Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ غزوة أحد فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس، وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة. ونزل عليه الصلاة والسلام بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبي في ثلاثمائة ممن تبعه من قومه من أهل النفاق. المصطلق وبنو الهون بن خزيمة وبنو الحرث بن عبد مناة، الذين حالفوا قريشًا بذنبة حبشي، جبل بأسفل مكة، فسموا به، ويقال: هو واد بمكة، ويقال: سموا بذلك، لتجمعهم على أنهم يد واحدة على غيرهم أبدًا. (فيهم سبعمائة دارع،) لابس الدرع، وهكذا ذكره ابن سعد. (ومائتا فرس،) قاله ابن إِسحق، (وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة) من أشرافهم. قال ابن إسحق: خرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة، وأن لا يفروا، بفتح الحاء المهملة، وكسر الفاء، فتحتية ساكنة، ثم ظاء معجمة مفتوحة، ثم تاء تأنيث. قال السهيلي: أي الغضب للحرم، وقال أبو ذر: الأنفة والغضب، وسمي ابن إِسحق منهن هند بنت عتبة، خرجت مع أبي سفين، وأم حكيم بنت الحرث بن هشام مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحرث بن هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع زوجها صفوان بن أمية، وريطة بنت منبه السهمية مع زوجها عمرو بن العاصي، وهي أم ابنة عبد اللَّه، وسلافة بنت سعد الأنصارية مع زوجها طلحة الحجبي، وخناس بنت لملك مع ابنها أبي عزيز بن عمير أخي مصعب شقيقه، وخرجت عميرة بنت علقمة، ولم يسم الباقين، ونقله عنه الفتح، ولم یزد علیه. وكذا ذكر في النور الثمانية فقط، وقد أسلمن بعد ذلك وصحبن الأخناس، وعميرة ملك، فلم أر لهما ذكرًا في الإِصابة، وقد صرح في النور؛ بأنه لا يعلم لهما إِسلامًا، (ونزل عم الصلاة والسلام بأحد، ورجع عنه عبد الله بن أبي) ابن سلول (في ثلاثمائة ممن تبعه من قومه من أهل النفاق،) وقال: كما عند ابن سعد عصاني، وأطاع الولدان، ومن لا رأي له ولإِبن إسحق قال: أطاعهم وعصاني، علامَ نقتل أنفسنا، فأتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، وكان خزرجياً كابن أبي، فقال: أذكركم اللَّه أن تخذلوا قومكم ونبيكم بعدما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فلما أبوا، قال: أبعد كم اللَّه فسيغني اللَّه عنكم نبيه، واعتذاره لعبد الله بما ذكر، وإِن كان كاذبًا فلا ينافي قوله أطاعهم وعصاني، كما توهم، لأنه خطاب لقومه الذين هم منافقون مثله. قال ابن عقبة: فلما انخزل ابن أبي بمن معه، سقط في أيدي طائفتين من المسلمين، وهما أن يقتتلا، وهما بنو حارثة من الخزرج، وبنو سلمة، بكسر اللام، من الأوس. وفي الصحيح، عن جابر، نزلت هذه الآية فينا: ﴿إِذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ [آل ٤٠٢ غزوة أحد ويقال: إن النبي عّلِّ أمرهم بالانصراف لكفرهم بمكان يقال له الشوط، ويقال بأحد. عمران: ١٢٢]، بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل، واللَّه يقول: والله وليهما. قال الحافظ: أي: أن الآية وإِن كان في ظاهرها غضّ منهم، لكن في آخرها غاية الشرف لهم. قال ابن إسحق: قوله والله وليهما، أي الدافع عنهما ما هموا به من الفشل، لأن ذلك كان من وسوسة الشيطان من غير وهن منهم في دينهم. وفي الصحيح أيضًا عن عبد الله بن زيد، لما خرج عَّهِ إِلى غزوة أحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحابه عَّله فرقتين، فرقة تقول نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم. فنزل: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين واللَّه أركسهم بما كسبوا﴾ [النساء: ٨٨]، وقال: إِنها طيبة تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الحديد، وهذا هو الأصح في سبب نزولها، وقوله: الذنوب، كذا رواه البخاري في المغازي، وفي الحج بلفظ: تنفي الرجال، وفي التفسير: تنفي الخبث، وهو المحفوظ قاله في الفتح. (ويقال: إِن النبي ◌َّةٍ أمرهم بالانصراف لكفرهم،) حكاه مغلطاي وغيره. والتنظير فيه بأن الذين ردهم لكفرهم، حلفاء ابن أبي اليهود، وكان رجوعهم قبل الشوط لا يلتفت إليه، فنقل الحفاظ لا يدفع بالتوهمات العقلية، وأيضًا فهؤلاء ثلاثمائة، واليهود ستمائة، كما مرّ. والجواب: بأن المعنى أمر بالكف عنهم ونهى عن طلب رجوعهم، فكأنه أمرهم بالانصراف حقيقة فيه، مع تعسفه إثبات أمر ونهي، لم يرد، وكان رجوعهم على كل من القولين (بمكان يقال له: الشوط،) بشين معجمة مفتوحة، فواو ساكنة، فطاء مهملة، اسم حائط بالمدينة، كما في النور. وفي ابن إسحق: بين المدينة وأحد. (ويقال:) انخزلوا (بأحد،) وبالأول جزم ابن إسحق، ثم قال: قال عَّ لأَصحابه: ((من يخرج بنا على القوم من كثب))، أي: ((من قرب من طريق لا يمر بنا عليهم)). فقال أبو خيثمة: أنا يا رسول اللَّه، فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم، حتى سلك في مال لمربع بن قيظي، وكان منافقًا ضريرًا، فلما سمع حس المصطفى والمسلمين، قام يحثي في وجوههم التراب، ويقول: إِن كنت رسول اللَّه؛ فإني لا أحل لك أن تدخل في حائطي، وقد ذكر لي، أنه أخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: والله لو أعلم أني لا أُصيب بها غيرك يا محمد، لضربت بها وجهك، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال عَ لّهِ: ((لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر))، وقد بدر إليه سعد بن زيد الأشهلي قبل النهي، فضربه بالقوس في رأسه فشجه، ومضى عَّه حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إِلى أحد. وفي رواية: أنه لما وصل إلى أحد صلى به الصبح صفوفًا عليهم سلاحهم، وغلط من ٤٠٣ غزوة أحد ثم صف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة. قال ابن عقبة: وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد، وعلى میسرتها عكرمة بن أبي جهل. وجعل عَّةِ على الرماة - وهم خمسون رجلاً - عبد الله بن جبير، وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم زعم أنه بات بأحد ومربع، بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحدة، وعين مهملة، وقيظي، بفتح القاف، وسكون التحتية، وظاء معجمة، وياء مشددة، ويحثي بالياء، على إحدى اللغتين. ففي القاموس: حتى التراب، يحثوه ويحثيه حثوًا وحثيًّا، (ثم صف،) أي: اصطف (المسلمون بأصل أحد،) أي: سفحه، (وصف المشركون بالسبخة،) بفتح السين المهملة، وفتح الموحدة، وسكونها، الأرض المالحة وجمعها سباخ، فإِذا وصفت بها الأرض قلت: سبخة بالكسر، كما في النور. (قال) موسى (بن عقبة: وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد،) سيف الله الذي سله على المشركين بعد، (وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل،) زاد غيره: وجعلوا على المشاة صفوان ابن أمية، ويقال: عمرو بن العاصي، وعلى الرماة وكانوا مائة عبد الله بن أبي ربيعة، وأسلموا كلهم. (و) في البخاري (جعل عَّه على الرماة،) بضم الراء بالنبل، (وهم خمسون رجلاً،) هذا هو المعتمد. وفي الهدي: أن الخمسين عدد الفرسان، وهو غلط بين، كما في الفتح، وقد قدمته، وقيل: ما في الهدى انتقال حفظ من الرماة إلى الفرسان، قال البرهان: والظاهر أنه ليس بانتقال؛ لأنه ذكرهم فيما يليه، فقال: واستعمل على الرماة، وكانوا خمسين، انتهى، أي: فهو غلط محض. (عبد اللَّه بن جبير) بن النعمان، أخا بني عمرو بن عوف الأنصاري الأوسي العقبي البدري، المستشهد يومئذ، وهو أخو خوات بن جبير، (وقال: إِن رأيتمونا تخطفنا الطير.) قال المصنف: بفتح الفوقية، وسكون الخاء المعجمة، وفتح المهملة مخففًا، ولأبي ذر تخطفنا، بفتح الخاء وشد الطاء، وأصله تتخطفنا بتاءين حذفت إِحداهما، أي: إِن رأيتمونا قد زلنا من مكاننا وولينا، أو إِن قتلنا، أو أكلت الطير لحومنا، (فلا تبرحوا من مكانكم هذا، حتى أرسل إليكم. وعند ابن إسحق: انضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتوننا من خلفنا، (وإن رأيتمونا هزمنا القوم ٤٠٤ غزوة أحد وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم. كذا في البخاري من حديث البراء. وفي حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني والحاكم: أنه عَّهِ أقامهم في موضع ثم قال: احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشر کونا. قال ابن إسحق: وقال رسول الله عَ له: من يأخذ هذا السيف بحقه، فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني، وأوطأناهم،) بهمزة مفتوحة، فواو ساكنة، فطاء فهمزة ساكنة، أي: مشينا عليهم، وهم قتلى (فلا تبرحواء) أي: من مكانكم، (حتى أرسل إليكم، كذا في البخاري) في الجهاد، بهذا اللفظ. وفي المغازي بتغيير قليل (من حديث البراء) بن عازب. وفي حديث ابن عباس، عند أحمد والطبراني والحاكم؛ أنه عَّ أقامهم في موضع، ثم قال لهم: ((احموا ظهورنا، لا يأتونا من خلفنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا)))، بفتح التاء والراء، أي: لا تكونوا مشاركين لنا. زاد في رواية: وارشقوهم بالنبل، فإِن الخيل لا تقوم على النبل، إِنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، اللهم إني أشهدك عليهم، وكان أول من أنشب الحرب أبو عامر الفاسق كما يأتي. (قال ابن إسحق: وقال رسول اللَّه عَّهِ: من يأخذ هذا السيف؟) ذكر أبو الربيع في الاكتفاء؛ أنه کان مکتوبًا في إِحدی صفحتیه: في الجبن عار وفي الأقدام مكرمة والمرء بالجبن لا ينجو من القدر وروى أحمد ومسلم عن أنس، والطبراني عن قتادة بن النعمان وابن راهويه، والبزار عن الزبير، قالوا: عرض عَّ ه سيفًا يوم أحد، فأخذه رجال فجعلوا ينظرون إليه. وفي لفظ: فبسطوا أيديهم، كل إِنسان يقول: أنا، فقال: من يأخذه (بحقه،) فأحجم القوم، (فقام إليه رجال) سمى منهم عمر والزبير؛ كما عند ابن عقبة، وعلي كما في الطبراني، وأبو بكر كما في الينابيع، (فأمسكه عنهم). ولابن راهويه، أن الزبير طلبه ثلاث مرات، كل ذلك يعرض عنه، (حتى قام إِليه أبو دجانة،) بضم الدال المهملة، وبالجيم والنون، (سماك) بسين مهملة، ابن خرشة، وقيل: ابن أوس بن خرشة الأنصاري المتفق على شهود بداره، وعلى أنه استشهد باليمامة، (فقال: وما حقه يا رسول اللَّه؟ قال: أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني). ٤٠٥ غزوة أحد قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إليه وكان رجلاً شجاعًا يختال عند الحرب، فلما رآه عليه الصلاة والسلام يتبختر قال: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن. قال الزبير بن العوام - فيما قاله ابن هشام- فقلت والله لأنظرن ما يصنع أبو دجانة. فاتبعته فأخذ عصابة له حمراء فعصب . وروى الدولابي في الكنى عن الزبير، قال عليه السلام: ((لا تقتل به مسلمًا، ولا تفر به من كافر)). (قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله،) أي: بما يقابله من الثمن، وهو الصفة التي ذكرتها، وجعل القتال به ثمنه مجازًا. وعند الطبراني قال: لعلك إِن أعطيتكه تقاتل به في الكيول، قال: لا، (فأعطاه إِليه،) ولعله علم بالوحي أنه لا يقوم به حق القيام، إلا هو وهي مزية. (وكان رجلاً شجاعًا يختال عند الحرب،) قال في النور: الخيلاء والمخيلة والاختيال، كله التكبر، (فلما رآه عليه الصلاة والسلام يتبختر قال: ((إِنها لمشية يبغضها الله))) بضم الياء وكسر الغين، من أبغض لا بفتحها، وضم الغين من بغض، لأنه لغة رديئة؛ كما في المصباح والقاموس، وقد وهم في ذلك بعضهم، (إلا في مثل هذا الموطن،) لدلالتها على احتقار العدو، وعدم مبالاته بهم على حد قوله: جاء شقيق عارضًا رمحه فينكسر قلب العدو، ويداخله مزيد الرعب. (قال الزبير بن العوام فيما قاله) عبد الملك (بن هشام،) الحميري المعافري المصري، وأصله من البصرة، العلامة في النسب والنحو، المشهور بحمل العلم، مهذب سيرة ابن إسحق التي رواها عن زياد البكائي، عنه المتوفي بمصر سنة ثلاث عشرة ومائتين. ولفظه: حدثني غير واحد من أهل العلم، أن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول اللّه عَ لِّ السيف، فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة، وقلت: أنا ابن صفية عمته ومن قريش، وقد قمت إليه وسألته إياه قبله، فأعطاه أبا دجانة وتركني، (فقلت: واللّه لأنظرن ما يصنع أبو دجانة فاتبعته،) لأُشاهد الآية الباهرة في منع المصطفى لي ولغيري فيزداد يقيني. وقوله: وجدت، أي: غضبت، أو حزنت، كما في النور وغيره، أي: على نفسه، خوفًا أن المنع بسبب فيه يقتضيه، (فأخذ) لفظ ابن هشام، فأخرج. وفي الينابيع ثم أهوى إِلى ساق خفه، فأخرج منها (عصابة له حمراء) مكتوبًا في أحد طرفيها نصر من الله وفتح قريب، وفي طرفها الآخر الجبانة في الحرب عار، ومن فر لم ينج من النار، انتهى. (فعصب) قال البرهان: مخفف ٤٠٦ غزوة أحد بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت فخرج وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكتّول أضرب بسيف الله والرسول فجعل لا يلقى أحدًا من المشركين إلا قتله. ومشدد، (بها رأسه فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت) في ابن هشام، وهكذا كانت تقول له: إِذا تعصب بها، (فخرج وهو يقول: أنا الذي،) وأنشده الجوهري بلفظ: إني امرؤ (عاهدني،) أراد قوله: لعلك إِن أعطيتكه تقاتل به في الكيول فقال: لا (خليلي.) قال: في الروض أنكره عليه بعض الصحابة، وقالوا له: متى كان خليلك؟، وإِنما أنكره لقوله عَّله: ((لو كنت متخذًا خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً))، ولكن إخوة الإِسلام قال: وليس في الحديث ما يدفع أن يقول الصحابي خليلي، لأنهم يريدون به معنى الحبيب، ومحبتهم له تقتضي هذا وأكثر منه، ما لم يكن غلوًّا وقولاً مكروهًا، وإِنما فيه أَنه عليه السلام لم يكن يقولها لأحد، ولا خص بها أحدًا دون أن يمنع أصحابه ان یقولوها له، انتھی. (ونحن بالسفح،) قال في النور: رأى جانب الجبل عند أصله، (لدى،) بفتح اللام والمهملة، أي: عند (النخيل) اسم جنس نخلة، (أن لا أقوم الدهر في الكيول اضرب،) بضم الموحدة، قال الجوهري: وإِنما سكنه لكثرة الحركات، قال شيخنا: أو لإِرادة الإِدغام، لأن النظم لا يستقيم بدونه، (بسيف الله والرسول) وأنشده الجوهري، بدون الشطر الثاني، ولكن مثله لا يعترض به لأنه زيادة ثقة، (فجعل لا يلقى أحدًا من المشركين إلا قتله). وفي مسلم من حديث أنس: فغلق أبو دجانة بالسيف هام المشركين. وعند ابن هشام عن الزبير، وكأن في المشركين رجل لا يدع لنا جريحًا إِلا ذفف عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت اللَّه أن يجمع بينهما فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبو دجانة فأتقاه بدرقته، فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته حمل بالسيف على رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها. قال ابن إسحق، وقال أبو دجانة: رأيت إِنسانًا يحمس الناس حمسًا شديدًا، فصمدت إليه، فلما حملت عليه السيف ولول فأكرمت سيف رسول اللَّه عَّل أن أضرب به امرأة، وعن الزبير خرج أبو دجانة بعدما أخذ السيف وأتبعته، فجعل لا يمر بشىء إِلا أفراه وهتكه وفلق به المشركين، وكان إذا كل شحذه بالحجارة، ثم يضرب به العدو كأنه منجل، حتى أتى نسوة في سفح الجبل ومعهن هند، وهي تغني، تحرض المشركين، فحمل عليها، فنادت: يا لصخر، فلم يجبها أحد، فانصرف عنها فقلت له: كل سيفك رأيته فأعجبني، غير أنك لم تقتل المرأة، قال: كرهت ٤٠٧ غزوة أحد وقوله: في الكيول - يفتح الكاف وتشديد المثناة التحتية - مؤخر الصفوف. وهو: فيعول من كال الزند يكيل كيلاً إذا كبا ولم يخرج نارًا، فشبه مؤخر الصفوف به لأن من كان فيه لا يقاتل. قال أبو عبيدة: ولم يسمع إلا في هذا الحدیث. أن أضرب بسيف رسول اللَّه عَِّ امرأة لا ناصر لها. ذفف، بالذال المعجمة وشد الفاء الأولى، مفتوحات أسرع قتله، ويحمس حمسًا، بحاء مهملة، يروى بالسين المهملة، يشجعهم من الحماسة، وبالشين المعجمة، من أحمشت النار أوقدتها، قاله السهيلي وغيره. وصمدت إليه قصدته، والمعروف صمدته، لكن ضمن معنى قصد فعداه پإِلى، لأن قصد يتعدى يإِلى وبنفسه، وولولت قالت: يا ويلها هذا قول أكثر اللغويين. وقال ابن دريد: الولولة، رفع المرأة صوتها في فرح أو حزن، قاله أبو ذر في حواشيه. (وقوله في الكيول، بفتح الكاف وتشديد المثناة التحتية،) مضمومة ثم واو ساكنة ثم لام، (مؤخر الصفوف،) كما قاله الجوهري، وأبو عبيد والهروي، وقالا: ما معناه: (وهو فيعول من كال الزند يكيل كيلاً إِذا كبا ولم يخرج نارًا،) وذلك شىء لا نفع فيه، (فشبه مؤخر الصفوف به لأَن من كان فيه لا يقاتل،) وقيل: الكيول الجبان، وقيل: ما أشرف من الأرض بريد تقوم فوقه فتنظر ما يصنع غيرك، كما في النهاية وغيرها، والأول أنسب بالمقام، ولذا اقتصر عليه المصنف تبعًا للجماعة، وأما الجبان فلا معنى له هنا إِلاَّ بتكلف، وكذا الثالث بعيد من السياق؛ فإِنه وإِن كان له معنى لا يناسب قوله: تقاتل به في الكيول، وقال أبو ذر في حواشيه: الكيول، بالتشديد والتخفيف، آخر الصفوف في الحرب. وقال ابن سراج: من رواه بالتخفيف، فهو من قولهم: كال الزند، إِذا نقص، انتهى. وفي الصحاح: كال الزند يكيل، إذا لم يخرج نارًا. قال البرهان: وفي نسخة بهذه السير، يعني العيون في الهامش الكبول، بضم الكاف والموحدة بالقلم جمع كبل، وهو القيد الضخم. وهذا إن صح رواية فله معنى، وفي صحته نظر، انتهى. (قال أبو عبيدة) معمر بن المثنى: ولد سنة اثنتي عشرة ومائة، ومات سنة تسع أو ثمان، أو عشر أو إِحدى عشرة ومائتين، (ولم يسمع) لفظ الكيول، (إلا في هذا الحديث،) قال شيخنا: لعل المراد لم يسمع في حديث غيره، وإلا فهو منقول عن اللغة، كما يدل عليه الخلاف المتقدم في معناه. وعند ابن سعد: وكان أول من أنشب الحرب بينهم أبو عامر، وذكر ابن إِسحق عن ٤٠٨ غزوة أحد وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف. والتقى حنظلة الغسيل وأبو سفين فضربه شداد بن أوس فقتله فقال عَ له: إن حنظلة لتغسله الملائكة، عاصم بن عمر بن قتادة أنه حين خرج إلى مكة مباعدًا له عَُّلِّ معه خمسون غلامًا من الأوس، وقيل: خمسة عشر، كان يعد قريشًا أن لو لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلقيهم في الأحابيش، وعبدان أهل مكة فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر، فقالوا: لا أنعم اللَّه بك عينًا يا فاسق. وكان يسمى في الجاهلية الراهب، فسماه عَّه الفاسق، فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتلهم قتالاً شديدا. قال ابن سعد: ثم تراموا بالحجارة حتى ولى أبو عامر وأصحابه، وجعل نساء المشركين يضربن بالدفوف والغرابيل، ويحرضن ويذكرنهم قتلى بدر، ويقلن شعرًا. قال ابن إسحق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أثخن في الناس كما مرد، (وقاتل حمزة بن عبد المطلب،) فأثخن خصوصًا في الرؤساء، (حتى قتل أرطأة بن شرحبيل،) بضم الشين، (ابن هاشم بن عبد مناف) بن عبد الدار بن قصي، كما في ابن إسحق، ولو زادهما المصنف، كان أحسن لئلا يوهم أنهما اللذان في النسب الشريف. وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، ولذا خصه بالذكر وكونه قاتله، جزم به ابن إسحق، وقال ابن سعد وغيره: قتله علي وصححه، (والتقى حنظلة الغسيل) بن أبي عامر الفاسق، واسمه عبد عمرو بن صيفي بن ملك بن النعمان الأوسي. قال البرهان: ووقع في العيون عبد بن عمرو، والصواب حذف ابن، (وأبو سفين) بن حرب، فعلاه حنظلة، (فضربه شداد بن أوس) ابن شعوب، قاله ابن سعد، وقال ابن إسحق والواقدي وغيرهما: شداد بن الأسود، وهو ابن شعوب الليثي، قال في الإِصابة: قال المرزباني: شعوب أمه، والأسود أبوه أسلم بعد ذلك وصحب، انتهى. فقصر البرهان في قوله: لا أعلم لشداد إِسلامًا. وفي تفسير الحميدي؛ كما قاله السهيلي: مكان شداد جعونة ابن شعوب الليثي، وهو مولى نافع القاري، وجعونة هو أخو شداد له إدراك، كما في الإصابة في قسم المخضرمين، (فقتله، فقال عَّهُ: إِن حنظلة لتغسله الملائكة). وعند ابن سعد: رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن، في صحاف الفضة بين السماء ٤٠٩ غزوة أحد فسألوا امرأته جميلة أخت عبد الله بن أبي فقالت: خرج وهو جنب فقال عليه الصلاة والسلام لذلك غسلته الملائكة. وبذلك تمسك من قال من العلماء: إن الشهيد يغسل إذا كان جنبًا. وقتل علي رضي الله عنه طلحة بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين، ... والأرض، (فسألوا امرأته جميلة، أخت عبد الله بن أبي) ابن سلول المنافق، وكان ابتنى بها تلك الليلة، وكانت عروسًا عنده، فرأت في المنام تلك الليلة كأَن بابًا من السماء قد فتح له، فدخله، ثم أغلق دونه، فعلمت أنه ميت من غده، فدعت رجالاً حين أصبحت من قومها، فأشهدتهم على الدخول بها خشية أن يكون في ذلك نزاع، ذكره الواقدي، كما في الروض، (فقالت: خرج وهو جنب،) حين سمع الهاتفة، (فقال عليه الصلاة والسلام: لذلك غسلته الملائكة))). قال في الروض: وذكر أنه التمس في القتلى، فوجدوه يقطر رأسه ماء، وليس بقربه ماء تصديقًا لقوله ێ، انتهى. والهاتفة، بالتاء والفاء، عند ابن إسحق، أي: الذات الصائحة. قال ابن هشام: ويقال الهائعة، يعني بتحتية، فعين مهملة. قال: والهائعة الصيحة التي فيها فزع، قال: وفي الحديث: خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إِليها. قال الطرماح: أنا ابن حماة المجد من آل هاشم إذا جعلت خور الرجال تهيع (وبذلك) أي: إِخبار المصطفى أن الملائكة غسلته، (تمسك من قال من العلماء،) كالحنابلة: (أن الشهید یغسل إِذا كان جنباً). والجواب عن الجمهور: أن تغسيل الملائكة إكرام له، وهو من أمور الآخرة لا يقاس عليه، ولم يثبت عنه عَِّ أنه أمر بتغسيل أحد ممن استشهد جنبًا، (وقتل علي رضي اللَّه عنه طلحة بن أبي طلحة) عثمن، أخو شيبة بن عثمن، (صاحب لواء المشركين) أحد بني عبد الدار، لما صاح: من يبارز؟، فبرز له علي، فقتله وهو كبش، أي: سيد الكتيبة، الذي رآه عَّةٍ في رؤياه، هکذا ذکر ابن سعد وابن عائذ. وعند ابن إسحق: لما قتل مصعب بن عمير أعطى عَ لَّه اللواء عليًا. قال ابن هشام: وحدثني مسلمة بن علقمة المازني، قال: لما اشتد القتال يوم أحد، جلس عَّةِ تحت راية الأنصار، وأرسل إلى علي أن قدم الراية، فتقدم وقال: أنا أبو القصم بالقاف والفاء) فناداه أبو سعد بن أبي طلحة، صاحب لواء المشركين: أن هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟، قال: نعم، فبرز بين الصفين، فاختلقا ضربتين، فضربه علي فصرعه، ثم انصرف عنه، ٤١٠ غزوة أحد ثم حمل لواءهم عثمن بن أبي طلحة، فحمل عليه حمزة رضي الله عنه فقطع يديه و کتفیه. ثم أنزل الله نصره على المسلمين فحسوا الكفار بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة، فولى الكفار لا يلوون على شىء، ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم. ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ قال: إِنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم، وعرفت أن اللَّه قتله. ويقال: إِن أبا سعد بن أبي طلحة خرج بين الصفين فنادى: أين قاصم، من يبارز مرارًا، فلم يخرج إليه أحد، فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم في الجنة وأن قتلانا في النار، كذبتم واللات والعزى لو تعلمون ذلك حقًّا لخرج إِليَّ بعضكم، فخرج إليه علي فقتله. وقال ابن إسحق: قتله سعد بن أبي وقاص، (ثم حمل لواءهم عثمن بن أبي طلحة) وهو يقول: إِن عليّ أهل اللواء حقًّا أن يخضبوا الصعدة أو تندقا (فحمل عليه حمزة رضي اللَّه عنه، فقطع يديه وكتفيه) أي: ثم مات. زاد ابن سعد: ثم حمله أبو سعد بن أبي طلحة، فقتله سعد بن أبي وقاص، أي: أو عليّ كما رأيت، ثم حمله مسافع بن طلحة فرماه عاصم فقتله، ثم حمله الحرث بن طلحة فقتله عاصم، ثم حمله كلاب بن طلحة فقتله الزبير، ثم حمله الجلاس بن طلحة فقتله طلحة بن عبيد اللَّه، ثم حمله أرطأة بن شرحبيل فقتله علي، ثم حمله شريح بن قارظ فلا يدري قاتله، ثم حمله صواب غلامهم، فقيل: قتله علي، وقيل: سعد، وقيل: قزمان، وهو أثبت الأقاويل، انتهى. وجزم به ابن إسحق كما جزم، بأن قاتل أرطأة حمزة كما مرّ، (ثم أنزل اللَّه نصره على المسلمين) وصدقهم وعده، (فحسوا الكفار) بفتح الحاء وضم السين مشددة المهملتين، أي: استأصلوهم قتلاً (بالسيوف، حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت) تامة، أي: وقعت (الهزيمة) لا شك فيها، (فولى الكفار لا يلوون،) يعرجون (على شىء، ونساؤهم يدعون بالويل). روى ابن إسحق، عن الزبير قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل، ولا كثير، وأصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد، (وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم،) بجيم وضاد معجمة. قال البرهان: أي: نحوهم وأزالوهم، (ووقعوا،) أي: شرعوا، (ينتهبون العسكر، ويأخذون ما ٤١١ غزوة أحد فيه من الغنائم. وفي البخاري: قال البراء: فقال أصحاب عبد الله بن جبير: أي قوم، الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون، فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله عَّه؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمین. فيه من الغنائم،) واشتغلوا عن الحرب. قال الزبير: فخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إِن محمدًا قد قتل، فانكفأنا وانكفا علينا القوم. قال ابن إسحق، وحدثني بعض أهل العلم: أن اللواء لم يزل صريعًا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش، فلاثوا به، بمثلثة، أي: استداروا حوله. قال البرهان: ولا أعلم لها إِسلامًا، والظاهر هلا کها علی دینها. (وفي البخاري:) عقب ما قدمه المصنف عنه قريبًا، (قال البراء:) فأنا واللّه رأيت النساء يشتددن، قد بدت خلاخلهن وأسواقهن رافعات ثيابهن، (فقال أصحاب عبد الله بن جبير،) وهم الرجالة، الغنيمة، (أي: قوم،) أي: يا قوم، (الغنيمة،) نصب على الإغراء فيهما، قاله المصنف (ظهر،) أي: غلب (أصحابكم) المؤمنون الكافرين، (فما تنتظرون؟) أي: فأي شىء تنتظرونه بعد ظفر أصحابكم وهزمهم العدو؟، (فقال عبد الله بن جبير:) إِنكارًا عليهم، (أنسيتم ما قال لكم رسول اللَّه عَُّ). وفي المغازي من البخاري، فقال عبد اللَّه عهد إِليَّ النبي ◌َِّ أن لا تبرحوا فأبوا. (قالوا: واللَّه لنأتين الناس فلنصيين من الغنيمة). وعند ابن سعد، وثبت أميرهم عبد اللَّه بن جبير، في نفر يسير دون العشرة مكانه، وقال: لا أجاوز أمر رسول اللَّه عَّه، فقالوا: لم يرد هذا، قد انهزم المشركون فما مقامنا ههنا، فانطلقوا يتبعون العسكر، وينتهيون معهم، وخلوا الخيل، (فلما أتوهم صرفت وجوههم). قال المصنف: أي: قلبت وحوّلت إِلى الموضع الذي جاؤوا منه، قال شيخنا: ولعل سببه أن المشركين كروا عليهم، (فأقبلوا) حال كونهم (منهزمين،) عقوبة لهم لمخالفتهم قوله عَ له: ((لا تبرحوا». قال الحافظ: وفيه شؤم ارتكاب النهي، وأنه يعم ضرره من لم يقع منه، كما قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ وأن من آثر دنياه أضر بأمر آخرته ولم تحصل له دنیاه. ٤١٢ غزوة أحد وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري أيضًا: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس، أي عباد الله أخراكم، فرجعت أولادهم فاجتلدت مع أخراهم. وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس: أنهم لما رجعوا اختلطلوا بالمشركين والتبس العسكران فلم يتميزوا، فوقع القتل في المسلمين بعضهم في بعض. وفي رواية غيرهما: ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله فكر بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبي جهل فحملوا على من بقي من النفر الرماة . (وفي حديث عائشة رضي اللَّه عنها عند البخاري أيضًا،) أنها قالت: (لما كان يوم) وقعة (أحد؛ هزم المشركون هزيمة بينة) ظاهرة، (فصاح إبليس.) وفي رواية: فصرخ إِبليس، لعنة اللّه عليه، (أي: عباد الله)) يعني المسلمين، (أخراكم). قال الحافظ: أي: احترزوا من جهة أخراكم، وهي كلمة تقال لمن يخشى أن يؤتي عند القتال من ورائه. وكان ذلك لما ترك الرماة مكانهم، ودخلوا ينتهبون عسكر المشركين كما سبق، انتھی. (فرجعت أولاهم فاجتلدت،) بالجيم، اقتتلت، (مع أخراهم،) هي رواية الكشميهني في المناقب ولغيره، فرجعت أخراهم على أولاهم فاجتلدت أخراهم. قال الدماميني: أي: وأولاهم، ففيه حذف عاطف ومعطوف، مثل سرابيل تقيكم الحر، أي: والبرد ومثله كثير. وفي المغازي: فاجتلدت هي وأخراهم، أي: لظنهم أنهم من العدو، (وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، أنهم لما رجعوا، اختلطوا بالمشركين والتبس،) اختلط (العسكران فلم يتميزوا) لشدة ما دهشهم، صاروا لا يعرفون المسلم من الكافر، وتركوا شعارهم الذي يتميزون به، وهو أمت أمت. قال الشامي: أمر بالموت، والمراد التفاؤل بالنصر، يعني الأمر بالإِماتة مع حصول الغرض للشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها، انتهى. (فوقع القتل في المسلمين بعضهم في بعض،) فكان ممن قتلوه خطأ اليمان، والد حذيفة، فقال: غفر اللَّه لكم وترك ديته لهم. (وفي رواية غيرهما،) يعني ابن سعد، (ونظر خالد بن الوليد) المخزومي، أسلم بعد الحديبية، وصحب وصار سيف اللّه صبه على المشركين، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى في أمراء المصطفى، (إلى خلاء الجبل) بفتح الخاء والمد، (وقلة أهله،) عطف سبب على مسبب، (فكر،) رجع (بالخيل وتبعه عكرمة بن أبي جهل، فحملوا على من بقي من النفر الرماة،) الذين ٤١٣ غزوة أحد فقتلوهم وأميرهم عبد الله بن جبير. وفي البخاري: أنهم لما اصطفوا للقتال، خرج سباع فقال: هل من مبارز، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فشد عليه فكان كأمس الدابر، وكان وحشي كامنًا تحت صخرة، فلما دنا منه رماه بحربته حتى خرجت من بين دون العشرة، (فقتلوهم، و) قتلوا (أميرهم عبد اللَّه بن جبير) رضي اللَّه عنهم. (وفي البخاري) في حديث وحشي الطويل: (أنهم لما اصطفوا للقتال خرج سباع)، بكسر المهملة بعدها موحدة خفيفة، ابن عبد العزى الخزاعي، ثم الغبشاني بضم المعجمة، وسكون الموحدة، ثم معجمة، ذكر ابن إِسحق أن كنيته أبو نيار، بكسر النون وتخفيف التحتانية، وليس المراد أنه خرج في ابتداء الحرب، لأن حمزة قاتل قبله، وقتل عدة، وهذا آخر من قتله، بل المراد خرج في زمن اصطفاف القوم، (فقال: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه). والطيالسي: فإِذا حمزة جمل أو رق، ما وقع له أحد إلا قمعه بالسيف، ولابن إسحق: فجعل يهد الناس بسيفه، ولابن عائذ: رأيت رجلاً إذا حمل لا يرجع حتى يهزمنا، فقلت: من هذا؟، قالوا: حمزة، فقلت: هذا حاجتي. وفي البخاري، فقال: يا سباع، يا ابن أم أنمار، مقطعة البظور اتحاد اللَّه ورسوله، (فشد) حمزة (عليه،) على سباع، (فكان كأمس الذاهب). قال الحافظ: كناية عن قتله، أي: صيره عدمًا، وفي رواية ابن إسحق: فكأنما أخطأ رأسه، وهذا يقال عند المبالغة في الإِصابة. (وكان وحشي) بن حرب الحبشي مولى جبير بن مطعم (كامنًا) مختفيًا، وهذا نقل بالمعنى، ولفظ البخاري قال: أي: وحشي، وكمنت لحمزة (تحت صخرة) لأَن مولاه جبير أوعده بالعتق إِن قتله، فصدر هذا الحديث عند البخاري. قال وحشي: إِن حمزة قتل طعيمة بن عدي ببدر، فقال لي مولاي جبير ابن مطعم: إِن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، فلما إِن خرج الناس عام عينين، وعينين جبل بحيال أحد، بينه وبينه واد، خرجت مع الناس إِلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع، فذكر ما نقله المصنف. وفي رواية الطيالسي: فانطلقت يوم أحد معي حربتي وأنا رجل من الحبشة ألعب لعبهم، قال: وخرجت ما أريد أن أقتل، ولا أقاتل إِلاَّ حمزة. وعند ابن إسحق: وكان وحشي يقذف بالحربة قذف الحبشة قلما يخطىء، (فلما دنا منه رماه بحربته.) لفظ البخاري: فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته، (حتى خرجت من بين ٤١٤ غزوة أحد ور کیه و کان آخر العهد به. انتھی. وكان مصعب بن عمير قاتل دون رسول الله عَةٍ حتى قتل، وكان الذي قتله ابن قمئة، وهو يظنه رسول الله عَّه فصاح ابن قمئة أن محمدًا قد قتل. ويقال كان ذلك أزب العقبة، وركيه،) وعند ابن عائذ: أنه كمن عند شجرة، وعند ابن أبي شيبة من مرسل عمير بن إسحق: أن حمزة عثر، فانكشف الدرع عن بطنه، فرماه في ثنته، بضم المثلثة، وشد النون، أي: عانته، وقيل: ما بين السرة والعانة. وللطيالسي: فجعلت ألوذ من حمزة بشجرة، ومعي حربتي حتى إذا استمكنت منه هززت الحربة حتى رضيت منها، ثم أرسلتها فوقعت بين ثندوتيه، وذهب ليقوم فلم يستطع، والثندوة بفتح المثلثة، وسكون النون، وضم المهملة بعدها واو خفيفة هي من الرجل، موضع الثدي من المرأة، والذي في الصحيح أن الحربة أصابت ثنته أصح، انتهى من الفتح. (وكان) ذلك، أي: الرمي بالحربة، (آخر العهد به،) كناية عن موته رضي اللَّه عنه، (انتهى) ما نقله من حديث البخاري عن وحشي، وذكر في بقيته ضيق مكة والطائف عليه، لما فشا الإِسلام ثم قدومه على المصطفى وإسلامه، وقوله: غيب وجهك عني، ثم مشاركته في قتل مسيلمة بتلك الحربة. (وكان مصعب بن عمير،) الذي أطلق عبد الرحمن بن عوف أنه خير منه، كما في الصحيح. (قاتل دون رسول اللَّه مَّله حتى قتل). قال ابن سعد: وكان حامل اللواء فأخذه ملك في صورته، وعند غيره فلما قتل أعطى معَّه الراية عليًا، (وكان الذي قتله ابن قمئة)، بفتح القاف وكسر الميم بعدها همزة، واسمه عبد الله كما قاله ابن هشام، (وهو يظنه رسول اللَّه عَ له؛) لأنه كان إذا لبس لامته يشبه النبي عَّه كما قال بعضهم، (فصاح ابن قمئة) لظنه الخائب ولله الحمد (أن محمدًا قد قتل). روى ابن سعد، عن محمد بن شرحبيل: أن مصعبًا حمل اللواء يوم أحد، فقطعت يده اليمنى، فأخذه بيده اليسرى وهو يقول: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية، ثم قطعت يده اليسرى فحنى على اللواء، أي: أكب عليه، وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: ﴿وما محمد إِلاَّ رسول﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية. قال محمد بن شرحبيل: وما نزلت هذه الآية يومئذ حتى نزلت بعد، (ويقال،) وبه جزم ابن هشام، (كان ذلك) الصارخ بأن محمدًا قد قتل، (أزب،) أي: عامر، (العقبة.) وجاء في حديث مرفوع أنه عَّه قال: ((هذا إزب العقبة). ٤١٥ غزوة أحد ويقال: إبليس لعنه الله تصور في صورة جعال. وقال قائل: أي عباد الله أخراكم، أي: احترزوا من جهة أخراكم فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضًا وهم لا يشعرون، وانهزمت طائفة منهم إلى جهة المدينة، وتفرق سائرهم، ووقع فيهم القتل. قال السهيلي: قيد هنا بكسر الهمزة، وسكون الزاي، وابن ماكولا قيده بفتح الهمزة. وحديث ابن الزبير يشهد للأوَّل إِذا رأى رجلاً طوله شبران على برذعة رحله، فقال: ما أنت؟ قال: إزب، قال: ما إِزب؟ قال: رجل من الجن، فضربه على رأسه بعود السوط حتى باض، أي: هرب. 1 وقال يعقوب بن السكيت في الألفاظ: الإِزب القصير، فاللَّه أعلم، أي الضبطين أصح هل الإزب والأزب شيطان واحد أو اثنان، انتهى. وظاهره سكون الزاي، وخفة الباء مع كسر الهمزة وفتحها، ومقتضى القاموس، أي: مفتوحها بفتح الزاي وشد الموحدة، وبعض المتأخرين جعلهما قولین. (ويقال إبليس لعنه الله،) كما جزم به ابن سعد، (تصوَّر في صورة جعال،) ويقال له جميل بن سراقة الضمري، أو الغفاري، أو الثعلبي. قال في الاستيعاب: وكان رجلاً صالحًا دميمًا أسلم قديمًا وشهد معه عليه السلام أحدًا، ويقال: إنه الذي تصور إِبليس في صورته يوم أحد، انتهى. فصرخ ثلاث صرخات أن محمدًا قد قتل ولم يشك فيه أنه حق، وكان جعال إلى جنب أبي بردة بن نيار، وخوات بن جبير يقاتل أشد القتال، ثم ليس هذا بخلاف محقق، فالثلاثة صاحوا ابن قمئة لظنه، والأزب وإبليس لمحاولة ما لم يصلا إِليه. (وقال قائل:) هو إبليس لعنه الله، كما في البخاري، وقدمه المصنف قريبًا، فنقله عن غيره عجب، (أي: عباد اللَّه أخراكم، أي: احترزوا من جهة أخراكم). قال المصنف: أي: احترزوا من الذين وراءكم متأخرين عنكم، وهي كلمة تقال لمن يخشى أن يؤتى عند القتال من ورائه، وغرض اللعين أن يغلطهم ليقتل المسلمون بعضهم بعضًا، (فعطف،) أي: رجع (المسلمون يقتل بعضهم بعضًا وهم لا يشعرون) من العجلة والدهش، (وانهزمت طائفة) قليلة (منهم)، واستمروا (إلى جهة المدينة، وتفرق سائرهم ووقع فيهم القتل). قال الحافظ: والواقع أنهم صاروا ثلاث فرق، فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى انفض القتال وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم: ﴿إِن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي عَ لّه قد قتل، فصارت غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه، أو يستمر على بصيرته في القتال إِلى أن يقتل وهم أكثر ٤١٦ ١ غزوة أحد وقال موسى بن عقبة: ولما فقد عليه الصلاة والسلام، قال رجل منهم: إن رسول الله عَ طله قد قتل، فارجعوا إلى قومكم ليؤمنوكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فإنهم داخلو البيوت. وقال رجال منهم: إن كان رسول الله عَ لّه قتل أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله عز وجل شهداء. منهم أنس بن لملك بن النضر شهد له بها عند النبي عَ ليه سعد بن معاذ. قال في ((عيون الأثر): كذا وقع في هذا الخبر: أنس بن لملك، وإنما هو الصحابة، وفرقة ثبتت مع النبي عَّةٍ، ثم تراجعت إليه الفرقة الثانية شيئًا فشيئًا لما عرفوا أنه حي، انتھی. (وقال موسى بن عقبة: ولما فقد) بالبناء للمفعول، (عليه الصلاة والسلام)، أي: غاب عن أعينهم لشدة ما دهشهم، أو في ظنهم، أو بحسب الإشاعة فلا يرد أنه عليه السلام لم يفارق مكانه، ولم تزل قدمه شبرًا واحدًا. (قال رجل منهم،) قال في النور لا أعرف اسمه: (إن رسول اللَّه عَ لِّ قد قتل). وفي رواية الطبراني قال بعض من فر إلى الجبل: ليت لنا رسولاً إِلى عبد اللَّه بن أبي ليستأمن لنا من أبي سفين، يا قوم إن محمدًا قد قتل، (فارجعوا إلى قومكم ليؤمنوكم قبل أن يأتوكم،) الكفار، (فيقتلوكم فإنهم داخلو البيوت،) مجرور بالإضافة، ولذا حذفت النون، ويجوز عربية نصب البيوت، وقد قرىء شاذًا، والمقيمي الصلاة بنصب الصلاة كما في النور، أي تخفيفًا بحذف النون كما يحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وهي قراءة الحسن وأبي عمر. وفي رواية كما في إعراب السمين. وفي رواية الطبراني فقال أنس بن النضر: يا قوم إِن كان محمدًا قتل فإِن رب محمدًا لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وأسقط من كلام ابن عقبة، وقال رجال منهم: لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلنا ههنا وهؤلاء منافقون. (وقال رجال منهم،) مؤمنون، قد تمكن الإِيمان من قلوبهم، وهم الذين غشاهم النعاس أمنة: (إِن كان رسول اللَّه عَّةٍ قتل) شكوا في الأخبار لما وقر في قلوبهم، واطمأنت عليه نفوسهم أنَّه عَِّ لا بد وأن يظهره اللَّه على أعدائه، ويفتح له الفتح المبين، وهم أهل الصدق واليقين، (أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا اللَّه عز وجل شهداء منهم أنس بن ملك بن النضر،) بنون وضاد معجمة ساكنة، (شهد له بها،) بهذه المقالة، (عند النبي عَّه) بعد قتله يومئذ (سعد بن معاذ،) سيد الأوس. (قال) الحافظ اليعمري (في عيون الأثر: كذا وقع في هذا الخبر أنس بن لملك، وإنما هو ٤١٧ غزوة أحد أنس بن النضر عم أنس بن لملك بن النضر. انتهى. وثبت النبي معد له. أنس بن النضر عم أنس بن ملك بن النضر، انتهى.) وهو تعقب حسن كما في النور، والجمع بإمكان أن كلا قال ذلك فاسد لصغر أنس عن قول مثل ذلك في المشاهد، فقد صح أنه خدم النبي لما قدم المدينة وهو ابن عشر سنين، فيكون يوم أحد ابن ثلاث عشرة سنة، فإن كان حضر الوقعة؛ فإنما كان في خدمة المصطفى، أو مع عمه على نحو ما مر في بدر. وقد روى ابن إسحق أن أنس بن النضر عم أنس بن لملك جاء إلى عمر وطلحة في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا ما بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟، قالوا: قتل معَّله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل العدوّ فقاتل حتى قتل، وبه سمى أنس بن ملك. فحدثني حميد الطويل، عن أنس قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته عرفته بينانه. وفي الصحيح عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول اللَّه غبت عن أوَّل قتال قاتلت المشركين، لئن اللَّه أشهدني قتال المشركين ليرين اللَّه ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد الجنَّة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول اللَّه ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال الحافظ: وأو للتقسيم لا للشك، قال: وسياق الحديث يشعر بأن أنس بن لملك إِنما سمع هذا الحديث من سعد بن معاذ؛ لأنه لم يحضر قتل عمه، انتهى. وهذا مما يرد الجمع المار، (وثبت النبي عَّه) بإجماع. قال ابن سعد: ما يزول يرمى عن قوسه حتى صارت شظايا، ويرمى بالحجر. وروى البيهقي عن المقداد: فوالذي بعثه بالحق ما زالت قدمه شبرًا واحدًا، وإنه لفي وجه العدوّ، وتفيء إليه طائفة من أصحابه مرة، وتفترق مرة، فربما رأيته قائمًا يرمى عن قوسه، ويرمى بالحجر حتى انحازوا عنه. وروى أبو يعلى بسند حسن عن علي لما انجلى الناس يوم أحد، نظرت في القتلى فلم أر رسول اللَّه عَّه فقلت: واللَّه ما كان ليفر وما أراه في القتلى، ولكن أرى أن اللَّه غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيه فما لي خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي، ثم حملت على ٤١٨ غزوة أحد وانكشفوا عنه، وثبت معه من أصحابه أربعة عشر رجلاً، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسبعة من الأنصار. وفي البخاري: لم يبق معه عليه الصلاة والسلام إلا اثنا عشر رجلاً. القوم فأفرجوا إِليَّ، فإذا أنا برسول اللَّه بينهم، أي: يقاتلهم عَّه. وروى الحاكم في المستدرك بسند على شرط مسلم، عن سعد: لما جال الناس عن رسول اللَّه عَ ◌ّه تلك الجولة يوم أحد، قلت: أذود عن نفسي فإما أن أستشهد، وإِما أَن أَلحق حتى أَلقى رسول اللَّه عَّهِ، فبينا أنا كذلك إِذا برجل مخمر وجهه، ما أدري من هو، فأقبل المشركون حتى قلت قد ركبوه، فملأ يده من الحصى، ثم رمى به في وجوههم فتنكبوا على أعقابهم القهقرى حتى يأتوا الجبل، ففعل ذلك مرارًا، ولا أدري من هو وبيني وبينه المقداد، فبينا أنا أريد أن أسأل المقداد عنه، إِذ قال المقداد: يا سعد هذا رسول اللَّه عَّه يدعوك، فقلت: وأين هو؟، فأشار لي إليه، فقمت ولكأنه لم يصبني شىء من الأذى، وأجلسني أمامه، فجعلت أرمي وأقول: اللهم سهمك، فارم به عدوك، ورسول الله يقول: ((اللهم استجب لسعد، اللهم سدد رميته وأجب دعوته))، حتى إذا فرغت من كنانتي، نثر عَّه ما في كنانته، فنبلني سهمًا نضًّا. قال: وهو الذي قد ریش و کان أشد من غيره. (وانكشفوا عنه،) قال محمد بن سعد، (وثبت معه من أصحابه أربعة عشر رجلاً، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه) وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وطلحة، والزبير، وأبو عبيدة، (وسبعة من الأنصار:) أبو دجانة، والحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وقيل: سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة بدل الأخيرين، ذكره الواقدي كما في الفتح، وذكر غيره في المهاجرين علي بن أبي طالب، وكان من لم يذكره؛ لأنه كان حامل اللواء بعد مصعب، فلا يحتاج إلى أن يقال ثبت، قال في السبل، ويقال ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلاً كلهم يقول: وجھي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام غير مودع. (وفي البخاري) في حديث البراء الذي قدم المصنف منه قطعتين عقب قوله في الثانية: فأقبلوا منهزمين، فذاك إِذ يدعوهم الرسول في أخراهم فـ (ـلم يبق معه عليه الصلاة والسلام إِلا اثنا عشر رجلاً،) ولفظه: فلم يبق مع النبي ◌َّ ◌ُله غير اثني عشر رجلاً. زاد ابن عائذ من مرسل عبد اللَّه بن حنطب من الأنصار. وفي مسلم عن أنس أفرد عَِّ يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فقول ٤١٩ غزوة أحد فأصابوا منا سبعين، وكان عليه الصلاة والسلام وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلاً. طلحة وسعد إِنه لم يبق معه غيرهما رواه البخاري، أي من المهاجرين. وعند الحاكم أن المقداد ممن ثبت، فيحتمل أنه حضر بعد تلك الجولة، والنسائي والبيهقي بسند جيد عن جابر، تفرق الناس يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار وطلحة، وهو كحديث أنس إِلاَّ أنه زاد ثلاثة، فلعلهم جاؤوا بعد، ويجمع بينه وبين حديث غير طلحة وسعد، بأن سعدًا جاءهم بعد ذلك كما مر عنه، وأن المذكورين من الأنصار استشهدوا كما في مسلم عن أنس، فقال عَّهِ: ((من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة))، فقام رجال من الأنصار فاستشهدوا كلهم، فلم يبق غير طلحة وسعد، ثم جاء بعدهم من جاء، وسمى ابن إِسحق بسنده ممن استشهد من الأنصار الذين بقوا مع النبي عَّ يومئذ زياد بن السكن، قال: وبعضهم يقول: عمارة بن زياد بن السكن في خمسة من الأنصار، واختلاف الأحاديث باعتبار اختلاف الأحوال، وأنهم تفرقوا في القتال، فلما ولى من ولى، وصاح الشيطان، اشتغل كل واحد بهمه والذب عن نفسه، كما في حديث سعد، ثم عرفوا عن قرب ببقائه عَّ فتراجعوا إليه أولاً فأولاً، ثم بعد ذلك كان يقدمهم إلى القتال، فيشتغلون به، ذكره الحافظ ملخصًا، وذكر بعض شراح البخاري أن الإثني عشر قيل هم العشرة، وجابر، وعمار، وابن مسعود. قال الحافظ في مقدمة الفتح: هذا غلط من قائله إنما ذلك حال الانفضاض يوم الجمعة، وقد ثبت في الصحيح أن عثمن لم يبق معه. وقال البرهان: وهؤلاء ثلاثة عشر، وكأنه انتقل حفظه من الانقضاض في الجمعة إِلى هنا. (فأصابوا منا،) أي: من المسلمين، وفي رواية منهم (سبعين) قتيلاً، (وكان عليه الصلاة والسلام وأصحابه أصابوا،) هكذا رواه الكشميهني ولغيره أصاب فينبغي كما قال شيخنا قراءة، وأصحابه بالنصب مفعولاً معه، أي: أصاب مع أصحابه (من المشركين يوم بدر أربعين ومائة سبعين أسيرًا وسبعين قتيلاً،) كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها﴾ [آل عمران: ١٦٥]. قال الحافظ: وروى سعيد بن منصور من مرسل أبي الضحى: قتل يوم أحد سبعون، أربعة من المهاجرين: حمزة، ومصعب، وعبد اللّه بن جحش، وشماس بن عثمن وسائرهم من الأنصار، وبهذا جزم ابن إسحق، وأخرج ابن حبان والحاكم عن أبي بن كعب قال: أصيب يوم أحد من الأنصار أربعة وستون من المهاجرين، ستة، وكان الخامس سعدًا مولى حاطب بن أبي بلتعة، والسادس ثقيف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس. ٤٢٠ غزوة أحد فقال أبو سفين: أفي القوم محمد، ثلاث مرات، فنهاهم النبي عَِّ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات، وذكر المحب الطبري عن الشافعي أنهم اثنان وسبعون، وعن لملك خمسة وسبعون من الأنصار خاصة أحد وسبعون، وسرد أبو الفتح اليعمري أسماءهم فبلغوا ستة وتسعين من المهاجرين، أحد عشر وسائرهم من الأنصار منهم من ذكره ابن إسحق، والزيادة من عند موسى ابن عقبة، أو ابن سعد، أو هشام بن الكلبي، ثم ذكر عن ابن عبد البر، وعن الدمياطي أربعة، أو خمسة. قال: فزادوا على المائة. قال اليعمري: قد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها﴾ [آل عمران: ١٦٥]، أنها نزلت تسلية للمؤمنين عمن أصيب منهم يوم أحد، فإن ثبت، فالزيادة ناشئة عن الخلاف في التفصيل، وليست زيادة في الجملة. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي يعول عليه، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي وحسنه، والنسائي عن علي: أن جبريل هبط فقال: خيرهم في أسارى بدر القتل، أو الفداء على أن يقتل منهم قابل مثلهم. قالوا: الفداء ويقتل منا. قال اليعمري: ومن الناس من يجعل السبعين من الأنصار خاصة، وبه جزم ابن سعد. قال الحافظ: فكان الخطاب بقوله تعالى: ﴿أو لما أصابتكم﴾ [آل عمران: ١٦٥]، للأنصار خاصة، ويؤيده قول أنس: أصيب منا يوم أحد سبعون وهو في الصحيح بمعناه، انتهى. قال الحافظ برهان الدين الحلبي: ولم أر أحدًا ذكر أسرى في أحد، وما وقع في بعض نسخ سيرة مغلطاي الصغرى، وتفسير الكواشي من أنه أسر سبعون، ويقال: خمسة وستون، فغلط وخطأ أو شاذ منكر لا التفات إليه. (فقال أبو سفين) لما انحاز الفريقان وأراد الانصراف إلى مكة: (أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي عَِّ أن يجيبوه،) هذا لفظ البخاري في كتاب الجهاد، ولفظه في كتاب المغازي: وأشرف أبو سفين، فقال: أفي القوم محمد؟، فقال: ((لا تجيبوه))، وهي التي وقف عليها شيخنا، فاعترض على المصنف بها وهو معذور، (ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟) أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمن، (ثلاث مرات) هكذا ثبت في الجهاد من البخاري، وفي المغازي قال: أي النبي عَّهِ: ((لا تجيبوه)). (ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب،) عمر، (ثلاث مرات). قال المصنف: والهمزة في الثلاثة للاستفهام الاستخباري ونهيه عليه السلام عن إجابة