Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
غزوة ذات الرقاع
[غزوة ذات الرقاع]
واختلف فيها متى كانت:
فعند ابن إسحق: بعد بني النضير سنة أربع، في شهر ربيع الآخر، وبعض
جمادى.
....
وعند ابن سعد وابن حبان: في المحرم سنة خمس. وجزم أبو معشر:
فقول البيضاوي: فأنزل الله: ﴿سبح للَّه﴾ الآية، إِلى قوله: ﴿واللَّه على كل شىء قدير﴾
الآية، لعل المراد منه نزول هذا القدر في أخبار خروجهم حتى جلوا، وبقيتها فيما ترتب عليه من
قسم الأموال، ومدح الأنصار، وذم المنافقين وغير ذلك فهي كلها فيهم.
وفي البخاري عن سعيد بن جبير قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال: قل: سورة النضير.
قال الداودي، كأنه كره تسميتها بذلك لئلا يظن أنه يوم القيامة، أو الإِجماله فكره النسبة
إِلى غير معلوم؛ كذا قال.
وعند ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الحشر في بني النضير،
وذكر اللَّه فيها الذي أصابهم من النقمة ذكره في الفتح، واللَّه أعلم.
غزوة ذات الرقاع
بكسر الراء بعدها قاف فألف فعين مهملة جمع رقعة بضمها، وهي غزوة محارب، وغزوة
بني ثعلبة، وغزوة بني أنمار، وغزوة صلاة الخوف لوقوعها فيها، وغزوة الأعاجيب لما وقع فيها
من الأمور العجيبة. وقول البخاري: وهي غزوة محارب بن حصفة من بني ثعلبة بن غطفان، وهم
لاقتضائه أن ثعلبة جد لمحارب وليس كذلك، فصوابه كما عند ابن إِسحق وغيره وبني ثعلبة بواو
العطف، فإِن غطفان هو ابن سعد بن قيس عيلان، ومحارب بن خصفة بن قيس عيلان فمحارب
وغطفان ابنا عم، فكيف يكون الأعلى منسوبًا إِلى الأدنى، وقد ذكر في الباب حديث جابر
بلفظ: محارب وثعلبة بواو العطف على الصواب، وفي قوله ابن غطفان بموحدة ونون نظر أيضًا،
والأولى ما وقع عند ابن إسحق وبني ثعلبة من غطفان بميم ونون، فإِنه ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن
بغيض بن ريث بن غطفان، على أن لقوله ابن غطفان وجها بأن يكون نسبه إلى جده الأعلى قاله
الحافظ، وكذا نبه على ذلك أبو علي الجيالي في أوهام الصحيح.
(واختلف فيها متى كانت) وفي سبب تسميتها بذلك.
(فعند ابن إسحق) كانت (بعد بني النضير سنة أربع في شهر ربيع الآخر وبعض جمادى)
لفظ ابن إسحق، ثم أقام عَّم بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى.
(وعند ابن سعد وابن حبان،) أنها كانت (في المحرم سنة خمس، وجزم أبو معشر)

٥٢٢
غزوة ذات الرقاع
بأنها بعد بني قريظة في ذي القعدة سنة خمس، فتكون ذات الرقاع في آخر السنة
الخامسة وأوّل التي تليها.
قال في فتح الباري: قد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واستدل
لذلك بأمور، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر، فلا أدري: هل تعمد ذلك تسليمًا
لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة الى
احتمال أن تكون ذات الرقاع اسمًا لغزوتين مختلفتين كما أشار إليها البيهقي. على
أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمنها. انتهى.
والذي جزم به ابن عقبة تقدمها، لكن تردد في وقتها فقال: لا ندري كانت
قبل بدر أو بعدها؟ أو قبل أحد أو بعدها؟
قال الحافظ ابن حجر: وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به
نجيح بن عبد الرحمن السندي (بأنها بعد بني قريظة).
قال الحافظ، وهو موافق لصنيع البخاري وقريظة: كانت (في ذي القعدة،) أي: لسبع
بقين منها كما يأتي (في سنة خمس،) فليس قوله في ذي القعدة من مقول أبي معشر، كما
أوهمه المصنف فيعرب حالاً من بني قريظة بدليل قوله: (فتكون ذات الرقاع في آخر السنة
الخامسة، وأوّل التي تليها،) لأن الانصراف من قريظة كان في أواخر الحجة.
(قال في فتِحِ الباري: قد جنح) مال (البخاري إِلى أنها كانت بعد خيبر) صريحًا، فقال:
وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، أي وخيبر كانت في المحرم سنة سبع، (واستدل
لذلك بأمور، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر) عقب بني قريظة، (فلا أدري هل تعمد ذلك تسليمًا
لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إِشارة إِلى احتمال أن تكون
ذات الرقاع اسمًا لغزوتين مختلفتين) واحدة بعد خيبر، وأخرى قبلها، (كما أشار إليه البيهقي،
على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمنها).
فعند ابن إسحق أنها سنة أربع.
وعند ابن سعد وابن حبان سنة خمس .. الخ ما مر كما في الفتح، وأسقطه المصنف
لكونه قدمه (انتهى) كلام الفتح، والذي بعده له أيضًا، فلو أسقط انتهى هذه واكتفى بالآتية.
(والذي جزم به ابن عقبة تقدمها لكن تردد في وقتها، فقال: لا ندري أکانت قبل بدر)
الكبرى، كما هو المراد عند الإطلاق، وفي كلام مغلطاي أنها بعد بدر الصغرى، لكن لم ينقله
عن ابن عقبة (أو بعدها، أو قبل أحد، أو بعدها).

٥٢٣
غزوة ذات الرقاع
أنها بعد غزوة بني قريظة، لأن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت،
وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع. فدل على تأخرها بعد
الخندق.
ثم قال عند قول البخاري: ((وهي بعد خيبر)) لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، وإذا
كان كذلك وثبت أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع لزم أنها کانت بعد خییر.
قال: وعجبت من ابن سيد الناس كيف قال: جعل البخاري حديث أبي
موسى هذا حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر. قال: وليس في حديث
(قال الحافظ ابن حجر) في الفتح: (وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به
أنها بعد غزوة بني قريظة) كما صنع البخاري، وبه جزم أبو معشر.
قال مغلطاي: وهو من المعتمدين في السير، وقوله موافق لما ذكره أبو موسى، (لأن صلاة
الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت، وقد ثبت) في الصحيح عن جابر وغيره (وقوع
صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، فدل على تأخرها بعد الخندق).
وروى أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع
النبي عَّهِ بعسفان فصلى بنا الظهر وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا
منهم غفلة، ثم قالوا: إِن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت صلاة
الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا العصر الحديث، وهو ظاهر في أن صلاة الخوف بعسفان
غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وإِذا تقرر أن أوّل ما صليت صلاة الخوف بعسفان، وكانت في
عمرة الحديبية وهي بعد الخندق وقريظة تعين تأخرها عنهما وعن الحديبية أيضًا، فيقوى القول
بأنها بعد خيبر، لأن خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية قاله في الفتح.
(ثم قال) الحافظ ابن حجر (عند قول البخاري: وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى) الأشعري
(جاء بعد خيبر) من الحبشة سنة سبع، هكذا استدل به وقد ساق حديث أبي موسى بعد قليل،
وهو استدلال صحيح وسيأتي أن أبا موسى إنما قدم من الحبشة بعد فتح خيبر في باب غزوتها
ففيه في حديث طويل.
قال أبو موسى: فوافينا النبي عَّةٍ حين افتتح خيبر (وإذا كان كذلك، وثبت أن أبا موسى
شهد غزوة ذات الرقاع، لزم أنها كانت بعد خيبر، قال: وعجبت من) شيخ شيوخنا (ابن سيد
الناس كيف قال، جعل البخاري حديث أبي موسى هذا حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة

٥٢٤
غزوة ذات الرقاع
أبي موسى ما يدل على شىء من ذلك، انتهى كلام ابن سيد الناس.
قال: وهذا النفي مردود، والدلالة على ذلك واضحة كما قررته.
قال: وأما الدمياطي: فادعى غلط الحديث الصحيح، وأن جميع أهل السير
على خلافه. وقد تقدم أنهم مختلفون في زمانها. فالأولى الاعتماد على ما ثبت
في الصحيح.
وأما قول الغزالي: إنها آخر الغزوات. فهو غلط واضح، وقد بالغ ابن الصلاح
في إنكاره.
عن خيبر، قال: وليس في حديث أبي موسى ما يدل على شىء من ذلك انتهى كلام ابن سيد
الناس).
(قال) الحافظ: (وهذا النفي مردود والدلالة من ذلك واضحة، كما قررته) بقوله: وإِذا
کان کذلك وثبت الخ.
(قال) ابن حجر: (وأما) شيخه (الدمياطي) مر مرارًا أنه بكسر الدال المهملة، وبعضهم
أعجمها، (فادعى غلط الحديث الصحيح)، يعني حديث أبي موسى، (وأن جميع أهل السير على
خلافه، وقد تقدم أنهم مختلفون في زمانها، فالأولى الاعتماد على ما ثبت في الصحيح).
وقد ازداد قوّة بحديث أبي هريرة، وبحديث ابن عمر. فإِن أبا هريرة في ذلك نظير أبي
موسى، لأنه إنما جاء والنبي عَّه بخيبر فأسلم، وقد ذكر في حديثه أنه صلى معه صلاة الخوف
في غزوة نجد، وكذلك ابن عمر ذكر أنه صلى مع النبي عَّ له صلاة الخوف بنجد، وقد تقدم أن
أول مشاهده الخندق؛ فتكون ذات الرقاع بعد الخندق، وقد قيل: الغزوة التي شهدها أبو موسى،
وسميت ذات الرقاع غير غزوة ذات الرقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف، لأن أبا موسى قال:
إنهم كانوا ستة أنفس، والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف كان المسلمون فيها أضعاف
ذلك، والجواب عن ذلك أن العدد الذي ذكره أبو موسى محمول على من كان مرافقًا له ولم
يرد جميع من كان مع النبي عَّه قاله في الفتح.
ثم قال فيه: بعد أوراق في شرح حديث جابر لا عند قول البخاري وهي بعد خيبر كما
أوهمه المصنف ما نصه.
(وأما قول الغزالي: إِنها،) أي: غزوة ذات الرقاع، (آخر الغزوات فهو غلط واضح، وقد
بالغ ابن الصلاح في إنكاره) على الغزالي ذلك القول.

٥٢٥
غزوة ذات الرقاع
وقال بعض من انتصر للغزالى: لعله أراد آخر غزوة صليت فيها صلاة
الخوف.
وهو انتصار مردود، بما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان من
حديث أبي بكرة: أنه صلى مع النبي عَّهِ صلاة الخوف. وإنما أسلم أبو بكرة بعد
غزوة الطائف بالاتفاق. انتهى.
وأما تسميتها بذات الرقاع:
فلأنهم رقعوا فيها راياتهم، قاله ابن هشام.
وقيل: لشجرة في ذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع.
وقيل: الأرض التي نزلوا بها فيها بقع سود وبقع بيض، كأنها مرقعة برقاع
مختلفة، فسميت ذات الرقاع لذلك.
وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض. قاله ابن حبان.
(وقال بعض من انتصر للغزالي: لعله أراد آخر غزوة صليت فيها صلاة الخوف وهو
انتصار مردود بما أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان من حديث أبي بكرة) نفيع بن
الحرث (أنه صلى مع النبي عَّ صلاة الخوف، وإنما أسلم أبو بكرة بعد) لفظ الفتح في (غزوة
الطائف بالاتفاق،) وذلك بعد غزوة ذات الرقاع قطعًا، هذا أسقطه من كلام الفتح، أي: فيلزم من
صلاة أبي بكر صلاة الخوف مع النبي عَّه أن لا تكون ذات الرقاع آخر صلاة الخوف. قال،
أعني الحافظ: وإنما ذكرت هذا استطرادًا لتكميل الفائدة، (انتهى) كلام الحافظ.
(وأما تسميتها بذات الرقاع، فلأنهم وقعوا) بالتخفيف، ويشدد مبالغة على مفاد اللغة، أي:
جعلوا مكان القطع رقعة ويجمع على رقاع كبرمة وبرام، (فيها راياتهم، قاله) عبد الملك (بن
هشام).
قال أيضًا: (وقيل لشجرة في ذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع،) قيل: لأن هذه
الشجرة كانت العرب تعبدها، وكل من كان له حاجة منهم يربط فيها خرقة؛ كذا بهامش وهو
غریب.
وقال غير ابن هشام: (وقيل الأرض التي نزلوا بها فيها بقع سود وبقع بيض كأنها مرقعة
برقاع مختلفة، فسميت) الغزوة (ذات الرقاع لذلك) وصححه صاحب تهذيب المطالع، (وقيل:
لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبان) وأبو حاتم البستي.

٥٢٦
غزوة ذات الرقاع
وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع. قال الحافظ ابن حجر: وهذا
لعله مستند ابن حبان، ویکون قد تصحف عليه بخیل.
قال: وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها،
فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها.
قال السهيلي: وأصح من هذه الأقوال كلها، ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى
الأشعري قال: خرجنا مع رسول الله عَّ في غزوة ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه،
(وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع).
(قال الحافظ ابن حجر: وهذا،) أي: قول الواقدي، (لعله مستند ابن حبان، ویکون قد
تصحف عليه) جبل بجيم وموحدة،، الواقع عند الواقدي (بخيل) بخاء معجمة وتحتية.
(قال: وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت
بذلك لترقيع الصلاة فيها،) لأنهم لما فعلوا بعضها منفردين عن المصطفى أشبه ذلك إصلاح
خلل الثوب برقعة فكأنه جعل انفراد الفرقة الأولى بمنزلة رقعة، وقيام الثانية وإِتمامها في جلوسه
بمنزلة رقعة أخرى.
قال في الفتح: وبهذا الخلاف استدل على تعدد ذات الرقاع، فإنهم اتفقوا في تسميتها
على غير السبب الذي ذكره أبو موسى، لكن ليس ذلك مانعًا من اتحاد الوقعة ولازمًا للتعدد، وقد
رجح السهيلي السبب الذي ذكره أبو موسى، وكذا النووي، ثم قال: ويحتمل أن تكون سميت
بالمجموع.
(قال السهيلي) في الروض بعد ذكر الأقوال الثلاثة الأول: (وأصح من هذه الأقوال كلها
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري. قال: خرجنا مع
رسول اللّه عَّ في غزوة،) وفي رواية: في غزاة، (ونحن ستة نفر).
قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم وأظنهم من الأشعريين. (بيننا بعير نعتقبه،) أي: نركبه
عقبة، وهو أن يركب هذا قليلاً، ثم ينزل فيركب الآخر بالنوبة حتى يأتي على سائرهم، وفيه
جواز مثل هذا إِذا لم يضر المركوب. هذا ما قاله النووي والحافظ والمصنف وغيرهم من شراح
الحديث، فعلى من زعم أن المراد بين كل ستة منا بعير، لا أن الجميع كانوا ستة، بيان الرواية
التي صرحت بأن الجميع فعلوا فعل أبي موسى ورفقته وأنى بها، وإنما أراد أبو موسى كما مر عن
الحافظ من كان مرافقًا مزاملاً له لا جميع الجيش، فإِن إِخباره عن نفسه ورفقته لا يستلزم أن

٥٢٧
غزوة ذات الرقاع
فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق،
فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا.
وكان من خبر هذه الغزوة، كما قاله ابن إسحق: أنه معَِّ غزا نجدًا يريد
بني محارب وبني ثعلبة - بالمثلثة - من غطفان - بفتح الغين المعجمة والمهملة -
لأنه عليه الصلاة والسلام بلغه أنهم جمعوا المجموع. فخرج في
الجيش كله كذلك. (فنقبت) قال الحافظ: بفتح النون وكسر القاف بعدها موحدة، أي: رقت،
(أقدامنا) يقال: نقب البعير، إِذا رق خفه انتهى.
وقال النووي: أي: قرحت من الخفاء، وجمع بينهما المصنف، فقال: أي رقت وتقرحت
وقطعت الأرض جلودها من الحفاء، (ونقبت قدماي) عطف خاص على عام ليعطف عليه قوله،
(وسقطت أظفاري) لذلك (فكنا نلف) بضم اللام (على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع
لماء) أي: لأجل ما، (كنا نعصب).
قال الحافظ: بفتح أوله وكسر الصاد المهملة، زاد المصنف ولأبي ذر: نعصب، بضم
النون وفتح العين وتشديد الصاد، (من الخرق على أرجلنا) وبقية خبر الصحيح هذا، وحدث
أبو موسى بهذا، ثم كره ذلك قال: ما كنت أصنع بأن أذكره كأنه كره أن يكون شىء من عمله
أفشاه. (وكان من خبر هذه الغزوة كما قاله ابن إِسحق أنه عَِّ غزا،) أي: قصد (نجدًا، يريد
بني محارب،) بضم الميم وحاء مهملة وموحدة، ابن خصفة بفتح المعجمة والصاد المهملة
والفاء،، ابن قيس عيلان، (وبني ثعلبة بالمثلثة) وعين مهملة (من غطفان،) لأن ثعلبة بن سعد بن
ذبيان بن بغيض بفتح الموحدة وكسر المعجمة وإِسكان التحتية فضاد معجمة، ابن ريث بفتح
الراء وسكون التحتية ومثلثة،، ابن غطفان (بفتح الغين المعجمة و) الظاء (المهملة) والفاء ابن
سعد بن قيس عيلان بفتح العين المهملة وسكون التحتية، فمحارب وغطفان ابنا عم، وهذا هو
الصواب الثابت في الصحيح وغيره عن جابر.
ووقع في ترجمة البخاري وهم مر التنبيه عليه.
قال في الفتح جمهور أهل المغازي: على أن غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب.
وعند الواقدي: أنهما اثنتان، وتبعه القطب الحلبي في شرح السيرة، والله أعلم بالصواب،
انتهى؛ (لأنه عليه الصلاة والسلام،) تعليل أي سبب لغزوهم، (بلغه أنهم جمعوا الجموع).
قال ابن سعد قالوا: قدم قادم المدينة بجلب له، فأخبر الصحابة أن أنمارًا وثعلبة قد جمعوا
إليهم الجموع (فخرج) ليلة السبت لعشر خلون من المحرم على قول ابن سعد ومن وافقه (في

٥٢٨
غزوة ذات الرقاع
أربعمائة من أصحابه - وقيل: سبعمائة - واستعمل على المدينة عثمن بن عفان، وقيل
أبا ذر الغفاري. حتى نزل نخلاً - بالخاء المعجمة - موضع من نجد من أراضي
غطفان.
قال ابن سعد: فلم يجد في مجالسهم إلا نسوة فأخذهن.
وقال ابن إسحق: فلقي جمعًا منهم فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب،
وقد أخاف الناس بعضهم بعضًا، حتى صلى رسول الله عَّه بالناس صلاة الخوف،
ثم انصرف الناس.
أربعمائة من أصحابه، وقيل: سبعمائة) قاله ابن سعد، وقيل: ثمانمائة كما في السبل، (واستعمل
على المدينة عثمن بن عفان) ذا النورين أمير المؤمنين، (رضي الله عنه) فيما قال الواقدي
وابن سعد وابن هشام، (وقيل: أبا ذر الغفاري) قاله ابن إسحق، وتعقبه ابن عبد البر؛ بأنه خلاف ما
عليه الأكثر وبأَن أبا ذر لما أسلم بمكة رجع إلى بلاده، فلم يجىء إلا بعد الخندق انتهى.
وعلى مختار البخاري أنها بعد خيبر وأبي معشر أنها بعد قريظة لا تعقب، وسار عَّهِ إِلى
أن وصل إلى وادي الشقرة بضم الشين المعجمة وسكون القاف، فأقام فيها يومًا وبت السرايا،
فرجعوا إِليه من الليل وخبروه أنهم لم يروا أحدًا، فسار (حتى نزل نخلاً بالخاء المعجمة،
موضع من نجد من أراضي غطفان).
وفي الفتح هو مكان من المدينة على يومين وهو بواد يقال له: شدخ بشين معجمة بعدها
مهملة ساكنة ثم خاء معجمة، وبذلك الوادي طوائف من قيس من بني فزارة، وإنما ذكره أبي
عبيد البكري انتهى. وادعى البكري أنه غير مصروف.
قال الدماميني: فإِن أراد تحتمه فليس كذلك ضرورة أنه ثلاثي ساكن، وغفل من قال:
المراد نخل المدينة.
(قال ابن سعد: فلم يجد في مجالسهم إِلاَّ نسوة فأخذهن،) وفيهن جارية وضيئة وهربوا
في رؤوس الجبال.
(وقال ابن إسحق: فلقي جمعًا منهم) والجمع بينهما واضح، بأن يكون لقي الجمع في
غير مجالسهم، (فتقارب الناس) دنا بعضهم من بعض، (ولم يكن بينهم حرب وقد أخاف الناس)
بالألف، وفي نسخة بدونها وكلاهما صحيح، (بعضهم) بدل من الناس (بعضًا) مفعوله، أي: أوقع
بعض الناس في قلوب بعضهم الرعب، (حتى صلى رسول اللَّه عَ لّ- بالناس صلاة الخوف،)
وكان ذلك في صلاة العصر؛ كما رواه البيهقي عن جابر، (ثم انصرف الناس).

٥٢٩
غزوة ذات الرقاع
قال ابن سعد: وكان ذلك أوّل ما صلاها.
وقد رويت صلاة الخوف من طرق كثيرة ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام
صِلَىاللّه
على ما تيسر منها في مقصد عباداته علي
وكانت غيبته عَّهِ في هذه الغزوة خمس عشرة ليلة.
وفي البخاري عن جابر قال: كنا مع النبي عَّ بذات الرقاع، فإذا أتينا على
شجرة ظليلة تركناها للنبي عَّة، فجاء رجل من المشركين وسيف النبي عَّه معلق
بالشجرة فاخترطه - يعني سله من غمده - فقال تخافني قال: لا، قال: فمن يمنعك
مني؟ قال: الله.
(قال ابن سعد: وكان ذلك أوَّل ما صلاها) بناء على قوله، أعني ابن سعد، أن هذه الغزوة
سنة خمس، أما على أنه صلاها بعسفان، وأنها أوَّل صلاته كما رواه أحمد وأصحاب السنن كما
مر، فتكون هي أوَّل ويكون نزول جبريل في الأولى معلمًا والثانية مذكرًا.
(وقد رويت صلاة الخوف من طرق كثيرة، ويأتي إِن شاء اللَّه تعالى الكلام على
ما تيسر منها في مقصد عباداته عَّة) وهو التاسع (وكانت غيبته عَّ في هذه الغزوة خمس
عشرة ليلة) قاله ابن سعد. قال: وبعث جعال بن سراقة بشيرًا بسلامته وسلامة المسلمين.
(وفي البخاري) تعليقًا ووصله مسلم، فلو عزاه المصنف لهما كان أولى (عن جابر قال:
كنا مع النبي عَّهِ بذات الرقاع، فإِذا أتيناء) ظرفية لا شرطية، أي: ففي وقت إتياننا، (على
شجرة ظليلة) ذات ظل، وفي نسخة: إِذ وهي ظاهرة، لكنها ليست في البخاري (تركناها
للنبي عَّه) لينزل تحتها فيستظل بها.
وفي البخاري أيضًا قبل هذا بلصقه مسندًا عن جابر؛ أنه غزا مع رسول اللّه عَ لِ قبل نجد،
فلما قفل قفل معه فأدركتهم القافلة في واد كثير العضاه، فنزل النبي عَّة، وتفرق الناس يستظلون
بالشجر، ونزل عَ لِ تحت شجرة فعلق بها سيفه.
قال جابر: فنمنا نومة، (فجاء رجل من المشركين وسيف النبي عَّة معلق بالشجرة،) وهو
نائم، (فاخترطه، يعني سله من غمده، فقال) له (تخافني، قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال:
اللَّه) يمنعني منك؛ وبقية هذا الحديث، فتهدده أصحاب النبي عَّهِ، وأقيمت الصلاة فصلى
بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي عَّه أربع، وللقوم
ركعتان، وبقية الحديث الآخر الذي سقت أوله فنمنا نومة، فإِذا رسول اللَّه عَّه يدعونا فجئناه،
فإِذا عنده أعرابي جالس، فقال عَّهِ: ((إن هذا الأعرابي اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في

٥٣٠
غزوة ذات الرقاع
وعند أبي عوانة: فسقط السيف من يده فأخذه عليه الصلاة والسلام فقال:
من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ. قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟
قال الأعرابي: أعاهدك أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. قال: فخلى
سبيله. فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس.
وفي رواية عند البخاري: ولم يعاقبه.
وإنما لم يؤاخذه عليه الصلاة والسلام بما صنع، وعفا عنه، لشدة رغبته عليه
الصلاة والسلام في استئلاف الكفار.
وفي رواية أبي اليمان عند البخاري- في الجهاد - قال: من يمنعك مني
ثلاث مرات. وهو استفهام
يده صلتًا، فقال لي: من يمنعك مني، قلت: اللَّه، فها هو ذا جالس)، ثم لم يعاقبه النبي عَنّه.
قال الحافظ: وظاهر قوله فتهدده يشعر بأنهم حضروا القصة، وأنه إنما رجع عما كان عزم
عليه بالتهديد، وليس كذلك، بل في رواية البخاري في الجهاد بعد قوله قلت: اللّه فشام السيف،
أي بفاء وشين معجمة، أي: أغمده وهي من الأضداد شامه استله وأغمده، قاله الخطابي وغيره.
وكأَن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنه حيل بينه وبينه تحقق صدقه، وعلم أنه
لا يصل إليه فألقى السلاح وأمكن من نفسه.
(وعند أبي عوانة) في حديث جابر: (فسقط السيف من يده،) وكأنه لما شامه سقط من
يده زيادة في المعجزة، (فأخذه عليه الصلاة والسلام، فقال: من يمنعك مني، قال: كن خير
آخذ،) بالمد، (قال: تشهد أن لا إِله إِلا اللَّه وأني رسول اللَّة. قال الأعرابي: أعاهدك أن لا
أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك،) أجابه بغير ما سأله، فلم يثبت؛ لأنه لم يهتد حينئذ، ولم
ينف كراهة لمواجهته بعد هذه الآية الباهرة والحلم الذي لا يباري بخلاف ما أمره، ونسخة، بل
لا أعاهدك يأباها الطبع. (قال: فخلى سبيله، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس).
(وفي رواية عند البخاري ولم يعاقبه،) فيجمع مع قوله في رواية ابن إسحق، قم فاذهب
لشأنك؛ بأن قوله فاذهب كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته فمن عليه قاله الحافظ. قال: (وإِنما
لم يؤاخذه عليه الصلاة والسلام بما صنع وعفا عنه لشدة رغبته عليه الصلاة والسلام في
استئلاف الكفار).
(وفي رواية أبي اليمان) الحکم ابن نافع، شيخ البخاري، أخبرنا شعيب عن الزهري،
فذكر الحديث. (عند البخاري في الجهاد) في باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند
القائلة، (قال: من يمنعك مني ثلاث مرات، وهو) كما في الفتح هنا في المغازي (استفهام
٠

٥٣١
غزوة ذات الرقاع
إنكاري، أي لا يمنعك مني أحد.
وكان الأعرابي قائمًا على رأسه والسيف في يده والنبي عَّهِ جالس لا سيف معه.
ويؤخذ من مراجعة الأعرابي له في الكلام أن الله سبحانه منع نبيه، وإلا فما
الذي أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله. وفي قوله عليه.
في جوابه: الله، أي يمنعني منك، إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعادها الأعرابي فلم
يزده على ذلك الجواب، وفي ذلك غاية التهكم وعدم المبالاة به.
وذكر الواقدي في نحو هذه القصة أنه أسلم، ورجع إلى قومه فاهتدي به
خلق كثير. وقال فيه: إنه رمي بالزلخة حين هم بقتله عَّله، فندر السيف من يده
وسقط إلى الأرض. والزلخة - بضم الزاي وتشديد اللام - وجع يأخذ في الصلب.
إِنكاري، أي: لا يمنعك مني أحد، وكان الأعرابي قائمًا على رأسه والسيف في يده والنبي عَّه
جالس لا سيف معه، ويؤخذ من مراجعة الأعرابي له في الكلام أن اللَّه سبحانه منع نبيه) منه،
(وإلا فما الذي أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه) استفهام يفيد استبعاد كون ذلك من غير مانع
من اللَّه تعالى، (إلى الحظوة) بضم الحاء المهملة وكسرها، كما في القاموس وبالظاء المعجمة
المكانة، أي المنزلة الرفيعة (عند قومه بقتله) كما قاله لهم.
فعند ابن إسحق أنه قال: ألا أقتل لكم محمدًا، قالوا: بلى، وكيف تقتله، قال: أفتك به.
(وفي قوله عَّةِ في جوابه اللَّه، أي: يمنعني منك إِشارة إِلى ذلك، ولذلك لما أعادها
الأعرابي لم يزده على ذلك الجواب وفي ذلك غاية التهكم وعدم المبالاة به) أصلاً عطف
تفسیر.
(وذكر الواقدي في نحو هذه القصة أنه،) أي: الأعرابي الذي هو دعثور المذكور عند
الواقدي، (أسلم ورجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير).
وفي رواية ابن إسحق ثم أسلم بعد، (وقال فيه إِنه رمى بالزلخة حين همّ بقتله عَّ فندر)
بنون ودال وراء مهملتين، سقط أو خرج (السيف من يده وسقط) هو، أي: الأعرابي، (إلى
الأرض) لشدة وجع صلبه فلم يستطع القيام، ولا يظهر جعل ضمير سقط للسيف، وأنه عطف
مسبب على سبب، لأن خروجه من يده سبب لسقوطه، لأن هذا ليس فيه كبير فائدة، لأنه
مستفاد من ندر، فإنما أراد أنه حين رمى بالزلخة أصابه شيئان: سقوط سيفه وقامة نفسه لشدة
الوجع، (والزلخة بضم الزاي وتشديد اللام) بعدها خاء معجمة فتاء تأنيث (وجع يأخذ في
الصلب).

٥٣٢
غزوة ذات الرقاع
وقال البخاري: قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل
غورث بن الحرث، أي على وزن جعفر.
وحكى الخطابي فيه: غويرث، بالتصغير. وقد تقدم في غزوة غطفان وهي
غزوة دي أمر بناحية نجد مثل هذه القصة لرجل اسمه دعثور، وأنه قام على
رأسه عَّ اله بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال عَّله: الله، ودفع جبريل في صدره
فوقف السيف من يده وأنه أسلم.
قال في عيون الأثر: والظاهر أن الخبرين واحد.
(وقال البخاري) في الصحيح. (قال مسدد) بن مسرهد شيخه، (عن أبي عوانة) الوضاح
اليشكري البصري، (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن إياس.
قال الحافظ: اختصر البخاري إِسناده وتمامه، كما أخرجه مسدد في مسنده رواية معاذ بن
المثنى عنه، وكذا أخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي
بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر، قال: غزا رسول اللَّه عَ لّه خصفة بنخل فرأوا من المسلمين
غرة فجاء رجل منهم، يقال له غورث بن الحرث، حتى قام على رسول اللَّه عَظُلّه بالسيف فذكره،
فاختصر البخاري متنه أيضًا، فقال (اسم الرجل غورث بن الحرث) بفتح الغين المعجمة، وسكون
الواو، وفتح الراء فمثلثة، (أي: على وزن جعفر،) وقيل: بضم أوله مأخوذ من الغرث وهو الجوع،
ووقع عند الخطيب بالكاف بدل المثلثة.
(وحكى الخطابي فيه غويرث بالتصغير.)
وحكى عياض أن بعض المغاربة قاله في البخاري بالعين المهملة، قال: وصوابه بالمعجمة،
(وقد تقدم في غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر) بفتح الهمزة والميم وشد الراء، (بناحية نجد
مثل هذه القصة لرجل اسمه دعثور) بضم الدال وسكون العين المهملتين وضم المثلثة وسكون
الواو وراء، وتقدم للمصنف أيضًا أن الخطيب سماه غورث، وغيره غورك. (وأنه قام على رأسه
◌َّ بالسيف فقال: من يمنعك مني اليوم)؟.
وفي رواية الآن: (فقال عليه الصلاة والسلام: اللَّه، فدفع جبريل في صدره فوقع السيف
من يده، وأنه أسلم).
(قال) الحافظ فتح الدين اليعمري (في عيون الأثر: والظاهر أن الخبرين واحد.) اختلف
الرواة في اسمه، فبعضهم سماه غورث، وبعضهم دعثور، وقد استدرك الذهبي في التجريد غورث
ابن الحرث على من تقدمه، وعزاه للبخاري وتعقبه في الإصابة؛ بأنه ليس في البخاري تعرض

٥٣٣
غزوة ذات الرقاع
وقال غيره من المحققين: الصواب أنهما قصتان في غزوتين.
وفى هذه القصة: فرط شجاعته، وقوة يقينه وصبره على الأذى، وحلمه على
صَّالله
الجهال عليه.
وفي انصرافه عَّ من هذه الغزوة، أبطأ جمل جابر بن عبد الله فنخسه عَ﴾.
فانطلق متقدمًا بین یدي الر کاب،
الإِسلامه وبأَنّه يلزم عليه الجزم بكون القصتين واحدة مع احتمال كونهما واقعتين، وأطال في بيان
ذلك، وقال: قد يتمسك الإِسلامه بقوله: جئتكم من عند خير الناس، انتهى، وجزم صاحب النور
بإِسلام غورث بعد رجوعه إلى قومه، إنما تبع فيه الذهبي على عادته وقد علم التوقف فيه.
(وقال غيره من المحققين،) كابن كثير: (الصواب أنهما قصتان في غزوتين،) قصة
لرجل اسمه دعثور بغزوة ذي أمر، وفيها التصريح بأنه أسلم، ورجع إلى قومه، فاهتدى به خلق
كثير، وقصة بذات الرقاع لرجل اسمه غورث، وليس في قصته تصريح بإسلامه.
وفي فتح الباري: وقع عند الواقدي في شبيه هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور وأنه
أسلم، لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين، فاللَّه أعلم.
وفي الإصابة قصة تشبه قصة غورث المخرجة في الصحيح، فيحتمل التعدد أو أحد
الاسمين لقب إِن ثبت الاتحاد.
(وفي هذه القصة،) كما قال في الفتح: (فرط شجاعته وقوة يقينه و) قوة (صبره على
الأذى و) قوَّة (حلمه على الجهال عٍَّ) قال: وفيه جواز تفرق العسكر في النزول ونومهم،
وهذا محله إِذا لم يكن هناك ما يخافون منه، انتهى.
(وفي انصرافه عق من هذه الغزوة،) كما رواه ابن إسحق عن وهب بن كيسان، عن جابر
مطولاً، ومثله في طبقات ابن سعد.
وفي البخاري: أن ذلك كان في غزوة تبوك. وفي مسلم أنه في غزوة الفتح. (أبطأ جمل
جابر بن عبد اللَّه،) فلا يكاد يسير، (فنخسه) النبي (عَّةِ) بعد أن أناخه جابر بأمره نخسات بعصا
من يد جابر، أو قطعها من شجرة، كما في رواية ابن إسحق، ولمسلم وأحمد فضربه برجله ودعا
له، (فانطلق متقدمًا بين يدي الركاب.) وللإسماعيلي فضربه ودعا فمشى مشية ما مشى مثل ذلك
قبلها. ولأبي نعيم أنه نفث في ماء ثم مج من الماء في نحره ثم ضربه بالعصا، فوثب فقال:
اركب، قلت: إني أرضى أن يساق معنا، قال: اركب، فركبت، فوالذي نفسي بيده لقد رأيتني
وأنا أكفه عنه عَّهِ، إِرادة أن لا يسبقه وليس هذا اختلافًا، بل يحمل على أنه عليه السلام فعل به

٥٣٤
غزوة ذات الرقاع
ثم قال: أتبيعنيه؟ فابتاعه منه وقال: لك ظهره إلى المدينة، فلما وصلها أعطى الثمن
وأرجح، ورهب له الجمل. والحديث أصله في البخاري.
ولا حجة فيه لجواز بيع وشرط، لما وقع فيه من الاضطراب. وقيل غير
ذلك مما يطول ذكره والله أعلم.
جميع ما ذكر.
(ثم قال: أتبيعنيه، فابتاعه منه) بأوقية، (وقال لك: ظهره) أي: الركوب عليه (إِلى
المدينة، فلما وصلها أعطى الثمن وأرجح،) فزاده شيئًا يسيرًا على الأوقية، كما في رواية
ابن إسحق، (ووهب له الجمل، والحديث أصله في البخاري) في عشرين موضعًا، لكن لم يقع
فيه أن ذلك في ذات الرقاع، ولذا لم يذكره في غزواتها، بل في بعضها أنه في تبوك، (ولا حجة
فيه لجواز بيع، وشرط) كما قال به أحمد والبخاري في طائفة لكثرة رواة الاشتراط، ومنعه
أبو حنيفة والشافعي مطلقًا، وإِن وقع بطلاً للنهي عن بيع وشرط وتوسط لملك، ففصل كما قرر
في الفروع، وقالوا: لا حجة في خبر جابر، (لما وقع فيه من الاضطراب).
قال في الروض: فقد روى أفقرني ظهره إلى المدينة، وروى شرط لي ظهره إِليها.
وقال البخاري: الاشتراط أكثر وأصح، واضطربوا في الثمن، فقيل: بأوقية وبأربع أواق
وبخمس أواق وبخمسة دنانير وبأربعة دنانير، وهو في معنى أوقية وبدينارين ودرهمين، وكل هذه
الروايات ذكرها البخاري، (وقيل غير ذلك مما يطول ذكره).
ومنه أنه لم يرد حقيقة البيع، بل أراد أن يعطيه الثمن بهذه الصورة، أو لم يكن الشرط في
نفس العقد، بل كان سابقًا أو لاحقًا فلم يؤثر في العقد.
ووقع عند النسائي أخذته بكذا، وأعرتك ظهره إلى المدينة، فزال الإشكال لكن فيها
اضطراب، (والله أعلم) بالصواب في نفس الأمر.
قال السهيلي رحمه الله: ومن لطيف العلم في حديث جابر بعد أن يعلم قطعًا أنه
عليه السلام لم يفعل شيئًا عبثًا، بل لحكمة مؤيدة بالعصمة اشتراؤه الجمل منه ثم أعطاه الثمن،
وزاده ثم رده عليه، وكان يمكن أن يعطيه ذلك بلا مساومة، ولا اشتراء ولا شرط توصيل،
فالحكمة فيه بديعة جدًا فلتنظر بعين الاعتبار، وذلك أنه سأله هل تزوجت؟، ثم قال: هلا بكرّا،
فذكر مقتل أبيه وما خلف من البنات.
وقد كان عليه السلام أخبر جابرًا؛ بأن اللَّه قد أحيا أباه، ورد عليه روحه، وقال: ما تشتهي
فأزيدك؟، فأكد عَِّ هذا الخبر بمثل شبهه، فاشترى منه الجمل وهو مطيته، كما اشترى اللَّه من
أبيه ومن الشهداء أنفسهم بثمن هو الجنة ونفس الإِنسان مطيته، كما قال عمر بن عبد العزيز أن

٥٣٥
غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى
[غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى]
وتسمى: بدر الموعد.
وكانت في شعبان، بعد ذات الرقاع. قال ابن إسحق: لما قدم
رسول الله عَّلِ المدينة من غزوة ذات الرقاع، أقام بها جمادى الأولى إلى آخر
رجب، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفين. ويقال: كانت في هلال
ذي القعدة.
نفسي مطيتي، ثم زادهم زيادة، فقال للذين أحسنوا الحسنى، وزيادة ثم رد عليهم أنفسهم التي
اشترى منهم فقال: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية،
فأشار عَّه باشتراء الجمل من جابر وإِعطائه الثمن وزيادة، ثم رد الجمل المشترى عليه إِشارة
بذلك كله إلى تأكيد الخبر الذي أخبر به عن فعل اللَّه بأبيه فتشاكل الفعل مع الخبر كما تراه،
وحاشا لأفعاله أن تخلو من حكمة، بل هي كلها ناظرة إلى القرءان ومنتزعة منه انتهى. فما أحسن
استنباطاته. هذا واقتصر المصنف من الآيات الواقعة في هذه الغزوة على قصتي غورث وجابر
لتعلقهما بها، وتعلق قصة جابر من جهة سيره معه عليه الصلاة والسلام.
غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى
بعدم وقوع حرب فيها، فكانت صغرى بالنسبة للكبرى للقتال، ونصر المؤمنين، فهي
تسمية اصطلاحية للتمييز.
وأما قول الشامي في غزوة أحد بدر الصغرى الإضافة تأنيث الأصغر، فلعله اسم للبقعة في
حد ذاتها، (وتسمى بدر الموعد) للمواعدة عليها مع أبي سفين يوم أحد، وهي الثالثة، (وكانت
في شعبان) سنة أربع (بعد ذات الرقاع) في قول ابن إسحق.
قال ابن كثير: وهو الصحيح.
زقال الواقدي: في مستهل ذي القعدة، يعني سنة أربع، ووافق ابن عقبة على أنها في
شعبان، لكنه قال: سنة ثلاث وهو وهم، فإن هذه تواعدوا إِليها من أحد وكانت في شؤَال سنة
ثلاث.
(قال ابن إسحق: لما قدم رسول اللَّه عَّ المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها جمادى
الأولى، آخر رجب،) نقل بالمعنى تبع فيه ابن سيد الناس، ولفظ ابن إسحق أقام بها بقية جمادى
الأولى وجمادى الآخرة ورجبًا، (ثم خرج في شعبان إِلى بدر لميعاد أبي سفين) حتى نزله، إلى
هنا انفصل المصنف من كلام ابن إسحق دون بيان، فإِن قوله: (ويقال: كانت في هلال ذي القعدة)

٥٣٦
غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى
وميعاد أبي سفين: هو ما سبق أن أبا سفين قال يوم أحد: الموعد بيننا
وبينكم بدر العام القابل، فقال عليه الصلاة والسلام لرجل من أصحابه: قل: نعم هو
بيننا وبينكم موعد.
فخرج عليه الصلاة والسلام ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه، وعشرة
أفراس، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، فأقاموا على بدر ينتظرون أبا
سفین.
وخرج أبو سفين حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران،
قول الواقدي كما مر، وفي تعبيره بيقال إِشارة إِلى ضعفه، (وميعاد أبي سفين هو ما سبق أن أبا
سفين قال: يوم أحد الموعد بيننا وبينكم بدر من العام القابل، فقال عليه الصلاة والسلام لرجل
من أصحابه:) هو عمر كما عند الواقدي، (قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد، فخرج عليه الصلاة
والسلام ومعه،) كما رواه الحاكم في الإكليل، عن الواقدي، (ألف وخمسمائة من أصحابه
وعشرة أفراس،) وعدها فقال: فرس لرسول اللَّه عَّةٍ، وفرس لأبي بكر، وفرس لعمر، وفرس لأبي
قتادة، وفرس لسعيد بن زيد، وفرس للمقداد، وفرس للحباب، وفرس للزبير، وفرس لعباد بن بشر،
كذا نقله في العيون.
قال البرهان: هي تسعة، فينبغي أن يطلب العاشر مع من قال، أعني الواقدي، (واستخلف
على المدينة عبد الله بن رواحة) الأنصاري الخزرجي، الأمير المستشهد بموتة، قال: وحمل
اللواء علي ابن أبي طالب.
وقال ابن هشام: استخلف عبد اللَّه بن عبد الله بن أبي بن سلول هكذا عزاه لنفسه في
تهذيب السيرة، وتبعه اليعمري، وأما الشامي فعزاه لابن إِسحق ولعله وقف عليه في رواية غير زياد
البكائي، كيونس أو إبراهيم بن سعد، ويحتمل أنه استخلف أحدهما على الصلاة، والآخر على
الحكم، أو وجه الخطاب إِلى أحدهما، ثم عدل إلى الآخر لأمر اقتضاه، فروى كل ما علم وعاد
المصنف إلى خبر ابن إسحق، فقال: (فأقاموا على بدر ينتظرون أبا سفين) ثمان ليال، (وخرج
أبو سفين) في قريش، وهم ألفان ومعهم خمسون فرسًا، كذا عند الواقدي، (حتى نزل مجنة)
بميم فجيم فنون مشددة مفتوحات، ويجوز كسر المِيم والنون، سوق بقرب مكة، كما في
الشامية، أي إِمالة النون في الوقف والجيم مفتوحة، إلا أن النون مكسورة في الوصل لفتح ما قبل
هاء التأنيث أبدًا، (من ناحية مر) بفتح الميم وشد الراء (الظهران) بفتح الظاء المعجمة وإِسكان

٥٣٧
غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى
ويقال: عسفان، ثم بدا له الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام
خصيب، ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني
راجع فارجعوا، فرجع الناس. فسماهم أهل مكة: جيش السويق يقولون: إنما خرجتم
تشربون السويق.
وأقام عێِ ببدر ثمانية أيام،
الهاء، واد بين مكة وعسفان تسميه العامة بطن مرو، (ويقال) حتى نزل (عسفان) بدل مجنة، (ثم
بدا له الرجوع)) أي: ظهر له صورة، وإلا فقد كان دبره لقريش وهو بمكة.
روى أَن نعيم بن مسعود الأشجعي قدم مكة، فأخبر قريشًا بتهيؤ المسلمين لحربهم، فذكر
أبو سفين أَنه كاره للخروج، وجعل له عشرين بعيرًا على أن يخذل المسلمين ضمنها له سهيل بن
عمرو وحمله على بعير فقدم المدينة، وأرجف بكثرة العدو حتى قذف في قلوبهم الرعب، ولم
يبق لهم نية في الخروج حتى خشي عليه السلام أن لا يخرج معه أحد، وجاءه العمران، فقالا:
إِن اللَّه مظهر دينه ومعز نبيه، وقد وعدنا القوم موعدًا لا نحب أن نتخلف عنه، فيرون أن هذا
جبن، فسر لموعدهم فوالله إن في ذلك لخيرة، فسر بذلك وقال: ((والذي نفسي بيده لأخرجن،
وإِن لم يخرج معي أحد))، فأذهب اللَّه عن المسلمين ما كان الشيطان رعبهم به، وقال أبو سفين
لقريش: قد بعثنا نعيمًا يخذل أصحاب محمد عن الخروج، وهو جاهد لكن نخرج فنسير ليلة أو
ليلتين، ثم نرجع، فإن لم يخرج محمد بلغه أنا خرجنا فرجعنا لأنه لم يخرج، فيكون لنا هذا
عليه، وإِن خرج أظهرنا أن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام عشب، قالوا: نعم ما رأيت،
(فقال: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم،) أي: لا يريحكم ويزيل عنكم مشقة السفر، (إِلا عام
خصب) بالتنوين، أي: ذو خصب، أو مخصب، والإِضافة لوجود النماء فيه، والبركة بظهور النبات
وكثرته (ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإِن عامكم هذا عام جدب) بالإضافة والتنوين،
أي: محل، وهو انقطاع المطر، ويبس الأرض، (وإِني راجع فارجعوا، فرجع الناس فسماهم أهل
مكة جيش السويق، ويقولون: إِنما خرجتم تشربون السويق) وهو قمح، أو شعير يقلى ثم يطحن،
ويتزوّد به ملتونًا بماء، أو عسل، أو سمن، أو وحده، فسمع الناس بمسير جيش الإِسلام، وذهب
صيته إِلى كل جانب، وكبت اللّه عدوّهم، فقال صفوان لأبي سفين: واللَّه نهيتك يومئذ أن تعد
القوم وقد اجترأوا علينا ورأونا قد أخلفناهم وأخذوا في الكيد والنفقة والتهيؤ لحرب الخندق.
(وأقام عليه الصلاة والسلام ببدر ثمانية أيام،) ينتظر أبا سفين لميعاده، كذا عند
ابن إسحق، ومقتضاه أنها أيام الموسم، وصرح بذلك السبل فقال: فانتهوا إِلى بدر ليلة هلال ذي
القعدة وقام السوق صبيحة الهلال، فأقاموا ثمانية أيام والسوق قائمة.

٥٣٨
غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى
وباعوا ما معهم من التجارة، فربحوا الدرهم درهمين. وأنزل الله في المؤمنين:
﴿الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾ [آل عمران: ١٧٢]
إلى قوله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾ [آل عمران: ١٧٤].
والصحيح أن هذه الآية نزلت في شأن حمراء الأسد، كما نص عليه
العماد بن كثير.
وفي البغوي كانت بدر الصغرى موضع سوق الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية
أيام لهلال ذي القعدة إلى ثمان تخلو منه، ثم يتفرقون إلى بلادهم، لكنه مشكل مع ما قدمه
المصنف من أن الخروج في شعبان، ويقال لهلال ذي القعدة، بل لا يصح إلاّ على القول بأن
الخروج في شوال، اللهم إلاّ أن يخرج على الثاني مع تأويله بأنها كانت كذلك بالنظر لوصوله
إِلى بدر، لا لخروجه من المدينة، أو أطلق الهلال، وأراد ما يقاربه بقي أنه يشكل على تصحيح
قول ابن إسحق إِنه خرج في شعبان إِلاَّ أن يؤوّل بأن معناه عزم على الخروج فيه، وأمر أصحابه
بالتهيؤ، ولم يخرج بالفعل إلا في أواخر شوّال حتى وصل هلال ذي القعدة، وهذا جمع بين
الأقوال.
(وباعوا ما معهم من التجارة) التي خرجوا بها معهم، (فربحوا الدرهم درهمين،) كما روى
أن عثمن قال: ربحت للدينار دينارًا، (وأنزل اللَّه في المؤمنين: ﴿الذين استجابوا للَّه والرسول
من بعد ما أصابهم القرح﴾ [آل عمران: ١٧٢]) الآية، بأحد، وخبر المبتدأ قوله للذين أحسنوا
(إلى قوله: ﴿فانقلبوا﴾ [آل عمران: ١٧٤]) الآية، رجعوا من بدر (﴿بنعمة من اللَّه وفضل﴾ [آل
عمران: ١٧٤]) الآية، بسلامة وربح (﴿لم يمسسهم سوء﴾ [آل عمران: ١٧٤])، من قتل أو
جرح (الآية). هذا قول مجاهد وعكرمة.
(والصحيح) وهو قول أكثر المفسرين: (أن هذه الآية نزلت) قبل ذلك (في شأن حمراء
الأسد كما نص عليه العماد بن كثير،) وسبقه إلى ترجيحه ابن جرير، ووقع في البيضاوي
والجلال ما يشبه التناقض، فذكر أن قوله: ﴿الذين استجابوا﴾ [آل عمران: ١٧٢] الآية، في
حمراء الأسد، وأعرب الجلال الذين قال لهم بدلاً منه، ثم قالا فانقلبوا، أي: رجعوا من بدر بنعمة
من اللَّه، وفضل ريح في التجارة، فإنهم أتوا بدرًا وافوا بها سوقًا، فاتجروا وربحواء انتهى.
وهذا إنما يأتي على أنها نزلت في بدر، فهو خلط بين قولين متنافيين، إلاَّ أن يقال قولهما
رجعوا من بدر، بيان لما ترتب على استجابتهمٍ له عليه السلام في حمراء الأسد، ولم يبالوا
بكونها في عام آخر لكونها من ثمرات الأولى فكأنهما شىء واحد، وعليه فتفسيرهما قوله فانقلبوا
برجعوا من بدر يكون حملاً للآية على أنه عبر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه هكذا

٥٣٩
غزوة دومة الجندل
[غزوة دومة الجندل]
وهي بضم الدال من ((دومة)) هي مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال،
وبعدها من المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة. قال أبو عبيد الله البكري:
سميت بدومي بن إسمعيل، كان نزلها.
وكان في شهر ربيع الأول، على رأس تسعة وأربعين شهرًا من الهجرة،
وكان سببها أنه بلغه عَ لِّ أن بها جمعًا كثيرًا يظلمون من مر بهم،
أملاني شيخنا.
غزوة دومة الجندل
(وهي بضم الدال من دومة) عند أهل اللغة وأصحاب الحديث يفتحونها كذا في الصحاح.
ورجح الحازمي وغيره من المحدثين الضم.
وقال اليعمري: بضم الدال وفتحها.
وقال ابن القيم: بضم الدال، وأما بفتحها فمكان آخر.
وقال بعضهم: دومة الجندل بالضم والفتح، وأما المكان الآخر الذي باليمن فبالفتح فقط،
(وهي مدينة بينها وبين دمشق) بكسر الدال وفتح الميم، على المشهور.
وحكى في المطالع کسر الميم، قاله النووي.
قال الجواليقي: أعجمي معرب، فهو ممنوع الصرف، (خمس ليال وبعدها من المدينة
خمس عشرة أو ست عشرة ليلة،) كما قاله ابن سعد.
(قال أبو عبد اللَّه البكري: سميت بدومي بن إِسمعيل كان نزلها،) وفي الوفاء قيل: كان
منزل أكيدر أوّلاً دومة الحيرة، وكان يزور أخواله من كلب، فخرج معهم للصيد، فرفعت له مدينة
متهدمة لم يبق إلا حيطانها مبنية بالجندل، فأعادوا بناءها وغرسوا الزيتون وسموها دومة الجندل،
تفرقة بينها وبين دومة الحيرة، و کان أُکیدر يتردد بينهما.
(وكان في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرًا من الهجرة) فتكون سنة
خمس، وبه صرح ابن هشام، (وكان سببها) كما قال ابن سعد وغيره (أنه بلغه عَّةٍ أن بها جمعًا
يظلمون من مر بهم،) وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة وهي طرف من أفواه الشام، فأراد عليه
الصلاة والسلام الدنوّ إِلى أدنى الشام، وقيل له: لو دنوت لها لكان ذلك مما يفزع قيصر، وكان
بها سوق عظیم وتجار.

٥٤٠
غزوة دومة الجندل
فخرج عليه الصلاة والسلام لخمس ليال بقين من شهر ربيع، في ألف من
أصحابه، فكان يسير الليل ويكمن النهار.
واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة.
فلما دنا منهم، لم يجد إلا النعم والشاء، فهجم على ماشيتهم ورعاتهم
فأصاب من أصاب، وهرب من هرب في كل وجه. وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا،
ونزل عَّهِ بساحتهم فلم يلق بها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبعث السرايا وفرقها،
فرجعوا، ولم يصب منهم أحد. ودخل المدينة في العشرين من ربيع الآخر.
(فخرج ◌َّ لخمس ليال بقين من شهر ربيع) الأوّل (في ألف من أصحابه، فكان يسير
الليل، ويكمن النهار) بضم الميم وفتحها (واستخلف على المدينة،) كما قال ابن هشام،
(سباع) بكسر السين المهملة فموحدة فألف فعين مهملة (ابن عرفطة) بضم العين والفاء الغفاري،
ويقال له: الكناني.
وعند ابن سعد وغيره، فقال له دليله مذكور العذري، ونكب عن طريقهم لما دنا من
دومة، يا رسول اللَّه إِن سوائمهم ترعى عندك فأقم لي حتى أطلع لك، قال: ((نعم)، فخرج العذري
طليعة وحده، فوجد آثار النعم والشاء وهم مغربون بفتح الغين المعجمة وكسر الراء مشددة، فرجع
إِلى النبي عَّهِ، فأخبره وقد عرف مواضعهم، (فلما دنا منهم لم يجد) النبي عَّه، وفي نسخة:
لم يجدوا، أي النبي ومن معه، (إلا النعم والشاء) عطف خاص على عام، على أن النعم الإبل
والبقر والغنم أو المال الراعي، (فهجم على ماشيتهم ورعاتهم، ) جمع راع، كقاض وقضاة
ويجمع أيضًا على رعاء بالكسر والمد، ورعيان كرغفان كما في المصباح.
زاد القاموس: ورعاء بالفتح، أي: من ولي أمر مواشيهم.
(فَأَصاب من أَصاب، وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة، فتفرقوا) فرقًا
من المنصور بالرعب، (ونزل عليه الصلاة والسلام بساحتهم فلم يلق بها أحدًا، فأقام بها أيامًا،
وبعث السرايا وفرقها، فرجعوا ولم يصب منهم أحد) بالبناء للمفعول، أي: من المسلمين في
تلك الغزوة، أو من الكفار الذين بعث لهم السرايا.
وفي نسخة أحدًا بالنصب وهي المنقولة في العيون عن ابن سعد، وزاد وأخذوا منهم رجلاً
فسأله عَظُلِ عنهم، فقال: هربوا حيث علموا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه الإِسلام فأسلم،
(ودخل المدينة في) يوم (العشرين من ربيع الآخر،) فتكون غيبته خمسًا وعشرين ليلة، ولعله
جد في السير لما مر أن بعد دومة من المدينة خمس عشرة، فيكون الذهاب والإياب في ثلاثين،
وأقام بها أيامًا وأقلها ثلاثة، واللَّه أعلم.