Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سرية الضحاك إلى القرطاء فاقتتلوا قتالاً شديدًا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعًا، وقتل قطبة من قتل، وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة. وكانت سهامهم أربعة أبعرة، والبعير يعدل بعشرة من الغنم بعد أن أخرج الخمس. [سرية الضحاك إلى القرطاء] ثم سرية الضحاك بن سفين الكلابي إلى بني كلاب، في ربيع الأول سنة تسع، إلى القرطاء، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموا وغنموا. وجه، قال ابن سعد: فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها، فأخذوا رجلاً فسألوه، فاستعجم عليهم، أي سكت، ولم يعلمهم بالأمر فجعل يصيح بالحاضر، ويحذرهم، فضربوا عنقه، ثم أقاموا حتى نام الحاضر فشنوا عليهم الغارة، (فاقتتلوا قتالاً شديدًا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعًا) المسلمين والمشركين، (وقتل قطبة من قتل، وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة). قال ابن سعد: فجاء سيل، فحال بينهم وبينه، فما يجدون إليه سبيلاً، (وكانت سهامهم أربعة أبعرة، والبعير يعدل بعشرة من الغنم بعد أن أخرج الخمس) الذي لله سبحانه وتعالى، واللَّه أعلم. سرية الضحاك إلى القرطاء (ثم سرية الضحاك بن سفين) بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب (الكلابي)، أبي سعيد الصحابي أحد، عمال المصطفى عَّ على الصدقات، وكان شجاعًا يعد بمائة فارس، قاله الواقدي وقال ابن سعد: كان ينزل نجدًا وكان واليًا على من أسلم هناك من قومه. وروى البغوي: أنه كان شيئًا قاله عَُّلّه قائمًا على رأسه متوشحًا بسيفه، نسبة (إلى بني كلاب) جده المذكور، فهو صلة للمحذوف المقدر، ووجد كذلك في نسخة، وذكره دفعًا لتوهم نسبته على غير قياس إلى كلب، أو بني كلبة، أو بني أكلب، أو بني كلب قبائل، كما في القاموس (في ربيع الأول) عند ابن سعد، وتبعه مغلطاي واليعمري وغيرهما، وقد علم من المصنف أنه لا يعد عنه، وقال شيخه الواقدي: في صفرة، واتفقا على كونها (سنة تسع،) وقال الحاكم: في آخر سنة ثمان بجيش (إلى القرطاء،) بضم القاف، وفتح الراء، والطاء المهملة والمد، بطن من بني بكر، واسمه عبيد بن كلاب، وهم أخوة قرط، كقفل وقريط، كزبير وقريط، كأمير، كما تقدم مبسوطًا، (فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا، فقاتلهم) الضحاك والجيش الذين معه، (فهزموا وغنموا). قال ابن سعد: فلحق الأُصيد بن سلمة بن قرط أباه سلمة على فرس له في غدير، فدعاه ٤٢ سرية علقمة إلى طائفة من الحبشة [سرية علقمة إلى طائفة من الحبشة] ثم سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى طائفة من الحبشة، في ربيع الآخر، وقال الحاكم في صفر سنة تسع. وذكر ابن سعد أن سبب ذلك: أنه بلغه عَِّ أن ناسا من الحبشة تراآهم أهل جدة، إلى الإسلام، فسبه وسب دينه، فضرب عرقوبي فرسه، فوقع على عرقوبيه، فارتكز سلمة على رمحه في الماء، ثم استمسك حتى جاءه أحدهم، فقتله ولم يقتله ابنه. قال الواقدي وفيه يقول العباس بن مرداس: ان الذين وفوا بما عاهدتهم جيش بعثت عليهم الضحاكا طورًا يعانق باليدين وتارة يفري الجماجم صارمًا فتاكًا سرية علقمة إلى طائفة من الحبشة (ثم سرية علقمة بن مجزز) بضم الميم، وفتح الجيم ومعجمتين، الأولى مكسورة ثقيلة، وحكى فتحها والأول أصوب، وقال عياض: وقع لأكثر الرواة بسكون المهملة وكسر الراء المهملة، وعن القابسي بجيم، ومعجمتين وهو الصواب، وأغرب الكرماني، فحكى فيه بالحاء المهملة، وشد الراء فتحًا وكسرًا، وهو خطأ ظاهر، قاله في الفتح (المدلجي) بضم الميم وسكون المهملة، وكسر اللام والجيم، نسبة إلى جده الأعلى مدلج قبيلة من كنانة، ويقال أيضًا: الكناني الصحابي ابن الصحابي، كما جزم أبو عمر في الاستيعاب بعد أبيه في الصحابة، وهو القائف المذكور في حديث أسامة، ووافقه جماعة وأغفله كثير ممن صنف في الصحابة. ذكر الواقدي وابن سعد أن عمر بعث علقمة في سنة عشرين في جيش إلى الحبشة في البحر فأصيبوا، فجعل عمر على نفسه أن لا يحمل في البحر أحدًا ورثاه خراش الهذلي بقوله: إن السلام وحسن كل تحية تغدو على ابن مجزز وتروح (إلى طائفة من الحبشة،) لا إلى نفس البلد، للسبب الآتي (في ربيع الآخر) عند ابن سعد، (وقال الحاكم) والواقدي: (في صفر سنة تسع،) ويحتمل الجمع بأن التهيء، وإرادة البعث كان في آخر صفر، والذهاب أول ربيع والتأخر تلك المدة حتى يحقق أمرهم. (وذكر ابن سعد) وشيخه الواقدي: (أن سبب ذلك،) أي بعث السرية (أنه بلغه ◌َلّ أن ناسًا من الحبشة ترآاهم)، أي نظروهم ورأوهم، كما قال الشامي، فالمراد أصل الفعل، لا التفاعل (أهل جدة) بضم الجيم وشدة المهملة وفيه تجوز، فعند الواقدي ترآآهم أهل الشعيبة في ساحل ٤٣ سرية علقمة إلى طائفة من الحبشة فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، فلما خاض البحر إليهم هربوا. فلما رجع علقمة، تعجل بعض القوم إلى أهليهم، فأمر عبد الله بن حذاقة على من تعجل، وكانت فيه دعابة، جدة بضم الشين المعجمة، وفتح المهملة، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، فتاء تأنيث، (فبعث إليهم علقمة بن مجزز) لجزه نواصي اسارى من العرب، ولذا صوب كونه بمعجمتين جماعة من الحفاظ. ووقع في رواية الحافظ أبي ذر في الصحيح، كأكثر الرواة، كما مر عن عياض أنه بالحاء المهملة والراء المكسورة، ويحتمل الجمع بأن المهملة اسمه الأصلي، وبالمعجمة لقبه لجزه النواصي (في ثلاثمائة فانتهى). قرب (إلى جزيرة في البحر،) فأراد الوصول إليها، (فلما خاض البحر) مشى فيه ليصل (إليهم هربوا). وذكر ابن إسحق: أن سبب ذلك أن وقاص بن مجزز قتل يوم ذي قرد، فأراد علقمة أن يأخذ بثأر أخيه فأرسله عَّةٍ في هذه السرية. قال الحافظ: فهذا يخالف ما ذكره ابن سعد إلا أن يجمع بأن يكون أمره بالأمرين. (فلما رجع علقمة) هو وأصحابه، ولم يلقوا كيدًا، (تعجل بعض القوم) أرادوا الرجوع قبل بقية الجيش (إلى أهليهم). وعند ابن إسحق، فتعجل عبد الله بن خذافة فيهم، (فأمر عبد الله بن حذافة،) بضم الحاء المهملة، فذال معجمة، فألف، ففاء. ابن قيس بن عدي بن سعيد، بالتصغير ابن سهم القرشي السهمي، من قدماء المهاجرين، يقال: شهد بدرًا، مات بمصر في خلافة عثمن، ومن منافيه ما أخرجه البيهقي عن أبي رافع قال: وجه عمر جيشًا إلى الروم وفيهم عبد اللَّه بن حذافة فأسروه فقال له ملك الروم: تنصر وأشركك في ملكي فأبى فأمر به فصلب، فأمر بإلقائه إن لم يتنصر، فلما ذهبوا به بكى، فقال: ردوه، فقال له: لم بكيت، قال: تمنيت أن لي مائة نفس تلقى هذا في اللَّه فعجب، فقال: قبل رأسي وأنا أخلي، عنك فقال: وعن جميع أسارى المسلمين، قال: نعم، فقبل رأسه، فخلى سبيلهم، فقدم بهم على عمر، فقام عمر، فقبل رأسه، وله شاهد عند ابن عساكر، عن ابن عباس (على من تعجل، وكانت فيه دعابة،) بضم الدال، وبالعين المهملتين فألف فموحدة، ما يستملح من المزاح، كما في المصباح وفي القاموس أنها اللعب. ٤٤ سرية علقمة إلى طائفة من الحبشة فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها، فقال عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار، فلما همّ بعضهم بذلك قال: اجلسوا، فإنما كنت أمزح. فذكروا ذلك للنبي عَ لّه فقال: من أمركم بمعصية فلا تطيعوه. ورواه الحاكم وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث أبي سعيد الخدري. وبوب عليه البخاري فقال: سرية عبد الله بن حذافة السهمي وعلقمة بن مجزز المدلجي، ويقال: إنها سرية الأنصاري. ثم روي عن علي قال: بعث النبي عَّةٍ سرية، فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار، وفي السبل المزاح، (فنزلوا ببعض الطريق، وأوقدوا نارًا يصطلون عليها) يستدفئون بها. وفي حديث أبي سعيد ليصنعوا عليها صنيعًا لهم أو يصطلون، (فقال: عزمت عليكم،) أي أمرتكم أمرًا جدًا (الا تواثبتم في هذه النار فلما هم) قصد (بعضهم بذلك قال: اجلسوا) امنعوا أنفسكم من التواثب، (فإنما كنت أمزح فذكروا ذلك) لما قدموا (للنبي عدّله، فقال: ((من أمركم بمعصية، فلا تطيعوه))،) لحرمة طاعته فيها. (و) هذا الذي ذكره ابن سعد (رواه) أحمد، و(الحاكم، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان) كلهم (من حديث أبي سعيد الخدري،) قال: بعث رسول اللَّه عَِّ علقمة بن مجزز على بعث أنا فيهم حتى انتهينا إلى رأس غزاتنا، أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش، وأمر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب بدر وكانت فيه دعابة، فلما كان ببعض الطريق أوقد القوم نارًا ليصنعوا عليها صنيعًا، لهم أو يصطلون، فقال لهم: أليس لي عليكم السمع والطاعة، قالوا: بلى، قال: أفما أنا آمركم بشىء إلا فعلتموه، قالوا: نعم، قال: فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي لما تواثبتم في هذه النار، فقام بعض القوم يحتجز حتى ظن أنهم واثبون : ها، فقال: احبسوا أنفسكم فإنما كنت أضحك معكم، فذكر ذلك لرسول اللَّه عَ لّه بعد أن قدمنا حد ه، فقال: ((من أمركم منهم بمعصية، فلا تطيعوه)، (وبوب عليه، البخاري) في الصحيح، (فقال) باب (سرية عبد الله بن حذافة السهمي،) نسبة إلى جده سهم (وعلقمة بن مجزز المدلجي ويقال إنها)، أي هذه السرية (سرية الأنصاري) لقول الحديث من الأنصار، (ثم روى) في الباب . في الأحكام، وفي خبر الواحد ومسلم في المغازي، (عن علي قال: بعث النبي عَليه سرية، فاستعمل عليها،) ولأبي ذر بالواو (رجلاً من الأنصار) قال في المقدمة: كذا في هذه الرواية، وهي سرية علقمة، والذي وقع له ذلك هو عبد الله بن حذافة السهمي، فلعل من أطلق عليه انصاريًا أطلقه باعتبار حلف أو غير ذلك من أنواع المجاز انتهى. ٤٥ سرية علقمة إلى طائفة من الحبشة وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم فقال: أليس قد أمركم النبي عَِّ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا حطبا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوا، فهموا، وجعل بعضهم يمسك بعضا ويقولون: فررنا إلى النبي عَِّ من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي عَّه فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها. وهذا حسن، وأما قول المصنف هو ابن حذافة، فيما قاله ابن سعد، ففيه نظر، لأن ابن سعد لم يقل أن المصطفى استعمله، إنما قال: استعمله علقمة حين تعجل، فيمن تعجل، ولذا قال البرماوي: لعل تأمير علقمة لابن حذافة عذر البخاري حيث جمع بينهما في الترجمة، مع أنه في الحديث يسم واحدًا منهما، والترجمة لعلها تفسير للمبهم في الحديث، (وأمرهم أن يطيعوه، فغضب) زاد في الأحكام (عليهم،) ولمسلم فأغضبوه في شىء، (فقال: أليس قد أمركم النبي عٍَّ أن تطيعوني، قالوا: بلى، قال: فاجمعوا) لي (حبطًا، فجمعوا) له حطبًا، (فقال: أوقدوا) بفتح الهمزة، وكسر القاف (نارًا). هكذا في البخاري، وسقطت من بعض من نسخ المواهب، (فأوقدوها،) ثبت هذا في البخاري، وسقط من النسخة التي وقف عليها شيخنا غلطًا من المكاتب، فبنى، عليها ونفى كونها في البخاري، وأنها من المصنف بيان للمحذوف، (فقال: ادخلوا) وفي الأحكام، فقال: عزمت عليكم لما جمعتم حطبًا، وأوقدتم نارًا، ثم دخلتم فيها. وجزم الحافظ بأن هذا مخالف لحديث أبي سعيد أنهم أوقدوها ليصنعوا عليها صنيعًا لهم، أو يصطلوا (فهموا،) بفتح الهاء وضم الميم مشددة، أي قصدوا، كما ارتضاه العيني، رد القول الكرماني، حزنوا وأيده المصنف برواية الأحكام، فلما هموا بالدخول فيها، قالوا: ينظر بعضهم إلى بعض، (وجعل بعضهم يمسك بعضًا،) أي يمنعه من الوقوع في النار. وفي رواية ابن جرير، فقال لهم شاب منهم: لا تعجلوا بالدخول فيها، (ويقولون: فررنا إلى النبي عَّه من النار،) وفي خبر الواحد، فأرادوا أن يدخلوها، وقال آخرون: إنما فررنا منها، أي اتبعناه عَّ له خوفًا من نار جهنم فكيف ندخل هذه. (فما زالوا حتى خمدت النار). قال الحافظ: بفتح الميم وحكى المطرزي: كسرها، أي طفىء لهبها (فسكن غضبه))) هذا أيضًا يخالف حديث أبي سعيد أنه كانت فيه دعابة، وأنهم تحجزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها، فقال: احبسوا أنفسكم فإنما كنت أضحك معكم. (فبلغ النبي،) وفي الأحكام فذكر للنبي ولمسلم، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول اللَّه عَّهِ، (فقال: ((لو دخلوها،) أي النار التي أوقدوها ظانين أنها بسبب طاعة أميرهم لا تضرهم (ما خرجوا منها))،) لاحتراقهم فيها فيموتوا. ٤٦ سرية علقمة إلى طائفة من الحبشة قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: في قوله: ((ويقال إنها سرية الأنصاري)) إشارة إلى احتمال تعدد القصة، وهو الظاهر لاختلاف سياقهما واسم أميرهما. وبقية الحديث إلى يوم القيامة الطاعة في المعروف، وفي الأحكام ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف، ولابن جرير لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة يعنى أن دخولها معصية والعاصي يستحق النار، ويحتمل أن المراد لو دخلوها مستحلين لما خرجوا منها أبدًا، وعلى هذا ففيه استخدام، لأن ضمير دخلوا للتي أوقدوها، وخرجوا النار الآخرة، لارتكابهم ما نهوا عنه من قتل أنفسهم، والظاهر الأول انتهى من الفتح، وصح رجوع الضمير لنار الآخرة، مع قوله إلى يوم القيامة بضرب من التجوّز، أي طول الأمد، قال الكرماني وغيره: المراد بيوم القيامة التأبيد، "يعني لو دخلوها مستحلین. قال الداودي فیه: أن التأويل الفاسد لا يعذر به صاحبه انتهى. ولا ضير في قولهم مستحلين في الصحابة، لأنه مدخول الشرط الذي لم يقع، ووجه فساده قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ فأنه ظاهر على أن ما فهمه الموافقون على الدخول غير مراد وإنما يعذر إذا كان ثم شبهة قوية ومن ثم قال عَِّ للآخرين أي الذين امتنعوا قولاً حسنًا رواه مسلم، وقال عَّله: ((لا طاعة في معصية اللَّه تعالى، إنما الطاعة في المعروف). رواه الشيخان قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد أن الحكم في حال الغضب ينفذ منه ما لا يخالف الشرع، وأن الغضب يغطي على ذوي العقول عقولهم، وأن الإيمان بالله ينجي من النار لقولهم: إنما فررنا إلى النبي عَِّ إليه فرارًا إلى اللَّه يطلق على الإيمان. قال تعالى: ﴿ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين﴾ [الذاريات: ٥٠]، وأن الأمر المطلق لا يعم الأحوال لأنه عَِّ أمرهم بطاعة الأمير فحملوه على عموم الأحوال، حتى في حالتي الغضب والأمر بالمعصية، فبين لهم أنه مقصود على ما كان منه في غير معصية، واستنبط منه ابن أبي جمرة أن الجمع من هذه الأمة لا يجتمعون على خطأ لانقسام السرية قسمين منهم من هان عليه دخول النار وظنه طاعة، ومنهم من فهم حقيقة الأمر، وأنه مقصور على ما ليس بمعصية، فكان اختلافهم سببًا لراحة الجميع، قال: وفيه أن من كان صادق النية لا يقع إلا في خير، ولو قصد الشر فإن اللَّه يصرفه عنه، ولذا قال أهل المعرفة: من صدق مع اللَّه وقاه اللَّه، ومن توكل على اللَّه كفاه الله. انتهى. (قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في قوله: ويقال أنها سرية الأنصار، إشارة إلى احتمال تعدد القصة، وهو الظاهر لاختلاف سياقهما،) كما مر بيانه (واسم أميرهما،) والسبب في أمره ٤٧ سرية علقمة إلى طائفة من الحبشة ويحتمل الجمع بينهما بضرب من التأويل، ويبعده وصف عبد الله بن حذافة السهمي القريشي المهاجري بكونه انصاريا. ويحتمل الحمل على المعنى الأعم، أي أنه نصر رسول الله عَّه في الجملة. وإلى التعدد جنح ابن القيم، وأما ابن الجوزي فقال: قوله ((من الأنصار)) وهم من بعض الرواة، وإنما هو سهمي. قال في فتح الباري: ويؤيده حديث ابن عباس عند أحمد، في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩] نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي بن قيس بن عدي، بعثه رسول الله عَّه في سرية. بدخولهم النار. هذا أسقطه المصنف من الفتح، كأنه للاستغناء عنه باختلاف سياقهما، فإنه من جملته، (ويحتمل الجمع بينهما بضرب من التأويل،) مثل أن يقال: لما كان تأمير علقمة لعبد اللَّه ناشئًا عن إذنه عَّ له أن يؤمر إن احتاج نسب للمصطفى تارة ولعلقمة أخرى، (و) لكن (يبعده وصف عبد الله بن حذافة السهمي القريش، المهاجري بكونه أنصاريًا،) لأنهم الأوس والخزرج وهم مدنيون، فيحتمل أنه نسب إليهم بالحلف ونحوه، كما مر عن المقدمة، (ويحتمل الحمل على المعنى الأعم،) الشامل لكل مؤمن نصر الله ورسوله لقوله: ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ [محمد: ٧]، (أي أنه نصر رسول اللَّه عَّ في الجملة)، أي قاتل معه فعد من أنصاره، وإن كان قرشیًا مهاجريًا. (وإلى التعدد جنح ابن القيم، وأما ابن الجوزي، فقال قوله) في الحديث، فاستعمل رجلاً (من الأنصار، وهم من بعض الرواة، وإنما هو سهمي) بدليل أن بعضًا منهم لم يذكرها، (قال في فتح الباري) تلو هذا، (ويؤيده) أي الوهم إن لم يحمل على المعنى الأعم أو الحلف (حديث ابن عباس عند أحمد) والبخاري (في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾﴾ [النساء: ٥٩]، (نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي ابن قيس بن عدي، بعثه رسول اللَّه عَّ في سرية)، وكذا أخرجه البخاري مختصرًا في تفسير سورة النساء، كما هو بقية كلام الحافظ هنا، وما كان ينبغي للمصنف حذفه، لأنه أوهم انفراد أحمد به. قال الداودي: هذا وهم على ابن عباس، فإن ابن حذافة خرج على جيش، فغضب فأوقد نارًا، وقال: اقتحموا فامتنع بعض وهم بعض أن يفعل، فإن كانت الآية نزلت قبل فكيف يخص عبد اللَّه بالطاعة دون غيره، وإن كانت نزلت بعد، فإنما قيل لهم إنما الطاعة في المعروف، وما ٤٨ هدم صنم طيء انتھی. وقال النووي: وهذا الذي فعله هذا الأمير، قيل: أراد امتحانهم، وقيل: كان مازحا، وقيل: إن هذا الرجل عبد الله بن حذافة السهمي، قال: وهذا ضعيف: لأنه قال في الرواية التي بعدها في مسلم إنه رجل من الأنصار، فدل على أنه غيره. انتهى. [هدم صنم طيء] ثم سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الفلس - بضم الفاء وسكون اللام - وهو صنم طيء ليهدمه، في ربيع الآخر سنة تسع، وبعث معه مائة وخمسين رجلاً من الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرسا - قيل لهم لِمَ لم يطيعوه وأجاب الحافظ بأن المقصود في قصته، فإن تنازعتم في شىء، لأنهم تنازعوا في امتثال الأمر بالطاعة، والتوقف فرارًا من النار، فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع، وهو الرد إلى اللَّه والرسول. وقد أخرج ابن جرير أنها نزلت في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد بن الوليد، وكان خالد أميرًا، فأجار عمار رجلاً بغير أمره فتخاصما فنزلت (انتهى،) كلام الفتح (وقال النووي) في شرح مسلم: (وهذا الذي فعله هذا الأمير، قيل أراد امتحانهم، وقيل كان مازحًا،) وينافي القولين معًا قوله في الحديث فأغضبوه في شىء، وتكلف شيخنا الجواب في التقرير باحتمال أنه أظهر الغضب، والواقع أنه ممتحن، أو مازح، (وقيل): ليس مقابلاً لما قبله، بل المراد بيان (أن هذا الرجل) المبهم في قوله استعمل رجلاً عند مسلم كالبخاري في خبر الواحد، ولم يقل من الأنصار هو (عبد الله بن حذافة السهمي). (قال وهذا) القول (ضعيف لأنه قال في الرواية التي بعدها في مسلم) ولم ينفرد بها، بل وافقه البخاري كما رأيت (أنه رجل من الأنصار، فدل على أنه غيره انتهى) إلا أن يؤول بالحلف، أو الأعم، كما مر واللّه تعالى أعلم. هدم صنم طيء (ثم سرية علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه إلى الفلس بضم الفاء، وسكون اللام) آخره سين مهملة، كما ضبطه جمع منهم اليعمري، وقال في المراصد بضم أوله وثانيه، وضبطه بعضهم بالفتح وسكون اللام، (وهو صنم طيء») ومن يليها قاله ابن إسحق (ليهدمه)) أي محله الذي هو فيه (في ربيع الآخر سنة تسع). (وبعث معه مائة وخمسين رجلاً من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسًا) عند الواقدي. ٤٩ هدم صنم طيء وعند ابن سعد: مائتي رجل- فهدمه وغنم سبيا ونعما وشاء. صِّلىالله وكان في السبي سفانة بنت حاتم، أخت عدي بن حاتم، فأطلقها النبي : شر، فكان ذلك سبب إسلام أخيها عدي. (وعند ابن سعد مائتي رجل) من الأنصار، فالخلاف في عددهم لا في كونهم منهم، أو بعضهم منهم وبعضهم من غيرهم، قال ابن سعد وشيخه: ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فغاروا على أحياء من العرب، وشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، (فهدمه) وحرقه وجد، في خزانته ثلاثة أسياف: رسوب بفتح الراء، وضم المهملة وسكون الواو وموحدة، والمخذم بكسر الميم، وسكون الخاء، وذال معجمتين، وميم كان الحرث قلده إياهما، وسيف يقال له اليماني وثلاثة أُدرع، (وغنم سبيًا،) فاستعمل عليه أبا قتادة، (ونعمًا وشاء) وفضة، فجعل عليها عبد الله بن عتيك، فلما كان بركك، بفتح الراء والكاف الأولى موضع ببلاد طيء لا يصرف عزل له عَّه صفيًا رسوبًا والمخذم، ثم صار له بعد السيف الآخر، وعزل الخمس وآل حاتم، فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة. وذكر ابن هشام عن بعض أهل العلم: أنه عَّهِ وهب رسوبًا والمخذم لعلي قال: وهما سيفا علي رضي اللَّه عنه، (وكان في السبي سفانة،) بفتح السين المهملة، والفاء المشددة، فألف فنون مفتوحة فتاء تأنيث، (بنت حاتم) الطائي الجواد المشهور، قال في الروض: وبها كان يكنى، وهي في الأصل الدرة انتهى، فأسلمت، وحسن إسلامها ومن عليها عَّه قيل: فدعت له، فقالت: شكرتك يد افتقرت بعد غنى ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب اللَّه بمعروفك مواضعه ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا وجعلك سببًا لردها عليه، (أخت عدي بن حاتم) بن عبد اللَّه بن سعد بن الحشرج بفتح المهملة وسكون المعجمة وآخره جيم الصحابي الشهير أبي طريف، بفتح المهملة آخره فاء كان ممن ثبت في الردة وأتى بصدقة قومه إلى الصديق، وحضر فتوح العراق وحروب علي. مات سنة ثمان وستين وهو ابن مائة وعشرين سنة وقيل ثمانین. روى له الستة (فأطلقها النبي ◌َّة، فكان ذلك سبب إسلام أخيها عدي،) كما ذكر ابن إسحق قال: أصابت خيله عَّله ابنة حاتم في سبايا طيء، فجعلت في حظيرة في المسجد، فمر بها عَُّلّهِ، فقامت إليه وكانت جزلة، فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فقال: ((ومن وافدك))، فقالت: عدي بن حاتم، قال: ((الفار من الله ورسوله))، فمضى حتى كان الغد، مر بي فقلت له وقال لي مثل ذلك، حتى كان بعد الغد، مر بي ويئست، فأشار إلى علي وهو خلفه أن قومي إليه فكلميه، فقمت فقلت: يا رسول اللَّه هلك الوالد، وغاب الوافد فأمنن عليّ من اللّه ٥٠ هدم صنم طيء وعند ابن سعد أيضًا: أن الذي كان سباها خالد بن الوليد رضي الله عنه. ثم سرية عكاشة بن محصن إلى الجباب - موضع بالحجاز - أرض عذرة وبلي، وقيل أرض فزارة وكلب ولعذرة فيها شركة. قصة کعب بن زهير عليك، قال: قد فعلت فلا تعجلي حتى تجدي ثقة يبلغك بلادك ثم آذنيني، فقدم رهط من طيء، فأخبرته أن لي فيهم ثقة، وبلاغًا فكساني وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت حتى قدمت الشام على أخي، فقال: ما ترين في هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعًا، فان يك نبيًّا فللسابق إليه فضيلة، وإن يك ملكًا فلن تزال في عز اليمن وأنت أنت، فقلت: واللَّه إن هذا هو الرأي، وقدم فأسلم والقصة طويلة، وروى ابن المبارك في الزهد عندما دخل وقت صلاة قط: إلا وأنا أشتاق إليها، وفي رواية ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء وكان جوادًا. وقد روى أحمد أن رجلاً سأله مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم وأنا ابن حاتم واللَّه لا أعطيك. (وعند ابن سعد أيضًا أن الذي كان سباها خالد بن الوليد رضي اللَّه عنه) لا علي كرم الله وجهه، ولا يمكن الجمع بأنه كان في جيش علي، لأن جيشه كانوا كلهم من الأنصار فاللّه أعلم، (ثم سرية عكاشة) بضم العين، وشد الكاف وتخفيفها، وشين معجمة (ابن محصن) بكسر فسكون الأسدي من السابقين الأولين البدري ممن يدخل الجنة بغير حساب، كما في الصحيحين، استشهد في قتال الردة. (إلى الجباب) بكسر الجيم وموحدتين، بينهما ألف (أرض عذرة) بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة. (وبلي) بفتح الموحدة، وكسر اللام، وشد التحتية (وهي اسم قبيلتين) كلاهما من قضاعة بضم القاف ومعجمة فألف فمهملة، (وقيل أرض فزارة وكلب ولعذرة فيها شركة). قال ابن سعد: كانت هذه السرية في شهر ربيع الآخر سنة تسع، كذا ذكره ولم يزد وتبعه اليعمري وغيره ولم يبينوا سببها، ولا عدد من ذهب فيها، ولا ما جرى واللَّه أعلم. (قصة كعب بن زهير بن أبي سلمى بضم أوله، واسمه ربيعة بن رياح بكسر الراء، وتحتانية المزني الشاعر ابن الشاعر، أخو الشاعر، وكان ولدا كعب عقبة، والعوام شاعرين، قال الحطيئة لكعب: أنتم أهل بيت ينظر إليكم في الشعر، فاذكرني في شعرك ففعل، وروى ابن أبي الدنيا عن الشعبي قال: أنشد النابغة الذبياني النعمان بن المنذر: تزال الأرض أمامت خفا وتحيا ما حييت بها ثقيلا فقال النعمان: إن لم تأت ببيت بعده يوضح معناه، وإلا كان إلى الهجاء أقرب، فتعسر ٥١ هدم صنم طيء مع النبي عَّةٍ، وكانت فيما بين رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف وغزوة تبوك. وكان من خبر كعب وأخيه بجير ما ذكره ابن إسحق وعبد الملك بن هشام وأبو بكر محمد بن القسم بن يسار الأنباري، دخل حديث بعضهم في بعض: أن بجيرا قال لكعب: اثبت حتى أتي هذا الرجل - يعني النبي عَ له- فأسمع کلامه وأعرف ما عنده، عليه فأجله ثلاثًا، فإن قال: فله مائة من الإبل وإلا ضربه بالسيف، فخرج النابغة وجلاً، فلقي زهيرًا، فذكر له ذلك، وخرجا إلى البرية فتبعهما، كعب، فرده زهير، فقال النابغة: دعه يخرج وأردفه، فلم يحضرهما شىء، فقال كعب للنابغة يا عم ما يمنعك أن تقول: وذلك إن ثللت الغي عنها فتمنع جانبيها أن تميلا فأعجب النابغة، وغدا على النعمان، فأنشده فأعطاه المائة، فوهبها لكعب، فأبى أن يقبلها، ورويت هذه القصة على غير هذا الوجه (مع النبي عَّه) لم يقل وأخيه بجير وإن ذكر في القصة، لأن كعبًا هو المقصود، لأنه الذي هرب،» وأهدر دمه، وإنما ذكر أخوه لكونه سببًا في مجيئه وإيمانه، (وكانت فيما بين رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف وغزوة تبوك) تبع اليعمري لفظًا ووضعًا، ومقتضى التزامهما الترتيب على السنين أن تكون في التاسعة في آخر ربيع الثاني أو في الجماديين. وجزم الشامي في الحوادث بأنها في السنة الثامنة، وهو مقتضى ما يأتي عن ابن إسحق، (وكان من خبر كعب وأخيه بجير،) بضم الموحدة، وفتح الجيم، وإسكان التحتية، ثم راء صحابي شهير أسلم قبل أخيه، ثم كان سببًا في إسلامه، (ما ذكره ابن إسحق) محمد في المغازي بلا سند، (وعبد الملك بن هشام) الحميري المغافري أبو محمد البصري، ثم المصري المتوفى بها سنة ثلاث عشرة ومائتين كان مشهورًا بحمل العلم مقدمًا في علم النسب والنحو. روى سيرة ابن إسحق عن زياد البكائي عنه وهذبها، وزاد فيها بعض أشياء بينها، وهو المراد بكونه ذكر هذا الخبر، (وأبو بكر) العلامة الحافظ الصدوق الدين (محمد بن القاسم بن يسار) ضد يمين (الأنباري) بفتح الهمزة والموحدة، بينهما نون ساكنة بلدة قديمة على الفرات، (دخل حديث بعضهم في بعض) يعني أن اللفظ لمجموعهم، فعند كل ما انفرد به عن الآخر (أن بجيرا) بفتح الهمزة، بدل من قوله ما ذكره، (قال لكعب: اثبت) روي ابن أبي عاصم عن كعب أنه لما فتحت مكة خرج هو وبجير حتى أتيا أبرق العزاف، فقال بجير لكعب: اثبت في غنمنا هنا (حتى آتى هذا الرجل، يعني النبي عَِّ، فأسمع كلامه، وأعرف ما عنده) هل هو مما ٥٢ هدم صنم طيء فأقام كعب ومضى بجير، فأتى رسول الله عَِّ فسمع كلامه وآمن به .. وذلك أن زهيرا فيما زعموا كان يجالس أهل الكتاب فسمع منهم أنه قد آن مبعثه عليه الصلاة والسلام، ورأى زهير في منامه أنه قد مد سبب من السماء، وأنه قد مد يده ليتناوله، ففاته فأوله بالنبي الذي يبعث في آخر الزمان، وأنه لا يدركه، وأخبر بنيه بذلك وأمرهم، وأوصاهم إن أدركوه أن يسلموا. قال ابن إسحق: ولما قدم عَُّ من الطائف، كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب: إن رسول الله عَّ ◌ُّه قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه، وإن من بقي من شعراء قریش ابن الزبعري يستحسن ويلوح صدقه فاتبعه أم لا فأتركه، (فأقام كعب) بابرق العزاف بفتح المهملة والزاي المشددة آخر فاء ماء لبني أسد بين المدينة، والربذة لأنه كان يسمع به عزيف الجن، أي صوتهم، كما قال الشريف، (ومضى بجير فأتى رسول اللَّه مَطِّ. فسمع كلامه وآمن به و) سبب (ذلك) أي قول بجير لأخيه ما سبق وإتيانه للمصطفى (أن زهيرًا) أباهما (فيما زعموا) عبر به لعدم صحته عنده كالأحاديث الصحيحة والحسنة. (كان يجالس أهل الكتاب، فسمع منهم أنه قد آن) قرب (مبعثه عليه الصلاة والسلام، ورأى زهير في منامه أنه قد مد سبب) حبل (من السماء، وأنه قد مد يده ليتناوله ففاته، فأوله،) أي الحبل الذي مد (بالنبي الذي يبعث في آخر الزمان، وأنه) أي وأول فوته بأنه (لا يدركه، وأخبر بنيه بذلك) المذكور من المنام، وما سمعه من أهل الكتاب، (وأمرهم،) أي بنيه كعبًا وبجيرًاً وأختهما الخنساء شاعرة أيضًا، ذكرها ابن ماكولا غير الخنساء أخت صخر الشاعرة الصحابية المشهورة، ولم يذكر بنت زهير في الإصابة، فلا صحبة لها، ويحتمل أنه أراد بينيه ما يشمهلم وأولادهم، (وأوصاهم إن أدركوه أن يسلموا). قال العسكري: ومات زهير قبل المبعث قال خلف الأحمر: ولولا قصائد له ما فضلته على ابنه كعب، أي في الشعر، ثم ما ساقه المصنف هو مما انفرد به ابن الأنباري عن المذكورين معه. (قال ابن إسحق:) عقب غزوة الطائف، (ولما قدم عٍَّ من الطائف كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب أن رسول اللَّه عَ لِّ قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه) ويؤذيه، (وأن من بقي من شعراء قريش) عبد اللَّه (بن الزبعري،) بزاي فموحدة مكسورتين، وسكون المهملة بعدها راء مقصورة، كما في الإصابة والصحاح. ٥٣ هدم صنم طيء وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله عَّه فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك. وكان كعب قد قال: ألا بلغا وقال الأسنوي في شرح منهاج البيضاوي، والمجد بفتح الباء، وبعضهم حكى الوجهين ولك ترجيح الأول لجزم الجوهري به. وصحاحه في كتب اللغة نظير البخاري في الحديث، كما في المزهر، وجزم الإصابة الكسر، يرجحه أيضًا فأهل كل فن أدرى به. ابن قيس بن عدي بن سعيد بالتصغير ابن سهم القرشي السهمي. قال المرزباني يكنى أبا سعيد: كان شاعر قريش، ثم أسلم ومدحه عَّ، فأمر له بحلة (وهبيرة) بضم الهاء وفتح الموحدة. (ابن أبي وهب) المخزومي زوج أم هانىء، (قد هربوا في كل وجه) لما فتحت مكة، فهرب إلى نجران فأما هبيرة فهلك على كفره، وأما ابن الزبعري فروى ابن إسحق أن حسان رماه بییت واحد لم يزد علیه: لا تعد من رجلاً أحلك بغضه نجران في عيش أجد لئيم فخرج إليه عَّهِ، فقال حين أسلم: يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور إذا بارى الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور آمن اللحم والعظام لربي ثم قلبي الشهيد أنت النذير إنني عنك زاجر ثم حيا من لؤى وكلهم مغرور (فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر،) أي أقبل مسرعًا (إلى رسول اللَّه عَِّ، فإنه لا يقتل أحدًا جاءه تائبًا). وعند ابن عاصم فإنه لا يأتيه أحد مسلمًا إلا قبل منه، وأسقط ما كان قبل ذلك، (وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك) من الأرض، كما عند ابن إسحق، أي إلى محل ينجيك منه بزعمك ونجائك، بالهمز أو هو نجاتك بفوقية بعد الألف، وكلاهما مصدر نجا كما في القاموس، (وكان كعب قد قال) لما بلغه إسلام أخيه (ألا بلغا) بألف لفظًا وخطًا على أنه مؤكد وصل بنية الوقف أو خطاب للإِثنين والواحد وكثيرًا ما يخاطب الواحد بخطابهما أو بنون توكيد ٥٤ هدم صنم طيء عني بجيرا رسالة فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل على أي شىء غير ذلك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه ولا تلقى عليه أخا لكا فإن كنت لم تفعل فلست بآسف ولا قائل إما عثرت لعالكا سقاك بها المأمون كأسا روية فأنهلك المأمون منها وعلكا خفيفة لفظًا وألف خطًا للوقف (عنى بجيرًا رسالة، فهل لك) الفاء عاطفة والمعطوف محذوف، أي فقولا له هل لا زائدة، لأنه خلاف الأصل ولأن في زيادة الفاء خلافًا (فيما قلت) رأي أو إرادة أو قلته بلا قصد، (ويحك) وقعت في هلكة بما قلته لا تستحقها (هل لكا) توكيد وتكميل، (فبين لنا إن كنت لست بفاعل) مرادنا من بقائك على دينك جملة معترضة ومفعول بين (على أي شىء غير ذلك دلكا،) أي الطريق الذي دلك عليه المخالف لدين آبائك، كما أشار إليه بقوله دلك (على خلق) بضمتين سجية أي أفعال ناشئة عن طبيعة (لم تلف) عليها (أُمَّا ولا أبًا، عليه) قال في الروض: إنما قال ذلك لأن أمهما واحدة، وهي كبشة بنت عمار الشحيمية، كما ذكره ابن الكلبي، (و) كما لم تجد فيما مضى أحدًا من إسلافك عليه كذلك (لا تلفي عليه أخّا لك) يواتيك عليه في المستقبل، فلذا عبر بلا وفيما قبله بلم، وفي رواية ولم تدرك، والظاهر أن المراد بالأخ الصديق أو ما يشمله. وفي رواية: على خلق لم تلف يومًا أخّا له عليه وما تلفي عليه أبًا لكا · (فإن كنت) بفتح التاء خطابًا، وفي رواية فإن أنت (لم تفعل فلست) بضمها أنا (بآسف) بمد الهمزة، وكسر السين، حزين عليك لخلافك لي، (ولا قائل إمّا) بكسر الهمزة وشد الميم (عثرت لعالكا) بفتح اللام، والعين منوّنة (سقاك بها) بالمقالة المفهومة من قلت، أو من ما قلت بجعل ما مصدرية، أو هو عائد على نفس ما بجعلها موصولاً اسميًا حذف عائده، أي في التي قلتها أو على كلمة الشهادة، فالباء زائدة أو بمعنى من التبعيضية، أو على الكأس (المأمون،) يعني النبي عَةٍ كانت قريش تسميه به وبالأمين قبل النبوة. وفي رواية غير ابن إسحق المحمود وهو من أسمائه عَّ له، قاله في الروض قال عبد الملك: ويروي المأمور (كأسًا) حال موطئة، كما تقول لقيت زيدًا رجلاً صالحًا، أو بدل من الضمير على الموضع، كمررت به زيدًا هذا على زيادة الباء، وعلى أنها بمعنى من أو تمييز على عود الضمير على الكأس، وعود الضمير على تمييزه متفق عليه في نعم ورب نحو بئس للظالمين، بدلاً وربه عطبًا، ولم يخصه الزمخشري بذلك، بل قال به في: ﴿فسواهن سبع سموات﴾ وما هنا مثله (روية) فعيلة بمعنى مفعلة بضم الميم وكسر العين أي مروية (فانهلك) سقاك أولاً (المأمون منها، وعلكا) ٥٥ هدم صنم طيء قال السهيلي: ((لعا)) كلمة تقال للعاثر دعاء له. انتهى. قال ابن إسحق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله عَّله فأنشده إياها. فقال رسول الله عَّله: سقاك بها المأمون. صدق وإنه الكذوب، وأنا المأمون .. ولما سمع: على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه، قال: أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله .. فكتب إليه أخوه بهذه الأبيات. من مبلغ كعبا فهل لك في التي تلوم عليها باطلا وهي أحزم سقاك ثانيًا، والمعنى سقاك بها مرة بعد أخرى قال عبد الملك عن بعض علماء الشعر بعد هذا: ففارقت أسباب الهدى واتبعته على أي شىء ويب غيرك دلكا قال الجمال ویب کویح. (قال السهيلي: ((لا)) كلمة تقال للعاثر دعاءً له) بالإقالة قال الأعشى: فالنفس أدنى لها من أن يقال لعا فإذا دعي عليه قيل لا لعا وأنشد أبو عبيدة: فلا لعا لبني ثعلان إذا عثروا (انتهى) كلام السهيلي بما زدته. (قال ابن إسحق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرًا كره أن يكتمها رسول اللَّه عٍَّ) أي يخفيها عنه، وكتم يتعدى بنفسه وبمن وعن كما في المصباح، (فأنشده إياها، فقال رسول اللَّه عَّ:) لما سمع ((سقاك بها المأمون))). هكذا ثبت لما سمع عند ابن إسحق، فكأنها سقطت من قلم المؤلف، وحذف المفعول للعلم به، أي قوله وأما مقولة عليه الصلاة والسلام، فهو (صدق) لمطابقة الواقع، (وإنه لكذوب) في أقواله، بل قوله هذا لكن بزعمه، أي هو يزعم ويعتقد أنه كذوب فيه لا بحسب الواقع على نحو ما قيل في واللَّه يشهد أن المنافقين لكاذبون (وأنا المأمون، ولما سمع على خلق لم تلف أمَّا ولا أبًا عليه، قال: أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه) لهلاكهما قبله، (ثم قال عليه الصلاة والسلام: من ((لقي منكم كعب بن زهير فليقتله))،) وهذا مما انفرد به ابن الأنباري عنهما. وقد ثبت في رواية ابن أبي عاصم من حديث كعب، (فكتب إليه أخوه بهذه الأبيات من مبلغ) بضم فسكون فكسر من أبلغ وفيه خرم بالراء وأصله فمن مبلغ، أي موصل (كعبًا فهل لك) انقياد ودخول (في) الخصلة (التي تلوم) أخاك (عليها) لومًا (باطلاً، و) الحال أنها (هي أحزم) ٥٦ هدم صنم طيء إلى الله لا العزى ولا اللات وحده فتنجو إذا كان النجاء وتسلم من الناس إلا طاهر القلب مسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ودين أبي سلمى علي محرم فدين زهير وهو لا شىء دينه فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان من حاضره من عدوه فقال: هو مقتول. فلما لم يجد من شىء بدا، قال قصيدته التي يمدح بها رسول الله عَّةٍ ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه. ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رحل أتقن وأصوب، فترجع (إلى اللَّه لا العزى، ولا اللات وحده،) حال من اللَّه، أي منفردًا لا تشرك معه أحدًا (فتنجو،) تخلص من العذاب (إذا كان النجاء) الأكبر حاصلاً لأهله، (وتسلم) من النار وأهوال يوم الفزع الأكبر، وذلك النجاء (لدى) عند (يوم لا ينجو) فيه (وليس بمفلت) بفتح اللام، المخففة أحسن من كسرها اسم فاعل، كما في النور (من الناس) أحد من العذاب (إلا طاهر القلب مسلم،) أي سليم منقاد للحق خالص من الشك والشرك، لا الذنوب، فإنه لا يسلم منها إلا المعصوم، (فدین زهير وهو لا شىء دينه). قال السهيلي رواية مستقيمة، ورواه القالي فقال: لا شىء غيره وفسره على التقديم والتأخير، أي دين زهير وهو غيره لا شىء ورواية ابن إسحق أبعد من الأشكال وأصح. وهذا كما قال الجمال اعتراض حسن بديع بين المبتدأ الذي عطف عليه (ودين أبي سلمى،) وبين الخبر وهو (علي محرم)) ويحتمل أنه افراد الخبر، لأن المعنى فاتباع، فحذف المضاف، كحديث أن هذين حرام على ذكور أمتي، أي استعمال الذهب والحرير، أو لأن دينهما واحد، وأعيد المضاف توكيدًا كقول قيس بن عاصم: أيا بنت عبد اللَّه وابنة لملك ويا بنت ذي البودين والفرس الورد إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فأني لست آكله وحدي (فلما بلغ كعبًا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق) خاف (على نفسه، وأرجف به) خوفه (من كان في حاضره،) أي حيه (من عدوه، فقال:) أفرد باعتبار لفظ من لكن في ابن إسحق، فقالوا: (هو مقتول فلما لم يجد من شىء بد) مخلصًا يلتجىء إليه إلا الإسلام، والمجىء إلى خير الأنام، كما في رواية ابن أبي عاصم أنه لما جاءه الكتاب أسلم كعب وقدم، (قال قصيدته التي يمدح فيها رسول اللّه عَ ◌ّ. ويذكر) فيها (خوفه وإرجافه الوشاة به،) أي المزخرفين للأقوال الكاذبة عليه حالة كونهم (من عدوه ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل) قال البرهان: ٥٧ هدم صنم طيء كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله عَ له فقال: هذا رسول الله فقم إليه واستأمنه، فقام حتى جلس إلى رسول الله عَّ فوضع يده في يده - وكان عَِّ لا يعرفه - فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبا مسلمًا فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال رسول الله عَظله: نعم، قال: أنا یا رسول الله کعب بن زهير. قال ابن إسحق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار وقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه. فقال عّلّه: دعه عنك فقد جاء تائبا نازعا. قال: فغضب كعب على هذا الحي من لا أعرفه (كانت بينه وبينه معرفة من جهينة فغدا به إلى رسول اللَّه عَ ل) حين صلى الصبح فصلى معه كما في ابن إسحق، قال ثم أشار إليه (فقال: هذا رسول اللَّه فقم إليه واستأمنه، فقام حتى جلس إلى رسول اللَّه عَّ فوضع يده في يده). وفي رواية ابن أبي عاصم فأسلم كعب، وقدم المدينة حتى أناخ بباب المسجد قال: فعرفت رسول اللَّه عَّه بالصفة فتخطيت حتى جلست إليه فأسلمت، ثم قلت: الأمان يا رسول اللَّه أنا كعب بن زهير، (وكان ◌َّ لا يعرفه، فقال: يا رسول اللَّه إن كعب بن زهير قد جاءك ليستأمنك) حال كونه (تائبًا مسلمًا، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به،) أي بخبره، وأظهرته لك إذ هو حاضر، (فقال رسول اللَّه عَ ل: ((نعم)، قال:) إذا (أنا يا رسول اللَّه كعب بن زهیر). وروى ابن قانع عن سعيد بن المسيب أن كعبًا لما قدم المدينة سأل عن أرق الصحابة، فدل على أبي بكر، فأخبره بخبره، فمشى أبو بكر وكعب على أثره حتى صار بين يديه عَّ﴾، فقال: رجل يبايعك فمد يده فبايعه، والجمع ممكن بأنه لما قدم نزل على الجهني، فأخبره بأن أبا بكر أرق الصحابة، وأتى به إليه فسارا معًا معه، فصلوا الصبح، ثم تقدم الصديق وكعب على أثره، فجلس كعب، وقال ما قال فلما آمن عرفه بنفسه، (قال ابن إسحق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة) بن النعمان الأنصاري الأوسي، أبو عمر المدني التابعي الثقة الذي روى له الستة العلامة بالمغازي، المتوفي بعد العشرين ومائة (أنه وثب عليه رجل،) قال البرهان: لا أعرفه (من الأنصار، فقال: يا رسول اللَّه دعني وعدو الله) بالنصب (اضرب عنقه)،) بالجزم جواب دعني، ويجوز رفعه انتهى. (فقال ◌َ له: ((دعه) اتركه (عنك، فقد جاء تائبًا نازعًا) بالنون، أي مائلاً مشتاقًا إلى الإسلام، أو كافًا عن الشرك تاركًا له (قال) عاصم: (فغضب كعب على هذا الحي من ٥٨ هدم صنم طيء الأنصار لما صنع صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير. ثم قال قصيدته اللامية التي أولها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول وفيها: أنبئت أن رسول اللَّه أودعني الأنصار،) الظاهر أنه أراد بالحي جميع الأنصار فمن بيانية (لما) بكسر اللام وخفة الميم (صنع) به (صاحبهم،) هكذا الرواية في ابن إسحق فنسخة لما فعل بالمعنى، (وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، ثم قال قصيدته اللامية،) شرحها ابن هشام الجمال النحوي شرحًا كبيرًا، وقفت عليه أكثر فيه من فنه وكل وعاء (التي أولها بانت) فارقت فراقًا بعيدًا (سعاد). قال الروياني في البحر: هي امرأته وبنت عمه، ذكرها في هذه القصيدة لطول غيبته عنها، لهروبه من النبي عَّه انتهى. وبه جزم البرهان فقولوا الجمال علم مرتجل يريد به إمرأة يهواها الشاعر حقيقة أو الدعاء تقصير، ولذا قال الشامي: حقيقة لا ادعاء، (فقلبي) الفاء عاطفة سببية، كقوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه﴾ [البقرة: ٣٧]. قال الجمال: والقلب الفؤاد أو أخص منه ومثله في القاموس، وتوقف فيه شيخنا في التقرير بأنه لم يرد المادة التي ينفرد فيها الفؤاد حتى يكون أخص، وقد صرح غيرهما بأن الفؤاد غشاء القلب (اليوم) أراد به مطلق الزمن كيوم حصاده، (متبول) أسقمه الحب (متيم) ذليل مستعبد خبر ثان عند مجيز تعدده أو خبر عن هو محذوفًا عند المانع، أو صفة لمتبول عند مجوز وصف الصفة إثرها) بكسر فسكون فقط للوزن، وإن كان فيه لغة بفتحتين ظرف لمتيم أو حال من ضمير. ويروى عندها وهي عندية معنوية، لأن المراد القلب حال كونه (لم يفد) لم يعط فداءه، ويروى لم يجز ولم يشف (مكبول) مقيد مطلقًا، أو بقيد ضخم، أو أعظم قيد ومر الناظم في غرضه من الغزل في سعاد، ثم في وصف الإبل الموصلة إليها، وقطعها للأراضي الصعبة في ثلاثة وثلاثین بیتًا، ثم ذكر الأرجاف به وبعد أصدقائه عنه في قوله: تمشي الوشاة بجنبيها وقولهم: إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول وقال: كل صديق كنت آمله لا ألهينك أني عنك مشغول فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يومًا على آلة حدباء محمول (وفيها) عقب هذه الأربعة (أنبئت)، ويروى نبئت ومعناهما أخبرت (أن رسول اللَّه أودعني) بشر وهو القتل، وبناؤه للمجهول، لأن مقام الإستعطاف يناسبه أن لا يحقق الخبر بالوعيد، بل ٥٩ هدم صنم طيء والعفو عند رسول اللَّه مأمول مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة الــقرءان فيه مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب وان كثرت في الأقاويل إن الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف اللَّه مسلول يمرضه، ولأنه لم يتعلق غرضه بالفاعل (والعفو عند رسول اللَّه مأمول،) مطموع فيه مرجو حصوله لما تواتر أن العفو من أخلاقه. ويذكر أنه عَّهِ لما سمع هذا البيت قال: (إن العفو عند اللَّه)، (مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة القرءان،) الكتاب المنزل عليك لا القراءة من إضافة الصفة للموصوف، أو ظرفية بتقدير مضاف، أي نافلة فوائد القرءان، أي نافلة هي الفوائد المشتمل عليها، أو نافلة مقحم، أو القرءان منصوب وحذف التنوين لإلتقاء الساكنين، كقوله: ولا ذاكر اللَّه إلا قليلاً (فيه مواعيظ) مرفوع منوّن للضرورة، لأنه لا ينصرف، (وتفصيل) تبيين ما يحتاج إليه من أمر المعاش والمعاد، وهذا البيت ومن بعده تتميم للإستعطاف، لأنه اشتمل على طلب الرفق به والأناة في أمره، ولما في قوله: نافلة القرءان من الإشارة إلى أنعام اللَّه على رسوله بعلوم عظيمة، وزاده عليها القرءان والإقرار بالتنزيل، والتذكير بما جاء به ﴿خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين﴾(لا تأخذني) سؤال وتضرع وإظهار للذل، أي لا تقتلني (بأقوال الوشاة) الذين يزوقون الكلام للإفساد، (و) الحال أني (لم أذنب،) أي لا تأخذني غير مذنب لا عاطفة، لأنه خلاف قصده، ولأن الخبر لا يعطف على الإنشاء عند قوم، (وإن كثرت في الأقاويل) جمع أقوال جمع قول فهو جمع الجمع، وكأن المعنى أنك عرفت بالصفح ومن جاءك تائبًا لا تعده مذنبًا، وإن أذنب قبل الإسلام، فالإسلام يجب ما قبله وبعده هذا البيت تسعة أبيات في خوفه منه عليه السلام، وأنه أخوف عنده من ضيغم يفترس وتنفر منه الوحوش، وحاصلها الاعتذار، فأسقطها المصنف، لأن غرضه إنما تعلق بمدحه عَّهِ صريحًا (أن الرسول لسيف). وفي رواية ابن إسحق وغيره لنور، وهو أنسب بقوله: (يستضاء به) والأخرى مناسبة، فالمعنى كيف يطلب ضياؤه في ظلمات الحروب، فيكشفها. وقال التبريزي: جعله سيفًا استعارة، أي على قول جماعة لا يشترطون فيها طي المشبه، ومنهم من قال: أصله قاطع كسيف، فحذف المشبه وأداة التشبيه، واستعمل سيف بدل قاطع، فانطبق على حد الاستعارة من أنها ذكر المشبه به، وإرادة المشبه (مهند) بفتح النون المشددة، صفة أو خبر محذوف، أي مطبوع من حديد الهند، أي أنه مبيد للكفار أقوى من السيوف الهندية (من سيوف اللَّه مسلول) على أعدائه. ٦٠ هدم صنم طيء في عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ضرب إذا عرد السود التنابيل قال في الروض: يروى أنه لما قال هذا البيت نظر عَّةٍ إلى أصحابه كالمعجب لهم من حسن القول وجودة الشعر انتهى. وروى الحاكم: أن كعبًا أنشده من سيوف الهند، فقال عَِّ من سيوف اللَّه انتهى. أي أنه معدود من سيوف الهند لنفاسته، كما يقال زيد من الرجال، فليس تكرارًا مع قوله مهند (في عصبة) خبر آخر، لأن أو متعلق بمسلول، أي جماعة. وهذه رواية ابن إسحق، ويروى في فتية (من قريش قال قائلهم:) عمر رضي الله عنه (ببطن. مكة لما أسلموا زولوا،) انتقلوا من مكة إلى المدينة، أي هاجروا، وبعد هذا البيت عند ابن إسحق بيت هو: زالوا فما زال انكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل معازيل وتلوه قوله (يمشون،) صفة لعصبة أو فتية، (مشى الجمال) فوصفهم بامتداد القامة وعظم الخلق، بفتح فسكون، والبياض حيث قال: (الزهر) بضم وسكون جمع أزهر، وهو الأبيض والرفق في المشي، لأنه حال الجمال دون غيرها كالخيل، وذلك دليل على الوقار والتؤدة، (يعصمهم) يمنعهم، أي يحميهم من أعدائهم ويكفهم عنهم، وفاعله (ضرب إذا عرد) بمهملة، وشد الراء، فمهملة فر وأعرض (السود) جمع أسود (التنابيل) بفتح الفوقية، والنون، فألف فموحدة مكسورة فتحتية فلام جمع تنبال، أي القصار. قال التبريزي ومن روى: غرد بغين معجمة أراد طرب انتهى. لا معنى لها هنا لأن المراد فر وبقي فيها أربعة أبيات في وصفهم تركها المصنف، لأنها ليست مدحًا عليه الصلاة والسلام صريحًا، وإن لزم منها تعظيمه، فإن تعظيم صحبه تعظيم له وهي هذه: شم العرانين أبطال لبوسهم من نسج داود في الهيجا سرابيل كأنها حلق القفعاء مجدول بيض سوابغ قد شكت لها حلق ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم قومًا وليسوا مجازيعًا إذا نيلوا لا يقع الطعن إلا في نحورهم وما لهم عن حياض الموت تهليل لطيفة) قال السيوطي: ذكر الزبيدي في طبقات النحاة أن بندار الأصفهاني كان يحفظ تسعمائة قصيدة أول كل منها بانت سعاد على قوله ما اطلعت عليه من ذلك. قال زهیر والد کعب: