Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
باب بدء الاذان
وتعقب: بأن حديث البزار في إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو
متروك.
وقال في فتح الباري: وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن
زيد، لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي:
وأجيب: باحتمال مقارنة الوحي لذلك. ويؤيده ما رواه عبد الرزاق وأبو داود
في المراسيل، من طريق عبيد بن عمير الليثي - أحد كبار التابعين - أن عمر لما
رأَى الأذان جاء ليخبر النبي عَ آه فوجد الوحي قد جاءه وفي نسخة قد ورد بذلك، فما
راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي عَ لَّهِ: سبقك بذلك الوحي.
قال في الفتح: وحاول بذلك الجمع بين حديث كونه رؤيا وبين الأحاديث الدالّة على أنه
شرع بمكّة قبل الهجرة، فتكلّف وتعسف والأخذ بما صحّ أولى.
(وتعقّب بأن حديث البزار) لا يصحّ الاحتجاج به؛ لأن (في إسناده زياد بن المنذر) وهو
(أبو الجارود) الأعمى الكوفي الرافضي المتوفى بعد الخمسين ومائة، (وهو متروك) وإن خرّج له
الترمذي، بل قال ابن معين: هو كذاب عدوّ اللَّه. وقال الذهبي وابن كثير: هذا الحديث من
وضعه، قال السهيلي أيضًا، ما ملخّصه: والحكمة أيضًا في إعلام الناس به على غير لسانه عَ ل.
التنويه بقدره والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره وأفخر لشأنه. قال الحافظ: وهذا حسن
بديع ويؤخذ منه حكمة عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد حتى أضيف عمر للتقوية التي ذكرها
ولم يقتصر على عمر ليصير في معنى الشهادة.
(وقال في فتح الباري: وقد استشکل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد؛ لأن رؤيا
غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي) بل ورؤيا الشخص للنبيّ كذلك، وإن كان حقًّا؛ لأن
النائم لا يضبط ما يقال له، (وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك) لم يجزم به لعدم وقوفه على
التصريح به، (ويؤيّده ما رواه عبد الرزّاق) بن همام الحافظ الصنعاني (وأبو داود في المراسيل
من طريق عبيد بن عمير) بن قتادة (الليشيّ أحد كبار التابعين) المكي قاضيها، ولد في حياة
النبوّة، وقيل له رؤية ومات قبل ابن عمر، (أن عمر لمَّا رأى الأذان جاء ليخبر النبيّ عَّ فوجد
الوحي قد جاءه) وفي نسخة: قد ورد، بذلك، فما راعه إلا أذان بلال) أي: ما أشعر عمر، أي:
ما أعلمه، قاله الشامي. فحقيقة الروع هنا منتفية واستعمل في لازمه؛ لأن من فزع من شىء
استشعر وجوده لكن قد لا يحصل من الشعور العلم فتدرج في البيان ففسّره لغة ثم مرادًا، (فقال
له النبيّ عَّةِ: ((سبقك بذلك الوحي)») فهذا يؤيّد احتمال المقارنة وليس نصًّا فيه؛ لجواز أن
الوحي إنما جاء بعد إذنه في الأذان اعتمادًا على ما ظهر له عند الإخبار بالرؤيا، فيكون مقرّرًا للأمر به.

٢٠٢
باب بدء الاذان
وهذا أصح مما حكى الداودي عن ابن إسحق: أن جبريل أتى النبي عَّه.
بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام.
وقد عرفت رؤيا عبد الله بن زيد برواية ابن إسحق وغيره وذلك أنه قال:
((طاف بي - وأنا نائم - رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت يا عبد الله أتبيع
الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما
هو خير لك من ذلك؟
(وهذا) المرسل (أصحّ مما حكى الداودي) أحمد بن نصر اليشكري، أبو جعفر الأسدي
الطرابلسي وبها ألف شرح الموطأ، وسمّاه النامي العالم الفاضل المالكي الفقيه المفنن المجيد له
حظ من اللسان، والحديث والنظر ثم انتقل إلى تلمسان وألّف الواعي في الفقه وشرح البخاري
وسمّاه النصيحة وغير ذلك، وحمل عنه أبو عبد الملك البوني وأبو بكر بن محمّد بن أبي زيد
وتوفي بتلمسان سنة ثلاثين وأربعمائة، (عن ابن إسحق) محمّد إمام المغازي (أن جبريل أتى
النبيّ ◌َِّ بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام)، ولو صحّ أمكن حمله، كما قال
شيخنا: على أنه أوحي إليه بإعلام الناس بوقت الصلاة من غير بيان ما يعلم به، وبهذا الإجمال
وقعت المشاورة فيما يعلم به، ثم بعدها جاء الوحي بخصوص كلمات الأذان ليلة الرؤيا فلمًا
أخبر بها، قال: ((سبقك الوحي بهذه الكلمات)). وأجاب في الفتح أيضًا عن الإشكال بأنه عليه
السّلام أمر بمقتضى الرؤيا لينظر: أيقر على ذلك أم لا؟ ولا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول
الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده سَّله في الأحكام، وهو المنصور في
الأصول، انتھی.
(وقد عرفت) بالبناء للمفعول زيادة على ما مرّ، (رؤيا عبد الله بن زيد برواية ابن إسحق)
وليس عرفت بالخطاب، كما ضبط بالقلم إذ لم تتقدّم رواية ابن إسحق (وغيره) كأبي داود
والترمذي وابن ماجه، كلّهم من طريقه (وذلك أنه) أي: عبد اللَّه؛ كما أخرجه ابن إسحق، فقال:
حدّثني محمّد بن إبراهيم التيمي، عن محمّد بن عبد الله بن زيد، قال: حدّثني أبي، (قال:) لما
أمر رسول اللَّه عَلَّه بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصّلاة (طاف بي) أي: دار حولي
(وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد اللَّه!) يقال لمن لا يعرف اسمه على أصل
معناه الحقيقي؛ لأن الكل عبيد اللَّه، (أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو) أنا
ومن معي من المسلمين (به) الناس (إلى الصلاة، قال: أفلا أدلّك على ما هو خير لك من ذلك)
ولم يقل أفاد لك مع أن القصد الدلالة لا عدمها؛ لأنه لما رآه راغبًا في طلب الناقوس نزله منزلة
المعرض عن غيره الراغب في نفي إرادة الدلالة فاستفهمه عن النفي والهمزة داخلة على مقدر،

٢٠٣
باب بدء الاذان
فقلت: بلى، قال: تقول الله أكبر، الله أكبر، وذكر بقية كلمات الأذان. قال: ثم
استأخر عني غير بعيد ثم قال: إذا قمت إلى الصلاة فقل: الله أكبر، الله أكبر، إلى
آخر كلمات الإقامة)). ورواه أبو داود بإسناد صحيح.
ولم تعرف كيفية رؤيا عمر حين رأى النداء، وقد قال: رأيت مثل الذي
رأی.
وفي مسند الحرث: أول من أذن بالصلاة جبريل، أذن في سماء الدنيا
فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالاً إلى رسول الله عَ لَّهِ فأخبره بها، فقال عليه
السلام لبلال سبقك بها عمر، وظاهره: أن عمر وبلالاً سمعا النداء في اليقظة.
وقد وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرح بمكة قبل الهجرة:
منها ما للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر،
أي: آأعرض عنك فلا أدلّك أم لا، فأدلّك، ولذا أجاب بقوله: (فقلت: بلى،) الذي هو لرد النفي
(قال) بعد أن استقبل القبلة؛ كما مرّ، (نقول: اللَّه أكبر الله أكبر، وذكر بقيّة كلمات الأذان؟
قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: إذا قمت إلى الصّلاة، فقل: الله أكبر الله أكبر، إلى
آخر كلمات الإقامة، ورواه أبو داود ) وفيه عنده ابن إسحق وهو ثقة يدلس، لكنه صرّح هنا
بالتحديث فانتفت تهمة تدليسه، ولذا قال: (بإسناد صحيح) وقال الترمذي بعد إخراجه من
طريقه: حسن صحيح، وأخرجه من طريقه أيضًا ابن حبان وابن خزيمة ناقلاً عن الذهلي باللام أنه
ليس في طرقه أصح منه، (ولم تعرف كيفية رؤيا عمر حين رأى النداء، وقد قال: رأيت مثل
الذي رأى) وغاية ما تفيده المثلية المشاركة في أصل رؤيا الأذان ولا يستلزم أنه رأى رجلاً
یطوف، إلى آخر ما وقع لابن زید.
(وفي مسند الحرث) بن أبي أسامة بسند واهٍ عن كثير الحضرمي: (أوّل من أذن بالصّلاة
جبريل، أُذّن في سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالاً إلى رسول اللّه عَلِّ فأخبره
بها) ثم جاء بلال (فقال عليه السلام لبلال: ((سبقك بها عمر»،) وهذا لو صحّ لم يدلّ على
تقدّمها على رؤيا عبد الله؛ لاحتمال سماعهما ذلك بعد رؤياه، (وظاهره: أن عمر وبلالاً سمعا
النداء في اليقظة) بفتحات: ضدّ النوم، ولا مانع من ذلك كرامة لهما، (وقد وردت أحاديث
تدلّ على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة) لكن لا يصحّ منها شىء، (منها ما للطبراني من
طريق سالم بن عبد الله بن عمر) بن الخطّاب أحد الفقهاء أشبه ولد أبيه به، مات في ذي القعدة

٢٠٤
باب بدء الاذان
عن أبيه قال: لما أسري بالنبي عَِّ أوحى إليه الأذان فنزل به وعلمه بلالا.
وفي إسناده طلحة بن زيد وهو متروك.
ومنها: للدارقطني في (الأفراد))، من حديث أنس أن جبريل أمر النبي عدّله.
بالأذان حيث فرضت الصلاة. وإسناده ضعيف.
ومنها: حديث البزار عن علي، المتقدم.
قال في فتح الباري: والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث.
وقد جزم ابن المنذر بأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بغير أذان منذ
فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، إلى أن وقع التشاور في ذلك. والله أعلم.
أو الحجّة سنة ستّ أو خمس أو سبع أو ثمان ومائة، (عن أبيه، قال: لما أُسري بالنبيّ عَ لّه
أوحى إليه الأذان فنزل) ملتبسًا (به) حيث علمه (وعلمه بلالاً، وفي إسناده طلحة بن زيد)
القرشي، أبو مسكين أو أبو محمّد الرقي، وأصله دمشقي، روى له ابن ماجه، (وهو متروك) كما
في الفتح والتقريب، وزاد فيه: قال أحمد وعليّ وأبو داود: كان يضع.
(ومنها: ما للدارقطني في الأفراد) بفتح الهمزة (من حديث أنس أن جبريل أمر النبيّ عَّة.
بالأذان حين فرضت الصّلاة وإسناده ضعيف) فلا حجّة فيه. (ومنها: حديث البزار عن عليّ
المتقدّم) قريبًا، وأن فيه زياد بن المنذر متروك، وغفل الشارح فنقل كلام ابن كثير في زياد هذا
في قول المصنّف في إسناده طلحة. ومنها حديث عائشة عند ابن مردويه مرفوعًا: «لما أسري بي
أُذن جبريل فظنّت الملائكة أنه يصلّي بهم، فقدّمني فصلّيت))، وفيه من لا يعرف؛ كما في
الفتح.
ومنها: ما عند ابن شاهين عن زياد ابن المنذر المتروك، قال: قلت لابن الحنفية: كنّا
نتحدّث أن الأذان كان رؤيا، فقال: هذا واللَّه باطل، لكن رسول اللَّه عَِّ لما عرج به بعث إليه
ملك علّمه الأذان، قال الذهبي: هذا باطل.
(قال في فتح الباري) أيضاً إذ الذي قبله كلّه منه: (والحقّ أنه لا يصحّ شىء من هذه
الأحاديث) الدالّة على مشروعية الأذان بمكّة ومرّ قوله أيضاً: لا يصحّ شىء من ذلك، أي: رؤيا
الأذان لأحد من الصحابة إلا لعبد اللَّه بن زيد وهذا غير ذاك، كما هو واضح جدًا.
(وقد جزم ابن المنذر بأنه عليه الصّلاة والسّلام كان يصلّي بغير أذان منذ فرضت الصلاة
بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، إلى أن وقع التشاور في ذلك) فأمر به بعد رؤيا ابن زيد في
السنة الأولى أو الثانية، فجزمه بذلك دليل على ضعف تلك الأحاديث عنده، (واللَّه أعلم)

٢٠٥
باب بدء الاذان
فإن قلت: هل أذن عليه الصلاة والسلام بنفسه قط؟
أجاب السهيلي: بأنه قد روى الترمذي من طريق يدور على عمر بن الرماح،
قاضي بلخ يرفعه إلى أبي هريرة، أنه عَّ أذن في سفر وصلى وهم على
رواحلهم .. الحديث. قال: فنزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنه عليه السلام
أُذن بنفسه. انتهى.
وليس هذا الحديث من حديث أبي هريرة، إنما هو من حديث يعلى بن مرة.
وكذا جزم النووي بأنه عليه السلام أذن مرة في السفر، وعزاه للترمذي
وقواه.
ولكن روى الحديث الدارقطني وقال فيه: أمر بالأذان، ولم يقل: أذن. قال
السهيلي: والمفصل يقضي على المجمل المحتمل.
يضعفها في نفس الأمر وعدمه، فإن الحكم إنما هو على ظاهر الأسانيد.
(فإن قلت: هل أذن عليه الصّلاة والسّلام بنفسه قطّ) فقد كثر السؤال عنه، (أجاب
السهيلي بأنه قد روى الترمذي من طريق يدور) يرجع وإن تعدّد طرقه، (على عمر بن الرماح) هو
ابن ميمون بن بحر بن سعد الرماح البلخي أبي علي، وسعد هو الرماح؛ كما في التقريب فنسبه
لجدّه الأعلى (قاضي بلخ) المتوفّى سنة إحدى وسبعين ومائة، روى له الترمذي ووثقه ابن معين
وأبو داود فلا يقصر حديثه عن درجة الحسن، ولو انفرد به؛ لأنه ثقة (يرفعه إلى أبي هريرة
أنه عَّ أذن في سفر وصلّى وهم على رواحلهم ... الحديث، قال) السهيلي: (فنزع بعض
الناس بهذا الحديث إلى أنه عليه السّلام أذن بنفسه) وتبع هذا البعض النووي، (انتهى).
(وليس هذا الحديث من حديث أبي هريرة، إنما هو) عند الترمذي والدارقطني (من
حديث يعلى بن مرّة) بن وهب الثقفي ممن بايع تحت الشجرة، فسبق السهيلي حفظه أو سبق
مستمليه قلمه؛ لأنه كان ضريرًا، فقال أبو هريرة: (وكذا جزم النووي) في شرح المهذب وغيره
(بأنه عليه السّلام أذن مرّة في السفر، وعزاه للترمذي وقوّاه) فقال في الخلاصة: حديث
صحیح، وفي المجموع: قد ثبت فذكره، انتهى.
وقال الترمذي: غريب، تفرّد به عمر بن الرماح، ولا يعرف إلاَّ من حديثه. (لكن روی
الحديث الدارقطني) بسند الترمذي ومتنه (وقال فيه أمر بالأذان) وفيه بعده؛ فقام المؤذن فأذن
(ولم يقل أذن،) كما قاله في رواية الترمذي، (قال السهيلي: والمفصّل يقضي على المجمل
المحتمل،) فلا يصحّ تمسّك بعض الناس به وجزمه، وإن تبعه النووي، وعجبت كيف لم يقف

٢٠٦
باب بدء الاذان
وفي مسند أحمد من الوجه الذي أخرج منه الترمذي هذا الحديث: فأمر
بلالاً فأذن، قال في فتح الباري: فعرف أن في رواية الترمذي اختصارًا، وأن قوله
أذن: أمر، كما يقال: أعطى الخليفة فلانًا ألفًا، وإنما باشر العطاء غيره، ونسب
للخلیفة لكونه أمر، انتھی.
على كلام السهيلي مع أنه متأخّر عنه، وجواب الشهاب الهيثمي بأن هذا إنما يصار إليه لو لم
يحتمل تعدّد الواقعة، أما إذا أمكن فيجب المصير إليه إبقاء الإذن على حقيقته عملاً بقاعدة
الأصول أنه يجب إبقاء اللفظ على حقيقته مردود بأن ذاك إنما يصحّ إذا اختلف سند الحديث
ومخرجه، أمّا مع الاتّحاد فلا، ويجب رجوع المجمل للمفصل؛ كما هو قاعدة المحدثين وأهل
الأصول. وقد قال بعض الحفّاظ: لو لم نكتب الحديث من ستين وجهًا ما عقلناه لاختلاف الرواة
في إسناده وألفاظه، وليس كل احتمال يعمل به خصوصًا في الحديث؛ فهذه قصة المعراج
والإسراء وردت عن نحو أربعين صحابيًّا مع اختلاف أسانيدها ومتونها إلى الغاية، ومع ذلك
فالجمهور على أنها واحدة، حتى قال ابن كثير وغيره: من جعل كل رواية خالفت الأخرى مرة
على حدة فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب، وحديث الأذان من هذا القبيل؛ لقوله في
رواية الدار قطني: فقام المؤذن فأذّن.
(و)لقوله (في مسند أحمد من الوجه) أي: الطريق (الذي أخرج منه الترمذي هذا الحديث
فأمر بلالاً فأذن، قال في فتح الباري: فعرف) من روايتيْ أحمد والدارقطني (أن في رواية
الترمذي اختصارًا وأن قوله: أذن،) معناه: (أمر؛ كما يقال: أعطى الخليفة فلانًا ألفًا، وإنما باشر
العطاء) اسم من الإعطاء ولم يعبّر به؛ لأنه لا وجود لشىء من المصادر في الخارج بل آثارها،
(غيره، ونسب للخليفة لكونه أمر، انتهى) كلام فتح الباري. وهذا سائغ شائع. نعم قال
السيوطي في شرح البخاري: قد ظفرت بحديث آخر مرسل أخرجه سعيد بن منصور في سننه:
حدّثنا أبو معوية، حدّثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي عن ابن أبي مليكة، قال: أَذّن
رسول اللّه عَّه مرّة، فقال: ((حيّ على الفلاح))، وهذه رواية لا تقبل التأويل، انتهى.
فهذا الذي يجزم فيه بالتعدّد لاختلاف سنده، وانظر ما أحسن قوله آخر، ولذا قال في
شرحه للترمذي: من قال أنه عَّه لم يباشر هذه العبادة بنفسه وألغز في ذلك بقوله: ما سنّة عمل
بها ولم يفعلها فقد غفل، انتھی.
وفي التحفة: أذّن مرة، فقال: ((أشهد أن محمّدًا رسول الله))، انتهى. هذا وإنما لم
يواظب عَّهِ عى الأذان مع فضله المنوّه عليه، بنحو قوله عَُّله: («المؤذنون أطول أعناقًا يوم
القيامة))، أخرجه مسلم. وفي شعب البيهقي عن داود السجستاني: ((المؤذّنون لا يعطشون يوم

٢٠٧
باب بدء الاذان
فإن قلت هل صلى النبي عَّهِ خلف أحد من أصحابه؟ قلت:
نعم، ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه عَِّ صلى خلف عبد الرحمن بن
عوف، ولفظه: عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله عدّ له تبوك،
القيامة))، فأعناقهم قائمة لاشتغاله؛ كما قال العزّ بن عبد السّلام في الفتاوي الموصلية بالقيام بأعباء
الرسالة ومصالح الشريعة، كالقتال والفصل بين الناس وغير ذلك التي هي خير من الأذان وأفضل.
ولذا قال عمر: لولا الخليفي لأَذّنت، ولأنه كان إذا عمل عملاً أثبته وداوم عليه، وقول بعضهم
مخافة أن يعتقد أن محمدًا غيّره، إذا قال: أشهد أن محمّدًا رسول اللَّه، انتهى ملخّصًا.
وفي الفتح: اختلف في الجمع بين الإمامة والأذان، فقيل: يكره. وفي البيهقي عن جابر
مرفوعًا: ((النهي عن ذلك))، لكن سنده ضعيف وصحّ عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخليفي
لأَذّنت، رواه سعيد بن منصور وغيره. وقيل: خلاف الأولى، وقيل: يستحب، وصحّحه النووي،
انتهى. وقول الشيخ أبي الحسن الشاذلي في شرح الترغيب تبعًا للنيسابوري وغيره؛ لأن فيه ثناء
وتزكية وشهادة للنفس وهي غير مقبولة، ولأنّ في حيّ على الصّلاة أمر إيجاب، فإن معناه: أقبلوا،
فلو أذن لوجبت الإجابة مردود بأن النهي عن تزكية النفس إنما هو إذا كان افتخارًا وهو منه عليه
السلام ليس كذلك، بل تحدّثا بالنعمة وعدم قبول الشهادة للنفس إنما هو في نحو حقّ ما لي
على غيره، وهذا ليس منه؛ بل هي شهادة أُريد بها طلب ما أوجبه اللَّه على الناس إنقاذًا لهم من
الضلال، ولا يزيد قوله في الأذان: أشهد أن محمّدًا رسول اللَّه، على قوله للناس: أدعوكم إلى
وحدانية الله وشهادة أني رسوله، فلم يخرج عن قوله تعالى: ﴿بلّغ ما أنزل إليك من ربّكَ﴾
[المائدة: ٦٧]، على أن من خصائصه أن يشهد ويحكم لنفسه، وليس القصد بحيّ على الصّلاة
في الأذان خصوص لطلب الحضور، بل الإعلام بدخول الوقت؛ لأنه شرعًا الإعلام بوقت الصّلاة
المفروضة.
(فإن قلت: هل صلّى النبيّ ◌َِّ خلف أحد من أصحابه؟ قلت: نعم،) كذا في نسخ،
وهو حسن. وفي أكثرها إسقاط السؤال والاقتصار على نعم، وليس استدراكاً على ما قبله؛ بل
تقريرًا لسؤال نشأ منه تقديره هذا ما تقرّر في الأذان، ومعلوم أنه كان يؤمّ فهل أمّه أحد، أو هو
استدراك من جهة نفيه أذانه مع تقرّر إمامته فقد يتوهم أنه لم يقتد بغيره، فنفاه بقوله: نعم، (ثبت
في صحيح مسلم وغيره أنه عٍَّ صلّى خلف عبد الرحمن بن عوف) وهذا السؤال سئل عنه
الصحابي قديمًا، فأخرج ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح عن المغيرة بن شعبة: أنه سئل هل
أمّ النبيّ عٍَّ أحد من هذه الأمّة غير أبي بكر؟ قال: نعم، فذكر الحديث.
(ولفظه) أي: مسلم، (عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول اللَّه عَّل تبوك) بعدم

٢٠٨
باب بدء الاذان
فتبرز معدِّ قبل الغائط، فحملت معه إدواة قبل صلاة الفجر ... الحديث إلى أن قال:
فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك
رسول الله عَّه إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد
الرحمن بن عوف قام رسول الله عَّه يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح،
الصرف على المشهور للتأنيث والعلمية؛ كذا قال النووي وتبعه في الفتح، وردّ بأنه سهو؛ لأن
علّة منعه كونه على مثال الفعل كنقول، والمذكر والمؤنث في ذلك سواء، ومن صرف أراد
الموضع، (فتبرّز) بالتشديد (عَّه) أي: خرج لقضاء حاجته، وعند ابن سعد: لما كنّا بين الحجر
وتبوك ذهب لحاجته (قبل) بكسر ففتح، أي: جهة (الغائط) أي: المكان المطمئن الذي تقضى
فيه الحاجة، فاستعمل في أصل حقيقته اللغوية، فليس المراد الفضلة، والظاهر: أن تبرّز معمول
لقال مقدّرة ليظهر قوله: (فحملت) وفي نسخة: فحمل، وهو أنسب بما قبله، (معه ادواة قبل
صلاة الفجر) أي: الصبح، ولابن سعد: وتبعته بماء بعد الفجر ويجمع بأن خروجه كان بعد طلوع
الفجر وقبل صلاة الصبح، (الحديث، إلى أن قال) أسقط منه: فلمَّا رجع رسول اللَّه عَ لَّه أخذت
أهريق على يديه من الأداوة وغسل يديه ثلاث مرّات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يخرج جبّته عن
ذراعيه فضاق كمّا جبته، فأدخل يديه في الجبّة حتى أخرج ذراعية إلى المرفقين، ثم توضّأُ على
خفية، ثم أقبل قال المغيرة: (فأقبلت معه حتى نجد) بمعنى الماضي، أي: وسرنا إلى أن وجدنا
(الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف) ولابن سعد: فأسفر الناس بصلاتهم حتى خافوا الشمس،
فقدّموا عبد الرحمن (فصلّى بهم) أي: أحرم، ولابن سعد: فانتهينا إلى عبد الرحمن وقد ركع
ركعة، فسبح الناس له حين رأوا رسول اللَّه عَّله حتى كادوا يفتنون فجعل عبد الرحمن يريد أن
ينكص، فأشار إليه عَِّ أن أثبت، فليس المراد فرغ من صلاته، والأنافي أيضًا قوله: (فأدرك
رسول اللَّه عَظٍّ إحدى الركعتين) أي: الثانية؛ لقوله: (فصلّى مع الناس الركعة الآخرة) ودفع به
توهم أن معنى أدرك: حضر، ولا يلزم منه الاقتداء؛ لجواز صلاته مفردًا أو بجماعة لم يصلّوا أو
انتظر سلامه، فأتى بها كاملة.
وعند ابن سعد: فصلّى خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة، (فلمَّا سلّم عبد الرحمن بن
عوف قام عَّه يتمّ صلاته فأفزع ذلك المسلمين) لسبقهم النبيّ عَّةِ (فأكثروا التسبيح) رجاء أن
يشير لهم هل يعيدونها معه أم لا؟ وليس لظنّهم أنه أدرك الصلاة من أوّلها وأن قيامه لأمر حدث،
كأنهم ظنّوا الزيادة في الصلاة لتصريحه في رواية ابن سعد بأنهم علموا بالنبيّ عَّه حين دخل
معهم، فسبحوا حتى كادوا يفتتنون، ويحتمل أن الفاء في: فأفزع، بمعنى الواو؛ لرواية ابن سعد: أن
التسبيح حين رأوا النبيّ؛ كما رأيت.

٢٠٩
باب بدء الاذان
فلما قضى النبي عَّه صلاته أقبل عليهم ثم قال: أحسنتم، أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا
لوقتها.
ورواه أبو داود فى السنن بنحوه ولفظه: ووجدنا عبد الرحمن وقد ركع بهم
ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله عَّ فصف مع المسلمين فصلى وراء عبد
الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثم سلم عبد الرحمن، فقام رسول الله عَ ليه في
صلاته .. الحديث.
قال النووي: فيه جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز صلاة النبي معَ له
خلف بعض أمته.
وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبي بكر ليتقدم النبي عَّه، فالفرق
بينهما أن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبي عليه التقدم لئلا يختل
ترتيب صلاة القوم،
(فلما قضى النبيّ عَّه صلاته أقبل عليهم، ثم قال: ((أحسنتم))، أو قال: ((أُصبتم)،) شكّ
الراوي قال ذلك، (يغبطهم) بالتشديد، أي: يحملهم على الغبط لأجل (أن صلّوا لوقتها) ويجعل
هذا الفعل عندهم مما يغبط عليه، وإن رُوي بالتخفيف فيكون قد غبطهم لتقدّمهم وسبقهم إلى
الصّلاة، قال في النهاية: (ورواه أبو داود) سليمن بن الأشعث السجستاني (في السنن بنحوه،
ولفظه: ووجدنا) فأفاد هذا أن رواية مسلم: نجد، من استعمال المضارع بمعنى الماضي،
(عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من الفجر) الصبح، (فقام رسول اللَّه عَِّ فصفٌ) نفسه (مع
المسلمين) بأن دخل معهم في الصفّ، أو هو لازم بمعنى: اصطفّ، أي: دخل معهم فيه وصف
جاء لازمًا ومتعدّيًّا، (فصلّى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية،) ففي هذا بيان للمعية في
رواية مسلم وتصريح بأنه صلّى خلفه، (ثم سلّم عبد الرحمن فقام النبيّ ◌َّ في صلاته ...
الحديث) بنحوه، والمراد من سوق هذا منه إيضاح ما قد يخفى في رواية مسلم، فالروايات
تفسّر بعضها.
(قال النووي) في شرح مسلم (فيه) من الفوائد (جواز اقتداء الفاضل بالمفضول) وإن
كان تقديم الفاضل أفضل (وجواز صلاة النبيّ ◌َّةٍ خلف بعض أُمّته وأما بقاء عبد الرحمن بن
عوف في صلاته، وتأخّر أبي بكر ليتقدّم النبيّ عَّلّهِ، فالفرق بينهما أن عبد الرحمن كان قد
ركع ركعة، فترك النبيّ عَّهِ التقدّم لئلّ يختلّ ترتيب صلاة القوم) قال شيخنا: لأنه إذا قام لإتمام

٢١٠
باب بدء الاذان
بخلاف صلاة أبي بكر.
نعم في السيرة الهشامية: أن أبا بكر كان هو الإمام وأن رسول الله عَ لَّه كان
يأتم به. لكنه - كما قال السهيلي - حديث مرسل في السيرة، والمعروف في
الصحاح أن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله عَّله، والناس يصلون بصلاة أبي
بکر.
لكن قد روي عن أنس من طريق متصل: أن أبا بكر كان الإمام يومئذٍ،
واختلف فيه عن عائشة رضي الله عنها. انتهى.
صلاته ربما لم يعلموه فيجلسون أو يغفلون عن كون المطلوب منهم نيّة المفارقة وعدم الانتظار؛
لأنه إن تقدم من غير سبق اقتدائه لم يكن خليفته حتى يجلس موضع جلوسه في التشهّد الأخير،
بل يكون إمامًا مستقلاً بحيث يحتاجون في متابعته إلى نيّة الاقتداء به وإن اقتدى به ثم تأخّر بعد
اقتدائه، بحيث ينقطع اقتداء القوم به، احتاج عليه السّلام إلى الجلوس لنظم صلاة إلا صلّى؛ لأنه
خليفته، وإذا قام مشيرًا لهم بمفارقته فقد لا يفهمون، انتهى.
وهذا على مذهب الشافعية، وفرّق أيضًا بأنّه أراد أن يبيّن لهم حكم قضاء المسبوق بفعله،
وأن العمل اليسير مغتفر، لكن أيّ عمل فعله زائد على المطلوب حتى يقال مغتفرًا، إلاّ أن يقال
على بعد هو إشارة لتأخّر أبي بكر، فإنه ليس من أفعال الصّلاة، فربما يتوهم إضراره وإن كان
لمصلحة، (بخلاف صلاة أبي بكر) فلا اختلال فيها؛ لأن الإمام إنما هو المصطفى، وأبو بكر إنما
كان يسمع الناس (نعم في السيرة الهشاميّة) لعبد الملك بن هشام روى سيرة ابن إسحق عن
البكائي عنه، وهذّبها فنسب إليه (أن أبا بكر كان هو الإمام وأن رسول اللَّه عَّه كان يأتمّ به)
ولفظه، قال ابن إسحق: حدّثني أبو بكر بن عبد الملك بن أبي مليكة، قال: لمّا كان يوم الاثنين
خرج ◌َّةِ عاصبًا رأسه إلى الصبح، وأبو بكر يصلي ففرح الناس فعرف أبو بكر فنكص على
مصلاّه فدفع عَِّ في ظهره، وقال: ((صلّ بالناس).
(لكنّه كما قال السهيلي: حديث مرسل في السيرة؛) لأن ابن أبي مليكة تابعي،
(والمعروف في) الأحاديث (الصحاح) بكسر الصاد جمع صحيح، والفتح لغة (أن أبا بكر كان
يصلّي بصلاة رسول اللَّه عَّه، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر،) وفي رواية للشيخين: أن أبا بكر
كان يسمع الناس تكبير النبيّ عَّةٍ (لكن قد روي عن أنس من طريق متّصل) أخرجه الترمذي،
وقال: حسن صحيح (أن أبا بكر كان الإمام يومئذ) فاعتضد به مرسل السيرة، (واختلف فيه عن
عائشة رضي اللَّه عنها،) فروى الأسود عنها وعبيد اللَّه عنها، وعن ابن عباس: أنه يعَّ أَمَّ الناس

٢١١
باب بدء الاذان
وفي الترمذي مصححًا من حديث جابر: أن آخر صلاة صلاها
رسول الله عٍَّ في ثوب واحد متوشحًا به خلف أبي بكر.
قال ابن الملقن: وقد نصر هذا القول غير واحد من الحفاظ: منهم الضياء،
وابن ناصر، وقال: صح وثبت أنه معَّهِ صلى خلف أبي بكر مقتديًا به في مرضه
الذي مات فيه ثلاث مرات، ولا ينكر هذا إلا جاهل لا علم له بالرواية.
وقیل: إنه کان مرتین،
وأبو بكر عن يمينه يسمع الناس تكبيره، وروى مسروق وعبيد اللّه عنها، وحميد عن أنس: أنه عَّ.
كان خلف أبي بكر في الصفّ، (انتهى) كلام السهيلي.
(وفي الترمذي مصحّحًا) له (من حديث جابر: أن آخر صلاة صلاّها رسول اللَّه عٍَّ في
ثوب واحد متوشّحًا به خلف أبي بكر) ورواه النسائي من حديث أنس، (قال ابن الملقن) الإمام
الفقيه الحافظ ذو التصانيف الكثيرة سراج الدين، أبو حفص عمر بن علي بن ابن أحمد بن محمد
الأنصاري أحد شيوخ الشافعية وأئمة المحدثين، ولد سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، ومات ليلة
سادس ربيع الأوّل سنة أربع وثمانمائة، (وقد نصر هذا القول غير واحد من الحفاظ، منهم:
الضياء) الحافظ الإمام الحجّة ضياء الدين، أبو عبد اللَّه محمّد بن عبد الواحد السعدي الحنبلي
الثقة محدّث الشام شيخ السنة الدين الزاهد الورع، سمع ابن الجوزي وغيره، مات سنة ثلاث
وأربعين وستّمائة.
(وابن ناصر،) الإمام الحافظ أبو الفضل محمّد بن ناصر بن محمّد بن علي بن عمر
السلامي بالتخفيف نسبة إلى دار السلام بغداد، محدّث العراق الشافعي ثم الحنبلي، روى عن
جماعة وعنه خلق منهم ابن الجوزي، وقال: كان ثقة حافظًا ضابطًا، من أهل السنّة لا مغمز فيه،
توفي ثامن عشر شعبان سنة خمسين وخمسمائة، وإياك أن تظنّ أن المراد الشمس بن ناصر
الدمشقي؛ لأن ابن الملقن ولد قبله بستين سنة، فلا ينقل عنه.
(وقال: صح وثبت أنه عَّهُ صلّى خلف أبي بكر مقتديًا به)) دفع به توهم أنه خلفه وأبو
بكر مأموم له، (في مرضه الذي مات فيه، ثلاث مرّات، ولا ينكر هذا إلا جاهل لا علم له
بالرواية) فقد حمل الإمام الشافعي اختلاف الأحاديث في كون المصطفى الإمام وأبي بكر
المأموم، وعكسه على التعدّد؛ لأنه عَّهِ مرض أيّامًا واستخلف فيها أبا بكر، فلا يبعد أن يكون
خرج إلى الصلاة فيها مرارًا.
(وقيل: أنه كان) ما صلاّه مع أبي بكر (مرّتين) في مرضه اقتدى به في إحداهما، وأَمّه في

٢١٢
باب بدء الاذان
جمعا بين الأحادیث، وبه جزم ابن حبان.
وروى الدارقطني من طريق المغيرة بن شعبة أن رسول الله عَّةٍ قال: ما مات
نبي حتى يؤمه رجل من أمته.
ولما كان بعد شهر من مقدمه عليه الصلاة والسلام لاثنتي عشرة خلت من
ربيع الآخر - قال الدولابي يوم الثلاثاء،
الأخرى، (جمعًا بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان) الحافظ أبو حاتم البستي، فقال: ونحن نقول
بمشيئة الله وتوفيقه أن الأخبار كلّها صحاح وليس شىء منها يعارض الآخر، ولكنه عَّهِ صلَّى؛
في علّته صلاتين في المسجد جماعة، لا صلاة في إحداهما كان مأمومًا، وفي الأخرى كان
إمامًا. قال: والدليل على أنها كانت صلاتين لا صلاة، أن في خبر عبيد اللّه بن عبد اللّه عن
عائشة: أن النبيّ عَّةِ خرج بين رجلين تريد بأحدهما العبّاس وبالآخر عليًّا. وفي خبر مسروق عن
عائشة: أن النبيّ عَّه خرج بين بريرة ونوبة، فهذا يدلّ على أنها كانت صلاتين، انتهى. وكذا
جزم ابن حزم والبيهقي وبيّن أن الصّلاة التي صلّها أبو بكر وهو مأموم صلاة الظهر، والتي
صلّها النبيّ معَِّ خلف أبي بكر هي صلاة الصبح يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاّها، واختلف
في نوبة المذكور أرجل أم امرأة، وهو بنون وموحّدة.
(وروى الدارقطني) وأحمد والحاكم (من طريق المغيرة بن شعبة: أن رسول اللَّه عَّه.
قال: (ما مات نبيّ) أراد به: ما يشمل الرسول، (حتى يؤمّه رجل صالح من أُمّته))،) وأخرجه البزار
من حديث الصديق مرفوعًا: ((ما قبض نبيّ ... )) الخ، وفي حديث المغيرة عند ابن سعد: فقال
النبيّ ◌َّله حين صلّى خلف عبد الرحمن بن عوف: ((ما قبض نبيّ قطّ حتى يصلّي خلف رجل
صالح من أُمّته))، فإن قلت: هذا كلّه يردّ قول الأنموذج من خصائصه فيما حكى عياض، أنه
لا يجوز لأحد التقدّم بين يديه في الصلاة ولا غيرها، لا لعذر ولا لغيره، وقد نهى اللَّه المؤمنين
عن ذلك ولا يكون أحد شافعًا له، وقد قال: أئمّتكم شفعاؤكم، قال أبو بكر: ما كان لابن أبي
قحافة أن يتقدّم بين يدي رسول اللَّه عَّلّه، قلت: كان معناه لا يجوز لأحد أن يؤمّه ابتداء ولو
لعذر، أمّا إذا أمّ غيره فجاء وأبقاه عليه السّلام، فيجوز بدليل قصّتي أبي بكر وعبد الرحمن. فأمّا
الصديق فإنما أُمَّ لغيبته لمرضه، وأمّا ابن عوف فإنما أمّ لغيبته بتقديم الناس له حين خافوا طلوع
الشمس، ولهذا لمّا أتى عَِّ همّ كل منهما أن ينكص حتى أشار إليه أن اثبت، والله أعلم.
(ولمّا كان بعد شهر من مقدمه عليه الصّلاة والسّلام) المدينة (لاثنتي عشرة) ليلة (خلت
من ربيع الآخر) كما في سيرة مغلطاي، وصدر بعضهم بأنّه الأوّل. (قال الدولابي: يوم الثلاثاء)
بالمدّ والجمع ثلاثاوات بقلب الهمزة واوًا؛ كما في المصباح، وعلى هذا التاريخ كان الأولى

٢١٣
باب بدء الاذان
وقال السهيلي بعد الهجرة بعام أو نحوه - زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان،
وتركت صلاة الفجر لطول القراءة فيها، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار، وأقرت
صلاة السفر على الفريضة الأولى.
وفي البخاري عن عائشة فرضت الصلاة بمكة ركعتين ركعتين ثم هاجر عليه
السلام إلى المدينة ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الفريضة الأولى.
تقديمه على الأذان لكن أخّره لتعلّقه بالسفر المتعلّق بالمغازي، وأمّا صلاته خلف عبد الرحمن
فمتأخّرة عن هذا بكثير لتصريحه في الحديث بأنّه في غزوة تبوك وهي آخر مغازيه، فإنماذكرت
استطرادًا لمناسبة الأذان.
(وقال السهيلي بعد الهجرة بعام أو نحوه زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان) بالتكرير
لإفادة عموم التثنية لكل صلاة، (وتركت صلاة الفجر) أي: الصبح، (لطول القراءة فيها)
استحبابًا، والظهر وان وليتها في الطول دونها، (وصلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار) فلم تزد ولم
تنقص، (وأقرّت صلاة السفر) رواه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة، قالت: فرضت
صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلمّا قدم عَّهِ المدينة واطمأنَّ، زيد في صلاة الحضر
ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار.
(وفي البخاري) في مواضع والمذكور هنا لفظه في الهجرة والتقصير من طريق معمر، عن
الزهري، عن عروة، (عن عائشة) قالت: (فرضت الصّلاة بمكة) وللبخاري: في أوّل الصّلاة، من
حديث لملك عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة، قالت: فرض اللَّه الصّلاة حين فرضها
(ركعتين ركعتين) زاد البخاري في الصّلاة في الحضر والسفر، وزاد أحمد من طريق ابن إسحق
عن صالح عن عروة عنها: إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا، (ثم هاجر عليه السّلام إلى المدينة
ففرضت أربعًا) أربعًا، (وتركت صلاة السفر) ركعتين ركعتين (على الفريضة الأولى) بضمّ
الهمزة، ولأبي ذر على الأوّل، أي: من عدم وجوب الزائد بخلاف صلاة الحضر فزيد في ثلاث
منها ركعتان.
وفي حديث لملك المذكور: فأقرّت في صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، واحتجّ
بظاهره الحنفية وموافقوهم على أن القصر عزيمة لا رخصة، فلا يجوز للمسافر الإتمام. وأجيب:
بأن معناه لمن أراد الاقتصار جمعًا بين الأخبار؛ لأن عائشة نفسها أتمت في السفر والعبرة عند
الحنفية برأي الصحابي لا بمرويه فقد خالفوا أصلهم. وأجاب الحافظ: بأن عروة الراوي عنها لما
سئل عن إتمامها في السفر، قال: إنها تأوّلت، كما تأوّل عثمان، فلا تعارض بين روايتها ورأيها،
فروايتها صحيحة ورأيها مبنيّ على ما تأوّلت، انتهى.

٢١٤
باب بدء الاذان
وقيل إنما فرضت أربعًا، ثم خفف عن المسافر. ويدل له حديث: إن الله
وضع عن المسافر شطر الصلاة.
وقيل: إنما فرضت في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وهو قول ابن
عباس، قال رضي الله عنه: فرض الصلاة على لسان نبيكم معَّه في الحضر أربعًا،
وفي السفر ركعتين رواه مسلم وغيره.
وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في أوائل الصلاة من مقصد عباداته
عليه السلام.
قال ابن إسحق وغيره: ونصبت أحبار يهود
واختلف العلماء في تأويلهما، والصحيح الذي عليه المحقّقون؛ كما قال النووي: إنهما
رأيا القصر جائزًا، والإتمام جائزًا فأخذا بأحد الجائزين، وهو الإتمام، انتهى.
ودليلنا كالشافعي وأحمد، قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصّلاة﴾
[النساء: ١٠١]، لأن نفي الجناح لا يدلّ على العزيمة، وقوله معَِّ: ((صدقة تصدّق اللَّه بها
علیکم))، رواه مسلم.
(وقيل: إنما فرضت أربعًا، ثم خفف عن المسافر، ويدلّ له حديث) الترمذي وصححه عن
أنس بن ملك الكعبي القشيري، عن النبيّ عَّله، قال: ((إن الله وضع) أي: أسقط، (عن المسافر
شطر الصّلاة)،) أي: نصفها. وأخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وابن ماجه عن أنس المذكور
مرفوعًا، بلفظ: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة))، ففيه أنهما كانا واجبين، ثم
نسخ وجوبهما وجاز الفطر والقصر وإطلاق الكلّ وإرادة البعض؛ لأنه قال: شطر، وإنما وضع شطر
ثلاث على أن الشطر قد يطلق على غير النصف، قاله الحافظ الزين العراقي.
(وقيل: إنما فرضت في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وهو قول ابن عباس، قال
رضي اللَّه عنه: فرض الصّلاة على لسان نبيّكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، رواه
مسلم وغيره) كأبي داود والنسائي وهو من حجج من قال القصر عزيمة، (وسيأتي مزيد) قليل
(لذلك إن شاء اللّه تعالى في أوائل الصّلاة من مقصد عباداته عليه السّلام،) وهو التاسع.
(قال ابن إسحق وغيره: ونصبت) أظهرت وتوافقت (أحبار) جمع حبر، بفتح الحاء
وكسرها، أي: علماء (يهود) وسمّى منهم حيي وياسر وجدي بضم الجيم وفتحِ الدال وشدّ الياء،
بنو أخطب وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، وكعب بن الأشرف، وعبد الله بن صوريا، وابن
صلوبا، ومخيريق ثم أسلم وصحب وأوصى بماله وهو سبع حوائط للنبيّ عَّله؛ كما قاله عياض

٢١٥
باب بدء الاذان
العداوة للنبي عَّ بغيا وحسدًا، وسحره لبيد بن الأعصم، وهو من يهود بني زريق،
فكان يخيل إليه أنه يفعل الفعل وهو لا يفعله، وجعل سحره في مشط ومشاطة،
وغيره، وكان نصبهم عند الأذان. ففي العيون بعد ذكره ونصبت عند ذلك أحبار يهود (العداوة
للنبيّ عَّهِ بغيًّا وحسدًا) لما خصّ اللَّه به العرب من أخذه رسوله منهم، ولمشاهدتهم كمال
شرف المصطفى وتأييد اللَّه له بنصره وبعباده المؤمنين وتأليفه بين قلوبهم بعد مزيد العداوة، وذلك يقتضي
ضعف كلمتهم وجعلهم أتباعًا بعد أن كانوا رؤساء، فشمّروا عن ساق العداوة وجعلوا
يتعنّون على النبيّ عَِّ ليلبسوا الحقّ بالباطل، فكان القرآن ينزل في غالب ما يسألون عنه، ولما
استمرّوا على العداوة وتزايدوا فيها حتى سحروا المصطفى بعد عوده من الحديبية، ناسب أن
يقول هنا: (وسحره) بأمرهم (لبيد) بفتح اللام وكسر الموحدة وإسكان التحتية ودال مهملة،
(ابن الأعصم) بمهملتين وزن أحمر، (وهو من يهود بني زريق) بضم الزاي وفتح الراء، كما روي
عن عائشة.
وذكر الواقدي: أنه كان حليفًا فيهم وبين السنة التي سحر فيها، فروي بسند له عن
عمر بن الحكم مرسلاً: لما رجع عَّه من الحديبية في ذي الحجّة سنة ستّ جاءت رؤساء يهود
إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفًا في بني زريق وكان ساحرًا، فقالوا: أنت أسحرنا، وقد سحرنا
فلم نصنع شيئًا ونحن نجعل لك جعلاً على أن تسحره لنا سحرًا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير
فسحره، (فكان) كما في الصحيح عن عائشة (يخيّل إليه) في أمور الدنيا (أنه يفعل الفعل وهو
لا يفعله،) لأنه في ذلك عرضة لما يعرض للبشر؛ كالأمراض، فغير بعيد أن يخيّل إليه في أمور
الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثله في أمور الدين، قاله المازري، وأيد برواية الصحيح
أيضًا، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهنّ، وقال غيره: لا يلزم من التخييل أن يجزم بفعله
وإنما يكون من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت، (وجعل سحره) أي: نفئه في العقد الإحدى عشرة
وتمثال الشمع الذي على صورة النبيّ عَّه فيه أبر مغروزة، كما في رواية (في مشط) الآلة التي
يمشط بها، والجمع: أمشاط، ووقع في رواية القابسي: مشاط الحديد وغلط، قاله الحافظ. وفي
القاموس: المشط مثلث الميم وككتف وعنق وعتل ومنبر: آلة يمتشط بها. (ومشاطة) بضم الميم
ما يمشط من الشعر ويخرج في المشط منه، ويروى بالقاف بدل الطاء، ومعناه مثله، وقيل:
ما يمشط عن الكتان، قاله الحافظ.
زاد البخاري: وجفّ طلع نخلة ذكر بضم الجيم وتشديد الفاء، ويروى بموحّدة، أي: في
جوفه، وهما معًا وعاء الطلع، أي: غشاؤه، قاله ابن الأثير والهروي وغيرهما من شرّاح الكتاب،

٢١٦
باب بدء الاذان
ودفنه في بئر ذي أروان - وأكثر أهل الحديث يقولون: ذروان - تحت راعوفة البئر،
كما ثبت في الصحيح.
وليس هذا بقادح في النبوة، فإن الأنبياء يبتلون في أبدانهم بالجراحات
والسموم والقتل وغير ذلك مما جوزه العلماء عليهم.
وانضاف إلى اليهود جماعة من الأوس والخزرج، منافقون، على دين آبائهم
من الشرك والتكذيب بالبعث، إلا أنهم قهروا بظهور الإسلام، فأظهروه واتخذوه جنة
من القتل، ونافقوا في السر،
فما في بعض نسخ الشامية بالقاف تحريف من النسّاخ. (ودفنه في بئر ذي أروان) كذا رواه
الأصيلي، وكأنه الأصل فسهلت الهمزة، ولكن غلّطوه. (و)لذا كان (أكثر أهل الحديث يقولون)
وهو رواية غير الأصيلي: (ذروان) بفتح الذال المعجمة وإسكان الراء (تحت راعوفة البئر) براء
فألف عند أكثر الرواة ولبعضهم بحذفها فمهملة فواو ففاء، وفي رواية: بمثلثة بدل الفاء وهي لغة،
وفيها لغة رابعة: زعوبة، بزاي وموحدة وهي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت ليجلس عليها
المستسقى عند نزحها؛ (كما ثبت في الصحيح) من حديث عائشة، وهو يردّ على بعض
المبتدعة إِنکاره؛ لأنه بعد صحته لا ینکر.
وفي حديث كعب بن ملك عند ابن سعد: إنما سحره بنات لبيد، ولبيد هو الذي ذهب
به، فإن صح فنسب إليه مجازًا لكونه أخذه من بناته وذهب به إلى البئر. ومكث عَّ في السحر
أربعين يومًا، رواه الإسمعيلي. وعند أحمد: ستّة أشهر، وجمع بأنها من ابتداء تغيّر مزاجه والأربعين
يومًا من استحكامه.
(وليس هذا) أي: سحره، (بقادح في النبوّة، فإن الأنبياء يبتلون في أبدانهم بالجراحات)
كما جرح عليه السّلام في أحد، (والسموم) كسمه في الشاة، (والقتل) كقتل يحيى وغيره،
(وغير ذلك مما جوّزه العلماء عليهم.) وفي الحديث: ((أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل
فالأمثل))، وإنما القادح فيها ما يخلّ بالمقصود منها؛ كعدم ضبط ما يبلغه وهو معصوم منه،
فتجويزه عليه بنحو السحر باطل لا يعوّل عليه، قاله المازري وغيره.
(وانضاف) انضمّ (إلى اليهود جماعة من الأوس والخزرج منافقون على دين آبائهم من
الشرك والتكذيب بالبعث، إلّ أنهم قهروا بظهور الإسلام) بينهم واجتماع قومهم عليه، (فأظهروه
واتّخذوه جنّة) وقاية (من القتل ونافقوا في السّ) فالنّفاق في القلب، وهو اسم إسلامي لم تعرفه
العرب بالمعنى المخصوص به، وهو فعل المنافق الذي يستر كفره ويقيه بالإسلام؛ كما يستر

٢١٧
باب بدء الاذان
منهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان رأس المنافقين، وهو الذي قال: ﴿لئن
رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون/٨] كما سيأتي إن
شاء الله تعالى في غزوة بني المصطلق.
الرجل بالنفق، بفتحتين، وهو: السرب في الأرض له مخرج من موضع غير الذي يدخل إليه منه،
فقيل: اشتقّ من هذا، وقيل: من نافق اليربوع إذا دخل قاصعاءه وخرج من نافقائه وبالعكس، فإن
لحجر اليربوع النافقاء والقاصعاء والرهطاء والداماء.
(منهم عبد الله بن أبي) بالتنوين والجرّ ابن لملك بن الحرث الخزرجي (ابن سّول) برفع
ابن وكتابته بالألف؛ لأن عادتهم إذا أضيف ابن إلى أنثى كتب بالألف، وعدم صرف سلّول
للعلمية والتأنيث، وهي خزاعية أمّ عبد اللَّه على الصحيح؛ كما في النور. وقيل: جدّته أمّ أبيه، وبه
جزم ابن عبد البرّ والسهيلي وابن الأثير. (وكان رأس المنافقين) ومن نفاقه ما أخرجه الثعلبي
والواحدي بسند واهٍ عن ابن عباس، قال: نزلت ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا﴾ [البقرة: ١٤]، في
عبد اللَّه بن أُبيّ وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من الصحابة، فقال ابن
أُبيّ: انظروا كيف أردّ عنكم هؤلاء السفهاء، فأخذ بيد أبي بكر، فقال: مرحبًا بالصديق سيّد بني
تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول اللَّه في الغار الباذل نفسه وماله لرسول اللَّه، ثم أخذ بيد عمر،
فقال: مرحبًا بسيّد بني عدي الفاروق القويّ في دين اللَّه الباذل نفسه وماله لرسول اللَّه، ثم أخذ
بيد عليّ، فقال: مرحبًا بابن عمّ رسول اللَّه وختنه سيّد بني هاشم ما خلا رسول اللَّه، ثم افترقوا
فقال لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فأثنوا عليه خيرًا، فرجع المسلمون إلى النبيّ عَّه وأخبروه
بذلك، فنزلت هذه الآية. (وهو الذي قال: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ يعنون
أنفسهم، (منها الأذلّ)﴾ يعنون النبيّ عَّهِ وأصحابه، فردَّ اللَّه عليهم بقوله: ﴿وللَّه العزّة ولرسوله
وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٣٨ الآية؛ (كما سيأتي إن شاء الله تعالى في غزوة بني المصطلق)
والمنافقون كثير، ذكرهم ابن الجوزي واليعمري وغيرهما، والله أعلم.

٢١٨
كتاب المغازي
[بسم الله الرحمن الرحيم]
[كتاب المغازي]
وأذن الله تعالى لرسوله عليه السلام بالقتال. قال الزهري: أول آية نزلت في
الإذن بالقتال ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾
[الحج/٣٩] أخرجه النسائي بإسناد صحيح.
قال في البحر: والمأذون فيه- أي في الآية - محذوف، أي: في القتال،
لدلالة الذين ((يقاتلون)» عليه، وعلل ......
بسم الله الرحمن الرَّحيم
كتاب المغازي
(وأذن اللَّه تعالى لرسوله عليه السّلام بالقتال) لاثنتي عشرة ليلة مضت من صفر في السنة
الثانية من الهجرة. (قال الزهري) محمّد بن مسلم شيخ الإسلام: (أوّل آية نزلت في الإذن
بالقتال) كما أخبرني عروة عن عائشة، (﴿أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم
لقدير﴾ [الحج: ٣٩] (أخرجه النسائي بإسناد صحيح) موقوفًا عن عائشة؛ كما هو في النسائي
وحكمه الرفع لا على الزهري كما أوهمه المصنّف، نعم رواه ابن عائذ عن الزهري معضلاً
بإسقاط قوله: كما أخبرني عروة عن عائشة، وزاد تلاوة الآية التي تليها إلى قوله: ﴿لقوي عزيز﴾
[الحج: ٤٠]،، وأخرج أحمد والترمذي وحسنه، والنسائي وابن سعد والحاكم، وصححه عن ابن
عباس، قال: لما خرج النبيّ ◌َ ﴾ من مكّة، قال أبو بكر: أنخرجوا نبيّهم ليهلكن، فنزلت: ﴿أذن
للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ [الحج: ٣٩] الآية، قال ابن عباس: فهي أوّل آية أنزلت في القتال،
وقيل: قوله تعالى ﴿قاتلوا في سبيل اللَّه الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩]، أخرجه ابن جرير
عن أبي العالية. وفي الإكليل للحاكم: أول آية نزلت فيه: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين
أنفسهم﴾ [التوبة: ١١١].
(قال في البحر) أي: التفسير الكبير لأبي حيان: (والمأذون فيه، أي: في الآية
محذوف، أي في القتال لدلالة الذين يقاتلون عليه وعلّل) في الآية فهو مبني للمفعول أو

٢١٩
كتاب المغازي
الآذن: بأنهم ظلموا، كانوا يأتون رسول الله عَّ من بين مضروب ومشجوج،
فيقول لهم: اصبروا، فإني لم أؤمر بالقتال، حتى هاجر فأذن له بالقتال بعدما نهي
عنه في نيف وسبعين آية. انتهى.
وقال غيره: وإنما شرع الله الجهاد في الوقت اللائق به، لأنهم كانوا بمكة
كان المشركون أكثر عددًا، فلو أمر المسلمين- وهم قليل - بقتال الباغين لشق
عليهم فلما بغى المشركون، وأخرجوه عليه السلام من بين أظهرهم وهموا بقتله،
واستقر عليه السلام بالمدينة واجتمع عليه أصحابه، وقاموا بنصره، وصارت المدينة
دار إسلام، ومعقلاً يلجؤون إليه، شرع الله تعالى جهاد الأعداء، فبعث عليه السلام
.
البعوث والسرايا
الفاعل، أي: اللَّه ( الآذن) لهم في القتال، (بأنهم ظلموا كانوا يأتون رسول اللَّه عَظله من بين
مضروب ومشجوج، فيقول لهم: ((اصبروا فإني لم أُؤمر بالقتال))، حتى هاجر فأُذن له بالقتال،)
ولم يفرض عليهم، وظاهره: أنه لم يؤمر بالصبر بعد الهجرة مع أنه أمر بالصبر على أذى اليهود
ووعد بالنصر عليهم؛ كما قال العلماء فيما نقله في الشامية لكنّه نزله كالعدم بالنسبة لأذى أهل
مكّة، فإن كان بالمدينة في غاية العزّة والقوّة من أوّل يوم، وأذى اليهود غايته بالمجادلة والتعنّت
في السؤال، وكان جبريل يأتيه من ربّه بغالب الأجوبة أو لقّة مدّته أتى بالتعقيب، أي: فأذن له
بعد صبر قليل على أذى اليهود لما قويت الشوكة واشتدّ الجناح، (بعدما نهي عنه في نيّف
وسبعين آية) غالبها بمكّة، (انتهى.) ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتل، ثم فرض
عليهم قتال المشركين كافّة، وبيّ المصنف في غزوة قينقاع أن الكفار بعد الهجرة كانوا معه
ثلاثة أقسام.
(وقال غيره) في بيان حكمة تأخر مشروعية الجهاد حتى هاجر، (وإنما شرّع اللَّه الجهاد
في الوقت اللائق به؛ لأنهم كانوا بمكّة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أمر) اللَّه (المسلمين،
وهم قليل بقتال الباغين لشقّ عليهم، فلما بغى المشركون وأخرجوه عليه السّلام من بين
أظهرهم وهمّوا بقتله) عطف على بغى، (واستقرّ عليه السّلام بالمدينة واجتمع عليه أصحابه)
المهاجرون والأنصار، (وقاموا بنصره وصارت المدينة دار إسلام ومعقلاً) بفتح الميم وكسر
القاف: ملجأ (يلجؤن إليه) تصريح بما علم من المعقل، وفي هامش تفسير المعقل بالحصن
الكبير، (شرّع الله جهاد الأعداء) جواب لما بغى، وفي نسخة: ولما استقرّ، بزيادة لمّا وحذفها
أولى؛ لاحتياجها إلى تقدير جواب لمّا بغى، أي: هاجر، (فبعث عليه السّلام البعوث والسرايا

٢٢٠
كتاب المغازي
وغزا وقاتل هو وأصحابه حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا أفواجًا.
وكان عدد مغازيه عليه السلام التي خرج فيها بنفسه، سبعًا وعشرين.
وغزا) بنفسه، وقد جرت عادة المحدثين وأهل السّيّر واصطلاحاتهم غالبًا أن يسمّوا كل عسكر
حضره النبيّ عَّه بنفسه الكريمة غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضًا من أصحابه إلى العدو سرية
وبعثًا، (وقاتل هو وأصحابه حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا أفواجًا،) جماعات بعد
جماعات جاؤوه بعد الفتح من أقطار الأرض طائعين، (وكان عدد مغازيه عليه السّلام،) قال في
الفتح: جمع مغزى، يقال: غزا غزوًا ومغزى، والأصل: غزو، والواحد غزوة وغزاة والميم زائدة.
وعن ثعلب: الغزوة المرّة والغزاة عمل سنة كاملة، وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام
مقصده، والمراد بالمغازي هنا ما وقع من قصد النبيّ عليه الكفّار بنفسه أو بجيش من قبله
وقصدهم أعمّ من أن يكون إلى بلادهم أو إلى الأماكن التي حلّوها حتى دخل مثل أُحد
والخندق، انتھی.
(التي خرج فيها بنفسه سبعًا وعشرين) كما قاله أئمة المغازي موسى بن عقبة وابن إسحق
وأبو معشر والواقدي وابن سعد، وأسنده عن هؤلاء وجزم به الجوزي والدمياطي والعراقي وغيرهم.
وقال ابن إسحق في رواية البكائي عنه سنًّا وعشرين، وجزم به في ديباجة الاستيعاب، قائلاً: وهذا
أکثر ما قیل.
قال السهيلي: وإنما جاء الخلاف لأن غزوة خيبر اتّصلت بغزوة وادي القرى، فجعلهما ابن
إسحق غزوة واحدة، وقيل: خمسًا وعشرين، ولعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن المسيّب: أربعًا
وعشرين. وعند أبي يعلى بإسناد صحيح عن جابر: أنها إحدى وعشرين غزاة، وروى الشيخان
والترمذي عن زيد بن أرقم: أنها تسع عشرة.
وفي خلاصة السير للمحب الطبري جملة، المشهور منها: اثنتان وعشرون، ويمكن الجمع
على نحو ما قال السهيلي بأن من عدّها دون سبع وعشرين نظر إلى شدّة قرب بعض الغزوات من
غيره، فجمع بين غزوتين وعدّهما واحدة، فضمّ للأبواء بواطًا لقربهما جدًا، إذ الأبواء في صفر،
وبواط في ربيع الأوّل، وضمّ حمراء الأسد لأحد؛ لكونها صبيحتها. وقريظة للخندق؛ لكونها
ناشئة عنها وتلتها. ووادي القرى لخيبر؛ لوقوعها في رجوعه من خيبر قبل دخول المدينة.
والطائف لحنين؛ لانصرافه منها إليها، فبهذا تصير اثنتين وعشرين، وإلى هذا أشار الحافظ، فقال
بعد نقل كلام السهيلي المارّ، وقول جابر: إحدى وعشرين، فلعلّ السّة الزائدة من هذا القبيل.
وأمّا من قال: تسع عشرة فلعلّه أسقط الأبواء وبواطًا، وكان ذلك خفي عليه لصغره ويؤيّد
ما قلته: ما وقع عند مسلم، بلفظ: قلت: ما أوّل غزوة غزاها؟ قال: ذات العسير أو العسيرة،