Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
باب عمرة القضاء
مضطجعًا بثوبه وطاف على راحلته، والمسلمون يطوفون معه وقد اضطبعوا بثيابهم.
وفي البخاري، عن ابن عباس ... قال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد
الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم، عصا معوجة الرأس يلتقط بها الراكب ما سقط منه
(مضطبعًا بثوبه) أي جعل وسطه تحت الإبط اليمين وطرفه على الكتف اليسرى (وطاف على
راحلته،) كما ذكر ابن سعد، والواقدي وغيرهما وزادوا من غير علة.
وروى يونس بن بكير عن زيد بن أسلم أنه عَّ طاف على ناقته وعند ابن إسحق وغيره
عن ابن عباس أنه طاف ماشيًا وهرول ثلاثة أشواط ومشى سائرها (والمسلمون يطوفون معه)
مشاة (وقد اضطبعوا بثيابهم) كما فعل، وعن ابن أبي أوفى اعتمر عَلّه واعتمرنا معه فلما دخل
مكة طاف، فطفنا معه وأتى الصفا والمروة وأتيناهما معه، قال: وكنا نستره من أهل مكة أن يرميه
أحد. وفي رواية سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوه.
رواهما البخاري وفي رواية الإِسمعيلي لما قدم عَ ◌ّه مكة وطاف بالبيت في عمرة القضية
كنا نستره من السفهاء والصبيان مخافة أن يؤذوه.
وروى البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد أن رجلاً سأل ابن أبي أوفى أدخل عَِّ عام
القضية الكعبة قال: لا.
وروى الواقدي عن داود بن الحصين، قال: لم يدخل ◌َّ الكعبة في القضية وقد أرسل
إليهم، فأبوا وقالوا: لم يكن في شرطك.
ووقع للبيهقي من طريق الواقدي عن ابن المسيب أنه عليه السلام لما قضى طوافه في
عمرة القضاء دخل البيت، فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة بأمره مَ ◌ّه.
الحديث وفيه أن عكرمة وصفوان وخالد بن أسيد كأمير حمدوا اللَّه على موت آبائهم ولم يروا
هذا العبد ينهق فوق الكعبة وهو وهم، فالذي رواه أبو يعلى، وابن أبي شيبة، وابن هشام، والبيهقي
نفسه من وجه آخر.
وغيرهم من عدة طرق أن دخول المصطفى الكعبة وأذان بلال على ظهرها إنما كان في
فتح مكة كما يأتي. وصرح بعضهم بأنه المشهور والواقدي لا يحتج به إِذا انفرد فكيف إِذا
خالف لا سيما ما في البخاري؟، وقد صرح الواقدي نفسه بأن القول بأنه لم يدخلها هو الثبت،
والشامي رحمه اللَّه أشار إلى الترجيح بالعزو والتبري بقوله: كذا في هذه الرواية أنه دخل البيت
وعقبه برواية البخاري، إنه لم يدخله، وهذا مع ظهوره لم يتنبه له من زعم أنه لم يرجح شيئًا.
(في البخاري،) ومسلم (عن ابن عباس،) قدم عليه. وأصحابه فـ (ـقال المشركون: أنه) أي
الشأن (يقدم علیکم وفد) أي قوم وزنا ومعنى.

٣٢٢
باب عمرة القضاء
وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبي عَ لِّ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين
الركنين، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
وفي رواية ابن السكن، بفتح القاف، وسكون الدال، وهو خطأ قاله الحافظ وصدر
المصنف بأنه بالفاء الساكنة والرفع فاعل يقدم أي جماعة وعز الثانية لأبي الوقت، وتكلف
توجيهها بأن ضمير أنه للنبي عَ له، أي: يقدم والحال أنه قد (وهنتهم) أي الصحابة.
قال الحافظ: بتخفيف الهاء وتشديدها، أي: أضعفتهم قال المصنف: ولابن عساكر وهنهم
بحذف الفوقية (حمى) فعلى غير منصرف لألف التأنيث كما في المصباح (يثرب) اسم المدينة
النبوية في الجاهلية، ونهى عَّم عن تسميتها بذلك وإنما ذكر ابن عباس ذلك حكاية لكلام
المشركين.
وروى أحمد عن ابن عباس لما نزل عَّ مر الظهران في عمرته بلغ أصحابه أن قريشًا
يصفونهم بالضعف، فقالوا: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقه أصبحنا غدًا
حين ندخل على القوم وبنا جمامة وهو بفتح الجيم أي راحة، فقال عَّله: لا تفعلوا ولكن اجمعوا
لي من أزوادكم فجمعوا وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتى تركوا وحشًا كل واحد منهم في جرابه.
وفي رواية الإِسمعيلي فاطلعه اللَّه على ما قالوا (فأمرهم النبي عَّل أن يرملوا) بضم الميم
مضارع رمل بفتح الراء، والميم وهو الاسراع، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة وأصله أن يحرك
· الماشي منكبيه في مشيته.
قال الحافظ وهو في موضع مفعول أمرهم تقول أمرته كذا، وبكذا (الأشواط) بفتح الهمزة
بعدها معجمة، جمع شوط بفتح الشين وهو الجري إِلى الغاية. والمراد الطواف حول الكعبة وفيه
جواز تسمية الطوافة شوطًا، ونقل عن مجاهد والشافعي كراهته انتهى.
(الثلاثة) ليرى المشركون قوتهم بهذا الفعل، لأنه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم،
ولذا قالوا: كما في مسلم هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم لهؤلاء أجلد من كذا، وكذا قال
الحافظ، وفيه جواز المعاريض بالفعل، كما تجوز بالقول وربما كانت بالفعل أقوى، ولا يعد ذلك
من الرياء المذموم، (وأمرهم (أن يمشوا ما بين الركنين) اليمانيين حيث لا تراهم قريش إذا كانوا
من قبل قعيقعان وهو لا يشرف عليهما إنما شرف على الركنين الشاميين.
وعند أبي داود فكانوا إِذا تواروا عن قريش بين الركنين مشوا وإِذا أطلعوا عليهم رملوا
(ولم يمنعه) بالافراد، وفي نسخ ولم يمنعهم بالجمع والأولى هي الصحيحة للعز، وللبخاري فإِن
روايته بالافراد وأما بالجمع فرواية مسلم (أن يرملوا الأشواط كلها إِلا الإبقاء عليهم) بكسر
الهمزة وسكون الموحدة، بعدها قاف.

٣٢٣
باب عمرة القضاء
وفي رواية؛ قال: ((ارملوا)) ليرى المشركون قوتهم والمشركون من قبل
قعيقعان.
ومعنى قوله: (إلا الإبقاء عليهم)) أي لم يمنعه من أمرهم بالرمل في جميع
الطوفات إلا الرفق بهم، والإشفاق عليهم.
ثم طاف رسول الله عَّله بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف
السابع عند فراغه - وقد وقف الهدي عن المروة - قال: هذا المنحر، وكل فجاج
قال: القرطبي رويناه بالرفع على أنه فاعل يمنعهم وبالنصب على أنه مفعول من أجله. وفي
يمنعهم ضمير عائد على رسول اللّه وهو فاعله ذكره الحافظ واقتصر المصنف هنا على الرفع.
وقال: في كتاب الحج أن العيني تبع ابن حجر وسبقهما الزركشي، وتعقبه الدماميني، بأن
تجويز النصب مبني على أن لفظ البخاري لم يمنعهم وليس كذلك إنما فيه لم يمنعه فرفع الإبقاء
.
متعين لأنه الفاعل، وكلام القرطبي إنما هو ظاهر في حديث مسلم لم يمنعهم فنقله إلى ما في
البخاري غير متأت.
(وفي رواية) للبخاري أيضًا عن ابن عباس لما قدم النبي عَّ لعامه الذي استأمن (قال)
لأَصحابه: (ارملوا ليرى) عليه الصلاة والسلام (المشركون قوتهم)، وفي رواية ابن إسحق، أنه عليه
الصلاة والسلام قال: رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة. (والمشركون من قبل) بكسر ففتح
جهة (قعيقعان) بضم القاف الأولى وكسر الثانية فعين في هذه الرواية مكانهم.
وزاد الإِسمعيلي فلما رملوا قال المشركون ما وهنتهم، (ومعنى قوله إلا الإبقاء عليهم أي
لم يمنعه) عليه الصلاة والسلام (من أمرهم بالرمل في جميع الطوافات إِلا الرفق بهم والإِشفاق)
الخوف (عليهم) من النصب هكذا قاله الحافظ، والمحوج لهذا التأويل أن الإبقاء لا يناسب أن
يكون هو الذي منعه من ذلك إِذ الإبقاء معناه الرفق كما في الصحاح فلا بدّ من تأويله بالإرادة
ونحوها.
قاله المصنف في الحج: (ثم) كما روى الواقدي عن ابن عباس (طاف) سعى
(رسول اللَّه عَّ بين الصفا والمروة على راحلته) وسماه طوافًا اقتداء بقوله تعالى ﴿أَن تَطََّّفَ
بهما﴾، وفيه الإِشعار بأن السعي وإِن لم يكن صورة عبادة لكنها مقصودة منه فليس الغرض منه
مجرد الذهاب والعود وإن وقع مثله في سعي الناس، ثم إِلى حوائجهم، (فلما كان الطواف
السابع عند فراغه وقد وقف الهدي عند المروة) بعد أمره عليه الصلاة والسلام بإحضاره كما مر،
أنه حبس بدي طوى (قال هذا المنحر) المستحب، (وكل فجاج) بكسر الفاء جمع فج بفتحها

٣٢٤
باب عمرة القضاء
مکة منحر.
فنحر عند المروة. وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون.
وأمر رسول الله عَّل ناسًا منهم أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج، فيقيمون
على السلاح، ويأتي الآخرون قضوا نسكهم ففعلوا.
وأقام رسول الله عَّله بمكة ثلاثًا.
وفي البخاري من حديث البراء .. فلما دخلها - يعني مكة - ومضى الأجل،
أتوا عليًا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل.
وهو في الأصل الطريق الواسع فتجوز به عن بقاع (مكة منحر) كما تجوز بها عن جميع الحرم،
(فنحر عند المروة وحلق هناك) ذكر صاحب الأمتاع أنه حلقه معمر بن عبد اللَّه العدوي
(وكذلك فعل المسلمون).
قال الواقدي وكان قد اعتمر معه قوم لم يشهدوا الحديبية فلم ينحروا فأما من شهدها
وخرج في القضية فاشتركوا في الهدي، وقال: (وأمر رسول اللَّه عَ لَّه ناسًا منهم،) أي: مائتين من
أصحابه حين طافوا بالبيت وسعوا كما قال الواقدي: (أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج
فيقيمون على السلاح ويأتي الآخرون يقضوا نسكهم،) أي يفعلوه وإن لم يكن قضاه. يقال
قضى الدين أداه لصاحبه (ففعلوا وأقام رسول اللَّه عَّ بمكة ثلاثً) كما اشترطه مع قريش في
الهدنة، ولا ينافي هذا ما رواه الواقدي من مرسل عمر بن علي بن أبي طالب وأبو الأسود عن
عروة لما كان اليوم الرابع لفظ عروة، وقال عمر لما كان عند الظهر يوم الرابع جاءه سهيل بن
عمرو، وحويطب بن عبد العزى، فقالا: ننشدك اللَّه والعهد إلا ما خرجت من أرضنا فرد عليه
سعد بن عبادة فأسكته عَّةٍ وأذن بالرحيل لقول الحافظ في الفتح كأنه دخل في أوائل النهار فلم
يكمل الثلاث إلا في مثل ذلك الوقت من النهار الرابع الذي دخل فيه بالتلفيق وكان مجيئهما
قرب مجيء ذلك الوقت انتهى وكأنه لم يصح عنده مرسل الواقدي، فلم يذكره ولم يعول عليه
في جمعه.
. (وفي البخاري من حديث البراء) بن عازب الذي قدم المصنف صدره في الحديبية (فلما
دخلها يعني مكة ومضى الأجل) أي الأيام الثلاثة، قال الكرماني: أي قرب مضيه ويتعين الحمل
عليه لئلا يلزم الخلف. (أتوا) كفار قريش (عليًا. فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى
الأجل).
وفي رواية للبخاري، أيضًا فقالوا: قل لصاحبك فليرتحل فذكر ذلك علي له، فقال: نعم

٣٢٥
باب عمرة القضاء
فخرج النبي علَّةٍ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي فأخذ
بيدها وقال لفاطمة دونك ابنة عمك، فحملتها،
فارتحل (فخرج النبي عَّه فتبعته ابنة حمزة،) أمامة أو عمارة، أو سلمى، أو فاطمة، أو أمة اللَّه،
أوٍ عائشة، أو يعلى أقوال سبعة قال الحافظ: وأمامة هو المشهور وترجم به في الإِصابة وعزاه
لأبي جعفر بن حبيب وابن الكلبي، والخطيب في المبهمات. قال: وصرح به في شعر لحسان،
وسماها الواقدي عمارة، وابن السكن فاطمة فهذا كله صريح في أن المشهور أمامة كما في
الفتح ومقدمته، وقول المصنف عمارة أشهر فيه نظر.
وقد قال الخطيب: انفرد الواقدي بهذا القول وإنما عمارة ابن حمزة لابنته، وكذا القول بأن
اسمها يعلى وهم فإِنه ابنه ولم يعقب حمزة إلا منه أعقب خمس بنين ثم ماتوا بلا عقب كما
ذكره الزبير بن بكار، ولابن عساكر، بنت حمزة (تنادي يا عم يا عم) مرتين، قال الحافظ: كأنها
خاطبته بذلك إِجلالاً له، وإلا فهو ابن عمها، أو بالنسبة إلى أن حمزة وإِن كان عمه من النسب
فهو أخوه من الرضاعة (فتناولها علي فأخذ بيدها، وقال لفاطمة) زوجه: (دونك) أي خذي.
قال الحافظ: دون من أسماء الأَفعال تدل على الأمر بأخذ الشىء المشار إليه (ابنة)
ولابن عساكر بنت (عمك) وعند الحاکم من مرسل الحسن. فقال علي لفاطمة وهي في
هودجها: أمسكيها عندك، وعند ابن سعد من مرسل محمد الباقر بإسناد صحيح بينما بنت حمزة
تطوف في الرجال إِذ أخذ علي بيدها فألقاها إِلى فاطمة في هودجها.
وفي رواية أبي سعيد السكري أن فاطمة قالت لعلي: أنه عَّه شرط أن لا يصيب منهم
أحد إلا رده عليهم. فقال لها علي: إنها ليست منهم إنما هي منا (فحملتها) كذا في نسخ
المصنف، والذي في البخاري حملتها.
قال الحافظ: كذا للأكثر بصيغة الفعل الماضي، وكان الفاء سقطت وقد ثبتت في رواية
النسائي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري، وكذا لأبي داود من طريق آخر، وكذا لأحمد من
حديثٌ علي ولأَبيٍ ذر عن السرخسي، والكشميهني حمليها بتشديد الميم، المكسورة،
وبالتحتانية بصيغة الأمر، وللكشميهني في الصلح احمليها بألف بدل التشديد انتهى.
ونسبها المصنف للأصيلي هنا، ثم ظاهر حديث الصحيح أنها خرجت بنفسها، وفي
مغازي سليمان التيمي أنه عَّه لما رجع إلى رحله وجد بنت حمزة، فقال لها: ما أخرجك؟،
قالت: رجل من أهلك ولم یکن ګ أمر بإخراجها، وفي حديث علي عند أبي داود أن زيد بن
حارثة أخرجها من مكة، وفي حديث ابن عباس عند الواقدي أن بنت حمزة وأمها سلمى بنت
عميس كانت بمكة، فلما قدمها عَّه كلمه علي، فقال: علام تترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني

٣٢٦
باب عمرة القضاء
فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر:
ابنة عمي وخالتها لا تحتي، وقال زيد ابنة أخي فقضى بها النبي عَّ لخالتها
وقال: ((الخالة بمنزلة الأم)
المشركين، فلم ينهه فخرج بها فيحتمل في طريق الجمع واللَّه أعلم أنه عَّةٍ لما لم ينهه خرج
بها من البيت الذي كانت فيه بمكة، ثم دفعها إلى زيد، خوفًا من أذى الكفار لمزيد قربه من
المصطفى ومنها أو منهم ولذا جاؤوه في طلب خروج النبي عنهم، فأتى بها زيد من مكة إلى
الرحال فطافت فيها فأبصرت النبي عَّه فنادته يا عم يا عم فألقاها علي في هودج فاطمة، وهذا
لم أره لغيري لكنه مقتضى الأحاديث (فاختصم فيها) بنت حمزة (علي، وزيد، وجعفر) رضي
اللَّه عنهم أي في أيهم تكون عنده، وكان ذلك بعد أن قدموا المدينة كما في حديث علي عند
أحمد، والحاكم وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فلما دنوا من المدينة كلمه فيها زيد وكان
وصي حمزة وأخاه، وهذا لا ينفي أن المخاصمة وقعت بالمدينة فلعل زيدًا سأله عَّه في ذلك
ووقفت المنازعة بعد.
ولأبي سعيد السكري في ديوان حسان أن مخاصمتهم إِلى النبي عَّ. كانت بعد أن
وصلوا مر الظهران ذكره الحافظ، فإن صح فلعلهم اختصموا عنده مرتين وفي رواية أبي سعيد
السكري اختصموا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فأيقظوا النبي عَّ من نومه (قال:) ولابن عساكر،
فقال (علي: أنا أخذتها،) وفي رواية أنا أُخرجتها من بين أظهر المشركين (وهي ابنة عمي) زاد أبو
داود وعندي ابنة رسول اللَّه عَّ وهي أحق بها، (وقال جعفر:) هي (ابنة) ولأبي ذر بنت (عمي
وخالتها) أسماء بنت عميس كما في حديث علي عند أحمد (لا تحتي) أي زوجتي.
وفي رواية الحاكم عندي (وقال) بالواو ولأَبي ذر، فقال (زيد: ابنة) ولأَبي ذر،
وابن عساكر بنت (أخي) وكان عٍَّ آخى بينه وبين حمزة حين آخى بين المهاجرين، كما ذكره
الحاكم في الإكليل وأبو سعد في شرف المصطفى.
وزاد في حديث علي عند أبي داود أنا خرجت إليها. قال الحافظ: وكان لهؤلاء الثلاثة
فيها شبهة أما زيد فللأخوة التي ذكرها ولكونه بدأ بإخراجها من مكة، وأما عليّ فلأنه ابن عمها
وحملها مع زوجته، وأما جعفر فلكونه ابن عمها وخالتها عنده فترجح جانبه باجتماع قرابة الرجل
والمرأة منها دونهما، (فقضى بها النبي عَّ لخالتها).
.. وفي حديث ابن عباس فقال جعفر: أولى بها ولأبي داود، وأحمد أما الجارية فأقضي بها
لجعفر ولأبي سعيد السكري ادفعاها إلى جعفر فإِنه أوسعكم. قال الحافظ: وهذا سبب ثالث،
(وقال الخالة بمنزلة الأم) أي تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد

٣٢٧
باب عمرة القضاء
الحديث.
وإنما أقرهم النبي ◌ٍَّ على أخذها مع اشتراط المشركين أن لا يخرج بأحد
من أهلها أراد الخروج، لأنهم لم يطلبوها.
وقوله: ((الخالة بمنزلة الأم)) أي في هذا الحكم الخاص، لأنها تقرب منها في
الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد. ويؤخذ منه أن الخالة في الحضانة
مقدمة على العمة، لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذٍ، وإذا قدمت
على العمة، مع كونها أقرب العصبات من النساء، فهي مقدمة على غيرها. ويؤخذ
منه تقديم أقارب
(الحديث) بقيته، وقال لعلي: أنت مني، وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي. وقال
لزيد: أنت أخونا ومولانا. وقال علي ألا تتزوج بنت حمزة. قال: إِنها ابنة أخي من الرضاعة.
قال الحافظ: فطيب خواطر الجميع وإِنٍ كان قضى لجعفر، فقد بين وجهه وحاصله أن
المقضى له في الحقيقة الخالة وجعفر تبع لها لأنه كان القائم في الطلب، وفي حديث علي عند
أحمد، وكذا في مرسل الباقر، فقام جعفر فحجل حول النبي عَّةٍ دار عليه، فقال عَله: ما هذا؟،
قال: شىء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم، وفي حديث ابن عباس فقال: إِن النجاشي كان إِذا
أرضى أحدًا قام فحجل حوله وهو بفتح المهملة وكسر الجيم، أي: وقف على رجل واحدة،
وهو الرقص بهيئة مخصوصة.
وفي حديث علي المذكور، أن الثلاثة فعلوا ذلك (وإِنما أُقِرِهم النبي عَّ. على أخذها مع
اشتراط المشركين أن لا يخرج بأحد من أهلها أراد الخروج لأنهم لم يطلبوها.) قاله الحافظ،
وزاد أيضًا فالنساء المؤمنات لم يدخلن في ذلك لكن، إنما نزل القرءان في ذلك بعد رجوعهم
إلى المدينة انتهى.
وهو أظهر لاقتضاء الأول أنهم لو طلبوها ردها وهو ممتنع حيث لم يدخلن في الشرط،
(وقوله الخالة بمنزلة الأم أي في هذا الحكم الخاص) وهو الحضانة (لأنها تقرب منها في
الحنو والشفقة الاهتداء إلى ما يصلح الولد) كما دل عليه السياف فلا حجة فيه لمن زعم أن
الخالة ترث، لأَن الأم ترث في حديث علي وفي مرسل الباقر، الخالة والدة، وإنما الخالة أم، وهي
بمعنى قوله بمنزلة الأم لا أنها أم حقيقة (ويؤخذ منه أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة،
لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذٍ، وإِذا قدمت على العمة مع كونها أقرب
العصبات من النساء فهي) الخالة، (مقدمة على غيرها.) العمة بالأولى (ويؤخذ منه تقديم أقارب

٣٢٨
باب عمرة القضاء
الأم علی أقارب الأب انتهى.
قال ابن عباس: وتزوج عََّّ ميمونة وهو محرم
الأم على أقارب الأب انتهى).
ما نقله من الفتح وزاد وعن أحمد رواية أن العمة مقدمة في الحضانة على الخالة، وأجيب
له عن هذه القصة بأن العمة لم تطلب فإِن قيل والخالة لم تطلب قيل قد طلب لها زوجها، فكما
أن لقريب المحضون أن يمنع الحاضنة إذا تزوجت فللزوج أيضًا، أن يمنعها من أخذه فإِذا وقع
الرضا سقط الحرج، وفيه من الفوائد أيضًا تعظيم صلة الرحم بحيث تقع المخاصمة بين الكبار
في التوصل، إِليها وأن الحاكم يبين دليل الحكم للخصم، وأن الخصم يدلي بحجته، وأن
الحاضنة إِذا تزوجت بقريب المحضون لا تسقط حضانتها إِذا كانت المحضونة أنثى أخذًا بظاهر
هذا الحديث، قاله أحمد وعنه: لا فرق بين الأنثى والذكر ولا يشترط كونه محرمًا لكن مأمونًا
وأن الصغير لا يشتهى، ولا تسقط إلا إذا تزوجت بأجنبي وكل من طلبت حضانتها لها كانت
متزوجة فرجح جانب جعفر بکونه زوج الخالة انتهى.
لكن الحق في هذه الصورة عند ملك كان للعمة لأن من شرط عدم سقوط، الحضانة
بالتزويج أن لا يكون هناك حاضنة خلية من الزوج، وأجابوا عن هذه القصة بأنها لما لم تطلب،
لم يكلفها النبي عَّه ذلك خصوصًا وقد علمت بقدومها إِذ الاختصام كان بالمدينة كما مر
فلا يقال لو كان الحق لها لأَرسل لها، وإِن لم تطلب.
وفي رواية أبي سعيد السكري فدفعناها إِلى جعفر فلم تزل عنده حتى قتل فأوصى بها
جعفر إِلى علي فمكثت عنده، حتى بلغت فعرضها على علي رسول اللَّه عَّه، فقال: هي ابنة
أخي من الرضاعة، وذكر الخطيب في المهمات أنه عَّهُ، زوجها من سلمة ابن أم سلمة، وقال
حين زوجها منه هل جزيت سلمة؟ وذلك أنه هو الذي كان زوج أمه أم سلمة منه عَّه، وذكر
أبو جعفر بن حبيب في كتاب المخبر أنها لما قدمت المدينة طفقت تسأل عن قبر أبيها، فبلغ
حسان فقال:
تسائل عن قرم هجان سميذع لدى الناس مغوار الصباح جسور
فقلت لها إِن الشهادة راحة ورضوان رب يا أمام غفور
دعاه إِله الحق ذو العرش دعوة إلى جنة فيها رضا وسرور
(قال ابن عباس:) عند البخاري في مواضع (وتزوج عَ ل - ميمونة) ولابن حبان، والنسائي
والطبراني عن ابن عباس: تزوج ميمونة بنت الحرث في سفره ذلك يعني عمرة القضاء، وكان
الذي زوجها العباس (وهو محرم).

٣٢٩
باب عمرة القضاء
وبنی بها وهو حلال.
وقد استدرك ذلك على ابن عباس وعد من وهمه، قال سعيد بن المسيب:
وهل ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها معَّ له إلا بعد ما حل. ذكره البخاري.
و((وهل)) بكسر الهاء أي غلط.
ولأَبِي الأَسود عن عروة بعث عَّه جعفر بن أبي طالب إِلى ميمونة ليخطبها له فجعلت
أمرها إلى العباس وكانت أختها أم الفضل تحته فزوجه إياها.
زاد ابن هشام وأصدقها العباس عن رسول اللّه ◌ُ له أربعمائة درهم (وبنى) دخل (بها وهو
حلال).
قال ابن إسحق: وكانت قريش وكلت حويطيًا بإخراجه عَّه من مكة، فقالوا: أخرج عنا،
فقال عَّ له: (وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه)،
فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك فأخرج عنا.
وعند الواقدي، وكان عَّه لم ينزل بيًا إِنما ضربت له قبة من أديم بالأبطح فكان فيها حتى
خرج من مكة ولم يدخل تحت سقف بيت من بيوتها، فغضب سعد بن عبادة لما رأى من غلظ
كلامهم، وقال لسهيل بن عمر: وكذبت لا أم لك ليست بأرضك ولا أرض أبيك واللَّه لا يبرح
منها إِلا طائعًا راضيًا، فتبسم عَّه وقال: يا سعد، لا تؤذ قومنا، زارونا في رحالنا وخرج وخلف أبا
رافع على ميمونة، فأقام حتى أمسى فخرج بها ومن معها ولقيت من سفهاء مكة عناء فأتاه بها
بسرف، ثم بقية حديث ابن عباس هذا عند البخاري وماتت بسرف أي بعد ذلك سنة إحدى
وخمسين على الصحيح، وقيل سنة ثلاث وستين، وقيل ست وستين،(وقد استدرك ذلك) أي
تزوجها وهو محرم (على ابن عباس وعد من وهمه،) وكفى المرء نبلاً أن تعد معايبه.
(قال سعيد بن المسيب) أحد كبار التابعين المشهور (وهل ابن عباس وإن كانت خالته ما
تزوجها عَّه إلا بعدما حل، ذكره،) أي رواه يعني قول ابن عباس وسعيد (البخاري ووهل بكسر
الهاء، أي غلط) لمخالفته المروي عنها نفسها، وعن أبي رافع وكان الرسول بينهما وعن
سليمن بن يسار، وهو مولاها فقد اتفقوا كلهم على أنه كان حلالاً فتترجح روايتهم على رواية
واحد، وأيضًا فرواية من باشر الوقعة أرجح ممن لم يباشرها، ثم هذا المشهور عن ابن عباس.
وعند البزار عن عائشة نحوه وكذا للدارقطني بسند ضعيف عن أبي هريرة.
وأخرج الدارقطني من طريق أبي الأسود ومطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس أنه عَ ◌ّ.
تزوج ميمونة وهو حلال قال السهيلي، وهي غريبة جدًا قلت إِن ثبت ذلك عنه؛ فكأنه رجع وإلا
فالثابت عنه في الموطأ والصحيحين والسنن أنه تزوجها وهو محرم.

٣٣٠
باب عمرة القضاء
وقال يزيد بن الأصم عن ميمونة: تزوجني رسول الله صل﴾. ونحن حلالان
بسرف. رواه مسلم.
وسيأتي في
قال السهيلي: وتأول بعض شيوخنا قوله وهو محرم بمعنى في الشهر الحرام والبلد الحرام
وذلك أن ابن عباس عربي فصيح يتكلم بكلام العرب ولم يرد الإحرام بالحج، وقد قال الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما فدعا فلم أر مثله مجدولا
فالله أعلم أراد ذلك ابن عباس أم لا انتهى.
(وقال يزيد بن الأصم) واسمه عمرو بن عبيد بن مطوية البكائي بفتح الموحدة والتشديد،
أبو عون الكوفي في نزيل الرقة ثقة، يقال له رؤية.
قال الحافظ: ولم تثبت مات سنة ثلاث ومائة، روى له مسلم والأربعة وهو ابن أخت
ميمونة: أم المؤمنين (عن) خالته (ميمونة تزوجني رسول اللَّه عَ، ونحن حلالان بسرف) بفتح
السين المهملة وكسر الراء وبالفاء، ما بين التنعيم وبطن مرور وهو إلى التنعيم أقرب.
(رواه مسلم) وزاد عن يزيد وكانت خالتي، وخالة ابن عباس، وأخرج الترمذي،
وابن خزيمة، وابن حبان عن أبي رافع أنه عَّ تزوج ميمونة وهو حلال. وبني بها وهو حلال
وكنت أنا لرسول بينهما.
وروى لملك في الموطأ عن ربيعة عن سليمان بن يسار أنه عَ ل بعث أبا رافع مولاه ورجلاً
من الأنصار، فزوجاه ميمونة وهو بالمدينة قبل أن يخرج.
قال البيهقي في المعرفة: وبهذا رد الشافعي رواية ابن عباس التي احتج بها الحنفية وأهل
العراق على جواز نكاح المحرم وإِنكاحه، وخالفهم الجمهور وأهل الحجاز محتجين بحديث
مسلم عن عثمن رفعه المحرم ولا ينكح ولا ينكح. وأما خبر ابن عباس وإِن صح إِسناده إليه فوهم
كما قال سعید.
قال الشافعي: لأن ابن أختها يزيد يقول نكحها حلالاً ومعه سليمن بن يسار عتيقها أو ابن
عتيقها وخبر اثنين أكثر من خبر واحد مع رواية عثمن التي هي أثبت من هذا كله، قال: ولئن
سلمنا أن الخبرین تكافآ نظرنا فیما فعل الصحابة بعده وقد رأينا عمر، وزيد بن ثابت يردان نكاح
المحرم، ولا أعلم من الصحابة مخالفًا لذلك وقد روينا عن الحسن أن عليًا قال: من تزوج وهو
محرم نزعنا منه امرأته ولم نجز نكاحه انتھی.
(و) على تقدير أن يكون حديث ابن عباس محفوظًا، فلا حجة فيه لما (سيأتي في

٣٣١
ذکر خمس سرايا قبل مؤتة
الخصائص من مقصد معجزاته إن شاء الله تعالى: أن له النبي عَّ النكاح في حال
الإحرام على أصح الوجهين عن الشافعية.
[ذكر خمس سرايا قبل مؤتة]
ثم سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم، في ذي الحجة سنة سبع،
في خمسين رجلاً، فأحدق بهم الكفار من كل ناحية، وقاتل القوم قتالاً شديدًا،
حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء جريحًا مع القتلى،
الخصائص من مقصد معجزاته إن شاء اللَّه تعالى أن له عَّ النكاح في حال الإحرام على
أُصح الوجهين عند الشافعية،) وهو المعتمد وقول الجمهور من غيرهم، فلا حجة فيه للكوفیین،
وقولهم أنه عقد معاوضة لا يمنع المحرم منه كشراء الجارية للتسري قياس في معرض النص
فلا يعتبر به، وتأويلهم لا ينكح المحرم بلا بطأ تخصيص للعام بلا دليل والله أعلم.
ذكر خمس سرايا قبل مؤته
(ثم سرية) الأخرم بخاء معجمة وراء مفتوحة وميم (ابن أبي العوجاء السلمي،) هكذا قال
الزهري: وتلميذه ابن إِسحق، وابن سعد بإثبات لفظ ابن، وهو الذي عزاه في الإصابة والتجريد
للزهري. قال الشامي وأغرب الذهبي في الكنى، فقال أبو العوجاء: ونقله عن الزهري انتهى.
قال في الإصابة ويحتمل أن يكون هو أي الأخرم محرز بن نضلة، فارس المصطفى
انتھی.
وفيه نظر لأَن محرز قتل في غزوة ذي قرد كما في مسلم، وهي قبل هذه قطعًا لأَن أقصى
ما قيل أن ذي قرد قبل خيبر بثلاثة أيام (إلى بني سليم) بضم السين المهملة وفتح اللام (في
ذي الحجة سنة سبع،) كما عند ابن سعد (في خمسين رجلاً).
قال ابن سعد فخرج إلیھم وتقدمه عین لهم کان معهم فحذرهم فجمعوا له جمعًا کثیرًا
فأتاهم ابن أبي العوجاء وهم معدون له فدعاهم إلى الإِسلام فقالوا: لا حاجة لنا إِلى ما دعوتنا إِليه
فتراموا بالنبل ساعة وأتتهم الامداد، (فأحدق) أحاط (بهم الكفار من كل ناحية وقاتل القوم قتالاً
شديدًا حتى قتل عامتهم) هذا لفظ ابن سعد، وأما الزهري فقال: بعث عَّه سرية عليها ابن أبي
العوجاء السلمي فقتلوا جميعًا وأما ابن إسحق، فقال: غزوة ابن أبي العوجاء السلمي أرض بني
سليم أصيب بها هو وأصحابه جميعًا، فهذا نص في أن الأمير قتل معهم هو ظاهر قول ابن
شهاب. وأما ابن سعد فيخالف ذلك فهذا الذي منعنا من تأويل قول عامتهم بجميعهم ولأَن الأمير
عند ابن سعد لم يقتل لقوله (وأصيب) أي وجد (ابن أبي العوجاء جريحًا مع القتلى) فظنوه قتل

٣٣٢
ذكر خمس سرايا قبل مؤتة
ثم تحامل حتى بلغ رسول الله علّ في أول صفر سنة ثمان.
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح - بالحاء المهملة -
بالكديد- بفتح الكافـ قال في القاموس: الكديد بفتح الكاف ما بين الحرمين
شرفهما الله. والبطن الواسع من الأرض والأرض الغليظة، كالكدة بالكسر، ويوم
الکدید معروف.
في صفر سنة ثمان من مهاجره، فغنم.
فتركوه (ثم تحامل حتى بلغ رسول اللَّه عَّ) فقدموا المدينة (في أول) يوم من (صفر سنة
ثمان،) وقول ابن سعد فقدموا بالجمع يوهم أنه نجا منهم غير الأمير، فإما أنه أطلع على ذلك،
وإما أن القادم معه إثنان أو أكثر رأوه جريحًا، فعاونوه في الذهاب للمدينة والله أعلم.
(ثم سرية غالب بن عبد اللّه الليثي) الكناني، الكلبي كلب عوف بن ليث تقدم بعض
ترجمته وأنه ولي أمرة خراسان زمن مطوية سنة ثمانٍ وأربعين، واسم جده مسعر على الصحيح،
ولغالب حديث أخرجه البخاري في تاريخه والبغوي عنه قال: بعثني رسول اللَّه عَّ. عام الفتح
بين يديه لأَسهل له الطريق ولأكون له عينًا، فلقيني على الطريق لقاح بني كنانة وكانت نحوًا من
ستة آلاف لقحة، وأن النبي عَّه نزل فحلبت له فجعل يدعو الناس إلى الشراب فمن قال إني
صائم؟، قال: هؤلاء العاصون (إلى بني الملوّح) بضم الميم وفتح اللام وكسر الواو المشددة
و (بالحاء المهملة) آخره.
قال ابن سعد وهم من بني لیث (بالكديد بفتح الكاف) و کسر الدال المهملة وسكون
التحتية آخره دال مهملة.
(قال في القاموس الكديد بفتح الكاف ما بين الحرمين شرفهما الله) لكنه أقرب إلى مكة
فإِنه على اثنين وأربعين، ميلاً منها وفي الصحيح هو ماء بين عسفان وقديد، (والبطن الواسع من
.٢َ ضٍ، والأرض الغليظة كالكدة بالكسر ويوم الكديد معروف) إِلى هنا كلام القاموس ولم يثبت
في جميع النسخ (في صفر سنة ثمان،) كما أرخها ابن سعد (من مهاجره) بضم الميم، وفتح
الجيم، مصدر ميمي بمعنى الهجرة أو اسم زمان الهجرة، لأن اسم المفعول من المزيد يستعمل
بمعنى المصدر واسم الزمان، واسم المكان (فغنم) غالب ابن عبد اللَّه نعمًا.
رو، الواقدي عن حمزة بن عمر الأسلمي قال: كنت معهم وكنا بضعة عشر رجلاً وكان
شعارنا أمت أمت ونقل ابن كثير عن الواقدي، أنهم كانوا مائة وثلاثين.
رده الشامي بأن ذاك في سرية لغالب غير هذه يعني التي تقدمت قبل عمرة القضاء.

٣٣٣
ذکر خمس سرايا قبل مؤتة
روی ابن إسحق ومن طريقه أحمد، وأبو داود، وابن سعد كلهم عن جندب بن مکیث
الجهني، قال: بعث عَّةِ غالب بن عبد اللَّه الكلبي على سرية كنت فيها وأمره بشن الغارة على
بني الملوح بالكديد، فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحرث بن ملك الليثي فأخذناه، فقال:
إني جئت أريد الإِسلام وما خرجت إِلا إِلى رسول اللَّه عَّةٍ، فقلنا له: إن تك مسلمًا فلن يضرك
رباط يوم وليلة وإن تك على غير ذلك كنا قد استوثقنا منك فشددناه وثاقًا. ثم خلفنا عليه رجلاً
من أصحابنا أسود، فقلنا له: إِن غارك فاحترز رأسه ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب
الشمس، فكنا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي ربيئة لهم، فخرجت حتى آتي تلا مشرفًا على
الحاضر، فاستندت فيه فعلوت على رأسه فنظرت إلى الحاضر،، فوالله إني لمنطيح على التل إِذ
خرج رجل من خبائه، فقال لامرأته: إني لأُرى على التل سواءًا ما رأيته في أول يومي، فانظري
إِلى أوعيتك هل تفقدين شيئًا لا تكون الكلاب جرت بعضها، قال: فنظرت، فقالت: لا والله
لا أفقد شيئًا، قال: فناوليني قوسي وسهمين فناولته فأرسل سهمًا فما أخطأ جنبي لفظ ابن إسحق،
وقال ابن سعد: عنه فوالله ما أخطأ بين عيني فأنزعه وثبت مكاني، فأرسل الآخر فوضعه في
منكبي فأنزعه فأضعه وثبت مكاني، فقال لامرأته: لو كنا ربيئة لقوم لقد تحرك لقد خالطه
سهماي لا أبا لك إذا أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا تمضغهما الكلاب، ثم دخل وأمهلناهم حتى
إِذا اطمأنوا وناموا وكان في وجه السحر شننا عليهم الغارة فقتلنا منهم واستقنا النعم وخرج صريخ
القوم وجاءنا دهم لا قبل لنا به ومضينا بالنعم ومررنا بابن البرصاء وصحبه فاحتملناهما معنا
وأدركنا القوم حتى قربوا منا فما بيننا وبينهم إلا وادي قديد، فأرسلٍ اللَّه الوادي بالسيل من حيث
شاء تبارك وتعالى من غير سحابة نراها ولا مطر فجاء بشىء ليس لأحد به قوة، ولا يقدر أحد أن
يجاوزه فوقفوا ينظرون إلينا وإنا لنسوق نعمهم ما يستطيع رجل منهم أن يجيز إلينا ونحن نحدوها
سراعًا حتى فتناهم فلم يقدروا على طلبنا، فقدمنا على رسول اللَّه عَّه قال ابن إِسجق: وحدثني
رجل من أسلم عن رجل منهم أن شعار الصحابة تلك الليلة أمت أمت، فقال راجز من المسلمين
يجدوها:
أبى أبو القسم أن تعربي في فضل نباتة مغلولب
صفر أعاليه كلون المذهب
انتهى وربيئة بفتح الراء وكسر الموحدة بعدها تحتية فهمزة أي طليعة، والحرث بن لملك
هو المعروف بابن البرصاء وهي أمه وقيل أم أبيه صحابي سكن مكة، ثم المدينة وله حديث
واحد وهو قوله سمعت رسول اللّه عَّه يوم الفتح يقول: لا تغزى مكة بعد اليوم، إِلى يوم القيامة.

٣٣٤
ذکر خمس سرايا قبل مؤتة
وفي هذا الشهر قدم خالد بن الوليد وعثمن بن أبي طلحة وعمرو بن العاصي
المدينة فأسلموا.
رواه الترمذي، وابن حبان، وصححاه والدارقطني، وعاش إِلى أواخر خلافة مطوية (وفي
هذا الشهر) صفر سنة ثمان (قدم خالد بن الوليد) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم
القرشي المخزومي أحد الأشراف كانت إليه أعنة الخيل في الجاهلية، وشهد مع قریش الحروب
إِلى عمرة الحديبية، كما في الصحيح أنه كان على خيل قريش طليعة، ثم صار سيف اللَّه.
روى أبو يعلى مرفوعًا لا تؤذوا خالدًا فإِنه سيف من سيوف اللَّه صبه اللَّه على الكفار،
وأخرج الترمذي برجال ثقات، مرفوعًا نعم عبد اللَّه هذا سيف من سيوف اللَّه، وروى أبو زرعة
الدمشقي رفعه نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف اللَّه سله اللَّه على
الكفار، وروى سعيد بن منصور عن خالد قال اعتمر عليه فحلق رأسه فابتدر الناس شعره فسبقتهم
إِلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة. فلم أشهد قتالاً وهي معي إِلا تبين لي النصر، ورواه أبو
يعلى بلفظ فما وجهت في وجه إِلاَّ فتح والأكثر أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين وقيل
توفي بالمدينة النبوية.
روى ابن المبارك عنه أنه قال: لما حضرته الوفاة لقد طلبت القتل مظانه فلم يقدر لي إِلاَّ
أن أموت على فراشي، (وعثمن بن أبي طلحة) واسمه عبد الله بن عبد العزى بن عثمن بن
عبد الدار العبدري حاجب البيت، ووقع في تفسير الثعلبي، بلا سند أنه أسلم يوم الفتح، بعد أن
دفع له المفتاح.
قال في الإصابة وهو منكر والمعروف أنه أسلم وهاجر مع عمرو وخالد وبه جزم غير
واحد، ثم سكن المدينة وبها مات سنة ثنتين وأربعين.
قاله الواقدي، وابن البرقي، وقيل استشهد بأجنادين.
قال العسكري وهو باطل (وعمرو بن العاصي) بن وائل بن هاشم بن سعيد بالتصغير ابن
سهم القرشي، السهمي أمير مصر أحد دهاة العرب في الإِسلام الأربعة.
ذكر الزبير بن بكار أن رجلاً قال له: ما أبطأ بك عن الإِسلام وأنت أنت في عقلك، قالٍ:
كنا مع قوم لهم علينا تقدم وكانوا ممن يوازي حلومهم الجبال فلذنا بهم، فلما ذهبوا صار الأمر
إلينا، نظرنا وتدبرنا فإِذا حق بين فوقع في قلبي الإِسلام مات سنة ثلاث وأربعين على الصحيح
عن نحو تسعين سنة.
وروى الخطيب مرفوعًا يقدم عليكم الليلة رجل حكيم، فقدم عمرو مهاجرًا (المدينة،
فأسلموا.) ذكر الزبير بن بكار أنهم لما قدموا عليه

٣٣٥
ذکر خمس سرایا قبل مؤتة
وقال ابن أبي خيثمة: كان ذلك سنة خمس، وقال الحاكم: سنة سبع.
قال عمرو: كنت أسن منهما فأردت أن أكيدهما فقدمتهما قبلي للبيعة فبايعا واشترطا أن
يغفر لهما ما تقدم من ذنبهما فأضمرت في نفسي أن أبايع على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما
تأخر، فلما بايعت ذكرت ما تقدم من ذنبي وأنسيت أن أقول وما تأخر.
(وقال) أحمد (ابن أبي خيثمة) زهير بن حرب الحافظ ابن الحافظ، أبو بكر النسائي، ثم .
البغدادي.
قال الخطيب: ثقة. عالم متقن بصير بأيام الناس رواية للأدب لا أعرف أغزر من فوائد
تاریخه بلغ أربعًا وتسعین سنة ومات سنة تسع وثمانين ومائتين. (کان ذلك سنة خمس) قال
الحافظ: هو وهم، ففي الصحيح أن خالدًا كان على خيل قريش بالحديبية.
(وقال الحاكم سنة سبع) بعد خيبر، أخرج ابن إسحق عن عمرو بن العاصي قال: لما
انصرفنا عن الخندق جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم:
تعلمون واللَّه إِن أمر محمد يعلو الأمور علوًا منكرًا وقد رأيت أن تلحق بالنجاشي، فإِن ظهر
محمد فكوننا تحت يده أحب إلينا من يد محمد وإِن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلا يأتينا
منهم إِلا خیر، قالوا: إِن هذا الرأي قلت: فاجمعوا ما یهدی له و کان أحب ما یهدى إليه من
أرضنا الأدم فجمعنا له أدمًا كثيرًا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن
أمية رسوله عَّ في شأن جعفر وأصحابه فدخل عليه، ثم خرج، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن
أمية، لو دخلت على النجاشي فأعطانيه فضربت عنقه لرأت قريش أني أجزأت عنها بقتل رسول
محمد فدخلت فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي أهديت إليّ من بلادك شيئًا
قلت له: نعم أُدمًا كثيرًا وقربته إِليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: إني رأيت رسول عدونا خرج من
عندك فأعطنيه لأقتله فإنه أصاب من أشرافنا وخيارنا، فغضب ثم ضرب أنفه بيده ضربة ظننت أنه
كسره انشقت بي الأرض لدخلت فيها فرقًا منه، ثم قلت: أيها الملك واللَّه لو ظننت أنك تكره
هذا ما سألته قال: أتسألني أن أُعطيك رسول رجل یأتیه الناموس الأ کبر الذي کان یأتي موسی
لتقتله قلت: أكذلك هو؟، قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على
من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت أفتبايعني له على الإِسلام؟، قال: نعم
فبسط يده فبايعته على الإِسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت
أصحابي إِسلامي، ثم خرجت عامدًا إِلى رسول اللَّه عَّ له، فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل
الفتح وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟، فقال: والله لقد استقام الميسم وأن الرجل
لنبي أذهب واللَّه أسلم فحتى متى؟، فقلت: والله لقد جئت لأسلم فقدمنا المدينة فتقدم خالد

٣٣٦
ذکر خمس سرايا قبل مؤتة
ثم سرية غالب أيضًا إلى مصاب أصحاب بشيربن سعد بفدك في صفر سنة
ثمان، ومعه مائتا رجل، فأغاروا عليهم مع الصبح
فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول اللَّه إِني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي وما
تأخر، فقال عَ له: يا عمرو بايع فإِن الإِسلام يجب ما قبله وأن الهجرة تجب ما قبلها.
قال ابن إسحق وحدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما أسلم
حين أسلما.
قال في الروض من رواه الميسم بالياء فهو العلامة أي قد تبين الأمر ومن رواه المنسم
بفتح الميم وبالنون فمعناه استقام الطريق ووجبت الهجرة والمنسم مقدم خف البعير كني به عن
الطريق للتوجه به فیه انتھی.
وفي إِسلام عمرو على يد النجاشي لطيفة هي صحابي أسلم على يد تابعي ولا يعرف مثله
والله أعلم.
(ثم سرية غالب أيضًا) لما رجع مؤيدًا منصورًا (إلى) موضع (مصاب أصحاب بشير)
کأمیر (ابن سعد،) وكانوا ثلاثين (بفدك في صفر سنة ثمان).
وروى ابن سعد أنه معٍَّ هيأ الزبير، وقال له: سر حتى تنتهي الى مصاب أصحاب بشير
فإِن أظفرك اللَّه بهم فلا تبق فيهم، وهيأ معه مائتي رجل وعقد له لواء فقدم غالب من سرية
الكديد قد ظفره اللَّه عليهم، فقال عَّ للزبير: إِجلس وبعث غالبًا (ومعه مائتا رجل) سمى
الواقدي، وابن سعد منهم عُلْبَة بن زيد الحارثي وأبا مسعود وكعب بن عجرة وأسامة وحويصة،
وأبا سعيد الخدري (فأغاروا عليهم مع الصبح) وذلك أنه لما دنا منهم بعث الطلائع ومنهم علبة
بضم المهملة وسكون اللام وفتح الموحدة في عشرة ينظرون إلى محالهم فأشرف على جماعة
منهم، ثم رجع وأخبره الخبر.
وروي ابن سعد على حويصة بعثني عَيُّ في سرية مع غالب إِلى بني مرة فأغرنا عليهم مع
الصبح وقد أوعز إلينا أميرنا أن لا نفترق وآخى بيننا وقال: لا تعصوني فإِنه عَ لّه قال: من أطاع
أميري فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني، وإنكم متى ما تعصوني فإِنكم تعصون نبیکم. فآخى
بيني وبين أبي سعيد الخدري فأصبنا القوم.
وروى أنه لما دنا من القوم حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإني
أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وأن تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا لي أمرًا فإنه لا رأي
لمن لا يطاع ثم ألف بين كل اثنين، وقال لهم: لا يفارق أحد منكم زميله، وإِذا كبرت فكبروا
فلما أحاطوا بالقوم كبر غالب فكبروا معه وجردوا السيوف، فخرج الرجال فقاتلوا ساعة ووضع

٣٣٧
ذکر خمس سرایا قبل مؤتة
وقتلوا منهم قتلى وأصابوا نعمًا.
ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر، بالسيء؛ ماء من ذات
عرق إلى وجرة على ثلاثة مراحل من مكة إلى البصرة، وخمس من المدينة.
في شهر ربيع الأول سنة ثمان، ومعه أربعة وعشرون رجلاً إلى جمع من
هوازن، وأمره أن يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم، فأصابوا
نعمًا وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة،
واقتسموا الغنيمة وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرًا وعدلوا البعير بعشر من الغنم.
ثم سرية كعب بن عمير الغفاري
المسلمون فيهم السيف وكان شعارهم أمت أمت (وقتلوا منهم قتلى وأصابوا نعمًا) وشاء وذرية
فساقوها وكانت سهامهم عشرة أبعرة لكل رجل أو عدلها من الغنم لكل بعير عشرة.
(ثم سرية شجاع) بمعجمة مضمومة وجيم (ابن وهب) بن ربيعة بن أسد (الأسدي) أبو
وهب البدري من السابقين الأولين، وهاجر إلى الحبشة واستشهد باليمامة (إلى بني عامر
بالسيء) بكسر السين المهملة ثم همزة ممدودة، كذا ضبطه البرهان، وتبعه الشامي والذي في
الصحاح القاموس والمراصد أنه بالكسر وتشديد الياء وكذا ضبطه أبو عبيد البكري، وقال: هو
(ماء) بالرفع أو الجر بدل مما قبله (من ذات عرق إِلى وجرة) بفتح الواو وسكون الجيم وبالراء
فهاء تأنيث موضع بين مكة والبصرة أربعون ميلاً، كما في القاموس (على ثلاثة مراحل من مكة
إلى البصرة وخمس من المدينة).
قال البكري: وزعم أن وجرة ماء لبني سليم على ثلاثة مراحل من مكة (في شهر ربيع
الأول سنة ثمان ومعه أربعة وعشرون رجلاً إلى جمع من هوازن) يقال لهم بنو عامر (وأمره أن
يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن) بضم الميم وفتحها (النهار حتى صبحهم) وهم غافلون،
ونهى أصحابه أن يمنعوا في الطلب (فأصابوا نعمًا،) كثيرًا كما في الرواية (وشاء واستاقوا ذلك
حتى قدموا المدينة، وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة، واقتسموا الغنيمة وكانت سهامهم خمسة
عشر بعيرًا وعملوا البعير بعشر من الغنم).
رواه کله ابن سعد من مرسل عمرو بن الحکم.
(ثم سرية كعب بن عمير) بضم المهملة وفتح الميم وسكون التحتية فراء (الغفاري) بكسر
المعجمة وخفة الفاء.

٣٣٨
ذكر خمس سرايا قبل مؤتة
إلى ذات أطلاح، وراء ذات القرى، في ربيع الأول سنة ثمان، في خمسة عشر
رجلاً، فساروا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح، فوجدوا جمعًا كثيرًا فقاتلهم الصحابة
أشد القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح في القتلى. قال مغلطاي: قيل هو
الأمير. فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله عَ لَه فأخبره الخبر، فشق
ذلك عليه، وهم بالبعث إليهم فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر فتركهم.
قال أبو عمر من كبار الصحابة (إلى ذات أطلاح) بفتح الهمزة وسكون الطاء، وبالحاء
المهملتين من أرض الشام (وراء ذات القرى) الذي عند غيره وراء وادي القرى، وقد مر له نظير
ذلك في سرية حسمي والانتقاد عليه بأنه ليس ثم محل يقال له ذات القرى، وأنه يمكن تأويله
أنه لم يرد المعنى العلمي بل الإضافي بتقدير مضاف موصوف ذات هو وراء أرض ذات القرى
(في ربيع الأول سنة ثمان) كما أرخها ابن سعد.
قال حدثنا محمد بن عمر حدثني محمد بن عبد اللَّه عن الزهري قال: بعث مَّاله كعبًا
(في خمسة عشر رجلاً فساروا حتى انتهوا إِلى ذات أطلاح، فوجدوا جمعًا كثيرًا) وذلك أنه
كان يكمن النهار ويسير الليل حتى دنا منهم فرآه عين لهم فأخبرهم بقلة الصحابة فجاؤوا على
الخيل، وفي حديث الزهري فدعوهم إلى الإِسلام، فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل (فقاتلهم
الصحابة أشد القتال حتى قتلوا.)
قال أبو عمر: قتلوهم ببضاعة (وأفلت) أي تخلص ونجا (منهم رجل جريح في القتلى).
(قال مغلطاي قيل: هو الأمير) قائله ابن سعد ونسبه الشامي للواقدي وفيه نظر. ففي
الإصابة أن ابن سعد ذكر أن أصحابه قتلوا جميعًا وتحامل هو حتى بلغ المدينة كذا. قال، وقد
ساق شيخه الواقدي القصة وأبهم الرجل الذي تحامل، وهكذا ذكره ابن إسحق عن عبد الله ابن
أبي بكر، وأن كعب بن عمير قتل يومئذٍ، وكذا ذكر ابن عقبة عن الزهري وأبو الأسود عن عروة،
وبه جزم ابو عمر انتھی.
ولذا مرضه مغلطاي، وقال البرهان: هذا الرجل لا أعرف اسمه، (فلما برد) بفتح الراء
وضمها (عليه الليل تحامل حتى أتى النبي عَّله، فأخبره الخبر فشق ذلك عليه وهم بالبعث
إليهم، فبلغه أنهم ساروا إِلى موضع آخر فتركهم).
قال بعض ولم أقف على سبب هذه السرية واللّه سبحانه أعلم.

٣٣٩
باب غزوة مؤتة
[باب غزوة مؤتة]
ثم سرية مؤتة - بضم الميم وسكون الواو - بغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم
المبرد، وجزم ثعلب والجوهري وابن فارس بالهمز، وحكى غيرهم الوجهين.
وهي من عمل البلقاء بالشام، دون دمشق.
باب غزوة مؤتة
(ثم سرية مؤتة) ترجمها البخاري وابن إسحق في طائفة غزوة مؤتة وفي بعض الروايات
تسميتها غزوة جيش الأمراء وذلك لكثرة جيش المسلمين فيها وما لاقوه من الحرب الشديد مع
الكفار، وسماها المصنف وغيره سرية لأنها طائفة من جيشه عَ بعثها ولم يخرج معها، وموتة
قال الحافظ: في الفتح (بضم الميم وسكون الواو بغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم) من أهل
اللغة (المبرد) أبو العباس محمد بن يزيد عبد الأكبر إمام العربية المشهور. ولد سنة عشر ومائتين
ومات سنة اثنتين، وقيل خمس وثمانين قال السيرافي لما صنف المازني كتاب الألف واللام،
سأل المبرد عن دقيقه وعويصه فأجابه بأحسن جواب، فقال له: قم فأنت المبرد بكسر الراء
المثبت للحق فغيره الکوفیون وفتحوا الراء انتھی.
ومن الرواة من همزها (وجزم ثعلب) العلامة المحدث شيخ اللغة والعربية أبو العباس
أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني مولاهم البغدادي المقدم في نحو الكوفيين ولد سنة مائتين.
قال الخطيب: كان ثقة دينا حجة صالحًا مشهورًا بالحفظ مات في جمادي الآخرة سنة
إِحدى وتسعين ومائتين المعدود في الحفاظ لقوله سمعت من عبيد اللّه القواربري مائة ألف
حديث (والجوهري) الإِمام أبو نصر إِسمعيل بن حماد مات في حدود الأربعمائة (و) أحمد بن
زكريا (ابن فارس) أبو الحسين الرازي اللغوي الفقيه الملكي الإمام في علوم شتی صاحب
التصانيف، المتوفى سنة تسع وقيل خمس وسبعين وثلثمائة (بالهمز).
(وحكى غيرهم) وهو صاحب الوافي كما في الفتح (الوجهين وهي من عمل البلقاء) بفتح
الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمد مدينة معروفة (بالشام،) هكذا ضبطها البرهان بالمد وهو
ظاهر القاموس، وفي الشامي أنها مقصورة (دون دمشق،) وفي الفتح قال ابن إسحق: هي بالقرب
من البلقاء، وقال غيره على مرحلتين من بيت المقدس.
قال وأما المؤنة التي وردت الاستعاذة منها وفسرت بالجنون فهي بغير همز انتهى.
وفي الروض مؤتة مهموزة الواو قرية من أرض البلقاء بالشام، وأما الموتة بلا همز فضرب
من الجنون وفي الحديث أنه عَّ كان يقول في صلاته أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه

٣٤٠
باب غزوة مؤتة
في جمادى الأولى سنة ثمان.
وذلك أن رسول الله عليه كان أرسل الحرث بن عمير الأزدي بکتاب إلى
ملك بصرى، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، ولم يقتل
لرسول الله عَّ رسول غيره.
فأمر رسول الله عليه زيد بن حارثة
ونفخه ونفثه وفسره الراوي، فقال: نفثه الشعر ونفخه الكبر وهمزه الموتة انتهى.
(في جمادى الأولى سنة ثمان) كما في مغازي أبي الأسود عن عروة، وكذا قال
ابن إسحق، وموسى بن عقبة وأهل المغازي لا يختلفون في ذلك إلا ما ذكر خليفة في تاريخه
أنها كانت سنة سبع.
قاله الحافظ: ووقع في جامع الترمذي إنها كانت قبل عمرة القضاء.
قال البرهان وهو غلط بلا شك (و)سبب (ذلك) كما جزم به اليعمري ومرضه الحافظ،
فقال: يقال سببها (أن رسول اللَّه مٍَّ كان أرسل الحرث بن عمير الأزدي،) ثم اللهبي بكسر
اللام وسكون الهاء الصحابي (بكتاب إلى ملك بصرى،) أي أميرها من جهة هرقل وهو
الحرث بن أبي شمر الغساني وعلى هذا اقتصر الفتح، وصدر العيون بأنه أرسله بالكتاب إِلى ملك
الروم، (فلما نزل موتة عرض) تصدى (له) ومنعه من الذهاب (شرحبيل) بضم الشين المعجمة
وفتح الراء وسكون الحاء وكسر الموحدة اسم أعجمي لا ينصرف (ابن عمرو الغساني) بفتح
المعجمة ومهملة مشددة كافر معروف من أمراء قيصر على الشام.
قال البرهان: والظاهر هلاكه على شركه، (فقتله) صبرا وذلك أنه قال أين تريد؟، فقال:
الشام، قال: فلعلك من رسل محمد؟، قال: نعم، فأمر به فأوثق رباطه ثم قدمه فضرب عنقه (ولم
يقتل لرسول اللَّه عَِّ رسول غيره فأمر) بشد الميم (رسول اللَّه عَ لي زيد بن حارثة) بمهملة ومثلثة
مولاه وحبه أبا أسامة البدري.
قال سلمة بن الأكوع: غزوت مع النبي مَّ سبع غزوات وغزوت مع زيد بن حارثة سبع
غزوات يؤمره علينا.
أخرجه أبو مسلم الكحي، والإِسمعيلي، وأبو نعيم، والطيراني بهذا اللفظ وهو في الصحيح
پاپهام عدد غزوه مع زید.
قال الحافظ: وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد فبلغت سبعاً كما قال سلمة:
أولها في جمادى الآخرة سنة خمس، قبل نجد في مائة راكب، والثانية في ربيع الآخر سنة ست