Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وقوله: هذا الحمال : - بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم - أي المحمول من اللبن أبر عند الله من حمال خيبر، أي: التي تحمل منها من التمر والزبيب ونحو ذلك. وفي رواية المستملي بالجيم. وفي كتاب ((تحقيق النصرة)) قيل: وضع عليه السلام رداءه فوضع الناس أرديتهم وهم يقولون: لئن قعدنا والنبي يعمل ذاك إذًا للعمل المضلل قال ابن التين أيضًا: وأنكر على الزهري من جهة أنه رجز لا شعر ولذا يقال لقائله: راجز وأنشد رجز الأشاعر وأنشد شعرًا، وأجاب الحافظ بأن الجمهور على أن الرجز الموزون من الشعر، وقد قيل: أنه عٍَّ كان لا يطلق القافية بل يقولها متحرّكة ولا يثبت ذلك، وسيأتي في الخندق من حديث سهل بلفظ: ((فاغفر للمهاجرين والأنصار))، وهذا ليس بموزون، انتهى. وقال في المصابيح: لا نسلم أن هذا الحمال لإحمال البيت من الرجز، وإنما هو من مشطور السريع دخله الکشف والخبن، انتھی. (وقوله: هذا الحمال، بكسر الحاء المهملة) وكذا في الإحمال. ولأبي ذرّ بفتحها فيهما ذكره المصنّف، (وتخفيف الميم) وهو جمع، أي: هذا الحمل أو مصدر بمعنى المفعول، (أي:) هذا (المحمول من اللبن أبرّ عند اللَّه) قال الحافظ: أي أبقى ذخرًا وأكثر ثوابًا وأدوم منفعة وأشدّ طهارة، (من حمال خيبر، أي: التي يحمل منها من التمر والزبيب ونحو ذلك) وتفسيره بهذا مراد المتمثل به عَّهِ. وقول القاموس، يعني تمر الجنَّة، وأنه لا ينفد مراد منشىء الشعر ابن رواحة، (وفي رواية المستملي) أبي إسحق إبراهيم البلخي المتوفّى سنة ستّ وسبعين وثلاثمائة أحد رواة البخاري عن الفريري (بالجيم) المفتوحة على ما في بعض النسخ عنه كما في الفتح، ولذا قال في العيون: قيل: رواه المستملي بالجيم فيهما وله وجه، والأوّل أظهر. ونحوه في المطالع، أي: لأن وجه تخصيصها بالذكر كونها تأتي بما يحتاج إليه من تمر وزبيب ونحوهما. (وفي كتاب تحقيق النصرة) للزين المراغي (قيل: وضع عليه السّلام رداءه فوضع الناس أرديتهم) أي: ما كان على عواتقهم. ففي رواية: وضعوا أرديتهم وأكسيتهم (وهم) يعملون و (يقولون لئن قعدنا والنبيّ يعمل ذاك إذًا) التنوين عوض عن المضاف إليه، أي: ذاك إذا فعلناه (للعمل المضلل) صاحبه ففيه حذف وإيصال، والذي رواه الزبير بن بكار عن مجمع بن يزيد ومن طريق آخر عن أُمّ سلمة، قال قائل من المسلمين في ذلك، قال في النور، ولا أعرفه: لئن قعدنا والنبيّ يعمل لذاك منّا العمل المضلل ١٨٢ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وآخرون يقولون: لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائمًا وقاعدًا ومن يرى عن التراب حائدا وجعلت قبلته للقدس، وهو كذلك في بعض نسخ المصنف. (وآخرون يقولون) ورواه ابن بكار عن أُمّ سلمة بلفظ، وقال عليّ بن أبي طالب: (لا يستوي من يعمر المساجدا) بألف الإطلاق (يدأب) يجد في عمله، (فيها قائمًا وقاعدًا، ومن يرى عن التراب حائدًا) أي: مائلاً، قال ابن هشام: سألت غير واحد من علماء الشعر عن هذا الرجز، فقالوا: بلغنا أن عليًّا ارتجز به فلا يدري أهو قائله أم غيره، قال: وإنما قال علي ذلك مباسطة ومطايبة كما هو عادة الجماعة إذا اجتمعوا على عمل وليس ذلك طعنًا، انتهى. وعند البيهقي عن الحسن: لما بنى عَِّ المسجد أعانه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبرّ صدره، وكان عثمن بن مظعون رجلاً متنطعًا بميم مضمومة ففوقية فنون مفتوحتين فطاء مكسورة فعين مهملتين: من تنطع إذا تغالى وتأتق، وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمّه ونظر إلى ثوبه فإن أصابه شىء من التراب نفضة، فنظر إليه عليّ بن أبي طالب فأنشد يقول: لا يستوي ... الخ، فسمعها عمّار بن ياسر فجعل يرتجزها ولا يدري من يعنى بها، فمرّ بعثمن، فقال: يا ابن سميّة، لأعرفن بمن تعرض ومعه حديدة، فقال: لتكفن أو لأعترضن بها وجهك، فسمعه عَ لّ فغضب، ثم قالوا لعمار: أنه قد غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا قرآن، فقال: أنا أرضيه كما غضب، فقال: يا رسول الله! ما لي ولأصحابك؟ قال: ((ما لك ولهم))، قال: يريدون قتلي يحملون لبنة ولبنة، ويحملون عليّ لبنتين، فأخذ عَِّ بيده وطاف به المسجد وجعل يمسح وفرته، ويقول: ((يا ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفئة الباغية))، وقوله: يحملون ... الخ، استعطاف ومباسطة ليزول الغضب، وإنما كان يحمل عن المصطفى إرادة للأجر، كما مرّ. وفي هذه الأحاديث جواز قول الشعر وأنواعه خصوصًا الرجز في الحرب، وفي التعاون على سائر الأعمال الشاقّة لما فيه من تحريك الهمم وتشجيع النفوس وتحريكها على معالجة الأمور الصعبة. (وجعلت قبلته القدس) كما رواه ابن النجار وغيره ووقع في الشفاء، رواه الزبير بن بكار عن نافع بن جبير وداود بن قيس وابن شهاب مرسلاً رفعت له الكعبة حين بنى مسجده. وفي الروض روي عن الشفاء بنت عبد الرحمن الأنصارية، قالت: كان عَّهِ حين بنى المسجد يؤمّه جبريل إلى الكعبة ويقيم له القبلة، انتهى. ١٨٣ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه. وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وأخرج الطبراني برجال ثقات عن الشموس بنت النعمان الأنصارية رضي اللَّه عنها وإسمعيل الأزدي عن رجل من الأنصار والغرافي بغين معجمة وفاء من طريق لملك بن أنس عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أنّه عَّ أقام رهطًا على زوايا المسجد ليعدل القبلة فأتاه جبريل، فقال: ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده هكذا، فانماط كل جبل بينه وبين الكعبة فوضع تربيع المسجد وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون بصره شىء، فلما فرغ قال جبريل بيده هكذا، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها وصارت القبلة على الميزاب، واستشكل بأنه معٍَّ لما هاجر كان يستقبل القدس واستمرّ بعد الهجرة مدّة كما يأتي، ولذا قال التجاني في شرح الشفاء أن ما فيها غريب والمعروف أن جبريل أعلمه بحقيقة القبلة وأراه سمتها لا أنه رفع له الكعبة حتى رآها، ولذا جاءت الآثار من غير تقييد. وقال أبو الوليد ابن رشد في شرح قول لملك في العتيبة: سمعت أن جبريل هو الذي أقام لرسول اللَّه عَ ل قبلة مسجد المدينة، يعني أراه سمتها وبيّ لها جهتها، والصواب أن ذلك كان حين حوّلت القبلة لا حين بناء مسجده، وكون جبريل أراه سمتها لا يقتضي رفعها، انتهى. وأجيب: بأنه لا مانع من أن يسأل جبريل أن يريه سمتها حتى إذا وقع استقبالها لم يتردّد فيه، ولا يتحيّر. وفي الإصابة: خطر لي في جوابه أنه أطلق الكعبة وأراد القبلة أو الكعبة على الحقيقة، فإذا بين له جهتها كان إذا استدبرها استقبل بيت المقدس وتكون النكتة فيه أنّه سيحوّل إلى الكعبة فلا يحتاج إلى تقويم آخر، قال: ويرجح الاحتمال الأوّل، رواية محمد بن الحسن المخزومي بلفظ تراءى له جبريل حتى أُمّ له القبلة، انتهى. وأكثر الناس الأجوبة عن ذلك بما فيه نزاع، وهذان أحسنها. (وجعل له ثلاثة أبواب في مؤخره) وهو المعروف بباب أبي بكر (وباب يقال له باب الرحمة،) وكان يقال له باب عاتكة، (والباب الذي يدخل منه) وهو المعروف بباب آل عثمن، ولما حوّلت القبلة سدّ عَُّ الباب الذي كان في مؤخره وفتح بابًا حذاءه، ولم يبقَ من الأبواب إلاَّ باب عثمن المعروف بباب جبريل، ذكره ابن النجار. (وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع) كما رواه يحيى بن الحسن عن زيد بن حارثة، ورواه رزين عن محمّد الباقر، وروى ابن النجار وغيره عن خارجة بن ثابت، قال: بنى رسول اللَّه عَّ مسجده مربعًا وجعل قبلته إلى بيت المقدس وطوله سبعون ذراعا في ستين ١٨٤ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه. وجعلوا أساسه قريبًا من ثلاثة أذرع، ذراعًا، فيحتمل أنه كان كذلك ثم زاد فيه فبلغ المائة، ويؤيّده قول أهل السّيَّر: بنى عَّه حين قدم المدينة أقلّ من مائة في مائة ثم بناه، وزدا فيه: (وفي الجانبين) أي: العرض (مثل ذلك) كما في خبر محمّد الباقر وزيد بن حارثة فكان مربّعًا (أو دونه) إشارة للقول بأن عرضه كان أقلّ من مائة حكاه غير واحد، (وجعلوا أساسه) أي: طرفه الثابت في الأرض، (قريبًا من ثلاثة أذرع) بالحجارة ولم يسطح فشكوا الحرّ فجعل خشبه وسواريه جذوعًا وظّلوه بالجريد ثم بالجص، فلما وكف عليهم طيّنوه بالطين وجعلوا وسطه رحبة وكان جداره قبل أن يسقف قامة وشيئًا، رواه رزين عن جعفر بن محمد. وذكر البلاذري ورواه يحيى بن الحسن عن النوار أم زيد بن ثابت: أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم النبيّ عَّه يصلّي بالناس الصلوات الخمس ويجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل، قالت: فكأني أنظر إلى رسول اللَّه عَِّ لما قدم صلّى بهم في ذلك المسجد وبناه هو فهو مسجده، فإن صحّ فكأنه هدم بناء أسعد وزاد فيه أو زاد بدون هدم لضيقه عن المسلمين أو نحو ذلك، وإلا فما في الصحيح أصحّ من أنه اشترى المربد وبناه، كما قالت عائشة، وقال: ((يا بني النجار ثامنوني بحائطكم))، رواه أنس هذا وفي البخاري وأبي داود عن ابن عمر: أن المسجد كان على عهده عَِّ مبنيًّا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشبه النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهده عَّه وأعاد عمده خشبًا ثم غيره عثمن فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة وجعل عمده جارة منقوشة وسقفه بالساج، قال ابن بطال وغيره: هذا يدلّ على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك الغلوّ في تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة بيت المال عنده لم يغيّره عمّا كان عليه وإنما احتاج إلى تجديد؛ لأن جريد النخل قد نخر في أيّامه فكلم العباس في بيع داره ليزيدها فيه فوهبها العباس للَّه وللمسلمين فزداها عمر في المسجد، ثم كان عثمن والمال في زمانه أكثر فحسّنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك أنكر عليه بعض الصحابة. وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت العلماء عن إنكار ذلك خوف الفتنة، ورخص فيه بعضهم وهو قول أبي حنيفة إذا وقع تعظيمًا للمساجد ولم يصرف عليه من بيت المال، وقال ابن المنير لما شيد الناس بيوتهم، وزخرفوها، ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونًا لها عن الإستهانة، وتعقب بأن المنع إن كان للحثّ على اتّباع السلف في ترك الرفاهية، فهو كما قال: وإن كان لخشية شغل بال المصلي للزخرفة، فلا لبقاء العلة. ١٨٥ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وبنى بيوتًا إلى جنبه باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء بنى لعائشة في البيت الذي يليه شارعًا إلى المسجد، وجعل سودة بنت زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمن. (وبنى بيوتًا) أي: بيتين فقط؛ كما صرّح به غير واحد، (إلى جنبه) أي: المسجد، (باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد،) ويفيد أنهما بيتان، قوله: (فلمَّا فرغ من البناء) للمسجد (بنى لعائشة) لأنها كانت زوجه وإن تأخّر دخوله بها (في البيت الذي يليه شارعًا إلى المسجد) وكان باب عائشة مواجه الشام بمصراع واحد من عرعر أو ساج، ذكره ابن زيالة عن محمّد بن هلال (وجعل سودة بنت زمعة) بفتح الزاي وسكون الميم عند المحدثين وصدّر به المجد، فقول المصباح: لم أظفر بالسكون في كتب اللغة قصور (في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي) باب (آل عثمن) ثم بنى عليه السّلام بقيّة الحجرات عند الحاجة إليها، قال الواقدي: كان لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد وحوله، فکلما أحدث عګ أهلاً نزل له حارثة عن منزل، أي: محل حجرة حتى صارت منازله كلها له عليه السّلام، قال أهل السير: ضرب الحجرات ما بين بيت عائشة وبين القبلة والشرق إلى المسجد، ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من المغرب، وكانت أبوابها شارعة من المسجد. قال ابن الجوزي: كانت كلّها في الشقّ الأيسر إلى وجه الأمام في وجه المنبر إلى جهة الشام، وعن عطاء الخراساني ومحمد بن هلال: أدركنا حجر الزوجات من جريد على أبوابها مسوح من شعر أسود. وروى البخاري في الأدب عن داود بن قيس: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشى من خارج بمسوح الشعر، وأظن أن عرض البيت من باب الحجرة إلى البيت نحوًا من ستّة أو سبعة أذرع، ومن داخل عشرة أذرع، وأظن السمك ما بين الثمان والسبع. وعند ابن سعد: وعلى أبوابها المسوح السود من الشعر. وكتب الوليد بن عبد الملك بإدخالها في المسجد، فهدمت، فقال ابن المسيّب: ليتها تركت ليراها من يأتي بعد فيزهد الناس في التكاثر والتفاخر. وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: ليتها تركت ليرى الناس ما رضيَ اللَّه النبيّه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده. قال ابن سعد: أوصت سودة ببيتها لعائشة وباع أولياء صفية بيتها من معوية بمائة ألف، وقيل: بثمانين ألفًا، وتركت حفصة بيتها فورثه ابن عمر، فلم يأخذ له ثمنًا، وأدخل المسجد. قال ابن النجار: وبيت فاطمة اليوم جوف المقصورة وفيه محراب وهو خلف حجرة النبيّ عَّهِ. وقال السمهودي: المقصورة اليوم دائرة على بيت فاطمة وعلى حجرة عائشة من جهة ١٨٦ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر ثم تحول عليه السلام من دار أبي أيوب إلى مساكنه التي بناها. وكان قد أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه إلى مكة، فقدما بفاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة وأسامة بن زيد وأم أيمن، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعیال أبيه. وكان في المسجد موضع مظلل، تأوي إليه المساكين، يسمى الصفة، وكان أهله يسمون: أهل الصفة، الزوراء، وبينهما موضع يحترمه الناس ولا يدوسونه بأرجلهم، ويذكر أنه قبر فاطمة على أحد الأقوال. (ثم تحوّل عليه السّلام من دار أبي أيّوب إلى مساكنه التي بناها، وكان قد أرسل زيد بن حارثة) كما رواه الطبراني عن عائشة، قالت: لما هاجر عَّهِ وأبو بكر خلفنا بمكّة، فلما استقرّ بالمدينة بعث زيد بن حارثة، (وأبا رافع مولاه إلى مكة) قالت: وبعث أبو بكر عبد الله بن أريقط، وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان وأمّ أبي بكر وأنا وأختي أسماء، فخرج بنا وخرج زيد وأبو رافع، (فقدما بفاطمة وأُمّ كلثوم) وأما رقية فسبقت مع زوجها عثمن وزينب أخّرت عند زوجها أبي العاصي بن الربيع حتى أسر ببدر، فلما من عليه أرسلها إلى المدينة، (وسودة بنت زمعة وأسامة بن زيد وأُمّ أيمن) وولدها أيمن؛ كما في رواية الطبراني. (وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبيه) ومنهم عائشة، كما علم؛ لأنه إنما بني بها بعد. قالت عائشة: واصطحبنا حتى قدمنا المدينة فنزلنا في عيال أبي بكر ونزل آل النبيّ عَّله عنده وهو يومئذ يبني مسجده وبيوته، فأدخل سودة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، رواه الطبراني. (وكان في المسجد موضع مظلّل يأوي إليه المساكين، يسمّى الصفة) بضم الصاد وشدّ الفاء، قال عياض: وإليها نسبوا على أشهر الأقاويل، وقال الذهبي: كانت القبلة قبل أن تحوّل في شمال المسجد، فلما حوّلت بقي حائط القبلة الأولى مكان أهل الصفة. وقال الحافظ: الصفة مكان في مؤخر المسجد مظلّل أُعد لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلّون بحسب من يتزوّج منهم، أو يموت، أو يسافر. وفي الحلية من مرسل الحسن: بنيت صفة في المسجد لضعفاء المسلمين. (وكان أهله يسمون أهل الصفة) قال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصفة الفقراء. وقال أبو هريرة: أهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل، ولا مال، ولا على أحد إذا أتته عَِّ صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، رواهما البخاري. ١٨٧ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وكان عليه السلام يدعوهم بالليل فيفرقهم على أصحابه، وتتعشى طائفة منهم معه عليه السلام. وفي البخاري من حديث أبي هريرة: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساق، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. وهذا يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم في غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل الصفة أيضًا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة. (وكان عليه السلام يدعوهم بالليل فيفرّقهم على أصحابه) لاحتياجهم وعدم ما يكفيهم عنده، (وتتعشّى طائفة منهم معه عليه السّلام) مواساة وتكرمًا منه وتواضعًا لربّه، وفي حديث: أن فاطمة طلبت منه، فقال: ((لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم)). (وفي البخاري من حديث أبي هريرة: لقد) وفي رواية بحذف لقد، (رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء) بكسر الراء: ما يستر أعالي البدن فقط، لشدّة فقرهم لا يزيد الواحد منهم على سائر عورته؛ كما أفاده بقوله: (إما إزار) فقط (وإما كساء) على الهيئة المشروحة، بقوله: (قد ربطوا) الأكسية فحذف المفعول للعلم به، (في أعناقهم) لعدم تيسّر ما يستر عورتهم وجمع؛ لأن المراد بالرجل الجنس، (فمنها) أي: الأكسية، قال المصنف: والجمع باعتبار أن الكساء جنس (ما يبلغ نصف الساق) وفي نسخة: آخر الساق، والذي في البخاري: نصف الساقين بالتثنية، وهو أنسب بقوله: (ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه) الواحد منهم (بيده كراهية أن ترى عورته؛) لأنه لا يستمسك بنفسه وربطه على تلك الهيئة إنما يمنع سقوطه لا ظهور العورة. قال الحافظ: وزاد الإسمعيلي أن ذلك في حال كونهم في الصلاة، ومحصله أنه لم يكن لأحد منهم ثوبان، انتهى. وفي شرح المصنف: الأصيلي بدل الإسماعيلي، وهو سبق قلم. (وهذا) أي: قوله من أصحاب الصفة، (يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين؛) لأن من للتبعيض على المتبادر. وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن سيرين، قال: كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالاثنين، والرجل بالجماعة، فأمَّا سعد بن عبادة فكان ينطلق بثمانين. (وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم) النبيّ عَّةٍ (في غزوة بئر معونة) سنة ثلاث من الهجرة بعد أحد، (وكانوا من أهل الصفة أيضًا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة) لأنه كان عام خيبر سنة سبع. وذكر المصنف قصتهم في المغازي، فذكر ١٨٨ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابي والسلمي، والحاكم وأبو نعيم، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وفيما ذكروه اعتراض ومناقشته، قال في فتح الباري. وكان عَِّ يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد قائمًا، فقال: إِن القيام قد شق علي، فصنع له المنبر. ها هنا تكثير للسواد، (وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابي،) الإمام الحافظ الزاهد أبو سعيد، أحمد بن محمد بن زياد البصري الصوفي الورع الثقة الثبت العابد الرباني كبير القدر صاحب التصانيف، سمع أبا داود وخلقًا عمل لهم معجمًا، وعنه ابن منده وغيره، ولد سنة ستّ وأربعين ومائتين، ومات سنة أربع وثلاثمائة. (والسلمي) في كتاب تاريخ أهل الصفة بضم السين نسبة لجدِّ له اسمه سليم، هو الإمام الزاهد محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري، أبو عبد الرحمن الرحّال سمع الأصم وغيره، وعنه الحاكم والقشيري والبيهقي، وحدّث أكثر من أربعين سنة، وكان وافر الجلالة، وصنّف نحو مائة، وقيل: نحو ألف. وفي اللسان كأصله ليس بعمدة ونسبه البيهقي للوهم، وقال القطان: كان يضع للصوفية الأحاديث، وخالفه الخطيب، وقال: إنه ثقة صاحب علم، وحال قال السبكي: وهو الصحيح، ولا عبرة بالطعن فيه، مات سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. (والحاكم) في الإكليل، (وأبو نعيم) في الحلية فزادوا عنده على مائة، (وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وفيما ذكروه اعتراض ومناقشة) لا يسعها هذا المختصر. (قال في فتح الباري:) وقال ابن تيمية: جملة من أوى إلى الصفة مع تفرّقهم، قيل: أربعمائة، وقيل أكثر. (وكان عَّ يخطب يوم الجمعة إلى جذع) بمعجمة واحدة: الجذوع وهو ساق النخلة، قيل: ولا يسمّى جذعًا إلا بعد يبسه، وقيل: يسمّى أخضر أو يابسًا بعد قطعه. (في المسجد قائمًا، فقال: ((إن القيام قد شقّ عليّ)»، فصنع له المنبر) من إثل الغابة؛ كما في الصحيحين عن سهل بن سعد بفتح الهمزة وسكون المثلثة: شجر كالطرفاء لا شوك له وخشبه جيّد يعمل منه القصاع والأواني، والغابة بمعجمة وموحدة موضع بالعوالي، واختلف في اسم صانعه، فروى قُسم بن أصبغ، وأبو سعد في الشرف عن سهل: أنه ميمون. قال الحافظ وغيره: وهو الأصح الأشهر والأقرب، وهو مولى امرأة من الأنصار؛ كما في الصحيح. وقيل: أنه مولى سعد بن عبادة، فكأنه في الأصل مولى امرأته، ونسب إلى سعد مجازًا واسم امرأته فكيهة بنت عمّه عبيد بن دليم أسلمت وبايعت، لكن عند ابن راهويه أنه مولی لبني بياضة. ١٨٩ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وكان عمله وحنين الجذع في السنة الثامنة - بالميم - من الهجرة، وبه جزم ابن النجار وقول جعفر المستغفري: اسمها علائة بمهملة ومثلثة تصحيف؛ كما قاله أبو موسى المديني. وعند الطبراني في الأوسط: اسمها عائشة، وإسناده ضعيف. وروى أبو نعيم: أن صانعه باقوم بموحدة فألف فقاف فواو فميم، الرومي مولى سعيد بن العاصي، أو باقول بلام آخره، وهي رواية عبد الرزاق أو صباح بضمّ المهملة وخفّة الموحّدة، أو قبيصة المخزومي، أو مينًا بكسر الميم، أو صالح مولى العباس، أو إبراهيم، أو كلاب وهو أيضًا مولى العباس، أو تميم الداري. روى أبو داود وغيره عن ابن عمر أن تميمًا الداري قال لرسول اللَّه عَطِّ، لما کثر لحمه: «ألا تتّخذ لك منبرًا يحمل عظامك))؟ قال: بلى، فاتّخذ له منبرًا ... الحديث، قال في الفتح: وليس في جميع الروايات التي سمّي فيها النجار شىء قوي السند، إلاّ حديث ابن عمر فإن إسناده جيّد، لكن لا تصريح فيه بأن صانعه تميم، بل بيّ ابن سعد في روايته من حديث أبي هريرة أن تميمًا لم يعمله، وأشبه الأقوال بالصواب القول بأنه ميمون؛ لكونه من طريق سهل بن سعد. وأمَّا الأقوال الأُخر فلا اعتداد بها لوهائها، ويبعد جدًّا أن يجمع بينها بأن النجار كانت له أسماء متعدّدة. وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله، فيمنع منه قوله في كثير من الروايات السابقة لم يكن بالمدينة إلا نجّار واحد، يقال له: ميمون، إلا أنّ حمل على المراد بالواحد في صناعته والبقيّة أعوانه، فيمكن. وكان ثلاث درجات إلى أن زاده مرون في خلافة معوية ستّ درجات، وسبب ذلك أن معوية كتب إليه أن يحمل إليه المنبر، فأمر بقلعه فقلع، فأظلمت المدينة والكسفت الشمس، حتى رأوا النجوم، فخرج مرون فخطب، فقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نجارًا فزاد فيه ستّ درجات، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس، أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة من طرق، واستمرّ على ذلك إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحترق، فجدّد المظفر صاحب اليمن سنة ستّ وخمسين منبرًا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرًا، فأزيل منبر المظفر فلم يزل منبر بيبرس إلى سنة عشرين وثمانمائة، فأرسل المؤيّد شيخ منيرًا فبقي إلى سنة سبع وستين وثمانمائة، فأرسل الظاهر خشقدم منبرًا. (وكان عمله) أي: المنبر النبويّ (وحنين الجذع في السنة الثامنة، بالميم) والنون احترازًا من الثانية بنون وياء، (من الهجرة) حكاه ابن سعد، (وبه جزم ابن النجار) الحافظ الإمام البارع المؤرّخ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي الثقة الديّن ١٩٠ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وعورض: بما في حديث الإفك في الصحيحين، قالت عائشة: فثار الحيان - الأوس والخزرج - حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله عَّم على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا. وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان في السابعة. وعورض: بذكر العباس وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع. وعن بعض أهل السير: أنه عليه السلام كان الورع الفهم، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وسمع ابن الجوزي وطبقته وله ثلاثة آلاف شيخ وتصانيف، ومات سنة ثلاث وأربعين وستمائة، (وعورض بما في حديث الإفك في الصحيحين) لما رقى عَ لِّ المنبر، وقال: ((يا معشر المسلمين !! من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهلي - يعني عبد اللّه بن أبي - والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا))، فقام سعد بن معاذ، فقال: أنا يا رسول اللَّه أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة فقال لسعد: كذبت لعمر اللَّه لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أُسيد بن حضير فقال لابن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلته. (قالت عائشة: فثار الحيّان الأوس والخزرج) بمثلثة، أي: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب، (حتى كادوا أن يقتلوا ورسول اللَّه عَِّ على المنبر، فنزل فخفضهم) بالتشديد، أي: تلطّف بهم (حتى سكتوا) وتركوا المخاصمة وسكت عليه السلام. وقصّة الإفك كانت في سنة خمس؛ كما في مغازي ابن عقبة، ونقل البخاري عنه سنة أربع وهم كما قاله الحافظ وغيره، وقال ابن إسحق: سنة ستّ فعلى كلّ لا يصح كون عمله في الثامنة، قال الحافظ: فإن حمل على التجوّز في ذكر المنبر، ألا فهو أصح مما مضى، انتهى. يعني القول بأنه سنة ثمان، وبأنه سنة سبع، ولولا ذكر تميم فيه لأمكن الجواب باحتمال أن المنبر الذي رقاه في قصّة الإفك الجذع الذي كان يخطب عليه، إذ المنبر كما في الصحاح وغيره: كل ما ارتفع. وأمَّا جواب شيخنا البابلي باحتمال أنه منبر آخر غير هذا، فيردّه قول ابن سعد: إن هذا أوّل منبر عمل في الإسلام. (وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان في السابعة) بسين فألف فموحدة، (وعورض بذكر العباس) بن عبد المطّلب (وتميم) الداري (فيه، وكان قدوم العباس) المدينة (بعد الفتح) لمكّة (في آخر سنة ثمان وقدوم تميم سنة تسع) بفوقية فسين، (وعن بعض أهل السّيّر أنّه عليه السّلام كان ١٩١ ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب. وعورض: بأن الحديث الصحيحة أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب. وستأتي قصة حنين الجذع إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات. [ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين] يخطب على منبر من طين قبل أن يتّخذ المنبر الذي من خشب،) ولو صحّ لأمكن الجواب به وسقط الإشكال، (و)لكن (عورض بأن الحديث الصحيحة) المرويّة في الصحيحين وغيرهما من عدّة طرق، (أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب،) قبل اتّخاذه المنبر الذي من خشب (وستأتي قصّة حنين الجذع إن شاء اللَّه تعالى في مقصد المعجزات،) وهو الرابع. ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وكانت كما قال ابن عبد البرّ وغيره: مرتين، الأولى بمكّة قبل الهجرة بين المهاجرين بعضهم بعضًا على الحقّ والمواساة، فآخى بين أبي بكر وعمر وطلحة والزبير، وبين عثمن وعبد الرحمن، رواه الحاكم. وفي رواية له: بين الزبير وبين ابن مسعود، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وهكذا بين كل اثنين منهم إلى أن بقي عليّ، فقال: آخيت بين أصحابك، فمن أخي؟ قال: ((أنا أخوك). وجاءت أحاديث كثيرة في مؤاخاة النبيّ عَ له لعليّ، وقد روى الترمذي وحسنه الحاكم وصححه عن ابن عمر: أنه عَّ له قال لعليّ: ((أما ترضى أن أكون أخاك))؟ قال: بلى، قال: (أنت أخي في الدنيا والآخرة)، وأنكر ابن تيمية هذه المؤاخاة بين المهاجرين خصوصًا بين المصطفى وعليّ، وزعم أن ذلك من الأكاذيب وأنه لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري، قال: لأنها شرعت لإرفاق بعضهم بعضًا، ولتتألّف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاته لأحد ولا المؤاخاة المهاجرين، وردّه الحافظ بأنه ردّ للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة؛ لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة، فآخى بين الأعلى والأدنى، ليرتفق الأدنى بالأعلى ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر حكمة مؤاخاته لعليّ؛ لأنه هو الذي كان يقوم به من الصبا قبل البعثة واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد لأن زيدًا مولاهم فقد ثبتت أخوّتهما وهما من المهاجرين. وفي الصحيح في عمرة القضاء أن زيدًا، قال: إن بنت حمزة ابنة أخي، وأخرج الحاكم وابن عبد البرّ بسند حسن عن ابن عباس: آخى النبيّ عَّه بين الزبير وابن مسعود، وهما من المهاجرين، وأخرجه الضياء في المختارة، وابن تيمية يصرّح بأن أحاديث المختارة أصحّ وأقوى ١٩٢ ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين ولما كان بعد قدومه بخمسة أشهر، آخى مَِّ بين المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلاً، من كل طائفة خمسة وأربعون، من أحاديث المستدرك، انتهى. والثانية هي التي ذكرها المصنّف، فقال: (ولمَّا كان بعد قدومه بخمسة أشهر) كما قال أبو عمر، وقيل: بثمانية، وقيل: بسبعة، وقيل: بسنة وثلاثة أشهر قبل بدر، وقيل: والمسجد یبنی، وقيل: قبل بنائه، (آخى عَِّ بين المهاجرين والأنصار) قال السهيلي: ليذهب عنهم وحشة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد أزر بعضهم ببعض، فلمّا عز الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أبطل المواريث وجعل المؤمنين كلهم أخوة، وأنزل ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾ [الحجرات، ١٠] يعني: في التوادد وشمول الدعوة، انتهى. وقال العزّ بن عبد السلام: الأخوة حقيقية ومجازية، فالحقيقية المشابهة، يقال: هذا أخو هذا؛ لأنه شابهه في خروجه من البطن الذي خرج منه ومن الظهر أيضًا، وآثارها المعاضدة والمناصرة، فتستعمل في هذه الآثار من التعبير بالسبب عن المسبّب، ومنه قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾ [الحجرات: ١٠]، هو خبر معناه الأمر، أي؛ لينصر بعضهم بعضًا، وقوله عّلِّ: المؤمن أخو المؤمن خبر أيضًا، بمعنى الأمر، ولما انقسمت الحقيقية إلى أعلى المراتب كالشقيق وإلى ما دون ذلك، كالأخ للأب أو للأم كانت٥ المجازية كذلك، فالأخوّة الناشئة عن الإسلام هي الدنيا من المجازية، ثم إنها كملت بالأخوّة التي سنّها عَِّ بمؤاخاته بين جماعة من أصحابه ومعناها أنه أمر أمر ندب أن يعين كل واحد أخاه على المعروف ويعاضده وينصره، فصار المسلمان في هذه الأخوّة الثانية في أعلى مراتب الأخوة المجازية كالشقيقين في الحقيقة؛ فان قيل هذه الأخوّة مستفادة من أصل الإسلام، فإنه يقتضي المعاونة على كل أمر جوابه، أن الأمر الثاني مؤكّد لا منشىء لأمر آخر؛ لأنه لا يستوي من وعدته بالمعروف من المسلمين ومن لم تعده، فإن الموعود قد وجد في حقّه سببان الإسلام والمواعدة وهذه الأخوّة هي التزام ومواعدة، ولا شكّ أن طلب الشارع للوفاء بالخير الموعود به أعلى رتبة من طلب الخير الذي لم يعد به، فقد تحقّق طلب لم يكن ثابتًا بأصل الإسلام وفيها فائدة أخرى، وهي أن هذه العزم المتجدّد من هذا الوعد يترتّب عليه من الثواب على عدد معلوماته لقوله عَّل: ((ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة))، ولا شكّ أن هذا ثواب عظيم، وكذلك كل من وعد بخير فإنه يثاب على عزمه ووعده ما لا يثاب على العزم المتلقّى عن أصل الإسلام، انتھی. (و کانوا تسعین رجلاً من کل طائفة خمسة وأربعون) کما ذكره ابن سعد بأسانيد الواقدي، قائلاً: وقيل مائة من كل طائفة خمسون. وروى ابن إسحق: أنه عَِّ قال لهم: ((تآخوا في اللَّه ١٩٣ ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين على الحق والمواساة والتوارث. وكانوا كذلك إلى أن نزل بعد بدر ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال/٧٥] تتميم. أخوين أخوين))، ثم أخذ بيد عليّ فقال: ((هذا أخي))، وآخى بينهم في دار أنس بن لملك؛ كما في الصحيح. وعند أبي سعد في الشرف: آخى بينهم في المسجد، (على الحقّ والمواساة) وبذل الأنصار رضي اللَّه عنهم في ذلك جهدهم حتى عرض سعد بن الربيع على أخيه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه نصف ماله، وكان له زوجان فقال: اختر إحداهما أطلّقها وتزوّجها، كما في الصحيح. وروى أبو داود والترمذي عن أنس: لقد رأيتنا وما الرجل المسلم أحقّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، وعزاه اليعمري لمسلم والترمذي والنسائي عن ابن عمر وتعقّبه في النور بأنه لم يره فيهما بعد التفتيش. (و)على (التوارث) وشدّد اللَّه عقد نبيّه بقوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، إلى قوله: ﴿ورزق كريم﴾ [الأنفال: ٧٤]، فأحكم اللَّه بهذه الآيات العقد الذي عقده بينهما بتوارث الذين تآخوا دون من كان مقيمًا بمكّة والقرابا. (وكانوا كذلك إلى أن نزل بعد بدر) حين أعزّ اللَّه الإسلام وجمع الشمل وذهبت الوحشة، (﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال: ٧٥]، الآية) فانقطعت المؤاخاة في الميراث، وبقيت في التوادد وشمول الدعوة والمناصرة، (تتميم) . روى البخاري عن عاصم، قلت لأنس: أبلغك أن رسول اللَّه عَ ◌ّم قال: ((لا حلف في الإسلام)، فقال: قد حالف النبيّ عَ له بين قريش والأنصار في داري، وأخرجه أبو داود بلفظ: حالف بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين أو ثلاثًا، وروى أبو داود عن جبير بن مطعم مرفوعًا: ((لا حلف في الإسلام، وأيّ حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدّة). وروى أحمد والترمذي وحسّنه عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رفعه: ((أوفوا بحلف الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شدّة، ولا تحدثوا حلفًا في الإسلام)). قال في النهاية: أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال والغارات فذاك الذي نهى عنه، بقوله: ((لا حلف في الإسلام))، وما كان منه على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذاك الذي قال فيه: ((وأي حلف ... )) الخ، يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، انتهى. وقول سفين بن عيينة: حمل العلماء قول أنس على المؤاخاة تعقّبه الحافظ بأن سياق عاصم عنه يقتضي ١٩٤ باب بدء الاذان وبنى بعائشة على رأس تسعة أشهر. وقيل ثمانية، وقيل ثمانية عشر شهرًا في شوال. [باب بدء الأذان] وكان الناس- كما في السير وغيرها - إنما يجتمعون إلى الصلاة لتحين مواقيتها، أنه أراد المحالفة حقيقة، وإلا لما كان الجواب مطابقًا. وقول البخاري باب الإخاء: والحلف ظاهر في المغايرة بينهما. (وبنى بعائشة على رأس تسعة أشهر) من هجرته، (وقيل: ثمانية عشر شهراً) من الهجرة فيكون البناء في السنة الثانية، وبه صدر المصنّف في الزوجات، وجزم به النووي في تهذيبه، قال الحافظ: ويخالفه ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين، (في شوّال) كما في مسلم عنها، ولذا كانت تحب أن تدخل أهلها وأحبتها على أزواجهنّ في شوّال، قاله أبو عمر. وقيل: بنى بها في الثامن والعشرين من ذي الحجّة، والأوّل أصحّ. قال الحافظ: وإذا ثبت أنه بنى بها في شوال من السنة الأولى، قوّى قول من قال دخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، ووهّاه النووي في تهذيبه وليس بواهٍ إذا عددناه من ربيع الأوّل، انتهى. باب بدء الأذان هو لغة الأعلام، قال: آذنتنا ببينها أسماء ليت شعري متى يكون اللّقاء وشرعا الإعلام بوقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة، وهو كالإقامة من خصائص الأُمّة المحمديّة، واستشكل بما رواه الحاكم وابن عساكر وأبو نعيم بإسناد فيه مجاهيل: إن آدم لما نزل الهند استوحش فنزل جبريل فنادى بالأذان، وأجيب بأن مشروعيته للصّلاة هو الخصوصية، واستطرد بعض هنا بعض خصائص سيذكرها المصنّف في المقصد الرابع، واستأنف فقال: (وكان الناس كما في السير وغيرها، إنما يجتمعون إلى الصلاة لِتجين) بكسر اللام وفتح الفوقية وكسر الحاء المهملة وسكون التحتية مضافًا إلى (مواقيتها) ففي المختار: الحين الوقت، وربما أدخلوا عليه التاء، فقالوا: تحين بمعنى حين، فضبطه بفتح الحاء وشدّ التحتية مضمومة يخالفه مع عدم ظهور المعنى، إذ التحيين ضرب الحين، أي: الوقت، إلا أن يوجه بأنهم لا يحضرونها حتى يطلبوا لها وقتًا يعرفون به دخولها، بمعنى: إن كل واحد منهم يتّخذ له علامة ١٩٥ باب بدء الاذان من غير دعوة. وأخرج ابن سعد في الطبقات، من مراسيل سعيد بن المسيب: أن بلالاً كان ينادي للصلاة بقوله: الصلاة جامعة. وشاور عَّهِ أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة - ذلك فيما قيل في السنة الثانية - يهتدي بها لدخول الوقت (من غير دعوة) بل إذا عرفوا دخوله بعلامة أتوا المسجد، وقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر: كان المسلمون لما قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلّموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: نتخذ ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً منكم ينادي بالصلاة، فقال عَـ «يا بلال قم فنادٍ بالصّلاة)). (وأخرج ابن سعد في الطبقات) للصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى وقته فأجاد فيه وأحسن، قاله الخطيب (من مراسيل سعيد بن المسيّب) بفتح الياء على المشهور وبكسرها، قاله عياض وابن المديني ابن حزن القرشي المخزومي التابعي الكبير، فقيه الفقهاء ابن الصحابي، مات سنة أربع أو ثلاث وتسعين، (أن بلالاً كان ينادي للصّلاة) قبل التشاور والرؤيا وبعد قول عمر: تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة، فاستحسن عليه السّلام ذلك فأمر بلالاً أن ينادي: (الصّلاة جامعة) بنصب الأوّل على الإغراء، والثاني على الحال ورفعهما على الابتداء والخبر، ونصب الأوّل ورفع الثاني، وعكسه قاله الحافظ وغيره. وعن الزهري ونافع بن جبير وابن المسيّب: وبقي، أي: بعد فرض الأذان ينادي في الناس الصّلاة جامعة للأمر يحدث فيحضرون له يخبرون به وإن كان في غير وقت صلاة، (وشاور عد اله أصحابه فيما يجمعهم به للصّلاة) لما كثر المسلمون، وروى أبو داود بإسناد صحيح: اهتمّ النبيّ عَّ للصلاة كيف يجمع الناس لها، (وذلك فيما قيل في السنة الثانية) مرضه لقول الحافظ الراجح: إنه شرع في السنة الأولى من الهجرة. وروي عن ابن عباس: أن فرض الأذان نزل مع قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩]، رواه أبو الشيخ. وذكر أهل التفسير: أن اليهود لما سمعوا الأذان، قالوا: يا محمّد! لقد أبدعت شيئًا لم يكن فيما مضى، فنزلت: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتّخذوها هزوًا﴾ [المائدة: ٥٨]، الآية، وعدّى النداء في الأولى باللام، وفي الثانية بإلى؛ لأن صلات الأفعال يختلف بحسب مقاصد الكلام، فقصد في الأولى معنى الاختصاص، وفي الثانية معنى الانتهاء، قاله الكرماني. ويحتمل أن اللام بمعنى إلى أو العكس، انتهى. ١٩٦ باب بدء الاذان فقال بعضهم : ناقوس كناقوس النصارى، وقال آخرون: بوق كبوق اليهود، وقال بعضهم: بل نوقد نارًا ونرفعها فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة. فرأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه في منامه رجلاً فعلمه الأذان والإقامة، فلما أصبح أتى النبي معَِّ فأخبره بما رأى، (فقال بعضهم:) الذي يجمع به (ناقوس) وفي أبي داود: قيل له: أنصب راية فإذا رأوها أذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، فذكر له ناقوس (كناقوس النصارى) الذين يعلمون به أوقات صلاتهم وهو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، فيخرج منهما صوت؛ كما في الفتح والنور وغيرهما. وقال في مقدمة الفتح وتبعه الشامي: آلة من نحاس أو غيره تضرب، فتصوّت. ولأبي الشيخ في كتاب الأذان، فقالوا: لو اتّخذنا ناقوسًا، فقال عليه السّلام: ((ذلك للنصارى)). ولأبي داود: فقال: ((هو من أمر النصارى)). (وقال آخرون: بوق) بضمّ الموحدة قرن ينفخ فيه، (كبوق اليهود) ولأبي الشيخ فقالوا: لو اتّخذنا بوقًّا، فقال: ((ذاك لليهود)). ولأبي داود: فذكر له القنع - يعني الشبور - فلم يعجبه ذلك، وقال: ((هو من أمر اليهود))، القنع بضم القاف وسكون النون ومهملة، وروي بموحدة مفتوحة، وروي بفوقية ساكنة، ورُوي بمثلثة ساكنة بدل النون والنون أشهر. قال السهيلي: وهو أولى بالصواب، والشبور بفتح المعجمة وضم الموحدة مشدّدة؛ كما في الفتح وغيره وقول النور بفتحهما سبق قلم ففي القاموس وكتنور البوق. (وقال بعضهم: بل نوقد نارًا ونرفعها، فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصّلاة) ولأبي الشيخ فقالوا: لو رفعنا نارًا، فقال: ((ذاك للمجوس)) وعند أبي داود: فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتّم لهم رسول اللَّه عَ لّه (فرأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه) أبو محمّد الأنصاري العقبيّ البدري، قال الترمذي لا نعرف له عن النبي عَّه شيئًا يصح إلاَّ هذا الحديث الواحد في الأذان؛ وكذا قال ابن عديّ. قال في الإصابة: وأطلق غير واحد أنه ماله غيره وهو خطأ، فقد جاءت عنه أحاديث ستّة أو سبعة جمعتها في جزء مفرد، مات سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن أربع وستّين، وصلّى عليه عثمن، قاله ولده محمد بن عبد اللَّه، نقله المدائني. وقال الحاكم: الصحيح أنه قتل بأُحد، فالروايات عنه كلّها منقطعة وخالف ذلك في المستدرك، انتهى. (في منامه رجلاً) يحمل ناقوسًا (فعلّمه الأذان والإقامة، فلمَّا أُصبح أتى النبيّ عَ ◌ِّ فأخبره بما رأى) وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه: أن عبد الله بن زيد أتى رسول اللَّه عَّه ليلاً، وجمع باحتمال أن المراد: فلمَّا قارب الصباح. ١٩٧ باب بدء الاذان وفي رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد قال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم - ولو قلت إني لم أكن نائمًا لصدقت - رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران. فاستقبل القبلة فقال: الله أكبر، الله أكبر، مثنى مثنى، حتى فرغ من الأذان. الحديث، فقال عليه السلام إنها الرؤيا حق إن شاء الله تعالى، قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أُندى منك صوتًا. (وفي رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد، قال) عبد اللَّه بن زيد: ففيه من اللطائف رواية صحابي عن صحابي فليس معاذ رائيًا ولا قائلاً (يا رسول اللَّه، إني رأيت فيما) أي: الحالة التي (يرى النائم) فيها، أشار من أوّل كلامه إلى أنه غير حقيقي وأفصح بذلك في قوله: (ولو قلت إني لم أكن نائمًا لصدّقت) لقرب نومه من اليقظة، فروحه كالمتوسّطة بين النوم واليقظة، قال السيوطي: يظهر من هذا أن يحمل على الحالة التي تعتري أرباب الأحوال ويشاهدون فيها ما يشاهدون، ويسمعون ما يسمعون، والصحابة رؤوس أرباب الأحوال. (رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران) زاد في رواية ابن إسحق الآتية: يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله! أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة؟ قال: أفلا أدلّك على ما هو خير لك من ذلك؟ فقلت: بلى، (فاستقبل القبلة، فقال: اللَّه أكبر الله أكبر) بسكون الراء وضّها عامي؛ لأنه روي موقوفًا، قاله ابن الأثير والهروي، وزاد: وكان المبرد يقول: الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، والأصل إسكان الراء فحرّكت فتحة الألف من اسم اللَّه في اللفظة الثانية لسكون الراء قبلها ففتحت؛ كقوله تعالى: ﴿الم، اللَّه لا إله إلاَّ هو﴾ [آل عمران: ١، ٢]، وفي المطالع: اختلف في فتح الراء الأولى وضّها وتسكينها، وأمَّا الثانية فتضمّ أو تسكن، (مثنى مثنى حتى فرغ من الأذان ... الحديث،) وفيه: (فقال عليه السّلام: إنها الرؤيا حقّ) بالرفع صفة رؤيا والجرّ بإضافة رؤيا إليه لأدنى ملابسة، أي: إنها مخصوصة بكونها حقًّا لمطابقتها للواقع، (إن شاء اللّه قم مع بلال، فألق) بفتح الهمزة ثلاثي مزيد (عليه ما رأيت فليؤذن به) ولأبي داود عن أبي بشر: فأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان مريضًا لجعله عَّه مؤذّنًا وكأنه عبّر بلفظ تزعم؛ لأنه مناف بحسب الظاهر، لقوله: (فإنه أندى منك صوتًا) بفتح الهمزة وسكون النون، أي: أرفع وأعلى أو أحسن وأعذب أو أبعد حكاها ابن الأثير، ولا مانع من إرادة الثلاثة. والظاهر كما قال شيخنا: تساوي الأول والثالث بحسب التحقيق، إذ يلزم من كونه أرفع وأعلى أن يكون أبعد. وفي هذا ردّ للحديث المشهور على الألسنة: ((سين بلال عند الله شين))، وقد قال الحافظ المزي: لم نره في شىء من الكتب، وذكر بعضهم مناسبة اختصاص بلال بالأذان أنه لما عذّب ليرجع عن الإسلام كان يقول: أحد أحد، فجوزي بولاية الأذان ١٩٨ باب بدء الاذان قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن. قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما أرى. ووقع في الأوسط للطبراني: أن أبا بكر أيضًا رأى الأذان. وفي الوسيط للغزالي: أنه رآه بضعة عشر رجلاً. وعبارة الجيلي في شرح التنبيه: أربعة عشر. وأنكره ابن الصلاح ثم النووي، وفي سيرة مغلطاي: أنه رآه سبعة من الأنصار. المشتمل على التوحيد من ابتدائه وانتهائه. (قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن، قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وهو في بيته فخرج يجرّ رداءه) استعجالاً فرجاً بصحّة منامه وموافقة غيره لرؤياه، (يقول: والذي بعثك بالحقّ يا رسول اللَّه! لقد رأيت مثل ما رأى) وكأنه أخبر بذلك في طريقه قبل وصوله له عليه السلام، قال الحافظ: ولا يخالفه ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي عمير بن أنس عن عمومته من الأنصار، قال: وكان عمر قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا ثم أخبر النبيّ عَّهِ، فقال له: ((ما منعك أن تخبرني))؟ فقال له: ما صنعك أن تخبرني، فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحییت؛ لأنه يحمل على أنه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبد الله بن زيد بل متراخيًا عنه لقوله ما منعك أن تخبرنا؟ أي: عقب إخبار عبد اللّه، فاعتذر بالاستحياء فدلّ على أنه لم يخبره على الفور، (ووقع في الأوسط للطبراني أن أبا بكر أيضاً رأى الأذان) أخرجه من طريق زفر بن الهذيل عن أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه: أن رجلاً من الأنصار مرّ برسول اللَّه عٍَّ وهو حزين لأمر الأذان بالصلاة، فبينما هو كذلك إذ نعس فأتاه آتٍ في النوم، فقال: قد علمت ما حزنت له، فذكر قصة الأذان، فلما أخبر رسول اللَّه عَ لّه، قال: (أخبرنا بمثل ذلك أبو بكر)، فأمر بلالاً بالأذان. قال الطبراني: لم يروه عن علقمة إلاَّ أبو حنيفة. (وفي الوسيط للغزالي أنه رآه بضعة عشر رجلاً وعبارة الجيلي في شرح التنبيه،) رآه (أربعة عشر) فيمكن أن يفسّر بها قول الغزالي بضعة عشر (وأنكره ابن الصّلاح) فقال: لم أجد هذا بعد إمعان البحث، (ثم النووي) في تنقيحه فقال: هذا ليس بثابت ولا معروف، وإنما الثابت خروج عمر يجرّ رداءه. (وفي سيرة مغلطاي) عن بعض كتب الفقهاء، (أنه رآه سبعة من الأنصار، ١٩٩ باب بدء الاذان قال الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه الله: ولا يثبت شىء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض الطرق. قال السهيلي: فإن قلت: ما الحكمة التي خصت الأذان بأن يراه رجل من المسلمين في نومه. ولم يكن عن وحي من الله لنبيه كسائر العبادات والأحكام الشرعية. وفي قوله عليه السلام: (إنها لرؤيا حق)). ثم بنى حكم الأذان عليها، وهل کان ذلك عن وحي من الله له أم لا؟ وأجاب: بأنه عَّهِ قد أريه ليلة الإسراء. فروى البزار عن علي قال: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان جاءه جبريل عليه السلام بدابة يقال لها البراق فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك خرج ملك من الحجاب، قال الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه الله) في فتح الباري: (ولا يثبت شىء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد وقصّة عمر جاءت في بعض الطرق) في سنن أبي داود. (قال السهيلي) في الروض: (فإن قلت: ما الحكمة التي خصّت الأذان بأن يراء رجل من المسلمين في نومه، ولم يكن عن وحي من اللَّه لنبيه كسائر العبادات والأحكام الشرعية) فإنّها كلّها عن وحي، قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحيّ يوحى﴾ [النجم: ٤،٣]، ولا يردّ هذا على القول بأنه يجتهد؛ لأنه مأذون فيه من ربّه ولا يقول إلاَّ حقًّا، فكأنه وحي (وفي قوله عليه السلام: ((إنها لرؤيا حقّ)، ثم بنى حكم الأذان عليها، وهل كان ذلك) أي: بناؤه حكم الأذان على الرؤيا، (عن وحي، من اللَّه له) عليه السّلام، يعني أن ابن زيد حين رأى ولم يكن عن وحي؛ هل أوحي إليه بعد حتى بنى حكم الأذان عليها، (أم لا؟) فهذا الاستفهام راجع لابتناء حكم الأذان، فلا ينافي جزمه أوّلاً بأنه لم يكن عن وحي؛ لأنه بخصوص الرؤيا وجدت من ابن زید. (وأجاب بأنه مَت قد أريه ليلة الإسراء، فروى البزار) في مسنده، فقال: حدّثنا محمد بن عثمن بن مخلد، قال: حدّثنا أبي عن زياد بن المنذر عن محمّد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، (عن عليّ) بن أبي طالب، (قال: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان جاءه جبريل عليه السلام بداية يقال لها البراق) بضم الموحدة، (فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن) وهذا يأتي على أنه عرج به على البراق؛ كظاهر حديث البخاري. والصحيح أن العروج إنما كان على المعراج، قال النعماني: ولا مانع أنه ركب البراق فوق المعراج، (فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب) بالنسبة للمخلوق، أمّا الخالق تبارك ٢٠٠ باب بدء الاذان فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق، إني لأقرب الخلق مكانًا، وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه. فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي؛ أنا أكبر، أنا أكبر .. وذكر بقية الأذان. قال السهيلي: وهذا أقوى من الوحي لأنه سماع بواسطة وهذا بدونها، فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رأى عَّه فلذلك قال: إنها الرؤيا حق إن شاء الله تعالى، وعلم حينئذٍ أن مراد الله بما رآه في السماء أن يكون سنة في الأرض وقوى ذلك عند موافقة رؤيا عمر الأنصاري. انتهى. وتعالى فلا يحجبه شىء، (فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانًا) في العالم العلويّ (وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر أنا أكبر ... وذكر بقيّة الأذان،) وفي هذا أنه شرع بمكّة قبل الهجرة، قال الحافظ: ويمكن على تقدير صحته أن يحمل على تعدّد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة. وأمَّا قول القرطبي: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعًا في حقّه، ففيه نظر؛ لقوله أوّله: لمَّا أراد اللَّه أن يعلم رسوله الأذان، وكذا قول المحبّ الطبري يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي وهو الإعلام فيه نظر أيضًا، لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه، انتهى. (قال السهيلي) بعد ميله إلى صحّة هذا الخبر مائلاً لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء: (وهذا أقوى من الوحي؛ لأنه سماع بواسطة وهذا بدونها، فلمَّا تأخر فرض) أو مشروعيّة (الأذان إلى المدينة وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبّث الوحي،) أي: تأخّر نزوله (حتى رأى عبد اللَّه الرؤيا فوافقت ما رأى عَِّ، فلذلك قال: ((إنها الرؤيا حق إن شاء اللَّه)) قاله تبرّكًا أو قبل الوحي اعتمادًا على رؤيته في السماء إن ثبت ولم يفهمه إنها وحي جبرًا له ابتداء مع العزم على إخباره بحقيقة الأمر بعد لا تعليقًا فينا في العلم بحقيقتها حيث كانت عن وحي، (وعلم حينئذ،) أي: حين أقرّ المصطفى رؤياه، وقال: إنها لرؤيا حقّ (إن مراد اللَّه بما أراه) له، وفي نسخة: بما رآه، أي: النبيّ عليه السّلام بإرادة الله تعالى إياه ذلك، (في السماء أن يكون سنة في الأرض، وقوّى ذلك عند موافقة رؤيا عمر الأنصاري) قال السهيلي: لأن السكينة تنطق على لسان عمر، (انتھی) کلام السهيلي.