Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش
تعدون قتلاً في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد وكفر به والله راء وشاهد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا بنخلة لما أوقد الحرب واقد
وبعثت قريش إلى رسول الله عَِّ في فداء الأسيرين، وهما: عثمن بن عبد الله
والحكم بن كيسان، ففداهما رسول الله عَّهِ. فأما الحكم فأسلم وحسن إسلامه،
وأقام عند رسول الله عَّ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأما
ثلاثة واذكر ما حذفه، فقال: (تعدّون قتلاً في) الشهر (الحرام عظيمة وأعظم) أكبر وأشدّ (منه)
من القتل الواقع منافيه وجملة (لو يرى الرشد راشد،) معترضة وجواب لو محذوف، أي: لعلم إن
فعلكم أعظم، (صدودكم) خبر أعظم، (عمّا يقول محمّد، وكفر به واللَّه راء وشاهد) جملة
حالية، والثالث والرابع:
وإخراجكم من مسجد اللَّه أهله لئلا يرى للَّه في البيت ساجد
فإنا وإن عيّرتمونا بقتله وارجف بالإسلام باغ وحاسد
(سقينا من) عمرو (بن) عبد اللَّه (الحضرمي رماحنا، بنخلة لما) حين (أوقد الحرب
واقد) ابن عبد الله التميمي برميه ابن الحضرمي بسهم قتله به، ومفعول سقينا الثاني دماني البيت
السادس، وهو:
دما وابن عبد اللَّه عثمن بينا ينازهه غلّ من القيد قاعد
وغلّ بضم المعجمة: طوق من حديد يجعل في العنق، وأما بكسرها فالحقد كما في
المصباح، ولم يذكر الناظم الحكم مع أنه أسير أيضًا؛ لجواز أنه بعد إسلامه أو قبله وصرفه اللَّه
عن ذلك لعلمه بأنه من السعداء الشهداء.
(وبعثت قريش إلى رسول اللَّه عَّ في فداء الأسيرين، وهما: عثمن بن عبد الله)
المخزومي (والحكم بن كيسان) فقال عَّالية: ((لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا، يعني سعدًا
وعتبة، فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم)، فقدم سعد وعتبة بعدهم بأيّام،
(ففداهما رسول اللَّه عَّه) كل واحد بأربعين أوقيّة؛ كما في الشامية. (فأمَّا الحكم) بن كيسان
مولى عمرو المخزومي والد أبي جهل، (فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول اللَّه عَلَّم حتى
قتل يوم بئر معونة شهيدًا) ذكره ابن إسحق وابن عقبة وعروة بن الزبير، وروى الهيثم بن عدي عن
يونس عن ابن عباس، وعن أبي بكر بن أبي جهم، قال: تزوج الحكم بن كيسان مولى بني
مخزوم وكان حجامًا، آمنة بنت عفان أخت عثمن، وكانت ماشطة، ذكره في الإصابة. (وأمّا

٢٤٢
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
عثمن فلحق بمكة فمات بها كافرًا.
[تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر]
ثم حولت القبلة إلى الكعبة، وكان عَّهم يصلي إلى بيت المقدس بالمدينة
ستة عشر شهرًا.
وقيل سبعة عشر، .
عثمن فلحق بمكّة، فمات بها كافرًا) ومن يضلل اللَّه فلا هادي له.
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
(ثمّ حوّلت القبلة) أي: الاستقبال لا ما يستقبله المصلّي، إذ لا يتعلّق به تحويل أو حول،
أي: غير وجوب استقبال المقدس، (إلى الكعبة) الترتيب ذكري لا زماني، فلا يرد عليه جزمه أن
السريّة على رأس سبعة عشر شهرًا في رجب، وحكايته الخلاف الآتي في التحويل. (وكان عدّه.
يصلّي إلى) صخرة (بيت المقدس) التي كان موسى يصلّي إليها بحذاء الكعبة، وهي قبلة
الأنبياء كلّهم، نقله القرطبي عن بعضهم. وأخرج ابن سعد عن محمّد بن كعب القرظي، قال: ما
خالف نبيّ نبيًّا في قبلة ولا سنّة، إلا أنه عَّه استقبل بيت المقدس ثم تحوّل إلى الكعبة. وروى
أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن الحسن في قوله تعالى: ﴿إن أوّل بيت وضع للناس﴾ [آل
عمران: ٩٦] الآية، قال: أعلم قبلته فلم يبعث نبيّ إلاَّ وقبلته البيت، وهذا قوّاه الحافظ العلائي،
فقال في تذكرته: الراجح عند العلماء أن الكعبة قبلة الأنبياء كلّهم؛ كما دلّت عليه الآثار. قال
بعضھم: وهو الأصح، انتھی.
اختار ابن العربي وتلميذه السهيلي: أن قبلة الأنبياء بيت المقدس، قال بعض: وهو
الصحيح المعروف. فعدّ صاحب الأنموذج من خصائص المصطفى وأُمّته استقبال الكعبة: إنما هو
على أحد القولين المرجحين، نعم ذكر فيما اختصّ به على جميع الأنبياء والمرسلين أن اللَّه
جمع له بين القبلتين عَلَّهِ (بالمدينة) حال (ستة عشر شهرًا)؛ كما رواه مسلم عن أبي الأحوص،
والنسائي عن زكريا بن أبي زائدة، وشريك وأبو عوانة عن عمار بن رزيق بتقديم الراء مصغر،
أربعتهم عن أبي إسحق عن البراء بن عازب جزءًا.
ورواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس، ورجّحه النووي في شرح مسلم، وفي رواية
زهير عند البخاري وإسرائيل عنده، وعند الترمذي عن أبي إسحق عن البراء ستّة عشر شهرًا، أو
سبعة عشر شهرًا بالشكّ.
(وقيل: سبعة عشر) شهرًا، رواه البزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف، والطبراني

٢٤٣
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
وقيل ثمانية عشر شهرًا.
وقال الحربي: قدم عليه الصلاة والسلام المدينة في ربع الأول، فصلى إلى
بيت المقدس تمام السنة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر. ثم حولت القبلة.
وقيل: كان تحويلها في جمادى، وقيل: كان يوم الثلاثاء في نصف شعبان،
أيضًا من حديث ابن عباس، وهو قول ابن المسيّب ولملك وابن إسحق. قال القرطبي: وهو
الصحيح. قال الحافظ: والجمع بينها سهل بأن من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر
التحويل شهرًا وألغى الأيام الزائدة، ومن جزم بسبعة عشر عدّهما معًا، ومن شكّ تردّد في ذلك،
وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأوّل بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من
السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور. ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال
ابن حبان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني ربيع الأوّل،
انتهى. قال البرهان: ويمكن أن هذا مراد من قال سبعة عشر بإلغاء الكسر.
(وقيل: ثمانية عشر شهرًا) رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق عن
البراء، قال الحافظ: وهو شاذّ، وأبو بكر سيىء الحفظ وقد اضطرب فيه، فعند ابن جرير من
طريقه في رواية سبعة عشر، وفي آخر: ستّة عشر، قال: ومن الشذوذ أيضًا ثلاثة عشر شهرًا،
ورواية تسعة أشهر أو عشرة، ورواية: شهرين، ورواية: سنتين، ويمكن حمل الأخيرة على الصواب
وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على الثلاثة الأول، فجملة ما حكي تسع روايات، انتهى.
وكأنه لم يعدّ رواية الشكّ، وإلا كانت عشرة، وكذا لم يعدها البرهان وعدّ الأقوال عشرة، فزاد
القول بأنه بضعة عشر شهرًا ولم يعدّه الحافظ؛ لأنه يمكن تفسيره بكل ما زاد على العشرة.
(وقال) إبراهيم (الحربي: قدم عليه الصّلاة والسّلام المدينة في ربيع الأوّل فصلّى إلى
بيت المقدس تمام السنة، وصلّى من سنة اثنتين ستة أشهر، ثم حوّلت القبلة) وهذا محتمل،
لكون المراد أن مدّة الصلاة لبيت المقدس دون ستّة عشر، ولذا قال في النور: هذا كاد أن يكون
قولاً، انتهى. ومحتمل لأن يكون مراده ستّة عشر بشهر القدوم. (وقيل: كان تحويلها في
جمادى) الآخرة، وبه جزم ابن عقبة (وقيل: كان يوم الثلاثاء في نصف شعبان) قاله محمد بن
حبيب، وجزم به في الروضة مع ترجيحه في شرح مسلم رواية ستة عشر شهرًا للجزم بها في
مسلم؛ كما مرّ.
قال الحافظ: ولا يستقيم أنه في شعبان إلا بإلغاء شهري القدوم والتحويل، انتهى. نعم هو
يوافق سبعة عشر بتلفيق واحد من شهري القدوم والتحويل، والقول الشاذ بأنه ثمانية عشر بإلغاء

٢٤٤
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
وقيل يوم الإثنين نصف رجب.
وظاهر حديث البراء في البخاري: أنها كانت صلاة العصر.
ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى: أنها الظهر.
وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، كما في
الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم
آت
الكسر واعتبار شهري التحويل والقدوم.
(وقيل: يوم الاثنين نصف رجب) رواه أحمد عن ابن عباس بإسناد صحيح. قال الواقدي:
وهذا أثبت. قال الحافظ: وهو الصحيح، وبه جزم الجمهور؛ كما مرّ، وهو صالح لروايتي ستّة
عشر وسبعة عشر والشكّ، فالحاصل في الشهر ثلاثة أقوال، وفي اليوم قولان. (وظاهر حديث
البراء) بتخفيف الراء والمدّ على الأشهر، ابن عازب الأنصاري الأُوسي الصحابي ابن الصحابي
(في البخاري أنها) أي: الصلاة التي وقع فيها التحويل، (كانت صلاة العصر) لقوله وأنه، أي:
النبيّ عَّه، أول صلاة صلّها صلاة العصر، أي: متوّجهًا إلى الكعبة. (ووقع عند النسائي من
رواية أبي سعيد بن المعلّى) بضم الميم وفتح المهملة وشدّ اللام، صحابي جليل اسمه سعيد،
وقيل: رافع ووهّاه ابن عبد البرّ، وقوّى الأول. (أنها الظهر؛) وكذا عند الطبراني والبزار من حديث
أنس، وعند ابن سعد: حوّلت في صلاة الظهر أو العصر، وجمع الحافظ فقال في كتاب الإيمان:
التحقيق: أن أوّل صلاة صلاّها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر وأوّل صلاة
صلاّها بالمسجد النبويّ العصر.
(وأمَّا أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر) أي: الصبح، (من اليوم الثاني) وقال
في كتاب الصلاة: لا منافاة بين الخبرين؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة
وهم بنو حارثة، ووصل وقت الصبح إلى من هو خارجها وهم أهل قباء؛ (كما في الصحيحين)
البخاري في الصّلاة والتفسير ومسلم في الصّلاة، وكذا النسائي (عن ابن عمر) بن الخطاب (أنه
قال: بينما الناس) المعهودون في الذهن (بقباء) بالمدّ والتذكير والصرف على الأشهر ويجوز
القصر وعدم الصرف ويؤنّث: موضع معروف ظاهر المدينة وفيه مجاز الحذف، أي: بمسجد
قباء.
(في صلاة الصبح) ولمسلم في صلاة الغداة وهو أحد أسمائها ونقل بعضهم كراهة
تسميتها بذلك، (إذ جاءهم آت) قال الحافظ: ولم يسمّ وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنه

٢٤٥
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
فقال: إن رسول الله عَّ له قد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى
الشام فاستداروا إلى الكعبة.
وفي هذا أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله، لأنهم
لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء والله أعلم.
عباد بن بشر ففيه نظر؛ لأن ذلك إنما ورد في حق بني لحرثة في صلاة العصر، فإن كان ما نقلوه
محفوظًا فيحتمل أن عبادًا أتى بني لحرثة أوّلاً وقت العصر ثم توجه إلى أهل قباء، فأعلمهم بذلك
في الصبح، ومما يدلّ على تعدّدهما أن مسلمًا روى عن أنس: أن رجلاً من بني سلمة مرّ وهم ركوع
في صلاة الفجر، فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سلمة غير بني حارثة انتهى.
وكون مخبر بني حارثة عباد بن بشر رواه ابن منده وابن أبي خيثمة، وقيل: عباد بن نهيك،
بفتح النون وكسر الهاء، ورجح أبو عمر الأوّل. وقيل: عباد بن نصر الأنصاري. قال الحافظ:
والمحفوظ عباد بن بشر، انتهى. وقيل: عباد بن وهب. قال البرهان: ولا أعرفه في الصحابة إلاَّ أن
يكون نسب إلى جدّه أو جدّ له أعلى أو إلى خلاف الظاهر، انتهى.
(فقال: إن رسول اللَّه عَّ) أسقط من الحديث ما ألفظه: قد أنزل عليه الليلة قرءان، قال
الحافظ: فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا والتنكير الإرادة البعضية،
والمراد قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلّب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية. (قد أُمر) بضم
الهمزة مبنيًّا للمفعول (أن) أي: بأن (يستقبل) بكسر الموحدة، أي: باستقبال (الكعبة، فاستقبلوها)
بفتح الموحدة عن أكثر رواة الصحيحين على أنه فعل ماض، أي: تحوّل أهل قباء إلى جهة
الكعبة، (وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) وضمير استقبلوها ووجوههم لأهل
قباء، ويحتمل أنه للنبيّ عَّ له ومن معه.
وفي رواية الأصيلي للبخاري، والعذري لمسلم: فاستقبلوها بكسر الموحدة بصيغة الأمر،
قال الحافظ: وفي ضمير وجوههم الاحتمالان المذكوران، وعوده إلى أهل قباء أظهر. وترجّح
رواية الكسر رواية البخاري في التفسير، بلفظ: وقد أمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها، فدخول
حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمر لا أنه بقية الخبر الذي قبله، انتهى. وفي النور أن بعض
الحفاظ، قال: الكسر أفصح وأشهر وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده.
(وفي هذا) الحديث من الفوائد (أن الناسخ لا يلزم حكمه إلاَّ بعد العلم به وإن تقدم
نزوله؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء) زاد الحافظ: واستنبط منه الطحاوي
أن من لم تبلغه الدعوة ولم يمكنه استعلام فالفرض غير لازم له، وفيه جواز الاجتهاد في
زمنه عَّ؛ لأنهم لما تمادوا في الصّلاة ولم يقطعوها، دلّ على أنه رجح عندهم التمادي والتحوّل

٢٤٦
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
وروى الطبري عن ابن عباس: لما هاجر عَِّ إلى المدينة، واليهود أكثر
أهلها يستقبلون بيت المقدس أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت
اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهرًا، وكان عَّ لّه يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان
يدعو وينظر إلى السماء فنزلت الآية.
على القطع والاستئناف، ولا يكون ذلك إلاَّ عن اجتهاد، كذا قيل وفيه نظر؛ لاحتمال أن عندهم
في ذلك يقينًا سابقًا لأنه عليه السّلام كان مترقّبًا للتحويل، فلا مانع من تعليمهم ما صنعوا من
التمادي والتحوّل، وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به ونسخ ما تقرّر بطريق العلم به؛ لأن
صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع لمشاهدتهم صلاته عدّة إليه، وتحوّلوا
إلى جهة الكعبة بخبر هذا الواحد، وأَجيب: بأن الخبر المذكور احتفت به قرائن ومقدّمات أفادت
العلم عندهم بصدق المخبر، فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيد العلم. وقيل: كان
النسخ بخبر الواحد جائزًا في زمنه عَّهِ مطلقًا، وإنما منع بعده ويحتاج إلى دليل، انتهى.
(وروى الطبري) محمد بن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، (عن ابن عباس،) قال:
(لما هاجر ◌ٍَّ إلى المدينة واليهود أكثر أهلها يستقبلون) خبر ثانٍ لليهود أو لمبتدأ محذوف،
أي: وهم يستقبلون (بيت المقدس أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس) ليجمع له بين
القبلتين؛ كما عدّه السيوطي من خصائصه على الأنبياء والمرسلين وتأليفًا لليهود، كما قال أبو
العالية. (ففرحت اليهود) لظنّهم أنه استقبله اقتداء بهم مع أنه كان لأمر ربّه، (فاستقبلها سبعة
عشر شهرًا، وكان عَّةِ يحبّ أن يستقبل قبلة إبراهيم) وعند الطبري أيضًا من طريق مجاهد عن
ابن عباس، قال: إنما أحبّ أن يتحوّل إلى الكعبة؛ لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمّد ويتّبع قبلتنا.
وعند ابن سعد: أنه عَِّ قال: ((يا جبريل، وددت أن اللَّه صرف وجهي عن قبلة يهود، فقال
جبريل: إنما أنا عبد فادع ربّك وسله)).
وعند السدي في الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس: كان عَّهِ يعجبه أن يصلّي قبل الكعبة؛
لأنها قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل، فقال لجبريل: ((وددت أنك سألت الله أن يصرفني إلى الكعبة،
فقال جبريل: لست أستطيع أن أبتدىء اللَّه عزّ وجلّ بالمسألة ولكن إن سألني أخبرته)). (فكان
يدعو) دعاء محبّة لذلك بالحال لا بالقال، ففي الفتح فيه بيان شرف المصطفى وكرامته على
ربّه لإعطائه له ما أحبّ من غير تصريح بالسؤال، وعليه فالعطف تفسيري في قوله: (وينظر إلى
السماء) ينظر جبريل ينزل عليه؛ كما عند السدي وغيره، ولأنها قبلة الداعي (فنزلت الآية) يعني
قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد
الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية، وبقية حديث ابن عباس هذا عند ابن جرير: فارتاب في ذلك

٢٤٧
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
قال في فتح الباري وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس
إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة. لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس:
كان النبي عٍَّ يصلي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، قال: والجمع
بينهما ممكن: بأن يكون أمر لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس.
وأخرج الطبري أيضًا من طريق ابن جريج قال: صلى النبي عَّه أول ما
صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكّة، فصلى ثلاثة حجج،
ثم هاجر، فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله إلى الكعبة.
اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: ﴿وللَّه المشرق والمغرب
فأينما تولّوا فثمّ وجه اللَّه﴾ [البقرة: ١١٥] الآية.
(قال في فتح الباري) في كتاب الصلاة، (وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت
المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس،) قال:
(كان النبي عَّ يصلّي بمكّة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه) فحصل تخالف بين
حديثيه، إذ مقتضى الأوّل أنه إنما أُمر به في المدينة، وهذا صريح في أنه كان بمكّة. (قال) يعني
في الفتح: (والجمع بينهما ممكن بأن يكون أُمر)عَِّ (لمَّا هاجر أن يستمر على الصّلاة
لبيت المقدس) فالأمر بابتداء استقباله كان بمكّة، والذي بالمدينة باستمراره، ثم نسخ باستقبال
الكعبة، فلم يقع نسخ بيت المقدس إلاَّ مرة واحدة.
(وأخرج الطبري) محمد بن جرير (أيضًا من طريق ابن جريج) بجيمين مصغّر
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي الثقة الفقيه الحافظ أحد الأعلام، مات
سنة خمسين ومائة، (قال: صلّى النبيّ عَّ أوّل ما صلّى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت
المقدس وهو بمكّة، فصلّى ثلاث حجج) بكسر المهملة وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية منوّن،
أي: سنين بناء على أن الإسراء قبل الهجرة بخمس سنين. أمّا على أنه قبلها بسنة أو نحوها،
فالمراد: ما كان يصلّيه قبل فرض الخمس، (ثم هاجر فصلّى إليه بعد قدومه المدينة ستّة عشر
شهرًا، ثم وجّهه اللَّه إلى الكعبة) فهذا الأثر صريح في الجمع المذكور، فلا بأس.
وقوله في حديث ابن عباس الثاني: والكعبة بين يديه يخالف قول البراء عند ابن ماجه
صلينا مع رسول اللّه عَّه نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرًا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد
دخول المدينة، فإن ظاهره: أنه كان يصلّي بمكّة إلى بيت المقدس محضًا.
وحكى الزهري خلافًا في أنه كان بمكّة يجعل الكعبة خلف ظهره أو يجعلها بينه وبين

٢٤٨
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
وقوله في حديث ابن عباس الأول: ((أمره الله تعالى)) يرد قول من قال: إنه
صلى إلى بيت المقدس باجتهاد.
وعن أبي العالية: أنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب. وهذا لا
ينفي أن يكون
بيت المقدس. قال الحافظ: فعلى الأوّل: كان يجعل الميزان خلفه. وعلى الثاني: كان يصلّي
بين الركنين اليمانيين، وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكّة، فلما قدم المدينة استقبل بيت
المقدس ثم نسخ، وحمل ابن عبد البرّ هذا على القول الثاني، ويؤيّده حمله على ظاهره إمامة
جبريل. ففي بعض طرقه: أن ذلك كان عند البيت.
وفي الفتح أيضًا اختلفوا في الجهة التي كان يصلّي إلى بيت المقدس، لكنّه كان
لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس. وأطلق آخرون: أنه كان يصلّي إليها بمكّة.
فقال ابن عباس وغيره: كان يصلّي إلى بيت المقدس. وقال آخرون: كان يصلّي إلى الكعبة،
فلما هاجر استقبل المقدس. وهذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النسخ مرّتين، والأوّل أصح؛ لأنه
يجمع به بين القولين وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس، انتهى.
ولا يخالفه قول ابن العربي: نسخ اللَّه القبلة ونكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية مرتين
مرتين، ولا أحفظ رابعًا. وقال أبو العباس العزفي - بفتح المهملة والزاي وبالفاء - : رابعها الوضوء
مما مست النار، ونظم ذلك السيوطي؛ لأن مراد الحافظ أن خصوص نسخ بيت المقدس لم
يتكرّر، وما أثبته ابن العربي النسخ للقبلة في الجملة، بمعنى: أنه أمر باستقبال الكعبة ثم نسخ
باستقبال بيت المقدس، ثم نسخ بالكعبة؛ كما هو مدلول كلاميهما، ودلّ عليه أثر ابن جريج.
(وقوله في حديث ابن عباس الأوّل: أمره اللَّه، يردّ قول من قال) وهو الحسن البصري،
(أنه صلّى إلى بيت المقدس باجتهاد) وكذا قول الطبري: كان مخيّرًا بينه وبين الكعبة، فاختاره
طمعًا في إيمان اليهود، ويردّه أيضًا سؤاله لجبريل، إذ لوكان مخيّرًا لاختار الكعبة لما أحبّها من
غير سؤال.
قال شيخنا: إلاَّ أن يقال بعد اختياره وجب عليه، لكنه استبعد هذا بمجلسه؛ لأن فيه
تضييقًا عليه ولو خيّر كان كتخييره بين المسح على الخفين وغسل الرجلين، والذي عليه
الجمهور؛ كما قال القرطبي: أنه إنما كان بأمر اللَّه ووحيه.
(وعن أبي العالية) رفيع بضم الراء مصغر بن مهران بكسر الميم، الرماحي بكسر الراء
وتحتية، مولاهم البصري التابعي الكبير، أخرج له الجميع. (أنه صلّى إلى بيت المقدس يتألف
أهل الكتاب) وعن الزجاج امتحانًا للمشركين، لأنهم ألفوا الكعبة (وهذا لا ينفي أن يكون

٢٤٩
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
بتوقيف.
واختلفوا في المسجد الذي كان يصلي فيه:
فعند ابن سعد في الطبقات: أنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده
بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه ودار معه
المسلمون.
ويقال: إنه عليه السلام زار أم بشربن البراء بن معرور في بني سلمة،
فصنعت له طعامًا، وكانت الظهر، فصلى عليه السلام بأصحابه ركعتين، ثم أمر
فاستداروا إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي مسجد القبلتين.
بتوقيف) فقد يكون الأمر به لتأليفهم، (واختلفوا في المسجد الذي كان يصلّي فيه)) حين
حولت القبلة، (فعند ابن سعد في الطبقات أنّه) عَّةِ (صلّى ركعتين من الظهر في مسجده)
النبوي (بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجّه إلى المسجد الحرام) أي: الكعبة وعبّر به كالآية دون
الكعبة؛ لأنه كما قال البيضاوي: كان عليه السّلام بالمدينة والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن
استقبال عينها، أي: للبعيد، حرج عليه بخلاف القريب.
(فاستدار إليه ودار معه المسلمون) فصلّى بهم ركعتين أُخريين؛ لأن الظهر كانت يومئذ
أربعًا؛ فثنتان منها لبيت المقدس، وثنتان للكعبة، ووقع التحويل في ركوع الثالثة؛ كما في النور،
فجعلت كلّها ركعة للكعبة مع أن قيامها وقراءتها وابتداء ركوعها للقدس؛ لأنه لا اعتداد بالركعة
إلا بعد الرفع من الركوع ولذا يدركها المسبوق قبله.
(ويقال: إنه عليه السلام زار أُمّ بشر بن البراء بن معرور) بمهملات، يقال: اسمها خليدة؛
كما في التجريد. (في بني سلمة) بكسر اللام والنسبة إليها بفتحها على المشهور، وفي
الألفية. والسلمي افتحه في الأنصاري. وفي اللب كسرها المحدثون في النسبة أيضًا.
(فصنعت له طعامًا، وكانت) أي: وجدت (الظهر) أي: دخل وقتها، فكان تامّة، لكن
المذكور في الفتح الذي هو ناقل عنه، وكذا العيون والسبل عن ابن سعد، بلفظ: وحانت الظهر
بمهملة، أي: دنا وقتها، (فصلّى عليه السّلام بأصحابه ركعتين ثم أمر) باستقبال الكعبة في ركوع
الثالثة، (فاستداروا إلى الكعبة) بأن تحوّل الإمام من مكانه الذي كان يصلّي فيه إلى مؤخّره،
فتحوّلت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحوّلت النساء حتى صرن خلف الرجال، ولا يشكل بأنه
عمل كثير؛ لاحتمال أنه قبل تحريمه فيها كالكلام، أو اغتفر هذا العمل للمصلحة، أو لم تتوال
الخطا عند التحويل بل وقعت متفرّقة، (فسمّي مسجد القبلتين) لنزول النسخ وتحويله عليه السلام

٢٥٠
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
قال ابن سعد قال الواقدي: هذا عندنا أثبت.
ولما حول الله القبلة حصل لبعض الناس من المنافقين والكفار واليهود
ارتياب وزيغ عن الهدى وشك، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي:
ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا، فأنزل الله جوابهم في قوله:
﴿قل الله المشرق والمغرب﴾ أي الحكم والتصرف، والأمر كله لله، فحيثما
وجهنا توجهنا فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات
متعددة فنحن عبيده، وفي تصريفه وخدامه حيثما وجهنا توجهنا.
ولله تعالى بنبينا عليه الصلاة والسلام وبأمته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى قبلة
خلیله إبراهیم،
فيه ابتداء، فلا يردّ أن التحويل وقع في مسجدي قباء وبني لحرثة، ولم يسمّيا بذلك، وأيضًا
فحكمة التسمية لا يلزم اطّرادها.
(قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا عندنا أثبت) من القول الأوّل أن التحويل وقع في
المسجد النبويّ، (ولمَّا حوّل اللّه القبلة حصل لبعض الناس من المنافقين والكفّار) المشركين
من قريش، (واليهود ارتياب) شكّ (وزيغ) ميل (عن الهدى وشكّ) فيه، (وقالوا: ما ولاهم عن
قبلتهم التي كانوا عليها) على استقبالها في الصلاة (أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة
يستقبلون كذا،) وصريحه أن هذا قول الطوائف الثلاث، وبه صرّح البيضاوي، وسيذكر المصنف
مقابله أخيرًا.
(فأنزل اللَّه جوابهم في قوله:) ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا
عليها، (قل للَّه المشرق والمغرب)) [البقرة: ١٤٢]، أي: الجهات كلها؛ لأنهما ناحيتا الأرض،
فيأمر بالتوجّه إلى أي جهة شاء، لا اعتراض عليه؛ كما في الجلال، فحمله على الحقيقة، وحمله
المصنف على المجاز، فقال: (أي الحكم والتصرّف والأمر كله لله) لا يسأل عما يفعل،
(فحيثما وجهنا توجّهنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات متعدّدة،
فنحن عبيده. وفي تصريفه و)نحن (خدّامه حيثما وجّهنا توجّهنا) وقد قال تعالى: ﴿للَّه المشرق
والمغرب﴾ الآية، [البقرة: ١٤٢]، فأينما تولوا فثم وجه اللَّه، تقدّم عن ابن عباس أن سبب نزولها
إنکار اليهود.
قال السيوطي: وإسناده قوي فليعتمد. وفي سببها روايات أُخر ضعيفة. (وللَّه تعالى بعبيتنا
عليه الصّلاة والسّلام وبأمّته عناية) أي: رعاية، (عظيمة إذ هداهم إلى قبلة خليله إبرهيم) وألقى

٢٥١
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد عن عائشة أن اليهود لا يحسدوننا على
شىء كما يحسدوننا على يوم الجمعة، التي هدانا الله إليها وضلوا عنها.
حبّها في قلب حبيبه عليه السّلام، ولم يفعل ذلك بغير أُمّته بل تركوا على ضلالهم الذي وقعوا
فيه مع أنها قبلة الأنبياء كلّهم على أحد القولين؛ كما مرّ.
وربما يؤيّده الحديث الذي ذكره بقوله: (قال عليه الصّلاة والسّلام، فيما رواه أحمد عن
عائشة: ((إن اليهود لا يحسدونا على شىء كما يحسدونا على يوم الجمعة التي هدانا الله
إليها))،) قال الحافظ: يحتمل بأن نصّ لنا عليه، ويحتمل بالاجتهاد؛ ويشهد له أثر ابن سيرين في
جمع أهل المدينة قبل قدوم المصطفى، فإنّه يدلّ على أن أُولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة
بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن النبيّ عَِّ علمه بالوحي وهو بمكّة، فلم يتمكّن من إقامتها.
ثم قد ورد فيه حديث ابن عباس عند الدارقطني، ولذا جمع بهم أوّل ما قدم المدينة؛
كما حكاه ابن إسحق وغيره، وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق،
انتھی ملخّصًا.
(وضلّوا عنها) لأنه فرض عليهم يوم من الجمعة وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم،
فاختلفوا في أي الأيام هو ولم يهتدوا ليوم الجمعة، قاله ابن بطال، ومال إليه عياض وقوّه. وقال
النووي: يمكن أنهم أمروا به صريحًا، فاختلفوا هل يلزم بعينه أم يسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا
فأخطأوا، قال الحافظ: ويشهد له ما للطبري عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إنما جعل السبت﴾
[النحل: ١٢٤]، قال: أرادوا الجمعة فأخطأوا وأخذوا السبت مكانه. وقد روى ابن أبي حاتم عن
السدي التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، ولفظه: ((إن اللَّه فرض على اليهود الجمعة،
فأبوا))، وقال يا موسى: إن اللَّه لم يخلق يوم السبت شيئًا فاجعله لنا فجعل عليهم، وليس ذلك
بعجيب من مخالفتهم كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجّدًا وقولوا حطة﴾
[البقرة: ٥٨] الآية، وغير ذلك، وكيف لا؟ وهم القائلون: سمعنا وعصينا، انتهى.
(وعلى القبلة التي هدانا اللَّه إليها) بصريح البيان بالأمر المكرّر، أوّلاً لبيان تساوي حكم
السفر وغيره، وثانيًا للتأكيد، (وضلّوا عنها) لأنهم لم يؤمروا باستقبال الصخرة؛ كما دلّ عليه هذا
الحديث، وهو يؤيّد ما رواه أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن خالد بن يزيد بن مطوية، قال: لم
تجد اليهود في التوراة القبلة، ولكن تابوت السكينة على الصخرة، فلما غضب اللَّه على بني
إسرائيل، رفعه؛ وكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشورة منهم.
وروى أبو داود أيضًا: أن يهوديًّا خاصم أبا العالية في القبلة، فقال أبو العالية: كان موسى
يصلّي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام، فكانت الكعبة قبلته، وكانت الصخرة بين يديه، وقال

٢٥٢
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
وعلى القبلة التي هدانا الله إليها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين.
وقال بعض المؤمنين: فكيف صلاتنا التي صليناها نحو بيت المقدس؟
وكيف من مات من إخواننا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله ﴿وما كان
الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة/١٤٣].
اليهودي: بيني وبينك مسجد صالح النبيّ عليه السّلام، فقال أبو العالية: فإني صلّيت في مسجد
صالح وقبلته إلى الكعبة وفي مسجد ذي القرنين وقبلته إليها. وفي البغوي في تفسير قوله تعالى:
﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ [يونس: ٨٧] الآية، روى ابن جريج عن ابن عباس، قال: كانت الكعبة
قبلة موسى ومن معه، انتهى. وبه قطع الزمخشري والبيضاوي.
(وعلى قولنا خلف الإمام: آمين) فإنها لم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلاَّ لهرون، فإنه
کان يؤمن على دعاء موسی؛ كما قال ګے في حديث أنس عند ابن مردويه وغيره.
(و)روى ابن إسحق وغيره عن البراء، قال: (قال بعض المؤمنين:) لمّا حوّلت القبلة
(فكيف صلاتنا التي صليتاها نحو بيت المقدس؟ وكيف من مات من إخواننا) من السلمين؟
قال في الفتح: وهم عشرة، فبمكّة من قريش: عبد الله بن شهاب، والمطلب بن أزهر الزهريان،
وسكران بن عمر، والعامري. وبأرض الحبشة: حطاب بالمهملة ابن الحرث الجمحي، وعمرو بن
أُميّة الأسدي، وعبد الله بن الحرث السهمي، وعروة بن عبد العزّى، وعدي بن نضلة العدويّان.
ومن الأنصار بالمدينة: البراء بن معرور بمهملات، وأسعد بن زرارة؛ فهؤلاء العشرة متفق عليهم،
ومات في المدّة أيضًا: إياس بن معاذ الأشهلي، لكنه مختلف في إسلامه. (وهم يصّلون إلى
بيت المقدس، فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان اللَّه ليضيّع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]) الآية،) أي:
صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه؛ لأن سبب نزولها السؤال عمّن مات قبل التحويل،
كما ترى. قال في الفتح: وقع النصّ على هذا التفسير عند الطيالسي والنسائي عن البراء، بلفظ:
فأنزل الله: ﴿وما كان اللَّه ليضيّع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]، صلاتكم إلى بيت المقدس، انتهى.
وبهذا جزم الجلال، فلا عليك ممن قال إيمانكم بالقبلة المنسوخة.
وروى البخاري من طريق زهير عن أبي إسحق عن البراء: مات على القبلة قبل أن تحوّل
رجال وقتلوا، فلم ندرّ ما نقول فيهم، فأنزل اللَّه: ﴿وما كان الله ليضيّع إيمانكم﴾ [البقرة١٤٣]،
قال الحافظ: وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، وكذلك روى أبو داود والترمذي وابن
حبان والحاكم صحيحًا عن ابن عباس، ولم أجد في شىء من الأخبار أن أحدًا قتل من
المسلمين قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة
محفوظة، فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدّة في غير جهاد،

٢٥٣
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
وقيل قال اليهود: اشتاق إلى بلد أبيه، وهو يريد أن يرضي قومه، ولو ثبت
على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي الذي ننتظر أن يأتي. فأنزل الله تعالى: ﴿وإن
الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾ [البقرة/١٤٤] يعنى أن اليهود
الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله
سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم.
ثم فرض صيام شهر رمضان،
ولم يضبط اسمه لقلّة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك، ثم وجدت في المغازي رجلاً اختلف في إسلامه.
فقد ذكر ابن إسحق: أن سويد بن الصامت لقى النبيّ ◌ٍَّ قبل أن يلقاه الأنصار في
العقبة، فعرض عليه الإسلام، فقال: إن هذا القول حسن، وانصرف إلى المدينة فقتل بها في وقعة
بعاث، بضمّ الموحدة وإهمال العين ومثلثة، وكانت قبل الهجرة، قال: وكان قومه يقولون: قتل
وهو مسلم. وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قتل بمكّة من المستضعفين كأبوي
عمّار، فقلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسرار، انتهى.
(وقيل: قال اليهود) مقابل ما فهم من كلامه المتقدّم أن ما ولاّهم عن قبلتهم صدر عنهم
وعن المنافقين والمشركين، (اشتاق إلى بلد أبيه،) مكّة (وهو يريد أن يرضي قومه) قريشًا (ولو
ثبت على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبيّ الذي ننتظر أن يأتي) وهذا القول نقله في العيون عن
السدي، وزاد عنه: وقال المنافقون: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وقال كفار قريش:
تحيّر على محمّد دينه، فاستقبل قبلتكم وعلم أنكم أهدى منه ويوشك أن يدخل في دينكم،
(فأنزل اللَّه تعالى) في اليهود: (﴿وإن الذين أوتوا الكتاب﴾ [البقرة: ١٤٤]،) أي: التوراة،
(﴿ليعلمون أنه الحقّ من ربّهم﴾ [البقرة: ١٤٤]، يعني أن اليهود الذين أنكروا استقبالكم
الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن اللَّه تعالى سيوجّهك إليها بما في كتبهم عن
أنبيائهم.) قال السدي: وأنزل فيهم: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب﴾ [البقرة: ١٤٥] الآية.
وقوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ [البقرة: ١٤٦] الآيتين، قال:
أي يعرفون أن قبلة النبيّ الذي يبعث من ولد إسمعيل قبل الكعبة كذلك هو مكتوب عندهم في
التوراة وهم يعرفونه بذلك، كما يعرفون أبناءهم وهم يكتمون ذلك وهم يعلمون أنه الحق، يقول
اللّه تعالى: ﴿الحق من ربك فلا تكونّن من الممترين﴾ [البقرة: ١٤٧]، أي: الشاّين. وأنزل اللَّه
في المنافقين: ﴿قل للَّه المشرق والمغرب﴾ [البقرة: ١٤٢]، وفي المشركين: ﴿لئلاّ يكون للنَّاس
عليكم حجّة﴾ [البقرة: ١٥٠] الآية.
(ثم فرض صيام شهر رمضان) ذكر بعضهم حكمة كونه شهرًا، فقال: لمَّا تاب آدم من

٢٥٤
تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر
بعدما حولت القبلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من
مقدمه عليه السلام.
وزكاة الفطر قبل العيد بيومين: أن يخرج عن الصغير والكبير والحر والعبد
والذكر والأنثى صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاعٍ من زبيب، أو صاع من
بر، وذلك قبل أن تفرض زكاة الأموال. وقيل إن زكاة الأموال فرضت فيها، وقيل:
قبل الهجرة والله أعلم.
أكل الشجرة تأخّر قبول توبته لما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلمّا صفا جسده
منها تیب علیه ففرض على ذرّيته صيام شهر، انتهى.
روى الواقدي عن عائشة وابن عمر وأبي سعيد الخدري، قالوا: نزل فرض شهر رمضان
(بعدما حوّلت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان،) أي: في نصفه بناء على أن التحويل في
نصف رجب، أو في أوّله بناء على أنه في آخر جمادى الآخرة، ولا يأتي هنا القول بأنها حوّلت
في نصف شعبان؛ لأنه يلزم أن فرض الصّوم في نصف رمضان، (على رأس) أي: أوّل، (ثمانية
عشر شهرًا من مقدمه عليه السّلام) المدينة تقريبًا، فلا بدّ من التجوّز إمّا في شهر أو في ثمانية
عشر، (و)فرضت (زكاة الفطر) في هذه السنة؛ كما في حديث الثلاثة، وزاد المؤلّف: تبعًا لما
في أسد الغابة. (قبل العيد بيومين) وهي كما في حديثهم (أن يخرج عن الصغير والكبير والحرّ
والعبد والذكر والأنثى صاع من تمر، أو صاع من شعير،) بفتح الشين وتكسر (أو صاع من
زبيب، أو صاع من برّ) أي: قمح، كذا في حديث الثلاثة؛ كرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جدّه، عند أبي داود وأحمد والترمذي وحسّنه. وذكر أبو داود: أن عمر بن الخطاب جعل نصف
صاع من بّر مكان هذه الأشياء.
وفي الصحيحين: أن معوية هو الذي قوّم ذلك. وعند الدارقطني عن عمر: أمر عَليه
عمرو بن حزم بنصف صاع من حنطة، ورواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه: فقال
عليّ: أمّا إذ وسّع اللَّه فأوسعوا، اجعلوه صاعًا من بّر وغيره، ويروى صاعًا من دقيق، ولكنها وهم
من سفين بن عيينة نبّه عليه أبو داود. (وذلك قبل أن تفرض زكاة الأموال) من جملة حديث
عائشة وابن عمر وأبي سعيد، (وقيل: إن زكاة الأموال فرضت فيها) أي: السنة الثانية، وقيل:
بعدها، وقيل: سنة تسع، (وقيل:) فرضت زكاة الأموال (قبل الهجرة) حكاه مغلطاي وغيره،
واعترض بأنه لم يفرض بمكّة بعد الإيمان إلاَّ الصّلاة كل الفروض بالمدينة، وإن قيل فرض الحجّ
قبل الهجرة فالصحيح خلافه، والأكثر أن فرض الزكاة إنما كان بعد الهجرة، (والله أعلم)
بالصواب من ذلك، وصلّى اللَّه وسلّم على سيّدنا محمّد وآله وصحبه.

٢٥٥
باب غزوة بدر الکبری
[باب غزوة بدر العظمى]
ثم غزوة بدر الكبرى، وتسمى العظمى، والثانية، وبدر القتال.
وهي قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، كان نزلها،
وقيل: بدر بن الحرث، حافر بئرها، وقيل بدر اسم البئر التي بها سميت لاستدارتها،
أو لصفائها ورؤية البدر فيها.
وقال ابن كثير: وهو يوم الفرقان، الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله،
باب غزوة بدر العظمى
(ثم) بعد مجموع ما ذكر (غزوة بدر) أو في العطف تغليب أو الترتيب ذكرى، فلا يردّ
تأخر زكاة الفطر عن وقت بدر (الكبرى) نعت لغزوة لا لبدر، (وتسمّى العظمى والثانية وبدر
القتال) لوقوعه فيها دون الأولى والثالثة، وتسمّى أيضًا بدر الفرقان، (وهي قرية مشهورة) بين مكّة
والمدينة على نحو أربع مراحل من المدينة، قاله النووي، وفي معجم ما استعجم: على ثمانية
وعشرين فرسخًا من المدينة يذكر ولا يؤنث جعلوه اسم ماء، (نسبت إلى بدر بن يخلد) بفتح
التحتية وإسكان الخاء المعجمة وضمّ اللام غير منصرف للعلمية ووزن الفعل هكذا في نسخة
صحيحة، وهو المنقول فما في أكثر النسخ كبعض نسخ الفتح مخلد بالميم تحريف من النساخ
(ابن النضر) بضاد معجمة جماع قريش، ولا يستعمل إلاّ باللام، فلا يلتبس بنصر بمهملة؛ لأنه بلا
لام (ابن كنانة) لأنه (كان نزلها) وعلى هذا اقتصر اليعمري، وصدر به في الفتح.
(وقيل: بدر بن الحرث حافر بئرها) وبهذا صدر مغلطاي وأسقط الأوّل قائلاً: وقيل
بدر بن كلدة، (وقيل:) نسبت القرية إلى (بدر) فهو مجرور منوّن، (اسم البئر التي بها سمّيت)
البئر بدرًا (لاستدارتها) كبدر السماء، (أو) يعني، وقيل، كما في سيرة مغلطاي: سمّيت البشر بدرًا
(لصفائها) أي: صفاء مائها (ورؤية البدر فيها) وقال ابن قتيبة: كانت البئر لرجل يسمّى بدرًا من
غفار، وقيل: بدر رجل من بني ضمرة. وحكى الواقدي إنكار ذلك كله عن غير واحد من شيوخ
بني غفار: وإنما هي ماؤنا ومنازلنا وما ملكها أحد قطّ يقال له بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من
البلاد. قال البغوي: وهذا قول الأكثر.
(قال ابن كثير: وهو) أي: يوم بدر، (يوم الفرقان) المذكور في قوله تعالى: ﴿وما أنزلنا
على عبدنا يوم الفرقان﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، لأَن اللَّه فرّق فيه بين الحقّ والباطل، قاله ابن عباس
رواه ابن جرير وابن المنذر وصحّحه الحاكم، (الذي أعزّ اللّه فيه الإسلام) قوّاه وأظهره، (و) قوّى (أهله

٢٥٦
باب غزوة بدر الكبرى
ودمغ فيه الشرك وخرب محله، وهذا مع قلة عدد المسلمين، وكثرة العدو مع ما
كانوا فيه من سوابغ الحديد، والعدة الكاملة، الخيل المسوّمة، والخيلاء الزائد، أعز
الله به رسوله وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي عَّةٍ وقبيله، وأخزى الشيطان
وجيله، ولهذا قال تعالى ممتنًا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين:
ودمغ) اللَّه (فيه الشرك) أخفاه وأذهب شوكته، يقال: دمغه كسر عظم دماغه، فشبّه الشرك
بالدماغ المكسورة استعارة بالكناية، وأثبت الدمغ له تخييلاً أو الاستعارة في الفعل فهي تبعيّة،
(وخرب محلّه) أي: أهله الذين كانوا يعظمونه، أو خرب الأماكن التي كان ظاهرًا فيها، والأوّل
أظهر؛ لأن تخريب أماكنه إنما كان بعد فتح مكة بهدم العزى وتكسير هبل وإزالة جميع الأصنام.
(وهذا) المذكور من عزّ الإسلام ودمغ الشرك حاصل (مع قلّة عدد المسلمين وكثرة العدوّ) فهو
آية ظاهرة على عناية الله تعالى بالإسلام وأهله، (مع ما) أي: حال (كانوا) أي: العدوّ (فيه من)
القوّة الحاصلة لهم بلبس (سوابغ الحديد) أي: الدروع الحديد السوابغ، أي: الواسعة من إضافة
الصفة للموصوف وتقدير القوّة، الخ؛ لأن السوابغ ليست حالاً حتى يبين بها ما كانوا عليه.
(والعدّة) بضمّ العين (الكاملة) أي: الاستعداد والتأهّب، والعدّة ما أعددته من المال
والسلاح أو غير ذلك؛ كما في المصباح، فعطفه على ما قبله عطف عام على خاص على الثاني
ومسبّب على سبب على الأوّل. (والخيل) جمع لا واحد له من لفظه (المسوّمة) الراعية أو من
السمة وهي العلامة أو البارعة الجمال، وذكره بعد العدّة من الخاص بعد العام، (والخيلاء) بضم
الخاء وكسرها الكبر (الزائد) فذكر رعاية لمعناه، وفي نسخة الزائدة بالهاء رعاية للفظه؛ لأن فيه
ألف التأنيث، (أعزّ اللَّه به رسوله وأظهر وحيه وتنزيله) أي: القرءان عطف أخصّ على أعمّ أو
تفسير إن أُريد الأعمّ على أن الوحي بمعنى الموحى والتنزيل بمعنى المنزل أعمٍّ من أن يكون لفظًا
أو معنى، (وبيّض وجه النبيّ) كناية عن ظهور بهجة السرور، فأطلق البياض وأريد لازمه نحو يوم
تبيض وجوه، أي: أظهر سرور النبيّ عَّله، (وقبيله) أي: أتباعه بالنصب عطف على رسوله أو
على وجه بتقدير مضاف، أي: وبيّض وجه قبيلة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
(وأخزى الشيطان) إبليس وغيره من الشياطين (وجيله) أتباعه من أهل الضلال والزيغ نسبوا
إليه لقبولهم ما وسوس به فضلوا عن الحقّ واتّبعوه، أو المراد إبليس وأعوانه من الشياطين، والأوّل
أولى لإفادته العموم في أنه أخرى شياطين الجنّ والإنس. (ولهذا قال تعالى ممتنًا على عباده
المؤمنين،) قال شيخنا: أضافهم إليه تشريفًا، فالمراد الكاملون في الإيمان، فقوله: (وحزبه) أي:
أنصار دينه (المتّقين) مساوٍ لما قبله بالنظر للتحقيق والوجود، وهو ما صدق عليه المؤمن
والمتّقي له في المفهوم، فإن العبد معناه الذي لا يملك لنفسه شيئًا مع سيّده، فكأنه قال: على

٢٥٧
باب غزوة بدر الکبری
﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة﴾ [آل عمران/١٢٣] أي قليل عددكم، لتعلموا
أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العدد والعدد. انتهى.
فقد كانت هذه الغزوة أعظم غزوات الإسلام، إذ منها كان ظهوره، وبعد
وقوعها أُشرق على الآفاق نوره، ومن حين وقوعها أذل الله الكفار، وأعز الله من
حضرها من المسلمين، فهو عنده من الأبرار.
عباده الذين لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، بل كانوا منقادين له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة﴾ حال من الضمير، ولم يقل ذلائل، ليدلّ على قتلهم، (أي:
قليل عددكم) فهو من ذكر السبب وإرادة المسبّب وإلا فأذلّة جمع ذليل ضدّ عزيز، وقلّة العدد
سبب لذلك، أي: قليلون بالنسبة إلى من لقيتم من المشركين من جهة أنهم كانوا مشاة إِلاَّ قليلاً
وعارين من السلاح؛ لأنهم لم يأخذوا أهبّة القتال كما ينبغي، وإنما خرجوا لتلقّي الغير بخلاف
المشركين، (لتعلموا أن النصر إنما هو من عند اللَّه)) كما قال تعالى: ﴿إن ينصركم الله فلا
غالب لكم﴾ [آل عمران: ١٦٠]، (لا بكثرة العدد) بفتح العين (والعدد) بضمّها جمع عدّة،
كغرفة وغرف، (انتهى) كلام ابن كثير.
(فقد كانت هذه الغزوة أعظم غزوات الإسلام) أي: أفضلها وأشرفها، قال في الاستيعاب:
وليس في غزواته ما يصل لها في الفضل ويقرب منها غزوة الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان،
انتهى. فليس المراد العظم من حيث كثرة الجند والشدّة؛ لأن في غيرها ما هو أقوى منها في
ذلك، ويدلّ لهذا قوله: (إذ منها كان ظهوره) أي: كمال انتشار الإسلام وكثرة الداخلين فيه،
(وبعد وقوعها أُشرق على الآفاقٍ) جمع أفق بضمتين وبسكون الفاء أيضًا؛ كما مرّ في: وضاءت
بنورك الأفق. وفي القاموس: الأفق بضمّة وبضمتين الناحية، انتهى. أي: من الأرض والسماء
(نوره) عدله وإصلاحه بعد الشدّة التي كان فيها من المشركين، سمّاه نورًا؛ لأنه يزيّن البقاع
ويظهر الحقوق (ومن حين) أي: وقت (وقوعها أذلّ اللَّه الكفّار) بقتل صناديدهم وأسرهم، (وأعزّ
الله من حضرها من المسلمين) والملائكة (فهو عنده من الأبرار) الأتقياء المقرّبين، فقد قال له:
(لعلّ اللَّه أطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنَّة))، أو: ((فقد غفرت لكم)).
وقال في لحرثة بن سراقة الأنصاري: وقد أصيب يومئذ وأنه في جنّة الفردوس، وجاءه
جبريل، فقال: ((ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها، قال:
وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة))، رواها كلّها البخاري وهي بشارة عظيمة، وقد قال العلماء:
الترجّي في كلام اللَّه ورسوله للوقوع، على أن أحمد وأبا داود وغيرهما، رووه بلفظ: ((إن الله
أطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وقال عَّةٍ: ((لا يدخل النار من شهد

٢٥٨
باب غزوة بدر الکبری
وكان خروجهم يوم السبت لثنتي عشرة خلت من رمضان، على رأس تسعة
عشر شهرًا، ويقال: لثمان خلون منه. قاله ابن هشام.
واستخلف أبا لبابة.
وخرجت معه الأنصار، ولم تكن قبل ذلك خرجت معه.
وكان عدة من خرج معه ثلاثمائة
بدرًا والحديبية))، رواه مسلم.
(وكان خروجهم يوم السبت) كما جزم به مغلطاي وعند ابن سعد: يوم الاثنين، وقالا: معًا
(لثنتي عشرة) ليلة (خلت من رمضان) وزاد مغلطاي: (على رأس تسعة عشر شهرًا) لأن باقي
سنة القدوم عشرة أشهر تقريبا والماضي من السنة الثانية ثمانية أشهر كاملة، وما مضى من رمضان
في مقابله الماضي من ربيع الأوّل (ويقال: لثمان خلون منه، قاله) أي: هذا القول الثاني
عبد الملك (بن هشام) تفسيرًا لقول شيخ شيخه ابن إسحق: خرج لليال مضت من رمضان،
(واستخلف أبا لبابة) بشيرًا، وقيل: رفاعة بن عبد المنذر الأوسي ردّه من الروحاء واليًا على
المدينة؛ كذا قاله ابن إسحق.
قال الحاكم: لم يتابع على ذلك إنما كان أبو لبابة زميل النبيّ عَ له، وردّه مغلطاي بمتابعته
له هو في المستدرك، قال: وبنحوه ذكره ابن سعد وابن عقبة وابن حبان، انتهى. فيكون زميل
المصطفى حصل قبل ردّه إياه من الروحاء: قرية على ليلتين من المدينة، والصّلاة معًا قبل ردّ أبي
لبابة من الروحاء، انتهى. أي: فبقي على الصلاة فقط. (وخرجت معه الأنصار ولم تكن قبل ذلك
خرجت معه))) وما ظنّوا أنه يقع قتال؛ لأن خروجهم إنما كان لتلقّي العير (وكان عدّة) البدريين
ثلاثمائة عشر؛ كما رواه أحمد والبزار والطبراني عن ابن عباس، وهو المشهور عند ابن إسحق
وجماعة من أهل المغازي وللطبراني والبيهقي عن أبي أيوب، قال: خرج عَُّلِّ إلى بدر، فقال
لأصحابه: ((تعادّوا))، فوجدهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، ثم قال لهم: ((تعادّوا))، فتعادّوا مرتين
فأقبل رجل على بكر له ضعيف وهم يتعادّون فتمّت العدّة ثلاثمائة وخمسة عشر، وللبيهقي أيضًا
بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: خرج عَّ ◌ُله يوم بدر ومعه ثلاثمائة وخمسة
عشر ولا تنافي، لاحتمال أنّ الأوَّل لم يعد المصطفى ولا الرجل الآتي آخرًا. وفي حديث عمر
عند مسلم: ثلاثمائة وتسعة عشر، قال الحافظ: فيحمل على أنه ضمّ إليهم من استصغر ولم يؤذن
له في القتال، كابن عمر والبراء وأنس وجابر وللبزار من حديث أبي موسى ثلاثمائة وسبعة عشر.
وحكى السهيلي أنه حضر مع المسلمين سبعون نفسًا من الجنّ كانوا أسلموا، وإذا تحرّر هذا،
فليعلم أن الجميع لم يشهدوا القتال، وإنما عدّة (من خرج معه) واستمرّ حتى شهد القتال (ثلاثمائة

٢٥٩
باب غزوة بدر الکبری
وخمسة، وثمانية لم يحضروها، إنما ضرب لهم بسهمهم وأجرهم فكانوا كمن
حضرها.
وخمسة) قاله ابن سعد. ولابن جرير عن ابن عباس: وستّة.
قال الحافظ: فكأن ابن سعد لم يعدّ النبيّ عَّله فيهم، قال ابن سعد: المهاجرون منهم
أربعة وستون وسائرهم من الأنصار، وهو يفسّر قول البراء عند البخاري: كان المهاجرون يوم بدر
نيّفًا على ستّين والأنصار نيّفًا وأربعين ومائتين. وفي البخاري عن الزبير، قال: ضربت يوم بدر
للمهاجرين بمائة سهم، وجمع الحافظ بأن حديث البراء فيمن شهدها حشًا، وحديث الزبير:
فيمن شهدها حشًا وحكمًا، أو المراد بالعدد الأوّل الأحرار، والثاني: بانضمام مواليهم وأتباعهم.
وسرد ابن إسحق أسماء من شهدها من المهاجرين، وذكر معهم خلفاءهم ومواليهم، فبلغوا
ثلاثة وثمانين رجلاً، وزاد عليه ابن هشام ثلاثة. وسردهم الواقدي خمسة وثمانين. ولأحمد والبزار
والطبراني عن ابن عباس: أن المهاجرين ببدر كانوا سبعة وسبعين، فلعلّه لم يذكر من ضرب له
بسهم ممن لم يشهدها حسًّا. وقال الداودي: كانوا على التحرير أربعة وثمانين ومعهم ثلاثة
أفراس فأسهم لهم بسهمين وضرب لرجال أرسلهم في بعض أمره بسهامهم، فصحّ أنها كانت مائة
بهذا الاعتبار.
قال الحافظ: ولا بأس بما قاله، لكن ظهر لي أن إطلاق المائة إنما هو باعتبار الخمس
وذلك أنه عزله ثم قسم ما عدّاه على ثمانين سهمًا عدد من شهدها ومن ألحق بهم، فإذا أُضيف
له الخمس كان ذلك من حساب مائة سهم، انتهى. وقد ينازع فيما ظهر له بأن الخمس لا يكون
نسبته للمهاجرين فقط، وسرد اليعمري: المهاجرين أربعة وتسعين، والخزرج مائة وخمسة
وتسعين، والأَوْس أربعة وسبعين، فذلك ثلاثمئة وثلاثة وستّون، قال: وإنما ذلك من جهة الخلاف
في بعضهم. وفي الكواكب: فائدة ذكرهم معرفة فضيلة السبق وترجيحهم على غيرهم والدعاء
لهم بالرضوان على التعيين. وقال العلاّمة الدوائي: سمنا من مشايخ الحديث أن الدعاء عند
ذكرهم في البخاري مستجاب وقد جرّب.
(وثمانية لم يحضروها) لكنهم (إنما) تخلّفوا للضرورات ولذا (ضرب لهم بسهمهم) بأن
أعطاهم ما يخصّهم من الغنيمة، (وأجرهم) بأن أخبرهم أن لهم أجر من شهدها، (فكانوا كمن
حضرها) فعدّوا في أهلها، وهم: عثمن بن عفان تخلف على زوجته رقية بنت النبيّ عَّ باذنه
وكانت مريضة مرض الموت، فقال له عَّةٍ، كما في البخاري: ((إن لك لأجر رجل ممن شهدها
وسهمه))، وطلحة وسعيد بن زيد بعثهما يتجسّسان عير قريش، ومن الأنصار: أبو لبابة استخلفه
على المدينة، وعاصم بن عدي على أهل العالية، والحرث بن حاطب على بني عمرو وبن عوف

٢٦٠
باب غزوة بدر الكبرى
وكان معهم ثلاثة أفراس: ((بعزجة)) فرس المقداد، وفرس الزبير وفرس لمرثد
الغنوي، لم يكن لهم خيل يومئذٍ غير هذه، وكان معهم سبعون بعيرًا.
لشىء بلغه عنهم، والحرث بن الصمة وقع بالروحاء فكسر فردّ هؤلاء من الروحاء، وخوات بن
جبير أصابه حجر في ساقه فردّه من الصفراء، هؤلاء الذين ذكرهم ابن سعد.
وذكر الواقدي عن سعد بن ملك الساعدي والد سهل، قال: تجهّز ليخرج لبدر فمات
فضرب له بسهمه وأجره، وممن اختلف فيه هل شهدها أو ردّ لحاجة سعد بن عبادة، وصبيح
مولى أبي أحيحة رجع لمرضه، وفي المستدرك: أن جعفر بن أبي طالب ضرب له عَّةٍ يومئذ
بسهمه وأجره وهو بالحبشة، وأقرّه الذهبي؛ فهؤلاء اثنا عشر.
(وكان معهم ثلاثة أفراس بعزجة) بفتح الموحدة وإسكان المهملة فزاي فجيم مفتوحتين
فتاء تأنيث؛ كما في النور. وحرّف نساخ الشامية الزاي بالراء، فقد قال السهيلي: البعزجة شدّة
جري الفرس في مغالبة، كأنه منحوت من أصلين: من بعج إذا شقّ، وعز، أي غلب، انتهى.
(فرس المقداد) بن عمرو الشهير بابن الأسود، كأنها سمّيت بذلك لشدّة جريها، ويقال: اسمها
سبحة، بفتح السين وإسكان الموحدة وبالحاء المهملتين وتاء تأنيث، وبه صدر الشامي، لكن
صدر اليعمري بالأوّل، وجزم به في الروض، فلذا اقتصر المصنف عليه.
واليعسوب بفتح التحتية فعين فسين مضمومة مهملتين فواو ساكنة فموحدة، (فرس
الزبير بن العوام، وقيل: اسمها السيل، وبه صدر الشامي وعلى الأول اقتصر اليعمري. (وفرس
لمرثد) بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة ودال مهملة، ابن أبي مرثد كناز بن الحصين،
(الغنوي) بفتح المعجمة والنون نسبة إلی غنی بن یعصر، صحابي ابن صحابي، بدري ابن بدري،
(لم يكن لهم يومئذ خيل غير هذه) الثلاثة وثبت ذکر فرس مرثد عند ابن سعد في رواية، وجزم
المصنّف في المقصد الثامن بأنه لم يكن معهم غير فرسين للمقداد والزبير، وقال ابن عقبة:
ويقال كان معه عليه السّلام فرسان، واستشكل هذا بما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عليّ، قال:
ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، وأُجيب بحمل النفي على بعض الأحوال دون الباقي،
لكن في التقريب للحافظ: لم يثبت أنه شهدها فارس غير المقداد.
(وكان معهم) كما قال ابن إسحق: (سبعون بعيرًا) فاعتقبوها، فكان عَّ وعلي وزيد بن
حارثة، ويقال: مرثد يعتقبون بعيرًا وهكذا. وقد روى الحرث بن أبي أسامة وابن سعد عن ابن
مسعود: كنّا يوم بدر كل ثلاثة بعير، وكان أبو لبابة وعليّ زميل رسول اللَّه عَّةٍ، فكان إذا كانت
عقبة النبيّ عَّه، قالا: اركب حتى نمشي عنك، فيقول: ((ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا
بأغنى عن الأجر منكما))، وعليه فجملة الذين يعتقبون مائتان وعشرة، فيحتمل أن الباقين لم