Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
باب غزوة الفتح الأعظم
فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقًا. وفي قول: يجب
مطلقًا، وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب، وهو أولى بعدم الوجوب.
والمشهور عند الأئمة الثلاثة: الوجوب. وفي رواية عن کل منھم: لا یجب،
وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة، واستثنى الحنفية من كان داخل
الميقات والله أعلم.
وقد زعم الحاكم في الإكليل: أن بين حديث أنس في المغفر وبين حديث
جابر في العمامة السوداء معارضة.
وتعقبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس
العمامة بعد ذلك، فحكى كل منهما ما رآه.
ويؤيده: أن في حديث عمرو بن حريث أنه خطب الناس وعليه عمامة
سوداء. أخرجه مسلم أيضًا. وكانت الخطبة عند باب الكعبة وذلك بعد تمام
الدخول. وهذا الجمع للقاضي عياض.
فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقًا) سواء تكرر دخوله أم لا، (وفي قول)
للشافعي (يجب مطلقًا وفيمِن يتكرر دخوله خلاف مرتب) مفرع على القولين (وهو أولى بعدم
الوجوب، والمشهور عند الأئمة الثلاثة الوجوب) ودخوله بلا إِحرام، من خصائصه.
(وفي رواية عن كل منهم لا يجب وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة)
كخطاب وصياد (واستثنى الحنفية من كان، داخل الميقات واللَّه أعلم) بحكمه.
(وقد زعم الحاكم في الإكليل أن بين حديث أنس في المغفر وبين حديث جابر في
العمامة السوداء، معارضة وتعقبوه) بأن التعارض إنما يتحقق إذا لم يمكن الجمع، وهنا يمكن
(باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحکی
كل منهما، ما رآه ويؤيده) أي التعقب (أن في حديث عمرو بن حريث أنه خطب الناس وعليه
عمامة سوداء).
(أخرجه مسلم أيضًا وكانت الخطبة عند باب الكعبة وذلك بعد تمام الدخول وهذا
الجمع للقاضي عياض) ولا يرد عليه ما ذكره ابن إسحق والواقديٍ، أنه لما وصل لدي طوى كان
معتجرًا بشقة برد حبرة حمراء، وعند الثاني وعليه عمامة سوداء لأنه بفرض صحته يحتمل أنه لما
وصل لذي طوى نزعها ولبس المغفر، ثم دخل به مكة ثم بعد أن استقر نزع المغفر ولبس

٤٤٢
باب غزوة الفتح الأعظم
وقال غيره: يجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، أو كانت
تحت المغفر وقاية لرأسه من صدإ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل
متأهبًا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم.
وفي البخاري: عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله، أين تنزل غدًا،
العمامة السوداء، (وقال غيره يجمع بأن العمامة السوداء، كانت ملفوفة فوق المغفر) إِشارة
للسؤدد وثبات دينه وأنه لا يغير، (أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدإ الحديد) بالهمز،
(فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متأهبًا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير
محرم،) وهذا أوفق بما مر من أنه وصل إلى ذي طوى وعلى رأسه العمامة وقد زعم ابن الصلاح
وغيره، تفرد لملك عن الزهري بذكر المغفر وتعقبه الحافظ العراقي بأنه ورد من عدة طرق عن
ابن شهاب غیرٍ طریق ملك، فل کر أربعة تابعوا مالكاً، ثم قال: وروى ابن مسدي، أن أبا بكر بن
العربي، قال لأبي جعفر بن المرخي حين ذكر أن مالكاً تفرد به قد رويته من ثلاثة عشر طريقًا غير
طريق لملك، فقالوا له: أفدنا هذه الفوائد فوعدهم ولم يخرج لهم شيئًا، وقال الحافظ بن حجر في
نكته: استبعد أهل إِشبيلية قول ابن العربي حتى قال قائلهم:
يا أهل حمص ومن بها أوصيكم بالبر والتقوى وصية مشفق
فخذوا عن العربي أسمار الدجى وخذوا الرواية عن إمام متقي
إِن الفتى ذرب اللسان مهذب إن لم يجد خبرًا صحيحًا يخلق
وأراد بأهل حمص أهل إِشبيلية، قال الحافظ: وقد تتبعت طرقه فوجدته، كما قال ابن
العربي، بل أزيد فعد ستة عشر نفسًا غير لملك رووه عن الزهري، وعزاها لمخرجيها، قال: ولم
ينفرد الزهري به بل تابعه يزيد الرقاشي عن أنس. أخرجه أبو الحسين الموصلي في فوائده، ولم
ينفرد به أنس بل تابعه سعد بن أبي وقاص، وأبو برزة الأسلمي في سنن الدارقطني وعلي بن أبي
طالب في المشيخة الكبرى لأبي محمد الجوهري، وسعيد بن يربوع، والسائب بن يزيد، في
مستدرك الحاكم. قال: فهذه طرق كثيرة غير طريق ملك عن الزهري، عن أنس فكيف يحل
لأحد أن يتهم إمامًا من أئمة المسلمين بغير علم ولا إِطلاع انتهى.
ونحوه في الفتح وزاد لكن ليس في شىء من طرقه على شرط الصحيح إِلا طريق لملك،
وأقربها طريق ابن أخي الزهري عند البزار ويليها رواية أبي أويس عند ابن سعد، وابن عدي فيحمل
قول من قال تفرد به لملك أي بشرط الصحة وقول من قال توبع أي في الجملة.
(وفي البخاري) في الحج والجهاد، والمغازي ومسلم في الحج (عن أسامة بن زيد،)
الحب بن الحب، (أنه قال زمن الفتح) قبل أن يدخلها بيوم (يا رسول اللّه أين تنزل غدًا) زاد في

٤٤٣
باب غزوة الفتح الأعظم
فقال النبي عَّله: وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ وفي رواية: وهل ترك لنا عقيل من
رباع أو دور؟
وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرث جعفر ولا علي شيئًا
لأنهما كانا مسلمين، فكان
الحج في دارك بمكة.
قال الحافظ: حذفت أداة الاستفهام من قوله في دارك بدليل رواية ابن خزيمة، والطحاوي،
والجوزي بلفظ أتنزل في دارك؟، فكأنه استفهمه أولاً عن مكان نزوله ثم ظن أنه ينزل في داره
فاستفهم عن ذلك (فقال النبي عليه وهل ترك لنا عقيل) بفتح العين وكسر القاف (من منزل،)
هذا لفظ رواية المغازي.
(وفي رواية) للبخاري في الحج، عن أسامة (وهل ترك لنا عقيل من رباع) جمع ربع بفتح
الراء، وسكون الموحدة، وهو المنزل المشتمل على أبيات وقيل الدار فعليه قوله (أو دور) أما
للتأكيد أو من شك الراوي، قاله الحافظ وجمع النكرة، وإن كانت في سياق الاستفهام الإنكاري
تفيد العموم، للإشعار بأنه لم يترك من الرباع المتعددة، شيئًا ومن للتبعيض قاله الكرماني.
قال الحافظ: وأخرج هذا الحديث الفاكهي، وقال في آخره: ويقال أن الدار التي أشار
إليها كانت دار هاشم، ثم صارت لابنه عبد المطلب، فقسمها بين ولده حين عمي، ثم صار
للنبي عَّ حظ أبيه قال المصنف: وظاهره إِنها كانت ملكه، فأضافها إِلى نفسه، فيحتمل أن
عقیلاً تصرف فيها كما فعل أبو سفين بدور المهاجرين، ويحتمل غير ذلك، وقد فسر الراوي
ولعله أسامة، المراد بما أدرجه هنا حيث قال: (وكانٍ عقيل، ورث أبا طالب هو و) أخوه
(طالب) المكنى به (ولم يرث جعفر ولا علي شيئاً لأنهما كانا مسلمين).
قال الحافظ: هذا يدل على تقدم هذا الحكم من أوائل الإسلام لموت أبي طالب قبل
الهجرة، فلما هاجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه، وباعتبار تركه معنَ اه.
لحقه منها بالهجرة، وفقد طالب بيدر، فباع عقيل الدار كلها، واختلف في تقريره عليه الصلاة
والسلام عقيلاً، على ما يخصه، فقيل ترك له ذلك تفضلاً عليه وقيل استمالة وتأليفًا وقيل
تصحيحًا لتصرفات الجاهلية كما تصحح أنكحتهم قال الخطابي: إِنما لم ينزل فيها لأنها دور
هجروها للّه فلم يرجعوا فيما تركوه، وتعقب بأن سياق الحديث يقتضي أن عقيلاً باعها ومفهومه
أنه لو تركها بغير بيع لنزلها وحکی الفاكهي، أن الدار لم تزل بيد أولاد عقيل، حتى باعوها
لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، بمائة ألف دينار وكان علي بن الحسين يقول من أجل ذلك
تركنا نصيبنا من الشعب، أي: حصة جدهم علي من أبيه أبي طالب (فكان).

٤٤٤
باب غزوة الفتح الأعظم
عمر بن الخطاب يقول: لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر.
وفي رواية أخرى قال عليه الصلاة والسلام منزلنا إن شاء الله تعالى - إذا فتح
الله - الخيف، حيث تقاسموا على الكفر. يعني به المحصب، وذلك أن قريشًا
و كنانة
وعند الإِسمعيلي فمن أجل ذلك كان (عمر بن الخطاب، يقول: لا يرث الكافر المسلم،
ولا المسلم الكافر،) قال الحافظ: هذا القدر الموقوف على عمر قد ثبت مرفوعًا بهذا الإِسناد
عند البخاري في المغازي، من طريق ابن جريج عنه، ويختلج في خاطري أن قائل: فكان عمر
الخ، هو ابن شهاب، فيكون منقطعًا عن عمر انتهى.
وقد رفعه البخاري، هنا في نفس حديث أسامة، هذا ولفظه فقال معَّ: ((وهل ترك لنا
عقيل من منزل))، ثم قال: ((لا يرث المؤمن الكافر، ولا يرث الكافر المؤمن)).
وروى الواقدي عن أبي رافع قال: قيل للنبي عَ ألا تنزل منزلك من الشعب فقال: ((وهل
ترك لنا عقيل منزلاً))؟، وكان عقيل قد باع منزله عَّلله ومنزل أخوته من الرجال والنساء بمكة،
فقيل له: فانزل في بعض بيوت مكة غير منازلك فأبى، وقال: لا أدخل البيوت ولم يزل بالحجون
لم يدخل بيتا، وكان يأتي المسجد لكل صلاة من الحجون وكان أبو رافع ضرب له به قبة من
أدم ومعه أم سلمة، وميمونة.
(وفي رواية أخرى) للبخاري، في مواضع من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة (قال عليه الصلاة والسلام: منزلنا إن شاء اللَّه تعالى) أتى بها تبركًا وامتثالاً لقوله تعالى
﴿ولا تقولن لشىء إِني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء اللَّه﴾، ولعلامات الفتح الظاهرة عبر بقوله (إذا
فتح الله) مكة (الخيف) بفتح المعجمة وسكون التحتية وبالفاء.
قال الحافظ: والرفع مبتدأ خبره منزلنا، وليس هو مفعول فتح، والخيف ما انحدر من غلظ
الجبل وارتفع عن مسیل الماء انتهى.
واقتصر على هذا الإِعراب لأنه المشهور، في المبتدأ والخبر إِذا كانا معرفتين فإِن المعلوم
للمخاطب، هو المبتدأ، وهو هنا الخيف ومنزلنا خير لأنه المجهول فما صدر به المصنف من أن
منزلنا مبتدأ والخيف خبره خلاف المشهور وهو جواز الابتداء بكل منهما.
وفي رواية للبخاري بخيف بني كنانة (حيث تقاسموا) تحالفوا (على الكفر) حال من
فاعل تقاسموا أي في حال كفرهم أن لا يبايعوا بني هاشم، ولا يناكحوهم وحصروهم في الشعب
(يعني به المحصب) بضم الميم وفتح الحاء والصاد المشددة، المهملتين (وذلك) أي تقاسمهم
على الكفر (إن قريشًا وكنانة).

٤٤٥
باب غزوة الفتح الأعظم
تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب: أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى
يسلموا إليهم النبي عَله، كما تقدم.
وفي رواية أخرى له: أنه ګ﴾ يوم فتح مكة اغتسل في بيت أم هانیء
قال الحافظ: فيه إِشعار بأن في كنانة من ليس قرشيًا إِذ العطف يقتضي المغايرة فيترجح
القول بأن قريشًا من ولد فهر بن ملك على القول بأنهم من ولد كنانة نعم، لم يعقب النضر غير
لملك، ولا ملك غير فهر فقريش ولد النضر بن كنانة، وأما كنانة فأعقب من غير النضر فلذا وقعت
المغايرة (تحالفت) بحاء مهملة والقياس تحالفوا لكن أتى بصيغة المفرد المؤنث باعتبار الجماعة
(على بني هاشم، وبني المطلب أن لا يناكحوهم) فلا تتزوج قريش وكنانة امرأة من بني هاشم،
(ولا يبايعوهم) لا يبيعوا لهم ولا يشتروا منهم ولا حمد ولا يخالطوهم.
وللإِسمعيلي ولا يكون بينهم وبينهم شىء وهي أعم (حتى يسلموا) بضم أوله وإسكان
المهملة وكسر اللام الخفيفة (إليهم البي عَليه).
قال الحافظ: يختلج في خاطري، أن من قوله يغني المحصب إلى هنا من قول الزهري،
أدرجه في الخبر، فقد رواه البخاري في الحج أيضًا وفي السيرة والتوحيد، مقتصرًا على
الموصول منه إلى قوله على الكفر ومن ثم لم يذكر مسلم في روايته شيئًا من ذلك، قيل إنما
اختار عَّ النزول في ذلك الموضع ليتذكر ما كانوا فيه فيشكر اللَّه تعالى على ما أنعم به عليه
من الفتح العظيم وتمكنه، من دخول مكة ظاهرًا على رغم من سعى في إخراجه منها، ومبالغة في
الصفح عن الذين أساءوا، ومقابلتهم بالمن والإِحسان ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (كما تقدم)
زيادة من المصنف على ما في البخاري لإفادة أنه ذكر القصة أول الكتاب (وفي رواية أخرى له)
أي للبخاري، في مواضع عن أم هانىء، (أنه عَّه يوم فتح مكة اغتسل في بيت أم هانىء) بنت
أبي طالب الهاشمية، فاختة وقيل هند، وقيل فاطمة، أسلمت عام الفتح، وصحبت ولها أحاديث.
ماتت في خلافة مطوية.
روى لها الستة وفي حديثها عند مسلم، أنها ذهبت إليه عَّه وهو بأعلى مكة فوجدته
يغتسل وفاطمة تستره، وجمع بأن ذلك تكرر منه بدليل أن في رواية ابن خزيمة عنها أن أبا ذر
ستره لما اغتسل ويحتمل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكة، وكانت هي في بیت آخر بها
فجاءت إِليه فوجدته يغتسل فيصح القولان، وأما الستر فيحتمل أن يكون أحدهما، ستره في ابتداء
الغسل والآخر في أثنائه.
وروى الحاكم في الإكليل عنها أنه عَّ كان نازلاً عليها يوم الفتح ولا يغاير حديث

٤٤٦
باب غزوة الفتح الأعظم
ثم صلى الضحى ثمان ركعات، قالت: لم أره صلى صلاة أخف منها، غير أنه يتم
الركوع والسجود.
وأجارت أم هانىء حموين لها، فقال النبي عَّهِ: قد أجرنا من أجرت يا أم
هانىء، والرجلان: الحرث بن هشام، وزهير بن أمية بن المغيرة،
نزوله بالخیف لأنه لم يقم في بيتها، وإِنما نزل به حتى اغتسل، (ثم صلى الضحى ثمان ركعات،) ثم
رجع إلى حيث ضربت خيمته. (قالت) أم هانىء: (لم أره عَِّ صلى صلاة أخف منها غير أنه
يتم الركوع والسجود) وصريح الحديث، أن الصلاة هي صلاة الضحى المشروعة المعهودة، وقال
السهيلي: هذه الصلاة تعرف عند العلماء بصلاة الفتح، وكان الأمراء يصلونها إِذا فتحوا بلدًا.
قال ابن جرير الطبري: صلاها سعد بن أبي وقاص حين افتتح المدائن ثمان ركعات في
إيوان كسرى، قال وهي ثمان ركعات لا يفصل بينها ولا تصلى بإمام.
قال السهيلي: ومن سنتها أيضًا أن لا يجهر فيها بالقراءة والأصل فيها صلاته معَّه يوم
الفتح انتهى.
وروى الطبراني عن ابن عباس، أنه عَّ قالٍ لأم هانىء يوم الفتح: هل عندك من طعام
نأكله؟، قالت: ليس عندي إلا كسر يابسة وإني لأستحي أن أقدمها إليك. فقال: هلمي بهن
فكسرهن في ماء وجاءت بملح، فقال: هل من أدم؟، قالت: ما عندي يا رسول اللَّه إِلا شىء من
خل، فقال: هلميه فصبه على الطعام وأكل منه، ثم حمد اللَّه تعالى، ثم قال: نعم الأدم الخل، يا
أم هانىء لا يقفر بيت فيه خل (وأجارت أم هانىء) بهمزة منونة (حموين لها) أي رجلين من
أقارب زوجها، كما رواه أحمد، ومسلم، وابن إِسلحق وغيرهم.
عن أم هانىء قالت: لما كان يوم الفتح فر إليّ رجلان من أحمائي، من بني مخزوم،
وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت: فدخل عليّ علي فقال: واللَّه لأقتلنهما،
فأغلقت عليهما بيتي، ثم جئت رسول اللَّه عَّله بأعلى مكة، فلما رآني، قال: مرحبًا وأهلاً بأم
هانىء ما جاء بك؟، فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي، (فقال النبي ◌َّله: قد أجرنا من أجرت يا
أم هانىء) زاد في رواية ابن إسحق وأمنا من أمنت فلا يقتلهما، (والرجلان الحرث بن هشام) بن
المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، أبو عبد الرحمن المكي، شقيق أبي
جهل من مسلمة الفتح استشهد في خلافة عمر.
روى له ابن ماجه وله ذكر في الصحيحين أنه سأل عن کیفیة الوحي، (وزهير بن أبي
أمية بن المغيرة) بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، أخو أم سلمة، أم المؤمنين ذكره
هشام الكلبي في المؤلفة.

٤٤٧
باب غزوة الفتح الأعظم
كما قاله ابن هشام، وقد كان أخوها علي بن أبي طالب أراد أن يقتلهما فأغلقت
عليهما باب بيتها وذهبت إلى النبي ﴾.
ولما كان الغد من يوم الفتح قام النبي عَّ خطيبًا في الناس، فحمد الله
وأثنى عليه ومجده بما هو أهله ثم قال: أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق
السموات والأرض،
قال ابن إسحق: كان ممن قام في نقض الصحيفة وأسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه
(كما قاله ابن هشام) عبد الملك، وقيل الثاني عبد الله بن أبي ربيعة.
روى الأزرقي، بستد فيه الواقدي في حديث أم هانىء هذا أنهما الحرث وهبيرة بن أبي
وهب.
قال الحافظ: وليس بشىء لأن هبيرة هرب عند الفتح إِلی نحران فلم يزل بها مشركًا
حتى مات كما جزم به ابن إسحق وغيره، فلا يصح ذكره فيمن أجارته أم هانىء، وقيل أن الثاني
جعدة بن هبيرة وفيه أنه كان صغير السن، فلا يكون مقاتلاً عام الفتح حتى يحتاج إِلى الأَمان،
ولا يهم علي بقتله وجوز ابن عبد البرّ أن جعدة ابن لهبيرة من غير أم هانىء مع نقله عن أهل
النسب أنهم لم يذكروا له ولدًا من غيرها، (وقد كان أخوها علي ابن أبي طالب) شقيقها (أراد
أن يقتلهما).
قال الحافظ: لأَنهما كانا فيمن قاتل خالد بن الوليد، ولم يقبلا الأمان فأجارتهما أم هانىء
انتھی.
فليس لكونهما ممن أهدر دمه كما ظنه من وهم وقد تقدم، (فأغلقت عليهما باب بيتها
وذهبت إِلى النبي عَّه) فرحب بها وأمضى جوارها. قال السهيلي: وتأمين المرأة جائز عند
جماعة الفقهاء إلا سحنونًا وابن الماجشون، فقالا: موقوف على إِجازة الإِمام انتهى.
(ولما كان الغد من يوم الفتح) أي ثاني يوم فتح مكة في العشرين من رمضان (قام
النبي ◌َّ ه) على باب البيت، بعدما خرج منه (خطيبًا في الناس،) بخطبة طويلة مشتملة على
أحكام وحكم ومواعظ (فحمد اللَّه) تعالى فقال كما في رواية أحمد والواقدي: الحمد لله الذي
صدق وعده)) (وأثنى عليه ومجده) عطف عام على خاص لأن الثناء والتمجيد، أعم من لفظ
الحمد للّه (بما هو أهله).
وفي رواية: أنه قال: ((لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده، وهزم
الأحزاب وحده))، (ثم قال: ((أيها الناس إِن اللَّه حرم مكة)).) ابتدأ تحريمها بأن أظهره للملائكة
(يوم خلق السموات والأرض) وذاتها وإِن لم توجد حينئذٍ لكن أرضها موجودة إِذ هي أول ما

٤٤٨
باب غزوة الفتح الأعظم.
فهي حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم
الآخر أن يسفك بها دمًا، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص فيها لقتال
رسول الله عَّ فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أحلت لي ساعة
من نهار، وقد عادت حرمتها الآن كحرمتها بالأمس،
وجد من الأرض.
ودحيت الأَرض من تحتها كما مر أول الكتاب (فهي حرام بحرمة اللَّه تعالى إِلى يوم
القيامة) يعني أن تحريمها أمر قديم وشريعة سالفة مستمرة ليس مما أحدثه أو اختص بشرعه،
ولا ينافيه قوله في حديث جابرٍ عند مسلم أن إبراهيم حرم مكةٍ لأن إِسناد التحريم إِليه حيث أنه
بلغه، فإِن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو اللَّه تعالى والأنبياء يبلغونها، فكما تضاف إليه
تعالى من حيث أنه الحاكم بها تضاف إلى رسوله لأنها تسمع منهم وتظهر على لسانهم
والحاصل أنه أظهر تحريمها بعد أن كان مهجوراً، لا أنه ابتدأه أو أنه حرمها بإِذن اللَّه يعني أن اللَّه
کتب في اللوح المحفوظ یومئذٍ أن إِبراهیم سيحرم مكة بإذنه تعالى.
وفي رواية للشيخین، أن مکة حرمها الله ولم يحرمها الناس، (فلا يحل لامرىء) بكسر
الهمزة والراء (يؤمن بالله واليوم الآخر) القيامة إِشارة للمبدأ والمعاد، وقيد به لأنه الذي ينقاد
للأحكام ويتزجر فلا ينافي خطاب الكافر أيضًا بفروع الشريعة (أن يسفك بها دمًا) بكسر الفاء وقد
تضم، وهما لغتان حكاهما الصغاني وغيره.
والسفك صب الدم، وأن مصدرية أي: فلا يحل سفك دم بها (أو يعضد) بفتح التحتية،
وسكون المهملة، وكسر المعجمة فدال مهملة، أي يقطع بالمعضد وهو آلة كالفأس (بها شجرة)
ذات ساق، (فإِن أحد ترخص فيها) برفع أحد بفعل مقدر يفسره ما بعده لا بالابتداء، لأن إِن من
عوامل الفعل وحذف الفعل وجوبًا لئلا يجتمع المفسر والمفسر والمعنى إِن قال أحد ترك القتال
عزيمة، والقتال رخصة يتعاطى عند الحاجة (لقتال،) أي: لأجل قتال (رسول اللَّه عَلَّه) فيها
مستدلاً بذلك (فقولوا) له: ليس الأمر كما ذكرت.
(إن اللَّه قد أذن لرسوله) تخصيصًا له (ولم يأذن لكم) ففيه إثبات خصائص
لرسول اللَّه عَ واستواء المسلمين معه في الحكم إلا ما ثبت تخصيصه به، (وإنما أحلت لي
ساعة من نهار) فكانت في حقه تلك الساعة، بمنزلة الحل، قال الحافظ: والمأذون له فيه القتال
لا قطع الشجر.
وفي رواية ابن إسحق ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبًا على أهلها (وقد عادت حرمتها الآن).
وفي رواية اليوم أي، الذي هو ثاني يوم الفتح (كحرمتها بالأمس) الذي قبل يوم الفتح،

٤٤٩
باب غزوة الفتح الأعظم
فليبلغ الشاهد الغائب.
ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟
قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم.
قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
أي: الذي أطلقوا، فلم يسترقوا ولم يؤسروا. والطليق: الأسير إذا أطلق.
والمراد بالساعة التي أحلت له - عليه الصلاة والسلام - ما بين أول النهار ودخول
وقت العصر، كذا قاله في فتح الباري.
وقد أجاد العلامة أبو محمد الشقراطسي حيث يقول في قصيدته المشهورة:
كما قاله المصنف، تبعًا لغيره فلا حاجة للتعسف (فليبلغ) بكسر اللام وسكونها (الشاهد) الحاضر
(الغائب) بالنصب مفعول فالتبليغ عنه عَهُ فرض كفاية، (ثم قال: «يا معشر قريش ما ترون أني
فاعل فيكم)؟،) وعند ابن إسحق وغيره ماذا تقولون ماذا تظنون؟، (قالوا: خيرًا أخ كريم، وابن أخ
كريم) وقد قدرت، (قال) مَّله: ((فإني أقول كما قال أخي يوسف، لا تثريب عليكم اليوم يغفر
اللَّه لكم وهو أرحم الراحمين (إِذهبوا فأنتم الطلقاء)))) بضم الطاء المهملة وفتح اللام وقاف جمع
طليق، (أي الذين أطلقوا) منا عليهم (فلم يسترقوا ولم يؤسروا والطليق، الأسير إِذا أطلق،
والمراد بالساعة التي أحلت له عليه الصلاة والسلام ما بين أول النهار،) أي من طلوع الشمس
(ودخول وقت العصر، كذا قاله في فتح الباري) بمعناه ولفظه في كتاب العلم وفي مسند أحمد
من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ذلك كان من طلوع الشمس إلى العصر ونحوه.
قوله هنا عند أحمد من حديث عمرو، عن أبيه عن جده إنها استمرت من صبيحة يوم الفتح إِلى
العصر انتهى.
وحديث الخطبة رواه الشيخان، وغيرهما، وعند كل ما ليس عند الآخر وهي طويلة أقتصر
المصنف على ما ذكره فتبعته قال الزهري، ثم نزل عَّ له ومعه المفتاح فجلس عند السقاية، وذكر
الواقدي عن شيوخه أنه كان قد قبض مفتاح السقاية من العباس ومفتاح البيت من عثمن.
وروى ابن أبي شيبة أنه أتى بدلو من زمزم فغسل منها وجهه ما تقع منه قطرة إلا في يد
إِنسان إِن كانت قدر ما يحسوها حساها وإلا مسح جلده، والمشركون ينظرون، فقالوا: ما رأينا
ملكًا قط أعظم من اليوم ولا قومًا أحمق من القوم، (وقد أجاد العلامة أبو محمد) عبد الله بن أبي
زكريا يحيى بن علي (الشقراطسي) نسبة إلى شقراطسة ذكر لي أنها بلدة من بلاد الجريد
بإفريقية، قاله أبو شامة (حيث يقول في قصيدته المشهورة) بعدما ساق قصة بدر أتبعها بثمانية

٤٥٠
باب غزوة الفتح الأعظم
ويوم مكة إذ أشرفت في أمم تضيق عنها فجاج الوعث والسهل
خوافق ضاق ذراع الخافقين بها في
وعشرين بيئًا في قصة الفتح، لأنهما كانتا عظيمتين فبدر أول مشهد نصر اللَّه رسوله فيه وهذه
يوم استيلائه على مكة التي هي من أشرف البقاع وعزه في بلاده التي أوذي فيها، ودخل الناس
في دين اللَّه أفواجًا (ويوم مكة) مبتدأ حذف خبره أي كان عظيمًا والنصب مفعول به ذكر أمرًا أو
مضارعًا أو ظرف لهما أو لنصرت، أو قوله الآتي خشعت والخفض عطفًا على لفظ بدر السابق
(إذ) ظرف زمان بدل بعض من كل من يوم (أشرفت) علوتٍ عليها، وظهرت على أخذها (في
أمم) طوائف وجماعات كثيرة (تضيق عنها) بالتاء والياء، لأن تأنيث (فجاج) غير حقيقي جمع
فج طريق واسع بين جبلين (الوعث) بفتح الواو، وسكون المهملة، ومثلثة، المكان الواسع الدهش
بمهملة فهاء، مفتوحتين فمهملة، تغيب فيه الأقدام ويشق المشي فيه كما في القاموس وغيره.
وفي المصباح الطريق الشاق المسلك ويقال رمل رقيق تغيب فيه الأقدام ثم استعير لكل
أمر شاق من تعب وإثم وغير ذلك ومنه وعثاء السفر وكآبة المنقلب أي شدة النصب والتعب،
وسوء الانقلاب.
(والسهل) بسكون الهاء، وفتحها ضرورة وفي بعض النسخ، بضمتين جمع سهل ما لان
من الأرض ولم يبلغ، أن يكون وعثًا.
والمعنى أن جميع الطرق تضيق عن ذلك الجيش، فالإضافة بيانية وخص بالذكر لأنهما
الغالب في الطرق المسلوكة لا للاحتراز (خوافق) بالجر بدل من أمم بدل بعض من كل بتقدير
الضمير، أي منها وصرف للضرورة، أو هو لغة حكاها الأخفش قائلاً كأنها لغة الشعراء، لأنهم
اضطروا إليه في الشعر فجرى، على ألسنتهم في غيره جمع خافق أو خافقة من خفقت الراية
تحقق بكسر الفاء وضمها أو صفة لأمم بالمفرد يعد الجملة من خفق الأرض بنعله وهو صوت
النعل وخفق في البلاد ذهب، والبرق لمع والريح جرى، والطائر طار فوصفها بسرعة السير ولمعان
الحديد، وصوت وقع حوافر الخيل ونحوه.
وبالرفع مبتدأ قال الشامي: على تقدير لها خوافق، أي رايات أو خبر أي: هي خوافق، يعني
الأمم، ويجوز أن التقدير على جر خوافق ذوي خوافق فمهما قدرنا حذف مضاف أو قلنا هي
مبتدأ أو جررنا على البدل فالمراد الرايات، وإِن خفضنا صفة لأمم أو قلنا هي خوافق فالخوافق
الأمم لا الرايات انتهى.
وفي نسخ حوافر بالراء قال أبو شامة، وهو تصحيف (ضاق) ضعف (ذراع،) أي وسع
(الخافقين) المشرق، والمغرب، لأن الليل والنهار يخفقان فيهما (بها) الرايات أو الأمم (في

٤٥١
باب غزوة الفتح الأعظم
قاتم من عجاج الخيل والإبل
وجحفل قذف الأرجاء ذي لجب عرمرم كزهاء الليل منسحل
في بهو إشراق نور منك مكتمل
وأنت صلى عليك الله تقدمهم
منتوج بعزيز النصر مقتبل
ينير فوق أغر الوجه منتجب
يسمو أمام جنود الله مرتديا ثوب الوقار لأمر الله ممتثل
خشعت تحت بهاء العز حين سمت بك المهابة فعل الخاضع الوجل
قاتم) مغبر (من عجاج) بمهملة، وجيمين غبار (الخيل والإبل) لكثرتهما في ذلك الجيش،
(وجحفل) بالجر على أمم أو خوافقٍ أو قاتم (قذف) بفتح القاف، والذال المعجمة، وبضمهما أي
متباعد (الأرجاء) بالفتح النواحي والأطراف.
(ذي لجب) صوت (عرمرم) كثير (كزهاء) بضم الزاي (السيل) أي قدره وعلى صفته
كثرة وسرعة، وفي نسخة كزهاء الليل وأخرى كجناح الليل شبهه بالليل، في سده الأفق وتطبيقه
الأَرض واسوداده بكثرة السلاح (منسحل) بضم الميم وسكون النون وفتح السين وكسر الحاء
المهملتين اسم فاعل أي ماض في سيره ومسرع فيه، كأنه جار (وأنت) مبتدأ (صلى عليك اللَّه)
جملة معترضة للاهتمام والخبر (تقدمهم) التقدم المعنوي أي المتقدم عليهم الأمر المطاع فيهم
لا الحسنى لأنه قدم الكتائب إمامه ولا يصح ولا باعتبار كتيبته عليّ، لأن الأنصار، كانوا في
مقدمة کتیبته، کما مر (في بهو) حال من فاعل تقدمهم (إشراق، نور منك مكتمل) بضم الميم
الأولى وكسر الثانية، أي تام (يدير) بضم التحتية أي يضيء النور المذكور (فوق أغر الوجه)
أبيضه (منتجب) مختار من أصل نجيب كريم.
(متوج) لابس التاج، وهو الإكليل الذي تلبسه الملوك شبه عصابة تزين بالجوهر، والمعنى
أنه مجمل (بعزيز النصر) أي النصر العزيز الذي وعده به ربه. (مقتبل) بكسر الموحدة أي
مستأنف للخير مستقبل له وفتحها أي مقابل بذلك (يسمو) بتحتية يعلو (أمام) قدام (جنود اللّه)
جمع جند (مرتديًا) حال من ضمير يسمو (ثوب الوقار) العظمة مفعول بإسقاط الخافض،
والإضافة بيانية أي تجمل بالوقار بحيث أحاط به كما يشمل الثوب لابسه أو من إضافة المشبه
به للمشبه أي مرتديًا بالوقار الذي هو كالثوب في ستر ما تحته والإِحاطة به (لأمر اللَّه) متعلق
بقوله (ممتثل) أي عامل، به جار في فعله، على مثاله (خشعت) خضعت حسًا ومعنى (تحت
بهاء) حسن (العز حين سمت) ارتفعت (بك المهابة) الهيبة أي الإِجلال والمخافة، (فعل
الخاضع) نصب يخشع على أنه مفعول مطلق، والعامل فيه من معناه (الوجل) الخائف تواضعًا
لربك وشكرًا لنعمائه، فقابلت تلك المهابة بما يفعل الخاشع الخائف.

٤٥٢
باب غزوة الفتح الأعظم
وقد تباشر أملاك السماء بما ملكت إذ نلت منه غاية الأمل
والأرض ترجف من زهو ومن فرق والجو يزهر إشراقًا من الجذل
والعيس تنثال رهوا في ثنى الجدل
والخيل تختال زهوًا فى أعنتها
لولا الذي خطت الأقلام من قدر وسابق من قضاء غير ذي حول
أهل ثهلان بالتهليل من طرب
وفي نسخة الخائف الوجل جمع بينهما لاختلاف اللفظ تأكيدًا للمعنى قال أبو شامة:
وهي أحسن، أي: فعلت في زمان نهاية عزك ما يفعله الخائف الوجل، وأما الخضوع فبمعنى
الخشوع فالمعنى عليه خشعت خشوعًا كخشوع الخاشع ولا يخفي ما فيه (وقد تباشر أملاك
السماء) جمع ملك بشر بعضهم بعضًا (بما ملكت) بضم الميم، وكسر اللام مشددة، وبفتحهما
وخفة اللام (إذ نلت) حين أعطيت (منه) العز أو الفتح أو اللَّه (غاية الأمل) نهاية المطلوب.
(والأرض ترجف) بضم الجيم تهتز (من زهو) سرور بهذا الجيش، لإزالته ما كان بها من
الفساد، (ومن فرق) فزع من صولته (والجو) ما تحت السماء من الهواء (يزهر) بفتح الهاء يضيء
(إشراقًا) مصدر، مؤكد من معنى يزهر أو حال من ضميره فمعناه ذا إِشراق (من الجذل) بفتح
الجيم، والذال المعجمة السرور والفرح متعلق بإشراقًا أو بيزهر.
(والخيل تختال) تتبختر في مشيها (زهوًا) كبرًا وإِعجابًا فهو غير معنى الزهو في سابقه،
فلا تكرار (في أعنتها) جمع عنان بالكسر سير اللجام.
(والعيس) بكسر فسكون الإبل البيض يخالط بياضها شقرة (تنثال) بفتح الفوقية وسكون النون
فمثلثة، فلام تنصب من كل جهة (رهوا) بالراء، كما قال أبو شامة، والشامي، في النسخ الصحيحة،
أي ذات رهو وهو السير السهل كما فسراه، وقال الطرابلسي أي ساكنة أو متتابعة أو سريعة انتهى.
وكان المراد بسكونها أنها انصبرت مطمئنة بلا فزع وهو بمعنىٍ السير السهل (في ثني)
بكسر المثلثة وفتح النون كأنه جمع ثنى بكسر المثلثة وسكون النون، لأن كل جديل له ثني، إِلاَّ
أنه جمع لم یسمع فكأنه أجری المذکر مجرى المؤنث.
وفي بعض النسخ بضم المثلثة وكسرها كحلية وحلى (الجدل) بضمتين جمع جديل
وهو الزمام المجدول أي المضفور.
ثني الجدل ما انثنى منها على أعناق الإبل أي انعطف والتوى (لولا الذي خطت،) أي
خطته (الأقلام) فالعائد محذوف كخبر المبتدأ (من قدر) بيان لما (و) من (سابق من قضاء) بيان
لسابق (غير ذي حول) بكسر ففتح انتقال، وتغير صفة لقضاء (أهل) بفتحات واللام ثقيلة أي رفع
صوته (لهلان) بمثلثة (بالتهليل) مصدر هلل إذا قال لا إله إلاَّ اللَّه (من طرب) خفة لشدة سروره.

٤٥٣
باب غزوة الفتح الأعظم
وذاب يذبل تهليلاً من الذبل
له النبوة فوق العرش فى الأزل
شعبت صدع قريش بعد ما قذفت
قالوا محمد قد زادت كتائبه
فويل
الملك لله هذا عز من عقدت
بهم شعوب شعاب السهل والقلل
كالأسد تزأر في أنيابها العصل
(وذاب) سال (يذبل) بفتح التحتية وسكون المعجمة وضم الموحدة واللام (تهليلاً) جبنًا
(من الذبل) بضم المعجمة والموحدة الرماح والمعنى لولا ما سبق من قضاء الله وقدره أن الجماد
لا ينطق إِلا خرقًا للعادة، كتسبيح الحصى في يد المصطفى لرفع ثهلان صوته فهلل اللّه من
الطرب، ولذاب يذبل جزءًا وفرقًا من الذوابل (الملك لله) ابتداء كلام من الناظم أو منصوب
بقول مقدر، حال من ثهلان أي قائلاً الملك للّه (هذا) النصر) المبين.
(عز من عقدت) بالبناء للمفعول أي أظهرت (له النبوة) وأفرغت عليه بالفعل (فوق العرش
في الأَزل) بفتحتين. القدم متعلق بعقدت وفوق العرش حال منه والمراد به مجرد التعظيم
لحديث البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا لما قضى اللَّه الخلق كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش.
إِنٍ رحمتي غلبت غضبي لا أن النبوة موجودة حقيقة فوقه فلا يرد أن الجمع بين وجودها في
الأزل الذي هو القدم قبل وجود الأشياء فلا عرش، ثم وبين كونها فوقه تناقض (شعبت) بفتح
المعجمة والمهملة وسكون الموحدة، جمعت وأصلحت (صدع) شق (قریش بعدما قذفت) رمت
(بهم شعوب) بفتح المعجمة وٍضم المهملة علم للمنية لا ينصرف من شعب إِذا تفرق، لأنها
تفرق الجماعات فشعب من الأضداد بمعنى جمع وفرق (شعاب) بالنصب جمع شعب بالكسر
الطريق في الجبل ظرف لقذفت، على أن الباء في بهم زائدة أي قذفهم خوف المنية في
الشعاب أو مفعول به على معنى أن شعوب قذفت الشعاب بهم كأنهم في يدها كالحجارة في
يد القاذف، فرمت بهم شعاب (السهل والقلل،) أي روؤس الجبال جمع قلة، وهي من كل شىء
عليهم وعفوه عنهم من الأمن والاجتماع بعدما تفرق
أعلاه إِشارة إلى ما حصل لهم بمنه
بعضهم من بعض، وانهزموا إِلى رؤوس الجبال وبطون الدور وكثر القتل فيهم بحيث قال أبو
سفين أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم (قالوا) أهل مكة وغيرهم. (محمد) بترك التنوين
للضرورة (قد زادت) کثرت ( کتائبه).
(كالأسد تزأر) بالهمز تصوت (في أنيابها) حال من فاعل تزأر (العصل) بضم العين والصاد
المهملتين جمع أعصل كحمر وأحمر فحركت الصاد اتباعًا أو ضرورة وهو الناب الشديد
المعوج، فشبه الصحابة في الشدة والصولة بالأسد في حال تصويتها (فويل) يعبر بها عن المكروه

٤٥٤
باب غزوة الفتح الأعظم
مكة من آثار وطأته وويل أم قريش من جوى الهبل
تلمم ولا بأليم اللوم والعذل
فجدت عفوًا بفضل العفو منك ولم
طولاً أطال مقيل النوم في المقل
أضربت بالصفح صفحًا عن طوائلهم
تحت الوشيج نشيج الروع والوجل
رحمت واشج أرحام أتيح لها
ويدعي بها فيه (مكة) أي فيا ويل أهلها (من آثار وطأته) أرضهم ونكايته فيهم بالقتل والأثخان.
(وويل أم قريش من جوى) بفتح الجيم والواو حرقة وحزن (الهبل) بفتح الهاء، والموحدة،
الثكل، أي فقدهم (فجدت عفوًا) أي سهلاً من غير عناء ولا كد في السؤال (بفضل العفو،) أي
ترك العقوبة والتجاوز عن الذنب مع قدرتك عليها تركًا تامًا صدر (منك) بسهولة من غير إكراه
ولا مشير به، فمعنى العفو فيهما مختلف (ولم تلمم) من ألممت بالشىء، إِذا دنوت منه أو نلت
منه يسيرًا، (ولا بأليم) موجع (اللوم والعذل) بفتح المعجمة وسكونها متقاربان فلما اختلف اللفظ
حسن التکریر.
يعني أنه عَّه لم يقابل أهل مكة ولا باللوم بل عفا عنهم وصفح.
(أضربت) أعرضت. وتركت (بالصفح) هو ترك المؤاخذة بالذنب مع القدرة عليها، فهو
بمعنى العفو (صفحا) مصدر مؤكد لأعرضت معناه أي إعراضًا أو حال من فاعل أعرضت بمعنى
صافحا (عن) نتائج (طوائلهم) جمع طائلة أي عداوة، ونتائجها الجنايات الصادرة منهم (طولاً)
بفتح الطاء منا وإنعامًا وتفضلاً. (أطال) هو أي الطول أو الصفح أو الإضراب الدال عليه أضربت
(مقيل النوم في المقل) جمع مقلة وهي شحمة العين التي تجمع السواد والبياض استعار المقيل
وهو النوم أو الاستراحة في الظهيرة للنوم، فشبه حصوله في أعينهم واستقراره بالمقيل بمعنى
الاستراحة، وكنى بذلك عن لبثه واستقراره بسبب الصفح والعفو عنهم، وكان قبل ذلك نافرًا
عنهم بسبب الخوف من القتل والغم من الطرد. (رحمت واشج،) بمعجمة وجيم مختلط (أرحام)
من أضافة الصفة للموصوف أي، أرحامًا مختلطة ومتصلاً بعضها ببعض.
(أتيح) بضم أوله وكسر الفوقية وسكون التحتية وبالمهملة قدر وقيض (لها تحت
الوشيج) بفتح الواو وكسر المعجمة وبالجيم، ما نبت من القنا والقصب ملتفًا. قيل سميت
بذلك، لأَن عروقها تنبت تحت الأرض وقيل هي عامة الرماح.
(نشيج) بفتح النون وكسر المعجمة وسكون التحتية وبالجيم بكاء يخالطه شهيق (الروع)
الفزع (والوجل) الخوف وهما متقاربان، أو مترادفان، فعطف لاختلاف اللفظ والمعنى أن الذين
رحمتهم فأمنتهم قرابتهم شديدة الاتصال بك فراعيت القرابة وأزلت عنهم البكاء والحزن لخوفهم
من سطوة جيشك الذي نزل بهم فاشتد روعهم ووجلهم.

٤٥٥
باب غزوة الفتح الأعظم
عاذوا بظل كريم العفو ذي لطف مبارك الوجه بالتوفيق مشتمل
أزكى الخليقة أخلاقًا وأطهرها وأكرم الناس صفحًا عن ذوي الزلل
وطفت بالبيت محبورًا وطاف به من كان عنه قبيل الفتح في شغل
والجحفل: الجيش العظيم.
وقذف الأرجاء: أي متباعدها.
واللجب: بالجيم المفتوحة: الضجة من كثرة الأصوات.
(عاذوا) بمعجمة لجؤوا (بظل) ستر نبي (كريم العفو ذي لطف) بفتح اللام، والطاء المهملة،
وبالفاء اسم لما يبر به (مبارك الوجه) الذات (بالتوفيق مشتمل) أي حاصل له من جميع جوانبه
أي حركاته كلها موفقة.
(أزكى) أكثر وأوسع، وأطهر (الخليقة) الخلائق (أخلاقًا) جمع خلق السجية (وأطهرها)
عطف مساوٍ وسوغه اختلاف اللفظ، أو هو من زكا الزرع نما أو الرجل تنعم فالعطف مغاير
(وأكرم الناس صفحًا عن ذوي الزٍلل) بفتحتين التنحي عن الحق، وفي هذا الوصف زيادة على
ما فهم من قوله قبل كريم العفو، لأن هذا اسم تفضيل وبعد هذا البيت في القصيد:
زان الخشوع وقار منه في خفر أرق من خفر العذراء في الكلل
زان من الزينة، والخفر بفتح المعجمة والفاء شدة الحياء والكلل، بكسر الكاف، جمع
كلة بالكسر هي ستر رقيق يخاط كالبيت يتوقى فيه من البق (وطفت بالبيت) عطف على
شعبت (محبورًا) مسرورًا منعمًا، (وطاف به من كان عنه قبيل الفتح في شغل) بضم المعجمتين
ممنوع من الوصول إليه. وبعد هذا البيت مما يتعلق بالفتح في القصيدة:
والكفر في ظلمات الرجس مرتكس ثاو بمنزلة البهموت من زحل
حجزت بالأَمن أقطار الحجاز معًا وملت بالخوف عن خيف وعن ملل
لما أجابت إِلى الإِيمان عن عجل
وحل أمن ويمن منك في يمن
بعزة النصر واستولى على الملل
وأصبح الدين قد حفت جوانبه
قد طاع منحرف منهم لمعترف
وانقاد منعدل منهم المعتدل
أحبب بخلة أهل الحق في الخلل وعز دولته الغراء في الدول
(والجحفل الجيش العظيم) الزائد على أربعة آلاف قال في المحکم إِن کان فيه خیل،
(وقذف الأرجاء أي متباعدها) جمع رجا بالقصر كسبب وأسباب (واللجبٍ بالجيم المفتوحة،)
كما في القاموس وغيره فما في نسخة المضمومة خطأ (الضجة من كثرة الأصوات).

٤٥٦
باب غزوة الفتح الأعظم
والعرمرم: الضخم الكثير العدد.
وقوله: كزهاء الليل: شبهه بالليل في سده الأفق، واسوداده بالسلاح.
والمنسحل : - بالحاء المهملة - الماضي في سيره يتبع بعضه بعضًا.
وقوله: في بهو إشراق: شبه النور الذي يغشاه - عليه الصلاة والسلام - ببهو
أحاط به.
والبهو: البناء العالي كالإيوان ونحوه.
والمنتجب: المتخير من أصل نجيب، أي كريم.
والمقتبل: المستقبل الخير.
ولفظ القاموس اللجب محركة الجلبة والصياح (والعرموم) بفتح العين، والراء المهملتين،
وسكون الميم الأولى، والراء المفتوحة (الضخم الكثير العدد، وقوله كزهاء الليل شبهه بالليل
في سده الأفق واسوداده بالسلاح) الكثير، (والمنسحل بالحاء المهملة) المكسورة اسم فاعل
(الماضي في سيره يتبع بعضه بعضًا،) يقال انسحلت الناقة انسحالاً، أسرعت في سيرها وفي
نسخة بدله منسدل ومنسحل أجود في المعنى قاله أبو شامة، (وقوله في بهو إِشراق) نور منك
مكتمل (شبه النور الذي يغشاه عليه الصلاة والسلام ببهو أحاط به، والبهو البناء العالي كالإِيوان
ونحوه) فيه أن النور أضيف إليه الإشراق، وللإِشراق البهو والمضاف إليه لا يصح أن يشبه
بالمضاف مرادًا به معناه.
فالمناسب أن يقل شبه جسده الشريف بالبناء المترفع واستعار له اسمه وأضافه إلى إِشراق
النور المحيط به ويمكن أنه شبه النور المحيط به ببناء مرتفع واستعار له اسمه، وأضافه إِلى إِشراق
نور أصحابه الذين حوله، فنوره كالقمر، ونور أصحابه كالنجوم المشرقة مع القمر ويجوز أنه
استعار البهو للجيش، وأراد بالنون ما علاه من البهاء، وإضافة الإشراق إليه من إضافة الصفة
للموصوف، والمعنى على هذا وأنت تقدمهم في جيش عظيم كالبناء المرتفع في عدم الوصول
إليه وذلك البناء ذو نور مشرق، قاله شيخنا: (والمنتجب المتخير من أصل نجيب أي كريم)
والنجيب الكريم ذو الحسب إِذا خرج كأبيه في الكرم، ونسبه علّ أزكى الأنساب وأشرفها وفاق
هو صلوات الله وسلامه عليه أصوله وغيرهم فوصل إلى ما لا يدانيه غيره فيه.
(والمقتبل المستقبل الخير) على كسر الباء من اقتبل أمره استأنفه واستقبله وبفتحها
المقابل بالخير من قولهم رجل قبل الشباب، أي مستأنفه لم يرَ فيه أثر كبر لأنه مقابل بالتوجه إِليه

٤٥٧
باب غزوة الفتح الأعظم
وترجف: تهتز. والزهو: الخفة من الطرب، يعني: أن الأرض اهتزت فرحًا بهذا
الجيش، وفرقًا من صولته، أي كادت تهتز، قال الله تعالى: ﴿وبلغت القلوب
الحناجر﴾ [الأحزاب: ١٠] أي كادت تبلغ.
والجدل: جمع جديل، وهو الزمام المضفور.
وثنى الجدل: ما أنثنى على أعناق الإبل، أي انعطف.
وثهلان: اسم جبل معروف. وأهل: رفع صوته. ويذبل: اسم جبل أيضًا.
والذبل: الرماح والذوابل وهي التي لم تقطع من منابتها حتى ذبلت أي
جفت ويبست.
وتهليلاً: أي صياحًا، جبنًا وفزعًا. يعني: لولا ما سبق من تقدير الله تعالى أن
الجبال لا تنطق لرفع ثهلان صوته وهلل الله من الطرب، ولذاب يذبل من الجزع والفرق.
لم یتکامل وجوده بعد.
(وترجف تهتز) هز طرب وفرح، (والزهو) في قوله والأرض ترجف من زهو ومن فرق
(الخفة من الطرب).
قال الجوهري: الطرب خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور، والمراد هنا الثاني
(يعني أن الأرض اهتزت فرحًا بهذا الجيش وفرقًا) خوفًا وفزعًا (من صولته) حملته، وليس المراد
اهتزت بالفعل، بل قاربت، (أي كادت تهتز) ولا يعد المتكلم بالمجاز مبالغة كاذبًا لوروده في
أفصح الكلام (قال اللَّه تعالى: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ أي كادت تبلغ) لشدة
الخوف إِذ لو بلغت بالفعل لماتوا.
(والجدل) بضم الجيم، والدال المهملة، (جمع جديل وهو الزمام المضفور) الذي أحكم
فتله، والزمام ما كان في الأنف والخطام وغيره (وثنى الجدل، ما انثنى على أعناق الإبل، أي
العطف ولهلان) بمثلثة مفتوحة وهاء ساكنة (اسم جبل معروف وأهل رفع صوته) إِذ الإهلال رافع
الصوت ومنه الإِهلال بالحج واستهلال الصبي.
(ويذبل) بوزن ينصر (اسم جبل أيضًا والذبل الرماح الذوابل وهي التي لم تقطع من
منابتها حتى ذبلت) بفتحات من باب قعد، (أي جفت ويبست) وإذا قطعت كذلك كانت أجود
وأصلب، (وتهليلاً أي صياحًا جيدًا وفزعًا يعني لولا ما سبق من تقدير اللَّه تعالى أن الجبال
لا تنطق) ولا تعقل، (لرفع ثهلان صوته وهلل اللّه من الطرب، ولذاب يذبل من الجزع والفرق،

٤٥٨
باب غزوة الفتح الأعظم
وقوله: شعبت أي جمعت وأصلحت.
وقذفت بهم: أي فرقت بهم مخافة شعوب.
وشعوب: اسم للمنية لأنها تفرق الجماعات، من شعبت أي فرقت، وهو من
الأضداد.
والشعاب: الطرق في الجبال.
والسهل: خلاف الجبل.
والقلل: رؤوس الجبال. يعني أنه مَّهِ أعفا عنهم بعدما تصدعوا، وتفرقوا
وهربوا من خوفه إلى كل سهل وجبل.
وقوله: كالأسد تزأر في أنيابها العصل: أي المعوجة.
ولما فتح الله مكة على رسوله عَ لّه قال الأنصار فيما بينهم: أترون أن
رسول الله عَّه إذا فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟
وكان عليه الصلاة والسلام يدعو على الصفا رافعًا يديه، فلما فرغ من دعائه قال:
وقوله شعبت جمعت وأصلحت وقذفت بهم، أي فرقتهم مخافة وشعوب) بوزن رسول (اسم
للمنية، لأنها تفرق الجماعات من شعبت أي فرقت، وهو من الأضداد) حيث يستعمل في
الجمع والتفريق.
(والشعاب) جمع شعب بالكسر فيهما (الطرق في الجبل) وقيل الطريق مطلقًا وقدمه
المصباح.
(والسهل خلاف الجبل) وهو ما سهل ولان من الأَرض.
(والقلل) جمع قلة (رؤوسٍ الجبال) أي أعاليها وقلة كل شىء أعلاه (يعني) الناظم بهذا
البيت (أنه عَ ةٍ أغضى عنهم) لأن دأب الحليم الإغضاء (بعدما تصدعوا وتفرقوا، وهربوا من
خوفه إِلى كل سهل، وجبل وقوله كالأسد، تزأر في أنيابها العصل أي المعوجة) تفسير للعصل.
(ولما فتح اللَّه مكة على رسول اللَّه عَ ل قال الأنصار:) كما ذكر ابن هشام من مرسل،
يحيى بن سعيد أنه قام على الصفا يدعو اللَّه وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا: (فيما بينهم أثرون)
بهمزة الاستفهام وضم التاء، أي أنتظنون (أن رسول اللَّه مَّ إِذ فتح اللَّه عليه أرضه وبلده) إِذ
ظرفية أو تعليلية، أي لفتحها عليه (يقيم بها) أم يرجع إلينا؟، (وكان عليه الصلاة والسلام يدعو)
جملة حالية، أي: قالت ذلك في حال دعائه (على الصفا رافعًا يديه فلما فرغ من دعائه قال

٤٥٩
باب غزوة الفتح الأعظم
ماذا قلتم؟ قالوا: لا شىء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال صَ لّه: معاذ
الله، المحیا محیا کم والممات مماتكم.
وهم فضالة بن عمير .
ماذا قلتم؟،) وكأنه علم أنهم قالوا: بالوحي. (قالوا: لا شىء) قلنا: يؤذيك (يا رسول اللَّه) فإِنا لم
نلمك على فعل شىء ولا نقصنا قومك (فلم يزل) يتلطف (بهم حتى أخبروه) بما قالوا: (فقال
عَاءِ: (معاذ اللَّه))) نصب على المصدر حذف فعله وأضيف إلى المفعول أي أعوذ بالله أن أفعل
غير ما وعدتكم به من الإقامة عندكم.
(المحیا محیا کم،) أي حیاتی حیاتکم (والممات مماتکم،) والإضافة للأدنی ملابسة أي
حياتي وموتي لا يكون إلا عندكم، فكلاهما مصدر ميمي، ويجوز جعلهما زمانين أو مكانين، أي
مكان حياتي، ومماتي أو زمانهما عندكم، وهذا أوفق بالسياق وهذا المرسل صح بأتم منه في
مسلم، وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة أنه عٍَّ لما فرغ من طوافه، أتى الصفا فعلا منه حتى
يرى البيت فرفع يديه وجعل يحمد اللَّه ويذكره ويدعو بما شاء اللَّه أن يدعو والأنصار تحته، فقال
بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان
إذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إليه فلما قضي الوحي قال: يا معشر
الأَنصار، قالوا: لبيك يا رسول اللّه. قال: قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته.
قالوا: قلنا ذلك يا رسول اللَّه. قال: فما اسمي إِذاً كلا إني عبد اللَّه ورسوله هاجرت إِلى الله
وإِلیکم.
المحيا محياكم والممات مماتكم فأقبلوا إِليه بيكون يقولون: والله يا رسول اللَّه ما قلنا
الذي قلنا إِلا الضن بالله وبرسوله، فقال عَلـ: ((فإِن اللَّه ورسوله يعذرانكم ويصدقائكم الضن)
بكسر الضاد المعجمة، وشد النون أي البخل والشح به أن يشركنا فيه أحد غيرنا كما ضبطه
الشامي.
ولعله الرواية وإلا ففتحها لغة أيضًا، وكان ذلك وقع لطائفتين فبادر باخبار إحداهما لجزمها
وتلطف في سؤال لأخرى لكونها لم تجزم، بل قالت: أترى الخ.
ويعذرانكم بكسر الذال المعجمة يقبلان عذركم (وهم) بالفتح والتشديد، كما رواه
ابن هشام عن بعض أهل العلم (فضالة) بفتح الفاء (ابن عمير بن الملوح) بضم الميم، وفتح اللام
والواو المشددة، ثم حاء مهملة، الليثي، الصحابي.
ذكره ابن عبد البر في كتاب الدرر في السير له بهذه القصة ولم يذكره في الاستيعاب
وهو على شرطه.

٤٦٠
باب غزوة الفتح الأعظم
أن يقتل رسول الله عَظ وهو يطوف بالبيت، فلما دنا منه قال له رسول الله عَ لّه:
أفضالة، قال: نعم یا رسول الله، قال: ماذا کنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شیء،
كنت أذكر الله، فضحك عَّلِ ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره،
فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله
شيئًا أحب إلي منه.
وطاف ێ بالبيت
وذكر عياض في الشفاء بنحوه كما في الإصابة (أن يقتل رسول اللَّه عَّله وهو يطوف
بالبيت) عام الفتح، (فلما دنا منه قال له رسول اللَّه عَ لآل أفضالة قال: نعم) فضالة (يا رسول اللَّه)
هكذا ثبت فضالة بعد نعم عند ابن هشام راوي هذا الخبر، وهو يفيد أن الهمز للاستفهام لا النداء
هكذا نقله عنه اليعمري. وأما الشامي فنقله عنه بلفظ يا فضالة وهو الذي قوى الشارح على
جعلها للنداء (قال ماذا كنت تحدث به نفسك قال: لا شىء) أكرهه (كنت أذكر اللَّه فضحك
{، ثم قال: أستغفر الله) مما حدثت نفسك به وقولك لا شىء، (ثم وضع يده) المباركة
الميمونة (على صدره فسكن قلبه) اطمأن، وثبت فيه الإِسلام وحب خير الأنام، (فكان فضالة
يقول واللَّه ما رفع يده عن صدري، حتى ما خلق اللَّه شيئًا أحب إليّ منه) هكذا لفظة عند
ابن هشام، ونقله عنه كذلك العمري، والشامي في نسخة صحيحة يقع في بعض نسخه حتى ما
خلق شىء وهو بمعناه إلا أن الكلام في العزو وبقية الخبر عند ابن هشام.
قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إِلى
الحديث، فقلت: لا وانبعث فضالة يقول:
يأبى علي الله والإِسلام
قالت هلم إلى الحديث فقلت: لا
لوما رأيت محمدًا وقبيله بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين اللَّه أضحى بينا والشرك يغشى وجهه الأظلام
وأنشده بعضهم کما في الإصابة لو ما شهدت بدل رأیت وجنوده بدل قبيله وساطمًا بدل
بينا، (وطاف عَّ بالبيت) بعد أن استقر في خيمته ساعة، واغتسل وعاد للبس السلاح، والمغفر
ودعا بالقصواء فأدنيت إلى باب الخيمة، وقد حف به الناس فركبها وسار وأبو بكر معه يحادثه
فمر بينات أبي أحيحة بالبطحاء، وقد نشرن شعورهن يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم إلى أبي
بكر واستنشده قول حسان الماضي يلطمهن بالخمر النساء إِلى أن انتهى إلى الكعبة ومعه
المسلمون، فاستلم الركن بمحجنه، وكبر فكبر المسلمون لتكبيره، ورجعوا التكبير حتى ارتجت