Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ذكر الجن ويدل له حديث ابن عباس عند أحمد قال: كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرًا، فيكون ما سمعوه حقًا وما زادوه باطلاً، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله عَِّ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب منه، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبعث جنوده فإذا هم بالنبي عَّهِ يصلي بين جبلي نخلة فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض. ورواه النسائي وصححه الترمذي. كلام ابن إسحق ليس صريحًا في أوليّة قدوم بعضهم، قال: والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء من استراق الجنّ السمع دالّ على أن ذلك كان عند المبعث النبوي وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا عن ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ولذا لم يقيّد البخاري الترجمة بقدوم ولا وفادة أي وإنما، قال باب ذكر الجرّ: لما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم، قدموا فسمعوا فأسلموا، وكان ذلك بين الهجرتين ثم تعدّد مجيئهم حتى في المدينة، انتهى. ونقله الشامي عن ابن كثير نفسه أيضًا. (ويدلّ له حديث ابن عباس عند أحمد، قال: كان الجنّ يستمعون الوحي) هو ما كانت تسمعه الملائكة مما ينزل الأرض، فيتكلّمون به، (فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرًا فيكون ما سمعوه حقًّا، وما زادوه باطلاً، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك) البعث النبويّ (فلمَّا بعث رسول اللَّه عَ لِّ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا ومي بشهاب يحرق ما أصابه منه) ولا يشكل هذا بما مرّ أن السماء حرست بمولده عَّه لجواز أنه بقي لهم بعض قدرة على الاستماع كاللص، فلما بعث زال ذلك، بل قال السهيلي: إنه بقي منه بقايا يسيرة بدليل وجوده نادرًا في بعض الأزمنة وبعض البلاد. وقال البيضاوي: لعلّ المراد منعهم من كثرة وقوعه. (فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث فبث جنوده) في الأرض، وفي الصحيحين: فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمن النفر جماعة أخذوا نحو تهامة (فإذا هم بالنبيّ ◌ٍَّ يصلّي بين جبلي نخلة فأخبروه) أي: إبليس، (فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض، ورواه النسائي وصحّحه الترمذي) ورواه الشيخان بنحوه، ولم يعزه لهما لزيادة فيما ذكر علی روايتهما. ٦٢ ذكر الجن قال: وخروجه عليه السلام إلى الطائف كان بعد موت عمه. وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبي عَّه وهو يقرأ القرءان ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، فأنزل الله عز وجل: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرءان﴾ الآية [الأحقاف/٢٩]. فهذا مع حديث ابن عباس يقتضي أن رسول الله عَ لّه لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالاً، قومًا بعد قوم وفوجًا بعد فوج. (قال) ابن كثير (وخروجه عليه السّلام إلى الطائف كان بعد موت عمّه) أبي طالب الواقع في السنة العاشرة من النبوّة، والاستماع كان عقب البعثة، فلا يصحّ ما في ابن إسحق وقد علم جوابه، (وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود، قال:) إن الجنّ (هبطوا على النبيّ عَّه وهو يقرأ القرءان) وفي نسخة: وهو يقرأ الجنّ، أي: سورة الجنّ، لكن الأولى هي المعزوة في لباب النقول لابن أبي شيبة، (ببطن نخلة فلما سمعوه، قالوا: أنصتوا) حذف من رواية ابن أبي شيبة بعد قوله: أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، (فأنزل اللَّه عزّ وجلّ: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجنّ يستمعون القرءان﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآية)، يريد جنسها، فلفظ ابن أبي شيبة: فأنزل اللَّه ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجنّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] إلى قوله: ﴿ضلال مبين﴾ [الأحقاق: ٣٢]، وقولهم من بعد موسى، قيل: لأنهم كانوا يهودًا وفي الجنّ ملل كالإنس، وقيل: لم يسمعوا بعيسى واستبعد، وقيل: لأنهم كانوا يعلمون بشارة موسى به وكأنهم قالوا هذا الذي بشّر به موسى ومن بعده. (فهذا) أي: حديث ابن مسعود، (مع حديث ابن عباس) الذي قبله (يقتضي أن رسول اللَّه عٍَّ لم يشعر بحضورهم في هذه المرّة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم) وبهذا جزم الدمياطي، فقال: فلمَّا انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة ونزل نخلة قام يصلّي من الليل فصرف إليه نفر سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا إليه وهو يقرأ سورة الجنّ ولم يشعر بهم حتى نزل عليه: ﴿وإذ صرفنا إليك﴾ [الأحقاف: ٢٩]، انتهى. وبه تعقّب قول من قال: لما وصل في رجوعه إلى نخلة جاءه الجن وعرضوا إسلامهم عليه. (ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالاً) بفتح الهمزة وأبدل منه قوله: (قومًا بعد قوم وفوجًا) أي: جماعة جمعه فؤوج وأفواج وجمع الجمح أفاوج وأفاويج؛ كما في القاموس. (بعد فوج) كما تفيده الأحاديث العديدة، ففي حديث أنهم كانوا على ستّين راحلة وآخر ٦٣ ذكر الجن وفي طريقه - عليه السلام - هذه، دعا بالدعاء المشهور: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، ثلاثمائة وآخر خمسة عشر، وعن عكرمة: اثني عشر ألفًا، فهذا الاختلاف دليل على تكرّر وفادتهم؛ كما أشار إليه البيهقي وابن عطيه، وقال: إنه التحرير بمكّة والمدينة، فالمتحصّل من الأخبار أنهم وفدوا عليه لمّا خرجوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها لاستكشاف الخبر عن حراسة السماء بالشهب، فوافوه عّلّه بنخلة عامدًا سوق عكاظ يصلّي بأصحابه الفجر فسمعوا القرءان، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرءانًا عجبًا، فأنزل اللَّه: ﴿قل أُوحي إليّ﴾ [الجن: ١]، وما قرأ عليهم ولا رآهم؛ كما قاله ابن عباس في الصحيحين وغيرهما وأخرى بنخلة وهو عائد من الطائف وأخرى بالحجون. وفي لفظ: بأعلى مكّة بالجبال، لمَّا أتاه داعي الجن فذهب معه وقرأ عليهم القرءان، ورجع لأصحابه من جهة حراء، وأخرى ببقيع الغرقد، وفي هاتين حضر ابن مسعود وخطّ عليه خطًّا بأمر المصطفى وأخرى خارج المدينة وحضرها الزبير، وأخرى في بعض أسفار لها وحضرها بلال بن الحرث؛ بل حديث أبي هريرة في الصحيح يحتمل أنهم أتوه حين حمل أبو هريرة للنبيّ عَّهِ الأدواة وإنما قدم أبو هريرة في سابعة الهجرة وبهذا لا يبق تعارض بين الأخبار ويحصل الجمع؛ كما قال الحافظ بين نفي ابن عباس رؤية النبيّ عَّة لهم، قال المصنّف: وهو ظاهر القرءان وبين ما أثبته غيره من رؤيته لهم، والله أعلم. (وفي طريقه عليه السلام هذه) لما اطمأنّ في ظل الحبلة، أي: الكرمة، (دعا بالدعاء المشهور) المسمّى كما قال بعضهم بدعاء الطائف، وهو: (اللَّهمّ إليك أشكو) قدم المعمول ليفيد الحصر، أي: لا إلى غيرك فإن الشكوى إلى الغير لا تنفع (ضعف قوّتي) بضم الضاد أرجح من فتحها وهما لغتان؛ كما في الأنوار، وفي المصباح: الضم لغة قريش. وفي القاموس: الضعف بالفتح والضم ويحرّك ضدّ القوّة. (وقلّة حيلتي) في مخلص أتوصّل به إلى القيام بما كلّفني، (وهواني على الناس) احتقارهم واستهانتهم بي واستخفافهم بشأني واستهزاءهم، والشكوى إليه عزّ وجلّ لا تنافي أمره بالصبر في التنزيل؛ لأن إعراضه عن الشكوى لغيره وجعلها إليه وحده هو الصبر، والله سبحانه يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحبّ من يشكو ما به إليه، (يا أرحم الراحمين) أي: يا موصوفًا بكمال الإحسان، (أنت أرحم الراحمين) وصف له تعالى بغاية الرحمة بعدما ذكر لنفسه ما يوجبها، واكتفى بذلك عن عرض المطلوب بصريح اللفظ تلطّفًا في السؤال وأدبًا وأكّد ذلك ولمّح للمراد، فقال: (وأنت ربّ المستضعفين) ٦٤ ذكر الجن إلى من تكلني إلى عدوّ بعيد يتجهمني أم إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبانًا علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات في ذكر لفظ رب والإضافة إليهم مزيد الاستعطاف، فطوى في ضمن هذه الألفاظ العذبة البديعة نحو أن يقول: فقوّني واجعل لي المخلص وأعزّني في الناس، وعدل إلى الثناء على ربه بهاتين الجملتين الثابتتين عند ابن إسحق الساقطتين في رواية الطبراني؛ لأن الكريم بالثناء يعطي المراد ولا أکرم منه سبحانه وتعالی. (إلى من تكلني) تفوّض أمري (إلى عدوّ بعيد) وسقط في رواية الطبراني لفظ بعيد (يتجهمني) بتحتية ففوقية فجيم فهاء مشدّدة مفتوحات والاستفهام للاستعطاف بحذف اداة، أي: اتكلني إلى عدوّ (أم إلى صديق قريب ملكته أمري) جعلته مسلّطًا على إيذائي ولا أستطيع دفعه، والجملة دالّة على المدعوّ به، أي: لا تجعل لي ذلك. (إن لم تكن غضبانًا) وفي رواية: إن لم تكن ساخطًا، وأخرى: إن لم يكن بك سخط وأخرى إن لم يكن بك غضب، (عليّ فلا أَبالي) بما تصنع بي أعدائي وأقاربي من الإيذاء طلبًا المرضاتك ووثوقًا بما عندك، (غير أن عافيتك) وهي السلامة من البلايا والأسقام مصدر جاء على فاعله، (أوسع لي) فيه أن الدعاء بالعافية مطلوب محبوب ونحوه لا تمنوا لقاء العدوّ واسألوا اللَّه العافية، وهكذا عادة الأنبياء عليهم السّلام إنما يسألون بعد البلاء عنهم، (أعوذ بنور وجهك) أي: ذاتك، زاد الطبراني: الكريم، أي: الشريف والكريم يطلق على الشريف النافع الدائم نفعه، قال السهيلي: وأتى بالوجه إيذانًا بأن بغيته الرضا والقبول والإقبال؛ لأن من رضى عنك أقبل عليك بوجهه لا صلة للتأكيد؛ كما زعم من غلظ طبعه ولو قال بنورك لحسن ولكنه توصل إليه بما أودع قلبه من نوره، فتوسّل إلی نعمته بنعمته وإلى فضله ورحمته بفضله ورحمته، انتهى. (الذي) زاد الطبراني أضاءت له السموات والأرض و(أشرقت) بالبناء للفاعل، أي: أضاءت (له الظلمات) أي: أُزيلت، وعطفه عليه في رواية الطبراني مع أنه بمعناه؛ لأن اختلاف اللفظ سوغ العطف ولذا غاير في التعبير كراهة توالي لفظين بمعنى، ولم يسقطه للإطناب المطلوب في الدعاء، وضبط بعضهم أشرقت بالبناء للمفعول لقول الزمخشري في قراءة: وأشرقت الأرض بنور ربّها بالمفعول من شرقت بالضوء تشرق إذا امتلأت به مردود، فإنما هو ظاهر في الآية لا الحديث، إذ لا يظهر فيه امتلأت الظلمات بالضوء إلا بتعشّف، قال في الروض: النور هنا عبارة من الظهور وانكشاف الحقائق الإلهيّة وأشرقت الظلمات، أي: محالها وهي القلوب التي كانت فيها ظلمات الجهالات والشكوك فاستنارت بنور الله تعالى، قال: وقد تكون الظلمات هنا أيضًا ٦٥ ذكر الجن وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)). أورده ابن إسحق، ورواه الطبراني في كتاب الدعاء عن عبد الله بن جعفر قال: لما توفي أبو طالب، خرج النبي عَِّ ماشيًا إلى الطائف، المحسوسة وإشراقها دلالتها على خالقها وكذلك الأنوار المحسوسة الكل دالّ عليه فهو نور النور، أي: مظهره ومنور الظلمات، أي: جاعلها نورًا في حكم الدلالة عليه سبحانه، انتهى. والحمل على ما يشمل الحسي والمعنوي أولى، وإن أخرّه وقلّله، فيكون من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه أو عموم المجاز، ثم لا يشكل الحديث بأن المعروف أنه لا ظلمة في الملأ الأعلى؛ لأنه إنما هو به تعالى وله وما أحسن قول صاحب الحكم الكون كلّه ظلمة وإنما أناره ظهور الحقّ فيه، فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو قبله أو عنده أو بعده فقد أعوزه وجود الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار، انتهى. (وصلح) بفتح اللام وتضمّ استقام وانتظم، (عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحلّ) بكسر الحاء يجب وضمّها، أي: ينزل وبهما قرىء: ﴿فيحلّ عليكم غضبي﴾ [طه: ٨١]، (بي سخطك) أي: غضبك فهو من عطف الرديف مرفوعان فاعل ينزل، ويحلّ بالتحتية ومنصوبان على المفعولية لكن بالفوقية في الفعلين مضمومة مع كسر حاء تحل فقط، وأفاد بعضهم أن الوجهين رواية في لفظ الطبراني أن يحلّ عليّ غضبك أو ينزل عليّ سخطك. (ولك العتبى) بضم العين وألف مقصورة، أي: أطلب رضاك (حتى ترضى) قال في النهاية: استعتب طلب أن يرضى عنه، وقال الهروي: ويقال عتب عليه وجد فإذا فاوضه ما عتب عليه، قيل: عاتبه والاسم العتبى وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي المعاتب، انتهى. ولا يظهر تفسير الشامي العتبى بالرضا لركّة قولنا لك الرضا حتى ترضى. (ولا حول) أي: تحوّل عن المعاصي، (ولا قوّة) على فعل الطاعات (إلا بك) بتوفيقك واستعاذ بهما بعد الاستعاذة بذاته تعالى للإشارة إلى أنه لا توجد حركة ولا سكون في خير أو شر إلا بأمره تعالى التابع لمشيئته إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، (وأورده ابن إسحق) محمّد في السيرة بلفظ: فلمَّا اطمأنّ، قال فيما ذكر فساقه (ورواه الطبراني) سليمن بن أحمد بن أيوب (في كتاب الدعاء) وهو مجلد، وكذا رواه في معجمة الكبير (عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الصحابي ابن الصحابي، (قال) وهذا مرسل صحابي؛ لأنه ولد بالحبشة فلم يدرك ما حدث به لقوله: (لمَّا توفي أبو طالب خرج النبيّ عَّ له ماشيًا إلى الطائف) بلد معروف ستّي بذلك لأن رجلاً من حضرموت أصاب دمًا في قومه وفرّ إليه، فقال لهم: ألا أبني لكم ٦٦ ذكر الجن فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إليك أشكو. فذكره. وقوله: يتجهمني - بتقديم الجيم على الهاء - أي يلقاني بالغلظة والوجه الکریه. ثم دخل عليه السلام مكة في جوار المطعم بن عدي. حائطًا يطيف ببلدتكم، فبناه. أو لأن الطائف المذكور في القرءان وهو جبريل اقتلع الجنَّة التي كانت بصوران على فراسخ من صنعاء، فأصبحت كالصريم وهو الليل وأتى بها إلى مكّة فطاف بها ثم وضعها به فكان الماء والشجر بالطائف دون ما حولها؛ أو لغير ذلك أقوال. (فدعاهم إلى الإسلام) أو إلى نصره وعونه حتى يبلغ رسالة ربّه، (فلم يجيبوه) لا إلى الإسلام ولا إلى غيره، (فأتى ظلّ شجرة) من عنب، فعند ابن إسحق جلس إلى ظلّ حبلة بمهملة فموحّدة مفتوحة، قال السهيلي: وسكونها ليس بالمعروف، أي: كرمة اشتقّ اسمها من الحبل؛ لأنها تحبل بالعنب، ولذا فتح حمل الشجرة والنخلة فقيل: حمل بفتح الحاء تشبيهًا بحمل المرأة، وقد يقال حمل بكسرها تشبيهًا بالحمل على الظهر، انتهى. (فصلى ركعتين) قبل الدعاء ليكون أسرع إجابة وليزول غمّه وهمّه بمناجاة ربّه فيها، (ثم قال: اللّهمّ إليك أشكو ... فذكره،) بنحو ما أورده ابن إسحق، وقد بيّنا ألفاظه التي زادها ونقصها. (وقوله: يتجهمني بتقديم الجيم على الهاء) المشدّدة (أي: يلقاني بالغلظة والوجه الكريه) قاله في النهاية، وقال الزمخشري: وجه جهم غليظ وهو البائس الكريه ويوصف به الأسد وتجهمت الرجل وجهمته استقبلته بوجه كريه، وقيل: هو أن يغلظ له في القول ومن المجاز الدهر يتجهم الكرام، وتجهمه: أمله إذا لم يصبه، (ثم دخل عليه السّلام مكّة في جوار المطعم بن عدي) بعد أن أقام بنخلة أيّامًا، وقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وهم قد أخرجوك؟ فقال: ((يا زيد إن اللَّه جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن اللَّه مظهر دينه وناصر نبيّه))، ثمّ انتهى إلى حراء، وبعث عبد الله بن الأريقط إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف والحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه فدخل عَّله فبات عنده، فلما أصبح تسلّح المطعم هو وبنوه وهم ستّة أو سبعة، فقالوا له عَيْءٍ: طف، واحتبوا بحمائل سيوفهم بالمطاف، فقال أبو سفيان للمطعم: أمجير أم تابع، قال: بل مجير، قال: إذن لا تخفر قد أجرنا من أجرت، فقضى عَّه طوافه وانصرفوا معه إلى منزله، ذكر ابن إسحق هذه القصّة مبسوطة، وأوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل، لكن فيه أنه أمر أربعة من أولاده فلبسوا السلاح وقام كل واحد عند ركن من الكعبة، ٦٧ وقت الاسراء [وقت الإسراء] ولما كان في شهر ربيع الأول أسري بروحه وجسده يقظة من المسجد الحرام فقالت له قريش: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمّتك، ويمكن الجمع بأن الأربعة عند الأركان والمطعم وباقيهم في المطاف، قال في النور: وفي جواب سهيل والأخنس نظر؛ لأنهما لو لم يكونا ممن يجير لما سألهما النبيّ عَّه، كيف وعامر الذي هو جدّ سهيل وكعب أخوان ولدا لؤي، انتھی. قيل: ولذا قال عَّله في أسارى بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حيًّا ثم كلّمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له))، وقيل: لقيامه في نقض الصحيفة ولا مانع أنه لكليهما وسماهم نتنى لكفرهم؛ كما في النهاية وغيرها. وقول المصنّف: المراد قتلى بدر الذين صاروا جيفًا يردّه قول الحديث في أسارى بدر وهذا من شيمه عَّة الكريمة تذكر وقت النصر والظفر للمطعم هذا الجميل، ولم يذكر قوله صبح الإسراء كل أمرك كان قبل اليوم أمما هو يشهد أنك كاذب، وقد قال واصفه: لا يجزي بالسيّعة السيئة ولكن يعفو ويصفح، ولما مات المطعم قبل وقعة بدر رثاه حسان بن ثابت؛ كما سأذكره إن شاء اللّه في غزوتها، ولا ضير فيه؛ لأن الرثاء تعداد المحاسن بعد الموت، ولا ريب أن فعله مع المصطفى من أجلها، فلا مانع منه ومن ذكر نحو كرم أصله وشرفهم هذا، وذكر ابن الجوزي في دخوله عَّه في جوار كافر، وقوله في المواسم: ((من يؤويني حتى أُبّغ رسالة ربّي)، حكمتين، إحداهما: اختبار المبتلى، أي: معاملته معاملة من يختبر ليسكن قلبه إلى الرضا بالبلاء فيؤدي القلب ما كلّف به من ذلك، والثانية: أن بتّ الشبهة في خلال الحجج لثبات المجتهد في دفع الشبهة، انتهى. وقت الإسراء (ولمَّا كان في شهر ربيع الأول) أو الآخر أو رجب أو رمضان أو شوّال، أقوال خمسة (أسرى بروحه وجسده يقظة) لا منامًا مرة واحدة في ليلة واحدة عند جمهور المحدثين والفقهاء والمتكلّمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عنه، وقيل: وقع الإسراء والمعراج في مرّتين منامًا ويقظة، وقيل: الإسراء في ليلة، والمعراج في ليلة، وقيل: الإسراء يقظة والمعراج منام، وقيل: الخلاف في أنه يقظة أو منام خاص بالمعراج لا بالإسراء، وقيل: الإسراء مرّتان يقظة الأولى بلا معراج والثانية به، (من المسجد الحرام) عند البيت في الحطيم أو الحجر. ٦٨ وقت الاسراء إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سموات، ورأى ربه بعيني رأسه، وأوحى الله إليه ما أوحى، وفرض عليه الصلاة، ثم انصرف في ليلته إلى مكة. فأخبر بذلك، فصدقه الصديق، وكل من آمن بالله. وكذبه الكفار واستوصفوه مسجد بيت المقدس، فمثله الله له، وفي رواية: فرج سقف بيتي، وفي أخرى: أنه أسرى به من شعب أبي طالب، وفي أخرى: من بيت أمّ هانىء، وجمع الحافظ بأنه كان في بيت أُمّ هانىء وهو عند شعب أبي طالب ففرج سقف بيته وأضافه إليه، لأنه كان يسكنه فنزل منه الملك فأخرجه منه حتى أتى المسجد وبه أثر النعاس ثم أخرجه إلى باب المسجد فأركبه البراق، (إلى المسجد الأقصى) وصرّحت السنّة بأنه دخله، وإليه أشار بقوله: (ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سموات) إلى حيث شاء العليّ الأعلى (ورأى ربّه بعيني رأسه) على ما رجّحه جمع ونفتها عائشة وابن مسعود، ورجح في المفهم القول بالوقف وعزاه لجماعة من المحقّقين، وقول عائشة: ما فقدت جسده، إنما احتجّ به من قال إن الإسراء كان منامًا؛ كما سيأتي بسط ذلك للمصنف في مقصده. (وأوحى إليه ما أوحى) أبهم للتعظيم فلا يطّلع عليه بل يتعبّد بالإيمان به أو ﴿ألم يجدك يتيمًا فتاوى﴾ [الضحى: ٦] الآية، ألخ أو الجثة حرام على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أَمّتك أو تخصيصه بالكوثر أو الصلوات الخمس، أقوال. (وفرض عليه الصّلاة ثم انصرف في ليلته إلى مكّة، فأخبر بذلك) الناس مؤمنهم وكافرهم (فصدّقه الصدّيق) قيل: فلقّب بذلك يومئذ، (وكل من آمن بالله) تعالى إيمانًا قويًّا لا تعرض له الشكوك والأوهام فلا ينافي أنه ارتدّ كثيرًا استبعادًا للخبر (وكذّبه الكفّار) وزادوا عليه عتوًّا (واستوصفوه مسجد بيت المقدس) فسألوه عن أشياء لم يثبتها، قال عّلّهِ: ((فكربت كربًا شديدًا لم أكرب مثله قط))، ومن جملة الأشياء قولهم: كم للمسجد من باب، قال: ولم أكن عددتها، (فمثّله اللَّه له) وعند ابن سعد: ((فخيّل إليّ بيت المقدس وطفقت أخبرهم عن آیاته)، قال الحافظ: يحتمل أن المراد مثل قريبًا منه كما قيل في حديث: ((أَريت الجنّة والنار)). وفي البخاري: ((فجلّى اللَّه لي بيت المقدس)، أي: كشف الحجب بيني وبينه حتى رأيته ويحتمل أنه حمل حتى وضع حيث يراه ثم أُعيد، ففي حديث ابن عباس عند أحمد والبزار: ((فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع عند دار عقيل، فنعثّه وأنا أنظر إليه))، وهذا أبلغ في المعجزة ولا استحالة فيه فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين، انتهى ملخّصًا. ٦٩ وقت الاسراء فجعل ينظر إليه ويصفه. قال الزهري: وكان ذلك بعد المبعث بخمس سنين. حكاه عنه القاضي عياض، ورجحه القرطبي والنووي. واحتج: بأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث أو بخمس، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء. وتعقب: بأن موت خديجة بعد المبعث بعشر سنين على الصحيح في رمضان، وذلك قبل أن تفرض الصلاة. ويؤيده إطلاق حديث عائشة أن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلوات الخمس. ويلزم منه أن يكون موتها قبل الإسراء وهو المعتمد، وأما تردده في سنة وفاتها فيرده جزم عائشة بأنها ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين قاله الحافظ ابن حجر. (فجعل ينظر إليه ويصفه) فيطابق ما عندهم ولكن من يضلل اللَّه فما له من هاد، (قال الزهري) الأولى العطف بالواو؛ لأنه مقابل ما أفاده قوله في شهر ربيع الأول من أنه من سنة إحدى عشرة من المبعث؛ لأنه يرتّب الوقائع على السنين. (وكان ذلك) الإسراء (بعد المبعث) كذا في النسخ، والذي في الفتح عن الزهري قبل الهجرة (بخمس سنين) فيكون بعد المبعث بثمان؛ لأنه أقام بمكّة ثلاث عشرة سنة، اللَّهمّ إلاَّ أن يكون المصنّف ألغى مدّة الفترة على أنها ثلاث سنين وهذا إن أمكن به صحته لكن المنقول عن الزهري كما ترى خلافه (حكاه عنه القاضي عياض) ورجّحه كما في الفتح عنه. (و) كذا (رجّحه القرطبي والنووي) تبعًا لعياض ثلاثتهم في شرح مسلم (واحتجّ) عياض وتابعاه (بأنه لا خلاف أن خديجة صلّت معه بعض فرض الصلاة ولا خلاف أنها توفّيت قبل الهجرة، إمّا بثلاث أو بخمس ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء وتعقّب بأن موت خديجة بعد المبعث بعشر سنين على الصحيح في رمضان وذلك قبل أن تفرض الصّلاة) فبطل قولهم: صلّت معه الخمس اتّفاقًا (ويؤيّده) أي: الصحيح، (إطلاق حديث عائشة أن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلوات الخمس ويلزم منه أن يكون موتها قبل الإسراء وهو المعتمد، وأمَّا تردّده) أي: عياض وتابعيه (في سنة وفاتها) بقوله: إمّا بثلاث أو بخمس (فيردّه جزم عائشة) عند البخاري، (بأنها ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، قاله الحافظ ابن حجر) في فتح الباري، وقال فيه في باب المعراج في جميع ما نفاه أي: عياض وتابعاه من الخلاف نظر، أما أولاً فقد حكى العسكري أنها ماتت قبل الهجرة بسبع سنين، وقيل: بأربع، وعن ابن الأعرابي أنها ماتت عام ٧٠ وقت الاسراء وقيل: قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر، قاله السدي وأخرجه من طريقه الطبري والبيهقي، فعلى هذا كان في شوال. وقيل: كان في رجب. حكاه ابن عبد البر، وقَبْله ابن قتيبة، وبه جزم النووي في الروضة. وقيل: كان قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر، فعلى هذا يكون في ذي الحجة، وبه جزم ابن فارس. وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، ذكر ابن الأثير. الهجرة، وأمَّا ثانيًا فإن فرض الصلاة اختلف فيه، فقيل: كان من أوّل البعثة وكان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وأمَّا الذي فرض ليلة الإسراء، فالصلوات الخمس، وأمَّا ثالثًا: فقد جزمت عائشة بأن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلاة المكتوبة فالمعتمد أن مراد من قال بعد أن فرضت الصّلاة ما فرض قبل الصلوات الخمس إن ثبت ذلك، ومراد عائشة الصلوات الخمس، فيجمع بين القولين بذلك، ويلزم منه أنها ماتت قبل الإسراء، انتهى. (وقيل:) كان الإسراء (قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر، قاله السدي، وأخرجه من طريقه) أي: عنه، (الطبري) ابن جرير (والبيهقي، فعلى هذا كان في شوّال) لما يجيء أنه خرج إلى المدينة لهلال ربيع الأول وقدمها لاثنتي عشرة خلت منه، وقال الحافظ: فعلى هذا كان في رمضان أو شوّال على إلغاء الكسرين، (وقيل: كان في رجب حكاه) أبو عمر يوسف (بن عبد البرّ) النمري بفتحتين القرطبي الحافظ المشهور ساد أهل الزمان في الحفظ والاتقان ولد في ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة، ومات سنة ثلاث وستين وأربعمائة، مرّ بعض ترجمته. (و) حكاه (قبله) بسكون الباء ظرف أبو محمد عبد الله بن مسلم (بن قتيبة) الدينوري بفتح الدال وتكسر النحوي اللغوي مؤلّف أدب الكاتب وغيره ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة سبع وستّين ومائتين، (وبه جزم النووي في الروضة) تبعًا للرافعي وقيل: قبل الهجرة بسنة واحدة قاله ابن سعد وغيره، وبه جزم النووي وقاله ابن حزم وبالغ وادّعى فيه الإجماع قال الحافظ: وهو مردود، ففي ذلك خلاف يزيد على عشرة أقوال، (وقيل: قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر فعلى هذا يكون في ذي الحجّة) لما مرّ في خروجه من المدينة، (وبه جزم) أحمد (بن فارس) اللغوي أبو الحسين الرازي الإمام في علوم شتّى المالكي الفقيه غلب عليه علم النحو ولسان العرب فشهر به له مصنّفات وأشعار جيّدة مات سنة تسعين، وقيل: خمس وسبعين وثلاثمائة. (وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، ذكر ابن الأثير) وقيل: قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستّة ٧١ وقت الاسراء وقال الحربي: إنه كان في سابع عشري ربيع الآخر، وكذا قال النووي في فتاويه، لكن قال في شرح مسلم: في ربيع الأول. وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب، واختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي. وأما اليوم الذي يسفر عن ليلتها، فقيل الجمعة، وقيل السبت، أشهر، حكاهما ابن الجوزي، وقيل: بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البرّ (وقال:) إبراهيم بن إسحق (الحربي) نسبة إلى محلة الحربية ببغداد، البغدادي الحافظ شيخ الإسلام الإمام البارع في العلوم الزاهد، مات في ذي الحجّة سنة خمس وسبعين ومائتين، (أنه كان في سابع عشرى ربيع الآخر) قبل الهجرة بسنة واحدة، ورجّحه ابن المنير في شرح سيرة ابن عبد البرّ كذا نسبه للحربي جمع منهم الحافظ في الفتح، وابن دحية في الابتهاج، والذي نقله ابن دحية في التنوير والمعراج الصغير، وأبو شامة في الباعث، والحافظ في فضائل رجب عن الحربي ربيع الأوّل. (وكذا قال النووي في فتاويه) على ما في بعض نسخها (لكن قال في شرح مسلم) على ما في بعض نسخه (ربيع الأوّل) وفي أكثر نسخ الشرح ربيع الآخر والذي في النسخ المعتمدة من الفتاوى الأوّل، وهكذا نقله عنها الأسنوي والأذرعي والدميري، (وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب) وعليه عمل الناس، قال بعضهم: وهو الأقوى، فإن المسألة إذا كان فيها خلاف للسلف ولم يقم دليل على الترجيح واقترن العمل بأحد القولين أو الأقوال، وتلقى بالقبول فإن ذلك مما يغلب على الظن كونه راجحًا. (و)لذا (اختاره الحافظ عبد الغني) ابن عبد الواحد بن علي (بن سرور المقدسي) فنسبه لجد أبيه الحنبلي الإمام أوحد زمانه في الحديث والحفظ الزاهد العابد صاحب العمدة والكمال وغير ذلك، نزل مصر في آخر عمره وبها مات يوم الاثنين ثالث عشرى ربيع الآخر سنة ستمائة وله تسع وخمسون سنة، وقال ابن عطية بعد نقل الخلاف: والتحقيق أنه كان بعد شقّ الصحيفة، قبل بيعة العقبة، وقيل: كان قبل المبعث، قال الحافظ: وهو شاذّ إلا أن حمل على أنه وقع حينئذ في المنام. (وأمَّا اليوم الذي يسفر) بفتح الياء وكسر الفاء من سفرت الشمس: طلعت، (عن ليلتها) أي: الذي يطلع فجره بعد ليلتها وبضمها من أسفر الصبح إسفارًا أضاء، أي: الذي يضيء بعد ليلتها وعن بمعنى بعد عليهما، (فقيل) هو (الجمعة) أي: اليوم المسمى به، (وقيل:) هو (السبت) أي: يومه. ٧٢ ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار وعن ابن دحية: يكون إن شاء الله تعالى يوم الإثنين، ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة، فإن هذه أطوار الانتقالات: وجودًا ونبوة ومعراجًا وهجرة ووفاة. وستأتي إن شاء الله تعالى قصة الإسراء والمعراج وما فيهما من المباحث والله الموفق والمعين. [ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الأنصار] ولما أراد الله تعالى إظهار دينه وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له، خرج عَّةٍ في الموسم الذي لقي فيه الأنصار- الأوس والخزرج ... (وعن ابن دحية) الحافظ أبي الخطاب عمر بفتح الدال وكسرها نسبة إلى جده الأعلى دحية بن خليفة الكلبي الصحابي؛ لأنه كان يقول أنه من ولده، (يكون إن شاء اللّه تعالى يوم الاثنين ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة، فإن هذه أطوار الانتقالات وجودًا ونبوّة ومعراجًا وهجرة ووفاة) لكن في عدّه المعراج شىء؛ لأنه محل النزاع فكيف يستدلّ به؟ وحاصله؛ كما قال الشامي أنه استنبطه بمقدّمات حساب من تاريخ الهجرة وحاول موافقته لتلك الأطوار، وقال: يكون الاثنين في حقّه كالجمعة لآدم، (وستأتي إن شاء الله تعالى قصّة الإسراء والمعراج وما فيهما من المباحث) في المقصد الخامس، وإنما ذكر هنا زمن وقوعه مراعاة لالتزامه ترتيب الوقائع، (والله الموفق) للخير (والمعين) عليه لا غيره. ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الأنصار (ولمّا أراد اللَّه تعالى إظهار دينه) انتشاره بين الناس ودخولهم فيه، (وإعزاز نبيّه) تصييره عزيزًا معظّمًا عند جميع الناس، ومنع من يريده بسوء بعدما لقي من قومه، (وإنجاز موعده) تعالى (له) عَّةِ، أي: نصره على أعدائه، فهو تفسير لما قبله، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿ويأبى اللَّه إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣]، وفي الصحيح: ((إن اللَّه روى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أُمّتي ما روى لي منها). (خرج ◌َّة في الموسم) وكان في رجب كما في حديث جابر عند أصحاب السنن (الذي لقي فيه الأنصار) جمع ناصر كأصحاب وصاحب على تقدير حذف ألف ناصر لزيادتها، فهو ثلاثي يجمع على أفعال قياسًا، ويقال: جمع نصير كشريف وأشراف على القياس وجمعوا جمع قلّة وإن كانوا ألوفًا؛ لأن جمع القلّة والكثرة إنما يعتبران في نكرات الجموع. ٧٣ ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار فعرض عَِّ نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، أمّا في المعارف فلا فرق بينهما وتسميتهم بالأنصار حينئذ باعتبار المآل وإلا فهو اسم إسلامي لما فازوا به دون غيرهم من نصره عَّهِ وإيوائه ومن معه ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم. (الأوس والخزرج) بنصبهما على البدلية، وفي نسخة بواو عطف التفسير سموا باسم جدّيهما الأعليين الأوس والخزرج الأكبر، ولدى حارثة بن ثعلبة، قال السهيلي: الأوس في الأصل الذئب والعطية والخزرج الريح الباردة، وفي الصحاح الأوس العطية والذئب وبه سمّي الرجل، وفيه أيضًا الخزرج ريح، قال الفراء: الجنوب غير مجراة فلم يقّده بالباردة، وتبعه القاموس لكنه قال الأَوس إلإعطاء، وبينه وبين العطية التي عبّر بها فرق. (فعرض عَّهِ نفسه على قبائل العرب) بأمر اللَّه تعالى؛ كما في حديث عليّ الآتي، (كما كان يصنع في كل موسم) ذكر الواقدي أنه عَّهِ مكث ثلاث سنين مستخفيًا، ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين يوافي المواسم كل عام يتبع الحاجّ في منازلهم بعكاظ ومجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربّه، فلا يجد أحدًا ينصره ولا يجيبه حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة فيردّون عليه أقبح الردّ ويؤذونه، ويقولون: قومك أعلم بك، فكان ممن سمّى لنا من تلك القبائل بنو عامر بن صعصعة ومحارب وفزارة وغسان ومرّة وحنيفة وسليم وعبس وبنو نصر والبكاء وكندة وكعب والحرث بن كعب وعذرة والحضارمة، وذكر نحوه ابن إسحق بأسانيد متفرقة. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: كان قبل الهجرة يعرض نفسه على القبائل ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم إلا أن يؤوه ويمنعوه، ويقول: ((لا أكره أحدًا منكم بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالات ربّي))، فلا يقبله أحد بل يقولون: قوم الرجل أعلم به، وأخرج أحمد والبيهقي وصححه ابن حبان عن ربيعة بن عباد بكسر المهملة وخفّة الموحدة، قال: رأيت رسول اللَّه عَّ بسوق ذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله تعالى. وروى أحمد وأصحاب السنن وصحّحه الحاكم، عن جابر: كان عَّ يعرض نفسه على الناس بالموسم، فيقول: ((هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربّي))، فأتاه رجل من همدان فأجابه ثم خشي أن لا يتبعه قومه فجاء إليه، فقال: آتي قومي فأخبرهم ثم أتيك من العام المقبل، فانطلق الرجل وجاء وفد الأنصار في رجب. وأخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن عن ابن عباس: حدّثني عليّ بن أبي طالب، قال: لما أمر اللَّه نبيّه أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، وتقدّم أبو بكر وكان نشابة، فقال: من القوم؟ قالوا: ٧٤ ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار فبينما هو عند العقبة، لقي رهطًا من الخزرج، أراد الله بهم خيرًا، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرءان. و کان من صنع الله، أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب، وكان الأوس والخزرج أكثر منهم، فكانوا إذا كان بينهم شىء قالوا: إن نبيًا سيبعث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه. فلما كلمهم النبي عَّبعليه عرفوا النعت، فقال بعضهم لبعض: من ربيعة، قال: من أي ربيعة أنتم؟ قالوا: من ذهل، فذكر حديثًا طويلاً في مراجعتهم وتوقّفهم أخيرًا عن الإجابة، قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج وهم الذين سمّاهم رسول اللَّه عَّ. الأنصار لكونهم أجابوه إلى إيوائه ونصره، قال: فما نهضنا حتى بايعوا النبيّ عَّهِ. (فبينما هو عند العقبة) الأولى كما في ابن إسحق، أي: عقبة الجمرة كما جزم به غير واحد، واستظهره البرهان تبعًا للمحبّ الطبري إذ ليس ثم عقبة أظهر منها، ويجوز أن المراد بها المكان المرتفع عن يسار قاصد منى، ويعرف عند أهل مكّة بمسجد البيعة، وعليه فالمعنى في مكان قريب من العقبة، (لقي رهطًا) رجالاً دون عشرة (من الخزرج) لا ينافي قوله: أولاً الأوس والخزرج؛ لجواز أنه لقيهم من جملة القبائل قبل لقي أولئك الرهط من الخزرج، (أراد اللَّه بهم خيرًا) هو الهداية للدين القويم، (فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر) بفتحتين (من الخزرج) زاد ابن إسحق: قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم، يعني من حلفائهم؛ لأنهم كانوا تحالفوا على التناصر والتعاضد، (قال: أفلا تجلسون أكلمكم) بالجزم جواب الطلب وجازمه شرط مقدّر على الصحيح، ويجوز الرفع على الاستئناف، (قالوا: بلى) زاد في رواية: من أنت؟ فانتسب لهم وأخبرهم خبره، (فجلسوا معه) وفي رواية: وجدهم يحلقون رؤوسهم فجلس إليهم، (فدعاهم إلى اللَّه) وبيّن المراد منه بقوله: (وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرءان) أي: بعضه، (وكان من صنع اللَّه أن اليهود كانوا معهم) مع الأوس والخزرج (في بلادهم وكانوا أهل كتاب) وعلم وكانوا هم أصحاب شرك أصحاب أوثان وكانوا قد عزوهم ببلادهم؛ كما عند ابن إسحق (وكان الأوس والخزرج أكثر منهم، فكانوا إذا كان بينهم شىء،) من خصومة أو محاربة (قالوا) أي: اليهود (إن نبيًّا سيبعث) السين لتخليص الفعل عن وقت التكلّم فلا تنافي بينه وبين قوله: (الآن) أي: الزمان الذي فيه الحروب والمخالفة بينهم وإن امتدّ وأطلق اسم الآن عليه للعرف في مثله، ولفظ المصنّف هو ما في الفتح عن ابن إسحق، ولفظ العيون عنه أن نبيًّا مبعوث الآن (قد أظلّ) قرب (زمانه نتبعه فنقتلكم معه) قتل عاد وإرم؛ كما في ابن إسحق، أي: نستأصلکم، (فلمًّا كلّمهم النبيّ عَِّ عرفوا النعت) الوصف الذي كانوا يسمعونه قبل من اليهود، (فقال بعضهم لبعض) ٧٥ ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار لا تسبقنا اليهود إليه. فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، فأسلم منهم ستة نفر وكلهم من الخزرج وهم: أبو أمامة، أسعد بن زرارة. وعوف بن الحرث بن رفاعة، وهو ابن عفراء. ورافع بن لملك بن العجلان. بادروا لاتّباعه (لا تسبقنا اليهود إليه) وفي رواية: فلمَّا سمعوا قوله أيقنوا به واطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا منه وعرفوا ما كانوا يسمعون من صفته، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلّموا واللَّه إنه للنبيّ الذي توعدكم به اليهود فلا يسبقونكم إليه، (فأجابوه إلى ما دعاهم إليه وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام) وكانوا من أسباب الخير الذي سبب له عَّه، (فأسلم منهم ستّة نفر) وقيل: ثمانية، ذكره غير واحد (وكلّهم من الخزرج) أتى به مع علمه من قوله: لقي رهطًا من الخزرج لما قد يتوهم أنه انضمّ إليهم وقت الإسلام بعض الأوس، أو لدفع توهم التغليب لما جرت به عادتهم من تغليب الخزرج على الأوس والخزرج معًا، قال شيخنا البابلي: ولم يعكس ذلك فرارًا من إشعار لفظ الأوس بالدم؛ لأنه معناه لغة الذئب ولزجر البقر والمعز بخلاف لفظ الخزرج، فإنما يشعر بالمدح لأنه الريح أو الريح الباردة. (وهم أبو أمامة أسعد) بألف قبل السين الساكنة (ابن زرارة) بضم الزاي النجاري شهد العقبات الثلاث، وكان أوّل من صلّى الجمعة على قول، وأوّل من مات من الصحابة بعد الهجرة، وأوّل ميّت صلّى عليه النبيّ عَّه هذا قول الأنصار، أمَّا المهاجرون، فقالوا: أُوّل ميت صلّى عليه عثمان بن مظعون، رواه الواقدي. قال في الإصابة: واتّفق أهل المغازي والأخبار على أن أسعد مات في حياته عَّهِ بالمدينة سنة إحدى من الهجرة في شوّال. (وعوف بن الحرث بن رفاعة) بكسر الراء وبالفاء النجاري استشهد بيدر، (وهو ابن عفراء) بنت عيد النجارية الصحابية وهي أمّ معاذ ومعوّذ وإليها ينسبون، (ورافع بن ملك بن العجلان) ضد المتاني الزرقي بزاي فراء فقاف العقبي اختلف في شهوده بدرًا، قال ابن إسحق: هو أوّل من قدم المدينة بسورة يوسف. وروى الزبير بن بكار عن عمر بن حنظلة أن مسجد بني زريق أوّل مسجد قرىء فيه القرءان، وأن رافع بن ملك لما لقيه عَّ بالعقبة أعطاه ما أنزل عليه في العشر سنين التي خلت، فقدم به رافع المدينة ثم جمع قومه فقرأ عليهم في موضعه، قال: وتعجّب عٍَّ من اعتدال قبلته، ٧٦ ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار وقطبة بن عامر بن حديدة وعقبة بن عامر بن نابي. وجابر بن عبد الله بن رئاب، وليس بجابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام. استشهد بأُحد، (وقطبة) بضم القاف وسكون المهملة (ابن عامر بن جديدة) بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين، أبو الوليد السلمي، حضر العقبات الثلاث وبدرًا والمشاهد، قال أبو حاتم: مات في خلافة عمر، وقال ابن حبان: في خلافة عثمن. (وعقبة) بضم العين وسكون القاف (ابن عامر بن نابي) بنون فألف فموحّدة منقوص كالقاضي، قال ابن دريد: من نبا ينبو إذا ارتفع؛ كما في النور، وفي سبل الرشاد بنون فألف فموحّدة فتحتيّة، السلمي حضر بدرًا وسائر المشاهد واستشهد باليمامة، (وجابر بن عبد الله بن رياب) بكسر الراء فتحتية خفيفة فألف فموحّدة ضبطه ابن ماكولا وغيره، ابن النعلمن بن سنان السلمي شهد بدرًا وما بعدها، له حديث عند الكلبي عن أبي صالح عنه رفعه في قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد: ٣٩]، قال: يمحو من الرزق، قال ابن عبد البرّ: لا أعلم له غيره، وردّه في الإصابة بأن البغوي وابن السكن وغيرهما رووا عنه: أنه عَّه قال: ((مرّ بي ميكائيل في نفر من الملائكة)) الحديث، قال البغوي: لا أعرف له غيره، وهو مردود أيضًا بالحديث قبله، وبأن البخاري في التاريخ روى عنه قصة أبي ياسر بن أخطب والأحاديث الثلاثة طرقها ضعيفة، انتهى ملخّصًا. (وليس) جابر هذا (بجابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام) بفتح المهملة الأنصاري الصحابي بن الصحابي، وجابر بن عبد اللَّه في الصحابة خمسة، الثالث جابر بن عبد اللَّه العبدي من عبد القيس، الرابع: جابر بن عبد اللَّه الراسبي نزل البصرة، روى ابن منده عنه رفعه: ((من عفا عن قاتله دخل الجنَّة)، قال ابن منده: غريب إن كان محفوظًا. وقال أبو نعيم: قوله الراسبي وهم، إنما هو الأنصاري. الخامس: جابر بن عبد اللَّه الأنصاري استصغره النبيّ عێ يوم أحد فردّه وليس بالذي یروی عنه الحديث، رواه ابن سعد عن زيد بن لحرثة وذكره الطبري وكذا اليعمري في المغازي كما في الإصابة، فقصر البرهان في قوله: إنهم أربعة، فترك الخامس مع أن ممن ذكره اليعمري الذي حشاه هو ونبّه على أنه غير راوي الحديث، لكن البرهان قال في غزوة أحد: هو إمّا الراسبي أو العبدي، انتهى. وفيه نظر للتصريح بأنه أنصاري وأيضًا فالعبدي من وفد عبد القيس وإنما وفدوا سنة تسع ولهم قدمة قبلها سنة خمس، وأُحد سنة ثلاث باتّفاق. وقوله أيضًا: لا أعلم رواية لغير جابر بن عبد الله بن عمرو تقصير، فقد علمت أن لابن رياب ثلاثة أحاديث وكذا العبدي، فقد روى أحمد ٧٧ ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار ومن أهل العلم بالسير، من يجعل فيهم عبادة بن الصامت، ويسقط جابر بن رئاب. فقال لهم النبي معَّه: تمنعون ظهري حتى أبلغ رسالة ربي. فقالوا: يا رسول الله، إنما كانت بعاث أول عام أوّل، يوم من أيامنا، اقتتلنا به، والبغوي عنه، قال: كنت في وفد عبد القيس مع أبي فنهاهم عَّه عن الشرب في الأوعية ... الحدیث. (ومن أهل العلم بالسير) كما قال أبو عمر (من يجعل فيهم عبادة بن الصامت) أبا الوليد البدري وحضر سائر المشاهد، مات بفلسطين ودفن ببيت المقدس عن الأشهر، وقيل: بالرملة سنة أربع وثلاثين، وحكى ابن سعد أنه بقي إلى خلافة مطوية وأُمّه قرة العين بنت عبادة أسلمت وبايعت. (ويسقط جابر بن رياب) نسبة لجدّه كما علم، ولكن الأوّل قول ابن إسحق وتبعه جماعة وبه صدر في الفتح، ثم قال: وقال موسى بن عقبة عن الزهري وأبو الأسود عن عروة هم أسعد ورافع ومعاذ ابن عفراء، ويزيد ابن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة، ويقال كان فيهم عبادة بن الصامت وذكوان، انتهى. واختلف في أوّل الأنصار إسلامًا، فقال ابن الكلبي وغيره: أوّلهم رافع بن ملك، وقال ابن عبد البرّ: جابر بن عبد الله بن رياب، وقال مغلطاي: لما ذكر ابتداء إسلام الأنصار فأسلم منهم أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس، فلمّا كان من العام المقبل في رجب أسلم منهم ستّة، وقيل: ثمانية فذكرهم، انتهى. ويمكن الجمع بأن أسعد ما أظهره إلا مع الخمسة أو السبعة المذكورين معه وإن رافعًا وابن رياب أوّل من أظهره من السّة. (فقال لهم النبيّ عَّهُ: ((تمنعون ظهري حتى أَبّغ رسالة ربّي)، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنما كانت بعاث) بضم الموحدة، وحكى القزاز فتحها وتخفيف المهملة فألف فمثلثة، وذكر الأزهري أن الليث صحّفه عن الخليل بغين معجمة، وذكر عياض أن الأصيلي رواه بالمهملة والمعجمة، وأن رواية أبي ذرّ بالمعجمة فقط، ويقال: إن أبا عبيدة ذكره بالمعجمة أيضًا وهو مكان، ويقال: حصن، ويقال: مزرعة عند بني قريظة على ميلين من المدينة كانت به وقعة بين الأوس والخزرج قتل فيها كثير منهم وكان رئيس الأوس حضير والد أُسيد الصحابي، ويقال له رئيس الكتّاب، ورئيس الخزرج عمرو بن النعمان البياضي وقتلا يومئذ وكان النصر فيها أوّلاً للخزرج، ثم ثبتهم حضير فرجعوا وانتصرت الأوس، ذكره الفتح، قال في المطالع: يجوز صرف بعاث وتركه. قال العيني: إذا كان اسم يوم صرف وإذا كان اسم بقعة منع للتأنيث والعلمية، انتهى. (أول عام أوّل) بالإضافة ومنعه ابن السكيت وأجازه غيره كالعام الأوّل، وهو (يوم من أيّامنا اقتتلنا به) ذكر أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني أن سبب ذلك أنه كان من قاعدتهم أن الأصيل ٧٨ ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار فإن تقدم ونحن كذلك لا يكون لنا عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا، لعل الله أن يصلح ذات بيننا، وندعوهم إلى ما دعوتنا، فعسى الله أن يجمعهم عليك، فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك، وموعدك الموسم العام القابل. وانصرفوا إلى المدينة. ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله عَ لّم لا يقتل بالحليف، فقتل أوسي حليفًا للخزرج فأرادوا أنه يقتدوه فامتنعت فوقعت الحرب بينهم لأجل ذلك فقتل فيها من أكابرهم من كان لا يؤمن، أي: لا يتكبّر ويأنف أن يدخل في الإسلام حتى لا يكون تحت حكم غيره، وإلى ذلك أشارت عائشة رضي اللَّه عنها، بقولها في الصحيح: كان يوم بعاث يومًا قدمه اللَّه لرسوله عَّله، فقدم رسول اللَّه وقد افترق ملؤهمٍ وقتلت سرواتهم وجرحوا، قال الحافظ: وقد كان بقي منهم من هذا النحو عبد الله بن أبي ابن سلول وكانت هذه الوقعة قبل الهجرة بخمس سنين على الأصح، وقيل: بأربعين سنة، وقيل بأكثر. (فإن تقدم ونحن كذلك لا يكون لنا عليك اجتماع فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعلّ الله أن يصلح ذات بيننا) وقد فعل كما أشار إليه عَظله يوم خطبهم، بقوله: ((ألم أجدكم ضلالاً فهداكم اللَّه بي، وكنتم متفرّقين فألّفكم الله بي))، (وندعوهم) أي: عشائرنا، (إلى ما دعوتنا فعسى الله أن يجمعهم عليك فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتّبعوك فلا أحد) بالنصب اسم لا النافية للجنس، (أعزّ منك) بالرفع خبرها وهو أظهر من رفع أحد ونصب أعزّ على أنها نافية للوحدة لإفادة النافية للجنس التنصيص على العموم. وموعدك الموسم العام المقبل وانصرفوا إلى المدينة، ولم يبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول اللَّه عَّة) لتحدّثهم بما علموا منه فظهر وانتشر، (فلمَّا كان العام المقبل لقيه اثنا عشر رجلاً، وفي الإكليل) اسم كتاب للحاكم بكسر الهمزة وسكون الكاف وهو في الأصل؛ كما في الفتح العصابة التي تحيط بالرأس وأكثر استعماله إذا كانت العصابة مكلّلة بالجوهر، وهي من سمات ملوك الفرس، وقيل: أصله ما أحاط بالظفر من اللحم ثم أطلق على كل ما أحاط بشىء ما. ٧٩ ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار فلما كان العام المقبل لقيه اثنا عشر رجلاً - وفي الإكليل: أحد عشر - وهي العقبة الثانية، فأسلموا فيهم خمسة من الستة المذكورين، وهم: أبو أمامة. وعوف بن عفراء، ورفع بن ملك وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، ولم يكن جابر بن عبد الله بن رياب لم يحضرها. والسبعة تتمة الاثني عشر هم: معاذ بن الحرث بن رفاعة، وهو ابن عفراء أخو عوف المذكور. وذكوان بن عبد قيس الزرقي، وقيل إنه رحل إلى رسول الله عَّه إلى مكة فسكنها معه، فهو مهاجري أنصاري قتل يوم أحد. (أحد عشر وهي العقبة الثانية) وعدها أولى ابن إسحق وغيره باعتبار المبايعة أو بالنسبة للثالثة؛ كما في نحو: ادخلوا الأوّل فالأوّل فسمّى غير الأوّل أوّلا بالنسبة لمن بعده، (فأسلموا فيهم خمسة من السّة المذكورين) في الأولى (وهم أبو أمامة) أسعد بن زرارة (وعوف بن عفراء ورافع بن ملك وقطبة بن عامر بن حديدة وعقبة بن عامر بن نابي ولم يكن منهم جابر بن عبد الله بن رياب لم يحضرها) صفة لازمة لمجرد التأكيد (والسبعة تتمة الأثني عشر وهم معاذ بن الحرث بن رفاعة) كما في العيون وأقرّه البرهان وبه جزم في الإصابة، وأبدل الشامي معاذًا بأخيه معوّذ وضبطه بصيغة اسم الفاعل ولكن لم يذكر ذلك في الإصابة في ترجمة معوّذ، (وهو) أي: معاذ المشهور بأنه (ابن عفراء) أَمّه (أخو عوف المذكور) وأخو معوّذ أيضًا الثلاثة أشقاء وأخوتهم لأَمّهم إياس وعاقل وخالد وعامر بنو البكير الليثي وشهد السبعة بدرًا وهل جرح معاذ بأحد فمات بالمدينة من جراحته أو شهد جميع المشاهد، ومات في خلافة عثمن أو في خلافة علي أقوال حكاها أبو عمر. قال ابن الأثير: وزعم ابن الكلبي أنه استشهد ببدر لم يوافق عليه، (وذكوان) بفتح المعجمة وإسكان الكاف، (ابن عبد قيس) البدري (الزرقي) بتقديم الزاي المضمومة على الراء، وكذا كل ما في نسب الأنصار، قاله ابن ماكولا وغيره نسبة إلى جده زريق الخزرجي يكنى أبا اليسع. (وقيل: إنه رحل إلى رسول اللَّه عَّل إلى مكّة فسكنها معه، فهو مهاجري أنصاري) وبه جزم أبو عمر وتبعه الذهبي وروى الواقدي عن حبيب بن عبد الرحمن، قال: خرج أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس إلى عتبة بن ربيعة بمكّة فسمعا برسول اللَّه عَّ له فأتياه فأسلما ولم يقربا عتبة وكانا أوّل من قدم المدينة بالإسلام، (قتل يوم أحد) قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق فشدّ عليّ رضي اللَّه عنه على أبي الحكم فقتله، وقال عَّ: ((من أحبّ أن ينظر إلى رجل يطأ بقدمه غدًا خضرة الجنَّة، فلينظر إلى هذا))، رواه ابن المبارك. ٨٠ ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار وعبادة بن الصامت بن قيس. وأبو عبد الرحمن، يزيد بن ثعلبة البلوي. والعباس بن عبادة بن نضلة. وهؤلاء من الخزرج، ومن الأوس رجلان: أبو الهيثم بن التيهان، من بني عبد الأشهل. (وعبادة) بمهملة مضمومة فموحّدة (ابن الصامت بن قيس) بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن الخزرج، (وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة) بن خزمة بفتح المعجمتين ضبطه الدراقطني كالطبري، وقال ابن إسحق والكلبي بسكون الزاي ابن أصرم بن عمرو بن عمارة بفتح العين وشدّ الميم ابن لملك بن فران بفتح الفاء وتخفيف الراء وتشديدها، ويقال فيه أيضًا فاران بن بلى، (البلوى) بفتحتين نسبة إلى جدّه: بلى هذا حليف الخزرج، ذكر ابن إسحق أنه شهد العقبة الثانية، وقال الطبري شهد العقبتين، (والعباس بن عبادة بن نضلة) بنون مفتوحة وضاد معجمة ابن ملك بن العجلان، روى ابن إسحق أنه قال: إنكم تأخذون محمّدًا على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذ أنهكتكم الحرب أسلمتموه، فمن الآن فاتركوه وإن صبرتم على ذلك فخذوه، قال عاصم بن عمر: والله ما قال ذلك إلا ليشدّ العقد، وقال عبد اللّه بن أبي بكر لحضور ابن سلول: وأقام العباس بمكّة حتى هاجر معه مَّه فكان أنصارًّا مهاجرًّا واستشهد بأحد، (وهؤلاء من الخزرج ومن الأوس رجلان أبو الهيثم) ملك، ويقال: عبد اللَّه (ابن التيهان) بفتح الفوقية فتحتية مخففة عند أهل الحجاز مشدّدة عند غيرهم، قال السهيلي: واسمه أيضًا لملك، لكن في الإصابة: يقال التيهان لقب واسمه لملك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعوراء الأنصاري الأوسي، وزعوراء أخو عبد الأشهل شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلّها وشهد صفّين مع عليّ في قول الأكثر، ويقال: قتل بها سنة سبع وثلاثين، ويقال: مات سنة عشرين، ويقال: سنة إحدى وعشرين، قال أبو أحمد الحاكم: ولعلّها أصوب، وقد قال الواقدي: لم أرّ من يعرف أنه قتل بصفين ولا يثبته، وقيل: مات في حياة النبيّ عَةٍ، قال أبو عمر: هذا لم يتابع عليه قائله، انتهى ملخّصًا. (من بني عبد الأشهل) على حذف مضاف، أي: بني أخي عبد الأشهل، وفي الاستيعاب: حليف بني عبد الأشهل، ونسبه أوسيًّا، قال السهيلي: وأنشد فيه ابن رواحة: فلم أرَ كالإسلام عزَّا لأهله ولا مثل أضياف الأراشي معشرا فجعله أراشيًا نسبة إلى أرأشة في خزاعة، وإلى أراش بن لحيان بن الغوث، وقيل: إنه بلوي من بني أرأشة بن فاران بن بلى والهيثم لغة العقاب وضرب من العشب، وبه أو بالأوّل ستي