Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ غزوة بني قريظة يقال لها رفيدة وكانت تداوي الجرحى، فلما حكمه أتاه قومه فحملوه على حمار وقد وطؤا له بوسادة من أدم - وكان رجلاً جسيمًا- ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلّ فلما انتهى سعد إلى رسول الله عَّةٍ والمسلمين، وغيره، وصدر البرهان بأنها أنصارية، وفي الإصابة: الأنصارية، أو الأَسلمية، (يقال لها رفيدة) بضم الراء، وفتح الفاء، وسكون التحتية، وفتح الدال المهملة ثم تاء تأنيث، صحابية، (وكانت تداوي الجرحىء) وتحتسب بنفسها على من به ضيعة من المسلمين، قاله ابن إسحق. وروى البخاري في الأدب المفرد، بسند صحيح عن محمود بن لبيد: لما أصيب أكحل سعد يوم الخندق، فثقل حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، وكان عَّة. إذا مر به يقول: كيف أمسيت، وإذا أصبح يقول: كيف أصبحت فيخبره ذكره في الإصابة، ثم قال في الكاف كعيبة بالتصغير، بنت سعيد الأسلمية. ذكر أبو عمر عن الواقدي: أنها شهدت خيبر معه عَلّهِ، فأسهم لها سهم رجل. وقال ابن سعد: هي التي كانت لها خيمة في المسجد، تداوي المرضى والجرحى، وكان سعد بن معاذ عندها تداوي جرحه حتی مات انتھی. فهما امرأتان، وقع الخلاف فيمن تنسب إليه الخيمة منهما، وليس أحدهما اسمًا، والآخر لقبًا، ثم عجب من الشامي في اقتصاره على قول ابن سعد، وتركه قول إمام المغازي، مع أنه لم ينفرد به، بل ورد عن محمود الصحابي بسند صحيح هذا. وفي البخاري: فضرب النبي ◌َّله خيمة في المسجد ليعوده من قريب. قال المصنف: وعند ابن إسحق في خيمة رفیدة عند مسجدہ انتھی. ففهم فاهم منه أنه جعله مقابلاً للبخاري، وليس كذلك، فمراده بيان اسم صاحبة الخيمة، وأن قوله ضرب مجاز عن جعل، كما عبر به ابن إسحق، وهو ما دل عليه كلام الفتح. (فلما حكمه أتاه قومه) الأوس، (فحملوه على حمار) لأعرابي عليه قطيفة، (وقد وطؤا له) زيادة على ذلك، (بوسادة من أدم)) لمشقة ركوبه على القطيفة للجرح، (و) لأنه (كان رجلاً جسيمًا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله عـ زاد ابن إسحقٌ: وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإِن رسول اللَّه عَ ◌ّه إِنما ولاك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، (فلما انتهى سعد إِلى رسول اللَّه عَّ والمسلمين). وفي البخاري عن أبي سعيد: فلما دنا من المسجد، فقيل هو تصحيف صوابه، فلما دنا ٨٢ غزوة بني قريظة قال عليه الصلاة والسلام: قوموا إلى سيدكم. فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما أراد عَِّ الأنصار، وأما الأنصار فيقولون: عم بها رسول الله عَّ المسلمين. فقالوا: إن رسول الله عَّه قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. من النبي عَّله، كما في مسلم وأبي داود، وفيه تخطئة الراوي بمجرد الظن، فالأولى كما في المصابيح، أن المراد بالمسجد الذي أعده النبي صَّ للصلاة في قريظة أيام حصارهم، قال: ولئن سلمنا أنه لم يكن، ثم مسجد صلاة فلا نسلم أن قوله من المسجد متعلق بقوله قريبا، بل بمحذوف، أي: فلما دنا آتيًا من المسجد، فإِن مجيئه إلى النبي ◌َّه كان من مسجد المدينة. (قال عليه الصلاة والسلام: قوموا إِلى سيدكم،) وفي حديث عائشة عند أحمد: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه فقال عمر: السيد هو اللَّه. قال رجال من بني عبد الأشهل: قمنا له على أرجلنا صفين، يحييه كل رجل منا، حتى انتهى إلى رسول اللَّه عَئية، (فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إِنما أراد عَّ الأنصار) لكونه سيدهم، وهو فيهم بمنزلة الصديق في المهاجرين، ففهموا ان الإِضافة عهدية، (وأما الأَنصار، فيقولون: عمّ بها رسول اللَّهُ عَِّ المسلمين) أنصارًا ومهاجرين، إبقاء للفظ العام على عمومه، والسيادة لا تقتضي الأفضلية. وفي رواية: قوموا إلى خيركم. وفي البخاري في المناقب والمغازي: إِلى سيدكم، أو خير كم، بالشك. وله في الجهاد: إِلی سیدکم بلا شك. وفيه أيضًا في المغازي، عن أبي سعيد الخدري، قال للأنصار، وكأنه من تصرف بعض الرواة لما رأى اختلاف المهاجرين والأنصار، ويدل له أنه أسقط في الجهاد والمناقب قوله للأنصار. قال ابن إسحق: فقاموا إِليه، (فقالوا: إِن رسول اللَّه عَّل)) فهو عطف على ما حذفه المصنف من كلام ابن إسحقٍ، وإلا فليس قبله ما يظهر عطفه عليه. وفي رواية: فقالت الأوس: (قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم). وفي رواية: فأحسن فيهم واذكر بلاءهم عندك، أي: مناصرتهم ومعاونتهم لك قبل هذا اليوم. وعند ابن إسحق فقال سعد: عليكم بذلك عهد اللَّه وميثاقه؛ أن الحكم فيهم لما حكمت، قالوا: نعم، قال: وعليّ من ههنا من الناحية التي فيها رسول اللَّه عَّة، وهو معرض عنه إِجلالاً له، فقال عَّلَهِ: ((نعم)). وفي البخاري عن أبي سعيد: فجلس إِلى رسول اللَّه عَّه، فقال: إِن هؤلاء نزلوا على ٨٣ غزوة بني قريظة فقال سعد: فإنى أحكم فيهم، أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبي الذراري والنساء. فقال عليه الصلاة والسلام لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة والرقيع: السماء سميت بذلك لأنها وقعت بالنجوم. حكمك، فكأنه عليه السلام تكلم أوّلاً، ثم تكلمت الأَوس بذلك. (فقال سعد: فإني أحكم فيهمٍ؛ أن تقتل الرجال، وتقسم الأَموال وتسبى) بالبناء للمفعول في الأَفعال الثلاثة، كما في النور، لأنه جواب لقومه الأنصار، (الذراري) الأولاد الذين لم يبلغوا الحلم، (والنساء) أي: أزواجهم. وفي البخاري، فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبی ذراريهم. قال المصنف: بفتح الفوقية الأولى، وضم الثانية، وهم الرجال، وتسبى، بفتح الفوقية، وكسر الموحدة، ذراريهم بالتشديد، وهم النساء والصبيان انتهى، فضبطه بالبناء للفاعل؛ لأنه جواب لقول المصطفى: احكم فيهم يا سعد. (فقال عليه الصلاة والسلام) كما رواه ابن إسحق من مرسل علقمة بن وقاص الليثي: (لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه من فوق سبعة أرقعة) بالقاف، جمع رقيع بتذكير العدد على معنى السقف، كما قال ابن دريد: إِذا السماء مؤنث سماعي، فقياسه سبع أرقعة بتأنيث العدد. قال السهيلي: معناه: أن الحكم ينزل من فوق قال، ومثله قول زينب ابنة جحش: زوّجني اللَّه من نبيه من فوق سبع سموات، أي: نزل تزويجها من فوق، وهذا نحو يخافون ربهم من فوقهم، أي: عقابًا ينزل من فوقهم، وهو عقاب ربهم. قال: ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق على المعنى الذي يليق بجلاله، لا على المعنى الذي يسبق إلى الفهم من التحديد الذي يفضي إلى التشبيه، ولكن لا ينبغي إِطلاق ذلك الوصف، بما تقدم من الآية والحديثين؛ لارتباط حرف الجر بالفعل، حتى صار وصفًا لا وصفًا، للباري سبحانه انتھی. (والرقيع السماء) بدليل الرواية الآتية من فوق سبع سموات، (سميت) كما قال السهيلي (بذلك؛ لأنها رفعت) مخفف مبني للمفعول (بالنجوم) على التشبيه، لأنها لما كانت في مواضع منها شبهت بالثوب الذي فيه رقع في مواضع متفرقة، وظاهره أن كل سماء مرفوعة بالنجوم، وهو أحد قولين، والآخر أن الكواكب كلها في السماء الدنيا حكاهما ابن كثير. هذا وفي القاموس: الرقيع كالأمير السماء، أو السماء الدنيا والرقع السابعة، فعلى القول الثاني ففي الحديث تغليب ٨٤ غزوة بني قريظة ووقع في البخاري: قال: قضيت فيهم بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك - أي بكسر اللام -. وفي رواية محمد بن صالح لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات. وفي حديث جابر بن عبد الله - عند ابن عائد - السماء الدنيا على غيرها. (ووقع في البخاري) من حديث أبي سعيد، (قال) عَةٍ: (قضيت،) وفي الجهاد: لقد حكمت (فيهم بحكم اللَّه، وربما قال: بحكم الملك،) شك الراوي في أي اللفظين قاله، وهما. بمعنى، (أي بكسر اللام) أي: اللَّه كما رجحه الحافظ لرواية محمد بن صالح الآتية. ورواية جابر: قد أمرك الله أن تحكم فيهم. ورواية ابن إسحق المذكورة في المصنف، قال: وهذا كله يدفع ما وقع عند الكرماني بحكم الملك بفتح اللام، أي: جبريل، لأنه الذي ينزل بالأحكام انتهى. لكن نقل القاضي عياض، أن بعضهم ضبطه في البخاري بكسر اللام وفتحها، فإِن صح الفتح فالمراد جبريل، يعني بالحكم الذي جاء به الملك عن الله، وعورض بأنه لم ينقل نزول الملك في ذلك بشىء، ولو نزل بشىء اتبع وترك الاجتهاد، وبأنه ورد في الصحيح: قضيت بحکم الله. نعم، ذكر ابن إسحق في غير رواية البکائي، أنه ◌ّ قال في حكم سعد بذلك طرقني الملك سحرًا. (وفي رواية محمد بن صالح) بن دينار التمار المدني، مولى الأنصار: صدوق يخطىء، مات سنة ثمان وستين ومائة، خرّج له أصحاب السنن، يعني عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه. (لقد حكمت اليوم فيهم بحكم اللَّه الذي حكم به من فوق سبع سموات) أخرجه النسائي، وكان الأولى بالمصنف، عزوه له دون محمد بن صالح أحد رواته، لأنه أوهم أن الحديث معضل مع أنه موصول كما علمت، وأما صاحب الفتح، فلكونه يتكلم على الأسانيد يحسن منه ذلك، لأن به يتبين ممن جاء اختلاف اللفظ، أو الزيادة، أو النقص، أو نحو ذلك مع أنه أيضًا عزاه لمن أخرجه وهو النسائي ففيه إفادة أن المراد بالأرقعة السموات، وأن لفظ الملك في رواية البخاري بکسر اللام. (وفي حديث جابر بن عبد اللَّه) رضي اللَّه عنهما (عند) محمد (ابن عائذ) بتحتية وذال ٨٥ غزوة بني قريظة فقال: احكم فيهم يا سعد، فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، قال: قد أمرك الله أن تحكم فيهم. وفي هذه القصة: جواز الاجتهاد في زمنة عَّه وهي مسألة اختلف فيها أهل أصول الفقه. والمختار: الجواز، سواء كان في حضرته عَّه أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع، ولا يضر ذلك لأنه بالتقرير يصير قطعيًا، وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته عليه السلام كما في هذه القصة وغيرها. انتھی. معجمة، (فقال: احكم فيهم يا سعد، فقال: اللَّه ورسوله أحق بالحكم، قال: قد أمرك اللَّه أن تحكم فيهم.) فأوحى إليّ إلهامًا، أو على لسان جبريل بذلك، وأما قوله بذلك طرقني الملك سحرًا، فيحتمل أن معناه؛ أنه أخبره أن يحكم بما يحكم به سعد، فليس نصًا في أنه هو الذي أوحى إليه أن يأمر سعدًا بذلك. (وفي هذه القصة) تحكيم الأفضل من هو مفضول، وأنه يسوغ للإِمام إِذا كانت له حكومة في نفسه تولية نائب يحكم بينه وبين خصمه، وينفذ على خصمه إِن كان عدلاً، ولا يقدح فيه أنه حكم له وهو نائبه، ولزوم حكم الحكم برضا الخصمين، سواء كان في أمور الحرب، أو غيرها، فهو رد على الخوارج المنكرين التحكيم على علي، قاله ابن المنير وغيره و(جواز الاجتهاد في زمنه عَّة، وهي مسألة اختلف فيها أهل أصول الفقه والمختار الجواز سواء كان في حضرته معَّله أم لا، وإنما استبعد المالع وقوع الاعتماد على الظن،) المؤدي إِليه الاجتهاد، (مع إِمكان القطع،) بسؤاله عليه السلام، (و) لكن (لا يضر ذلك لأنه بالتقرير) بعلمه به، والسكوت عليه، أو بعدم مجيء الوحي له بخلافه، (يصير قطعيًا) إِذ لو كان باطلاً لجاءه الوحي، (فقد ثبت وقوع ذلك بحضرته عليه السلام، كما في هذه القصة، وغيرها) كقصة قتيل أبي قتادة، إِذ أخذ رجل سلبه، وقال للمصطفى: أرضه منه، فأبى أبو بكر، فقال عليه السلام: (صدق فأعطه ... )) الحديث في البخاري (انتهى). قال شيخنا: وهذا كله ظاهر حيث كان الفاعل بحضرته عَّة، أما في غيبته ففيه شىء، وهو أنه قد يؤدي ظن المجتهد إلى خلاف الواقع، فيفعله وعلمه عَّه به بعد لا يمنع وقوع الفعل منه، وإنما يقتضي النهي عن العود لمثله، فالأولى الجواب بأنه إنما اكتفى بالظن مع القدرة على اليقين، لأن انتظاره قد يؤدي إلى مشقة، بل إِلى فوات المطلوب انتهى. . وفيها أيضًا تصحيح القول: إِن المصيب واحد، وإِن المجتهد ربما أخطأ، ولا حرج عليه، ٨٦ غزوة بني قريظة وانصرف عَّ يوم الخميس لسبع ليال- كما قاله الدمياطي، أو لخمس كما قاله مغلطاي - خلون من ذي الحجة. وأمر عليه الصلاة والسلام ببني قريظة فأدخلوا المدينة، وحفر لهم أخدود في السوق، ولذا قال: حكمت بحكم اللَّه، فدل على أن حكمه في الواقعة متقرر، فمن أصابه أصاب الحق، ولولا ذلك لم يكن لسعد مزية، وأن المسألة اجتهادية ظنية، ولذا كان رأي الأنصار العفو عن اليهود خلافًا لسعد، وما كان الأنصار ليتفق أكثرهم على الخطأ على سبيل القطع. (وانصرف عَّه يوم الخميس لسبع ليال، كما قاله الدمياطي، أو لخمس، كما قاله مغلطاي، خلون من ذي الحجة،) ولا يتأتى واحد منهما على ما قدمه، أن مدة الحصار خمس وعشرون، أو خمس عشرة، وأنه خرج لسبع بقين من ذي القعدة. نعم، يتأتى على أنه بضع عشرة، يجعله أقل من خمس عشرة. (وأمّر عليه الصلاة والسلام ببني قريظة،) بعد نزولهم من الحصن، فكتفوا وجعلوا ناحية، والنساء والذرية ناحية، قاله ابن سعد، وأسلم في ليلة نزولهم ثعلبة، وأسد ابنا سعية، وأسد بن عبيد، کما عند ابن إسحق. (فأدخلوا المدينة) قال ابن إسحق: فحبسوا في دار بنت الحرث الأنصارية النجارية. قال في الإصابة: وهي رملة بنت الحرث بن ثعلبة بن الحرث بن زيد، زوجة معاذ بن الحرث بن رفاعة، تكرر ذكرها في السيرة. والواقدي يقول: رملة بنت الحرث بفتح الدال المهملة بغير ألف قبلها، انتهى، و کذا قال ابن هشام. قال السهيلي: الصحيح عندهم بنت الحرث، كما قال البخاري وليست هي كيسة، أي: بشد التحتية فمهملة، کما في الإصابة، بنت الحرث بن کریز التي أنزل في دارها وفد بني حنيفة، وكانت زوج مسيلمة الكذاب، ثم خلف عليها عبد الله بن عامر، انتهى ملخصًا. وعند أبي الأسود عن عروة: أنهم حیسوا في دار أسامة بن زيد. قال في الفتح: ويجمع بأنهم جعلوا في بیتین، کما صرح به في حديث جابر عند ابن عائذ انتهى. .وفي السبل: سيق الرجال إلى دار أسامة بن زيد، والنساء والذرية إِلى دار رملة، ويقال: حبسوا جميعًا في دارها، فأمر لهم عَّلّه بِأحمال تمر، فنثرت لهم فباتوا يأكلونها. (وحفر لهم أخدود)) شق في الأرض، مستطيل (في السوق) بين موضع دار أبي جهم ٨٧ غزوة بني قريظة وجلس مَّه ومعه أصحابه، وأخرجوا إليه فضربت أعناقهم، وكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة، وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل. العدوي إلى أحجار الزيت بالسوق موضع بالمدينة، (وجلس عَُّ ومعه أصحابه) في السوق، (وأخرجوا إِليه،) زاد في الرواية: إِرسالاً، بالفتح، أفواجًا وفرقًا متقطعًا بعضهم عن بعض، كما في النور، وظاهره أنه حقيقة. وفي المصباح أن حقيقته القطيع من الإبل شبه به الناس. (فضربت أعناقهم،) أي: ضربها علي والزبير، وأسلم الأنصاري، كما في الطبراني، قال: فكنت أضرب عنق من أنيت، وأجعل غيره في المغانم، وجاء سعد بن عبادة والحباب بن المنذر، فقالا: يا رسول اللَّه إِن الأوس قد كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم، فقال سعد بن معاذ: ما كرهه من الأوس أحد فيه خير، فمن كرهه فلا أرضاه اللَّه، فقام أسيد بن حضير، فقال: يا رسول اللّه لا يبقين دار من الأوس إِلا فِرقتهم فيها، فمن سخط، فلا يرغم اللَّه إِلاَّ أنفه، فابعث إِلى داري أول دورهم، ففرقهم في دور الأوس فقتلوهم، وهذا يفيد أن الذين فرقوا على الأوس من لم يكن قتله علي والزبير، لمجيء ابن عبادة والحباب أثناء القتل، وبقي عليه السلام عند الأخدود حتى فرغوا منهم عند الغروب، فرد عليهم التراب، فكان الذين أرسلوا إِلى الأوس حملوا بعد القتل إِلى الأخدود. (وكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة) إِلى بمعنى الواو، لأنها التي يقابل بها بين، ولم أجده هكذا، فالذي في ابن إسحق وهم ستمائة أو سبعمائة، وكذا نقله عنه اليعمري بأو التي لتنويع الخلاف. ففي الفتح عند ابن إِسحق أنهم ستمائة، وبه جزم أبو عمر. وعند ابن عائذ من مرسل قتادة: كانوا سبعمائة. (وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إِلى التسعمائة،) كذا عزاه له تبعًا للفتح، ولا أدري لم ذلك، مع أنه في نفس كلام ابن إِسلحق، بلفظ: والتسعمائة بالواو، بدل إِلى، وهكذا نقله عنه اليعمري. (وفي حديث جابر عند الترمذي، والنسائي وابن حبان بإِسناد صحيح: أنهم كانوا أربعمائة مقاتل). ٨٨ غزوة بني قريظة فيحتمل في طريق الجمع: إن الباقين كانوا أتباعًا. واصطفى عَ لّه لنفسه الكريمة ريحانة فتزوجها، وقيل كان يطؤها بملك اليمين، وأمر بالغنائم فجمعت، وأخرج الخمس من المتاع والسبي ثم أمر بالباقي فبيع فيمن يريد وقسمه بين المسلمين، فكانت على ثلاثة آلاف واثنتين وسبعين سهماً، للفرس سهمان ولصاحبه سهم، قال الحافظ ابن حجر في الفتح، (فيحتمل في طريق الجمع أن الباقين كانوا أتباعًا،). غير مقاتلين، (واصطفى مد لنفسه الكريمة ريحانة) بنت شمعون بن زيد، وقيل: زيد بن عمرو بن خنافة بالخاء المعجمة والنون، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة. قال ابن عبد البر: قول الأكثر أنها قرظية، وقيل: كانت من بني النضير متزوجة في قريظة رجلاً يقال له الحكم، (فتزوجها) بعد أن أسلمت وحاضت حيضة، وكانت جميلة وسيمة، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا، أي: نصف أوقية، وأعرس بها في المحرم سنة ست في بيت سلمى بنت قيس النجارية، وضرب عليه الحجاب فغارت عليه غيرة شديدة، فطلقها تطليقة، فشق عليها وأكثرت البكاء فراجعها، ولم تزل عنده حتى ماتت راجعة من حجة الوداع سنة عشر، ودفنها بالبقيع، ذكره الواقدي وابن سعد وغيرهما. (وقيل: كان يطؤها بملك اليمين). قال ابن إسحق: كان عَُّ سباها، فأبت إِلا اليهودية، فوجد في نفسه، فبينما هو مع أصحابه إِذ سمع وقع نعلين خلفه فقال: ((هذا ثعلبة بن شعبة يبشرني بإِسلام ريحانة))، فبشره وعرض عليها أن يعتقها ويتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت: يا رسول اللَّه بل تتركني في ملكك، فهو أخف عليّ وعليك، فتركها، لكن قال الواقدي بعد أن أخرج من عدة طرق: أنه تزوجها وضرب عليها الحجاب، هذا أثبت عند أهل العلم، واقتصر عليه ابن الأثير. (وأمر بالغنائم فجمعت،) وهي ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفا رمح وخمسمائة ترس وجحفة وخمر جرار سكر بفتحتين أي: نبيذ تمر، فأهريق ذلك كله، ولم يخمس وجمال نواضح وماشية كثيرة، قاله ابن سعد، وجحفة بحاء مهملة فجیم ترس صغير. (وأخرج الخمس من المتاع والسبي، ثم أمر بالباقي فبيع فيمن يريد،) ظاهره أنه بيع ما عدا الخمس وهو مخالف قول ابن إسحق وغيرِهِ. بعث عَّ سعد بن زيد الأنصاري الأشهلي بسبايا من بني قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بهم خيلاً وسلاحًا، وعند الواقدي: بعث سعد بن عبادة بطائفة إلى الشام يبيعهم ويشتري بهم خيلاً وسلاحًا، (وقسمه بين المسلمين، فكانت على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهمًا، للفرس سهمان) لما مر أن الخيل كانت ستة وثلاثين فرسًا (ولصاحبه سهم) وعلى هذا ٨٩ غزوة بني قريظة وصار الخمس إلى محمية بن جزء الزبيدي، وكان النبي عَّ يعتق منه ويهب ويخدم منه من أراد، وكذلك صنع بما صار إليه من الرثة - وهو السقط من المتاع .. وانفجر جرح سعد بن معاذ، فمات شهيدًا. وفي البخاري أنه دعا: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلى أن أجاهدهم فیك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، مضت السنة في المغازى. وروى أنه أعطى صفية بنت عبد المطلب، وأم عمارة، وأم سليطة، وأم العلاء، وأم سعد بن معاذ، والسميراء بنت قيس حضرن القتال، ولم يسهم لهن. (وصار الخمس إلى محمية) بفتح الميم، وسكون الحاء المهملة، وكسر الميم الثانية، فتحتية مخففة مفتوحة (ابن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاي، ثم همزة، ابن عبد يغوث (الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة ودالٍ مهملة حليف بني سهم، قديم الإِسلام، وهاجر إلى الحبشة، وكان عامل رسول اللَّه عَّم على الأخماس. وذكر ابن الكلبي: أنه شهد بدرًا. وقال الواقدي: أول مشاهده المریسیع. قال أبو سعید بن يونس: شهد فتح مصر، ولا أعلم له رواية. (وكان النبي ◌ُّ يعتق منه ويهب ويخدم منه من أراد، وكذلك يصنع بما صار إليه من الرثة) بكسر الراء وشد المثلثة (وهو السقط من المتاع،) أي: متاع البيت الدون، (وانفجر) لما انقضى شأن بني قريظة (جرح) بضم الجيم (سعد بن معاذ) الذي أصابه من ابن العرقة في الخندق في أكحله، (فمات شهيدًا،) كذا قال ابن إسحق وغيره، ولعل مرادهم شهيد الآخرة؛ لأَنه لم يمت عقب الجرح، بل عاش حتى أشرف على البراء، وأيضًا فقد ثبت أنه معَّه صلى عليه وغسل، فلو كان شهيد المعركة لم يفعل به ذلك. (وفي البخاري) في الصلاة والهجرة والمغازي عن عائشة (أنه دعاء) وزاد مسلم: وتحجر كلمه للبرء، أي: تيبس، أي: أنه دعا بذلك لما كاد جرحه يبرأ، ولفظ البخاري عن عائشة أن سعدًا، قال: (اللهم إِلك تعلم أنه ليس أحد،) أي: قوم، (أحب إليّ أن أجاهدهم فيك) جملة في تأويل المصدر فاعل اسم التفضيل (من قوم كذبوا رسولك، وأخرجوه) من وطنه، بيان للمفضل عليه الواقع في حيز النفي، فكان جهاده مفضل ومفضل عليه باعتبارين، كمسألة الكحل ٩٠ غزوة بني قريظة اللهم إني أظن أنك قد وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة لامرأة من بني غفار- إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا فمات منها. المشهورة، ثم مدلول هذه العبارة عرفًا أن جهاد هؤلاء أحب إليه من جهاد غيرهم، ولو كانوا كفارًا، وإِن صدق لغة بالتساوي على نحو: ما ركبك خلق أكرم على اللَّه منه، وقد أفاد المصنف بسوق هذا الحديث هنا، وبما قدمه من دعاء سعد بذلك في الخندق، أنه دعا به في الوقتين. (اللهم إني أظن أنك قد وضعت الحرب) بيننا وبينهم، فإِن كان بقي من حرب قريش شىء، فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب، (فافجرها) هذا كله قول سعد في البخاري، فكأن المصنف حذفه اختصارًا والضمير للجراحة، والهمزة للوصل، والجيم مضمومة، (واجعل موتي فيها) لأَفوز بموتة الشهادة. قال الحافظ: فيه جواز تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت، وفيه صبر سعد (فانفجرت من لبته) بفتح اللام والموحدة الشددة، موضع القلادة من صدره، وهي رواية مسلم والإسماعيلي، والكشميهني من ليلته وهو تصحيف. ففي رواية ابن خزيمة: فإذا ليته قد انفجرت من كلمه، أي: من جرحه، وكان موضع الجرح ورم حتى وصل إلى صدره، فانفجر من ثم قاله الحافظ، (فلم يرعهم) بفتح أوله، وضم ثانيه وتسكين العين المهملة، أي: لم يفزع أهل المسجد، (وفي المسجد خيمة) جملة حالية الرجل (من بني غفار) بكسر المعجمة وخفة الفاء، أو من خيامهم. قال الحافظ في المقدمة: هي خيمة رفيدة نزلها قوم من بني غفار، وقال في الفتح: تقدم أن ابن إسحق ذكر أن الخيمة كانت لرفيدة الأسلمية، فيحتمل أن يكون لها زوج من بني غفار. (إلا الدم) فاعل يرعهم، أي: الخارج من سعد، (يسيل إليهم،) أي: أهل المسجد، (فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا) الدم (الذي يأتينا من قبلكم؟،) بكسر القاف وفتح الموحدة، من جهتكم. قال المصنف: وهذا يضعف قول الكرماني، وتبعه البرماوي أن ضمير يرعهم لبني غفار، والسیاق يدل عليه ما لا يخفى. نعم، إِن کان ثم خيمة غیر التي فيها سعد، فلا إِشکال انتھی، فبحثوا عن ذلك، (فإِذا سعد يغذو) بغين وذال معجمتين، يسيل، (جرحه دمًا). وفي رواية ابن خزيمة: فإِذا الدم له هِدير، (فمات منها،) أي: من تلك الجراحة ولا حمد عن عائشة، فانفجر كلمه، وقد كان برأ الأمثل الخرص، وهو بضم المعجمة، وسكون الراء ثم ٩١ غزوة بني قريظة وقد كان ظن سعد مصيبًا، ودعاؤه في هذه القصة مجابًا، وذلك أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب يكون ابتداء القصد فيه من المشركين، فإنه عليه الصلاة والسلام تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة، وكاد الحرب أن يقع بينهم فلم يقع كما قال الله تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أطفركم عليهم﴾ [الفتح/٢٤] ثم وقعت الهدنة واعتمر عليه الصلاة والسلام من قابل، واستمر ذلك إلى أن نقضوا العهد فتوجه إليهم غازيًا ففتحت مكة، فعلى هذا: فالمراد بقوله: أظن أنك قد وضعت الحرب، أي: أن يقصدونا محاربين. وهو كقوله إلا أن عليه الصلاة والسلام نغزوهم ولا يغزونا مهملة، من حلى الأذن. وفي مسلم: فما زال الدم يسيل حتى مات، وقد زعم بعض شراح البخاري؛ أن سعدًا لم يصب في هذا الظن، لما وقع من الحروب في الغزوات، قال: فيحمل على أنه دعا بذلك فلم يجب، وله ما هو أفضل منه، كما ثبت في الحديث الآخر في دعاء المؤمن، أو أنه أراد بوضع الحرب، أي في تلك الغزوة خاصة لا فيما بعدها. (و) رده الحافظ فقال: الذي يظهر لي أنه (قد كان ظن سعد مصيبًا، ودعاؤه في هذه القصة مجاباً، و) بيان (ذلك؛ أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب، يكون ابتداء القصد فيه من المشركين،) أي: قريش (فإنه عليه الصلاة والسلام تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة) سنة الحديبية، (وكاد الحرب أن يقع بينهم، فلم يقع كما قال اللَّه تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة﴾) بالحديبية، (﴿من بعد أن أظفركم عليهم﴾) حيث طاف ثمانون منهم بعسكركم، ليصيبوا منكم فأخذوا، وأتى بهم إِلى رسول اللَّه عَّ فعفا عنهم، وخلى سبيلهم فنزلت الآية، رواه مسلم وغيره وهو الصحيح، وقبل في فتح مكة، (ثم وقعت الهدنة،) الصلح بينهم على وضع الحرب عشر سنين، (واعتمر عليه الصلاة والسلام من قابل،) سنة سبع، (واستمر ذلك) المذكور من الهدنة، (إلى أن نقضوا العهد، فتوجه إليهم غازيًا،) قاصدًا (ففتحت مكة) سنة ثمان (فعلى هذا، فالمراد بقوله أظن أنك قد وضعت الحرب، أي: إِن يقصدونا محاربين،) فلا ينافي وقوع الحرب بينهم في فتح مكة، لأَنِ القصد فيه إنما كان منه عَّ لهم، (وهو كقوله عليه الصلاة والسلام) حين انصرف الأحزاب: (إلاَّ أن نغزوهم وهم لا يغزونا). ٩٢ غزوة بني قريظة ۔ کما تقدم۔ وقد بین سبب انفجار جرح سعد في مرسل حمید بن هلال- عند ابن سعد- ولفظه: أنه مرت به عنز، وهو مضطجع، فأصاب ظلفها موضع النحر فانفجرت حتى مات. وحضر جنازته رضي الله عنه سبعون ألف ملك، واهتز لموته عرش الرحمن. رواه الشيخان. روى بنون واحدة وبنونين، كما قاله المصنف، (كما تقدم) في آخر غزوة الخندق انتهى كلام الفتح، واللائق بالمصنف حذف كما تقدم، لأنه لم يقدم هذا اللفظ، بل معناه (وقد بيّ سبب انفجار جرح سعد في مرسل حميد بن هلال) العدوي، أبي نصر البصري، الثقة التابعي الكبير العالم، احتج به الستة. (عند) محمد (بن سعد، ولفظه أنه مرت به عنز وهو مضطجع، فأصاب ظلفها موضع النحر) بنون فمهملة، من إِضافة الأعم إِلى الأخص، أي: موضعًا هو النحر، وهو موضع القلادة من الصدر، ويطلق على الصدر كله، وهذا موافق لقول عائشة السابق، فانفجرت من لبته، وفي نسخة الفجر بفاء وجيم، أي: موضع فجر الجرح، والذي في الفتح عن هذا المرسل من موضع الجرح، وتبعه المصنف في شرحه ونحوه قول اليعمري عن ابن سعد فأصابت الجرح بظلفها، وكان معناه أصابت ما انتهى إليه ورم الجرح، وسماه جرحًا، وإِن لم يكن موضعه، لأنه لما سرى الورم إليه، صار الكل أثر الجراحة، (فانفجرت) جراحته وسال الدم (حتى مات، وحضر جنازته رضي اللَّه عنه سبعون ألف ملك،) كما قال عَّه: ((لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا سعدًا، ما وطئوا الأرض إلا يومهم هذا»، ذكره ابن عائذ وتبعه السهيلي، (واهتز لموته عرش الرحمن، رواه الشيخان) من حديث جابر، وثبت عن عشرة من الصحابة أو أكثر. قال ابن عبد البر: هو ثابت اللفظ من طرق متواترة، وقول البراء: اهتز سريره، لم يلتفت إِلیه العلماء انتھی. وفي العتبية: أن مالكًا سئل عنه، فقال: أنهاك أن تقوله، وما يدري المرء أن يتكلم بهذا، وما يدري ما فيه من الغرور. قال ابن رشد في شرحها: إِنما نهى لملك لئلا يسبق إِلى وهم الجاهل أن العرش إِذا تحرك يتحرك اللَّه بحركته، كالجالس منا على كرسيه، وليس العرش بموضع استقرار للَّه تبارك وتنزه عن مشابهة خلقه انتهى ملخصًا، وهو حسن، وقول السهيلي العجب من إنكار لملك لهذا الحديث، وكراهته التحديث به مع صحة نقله، وكثرة رواته، ولعل هذه الرواية لم تصح عنه، اعترضه ٩٣ غزوة بني قريظة قال النووي: اختلف العلماء في تأويله: فقالت طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش تحركه فرحًا بقدوم سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزًا حصل به هذا، ولا مانع منه، كما قال تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [البقرة/٧٤]. وهذا القول هو ظاهر الحديث. وهو المختار. قال المازري: قال بعضهم: هو على حقيقته، وأن العرش تحرك لموته، وهذا لا ينكر من جهة العقل، لأن العرش جسم من الأجسام، يقبل الحركة والسكون. قال: لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك اليعمري باقتضائه؛ أن إِنكاره يرجع إلى الإسناد وليس كذلك، بل اختلف العلماء في هذا الخبر، فمنهم من يحمله على ظاهره، ومنهم من يؤوله، وما هذا سبيله من الأخبار المشكلة، فمن الناس من يكره روايته إذا لم يتعلق به حكم شرعي، فلعل الكراهة المروية عن لملك من هذا النمط انتھی. وبهذا برد قول الحافظ في الفتح تعقبًا على ابن رشد، الذي يظهر لي أن مالكًا ما نهى عنه لهذا، إِذ لو خشي ذلك لما أسند في الموطأ حديث: ينزل اللَّه إلى سماء الدنيا، لأنه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش انتهى، لأن حديث النزول، تعلق به حكم شرعي من طلب الدعاء والاستغفار والتوبة، وقوله أيضًا يحتمل الفرق؛ بأن حديث سعد ما ثبت عنده بخلاف حديث النزول، فرواه ووكل أمره إلى فهم العلماء الذين يسمعونٍ في القرءان استواء العرش ونحوه، لكن لا معنى لإنكاره لثبوته عجيب من مثله في حق نجم الأثر، أيظن أنه يخفى عليه حديث متواتر، فإنما أراد ما قاله ابن رشد واليعمري، وهو المتبادر من قوله وما يدري المرء الخ، ولو أراد ما فهمه السهيلي وابن حجر لقال ليس بثابت أو لا أعرفه، أو ما سمعته، أو نحو ذلك، والله أعلم. وقد (قال) الإمام (النووي) في شرح مسلم: (اختلف العلماء في تأويله، فقالت طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش، تحركه) حقيقة (فرحًا بقدوم روح سعد، وجعل اللّه تعالى في العرش تمييزًا حصل به هذا) التحرك، (ولا مانع منه، كما قال تعالى: ﴿وإن منها﴾) أي: الحجارة، (﴿لما يهبط﴾،) ينزل من علو إِلى سفل (﴿من خشية اللَّه﴾ وهذا القول هو ظاهر الحديث وهو المختار،) وكذا رجحه السهيلي، فقال: ولا معدل عن ظاهر اللفظ ما وجد إليه سبيل. (قال المازري: قال بعضهم: هو على حقيقته، وإن العرش تحرك لموته، قال: وهذا لا ينكر من جهة العقل، لأن العرش جسم) مخلوق (يقبل الحركة والسكون). (قال) المازري: (لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك،) أي: مجرد تحركه لجواز أنه اتفاقي ٩٤ غزوة بني قريظة إلا أن يقال: إن الله تعالى جعل حركته علامة للملائكة على موته. وقال آخرون: المراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول: ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله علیھا. وقال الحربي: هو عبارة عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشىء المعظم إلى عظم الأشياء، فيقولون: أظلمت لموت فلان الأرض، وقامت له القيامة. وقال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة. وهو العرش. ذلك اليوم، وفيه أن علمه بموته، واهتزازه له فيه فضيلة كبيرة، كاضطراب الجبل، وتسبيح الحصى بكف المصطفى، ولا يدفع ذلك؛ بأنهما مرئيان للصحابة بخلاف اهتزازه، لأن خبر الصادق المصدوق به مثل رؤيته سواه، (إلاَّ أن يقال إِن اللَّه تعالى جعل حركته علامة للملائكة على موته،) فيفيد كرامته على ربه حيث تحرك العرش أسفًا عليه لمحافظته على الحق. (وقال آخرون) مقابل قوله أولاً، فقالت طائفة، وقوله قال بعضهم هو على حقيقته، (المراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول،) بأن أودع فيه إدراكًا علم به موته، وكرامته عند ربه، ففرح واستبشر، وبهذا صدر الفتح وقال: يقال لك من فرح بقدوم قادم عليه اهتز له، ومنه اهتزت الأَرض بالنبات إِذا اخضرت وحسنت، ووقع ذلك في حديث ابن عمر عند الحاكم بلفظ: اهتز العرش فرحا به. (ومنه قول العرب: فلان يهتز للمکارم، لا یریدون اضطراب جسمه وحر کته) تفسيري، (وإِنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله عليها،) فهذا يصحح قول الآخرين. (وقال) إبراهيم بن إسحق (الحربي،) الحافظ البغدادي مر بعض ترجمته: (هو عبارة عن تعظيم شأن وفاته) من النبي عَّله، ولا تحرك ولا فرح من العرش، (والعرب تنسب الشىء المعظم إِلى أعظم الأشياء، فيقولون: أظلمت بموت فلان الأرض،) ولم تظلم، (وقامت له القيامة،) ولم تقم، ففي هذا منقبة عظيمة لسعد. (وقال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة، وهو العرش،) وسياق الحديث يأباه، إِذ المراد منه فضيلته، وأي فضيلة في اهتزاز السرير، فكل سرير يهتز إِذا تجابته الأيدي. قال الحافظ: إلا أن يراد اهتزاز، حملة سريره فرحًا بقدومه على ربه، فيتجه. وفي الصحيح: قال رجل لجابر: فإِن البراء يقول اهتز السرير، فقال: إِنه كان بين هذين ٩٥ غزوة بني قريظة وهذا القول باطل يرده صريح الروايات التي ذكرها مسلم ((اهتز لموته عرش الرحمن)) وإنما قال هؤلاء هذا التأويل لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات التي ذكرها مسلم والله أعلم. انتهى. وقيل المراد باهتزاز العرش حملة العرش، الحيين ضغائن، سمعت النبي صَّ يقول: ((اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ، والحيان الأوس والخزرج))، فقال ذلك جابر إظهارًا للحق، واعترافًا بالفضل لأهله، فكأنه تعجب من البراء كيف قال ذلك مع أنه أوسي، ثم قال: أنا وإن كنت خزرجيًا، وكان بين الحيين ما كان، لا أمتنع من قول الحق، والعذر للبراء أنه لم يقصد تغطية سعد، وإِنما فهم ذلك، فجزم به. وقال الخطابي وغيره: لأَنه سمع شيئًا محتملاً، فحمل الحديث عليه، ولعله لم يسمع قوله عرش الرحمن، وعذر جابر أنه ظن أن البراء أراد الغض من سعد، فانتصر له وقد وقع لابن عمر؛ أنه قال: العرش لا يهتز لأحد، ثم رجع وجزم بأنه اهتز له عرش الرحمن، أخرجه ابن حبان انتھی ملخصًا من الفتح. (وهذا القول باطل يرده صحيح الروايات التي ذكرها) أي رواها، (مسلم) خصه لقوله الروايات بخلاف البخاري، ففيه رواية واحدة، (اهتز لموته) بدل من الروايات (عرش الرحمن،) فإِن إِضافته إليه تأبى أن المراد السرير، كما أفاده جابر، (وإنما قال هؤلاء: هذا التأويل لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات التي ذكرها مسلِم.) ألا ترى إِلى أنها لما بلغت ابن عمر، رجع عن قوله: لا يهتز لأحد، وقد قال الحاكم: الأحاديث المصرحة باهتزاز عرش الرحمن مخرجة في الصحيحين، وليس لمقابلها في الصحيح ذكر، (والله أعلم، انتهى) كلام النووي في شرح مسلم بحروفه، (وقيل: المراد باهتزاز العرش، اهتزاز حملة العرش،) فرحًا بقدوم روحه، لما رأوا من كرامته وعظم منزلته، نقله النووي في التهذيب عن العلماء، أي بعضهم بدليل كلامه في الشرح، ففيه مجاز الحذف. قال الحافظ: ويؤيده حديث الحاكم أن جبريل قال: من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها؟، وقيل هو علامة نصبها اللَّه لموت من يموت من أوليائه، ليعلم ملائكته بفضله. قال: ووقع عند الحاكم عن ابن عمر: اهتز العرش فرحًا بلقاء اللَّه، سعدًا حتى تفسخت أعواده على عواتقنا. قال ابن عمر: يعني عرش سعد الذي حمل عليه، وفيه عطاء بن السائب فيه مقال، لأَنه اختلط آخر عمره. ٩٦ غزوة بني قريظة وصحح الترمذي من حديث أنس قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون ما أخف جنازته، فقال النبي ◌ّله: إن الملائكة كانت تحمله. وعن البراء قال: أهديت للنبي عَ لّهِ حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها (و) يعارضه أنه (صحح الترمذي من حديث أنس قال: لما حملت) بالبناء للمفعول (جنازة سعد بن معاذ، قال المنافقون،) أي: بعضهم، وعند ابن إسحق من مرسل الحسن: كان سعد رجلاً بادنًا؛ فلما حمله الناس، وجدوا له خفة، فقال رجال من المنافقين: واللّه إِن كان لبادنا وما حملنا من جنازة أخف منه؛ (ما أخف جنازته) كأنهم قالوه استهزاء به، وأن خفته لخفة ميزانه بزعمهم الفاسد. (فقال النبي عَّه) ردًا عليهم: (إِن الملائكة كانت تحمله). وفي المرسل أن له حملة غيرکم، والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد، واهتز له العرش، وذكر ابن إِسلحق وغيره أنه لما احتمل على نعشه بكت أمه وقالت: ويل أم سعد سعدًا صرامة وحدًا وسوددًا ومجدًا وفارسًا معدًا سد به مسدًا فقال مِّم: ((كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ))، وفي رواية: لا تزيدي على هذا، وكان فيما علمت واللَّه حازمًا في أمر اللَّه قويًا في أمره كل النوائح تكذب إِلا أم سعد. وروى أنه قال لها: «ليرقأُ دمعك، ويذهب حزنك؛ فإِن ابنك يضحك اللَّه عز وجل له)). وروى البيهقي أنه عَّلُ حمل جنازة سعد بين العمودين، ومشى أمام جنازته، ثم صلى عليه، وجاءت أمه، ونظرت إليه في اللحد، وقالت: احتسبتك عند الله عز وجل، وعزاها مَّه وهو واقف على قدميه على القبر، فلما سوّى الترابٍ على قبره رش عليه الماء، ثم وقف ودعا، وأم سعد بن معاذ اسمها كبشة بنت رافع بن عبيد الأنصارية الخدرية. ذكر ابن سعد أنها أوّل من بايع النبي علّم من نساء الأنصار. (وعن البراء) بن عازب بن لحرث بن الخزرج بن عمرو بن ملكٍ بن الأَوس، الأَوسي الصحابي، ابن الصحابي، والخزرج المذكور في نسبه ليس هو مقابل الأوس، وإِنما سمى على اسمه، وظنه الخطابي إياه، فزعم أن البراء خزرجي، وهو خطأ فاحش نبه عليه الحافظ. (قال: أهديت للنبي عَّه.) قال الحافظ: الذي أهدى أكيدر دومة، كما في حديث أنس السابق في الهبة، (حلةٍ حرير،) وفي حديث أنس عند البخاري: جبة من سندس؛ فكأنها مركبة من ظهارة وبطانة، لأن مسمى الحلة ثوبان فلا خلف، وفي حديث أنس عند البزار برجال الصحيح، فلبسها رسول اللَّه عَ لّه وذلك قبل أن ينهي عن الحرير، (فجعل أصحابه يمسونها) بفتح ٩٧ غزوة بني قريظة ويعجبون من لينها، فقال ◌َ له: أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين. هذا لفظ رواية أبي نعيم في مستخرجه على مسلم. والمناديل: جمع منديل - بكسر الميم في المفرد - وهو معروف. التحتية والميم، (ويعجبون) بسكون العين (من لينها، فقال عَّه) لهم: (أتعجبون من لين هذه) الحلة؟، زاد البخاري في الهبة عن أنس: والذي نفس محمد بيده، (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين) بالواو، كما رواه الكشميهني، ولغيره بأو بالشك، وكما قال عَّ ذلك في حلة أكيدر، قاله أيضًا في ديباج أهداه له عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي الصحابي. روى الطبراني برجال ثقات عن عطارد بن حاجب، أنه أهدى إِلى النبي معَّ ثوب ديباج کساه إياه كسرى، فدخل أصحابه فقالوا: نزل عليك من السماء، فقال: وما تعجبون من ذا لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا، ثم قال: يا غلام اذهب به إلى أبي جهم بن حذيفة، وقل له يبعث إِليَّ بالخميصة. قال العيني: وتخصيص سعد به، قيل: لأنه كان يعجبه ذلك الجنس من الثياب، أو لأَن اللامسين المتعجبين من الأنصار، فقال: مناديل سيدكم خير منها انتهى. ومقتضى وجود المناديل في الجنة؛ أنهم إذا أكلوا شيئًا احتاجوا للمنديل لمسح ما تعلق بأيديهم وأفواههم، ولا يلزم أنه كوسخ الدنيا، بل جعل ذلك إكرامًا لهم حيث وجدوا في الجنة نظير ما ألفوه في الدنيا كذا قرره شيخنا حافظ العصر البابلي رحمه اللَّه، (هذا لفظ أبي نعيم في مستخرجه على) صحيح (مسلم،) وجه عزوه له مع أن الحديث في الصحيحين البخاري في المناقب، ومسلم في الفضائل زيادة قوله في الجنة، وقد زادها البخاري في كتاب الهبة لكن من حديث أنس، وزاد في رواية البزار عنه: ثم أهداها إلى عمر، فقال: يا رسول اللَّه أتكرهها وألبسها؟، فقال: ((يا عمر إنما أرسلت بها إليك لتبعث بها وجهًا، فتصيب بها مالاً))، وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، ويعارضه ما رواه مسلم عن علي؛ أن أكيدر دومة أهدى للنبي عَِّ ثوب حرير، فأعطاه عليًا، فقال: (شققه خمرًا بين الفواطم))، وفسرن في رواية غيره بفاطمة زوجه، وفاطمة أمه، وفاطمة بنت حمزة. (والمناديل جمع منديل بكسر الميم في المفرد،) زاد القاموس وفتحها، وكمنبر الذي یتمسح به، (وهو معروف). قال ابن الأعرابي وغيره :. مشتق من الندل النقل، لأنه ينتقل من واحد إِلى واحد، وقيل: من الندل الوسخ، لأنه يندل به. قال ابن الأنباري وغيره: مذکر. ٩٨ غزوة بني قريظة قال العلماء: وهذا إشارة إلى عظم منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه، لأن المنديل أدنى الثياب، لأنه معد للوسخ والامتهان، فغيره أفضل. انتھی. وأخرج ابن سعد وأبو نعيم، من طريق محمد بن المنكدر عن محمد بن شرحبيل ابن حسنة قال: (قال العلماء: وهذا) الحديث (إشارة إلى عظم منزلة سعد في الجنة؛ وأن) بفتح الهمزة عطفًا على المجرور (أدنى) أقل (ثيابه فيها خير من هذه) الحلة؛ (لأن المنديل أدنى الثياب؛ لأنه معد للوسخ والامتهان) فيمسح بهِ الأيدي، وينغض به الغبار عن البدن، ويغطي به ما يهدى ويتخذ لفافًا للثياب، (فغيره أفضل) لأن سبيله سبيل الخادم، وسائر الثياب سبيل المخدوم، فإِذا كان أدناها أفضل من حلة الملوك، فما ظنك بأعلاها. (وأخرج ابن سعد، وأبو نعيم من طريق محمد بن المنكدر) بن عبد اللَّه التيمي المدني، الفاضل الثقة، المتوفى سنة ثلاثين ومائة، أو بعدها، (عن محمد بن شرحبيل) بضم أوله، وفتح الراء وسكون المهملة. قال في الإصابة، في القسم الرابع، فيمن ذكر في الصحابة غلطا محمد بن شرحبيل من بني عبد الدار، ذكره ابن منده، وقال: أورده البخاري في الوحدان، ولا يعرف له صحبة، إنما روايته عن أبي هريرة. ثم روى ابن منده عن ابن المنكدر، عنه قال: أخذت قبضة من تراب قبر سعد بن معاذ، فوجدت منه ريح المسك. وقال أبو نعيم: هو محمود بن شرحبيل، قلت: ليس فيه إنه صحابي، لأَن شم تراب القبر يتأتى لمن تراخى زمانه بعد الصحابة، ومن بعدهم. وفي التابعين محمد بن ثابت بن شرحبيل من بني عبد الدار، فلعله هذا نسب لجده انتھی. وفي تقريبه محمد بن ثابت، ويقال ابن عبد الرحمن بن شرحبيل العبدري، أبو مصعب الحجازي، وقد ینسب إِلی جده مقبول. روى له البخاري في الأدب المفرد، وقوله (ابن حسنة) لا يصح؛ لأنها أم الصحابي الجليل شرحبيل ابن عبد الله بن المطاع الكندي، التي ربته كما في التقريب، وليس أبا لمحمد هذا؛ لأنه عبدري وشرحبیل کندي، والحديث مرسل، لأنه تابعي، فلم یشهد ما حدث به، حيث (قال: ٩٩ غزوة بني قريظة قبض إنسان يومئذٍ بيده من تراب قبره قبضة فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك، فقال رسول الله عَظ له: سبحان الله، سبحان الله، حتى عرف ذلك في وجهه، فقال: الحمد لله، لو كان أحد ناجيًا من ضمة القبر لنجا منها سعد، ضم ضمة ثم فرج الله عنه. قبض إِنسان يومئذ،) أي: يوم موت سعد، (بيده من تراب قبره قبضة فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك، فإِذا هي مسك، فقال رسول اللَّه عَّل: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه) مرتين، تعجبًا من کون تراب قبره صار مسكًا، وكونه ضمه (حتى عرف ذلك) التعجب المدلول عليه بالتسبيح (في وجهه) الشريف، (فقال: الحمد لله،) شكرًا له على تفريجه عن سعد، (لو كان أحد ناجيًا من ضمة القبر) من الأمم، صالحهم وطالحهم، إلا الأنبياءٍ لكونهم خصوا بأنهم لا يضغطون كما في الأنموذج، ولا ترد فاطمة أم علي رضي الله عنهما؛ لأن نجاتها لسبب اضطجاعه عَ له في قبرها، ولا قارىء الإِخلاص في مرض موته؛ لأن نجاته لسبب هو القراءة، والمنفي أنه لم ينج أحد منها بلا سبب، أو هي خصوصيات لا تنقض الأمور الكلية (لنجا منها سعد) لكن لم ينج أحد، فلم ينج سعد (ضم ضمة، ثم فرج اللَّه عنه). قال الحكيم الترمذي: سبب هذه الضمة أنه ما من أحد إِلاَّ وقد ألم بخطيئة ما، وإِن كان صالحًا، فجعلت هذه الضغطة جزاء له، ثم تدركه الرحمة، ولذا ضغط سعد للتقصير في البول، فأما الأنبياء فلا ضم ولا سؤال لعصمتهم انتهى. وهذا الحديث المرسل له شاهد. قال ابن إسحق: حدثني معاذ ابن رفاعة، عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر قال: لما دفن سعد، ونحن مع رسول اللَّه عَلَه سبح عَله، فسبح الناس معه، ثم كبر، فكبر الناس معه، فقالوا: يا رسول اللَّه ممّ سبحت، فقال: ((لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه))، ولم يقولوا لم كبرت، لأَن الذي يقال عند التعجب إنما هو التسبيح، فسألوا عن سببه. 2: (إن للقبر لضمة، لو كان أحد قال ابن هشام: ومجاز هذا الحديث قول عائشة، قال عُ منها ناجیًا لکان سعد بن معاذ». وفي رواية يونس الشيباني، عن ابن إسحق حدثني أمية بن عبد اللَّه قال: قلت لبعض أهل سعد: ما بلغكم في هذا؟، فقال: ذكر لنا أنه عَّه سئل عن ذلك، فقال: ((كان يقصر في بعض الطهور من البول بعض التقصير))، ومعلوم أن تقصيره لم يكن على وجه يؤدي إلى فساد عبادته، ولكنه مخالف للأولى، كترك الجمع بين الحجر والماء في الاستنجاء، فضمه القبر ليعظم ثوابه ١٠٠ غزوة بني قريظة وأخرج ابن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: كنت ممن حفر لسعد قبره، فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا. قال الحافظ مغلطاي وغيره: وفي هذه السنة فرض الحج. وقيل: سنة ست وصححه غير واحد، وهو قول الجمهور. وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان ورجحه جماعة من العلماء. ولتنبيه غيره حيث أخبرهم الصادق بسبب الضمة، فيحترزون عن خلاف الأولى وإِن جاز. وقد روى الحافظ أبو سعيد بن الأعرابي في معجمه، والبيهقي وابن منده؛ أن عائشة قالت: يا رسول الله ما انتفعت بشىء منذ سمعتك تذكر ضغطة القبر، وصوت منكر ونكير، فقال: ((يا عائشة، إِن ضغطة القبر، أو قال: ضمة القبر، على المؤمن كضم الأم الشفيقة يديها على رأس ابنها، يشكو إليها الصداع فتغمز رأسه غمزًا رفيقًا، وصوت منكر ونكير، کالكحل في العين، ولكن يا عائشة («ويل للشاكين في اللَّه، أولئك الذين يضغطون في قبورهم ضغطة البيض على الصخر)). وزعم أن المراد بالمؤمن الذي هذا شأنه من لم يحصل منه تقصير، فلا ينافي ما تقدم عن سعد لا يصح، فإنه لم يتقدم عنه شىء ينافي هذا الحدیث، حتى ينفي، وقد یکون مراد المصطفى أن هذا العبد الصالح الذي شهده سبعون ألف ملك، واهتز له عرش الرحمن، لا يضمه القبر أسًا، ولا كضم الأم ابنها إكرامًا له، وإن كان يقصر بعض التقصير في البول، فذلك مغفور في جنب بعض حسناته التي منها حكمه في مواليه بحكم اللَّه، فتعجب من ضمه، وهذا هو الظاهر من كلام الروض؛ فإنه قال: وأما ضغطه في قبره، فروى عن عائشة، فذكر الحديث، وعزاه لمعجم بن الأعرابي کما ذکرته. (وأخرج ابن سعد) محمد الحافظ (عن أبي سعيد) سعد بن ملك، (الخدري) الصحابي، ابن الصحابي، (قال: كنت ممن حفر لسعد قبره، فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا،) وكفى بهذا منقبة عظيمة، وهذا أيضًا شاهد لما قبله. (قال الحافظ مغلطاي وغيره: وفي هذه السنة) سنة خمس (فرض الحج،) فقد وقع في حديث ضمام ذكر الأمر بالحج، وقدومه سنة خمس، كما ذكره الواقدي، فيدل على فرضه فيها أو تقدمه، (وقيل: سنة ست، وصححه غير واحد من الجمهور،) لأنه نزل فيها قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، بناء على أن المراد بالإتمام الفرض لقراءة علقمة ومسروق والنخعي وأقيموا، رواه الطبراني بأسانيد صحيحة عنهم، أما على أن المراد الإكمال بعد الشروع فلا، (وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، ورجحه جماعة من العلماء) لبعثه عَ لِ عتاب بن أسيد