Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
بعث الرجيع
فقال عاصم بن ثابت أيها القوم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، ثم قال اللهم أخبر
عنا رسولك، فاستجاب الله تعالى لعاصم فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا.
فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم على العهد والميثاق: خبيب بن
عدي، وزيد بن الدثنة - بفتح الدال المهملة، وكسر المثلثة، والنون المفتوحة
المشددة - وعبد الله بن طارق.
(فقال عاصم بن ثابت) لأصحابه: قاله المصنف: (أيها القوم أما) بتشديد الميم (أنا فلا
أنزل في ذمة كافر،) أي: في عهده.
وعند سعيد بن منصور، فقال عاصم: لا أقبل اليوم عهدًا من مشرك.
(ثم قال: اللهم أخبر عنا رسولك،) وفي لفظ: نبيك، وقوله، (فاستجاب اللَّه تعالى
لعاصم، فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا،) هذه الجملة إِنما نسبها في الفتح لرواية الطيالسي، وتبعه
المصنف في شرح البخاري في المواضع الثلاثة، كما أوهمه المصنف، (فرموهم،) أي: رمى
الكفار المسلمين حين امتنعوا من النزول، (بالنبل) بفتح النون وسكون الموحدة السهام العربية،
ورماهم عاصم بالنبل حتى فنى نبله.
وفي رواية: نثر عاصم كنانته فيها سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلاً من عظماء
المشركين، ثم طاعنهم حتى انكسر رمحه، ثم سل سيفه، وقال: اللهم إني حميت دينك صدر
النهار فاحم لحمي آخره، (فقتلوا عاصمًا) زاد البخاري في هذا الباب: وفي الجهاد في سبعة،
أي: في جملة سبعة، وقد مر أنهم عشرة سمى منهم سبعة وثلاثة لم يسموا، لأن الظاهر أنهم
أتباع فلم يعتنٍ بتسميتهم، كما قاله الحافظ، (ونزل إليهم على العهد والميثاق خبيب) بضم
المعجمة وفتح الموحدة الأولى (ابن عدي) الأنصاري الأوسي البدري، (وزيد بن الدثنة) بن عبيد
بن عامر بن بياضة الأنصاري البياضي، شهد بدرًا وأحدًا (بفتح الدال المهملة وكسر) الثاء
(المثلثة،) زاد البرهان: وقد تسكن (والنون المفتوحة المشددة) ثم تاء تأنيث.
قال ابن دريد: من قولهم: دثن الطائر إذا طاف حول وكره ولم يسقط عليه.
وفي القاموس: دئن الطائر تدثينًا طار وأسرع السقوط في مواضع متقاربة.
قال في رواية البخاري: ورجل آخر وسماه ابن إسحق، فقال: (وعبد الله بن طارق) البلوي
البدري، فليست تسميته من رواية البخاري، كما أوهمه المصنف.
وفي رواية أبي الأسود عن عروة: أنهم صعدوا في الجبل فلم يقدروا عليهم حتى أعطوهم
العهد والميثاق. وفي حديث البخاري: فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها
فقال الرجل الثالث، أي: ابن طارق: هذا أوَّل الغدر، واللَّه لا أصحبكم إِن لي بهؤلاء أسوة، يريد

٤٨٢
بعث الرجيع
فانطلقوا بخيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة، فابتاع بنو الحرث بن
عامر خبیبا،
القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه. قال الحافظ: هذا يقتضي أن ذلك
وقع منه أوَّل ما أسروهم.
وفي رواية ابن إِسلحق: فخرجوا بالنفر الثلاثة، حتى إذا كانوا بمر الظهران أشرع عبد الله بن
طارق يده، وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بمر الظهران،
فيحتمل أَنهم إِنما ربطوهم بعد أن وصلوا إلى مر الظهران وإلا فما في الصحيح أصح، انتهى.
(فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة، حتى باعوهما بمكة،) والذي باعهما زهير وجامع
الهذليان.
قال ابن هشام: باعوهما بأسيرين من هذيل كانا بمكة.
وعند سعيد بن منصور أنهم اشتروا خبيبًا بأمة سوداء، ويمكن الجمع، قاله الحافظ.
وقال الواقدي: بيع خبيب بمثقال ذهبًا، ويقال: بخمسين فريضة، وبيع الثاني بخمسين
فريضة.
وعند ابن سعد وابن إِسحق: فأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية، فقتله بأبيه.
وعند ابن سعد: أن الذي قتله نسطاس مولى صفوان، ويقال: اشترك فيه ناس من قريش،
ودخلوا بهما في شهر حرام في ذي القعدة فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم.
(فابتاع بنو الحرث بن عامر) بن نوفل بن عبد مناف (خبيبًا) وهم عقبة وأبو سروعة
وأخوهما لأمهما حجير، بضم الحاء المهملة، وفتح الجيم وسكون التحتية وبالراء ابن أبي إِهاب
بكسر أوّله وبالموحدة التميمي حليف بني نوفل، وبين ابن إسحق أنه الذي تولى شراءه وقد أسلم
الثلاثة بعد ذلك وصحبوا.
قال في حديث البخاري: وكان خبيب هو الذي قتل الحرث بن عامر يوم بدر.
قال الحافظ: هكذا وقع في حديث أبي هريرة، واعتمده البخاري، فذكر خبيب بن عدي
فيمن شهد بدرًا وهو متجه، لكن تعقبه الدمياطي بأن أهل المغازي لم يذكر أحد منهم أن
خبيب بن عدي شهد بدرًا ولا قتل الحرث بن عامر، وإنما ذكروا أن الذي قتل الحرث بيدر
خبيب بن إِساف الخزرجي وابن عدي أوسي قلت: يلزم من كلامه رد الحديث الصحيح فلو لم
يقتل ابن عدي الحرث ما كان الاعتناء بني الحرث بن عامر بأسر خبيب معنى، ولا بقتله مع
تصريح الحديث الصحيح أنهم قتلوه به، لكن يحتمل أنهم قتلوه لكون ابن أساف قتل الحرث
على عادة الجاهلية بقتل بعض القبيلة عن بعض، ويحتمل أن يكون خبيب بن عدي شارك في

٤٨٣
بعث الرجيع
فلبث خبيب عندهم أسيرًا، حتى اجتمعوا على قتله استعار من بعض بنات الحرث
موسى ليستحد بها - يعني يحلق عانته -
قتل الحرث، والعلم عند الله تعالى.
(فلبث خبيب عندهم أسيرًا،) في بيت ماوية، مولاة حجير بن أبي إِهاب، وأسلمت بعد.
قال في الروض: ماوية، بواو، أي: مكسورة وشد التحتية في رواية يونس بن بكير، عن
ابن إسحق، وكذا في النسخ العتيقة من رواية غيره عن ابن إسحق بالراء، أي: والتخفيف،
والماوية بالتخفيف البقرة، وبالتشديد القطاة الملساء، انتهى.
وعند سعيد بن منصور، فأساءوا إليه فقال لهم: ما يصنع القوم الكرام هذا بأسيرهم،
فأحسنوا إليه بعد ذلك وجعلوه عند امرأة تحرسه.
وروى ابن سعد عن موهب مولى آل نوفل قال: قال لي خبيب: وكانوا جعلوه عندي یا
موهب أطلب إِليك ثلاثًا، أن تسقيني العذب، وأن تجنبني ما ذبح على النصب، وأن تعلمني إِذا
أرادوا قتلي.
قال الشامي: فكان موهبًا كان زوج ماوية انتهى. ويؤيده أن في رواية الواقدي عنها كانت
تحدث بقصة خبيب بعد أن أسلمت، وحسن إِسلامها، وفيها وكان يتهجد بالقرءان؛ فإِذا سمعه
النساء بكين ورققن عليه، فقلت له: هل لك من حاجة؟، قال: لا، إِلاَّ أَن تسقيني العذب ولا
تطعميني ما ذبح على النصب، وتخبريني إذا أرادوا قتلي؛ فلما أرادوا ذلك أخبرته، فوالله ما
اكترث بذلك فكأنه طلب ذلك من ماوية وموهب معًا، وقد أسلم موهب في فتح، مكة كما في
الإِصابة. (حتى اجتمعوا،) عزموا واتفقوا (على قتله) حين خرجت الأشهر الحرم، (استعار من
بعض بنات الحرث).
ذكر خلف في الأطراف أن اسمها زينب بنت الحرث أخت عقبة، قاتل خبيب، وقيل:
امرأته، وعند ابن إسحق عن عبد الله بن أبي نجيح قال: حدثت عن ماوية، مولاة حجير بن أبي
إِهاب، وكانت قد أسلمت قالت: حبس خبيب في بيتي، ولقد اطلعت عليه يومًا، وإِن في يده
لقطفًا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، فإن كان محفوظًا احتمل أن كلاً من ماوية وزينب
رأت القطف في يده يأكله، والتي حبس في بيتها ماوية، والتي كانت تحرسه زينب، جمعا بين
الروايتين، ويحتمل أن الحرث أب لماوية من الرضاع، وفي ابن بطال أن اسم المرأة جويرية،
فيحتمله أنه وجده رواية أو سماها جويرية لكونها أمة، قاله الفتح.
(موسى) بعدم الصرف، لأنه على وزن فعلى، وبالصرف على وزن مفعل على خلاف بين
الصرفيين، والذي في اليونينية الصرف قاله المصنف. (ليستحد بها، يعني يحلق عانته،) لئلا

٤٨٤
بعث الرجيع
فغفلت عن ابن لها صغير فأقبل إليه الصبي فأجلسه عنده فخشيت المرأة أن يقتله،
ففزعت، فقال خبيب: ما كنت لأغدر.
قال قالت: والله ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يأكل قطفًا
من
تظهر عند قتله، (فغفلت عن ابن لها صغير، فأقبل إِليه الصبي، فأجلسه عنده).
زاد في حديث البخاري: على فخذه والموسى بيده، (فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت)
بکسر الزاي.
وفي رواية البخاري: ففزعت فزعة عرفها خبيب، (فقال:) أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل
ذلك، إِن شاء اللَّه، وفي مرسل بريدة بن سفين: (ما كنت لأغدر).
قال في الفتح: ذكر الزبير ابن بكار: أن هذا الصبي، هو أبو حسين بن الحرث بن عدي
بن نوفل بن عبد مناف.
وفي رواية بريدة بن سفين: وكان لها ابن صغير، فأقبل إِليه الصبي فأخذه فأجلسه عنده،
فخشيت المرأة أن يقتله، فناشدته.
وعند أبي الأسود، عن عروة: فأخذ خبيب بيد الغلام فقال: هل أمكن اللَّه منكم؟، فقالت:
ما كان هذا ظني بك، فرمى لها الموسى، وقال: إنما كنت مازحًا.
وعند ابن إسحق عن ابن أبي نجيح وعاصم بن عمر: أن ماوية قالت: قال لي خبيب حين
حضره القتل: ابعثي إِليَّ بحديدة أتطهر بها للقتل، قالت: فأعطيت غلامًا من الحي الموسى،
فقلت: ادخل بها على هذا الرجل البيت، فوالله ما هو إلاَّ أن ولى الغلام بها إِليه، فقلت: ماذا
صنعت؟، أصاب واللَّه الرجل ثأره يقتل هذا الغلام، فيكون رجل برجل، فلما ناوله الحديدة،
أخذها من يده، ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إِليَّ، ثم خلى
سبيله.
قال ابن هشام: يقال إِن الغلام ابنها.
قال الحافظ: ويجمع بين الروايتين؛ بأنه طلب الموسى من كل من المرأتين، فأوصله إِليه
ابن إِحداهما، وأما الابن الذي خشيت عليه، ففي رواية هذا الباب، فغفلت عن صبي لي، فدرج
إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فهذا غير الذي أحضر إليه الحديدة، انتهى.
(قالت: والله ما رأيت أسيرًا،) زاد في رواية: قط، (خيرًا من خبيب).
وعند الواقدي في حديث ماوية: وأسلمت، وحسن إسلامها. قالت: كان يتهجد بالقرءان،
فإِذا سمعه النساء بكين ورققن عليه، (والله لقد وجدته يأكل قطفًا) بكسر القاف، عنقودًا (من

٤٨٥
بعث الرجيع
عنب مثل رأس الرجل، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وما كان إلا رزقًا
رزقه الله تعالی خبیبًا.
وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب، آية على الكفار، وبرهانًا لنبيه
لتصحيح رسالته.
والكرامة للأولياء ثابتة مطلقًا عند أهل السنة. لكن استثنى بعض المحققين
منهم كالعلامة الرباني أبي القسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء فقال:
ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك. وهذا أعدل
عنب،) وقوله: (مثل رأس الرجل) زائد على خبر الصحيح من رواية ابن إسحق، كما قدمنا فما
كان ينبغي للمصنف إلا البيان، (وأنه لموثق) بالمثلثة، مقيد (بالحديد، وما بمكة من ثمرة) بمثلثة
وفتح الميم، أي: من ثمرة عنب.
وفي رواية ابن إسحق عن ماوية: وما أعلم في الأرض حبة عنب فأطلقت الأرض، وأرادت
أرض مكة، ووقع في بعض نسخ البخاري بالمثناة وسكون الميم، (وما كان) ذلك القطف (إلا
رزقًا رزقه اللَّه تعالى خبيبًا، وهذه كرامة جعلها اللَّه تعالى لخبيب آية على الكفار، وبرهانًا لنبيه
لتصحيح رسالته،) وتوسط ابن بطال بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها، فجعل الثابت ما جرت به
العادة لآحاد الناس أحيانًا والممتنع ما يقلب الأعيان. (و) لكن (الكرامة للأولياء ثابتة مطلقًا،)
سواء كانت من معجزات الأنبياء، أم لا (عند أهل السنة، لكن استثنى بعض المحققين منهم،
كالعلامة الرباني، أبي القسم،) عبد الكريم بن هوازن، الحافظ المفسر، الفقيه النحوي اللغوي،
الأديب، الكاتب، (القشيري،) الشجاع، البطل، المجمع على إمامته، وأنه لم ير مثل نفسه، ولا
رأى الراءون مثله، وأنه الجامع لأنواع المحاسن. ولد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وسمع الحديث
من الحاكم وغيره.
وروى عنه الخطيب وغيره، وصنف التصانيف الشهيرة، وتوفي سنة خمس وستين
وأربعمائة، (ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء، فقال ولا يصلون)، أي: الأولياء، (إلى مثل إيجاد
ولد من غير أب، ونحو ذلك) كقلب جماد بهيمة، لكن الجمهور على الإِطلاق والتفصيل
أنكروه على قائله حتى ولده أبو نصر في المرشد، وإمام الحرمين في الإِرشاد، وقال: إنه مذهب
متروك، وبالغ النووي فقال: إِنه غلط، وإنكار للحس وأن الصواب وقوعها بقلب الأعيان ونحوه
انتهى. ولكن له قوة ما فقد اختاره السبكي وغيره، والحافظ ابن حجر فقال: (وهذا أعدل

٤٨٦
بعث الرجيع
المذاهب في ذلك.
فإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام والمكاشفة بما يغيب عن العين،
والإخبار بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر جدًا، حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب
إلى الصلاح كالعادة.
فانحصر الخارق الآن في نحو ما قاله القشيري، وتعين تقييد من أطلق، بأن
كل معجزة لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي.
ووراء ذلك: أن الذي استقر عند العامة، أن خرق العادة يدل على أن من
وقع له ذلك يكون من أولياء الله تعالى، وهو غلط، فإن الخارق قد يظهر على يد
المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله
تعالى إلى فارق، وأولى ما ذكروه: أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان
متمسكًا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا.
المذاهب) الثلاثة، إِثبات الكرامة نفيها التفصيل، (في ذلك، فإِن إجابة الدعوة في الحال،) أي:
سريعًا، (ونكثير الطعام والمكاشفة بما يغيب عن العين والإخبار بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر
جدًا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخارق) المذكور في
تعريف الكرامة، بأنها ظهور أمر خارق للعادة على يد الولي، مقرون بالطاعة والعرفان، بلا دعوى
نبوة (الآن في نحو ما قاله القشيري، وتعين تقييد من أطلق) القول؛ (بأن كل معجزة وجدت
لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي،) لا فارق بينهما إِلاَّ التحدي بقصر الجواز على غير إيجاد ابن
بلا أب، وقلب العصا حية، والجمهور كما علمت على الإطلاق إِلاَّ بمثل القرءان مما خرج من
المعجزات إلى الخصائص، قاله السعد والنووي، (ووراء ذلك) الذي حققناه، (أن الذي استقر
عند العامة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك يكون من أولياء الله تعالى وهو غلط،
فإِن الخارق،) كما قال الباقلاني، (قد يظهر على يد المبطل من ساحر، وكاهن وراهب).
وقال إِمام الحرمين: فيه نظر فلسنا نثبت لهم كرامة، (فيحتاج من يستدل بذلك على
ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق) بين الولي وغيره، (وأولى مما ذكروه أن يختبر حال من وقع
له) الخارق، (فإِن كان متمسكًا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا،)
فقد حكى الاتفاق على أن الكرامة لا تظهر على الفسقة الفجرة، بل على الموفقين البررة.
نعم، قد تظهر على يد فاسق إنقاذًا له مما هو فيه، ثم يتوب بعدها، ويصير على أحسن

٤٨٧
بعث الرجيع
والله أعلم انتهى ملخصًا من الفتح.
ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين - وعند
موسى بن عقبة: أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم - وقال: اللهم أحصهم عددًا، ولا
تبق منهم أحدًا ، واقتلهم بددًا - يعني متفرقين، فلم يحل الحول ومنهم أحد حي ...
حال كأصحاب الكهف كانوا عبدة أوثان، فحصل لهم ما حصل إِرشادًا وتذكرة (والله أعلم،
انتھی).
كل ما ذكره من أول هذه السرية (ملخصًا من الفتح،) أي: فتح الباري للحافظ رحمه
الله.
قال في حديث البخاري: (ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه،) في الحل، (قال:
دعوني،) اتركوني، (أصل) بلا ياء للكشميهني، ولغيره بثبوت الياء، ولكل وجه قاله الحافظ،
(ركعتين.) قال في حديث البخاري: فتركوه، فركع ركعتين.
(وعند موسى بن عقبة: أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم،) بفتح الفوقية، يقال له
الآن: مساجد عائشة، وهو عند طرف حرم مكة من جهة المدينة والشام على ثلاثة أميال، وقيل:
أربعة من مكة، سمى بذلك لأن عن يمينه جبلاً يقال له نعيم، وعن شماله جبلاً يقال له ناعم،
والوادي نعمان بفتح النون، ويقال له: نعما الأراك، قال الشاعر:
أما والراقصات بذات عرق ومن صلى بنعمان الأراك
وفي حديث البخاري: ثم انصرف إليهم، فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت
لزدت، وفي مرسل بريدة بن سفين: لزدت سجدتين أخريين، (وقال: اللهم أحصهم،) بقطع الهمزة
وحاء ساكنة وصاد مكسورة مهملتين، (عددًا،) أي: أهلكهم واستأصلهم، بحيث لا يبقى من
عددهم أحد، (ولا تبق منهم أحدًا، واقتلهم بددًا).
قال السهيلي: بفتح الموحدة والدال المهملة الأولى مصدر بمعنى التبدد، أي: ذوي بدد،
(يعني متفرقين).
قال: أعني السهيلي، ومن رواه بكسر الباء، فجمع بدة وهي الفرقة والقطعة من الشىء
المتبدد، ونصبه على الحال من المدعو عليهم.
قال الدماميني: ويحتمل أن بددًا نفسه حال على جهة المبالغة، أو على تأويله باسم الفاعل
انتھی.
(فلم يحل الحول ومنهم أحد حي،) كما في مرسل بريدة بن سفين، ولفظه: فلما رفع

٤٨٨
بعث الرجيع
وفي رواية بريدة بن سفين، فقال خبيب: اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك
مني السلام فبلغه.
وفي رواية أبي الأسود عن عروة، جاء جبريل إلى النبي عَّهِ فأخبره فأخبر
أصحابه بذلك .. الحديث.
ثم أنشأ خبيب يقول:
فلست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي شق كان للَّه مصرعي
على الخشبة استقبل الدعاء فلبد رجل بالأرض خوفًا من دعائه فلم يحل الحول، ومنهم أحد حي
غير ذلك الرجل الذي لبد في الأرض.
وحكى ابن إسحق، عن مطوية بن أبي سفين قال: كنت مع أبي، فجعل يلقيني إلى الأرض
خوفًا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إِن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه.
قال في الروض: فإن قيل: هل أجيبت دعوة خبيب، والدعوة في تلك الحال من مثله
مستجابة، قلنا: أصابت منهم من سبق في علم اللَّه أن يموت كافرًا، ومن أسلم منهم لم يعنه
خبيب ولا قصده بدعائه، ومن قتل منهم بعد الدعوة فإِنما قتلوا بها بددًا غير معسكرين ولا
مجتمعين كاجتماعهم في أحد وبدر، وإن كانت الخندق بعدها، فقد قتل منهم آحاد متبددون،
ثم لم يكن لهم بعد ذلك جمع، ولا معسكر غزوا فيه، فنفذت الدعوة على صورتها فيمن أراد
خبیب، وحاشاه أن یکره إِيمانهم، انتھی.
(وفي رواية) سعيد بن منصور من مرسل (بريدة بن سفين) الأسلمي المدني، ليس
بالقوي، وفيه رفض من السادسة.
روى له النسائي، كما في التقريب، (فقال خبيب: اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك
مني السلام، فبلغه).
(وفي رواية أبي الأسود عن عروة: جاء جبريل إِلى النبي عَّدٍ فأخبره فأخبر أصحابه
بذلك الحديث).
وعند موسى بن عقبة، فزعموا أنه عَ لّهِ قال ذلك اليوم وهو جالس: ((وعليك السلام خبيب
قتلته قريش))، (ثم أنشأ خبيب يقول: فلست أبالي،) هذه رواية الكشميهني، واختارها المصنف
لقول الحافظ، هي أوزن قال: وللأكثر ما إِن أُبالي. وهو جائز لكنه مخروم، ويكمل بزيادة الفاء وما
نافية، وإِن بكسر الهمزة نافية أيضًا للتأكيد.
وفي رواية: وما إِن أبالي، بزيادة واو وفي أخرى، ولست أبالي، (حين أقتل،) بالبناء للمفعول،
حال كوني (مسلمًا، على أي شق) بكسر الشين المعجمة، أي: جنب، (كان للَّه مصرعي،) أي:

٤٨٩
بعث الرجيع
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
والأوصال جمع: وصل، وهو العضو. والشلو - بكسر المعجمة - الجسد
ويطلق على العضو. لكن المراد به هنا الجسد. والممزع - بالزاي، ثم المهملة -
المقطع. ومعنى الكلام: أعضاء جسد مقطع.
وعند أبي الأسود عن عروة زيادة في هذا الشعر فقال:
لقد أجمع الأحزاب في وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وفيه أيضًا:
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
وساقه ابن إسحق ثلاثة عشر بيتًا،
مطرحي على الأرض، (وذلك في ذات الإِله،) أي: في وجه اللَّه، وطلب رضاه وثوابه، كما قاله
المصنف. (وإِن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع) بضم الميم الأولى، وفتح الثانية وزاي
مشددة (والأوصال جمع وصل، وهو العضو، والشلو بكسر) الشين (المعجمة،) وإسكان اللام
وبالواو (الجسد ويطلق على العضو، لكن المراد به هنا الجسد،) كما قال الخليل لقوله: على
أوصال، يعني أعضاء جسد، إِذ لا يقال أعضاء عضو انتهى. (والممزع بالزاي) المشددة، (ثم)
العين (المهملة المقطع، ومعنى الكلام أعضاء جسد مقطع،) مفرق.
(وعند أبي الأسود عن عروة، زيادة في هذا الشعر، فقال: لقد أجمع الأحزاب في) أي:
في شأني، (وألبوا) بشد اللام وموحدة، أي: حضوا (قبائلهم،) ولا يفسر يجمعوا أيضًا، كما في
النور ليغاير قوله: أجمع (واستجمعوا كل مجمع وفيه أيضاً:
إِلى اللَّه أشكو غربتي بعد كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
روى أن قريشًا طلبوا جماعة ممن قتل آباؤهم وأقرباؤهم ببدر، فاجتمع أربعون بأيديهم
الرماح والحراب، وقالوا لهم: هذا الرجل قتل آباء كم، فطعنوه بالرماح والحراب، فتحرك على
الخشبة، فانقلب وجهه إلى الكعبة، فقال: الحمد لله الذي جعل وجهي نحو قبلته، فلم يستطع
أحد أن يحوله، (وساقه))) أي: الشعر محمد، (ابن إسحق ثلاثة عشر بيتًا) هكذا في الفتح، ولعله
في رواية غير زيادة، وإلاّ فروايته عشرة فقط، وكذا عند الواقدي وغيره وهي:
لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وكلهم مبدي العداوة جاهد عليٍّ لأني في وثاق مضيع
وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع طويل ممنع

٤٩٠
بعث الرجيع
قال ابن هشام: ومن الناس من ينكرها لخبيب.
فكان أول من سن الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرًا، كذا قاله ابن
إسحق، وقوله هذا يدل على أنها سنة جارية.
وإنما صار فعل خبيب سنة - والسنة إنما هي أقوال رسول الله عَظ ◌ُلّه وأفعاله
وتقريره - لأنه فعلها في حياته عَّ ◌ُلّه، فاستحسن ذلك من فعله واستحسنها
المسلمون.
٠٠.
وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
إِلى الله أشكو غربتي ثم كربتي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي
وذلك في ذات الإِله وإِن يشأ
وقد خيروني الكفر والموت دونه
فقد بضعوا لحمي وقد يأس مطمعي
يبارك على أوصال شلو مـمزع
وقد هملت عيناي من غير مجزع
ولكن حذاري جحم نار ملفع
وما بي حذار الموت إني لميت
وواللَّه ما أخشى إِذا مت مسلمًا على أي جنب كان في اللَّه مضجعي
فلست بمبد للعدوّ تخشعًا ولا جزءًا إِنِي إِلى اللَّه مرجعي
(قال ابن هشام: ومن الناس من،) لفظه وبعض أهل العلم، (ينكرها لخبيب،) والمثبت
مقدم على النافي كيف وبيتان منها في الصحيح.
قال الحافظ: وفيه إنشاء الشعر، وإِنشاده عند القتل، وقوة نفس خبيب، وشدَّة قوته في
دینه.
قال في حديث البخاري: ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحرث فقتله، وكان خبيب هو
الذي سن لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة، وأخبر أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، هكذا في البخاري
في بدر من رواية إِبراهيم بن سعد عن الزهري ونحوه في الجهاد من رواية شعيب عن ابن شهاب،
وسقط ذلك في هذا الباب من رواية معمر، فوقف معه المصنف فعزا لابن إِسحق قوله: (فكان
أول من سن الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرًا،) أي: مصبورًا، أي: محبوسًا للقتل، (كذا
قاله ابن إسحق) عن شيخه عاصم ابن عمر بن قتادة، ولا أدري ما وجه التبري ولا قصر العز.
ولابن إسحق مع كونه في الصحيح موصولاً، وفي السيرة مرسلاً، وقيل: أول من سنهما
زيد بن حارثة للبلاغ الآتي، ورد بأنه لم يتصل، فلا يقاوم ما في الصحيح.
(وقوله: هذا،) كما قال صاحب الروض، (يدل على أنها سنة جارية، وإنما صار فعل
خبيب سنة، والسنة إِنما هي أقوال رسول اللَّه عَ لَه وأفعاله وتقريره، لأنه فعلها في حياته عَّ.
فاستحسن ذلك من فعله،) فهو تقرير له، (واستحسنها المسلمون) وفعلوها كحجر بن عدي

٤٩١
بعث الرجيع
والصلاة خير ما ختم به عمل العبد.
وقد صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة، مولى رسول الله عَليه، في حياته
عليه الصلاة والسلام، كما رويناه من طريق السهيلي بسنده إلى الليث بن سعد
قال: بلغني أن زيد بن حارثة اكترى بغلاً من بالطائف، فاشترط عليه الكراء أن ينزله
حيث شاء. قال: فمال به إلى خربة، فقال له انزل فنزل، فإذا في الخربة قتلى
كثيرة، قال فلما أراد أن يقتله قال له دعني أصلي ركعتين، قال: صلى فقد صلى
قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا، فلما صليت أتاني ليقتلني فقلت: يا أرحم
الراحمين، قال: فسمع صوتًا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج ليطلب فلم ير شيئًا،
فرجع إلي، فناديت: يا أرحم الراحمين، فعل ذلك ثلاثًا، فإذا بفارس على فرس في
يده حربة حديد في رأسها شعلة نار، فطعنه بها فأنفذها
الصحابي، فدل ذلك على عدم نسخها (والصلاة خير ما ختم به عمل العبد،) هو وجه
استحسانهم لها فهو عطف علة على معلول، ولفظ الروض مع أن الصلاة، (وقد صلى هاتين
الركعتين زيد بن حارثة، مولى رسول اللَّه عَّ في حياته عليه الصلاة والسلام، كما رويناه من
طريق السهيلي) في الروض (بسنده إِلى الليث،) وهو حدثنا أبو بكر بن طاهر الإِشبيلي، حدثنا
أبو علي الغساني، حدثنا أبو عمر النمري، حدثنا أبو القسم عبد الوارث بن سفين بن خيرون،
حدثنا قُسم بن أصبغ، حدثنا أبو بكر بن أبي خيثمة، حدثنا ابن معين، حدثنا يحيى بن عبد اللَّه بن
بكير المصري، حدثني الليث (بن سعد، قال: بلغني أن زيد بن حارثة) الحب والد الحب
المختص، بأن اللَّه لم يصرح في القرءان باسم أحد من الصحابة سواه البدري، (اكتوى) من رجل
(بغلاً من الطائف ، واشترط عليه الكراء أن ينزله حيث شاء، قال: فمال به إِلى خربة، فقال له
انزل، فنزل فإِذا في الخربة قتلى كثيرة، قال: فلما أراد أن يقتله، قال: دعني أصلي ركعتين،
قال: صلى، فقد صلى قبلك هؤلاء) الفرائض وغيرها، (فلم تنفعهم صلاتهم شيئاً)، فمراده
الاستهزاء بالمسلمين وصلاتهم من حيث هي، أو الركعتين عند القتل، وهؤلاء كانوا بعد قتل
خبيب، فلا ينافي أنه أوّل من سنهما.
(قال: فلما صليت أتاني ليقتلني، فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتًا لا تقتله
فهاب ذلك، فخرج ليطلب فلم ير شيئاً، فرجع إِليَّ فناديت: يا أرحم الراحمين فعل ذلك ثلاثًا،
فإِذا بفارس) يحتمل أنه جبريل أو غيره، (على فرس في يده حربة حديد في رأسها شعلة نار،
فطعنه بها فأنفذها)، كذا في نسخ، وهي ظاهرة.

٤٩٢
بعث الرجيع
من ظهره فوقع ميتًا. ثم قال: لما دعوت المرة الأولى: يا أرحم الراحمين كنت في
السماء السابعة، فلما دعوت المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت في سماء الدنيا،
فلما دعوت الثالثة أتيتك. انتهى.
في رواية أبي الأسود عن عروة: فلما وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب -
نادوه وناشدوه: أتحب أن محمدًا مكانك؟ قال: لا والله، ما أحب أن يفديني
بشوكة في قدمه.
ويقال: إن الذي قال ذلك زيد بن الدثنة، وأن أبا سفين قال له: يا زيد،
أنشدك بالله أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه، وإنك في أهلك؟
فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه،
وإني لجالس في أهلي.
وفي أخرى: وهي التي رأيتها بالروض فأنفذه، أي: أنفذ ما طعنه به، (من ظهره، فوقع ميتًا،
ثم قال: لما دعوت المرة الأولى يا أرحم الراحمين كنت في السماء السابعة، فلما دعوت
المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت في سماء الدنيا، فلما دعوت) المرة (الثالثة) يا أرحم
الراحمين (أتيتك، انتهى،) فيه الاعتناء بهذا الدعاء، وأن المخلص فيه كزيد محقق الإِجابة، ولعل
حكمة عدم نزوله في أول مرة رجاء أن الكافر ينتهي عن قتله بالقول، فلما كرره ثلاثًا ولم يكف
تحقق عتوه فاستحق القتل، ولعل عدم استمراره في السماء السابعة لآخر الدعوات مع قدرته على
نزوله في أسرع زمن الاعتناء بشأن الداعي في تقربه منه، وتعليمه بذلك الفعل وإخباره عنه بعد
كيف يعين من استغاث به، وذلك بأن يبادر إلى جوابه ويشرع في إِغاثة الملهوف بالأخذ في
أسباب الدفع عنه، هكذا أبدعه شيخنا رحمه الله.
(وفي رواية أبي الأسود عن عروة: فلما وضعوا فيه السلاح) الرماح والحرب وطعنوه
بها طعنًا خفيفًا، (وهو مصلوب نادوه وناشدوه: أتحب أن محمدًا مكانك، قال: لا والله ما)،
أحب أن يفديني) بفتح الياء وسكون الفاء (بشوكة في قدمه، ويقال) وهو الذي عند ابن إسحق،
(أن الذي قال ذلك زيد بن الدثنة،) لما بعث به صفوان مع مولاه نسطاس إلى التنعيم ليقتله،
واجتمع هو وخبيب في الطريق فتواصوا بالصبر والثبات على ما يلحقهما من المكاره. (وأن أبا
سفين قال له: يا زيد أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين، أسألك (باللَّه أتحب أن محمدًا الآن
عندنا مكانك تضرب عنقه، وإِنك في أهلك فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه
الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني لجالس في أهليء) ولا منافاة بين النقلين، فقد يكونون

٤٩٣
بعث الرجيع
قال أبو سفين: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد
محمدًا.
ثم قتله نسطاس - بكسر النون ..
وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشىء من جسده يعرفونه، وكان عاصم ...
قالوا ذلك لخبيب، وقاله أبو سفين لزيد، (فقال أبو سفين: ما،) نافية لا تعجبية كما زعم، وإِن
كان معنى كلامه التعجب، (رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا،
ثم قتله نسطاس بكسر النون)، مولی صفوان حضر يوم أحد مع الكفار، ثم أسلم وحسن إسلامه،
فكان يحدث عن يوم أحد كما في الإصابة، وضمير قتله راجع لزيد فقط كما هو المنقول في
ابن إِسحق وأتباعه، وأما خبيب ففي الصحيح عن أبي هريرة، وجابر أن الذي قتله أبو سروعة
بكسر السين المهملة وفتحها عند الأكثر، والراء ساكنة.
قال الحافظ: زاد سعيد بن منصور والإِسماعيلي عن سفين بن عيينة واسمه عقبة بن
الحرث، وهذا خالف سفين فيه جماعة من أهل السير والنسب، فقالوا: أبو سروعة أخو عقبة حتى
قال العسكري: من زعم أنهما واحد فقد وهم.
وفي الإِصابة: أبو سروعة النوفلي هو عقبة بن الحرث عند الأكثر، وقيل: أخوه واسمه
الحرث أسلم یوم الفتح، و کذا قال الزبير بن بكار وغيره انتھی.
ولابن إِسلحق بإِسناد صحيح عن عقبة بن الحرث قال: ما أنا قتلت خبيبًا لأني كنت أصغر
من ذلك، ولكن أبا ميسرة العبدري أخذ الحربة فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم
طعنه بها حتى قتله، انتھی.
وروى أحمد عن عمرو بن أمية الضمري قال: بعثني رسول اللَّه عَّهِ وحدي عينًا إِلى
قريش، فجئت خشبة خبيب بن عدي لأنزله من الخشبة، فصعدت خشبته ليلاً فقطعت عنه
وألقيته، فسمعت وجبة خلفي، فالتفت فلم أر خبيبًا، وكأنما ابتلعته الأرض فلم أر له أثرًا حتى
الساعة.
وروى أنه عَّهِ أرسل الزبير والمقداد بن الأسود فأتياه، فإذا هو رطب لم يتغير منه شىء
بعد أربعين يومًا ولونه لون الدم، وريحه ريح المسك، فحمله الزبير على فرسه وسارا فلحقهم
سبعون من الكفار، فقذفه الزبير، فابتلعته الأرض فسمي بليع الأرض.
(وبعثت قريش إِلى عاصم) الأمير المقتول أوّلاً في جملة السبعة حين حدثوا أنه قتل
(ليؤتوا) بضم التحتية وفتح الفوقية (بشىء من جسده يعرفونه) به كرأسه، (و) سبب ذلك أنه

٤٩٤
بعث الرجيع
قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، ولعل العظيم المذكور: عقبة بن أبي معيط، فإن
عاصمًا قتله صبرًا بأمر النبي ◌َّ بعد أن انصرفوا من بدر. ووقع عند ابن إسحق
وكذا في رواية بريدة بن سفين: أن عاصمًا لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه
من سلافة بنت سعد، وهي أم مسافع وجلاس ابني طلحة العبدري، وكان عاصم
قتلهما يوم أحد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد لئن قدرت على
رأس عاصم لتشربن الخمر في قحفة - بكسر القاف، وهو ما انفلق من الجمجمة
فبان ۔۔
قال الطبري: وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة.
فمنعهم منهم الدبر- بفتح الدال
(كان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر،) هكذا في حديث أبي هريرة في الصحيح.
قال الحافظ: (ولعل العظيم المذكور عقبة بن أبي معيط، فإِن عاصمًا قتله،) على قول
ابن إسحق (صبرًا بأمر النبي عَّه بعد أن انصرفوا من بدر) بمحل يقال له عرق الظبية (ووقع عند
ابن إسحق، وكذا في رواية بريدة بن سفين: أن عاصمًا لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه
من سلافة) بضم السين المهملة وخفة اللام وبالفاء.
وصحف ابن الأثير فأبدلها ميمًا (بنت سعد) بن شهيد، بضم الشين المعجمة وفتح الهاء،
الأنصارية الأوسية، أسلمت في فتح مكة بعدما نازعت طويلاً في إِعطاء مفتاح البيت كما في
الإصابة، (وهي أم مسافع) بضم الميم وكسر الفاء (وجلاس) بضم الجيم وخفة اللام وسين
مهملة، (ابني طلحة العبدري) بفتح العين المهملة وكسون الموحدة وفتح الدال المهملة وبالراء
نسبة إِلى عبد الدار بن قصي، (وكان عاصم قتلهما يوم أحد، وكانت قد نذرت حين أصاب
ابنيها) المذكورين (يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشرين الخمر في قحفة، بكسر
القاف) وسكون الحاءِ المهملة وبالفاء، (وهو ما انفلق من الجمجمة فبان) ظهر، ولا ينافيه قول
غيره أعلى الدماغ، لأن الجمجمة إِذا انفلقت ظهر أعلى الدماغ، فإِذا شربت في القحف فقد
شربت في الجمجمة.
قال الحافظ: فإن كان محفوظًا احتمل أن تكون قريش لم تشعر بما جرى لهذيل من منع
الدبر لها من أخذ رأس عاصم، فأرسلت من يأخذه أو عرفوا بذلك، ورجعوا أن يكون الدبر تركته
فیتمكنوا من أمره.
(قال الطبري: وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة، فمنعهم منهم الدبر بفتح الدال المهملة

٤٩٥
بعث الرجيع
المهملة وسكون الموحدة: الزنابير - فلم يقدروا منه على شىء.
وكان عاصم بن ثابت قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس
مشركًا. وكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته، كما
حفظه في حياته.
وإنما استجاب الله تعالى له في حماية لحمه من المشركين، ولم يمنعهم من
قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع
لحمه.
وسكون الموحدة الزنابير.
قال الحافظ: وقيل: ذكور النحل ولا واحد له من لفظه، وللبخاري: فبعث اللَّه عليه مثل
الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، (فلم يقدروا منه على شىء).
وفي رواية البخاري في الجهاد: فلم يقدروا أن يقطعوا من لحمه شيئًا، ولأَبي الأسود عن
عروة، فبعث اللَّه عليهم الدبر، تطير في وجوههم وتلدغهم، فحالت بينهم وبين أن يقطعوا، ولابن
إِسحق عن عاصم بن عمر بن قتادة، فلمّا حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه
فتأخذه، فبعث اللَّه الوادي فاحتمل عاصمًا، فذهب به.
وفي معالم التنزيل: فاحتمله السيل، فذهب به إلى الجنة وحمل خمسين من المشركين
إِلى النار، وفي حياة الحيوان أنهم لما قتلوه، أرادوا أن يمثلوا به فحماه اللَّه بالدبر حتى أخذه
المسلمون فدفنوه.
(و) في رواية ابن إِسلحق، عن شيخه عاصم بن عمر، (كان عاصم بن ثابت قد أعطى اللَّه
عهدًا أن لا يمسه مشرك،) قوي رجاؤه في اللَّه فعاهده بذلك، أو عاهده أن لا يمكن مشركًا من
مسه، أو المراد سأله ذلك، (ولا يمس مشركًا) بمصافحة ونحوها مما يشعر بتعظيمه، أو الميل له
فلا ينافي أنه يقتلهم بالسيف والرمح.
(وكان عمر بن الخطاب، (لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته، كما
حفظه في حياته،) ففيه استجابة دعاء المسلم وإِكرامه حيًّا وميتًا، (وإِنما استجاب الله له في
حماية لحمه من المشركين،) لقوله: اللهم إني حميت لك دينك صدر النهار فاحم لحمي ..
آخره. (ولم يمنعهم من قتله لما أراد اللَّه من إِكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك
حرمته بقطع لحمه) كما طلب، ولا يستلزم ذلك كونه أفضل من حمزة ونحوه كما هو ظاهر،
والله أعلم.

٤٩٦
بئر معونة
[بئر معونة]
سرية المنذر بن عمرو - بفتح العين المهملة - إلى بئر معونة - بفتح الميم
وضم المهملة وسكون الواو بعدها نون - موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان. في
صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أحد.
بعث معه المطلب السلمي ليدلهم على الطريق.
وكانت مع رعل - بكسر الراء وسكون العين المهملة - بطن من بني سليم،
ينسبون إلى رعل بن عوف بن ملك. وذكوان بطن من بني سليم أيضًا ينسبون إلى
ذكوان بن ثعلبة. فنسبت الغزوة إليها.
بئر معونة
(سرية المنذر) بضم فسكون، وكسر الذال المعجمة وراء، (ابن عمرو بفتح العين
المهملة) الخزرجي العقبي، البدري، النقيب، من أكابر الصحابة، له حديث رواه عنه سهل بن
سعد أن النبي عَّهِ سجد سجدتي السهو قبل التسليم، أخرجه الدارقطني وغيره (إِلى) أهل (بثر
معونة) ليدعوهم إلى الإِسلام، أو مددًا لهم على عدوّ لهم، ويجيء بسطه (بفتح الميم، وضم
المهملة، وسكون الواو بعدها نون، موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان،) هذا لفظ الفتح تبعًا
المطالع، وفي ابن إسحق، وتبعه اليعمري، وهي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم كلا البلدين
منها قريب، وهي إِلى حرة بني سليم أقرب.
قال شيخنا: والظاهر أنه لا تنافي لجواز أن يكون ذلك الموضع المنسوب لهذيل بين مكة
وعسفان وبجواره أرض بني عامر وحرة بني سليم (في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من
الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد،) عند ابن إسحق، وجعلها بعضهم في المحرم، وقدمها
على بعث الرجيع، (وبعث) عَ لَه (معه،) أي: المنذر خص بالذكر لأنه الأمير، وفي نسخة معهم،
أي: السرية (المطلب السلمي) بضم السين وفتح اللام، نسبة لبني سليم صحابي له ذكر في
هذه الغزوة، (ليدلهم على الطريق، وكانت مع رعل، بكسر الراء وسكون المهملة، بطن من بني
سليم،) بلفظ التصغير (ينسبون إلى رعل بن عوف) بالفاء (ابن لملك) بن امرىء القيس بن نهية
بن سليم، (و) مع (ذكوان) بفتح المعجمة وسكون الكاف، وواو وألف ونون (بطن من بني سليم)
أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة) بن نهية بن سليم، (فنسبت الغزوة إِليها،) أي: بئر معونة
لنزولھم بها.

٤٩٧
بئر معونة
وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكان من أمرها- كما قاله ابن إسحق - أنه
قدم أبو براء عامر بن الملك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة على رسول الله عز له
(وهذه الوقعة) كما تعرف بسرية المنذر وبئر معونة (تعرف بسرية القراء،) جمع قارىء
لكثرة قراءة السبعين الذين ذهبوا فيها، (وكان من أمرها كما قاله ابن إسحق،) عن شيوخه، (أنه
قدم أبو براء) بفتح الموحدة وبالراء والمد (عامر بن ملك بن جعفر) العامري. اختلف في إِسلامه،
فذكره جماعة في الصحابة.
وقال الذهبي: الصحيح أنه لم يسلم.
وقال في الإِصابة: ليس في شىء من الأخبار ما يدل على إِسلامه، وعمدة من ذكره في
الصحابة ما عند ابن الأعرابي وغيره عنه؛ أنه قال: بعثت إلى النبي عَّ ألتمس منه دواء، فبعث
إِليَّ بعكة عسل، وليس ذلك بصريح في إسلامه، بل ذكر أبو حاتم السجستاني عن هشام الكلبي؛
أن عامر بن الطفيل، لما أخفر ذمة عمه عامر بن لملك، عمد إِلى الخمر فشربها صرفًا حتى مات.
نعم، ذكر عمرو بن شبة، عن مشيخة من بني عامر، قالوا: قدم على رسول اللَّه عَّه
خمسة وعشرون رجلاً من بني جعفر، ومن بني بكر فيهم عامر بن ملك، فنظر عَّهِ إِليهم، فقال:
(قد استعملت عليكم هذا)، وأشار إلى الضحاك بن سفين الكلابي، وقال لعامر بن لملك: ((أنت
على بني جعفر))، وقال للضحاك: استوص به خيرًا))، فهذا يدل على أنه وفد بعد ذلك مسلمًا،
انتهى. (المعروف بملاعب الأسنة،) جمع سنان، وهو نصل الرمح، كما في القاموس عبر به
لكونه المقصود من الرمح.
قال في الروض: سمى بذلك في يوم سوبان، وهو يوم كان بين قيس وتميم وجبلة اسم
لهضبة عالية، لأن أخاه طفيلاً الذي يقال له فارس قرزل، أسلمه ذلك اليوم وفر، فقال الشاعر:
فررت وأسلمت ابن أمك عامرًا يلاعب أطراف الوشيج المزعزع
فسمى ملاعب الرماح، وملاعب الأسنة، وهم عم لبيد بن ربيعة انتهى. (على
رسول اللّه عَّ).
وفي رواية: أنه أهدى إليه فرسين وراحلتين، فقال عَّهِ: ((لا أقبل هدية مشرك)).
وفي رواية: إني نهيت عن زبد المشركين بفتح الزاي، وسكون الموحدة وبالدال المهملة،
الرفد والعطاء.
قال السهيلي في غزوة تبوك: ولم يقل من هديتهم؛ لأنه إنما كره ملاينتهم، ومداهنتهم إِذا
كانوا حربًا له، لأن الزبد مشتق من الزبد، كما أن المداهنة مشتقة من الدهن، فعاد المعنى إِلى
معنى اللبن ووجود الجد في حربهم والمخاشنة، وقد رد هدية أبي براء، وكان أهدى إليه فرسًا،
۔

٤٩٨
بئر معونة
فعرض عليه الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد وقال: يا محمد لو بعثت رجالاً من
أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك. فقال عليه
الصلاة والسلام إني أخشى أهل نجد عليهم. قال أبو براء: أنا لهم جاء فابعثهم.
فبعث عليه الصلاة والسلام المنذر بن عمرو، ومعه القراء وهم سبعون - وقيل
أربعون وقيل: ثلاثون -.
.
وقد بيّ قتادة في روايته أنھم کانوا یحتطبون بالنهار ويصلون بالليل.
وأرسل إليه أنني قد أصابني وجع، أحسبه قال: يقال له الدبلة، فابعث إليَّ بشىء أتداوى به،
فأرسل إليه بعكة عسل، وأمره أن يستشفي به ورد عليه هديته، وقال: ((إني نهيت عن زبد
المشركين)) انتهى، وهذا قبل ما تقدم بلا ريب، لا بعده لموته أسفًا على ما صنع عامر سريعًا.
(فعرض عليه الإِسلام، فلم يسلم، ولم يبعد) بفتح أوله وضم العين، بل قال: يا محمد إني أرى
أمرك هذا حسنًا شريفًا، وقومي خلفي، فلو أنك بعثت معي نفرًا من أصحابك، لرجوت أن يتبعوا
أمرك؛ فإنهم إِن أتبعوك فما أعز أمرك، (وقال: يا محمد: لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل
نجد فدعوتهم) بفتح التاء خطابًا، أي: بواسطة من ترسله إِليهم، (إلى أمرك لرجوت) بضم التاء
على التكلم (أن يستجيبوا لك، فقال عليه الصلاة والسلام: إِني أخشى أهل نجد عليهم،) هو
في الأصل ما أشرف من الأرض.
(قال أبو براء: أنا لهم جار،) أي: هم في ذمامي وعهدي وجواري، (فابعثهم، فبعث عليه
الصلاة والسلام المنذر بن عمرو، ومعه القراء،) وانفصل المصنف عن رواية ابن إسحق التي هو
فيها دون بيان، فقال: (وهم سبعون،) كما في البخاري ومسلم من طرق عن أنس.
قال السهيلي: وهو الصحيح، (وقيل: أربعون،) كما في رواية ابن إسحق وموسى ابن عقبة.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بأَن الأربعون كانوا رؤساء، وبقية العدة إِتباعًا. (وقيل: ثلاثون).
قال الحافظ: هو وهم، لكن قال في الغرر: إِن رواية القليل لا تنافي رواية الكثير، وهو من
باب مفهوم العدد، و کذا قول من قال ثلاثین، انتھی.
(وقد بيّ قتادة) بن دعامة (في روايته))) عن أنس في الصحيح (أنهم كانوا يحتطبون،)
يجمعون الحطب (بالنهار، ويصلون بالليل،) ولفظه: استمدوا رسول اللَّه عَةٍ، فأمدهم بسبعين من
الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل. وادعى الدمياطي
أن هذه الرواية وهم؛ فإنهم لم يستمدوه عَّه وإِنما الذي استمدهم عامر بن الطفيل على الصحابة.
قال الحافظ: ولا مانع أن يستمدوه عَّله في الظاهر وقصدهم الغدر بهم، ويحتمل أن

٤٩٩
بئر معونة
وفي رواية ثابت: ويشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرءان بالليل.
فساروا حتى وصلوا إلى بئر معونة، بعثوا حرام بن ملحان بكتابه عَّهِ إلى
عدو الله عامر بن الطفيل العامري، ومات كافرًا - وليس هو عامر بن
الذين استمدوه غير الذين استمدهم عامر، والكل من بني سليم.
وفي رواية عاصم عن أنس عند البخاري أنه عَّ الله بعث أقوامًا إِلى ناس من المشركين بينهم
وبين رسول اللَّه عَّ عهد، ويحتمل أنه لم يكن استمدادهم لهم لقتال عدو، وإنما هو للدعاء
للإِسلام، وقد أوضح ذلك ابن إسحق، فذكر ما نقله المصنف عنه، وقيل في تأويله أيضًا، أي:
طلبوا منه مدة يمهلهم فيها، أي: للتروي في الإِسلام؛ لأنهم لم يسلموا، ولم يظهروا إِسلامًا.
(وفي رواية ثابت) البناني، عن أنس في الصحيح: (ويشترون به))) أي: الحطب، (الطعام
لأهل الصفة،) وللفقراء.
وفي رواية: ويأتون به إِلى حجر أزواجه عَّه، (ويتدارسون القرءان بالليل،) ويصلون كما
هو بقية رواية ثابت، والجمع بين هذه الروايات سهل بأنهم كانوا يصلون بعض الليل، ويدرسون
بعضه، ويحتطبون ويبيعون بعضه، يشترون به طعامًا لأهل الصفة والفقراء، وبعضه يأتون به الحجر
الشريفة أو بعضهم يفعل كذا، والآخر كذا، أو يفعلون ذا مرة وذا مرة، وقوله لأهل الصفة لا يفهم
أنهم ليسوا من أهلها.
وقد نص المصنف في بناء المسجد على أنهم من أهل الصفة، فبعض أهل المحل يشتري
لبعض، كما هو مشاهد في كثير من الزوايا، والربط فلا حاجة لحمله على النفي والإِثبات
وتعسف الجمع؛ بأن من عدهم من أهلها نظر إِلى إعراضهم عن نحو: التجارة والزراعة ومخالطة
أهلها، إِلاّ وقت الحاجة ومن لم يعد بناه على أن أهلها هم الملازمون للمسجد الذين لم يتعلقوا
بشىء غير العبادة، أو أمر ضروري يخرجون له ويعودون سريعًا.
(فساروا حتى وصلوا إلى بئر معونة، بعثوا حرام) بمهملة وراء (ابن ملحان) بكسر الميم
أشهر من فتحها، أخو أم سليم خال أنس بن ملك (بكتابه عَلَّهِ إِلى عدوَّ اللَّه عامر بن الطفيل)
ابن لملك بن جعفر الكلابي (العامري) وهو ابن أخي أبي براء، (ومات كافرًا) بإجماع أهل النقل،
وعده المستغفري صحابيًا غلط، قاله البرهان.
وقال الحافظ: هو خطأ صريح؛ فإِن عامرًا مات كافرًا، وقصته معروفة يريد في الصحيح
وغيره من قدومه على النبي عَّه، وقوله لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو
أُغزوك بألف أشقر وألف شقراء، فقال عَّه: ((اللهم اكفني عامرًا»، فطعن في بيت امرأة فقال:
غدة كغدة البكر في بيت امرأة، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، (وليس هو عامر بن

٥٠٠
بئر معونة
الطفيل الأسلمي الصحابي - فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل
فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فلم يجبيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد
عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم: عصية
الطفيل الأسلمي الصحابي.
قال الحافظ: وسبب وهم المستغفري، أنه أخرج عن أبي أمامة عن عامر بن الطفيل؛ أنه
قال: يا رسول اللَّه زودني كلمات، قال: ((يا عامر أفش السلام، وأطعم الطعام، واستحي من اللّه،
وإِذا أسأت فأحسن)) في ترجمة العامري، والحديث إنما هو للأسلمي كما أخرجه البغوي عن
عبد اللَّه بن بريدة الأسلمي قال: حدثني عمي عامر بن الطفيل فذكره.
وفي رواية الطبري: فخرج حرام، فقال: يا أهل بئر معونة إِني رسول رسول اللَّه إليكم
فآمنوا بالله ورسوله، فخرج رجل برمح، فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر.
وفي الصحيح: فجعل يحدثهم فأومؤوا إِلى رجل، فأتاه من خلفه فطعنه بالرمح، قال: اللَّه
أكبر فزت ورب الكعبة، قال الحافظ: لم أعرف اسم الرجل الذي طعنه.
وفي سيرة ابن إِسحق ما ظاهره، أنه عامر بن الطفيل؛ لأنه قال (فلما أتاه لم ينظر في
كتابه،) بل أعرض عنه، واستمر في طغيانه، (حتى عدا على الرجل فقتله).
لكن في الطبراني من طريق ثابت عن أنس أن قاتل حرام بن ملحان أسلم، وعامر بن
الطفيل مات كافرًا كما تقدم، انتهى من الفتح. فكان نسبة ذلك إليه على سبيل التجوز لكونه
رأس القوم، كما قاله نفس الحافظ بعد في ابن فهيرة.
وفي الصحيحين، عن أنسٍ لما طعن حرام بن ملحان قال: فزت ورب الكعبة.
واتفق أهل المغازي على أنه استشهد يوم بئر معونة المذكور.
وحكى أبو عمر عن بعض أهل الأخبار أنه ارتث يومئذ.
فقال الضحاك ابن سفين الكلابي، وكان مسلمًا يكتم إِسلامه، لامرأة من قومه: هل لك
من رجل إِن صح كان نعم الراعي، فضمته إليها فعالجته فسمعته يقول:
أيا عامر ترجو المودة بيننا وهل عامر إِلاَّ عدو مداهن
إذا ما رجعنا لم يك وقعة بأسيافنا في عامر أو تطاعن
فوثبوا عليه فقتلوه. (ثم استصرخ،) استغاث (عليهم من بني عامر) قومه، (فلم يجيبوه،
وقالوا: لن نخفر) بضم أوله وكسر الفاء)، (أبا براء)) أي: لن ننقض عهده وذمامه. (و) الحال أنه
(قد عقد لهم عقدًا وجوارًا) بكسر الجيم وضمها، فالأجانب راعوه وابن أخيه نقض عقده،
(فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية،) بدل من قبائل بضم العين، وفتح الصاد