناس (بما أطلعه اللَّه تعالى عليه،) فهو فيعل بمعنى فاعل (وبغير
الهمز) وهو الأكثر، قيل مخفف المهموز بقلب همزته، وقيل إنه الأصل، فـ (يكون مشتقًا من

٢٨٥
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وهو ما ارتفع من الأرض، أي أن له رتبة شريفة ومكانة عند الله منيفة. قال الشيخ
بدر الدين الزركشي في شرح البردة: وكان نافع يقرأ: النبي - بالهمزة - في جميع
القرءان. والاختيار تركه.
وهو لغة النبي عَّه، وقد جاء في الحديث أن رجلاً قال: يا نبيء الله - يعني
بالهمزة - فقال: لست نبي الله، ولكني نبي الله، فأنكر الهمز لأنه لم يكن من لغته
عليه الصلاة والسلام.
وقال الجوهري والصغاني: إنما أنكره لأن الأعرابي أراد: يا من خرج من مكة
إلى المدينة، يقال: نبأت من أرض إلى أرض، إذا خرجت منها إلى أخرى.
وتكلم جماعة
النبوة) بفتح النون وسكون الباء، (وهو ما ارتفع من الأرض) لأن رتبته مرفوعة على سائر الخلق،
كما، قال: (أي إن له رتبة شريفة ومكانة عند اللّه منيفة) زائدة في الارتفاع عطف تفسير لرتبة.
(قال الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح البردة وكان نافع) بن عبد الرحمن ابن أبي
نعيم، القاري، المدني، الأصبهاني الأصل، صدوق، ثبت في القراءة، توفي سنة تسع وستين
ومائة، (يقرأ النبي بالهمزة في جميع القرءان، والاختيار) من حيث اللغة، أو العربية، لا النقل
لتواتره، (تركه) للحديث الآتي، (وهو لغة) عطف علة على معلولها، أي أنه لغة (النبي عَ ليه) التي
هي سجية له، فلا ينافي نطقه بغيرها لتواتر الهمز عنه أيضًا، (وقد جاء في الحديث أن رجلاً،
قال يا نبيء اللَّه يعني بالهمزة، فقال) عَِّ (لست نبيء اللَّه) بالهمز، (ولكن نبي اللَّه،) بلا همز.
قال الزركشي: (فأنكر الهمز لأنه لم يكن من لغته عليه الصلاة والسلام، وقال الجوهري)
الإمام المشهور أبو نصر إسماعيل بن حماد، (والصغاني) الحسن بن محمد العلامة الشهير، ولد
سنة سبع وسبعين وخمسمائة ومات سنة خمسين وستمائة، وفي اللب الصغاني بمهملة ومعجمة
نسبة إلى الصغانيات بلاد وراء نهر جيحون، وإلى صاغان قرية بمرو (إنما أنكره لأن الأعرابي اراد
يا من خرج من مكة إلى المدينة ) فيحتمل إنه أراد يا طريدا من بلده إلى غيرها، لأنه (يقال،)
كما حكاه أبو زيد عن العرب (نبأت) بالهمز (من أرض إلى أرض إذا خرجت منها إلى أخرى،)
فلذا نهاه، لا لكونه ليس من لغته، وهذا هو الأحسن، فإنه عَّه كان يخاطب كل ذي لغة بليغة
بلغته اتساعًا في الفصاحة، كما يأتي للمصنف، ولم ينكر على أحد لغته، ولا نهاه عنها، فكيف
ينكر الهمز الذي نزل عليه بمجرد كونه ليس لغته السجية له، (وتكلم جماعة من القراء في هذا

٢٨٦
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
من القراء في هذا الحديث: وقد رواه الحاكم في المستدرك عن أبي الأسود عن
أبي ذر، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وفيما قاله نظر، فإن فيه الحسين
الجعفي، كذا قاله بعضهم وليس من شرطهما. ورواه أبو عبيد: حدثنا أبو
محمد بن سعد عن حمزة الزيات عن حمران بن أعين الكوفي أن رجلاً ...
الحديث، وهذا منقطع. انتهى.
والرسول: إنسان بعثه الله إلى الخلق بشريعة مجددة يدعو الناس إليها.
واختلف هل هما بمعنى أو بمعنيين؟
الحديث، وقد رواه الحاكم في المستدرك، عن أبي الأسود، عن أبي ذر، وقال صحيح على
شرط الشيخين. وفيما قاله) الحاكم (نظر، فإن فيه الحسين) بن علي بن الوليد (الجعفي، كذا
قاله بعضهم) تبرأ منه لأنه ثقة عابد أخرج له الستة، كما في التقريب، فلا يصح قوله (وليس من
شرطهماء) ولعله تصحف عليه، فإن الإمام الذهبي، قال: إنه حديث منكر وفي سنده حمران بن
أعين وليس بثقة، (ورواه أبو عبيد) القُسم بن سلام بالتشديد البغدادي، الإمام المشهور الحافظ،
الثقة، الفاضل، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين، فقال: (حدثنا أبو محمد بن سعد،)
الأنصاري، الأشهلي، أبو سعد المدني، نزيل بغداد، صدوق مات على رأس المائتين.
روى له النسائي (عن حمزة) بن حبيب (الزيات،) القارىء الكوفي التميمي، مولاهم
صدوق زاهد.
روى له مسلم والأربعة، ولد سنة ثمانية، ومات سنة ست، أو ثمان وخمسين ومائة، (عن
حمران) بضم الحاء المهملة (ابن أعين الكوفي) مولى بين شيبان ضعيف رمي بالرفض، (أن
رجلا الحديث، وهذا منقطع،) وقد وصله الحاكم، عنه عن أبي الأسود عن أبي ذر (انتهى)
كلام الزركشي، وعطف على قوله، ثم إن النبوءة على سبيل اللف، والنشر المرتب قوله:
(والرسول إنسان) ذكر حر أكمل معاصريه إلاَّ الأنبياء (بعثه اللَّه إلى الخلق بشريعة مجددة
يدعو الناس إليها،) فخرج من دعا إلى شريعة من قبله كأنبياء بني إسرائيل، فإنهم كانوا يدعون
إلى شريعة موسى، فهم أنبياء لا رسل لكن نوقض باسمعيل، فإنه أرسل بشريعة أبيه، وقد قال
تعالى ﴿وكان رسولا﴾، فإن صح إرساله بشرع أبيه، ففي الآية مجاز، (واختلف هل هما) النبي
والرسول، (بمعنى، أو بمعنيين) ذكره بعد التعريف بوهم جريانه على كل قول وليس بمراد، فالأولى

٢٨٧
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
فقال بالأول قوم مستدلين بقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول
ولا نبي﴾ [الحج/ ٥٢]، فأثبت لهما معًا الإرسال. وعلى هذا فلا يكون النبي إلا
رسولاً، ولا يكون الرسول إلا نبيًا.
وقال آخرون بالثاني، وأنهما يجتمعان في النبوة التي هي الاطلاع على
الغيب والإعلام بخواص النبوة أو الرفعة بمعرفة ذلك وحوز درجتها، وافترقا في زيادة
الإرسال. وحجتهم من الآية نفسها: التفريق بين الاسمين، إذ لو كان شيئًا واحدًا
لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ، ويكون المعنى: ما أرسلنا من نبي إلى أمة،
أو نبي ليس بمرسل إلى أحد.
وذهب آخرون: إلى أن الرسول: من جاء بشرع مبتدأ، ومن لم يأت به نبي
غیر رسول وإن أمر
تأخيره عن الأقوال، وأن يقول يعرف على الأول، (فقال بالأول قوم مستدلين بقوله تعالى: ﴿وما
أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبي﴾ فاثبت لهما معًا الارسال) بقوله أرسلنا، (وعلى هذا،
فلا يكون النبي إلاَّ رسولاً، ولا يكون الرسول إلّ نبيًّا،) فيشترط في النبي على هذا أن يؤمر
بتبليغ ما أوحى إليه، (وقال آخرون بالثاني(،) وهو التغاير، وأن الرسول أخص من النبي، (وأنهما
يجتمعان في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب) بناء على أنها من النبا، فهو منبىء بالكسر
(والاعلام بخواص النبوة) على أنه منبأ بالفتح على ما مر، (أو الرفعة بمعرفة ذلك) عطف على
الإطلاع بناء على أن النبوة أصل مستقل، (وحوز درجتها) وفي نسخة مدحتها، (وافترقا) الأنسب
بسابقة ويفترقان (في زيادة الإرسال، وحجتهم من الآية نفسها،) وهي (التفريق بين الاسمين، إذ
لو كان شيئًا واحدًا)، كما ادعى الأولون، (لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ). إذ التكرار، بلا
فائدة مخل بالبلاغة، (ويكون المعنى) على رأي الآخرين، (وما أرسلنا من نبي إلى أمة، أو نبي
ليس بمرسل إلى أحد،) لا ينافي قوله أرسلنا لجواز انه بمعنى أوحينا أعم من كونه أمر بالتبليغ، أم
لا ومن رسول، ولا نبي بيان لقدر هو وما أوحينا إلى أحد، وهذا في غاية القلاقة ومثله، لا يعبأ به
الخصم في المناظرة، والذي، قال غيره في هذا المقام، أن في الآية اضمارًا، أي ولا نبانا من
نبي کقوله:
ورأيت روحك في الوغي متقلداً سيفًا ورمحًا
أي وحاملاً رمحًا، (وذهب أخرون إلى أن الرسول من جاء بشرع مبتدا) بان كان له كتاب، أو
نسخ لبعض شرع من قبله، (ومن لم يأت به) بأن لم يكن له ذلك (نبى غير رسول، وإن أمر

٢٨٨
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
بالإبلاغ والإنذار.
والصحيح: أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً.
نعم نوزع في هذا بأنه كلام يطلقه من لا تحقيق عنده، فإن جبريل عليه
السلام، وغيره من الملائكة المكرمين بالإرسال رسل لا أنبياء. فالانفصال عنه: بأن
يقيد الفرق بين الرسول والنبي، بالرسول البشري.
ثم إن النبوة والرسالة ليستا ذاتا للنبي، ولا وصف ذات بل تخصيص الله إياه
بذلك خلافًا للكرامية.
بالبلاغ) لشرع من قبله، (والانذار) به، وقيل الرسول من يأتيه الملك بالوحي، والنبي، يقال له
ولمن يوحى إليه في المنام، والنسبة بينهما على هذا كهي على الثاني، لكن اختلفا في جهة
الافتراق، فهي على هذا عدم مجيىء الملك، وكون الوحي مناما وعلى الثاني عدم الأمر بالتبليغ،
(والصحيح) القول الثاني (أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً،) فهو اخص.
(نعم نوزع في هذا بانه كلام يطلقه من، لا تحقيق عنده، فإن جبريل عليه السلام وغيره
من الملائكة المكرمين بالإرسال رسل) لقوله تعالى: ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم يا لوط انا رسل
ربك﴾ الآية، اللَّه يصطفى من الملائكة رسلا، (لا أنبياء) لأنه لم يرد اطلاق الأنبياء عليهم، فلا
يصح أن الرسول أخص، (فالانفصال،) أي التخلص (عنه) عن هذا الذي نوزع به (بأن يقيد
الفرق بين الرسول، والنبي بالرسول البشري،) لا الملكي، إذ ليس الكلام فيه وجزم بهذا، أي
أنه لا يسمى الملك نبيًّا عياض والنووي والحافظ وغيرهم، ولا يرد أنهم مخبرون عن اللَّه، ولهم
عنده رتبة فيصح تسميتهم أنبياء لأن علة التسمية، لا تطرد، والالزم أن تسمى الصحابة أنبياء
لأنهم أخبروا بالقرءان، والأحكام، ولهم عند اللَّه شرف ومكانة وهذا باطل أجماعًا، والعلماء إنما
أخذوا وجه التسمية لوروده: ﴿إنا أوحينا إليك﴾، وكان صديقا نبيًا، وفي إسمعيل وموسى،
وكان رسولاً نبيًا، ولم يرد تسمية الملائكة إلاّ بالرسل، فلا يقاس عليه ما لم يرد لمجرد صحة
المعنى، إذ المسألة نقلية لا عقلية، وإما استدلال بعضهم بأن اللَّه أوحى إليهم، لا يعصون اللَّه ما
أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وهذه حقيقة النبوة البشرية يوحى إلى الواحد منهم بشرع يخصه، لا
يتعداه إلى غيره، فمدفوع بأن النبوة ليست مجرد الوحي، كما يأتي عن القرافي، (ثم إن النبوة،
والرسالة ليستا ذاتا للنبي،) أي لازمًا لماهيته، لا ينفك عنه (ولا وصف ذات) أي، وصفًا لازمًا
للذات، لا ينفك عنها حتى كان الماهية مركبة منه ومن غيره من الذاتيات.
زاد الآمدي وليستا عرضًا من الأعراض المكتسبة له، (بل) كل منهما (تخصيص اللَّه إياه

٢٨٩
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وقال القرافي، كما نقله عنه ابن مرزوق: يعتقد كثير أن النبوة مجرد الوحي، وهو
باطل، لحصوله لمن ليس بنبي كمريم وليست نبية على الصحيح، مع أن الله تعالى
يقول: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ الآية [مريم/ ١٧] و﴿إن الله يبشرك﴾ [آل عمران/
٤٥]. وفي مسلم: بعث الله ملكًا لرجل على مدرجته وكان قد خرج في زيارة أخ له
في الله، وقال له: إن الله يعلمك أنه يحبك لحبك لأخيك في الله، وليست بنبوة،
لأنها عند المحققين: إيحاء الله لبعض بحكم إنساني يخص به كقوله: ﴿اقرأ باسم
ربك﴾ [العلق / ١] فهذا تكليف يختص به في الوقت، فهذه نبوة لا رسالة، فلما
نزل: ﴿قم فأنذر﴾ [المدثر/ ٢] كانت رسالة لتعلق هذا التكليف بغيره أيضًا،
بذلك) موهبة منه، وحاصلها يرجع إلى قول اللَّه لمن اصطفاه، أرسلتك، أو بعثتك فبلغ عني، فهي
من الصفات الاعتبارية، كالولاية للوالي، والإمامة للسلطان (خلافًا للكرامية،) إذ القول، لا يوجب
لمتعلقه صفة، كما صرح به القاضي عضد الدین.
(قال القرافي) الشهاب العلامة أحمد بن داود، (كما نقله عنه ابن مرزوق) محمد (يعتقد
كثير أن النبوة مجرد الوحي) دون اطلاع، واعلام انه نبي، (وهو باطل لحصوله لمن ليس بنبي
كمريم) ابنة عمران، (وليست نبية على الصحيح) لاشتراط الذكورة وغيرها حتى بالغ صاحب
الأنوار، فحكى الإجماع على أنه لم ينبأ امرأة (مع ان اللَّه تعالى يقول: ﴿فارسلنا إليها روحنا﴾)
جبريل (الآية، و) قال تعالى: ﴿إِذ قالت الملائكة يا مزيم إن اللَّه يبشرك﴾) وقبله: ﴿إِن الله
اصطفاك وطهرك﴾، فلو كانت النبوة مجرد الوحي ما توقف أحد من نبوتها، (وفي مسلم) عن
أبي هريرة رفعه (بعث اللَّه ملكًا لرجل على مدرجته،) بفتح الميم، وسكون الدال، وفتح الراء،
والجيم، أي طريقه التي يمر عليها، (وكان قد خرج في زيارة أخ له في اللَّه، وقال له إن اللَّه
يعلمك أنه يحبك لحبك لأخيك في اللَّه)) ولفظ مسلم عن أبي هريرة عن النبي عٍَّ أن رجلاً
زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد اللَّه تعالى على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟،
قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها، قال: لا غير أني أحبه
في اللَّه تعالى، قال: فإني رسول اللَّه إليك، إن اللَّه تعالى قد أحبك كما أحببته فيه، وقوله تربها،
أي تسعى في اصلاحها، فهذه المذكورات وحي مجرد (وليست بنبوة، لأنها عند المحققين
ایحاءِ اللّه لبعض بحكم انساني یخص به کقوله ﴿اقرأ باسم ربك﴾ فهذا تكلیف یختص
به في الوقت،) أي وقت الإيحاء. (فهذه نبوة، لا رسالة) لأنه لم يؤمر بتبليغ الغير حينئذ،
(فلما نزل: ﴿قم فأنذر﴾، كانت رسالة لتعلق هذا التكليف بغيره أيضًا)، والتمثيل بنبينا مرَّةُ.

٢٩٠
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
فالنبي(١) كلف بما يخصه، والرسول بذلك، وتبليغ غيره، فالرسول أخص مطلقًا، انتهى.
وهل نبينا مَّهِ رسول الآن؟
قال أبو الحسن الأشعري: هو عَّه في حكم الرسالة، وحكم الشىء يقوم
مقام أصل الشىء، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح، ويأتي
لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
وأما ((المذكر)) فقال تعالى:
مبني على تأخر رسالته عن نبوته، وهو ما عليه ابن عبد البر وغيره، وقيل هما متقارنان، وصحح،
كما مر في الأوائل، (فالنبي كلف بما يخصه، والرسول بذلك، وبتبليغ غيره، فالرسول أخص
مطلقًا انتهى.) كلام القرافي، وعلى هذا اختلف في أن الرسالة أفضل من النبوة، وهو رأي الأكثر
لأنها تثمر هداية الأمة، والنبوة قاصرة على النبي، كالعلم، والعبادة، وقال العز بن عبد السلام النبوة
أفضل لأنها الوحي بمعرفته تعالى وصفاته، فهي متعلقة به من طرفيها، والرسالة الأمر بالتبليغ، فهي
متعلقة به من أحد الطرفين، وأجيب بأنها تستلزم النبوة، فهي مشتملة عليها، لأنها كالرسول،
وأخص من النبوة التي هي أعم كالنبي (وهل نبينا عَّه رسول الآن،) أي بعد وفاته.
(قال الشيخ أبو الحسن) علي بن إسماعيل بن أبي بشر بن إسحق بن أبي سالم بن
إسمعيل بن عبد اللَّه بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى (الأشعري) صاحب
رسول اللَّه عَِّ امام أهل السنة، وكان مالكي المذهب (هو عَّله في حكم الرسالة،) لأنه اتصف
بها ولم تسلب عنه كبقاء وصف الإيمان للمؤمن بعد الموت، وإن لم يكن مأمورًا بالبلاغة بعد
موته عليه السلام، (وحكم الشىء يقوم مقام أصل الشىء، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من
أحكام النكاح؟، ويأتي لذلك مزيد بيان إن شاء اللَّه تعالى) في المقصد السادس، ومن جملته
قول ابن فورك انه عَّ له حي في قبره، رسول اللَّه أبد الآباد على الحقيقة، لا المجاز، وقول
القشيري هو عَّه رسول قبل أن يوجد، وفي حالة وجوده وإلى الأبد لاستحالة البطلان على
الإرسال الذي هو قول اللَّه أرسلتك، أو بلغ عني، (وأما المذكر) المبلغ الواعظ اسم فاعل من
التذكرة الموعظة، والتبليغ، كما في الشامي، ولم يقل من التذكير مع أنه المصدر الذي يؤخذ
منه الوصف لأنها أظهر في الوعظ من التذكير، فإنه يستعمل للتنبيه، (فقال تعالى،) أي فدليله ما،
(١) تنبيه: وقع خطأ عند كثير من المؤلفين قولهم: إن النبي انسان أوحي إليه بشرع، وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بتبليغه
فرسول. والصحيح: أنه يجتمع النبي والرسول في أن كلاً منهما أُوحِيّ إليه بشرع، ويفترق الرسول عن النبي بأنه أوحي إليه
بشرع جديد، والنبي يتبع شرع الرسول الذي قبله وكلاهما مأموران بالتبليغ.

٢٩١
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
﴿فذكر إنما أنت مذكر﴾ [الغاشية/ ٢١].
وأما ((البشير)) و(المبشر)) و((النذير)) و((المنذر)) فقال تعالى: ﴿إنا أرسلناك
شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا﴾ [الأحزاب/٤٥] أي مبشرًا لأهل طاعته بالثواب، وقيل
بالمغفرة، ونذيرًا لأهل معصيته بالعذاب، وقيل: محذرًا من الضلالات.
وأما ((المبلغ)) فقال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾
[المائدة/ ٦٧].
وأما ((الحنيف))
قاله تعالى، وكذا نظائره رأي الكوفيين من إجازة حذف الموصول الاسمى، ولا يجعل مصدر
العدم سابك للفعل، (فذكر) عبادي بآياتي، وعظهم بحجتي، وبلغهم رسالاتي، (﴿إنما أنت مذكر﴾)،
ليس عليهم بمصيطر﴾،. أي مسلط، وهذا قبل الأمر بالجهاد، كما، قال الجلال، (وأما
البشير) اسم فاعل، (والمبشر) اسم فاعل من البشارة الخبر السار، (والنذير) فعيل بمعنى فاعل
المخوف، (والمنذر) المبلغ مع التخويف، (فقال تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا﴾، على من
أرسلت إليهم (﴿ومبشرًا ونذيرًا﴾)، أحوال مقدرة، فدل مبشرًا على اسمين وكذا نذير،
واقتصر المصنف المسافة، فاكتفى بهذه الآية لأنها دلت على المادة، وإلّ ففي سورة البقرة
وفاطر ﴿إِنا ﴿أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا﴾، [فاطر: ٢٤]، وقال تعالى إنما أنت منذر، (أي
مبشرًا لأهل طاعته بالثواب) ومنه الجنة ونعيمها، (وقيل) مبشرًا (بالمغفرة)، وهي عدم المؤاخذة
بالذنب، ففارقت الثواب لأنه مقدار من جزاء العمل يعلمه اللَّه، (ونذيرًا لأهل معصيته بالعذاب)،
ومنه النار، (وقيل محذرًا من الضلالات،) جمع ضلالة، وهي عدم الاهتداء، أي محذرًا، لما هو
سبب لعدم معرفة الحق من الباطل، ففارق الأول لأنه تخويف بالعذاب المستحق على المعصية،
فمعناها مختلف وإن كان مقصودهما واحدًا، لأن قصد الثاني التباعد عن العصيان الحاصل
بسبب الضلال.
(وأما المبلغ) الذي أدى الرسالة، كما أمر اسم فاعل، (فقال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ
ما أنزل إليك من ربك﴾)، ولا تكتم منه شيئًا خوفًا أن تنال بمكروه، والاستدلال بها من
الاكتفاء بصيغة الفعل، واعترض بأن وصفه بانه مبلغ يستدعي وقوعه لأن اسم الفاعل حقيقة في
المتلبس به، والأمر، لا يستدعي وقوع المأمور به، وأجيب بأنه، لما علم من حال عَّ امتثال ما
أمر به، وقد تحقق تبليغه على أبلغ وجه صح وصفه به، وقد ثبت قوله في آخر عمره ألا قد
بلغت.
(وأما الحنيف) المائل إلى دين الإسلام الثابت عليه من الحنف محركًا، أو المائل عما

٢٩٢
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
فقال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا﴾ [الروم/ ٣٠].
وأما ((نبي التوبة)) فإن الأمم رجعت بهدايته عليه الصلاة والسلام بعدما
تفرقت بها الطرق إلى الصراط المستقيم.
وأما ((رسول الرحمة)) و((نبي الرحمة)) و((نبي المرحمة)) فقال تعالى: ﴿وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء/ ١٧]
عليه العامة إلى طريق الحق والاستقامة، أو المستقيم، (فقال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين
حنيفًا﴾ مائلاً إليه، أي اخلص دينك للّه.
ذكر هذه الآية لكونها نصافي المصطفى، بخلاف قم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم
حنيفًا، فاختلف في أنه حال من إبراهيم، أو من الضمير العائد عليه عَّه، وهو الظاهر، وأصل
الحنف مطلق الميل، كما في مقدمة الفتح، ومثله قول القاموس الحنف محركة الميل، ثم يطلق
على الأعوجاج في الرجل وعلى غيره بحسب المقام، وفي الحديث بعثت بالحنيفية السمحة،
وفي النهاية حديث خلة (وأما بادي حنفاء، أي طاهرين من المعاصي، لا أنهم كلهم مسلمون
لقوله: فمنكم كافر ومنكم مؤمن، (وأنا نبي التوبة) الوارد في مسلم عن أبي موسى.
قال سمى لنا عَِّ نفسه أسماء منها ما حفظناه، ومنها ما لم نحفظ.
قال أنا محمد، وأنا أحمد، والمقفى، والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة، (فإن الأمم
رجعت بهدايته عليه الصلاة والسلام بعد ما تفرقت بها الطرق،) أي طرق الضلال الكثيرة
المتنوعة (إلى الصراط المستقيم،) صلة رجعت، والتوبة الرجوع، والانابة، فلكونه سببًا في
توبتهم أضيف إليها، وقيل لإخباره عن اللَّه لقبول التوبة، أو لأمره بها، أو لأنه كثير التوبة، وقال
سهل هي ترك التسويف وإمام الحرمين إذا أضيفت إلى العباد أريد بها الرجوع عن الزلات إلى
الندم عليها، وإذا أضيفت إلى الرب أريد بها رجوع نعمه وآلائه انتهى، جمع نعمة بعين مهملة
فعطف آلائه للتفسير وتصحف على من قرأه بالقاف، وتكلف توجيهها بانها، لما لم يؤاخذ بها
كأنها رجعت عن المتلبس بمقتضيها.
(وأما رسول الرحمة) الوارد عند ابن عدي من حديث عائشة وغيرها، (ونبى الرحمة)
المروي عند أحمد وغيره في حديث حذيفة، وأبي نعيم في حديث أبي موسى، (ونبى
المرحمة) بالميم المروي في مسلم، وهي الراحة فيما، قال عياض، أي لأن من رحمه الله
تعالى، فقد أراحه من العقاب، وإذا علمه بذلك أراحه من القلق والضجر، (فقال تعالى: ﴿وما
أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين﴾) دليل للثلاثة لأنه، لما وصف بكونه رحمة وجعل، عينها وعمم بها

٢٩٣
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وقال تعالى: ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة/١٢٨] فبعثه الله تعالى رحمة
لأمته، ورحمة للعالمين وروى البيهقي مرفوعًا: ((إنما أنا رحمة مهداة)، فرحم الله به
الخلق مؤمنهم وكافرهم، وهذا الاسم من أخص أسمائه.
وقد كان حظ ءادم من رحمته سجود الملائكة له تعظيمًا له إذ كان في
صلبه، ونوح: خروجه من السفينة سالمًا، وابراهيم: كانت النار عليه بردًا وسلامًا إذ
العالمين صحت إضافته إلى كل من الرحمة والمرحمة سواء وصف برسول، أو نبي، (وقال
تعالى: ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾). قدم متعلقة للتخصيص، أو للاهتمام، والتشريف مع
رعاية الفاصلة، وقدم الرؤوف لأنه الشفقة، والتلطف بالمنعم عليه، (فبعثه اللّه تعالى رحمة لأمته)
مفعول له، أو حال من اللّه، أو من ضمير النبي بمعنى راحما لهم (ورحمة للعالمين) عام على
خاص، أي جعله الله عين الرحمة لارشاده لهم ولطفه بهم، وحمله لهم على ذلك.
(وروي البيهقي) وشيخه الحاكم، وقال على شرطهما، وأقره الذهبي عن أبي هريرة
(مرفوعًا) بمعنى، قال عَّهِ (إنما أنا رحمة،) أي ذو رحمة، أو بالغ في الرحمة حتى كأني عينها
لأن الرحمة ما يترتب عليه النفع ونحوه وذاته، كذلك فصفاته التابعة لها كذلك (مهداة) بضم
الميم وللطبراني بعثت رحمة مهداة، قال ابن دحية معناه إن اللَّه بعثني رحمة للعباد، لا يريد لها
عوضًا، لأن المهدي إذا كانت هديته عن رحمة، لا يريد لها عوضًا، وقال غيره: أي ما أنا إلاَّ
رحمة أهداها اللَّه للعالمين، فمن قبلها أفلح ونجا، ومن أبى خاب وخسر، ولا يشكل الحصر
بوقوع الغضب منه كثيرًا لأنه لم يقصد من بعثته، بل المقصود بالذات الرحمة، والغضب بالتبعية،
بل في حكم العدم، فالحصر فيها مبالغة، والمعنى انه رحمة على كل فرد لأن غضبه للَّه كانتقامه
كقوله ولكم في القصاص حياة، أو أنه رحمة في الجملة، فلا ينافي الغضب في الجملة،
(فرحم اللَّه به الخلق مؤمنهم) بالهداية، (وكافرهم) بالأمن من الخسف، والمسخ وعذاب
الاستئصال، والمنافقين بالأمن من القتل، وتأخير عذابهم، (وهذا الاسم من أخص أسمائه).
قال أبو بكر بن طاهر زين اللَّه تعالى محمدًا عَ له بزينة الرحمة فكان كونه رحمة، وجميع
شمائله رحمة وصفاته رحمة على الخلق، وحياته رحمة وموته رحمة، كما، قال عَّه حياتي خير
لكم ومماتي خير لكم، وكما قال عَّه إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطًا
وسلفًا، (وقد كان حظ ءادم من رحمته سجود الملائكة له تعظيمًا له إذا كان في صلبه) وقبول
توبته إذ توسل به، (و) حظ (نوح خروجه من السفينة سالمًا) إذ كان في صلب ابنه سام، (وإِبراهيم
كانت النار عليه بردًا وسلامًا، إذ كان في صلبه،) كما أفاده العباس بقوله:

٢٩٤
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
كان في صلبه، فرحمته عليه الصلاة والسلام في البدء والختام والدوام لما أبقى
الله له من دعوة الشفاعة، ولما كانت نبوته رحمة دائمة مكرّرة مضاعفة اشتق له
من الرحمة اسم الرحمة.
وأما ((نبي الملحمة والملاحم)) وهي الحروب، فإشارة إلى ما بعث به من
القتال والسيف، ولم يجاهد نبي قط وأمته ما جاهد عَّه وأمته، والملاحم التي
وقعت وتقع بين أمته وبين الكفار لم يعهد مثلها قبله، فإن أمته يقاتلون الكفار في
أقطار الأرض على تعاقب الأعصار حتى يقاتلون الأعور الدجال.
وردت نار الخليل مكتتما في صلبه أنت كيف يحترق
(فرحمته عليه الصلاة والسلام،) لا تخص بوجوده، بل عمت من قبله، فكانت (في
البدء والختام والدوام، لما أبقى اللّه له من دعوة الشفاعة) التي ادخرها لأمته في القيامة، ومن
جملة ذلك في الدنيا أن جعل أمته مرحومة، ووصفها بالرحمة، وأمرها بالتراحم، وأثني عليه، فقال
إن الله يحب من عباده الرحماء، وقال: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض،
يرحمكم من في السماء، (ولما كانت نبوءته رحمة دائمة مكرّرة مضاعفة اشتق له من) لفظ
(الرحمة اسم الرحمة،) أي اسمًا دالاً على معناها الذي هو الرأفة، والانقاذ من الضلال، والشفاعة،
نحو بالمؤمنين رؤوف رحيم، أما تسميته بنحو نبي الرحمة، فإنما فيه إضافته إليها وليست اشتقاقًا،
اللهم إلاَّ أن تكفي الإضافة في صحة التسمية، وأطلق الاشتقاق على ما يشملها تسمحًا.
(وأما نبي الملحمة) باللام عند مسلم عن أبي موسى، (و) نبي (الملاحم) الجمع للكثرة
إشارة إلى أنه اختص بكثرتها الذي في أحمد، وشمائل الترمذي برجال ثقات في حديث حذيفة،
(وهي الحروب،) سميت بذلك لاشتباك الناس فيها واختلاطهم، كاشتباك لحمة الثوب بالسدي،
أو لكثرة لحوم القتلى فيها، (فإشارة إلى ما بعث به من القتال، والسيف،) فالمعنى نبي القتال
◌ِّ، وأمته،)
كقوله في الحديث الآخر بعثت بالسيف، (ولم يجاهد نبي قط، وأمته ما جاهد علـ
ونصر بالرعب، وأحلت له الغنائم، واستشعر نقض هذا النفي بنحو قتال يوشع الجبارين، وقتال
داود جالوت وحمل الإسرائيلي السلاح ألف شهر في سبيل اللَّه، فأشار للجواب بقوله،
(والملاحم التي وقعت وتقع بين أمته وبين الكفار لم يعهد مثلها قبله، فإن أمته يقاتلون
الكفار في أقطار الأرض على تعاقب الأعصار حتى يقاتلون الأعور الدجال،) فاستمراره منهم
ودوامه لم يوجد لغيرهم، فإن قتال من قبلهم، وإن حصل فيه شدة لكنه مضى وانقطع، وفي
نسخة بحذف نون يقاتلون، والذي وجه به حتى يقول الرسول بالرفع، والنصب يأتي هنا، فإن

٢٩٥
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وأما ((صاحب القضيب)) فهو السيف، كما وقع مفسرًا به في الإنجيل قال:
معه قضيب من حديد يقاتل به، وأمته كذلك. وقد يحمل على أنه القضيب
الممشوق الذي کان یمسكه.
وأما ((صاحب الهراوة)) فهي في اللغة: العصا، وقد كان عليه الصلاة والسلام
يمسك في يده القضیب کثیرًا،
قتال الدجال مستقبل بالنظر لوقت كلام المصنف بذلك ونفسه الأمر بقتال وقع قبل ذكر
المصنف له، وقد انتقد بان نبي التوبة، والرحمة، والملحمة، والمرحمة في مسلم، فالأولى له
ذکره، کما، قال زين الحفاظ:
وهو المسمى بنبي الرحمة في مسلم وبنبي التوبة
وفيه أيضًا بنبي الملحمة وفي رواية نبي المرحمة
وليس بشىء، فإن الدليل إنما يحتاج إليه، فيما يمكن إنكاره، وما صح، لا ينكر، فبقي وجه
التسمية هو الأولى بالذكر، نعم الجمع بينهما، كما فعل عياض أكثر فائدة.
(وأما صاحب القضيب، فهو) صاحب (السيف،) أو التقدير القضيب الذي أضيف إليه
صاحب حتى يصح الإخبار، (كما وقع مفسرًا به في الإنجيل، قال) اللَّه فيه وكون الفاعل ضمير
الإنجيل تجوّزًا تكلف (معه قضيب من حديد).
قال القاموس القضيب السيف القاطع كالقاضب سمي به من القضب، وهو القطع، لأنه
اقتطع من الحديد، (يقاتل به،) أي كان معه معدًا للقتال، فلا يرد أنه لم يقاتل بيده إن سلم،
(وأمته كذلك) تقاتل بالسيف الأعداء، وهو كناية عن شجاعته وكثرة جهاده، وغزواته، وفتوحاته
هو، وأمته عَّله، (وقد يحمل) كما، قال عياض (على أنه القضيب الممشوق) الطويل الرقيق
من المشق، وهو جذب الشىء ليطول، كما في القاموس (الذي كان يمسكه).
زاد ابن الجوزي وكان يستلم به الركن، فهو بمعنى مفعول، لأنه مقطوع من الشجر، فهو
عبارة عن كونه من صميم العرب وخطبائهم، لأن عادة عظمائهم وخطبائهم اتخاذ العصا، وقد
للتقليل لقلة تفسيره به بالنسبة، لما قبله، لأنه الظاهر من نص الإنجيل وتكلف من فسره بالقضيب
الذي أعطاه لبعض الصحابة، فانقلب سيفًا.
(وأما صاحب الهراوة) بكسر الهاء، ثم راء، فألف، فواو فتاء تأنيث، (فهي في اللغة
العصا) مطلقًا، كما أطلقه جماعة، وقال الجوهري: العصا الضخمة، (وقد كان عليه الصلاة
والسلام يمسك في يده القضيب كثيرًا) الغصن المقطوع ووجه الدليل منه على كونه صاحب

٢٩٦
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وقد كان يمشى بين يديه بالعصا، وتغرز له في الأرض فيصلي إليها، قال القاضي
عياض: وأراها العصا المذكورة في حديث الحوض: ذود الناس عنه بعصاي لأهل
اليمن. أي لأجلهم ليتقدموا، فلما كان عَّه راعيًا للخلق سائقًا لجميعهم إلى
مواردهم كان صاحب الهراوة يرعى بها أهل الطواعية، وصاحب السيف يقد به من
لا تزيده الحياة إلا شرًا.
وأما ((الضحاك)) - بالمعجمة - فهو الذي يسيل دماء العدو في الحرب
لشجاعته.
العصا أنها العود، كما في القاموس، وهو شامل للقضيب ولغيره، (وقد كان يمشي بين يديه بالعصا
وتغرزله في الأرض، فيصلي إليها،) وهي العنزة فتحقق وصفه في الكتب الإلهية بأنه صاحب الهراوة.
(قال القاضي عياض، وأراها،) والله أعلم بضم الهمزة أظنها، وفتحها أعتقدها (العصا
المذكورة في حديث الحوض) الذي رواه مسلم في المناقب.
(ذود) بمعجمة أوّله مهملة آخره أطرد، وأمنع (الناس عنه بعصاي،) بالإضافة إلى ياء
المتكلم ولفظها مقصور مؤنث.
قال الفراء: أول لحن سمع بالعراق هذه عصاتي (لأهل اليمن، أي لأجلهم ليتقدموا،)
لأنهم على بعد شقتهم أجابوا دعوته عَّه، بلا تردد، ولا قتال، فأوردهم الحوض قبل غيرهم
ليريحهم، كما أراحوه جزاء من جنس العمل.
قال النووي: وهذا الذي قاله القاضي ضعيف، لأن المراد تعريفه بصفة يراها الناس معه
يستدلون بها على صدقه، وأنه المبشر به المذكور في الكتب السالفة، فلا يصح تفسيره بعصا
تكون في الآخرة انتهى، وكأن المصنف لم يرتضه، فأقره وزاد عليه قوله، (فلما كان عَِّ راعيًا
للخلق، سائقًا لجميعهم) في الدنيا، والآخرة (إلى مواردهم) في الدارين.
ولعل استفادة هذا من الحديث أن ذوده مشعر بسوق الكل لكنه يقدم اليمن.
(كان صاحب الهراوة يرعى بها أهل الطواعية وصاحب السيف يقد به،) بضم القاف (من،
لا تزيده الحياة إلاَّ شرًّاء) فلا ينافي كونه صاحبه كونه رحمة للعالمين، فإزالة مثل هذا من جملة
الرحمة، (وأما الضحاك بالمعجمة، فهو الذي يسيل دماء العدو في الحرب لشجاعته،) لأن
شجاعته عَِّ محققة، فقد كان كالمسلمين كلهم نصرة وشجاعة وقتل الكفار في غزواته وإن لم
يكن منه لكن نسب إليه، لأنه الآمر به، والحامل عليه، ثم تفسيره بهذا من ضحكت المرأة،
والأرنب حاضت ومنه، وامرأته قائمة، فضحكت في قول، لا من كثير الضحك، إذ لا يأتي هنا،

٢٩٧
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وأما ((صاحب التاج)) فالمراد به العمامة، ولم تكن حينئذٍ إلا للعرب، والعمائم
تیجانها.
وأما ((صاحب المغفر)) فهو - بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح
الفاء - زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، كان عَّه يلبسه في حروبه.
وأما ((قدم صدق)) فقال قتادة والحسن وزيد بن أسلم في قوله تعالى:
﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ [يونس/ ٢] هو محمد عَ ل.
وأيضًا فضحكه إنما هو التبسم، لكنه فيه مجاز بمرتبتين، لأنه استعمل بمعنى ظهور الدم، وهو أثر
ناشىء عن الإظهار من تسمية التأثير باسم الأثر، ثم جرد عن بعض معناه، وهو كونه من الفرج
وخص بإسالة دم العدو في الحرب.
(وأما صاحب التاج) الموصوف به في الإنجيل، (فالمراد به العمامة) على نهج الاستعارة
شبه العمامة بالتاج الذي هو الإكليل في أن العرب تتزين بها كتزين العجم بالتاج، واستعار لها
اسمه، وفيه التقدير على نحو ما مر ليصح الحمل، أما في المبتدأ، أي التاج في قولنا صاحب
التاج، وأما في الخبر، أي المراد صاحب العمامة، (ولم تكن حينئذٍ) العمامة (إلاّ للعرب) دون
غيرهم، فكني به عن أنه من صميمهم، وأشرفهم حسبًا ونسبًا، (والعمائم تيجانها) تتزين بها، كما
تتزين العجم بالتيجان، كما روى مرفوعًا العمائم تيجان العرب، والاحتباء حيطانها، وجلوس
المؤمن في المسجد رباطه أخرجه الديلمي عن ابن عباس، والقضاعي عن علي، وللديلمي عن
ابن عباس أيضًا العمائم تيجان العرب، فإذا وضعوها وضعوا عزهم، وعنده أيضًا العمائم وقار
المؤمن وعز العرب، فإذا وضعت العرب عمائمها، فقد قلعت عزها، وأسانيدها ضعيفة.
(وأما صاحب المغفر، فهو) أي المغفر (بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح
الفاء) آخره راء (زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس) وقيل ما غطى الرأس من السلاح
كالبيضة، وقيل رفرف البيضة أضيف إليه، لأنه (كان ◌َِّ يلبسه في حروبه،) والأساس لو قال
فسمي به، لأنه الخ، ثم يضبطه، (وأما قدم صدق، فقال قتادة) بن دعامة، (والحسن) البصري،
كما نقله عياض عنهما، (وزيد بن أسلم،) كما في الصحيح عنه (في) تفسير (قوله تعالى:
﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ [يونس/٢] أي تقدم ورتبة رفيعة عبر عنها بالقدم،
لأن السبق بها، قال ذو الرمة:
لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العالي طمت على الفجر
وأضيف إلى صدق لبيان فضله ومزيته، قال أبو عبيد: كل سابق خير قدم (هو محمد عَّه.

٢٩٨
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
يشفع لهم، وعن أبي سعيد الخدري: هي شفاعة نبيهم محمد عَّه هو شفيع
صدق عند ربهم، قال سهل بن عبد الله: هي سابقة رحمة أودعها في محمد عَّهِ.
وأما ((نعمة الله)) فقال سهل في قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا
تحصوها﴾ [النحل/ ١٨] قال: نعمته محمد عێ،
يشفع،) وروى ليشفع، وروى شفيع (لهم،) فسمي قدمًا لتقدمه، والشفاعة طلب نفع الغير، لا
توصف بالصدق، والكذب، فأما أنه تجوز بالصدق عن القبول لمشابهته لتحقق ما شفع فيه، فهو
كالخبر المطابق للواقع، وأما أن المراد شفاعة يقدم صاحبها على رجائها، كما في قولهم حمل
حملة صادقة، وقيل المراد أن الشفيع صادق في خبره، ومن هو كذلك تقبل شفاعته، (وعن أبي
سعيد الخدري،) وعلي رضي اللَّه عنهما، كما أخرجه ابن مردويه أنهما قالا في تفسير الآية (هي
شفاعة نبيهم محمد عَّه) جعلت قدمًا، أي سابقة لتقدمها، أو تقدم صاحبها، أو لقيامها به عليه
السلام، فأطلق عليه اسمها (هو شفيع صدق،) بالإضافة، أي شفاعته قوية تامة مقبولة (عند
ربهم،) قيل هو إشارة إلى أن صدق صفة مضاف مقدر بمعنى الصادق، أو بمعناه المصدري، وقيل
إشارة إلى تفسير القدم به عَّل باعتبار الشفاعة أيضًا، كما مر، أو إلى المسامحة في تفسيره
بالشفاعة، فيوافق الأول.
(وقال سهل بن عبد اللّه) الإمام الورع، الزاهد العالم، الشهير (هي سابقة رحمة) من إضافة
الصفة للموصوف، أي رحمة سابقة، وقيل الإضافة بيانية (أودعها الله في محمد عَله،) أي
جعله متصفًا بها لينتفع الناس بها عند الحاجة، أو عهد له بها في الأزل، فلقيامها به صح أن
يطلق عليها اسمها للمناسبة، (وأما نعمة اللَّه، فقال سهل) التستري (في قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا
نعمة اللَّه﴾) أي تشرعوا في عد أفراد نعمة من نعم الله، (﴿لا تحصوها﴾)، لا تطيقوا
عدها، وأتنى أن وعدم العد مقطوع به نظرًا إلى توهم أن يطاق، وأصل معنى الإحصاء العد
بالحصى، وكانت العرب تفعله، كما، قال الأعشى:
ولست بالأكثر منهم حصي وإنما العزة للكاثر
ثم صار حقيقة في العد مطلقًا، أو المراد أن تريدوا عدها.
(قال) سهل إعادة تأكيدًا للأول، وللفصل بين كلام اللَّه وتفسيره (نعمته محمد عَّ) إذ هو
النعمة العظمى لكونه رحمة للعالمين، وفي نسخة نعمته بمحمد بالباء السببية، أو على أن النعمة
بمعنى انعام، لأنها تكون بمعناه وبمعنى المنعم به، واعترض هذا التفسير بأن النعمة به من أعرف
المعارف المعلومة، والإحصاء إنما يكون في المعدود، كقوله: وأحصى كل شىء عددًا، وتعقب
بأن فيه مَ له، فوائد ومنافع، لا تحصى، فلا منافاة بين عدم الإحصاء وكونه المنعم به، والإضافة

٢٩٩
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وقال تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ [النحل/ ٨٣] يعني يعرفون أن
محمدًا نبي ثم يكذبونه، وهذا مروي عن مجاهد والسدي وقال به الزجاج.
وأما ((الصراط المستقيم)) فقال أبو العالية والحسن البصري في تفسير سورة
الفاتحة: هو رسول الله وخيار أهل بيته وأصحابه: وحكى الماوردي ذلك في
تفسير: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة/٧] عن عبد الرحمن بن زيد.
للعهد، أو الاستغراق، لأنها تأتى، لما تأتي له اللام، فعدم الإحصاء لها، أو لما يترتب عليها،
(وقال تعالى: ﴿يعرفون نعمة اللَّه ثم ينكرونها﴾ يعني يعرفون أن محمدًا نبي) بالمعجزات
الظاهرات، (ثم يكذبونه) عنادًا، وافتراءً، (وهذا) التفسير (مروى عن مجاهد) بن جبير، (والسدي)
عند ابن جرير، وابن أبي حاتم، (وقال به الزجاج) أبو إسحق إِبراهيم بن السري، الإمام الشهير،
المتوفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وسبقهم إلى التفسير بهذا ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الذين
بدلوا نعمة اللَّه كفرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآية، قال: هم، واللّه كفار قريش، ومحمد نعمة اللَّه تعالى،
أخرجه البخاري وغيره، (وأما الصراط المستقيم فقال أبو العالية) رفيع بن مهران التابعي، فيما
أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه، (والحسن البصري،) فيما نقله في الشفاء،
ورواه الحاكم وصححه عن ابن عباس، كلهم (في تفسير سورة الفاتحة) صرح به مع ظهوره،
وكونه خلاف عادته في نقل الآيات، لما فيه من تعظيم اللَّه له، واعتنائه بشأنه، حيث ذكره في
أول كتابه، ومبدأ خطابه (هو رسول اللَّه، وخيار أهل بيته، وأصحابه) بالجر عطف على أهل،
كما جزم به في المقتفى، والإضافة فيهما بيانية إذ جميعهم خيار، أو لامية لتفاوت مراتبهم في
الخيرية، ووجه التسمية أن كلاً منهم طريق يهتدي به، فشبههم بالطريق الحق في إيصاله
للمطلوب، أي اهدنا إياهم لنؤمن بهم ونتبعهم، وقيل سمي المرشد للطريق طريقًا تسمية للدال
باسم المدلول، فهو مجاز مرسل، فلا يرد أنه، لا معنى لقولك اهدنا النبي وصحبه إلاّ بتقدير
طریق ور کته، لا تخفی.
وحكى البغوي هذا التفسير بلفظ طريق رسول اللَّه، فهو إما رواية، أو إشارة إلى المضاف
أورد السهيل أن المراد بالطريق المستقيم ما بعده من قوله صراط الذين إلى آخره، وأجيب بأنه
غير متفق عليه، (و) قد (حكى الماوردي ذلك) التفسير المذكور (في تفسير ﴿صراط الذين
أنعمت عليهم﴾،) فهو بدل مما قبله، أو عطف بيان، فهو عين الأول (عن عبد الرحمن بن زيد)
بن أسلم العدوي مولاهم وفي الشفاء.
وحكى السمرقندي مثله عن أبي العالية في قوله: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، فبلغ

٣٠٠
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وأما ((العروة الوثقى)) فحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن بعضهم في تفسير
قوله تعالى: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ [البقرة/ ٢٥٦] أنه محمد عبد له.
وأما ((ركن المتواضعين) فلأنه عمادهم، وقد ظهر عليه عليه الصلاة والسلام
من التواضع ما لم يظهر على غيره، فكان يرقع القميص، ويخصف النعل، ويقم
البيت.
ووقع فيما ترجموه من كتاب سعياء مما يدل صريحًا في البشارة
برسول الله عَّه: ولا يميل إلى الهوى، ولا يدل الصالحين، بل يقوي الصديقين
الذين هم كالقصبة الضعيفة، وهو ركن المتواضعین،
ذلك الحسن، فقال صدق واللَّه ونصح، (وأما العروة الوثقي، فحكى أبو عبد الرحمن السلمي
عن بعضهم في تفسير قوله تعالى:) ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن باللّه، (فقد استمسك بالعروة
الوثقى﴾، أنه محمد عَّة)، لأنه العقد الوثيق المحكم في الدين، والسبب الموصل لرب
العالمين، ففيه استعارة تصريحية تمثيلية، لأن من اتبعه، لا يقع في هوة الضلال، كما أن من
مسك حبلاً متينًا صعد به من حضيض المهالك، والاستمساك ترشيح، (وأما ركن المتواضعين
فلأنه عمادهم) الذين يعتمدون عليه في أمورهم لرجوع الأمر إليه يوم القيامة، (وقد ظهر عليه،
عليه الصلاة والسلام من التواضع) إظهار أنه وضيع، وهو أشرف الخلق، (ما لم يظهر على غيره،
فكان) كما في الصحيح تعليقًا، وهو موصول عند ابن ماجه، عن عائشة، وأبي سعيد وغيرهما
كان عَّهِ فِي بيته في مهنة أهله، يفلي ثوبه ويحلب شاته، و(يرقع القميص) بفتح الياء، وسكون
الراء، وفتح القاف مخففة، أي يجعل فيما انخرق منه رقعة من غيره يسده بها، ويجوز الضم،
والتشديد إلاَّ أن الأول أنسب بما معه، (ويخصف النعل،) أي يخرزها وفي العمدة أنه تطبيق بعض
جلود النعل على بعض، ويخصفان عليهما استعارة من هذا، (ويقم) بضم القاف، بكنس (البيت)
ك ذلك تواضعًا لربه ورأفة على خدمه، لا عن حاجة، فقد كان له نساء وخدم بكثرة، (ووقع
فيما ترجموه) نقلوه من العبرانية إلى اللغة العربية (من كتاب سعياء) بسين مهملة ومعجمة
ابن أمصيا نبي بشر بعيسى، كما في القاموس، أي سفره من التوراة، كما يفيده الشامي وغيره،
أُضيف إليه لاختصاصه به وتعلمه ما فيه (مما يدل صريحًا في البشارة برسول اللَّه عَلَّه) بيان،
لما ترجمره، وهو قوله: (ولا يميل إلى الهوى) هو النفس، بل إنما يتبع ما يوحى إليه، (ولا یدل
الصالحين) المسلمين، والأولياء، (بل يقوي الصديقين) المبالغين في الصدق (الذين هم كالقصبة
الضعيفة، وهو ركن المتواضعين) هذا المقصود بذكره، فعلم أنه مما سمي به في الكتب