Indexed OCR Text
Pages 1-20
شِرَحُ الْغِلَامَةِ الرََّقَانِى المتوفى سنة ١١٢٢ هـ. اعلى المواهب اللذيّة بالمخ المحمديّة للعَلَّامَة القسطَلاني المتوفى سنة ٩٢٣ هـ. ضَبَطَرَ وَحُجَحْهُ محمد عبد العزيز الخالدي الجزء الثاني دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا" أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر. أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً". Copyright C All rights reserved Exclusive rights by DAR al-KOTOB al- ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. الطّبعَة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ مـ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت العنوان تلفون وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١ ) .. صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان DAR al-KOTOB al-ILMIYAH Beirut - Lebanon Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore. Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98 P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon بِ الله ◌ِلَ الْشَ [إسلام الفاروق] وأسلم عمر بن الخطاب بعد حمزة بثلاثة أيام فيما قاله أبو نعيم بدعوته عَّهِ: اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب إسلام عمر الفاروق (وأسلم عمر بن الخطاب) بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بكسر الراء وتحتيّة، وقيل: بكسرها وموحدة، وهو بعيد ابن عبد الله بن قرط بضم القاف وإسكان الراء وطاء مهملة، ابن رزاح بفتح الراء والزاي، كما قاله الدارقطني وابن ماكولا وخلق، وقيل: بكسر الراء ابن عديّ بن كعب بن لؤيّ بن غالب يجتمع مع النبيّ عَّ في كعب، قال في الفتح: وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت بواحد فبين المصطفى وكعب سبعة آباء، وبينه وبين عمر ثمانية، قال ابن إسحق: أسلم عقب الهجرة الأولى إلى الحبشة، وذكر ابن سعد عن ابن المسيّب في ذي الحجّة سنة ستّ من المبعث، وحكى عليه ابن الجوزي في بعض كتبه الاتّفاق لكنه قال في التلقيح: سنة ستّ، وقيل: سنة خمس. (بعد حمزة بثلاثة أيام) لا أُشهر کما قیل، (فیما قاله أبو نعيم) لأنه قد رواه عن ابن عباس، قال: سألت عمر عن إسلامه، قال: خرجت بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام فذكر القصّة وهو موافق لما حكاه ابن سعد. أمَّا على قول ابن إسحق: فلا يجيء لأن الهجرة في الخامسة وإسلام حمزة في السادسة، كما أنه لا يأتي على القول بأن إسلام حمزة في الثانية بالنون (بدعوته عَّ) كما رواه الترمذي عن ابن عباس: أن النبيّ عَِّ قال: ((اللَّهمّ أعزّ الإسلام بأبي جهل) بن هشام (أو بعمر بن الخطّاب)))) قال: فأصبح فغدا عمر على رسول اللَّه عَّله فأسلم، ورواه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح. وابن سعد والبيهقي عن ابن عمر، رفعه بلفظ: ((اللَّهمّ أعزّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطّاب))، صحّحه ابن حبان. ورواه أبو نعيم من وجه آخر عن ابن عمر، قال: قال عَّهِ: ((اللَّهمّ أعزّ الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر أو بأبي جهل))، وأخرجه خيثمة في فضل الصحابة من حديث عليّ به، والحاكم عن ابن مسعود بلفظ: أيّد بدل أعزّ، والبغوي من ربيعة السعدي وابن سعد من مرسل ابن المسيّب وغيرهم، الجميع بلفظ: أبي جهل. وفي حديث خباب عند البزار مرفوعًا: «اللَّهمّ أيّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو ٤ اسلام الفاروق وكان المسلمون إذ ذاك بضعة وأربعين رجلاً، وإحدى عشرة امرأة. و کان سبب إسلامهـ فیما ذكره أسامة بن زيد عن أبيه عن جده عن ... بعمر بن الخطاب))، فيمكن أنه قال هذا مرة وهذا أخرى، ودعوى أن بأبي جهل رواية بالمعنى لا تصحّ؛ لأنها ردّ للروايات المتعدّدة الطرق لرواية واحدة. وأخرج الحاكم وصححه عن نافع عن ابن عمر عن ابن عباس رفعه: ((اللَّهمّ أيّد الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة»، وأخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي من حديث عائشة وجمع ابن عساكر بأنه عَّ دعا بالأوّل أولاً، فلمَّا أوحى إليه أن أبا جهل لن يسلم خصّ عمر بدعائه، انتهى. ثم بحديث عائشة هذا الصحيح يردّ ما نقل عن الدارقطني أن عائشة قالت: إنما قال عَّهِ: ((اللَّهمّ أعزّ عمر بالإِسلام)؛ لأن الإسلام يعزّ ولا يُعَزّ. وقد قال السخاوي: ما زعمه أبو بكر التاريخي أن عكرمة سئل عن قوله: ((اللّهمّ أيّد الإسلام))، فقال: معاذ الله دين الإسلام أعزّ من ذلك، ولكنه قال: ((اللّهمّ أعزّ عمر بالدين، أو أبا جهل))، فأحسبه غیر صحیح، انتهى. وفي الدرّ قد اشتهر هذا الحديث الآن على الألسنة، بلفظ: ((بأحب العمرين))، ولا أصل له في شىء من طرق الحديث بعد الفحص البالغ. (وكان المسلمون إذ ذاك بضعة) بكسر الباء وقد تفتح من ثلاثة إلى سبعة ولا تستعمل فيما زاد على عشرين إلا عند بعض المشايخ، كما في المصباح. (وأربعين رجلاً) كما قاله السهيلي، وزاد: (وإحدى عشرة امرأة(،) لكنه مخالف لقول فتح الباري في مناقب عمر: روى ابن أبي خيثمة عن عمر: لقد رأيتني وما أسلم مع رسول اللَّه عَّهِ إلا تسعة وثلاثون، فكمّلتهم أربعين فأظهر اللَّه دينه وأعزّ الإسلام. وروى البزار نحوه من حديث ابن عباس، وقال فيه: فنزل جبريل، فقال: أيّها النبيّ حسبك اللَّه ومن اتبعك من المؤمنين، انتهى. اللّهمّ إلاّ أن يكون عمر لم يطلع على الزائد؛ لأن غالب من أسلم كان يخفيه خوفًا من المشركين لا سيّما وقد كان عمر عليهم شديدًا، فلذا أطلق أنه كمّلهم أربعين، ولم يذكر النساء؛ لأنه لا إعزاز بهنّ لضعفهن. (وكان سبب إسلامه فيما ذكره أسامة بن زيد) بن أسلم العدوي مولاهم المدني ضعيف من قبل حفظه ماتٍ في خلافة المنصور وروى له ابن ماجه (عن أبيه) زيد بن أسلم العدوي مولاهم المدني أبو أسامة أو أبو عبد اللَّه الفقيه العالم المفسّر الثقة الحافظ التابعي المتوفى سنة ستّ وثلاثين ومائة. روى له الستّة، (عن جدّه) أسلم مولى عمر اشتراه سنة إحدى عشرة كنيته أبو خالد، ويقال: أبو زيد التابعي الكبير، قيل: إنه من سبي عين النمر، وقيل: حبشي روى عن مولاه والصدّيق ومعاذ، قال أبو زرعة: ثقة مات سنة ثمانين وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة، أخرج له الجماعة (عن ٥ اسلام الفاروق عمر- أنه قال: بلغني إسلام أختي، فدخلت عليها، فقلت يا عدوة نفسها، قد بلغني عنك أنك صبوت، ثم ضربتها، فسال الدم، فلما رأت الدم بكت وقالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلاً فافعل فقد أسلمت. قال: فدخلت وأنا مغضب، فإذا كتاب في ناحية عمر، أنه قال: بلغني) من نعيم بن عبد اللَّه النجام القرشي الصحابي؛ كما في رواية ابن إسحق، وجزم به ابن بشكوال، وقال: إن في كلام أبي القسم البغوي شاهده أو من سعد بن أبي وقاص؛ كما في الصفوة ويحتمل أن يكونا معًا بلغاه ذلك في سيره مريدًا قتل النبيّ، كما اتّفق مع قريش على ذلك (إسلام أُختي) فاطمة عند الأكثر، وقيل: أميمة، حكاه الدارقطني قال في الإصابة: فكأن اسمها فاطمة ولقبها أُميمة وكنيتها أُمّ جميل، وقيل: اسمها رملة لها حديث أخرجه الواقدي عن فاطمة بنت الخطاب أنها سمعت رسول اللَّه عّ لّه يقول: ((لا تزال أُمتي بخير ما لم يظهر فيهم حب الدنيا في علماء فساق وقرّاء جهال، وجورة فإذا ظهرت خشيت أن يعمّهم اللَّه بعقاب)). وحذف المصنّف صدر حديث أسلم، فلفظه: قال لنا عمر: أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدوّ إسلامي؟ قلنا: نعم، قال: كنت من أشدّ الناس على رسول اللَّه عَّله، فبينا أنا في يوم حار شديد الحرّ بالهاجرة في بعض طرق مكّة، إذ لقيني رجل من قريش، فقال: أين تذهب؟ إنك تزعم أنك هكذا وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك، قلت: وما ذاك؟ قال: أُختك قد صبأت، فرجعت مغضبًا وقد كان عٍَّ يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوّة فيكونان معه ويصيبان من طعامه، وقد ضمّ إلى زوج أختي رجلين، فجئت حتى قرعت الباب، فقيل: من هذا؟ قلت: ابن الخطّاب، قال: وكان القوم جلوسًا يقرأون صحيفة معهم فلما سمعوا صوتي تبادروا واختفوا، أو قال: نسوا الصحيفة من أيديهم، فقامت المرأة ففتحت لي (فدخلت عليها، فقلت: يا عدوة نفسها، قد بلغني عنك أنك صبوت) أي: خرجت من دينك (ثم ضربتها) وفي الصفوة: فوثب عمر على ختنه سعيد بن زيد وبطش بلحيته وضرب به الأرض وجلس على صدره، فجاءته أُخته لتكفّه عن زوجها فلطمها لطمة شجّ بها وجهها، (فسال الدم، فلما رأت الدم بكت) وغضبت (وقالت) زاد في الصفوة: أتضربني يا عدوّ اللَّه على أن أوحّد اللَّه، لقد أسلمنا على رغم أنفك، (يا ابن الخطاب، ما كنت فاعلاً فافعل فقد أسلمت). وفي رواية ابن عباس عن عمر عند ابن عساكر والبيهقي: فوجدت همهمة فدخلت فقلت: ما هذا؟ فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربته وأدميته، فقامت إليّ أختي فأخذت برأسي، وقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك، فاستحييت حين رأيت الدماء (قال: فدخلت وأنا مغضب) زاد في الرواية: فجلست على السرير فنظرت (فإذا كتاب في ناحية) جانب من جوانب ٦ اسلام الفاروق البيت، فإذا فيه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت ورميت بالصحيفة من يدي، ثم رجعت فإذا فيها ﴿سبح لله ما في السموات والأرض﴾ حتى بلغت ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ [الحديد/٧] فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. (البيت) أسقط من رواية أسلم: فقلت: ما هذا الكتاب؟ أعطينيه، فقالت: لا أُعطيكه، لست من أهله أنت لا تغتسل من الجنابة ولا تطهّر، وهذا لا يمسّه إلا المطهّرون، قال: فلم أزل بها حتى أعطتنيه. وفي الصفوة: قال: أعطوني هذا الكتاب اقرأوه، وكان عمر يقرأ الكتب، قالت أُخته: لا أفعل، قال: ويحك وقع في قلبي مما قلت، فأعطينيها أنظر إليها وأُعطيك من المواثيق أن لا أخونك حتى تحوزها حيث شئت، قالت: إنك رجس، فانطلق فاغتسل أو توضأ فإنه كتاب لا يمسّه إلا المطهّرون فخرج ليغتسل، فخرج خباب، فقال: أتدفعين كتاب اللَّه إلى كافر، قالت: نعم، إني أرجو أن يهدي الله أخي، فدخل خباب البيت وجاء عمر فدفعته إليه (فإذا فيه: ﴿بسم اللَّه الرحمن الرحيم﴾، فلمَّا مررت بالرحمن الرحيم ذعرت) بضم الذال المعجمة وكسر المهملة أفزعت، زاد في رواية البزار: فجعلت أفكر من أيّ شيء اشتقّ (ورميت بالصحيفة من يدي، ثم رجعت) لفظ الرواية: ثم رجعت إلى نفسي، أي: فأخذت الصحيفة (فإذا فيها: ﴿سبّح للَّه ما في السموات والأرض﴾ [الحديد: ١]،) زاد البزار: فجعلت أقرأ وأُفكّر (حتى بلغت ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ [الحديد: ٧]) هذا لفظ رواية البزار كما في الروض. ولفظ رواية غيره: فإذا فيها ﴿سبّح للَّه ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ [الحديد: ١]، فكلّما مررت باسم من أسماء الله ذعرت ثم ترجع إليّ نفسي، حتى بلغت ﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ [الحديد: ٧] إلى قوله تعالي: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ [الحديد: ٨]، (فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمّدًا رسول اللّه). وفي رواية ابن عساكر وأبي نعيم عن ابن عباس والدراقطني عن أنس كلاهما عن عمر، فقلت: أروني هذا الكتاب، فقالوا: إنه لا يمسّه إلا المطهّرون، فقمت فاغتسلت فأخرجوا لي صحيفة فيها: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقلت: أسماء طيبة طاهرة: ﴿طه، ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى﴾ [طه: ١، ٢) إلى قوله تعالى: ﴿له الأسماء الحسنى﴾ [طه: ٨]، فعظمت في صدري، وقلت: من هذا فّت قريش، فأسلمت. وعند الدراقطني: فقام فتوضأ ثم أخذ الصحيفة، وكذا ذكره ابن إسحق: وأنه تشهّد لما بلغ فلا يصدّنك عنها. وزاد يونس عنه: أنه كان فيها مع سورة طه ﴿إذا الشمس كوّرت﴾ [التكوير: ١]، وأن عمر انتهى في قراءتها إلى قوله تعالى: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ [التكوير: ٧ اسلام الفاروق فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشارًا بما سمعوه مني، فجئت إلى رسول الله عَّ في بيت في أسفل الصفا، فدخلت عليه وأخذ رجلان بعضدي حتی دنوت ١٤]، فيمكن أنه توضأ ثم اغتسل أو عكسه، وأنه وجد السور الثلاث في صحيفة أو صحيفتين فقرأها وتشهّد عقب بلوغ كل من الآيتين. وفي الصفوة: فلما بلغ ﴿إنني أنا اللَّه لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤]، قال: ما ينبغي لمن يقول هذا أن يعبد معه غيره !! دلّوني على محمّد، (فخرج القوم) الذين كانوا عند أخته، يعني زوجها سعيد بن زيد وخباب بن الأرتّ أحد الرجلين اللذين ضمّهما المصطفى إلى سعيد، وكان خباب يقرؤهم القرءان والرجل الثاني، قال في النور: لا أعرفه، (يتبادرون بالتكبير استبشارًا بما سمعوه مني) وحمدوا اللَّه، ثم قالوا: يا ابن الخطاب! أبشر فإن رسول اللَّه عَِّ دعا يوم الاثنين، فقال: ((اللَّهمّ أعزّ الإسلام بعمرو أو عمر))، وإنا نرجو أن تكون دعوته لك فأبشر، فلما عرفوا مني الصدق، قلت: أخبروني بمكانه عَّه، قالوا: هو في أسفل الصفا. (فجئت إلى رسول اللَّه عَّةٍ في بيت في أسفل الصفا) هي دار الأرقم الصحابي، كان عَِّ مختفيًا فيها بمن معه من المسلمين، قال المحبّ الطبري: ويقال لها اليوم دار الخيزران، وفي الصفوة: فقال عمر: يا خباب، انطلق بنا إلى رسول اللَّه عَّله، فقام خباب وسعيد معه. ٠٠ وفي حديث أسلم: فقرعت الباب، قيل: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، قال: وقد عرفوا شدّتي على رسول اللَّه ولم يعلموا بإسلامي، فما اجترأ أحد منهم أن يفتح الباب، فقال ◌َ له ((فتحوا له فإن يرد الله به خيرًا يهده)، وأخرجه ابن عائذ من حديث ابن عمر، وقال: وهذا وهم إنما الذي قال: ((فإن يرد الله به خيرًا يهده وإلا كفيتموه بإذن الله حمزة))، وتجويز أن الوهم إنما هو في نسبة قوله: ((وإلا كفيتموه) للنبيّ عَ له فلا ينافي ما في الشامي من أن: ((فإن يرد الله به خيرًا يهده)) من كلام المصطفى فيه نظر، إذ كيف يأتي هذا مع قول ابن عائذ: إنما الذي ... إلى آخره، والشامي: إنما هو في مقام سياق الحديث الذي حكم ابن عائذ على هذه القطعة منه بالوهم، ولذا حسن من المصنّف إسقاطهما. وفي رواية: فلما رأى حمزة وجل القوم منه، قال فإنه يرد الله به خيرًا يسلم ويتبع النبيّ عَّه، وأن يرد غير ذلك كان قتله علينا هيّا، والنبيّ عَّ يوحى إليه، ففتح الباب (فدخلت عليه وأخذ رجلان) قال البرهان: لا أعرفهما ولعلّ حمزة أحدهما؛ لأنه الذي أذن في دخوله، (بعضدي) بشدّ الياء تثنية عضد، وفي هامش: إن حمزة أخذ بيمينه والزبير بيساره (حتى دنوت ٨ اسلام الفاروق من النبي عَّ فقال أرسلوه، فأرسلوني فجلست بين يديه، فأخذ بمجمع ثيابي فجذبني إليه ثم قال: أسلم يا ابن الخطاب، اللهم اهد قلبه، قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر المسلمون تكبيرة واحدة سمعت بطرق مكة. وكان الرجل إذا أسلم استخفى ثم خرجت إلى رجل لم يكن يكتم السر، من النبيّ عَّهِ، فقال: ((أرسلوه)))) بفتح الهمزة: أطلقوه، (فأرسلوني، فجلست بين يديه فأخذ بمجمع ثيابي) لفظ رواية أسلم: بمجمع قميصي، وعند ابن إسحق: بحجزته أو بمجمع ردائه، (فجذبني إليه) جذبة شديدة؛ كما في الرواية. وفي رواية: فاستقبله النبيّ معَّه في صحن الدار، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، وفي لفظ: أخذه ساعة وهزّه فارتعد عمر من هيبته وجلس. وفي آخر: أخذ بمجامعٍ ثيابه فنثره نثرة فما تمالك أن وقع عمر على ركبتيه، وقال له: ((فما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك ما أنزل بالوليد بن المغيرة))، يعني الخزي والنكال ولعلّه عَليه فعل معه ذلك ليثبته اللَّه على الإسلام ويلقي حتّه الطبيعي في قلبه، ويذهب عنه رجز الشيطان، فكان كذلك حتى كان الشيطان يفرّ منه وليكون شديدًا على الكفّار وفي الدين، فصار كذلك. وعند ابن إسحق، فقال: ((ما جاء بك پٍ ابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل اللَّه بك قارعة))، فقال: يا رسول اللَّه! جئت لأُؤمن بالله وبرسوله وبما جاء من عند اللَّه، (ثم قال) عَُّ بعد أخذه بمجامع ثوبه وهزّه، وقوله ما ذكر (أُسلم يا ابن الخطاب، اللَّهم آهد قلبه) لفظ رواية أسلم اهده؛ كما في العيون والإرشاد للمصنّف، فلعلّه هنا بالمعنى أو جمع بينهما. وفي رواية: ((اللَّهمّ هذا عمر بن الخطّاب اللَّهمّ أعزّ الدين بعمر بن الخطّاب))، (قلت: أُشهد أن لا إله إلَّّ اللَّه وأنك رسول اللَّه، فكبر المسلمون) بعد تكبير النبيّ عَّهِ؛ كما في رواية (تكبيرة واحدة سمعت بطرق مكّة، وكان الرجل إذا أسلم استخفی) بإسلامه، زاد أبو نعيم وابن عساكر في رواية ابن عباس عن عمر، فقلت: يا رسول اللَّه! ألسنا على الحقّ إن متنا وإن حيينا؟ قال: ((بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحق إن متّم وإن حييتم))، فقلت: ففيم الخفاء يا رسول اللَّه؟ علام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل؟ فقال: ((يا عمر، إنا قليل قد رأيت ما لقينا))، وقال: والذي بعثك بالحق نبيًّا لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان، ثم خرج في صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر، حتى دخلنا المسجد فنظرت قريش إلينا فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسمّاه رسول اللَّه عَلُّ يومئذٍ الفاروق (ثم خرجت) فذهبت بعد كراهتي عدم ضربي كمن آمن وإخباري لخالي ورجل من عظماء قريش بإسلامي وقول رجل، قال في النور: لا أعرفه، ويظهر أنه مسلم: تحب أن يعلم إسلامك، فأرشدني (إلى رجل لم يكتم السرّ) هو جميل بفتح الجيم وكسر الميم، ابن معمر بفتح الميم بينهما مهملة ٩ اسلام الفاروق فقلت له إني صبوت، قال فرفع صوته بأعلاه: ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقال خالى: ما هذا؟ قالوا: ابن الخطاب، فقام على الحجر وأشار بكمه فقال: ألا إني قد أجرت ابن أختي، قال: فانكشف الناس عني، ساكنة ثم راء، ابن حبيب الجمحي أسلم يوم الفتح وقد شاخ وشهد حنينًا وفتح مصر، ومات في خلافة عمر فحزن عليه حزنًا شديدًا، (فقلت له) سرًّا (إني صبوت) ملت من دين إلى دين، (قال: فرفع صوته بأعلاه: ألا إن ابن الخطّاب) عمر، وكأنه لم يسمّه لشهرته فيهم (قد صبأ) وروى ابن إسحق عن نافع عن ابن عمر، لما أسلم عمر قال: أيّ قريش أنقل للحديث، فقيل له: جميل، فغدا عليه وغدوت أتبع أثره وأنا غلامٍ أعقل ما رأيت حتى جاءه فقال: أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد فوالله ما راجعه حتى قام يجرّ رداءه واتّبعه عمر واتّبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! وهم في أنديتهم حول الكعبة، ألا إن ابن الخطاب قد صبا، ويقول عمر من خلفه: كذب، ولكنّي أَسلمت وشهدت أن لا إله إلاَّ اللَّه وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فتعبير عمر لجميل أوّلاً بقوله: صبؤت، يعني على زعمكم (فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقال خالي) يحتمل أنه أبو جهل أو أخوه الحرث بن هشام؛ لأنهما خالاه مجازًا لأن عصبة الأُمّ أخوال، الابن وأُمّه حنتمة بفتح المهملة وسكون النون وفتح الفوقية فتاء التأنيث ابنة هاشم بن المغيرة المخزومي، وهاشم وهشام أخوان فهما ابنا عم أُمّه، ومن قال: إنها بنت هشام فقد أخطأ وصحّف هاشمًا بهشام؛ كما قاله ابن عبد البرّ والسهيلي والحافظ وغيرهم، ويحتمل أنه أراد غيرهما من بني مخزوم. كما قال البرهان: فالجزم بأنه أبو جهل يحتاج لبرهان واختيار أنه خاله حقيقة مبنيّ على خطأ مخالف، لما نبّه عليه الحفاظ وأقرّه ختامهم في فتح الباري. (ما هذا؟ قالوا: ابن الخطاب، فقام) خالي (على الحجر) بكسر الحاء وغلط من فتحها؛ كما في النور (وأشار بكمّه، فقال: ألا إني قد أجرت ابن أختي) قال في النور، أي: هو في ذمامي وعهدي وجواري، (قال: فالكشف الناس عني) لجلالة خاله عندهم، وعند ابن إسحق في حديث ابن عمر أن العاصي بن وائل أجاره منهم حينئذ، فيحتمل أنهما معًا أجاراه. وروى البخاري عن ابن عمر، قال: بينا عمر في الدار خائفًا إذ جاءه العاصي بن وائل السهمي أبو عمرو، وعليه حلّة حبرة وقميص مكفوف بحرير، فقال: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني لأني أسلمت، قال: لا سبيل إليك، بعد أن قال آمنت، فخرج العاصي فلقى الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد ابن الخطاب الذي قد صبا، قال: لا سبيل إليه، فكرّ الناس وانصرفوا عنه وطريق الجمع أن العاصي أجاره مرّتين، مرة مع خاله والأخرى بعد ١٠ اسلام الفاروق فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام. كونه في الدار، واللَّه أعلم. (فما زلت) بعد ردّ جواز خالي كراهة أن لا أكون كالمسلمين وقول خالي: لا تفعل يا ابن أختي، فقلت: بلى هو ذاك، قال: فما شئتٍ؛ كما في حديث أسلم، قال: فما زلت (أضرب) بالبناء للفاعل (وأُضرب) للمفعول (حتى أعزّ اللَّه الإسلام). روى حديث أسلم عن عمر هذا بطوله البزار والطبراني وأبو نعيم والبيهقي، ورواه الدارقطني من حديث أنس وابن عساكر، والبيهقي عن ابن عباس، وأبو نعيم عنٍ طلحة وعائشة كلّهم عن عمر نحوه، فهذه طرق يعضد بعضها بعضًا، فانجبر ما فيه من ضعف أسامة. وفي فتح الباري ألمح البخاري بإيراد قصّة سواد بن قارب في باب إسلام عمر إلى ما جاء عن عائشة وطلحة عن عمر، أن هذه القصة كانت سبب إسلامه، انتهى. ومن جملة القصّة التي رواها البخاري آخر حديث سواد، قال عمر: بينا أنا عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ: لم أسمع قطّ أشدّ صوتًا منه، يقول: يا جليح، أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلا أنت، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا اللَّه فما نشبنا إن قيل هذا نبيّ. وروى أبو نعيم في الدلائل عن طلحة وعائشة عن عمر: أن أبا جهل جعل لمن يقتل محمّدًا مائة ناقة حمراء أو سوداء وألف أوقية من فضة، فقلت له: يا أبا الحكم! الضمان صحيح، قال: نعم، فخرجت متقلّدًا السيف متنكبًا كنانتي أُريد رسول اللَّه عَّهِ فمررت على عجل وهم يريدون ذبحه فقمت أنظر إليه، فإذا صائح يصيح من جوف العجل: يا آل ذريح، أمر نجيح رجل يصيح بلسان فصيح يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فقلت في نفسي: إن هذا الأمر ما يراد به إلا أنا ثم مررت بصنم، فإذا هاتف من جوفه، يقول: يا أيها الناس ذوو الأجسام ما أنتم وطائش الأحلام ومسند الحكم إلى الأصنام أصبحتم كراتع الأنعام أما ترون ما أرى أمامي من ساطع يجلو دجى الظلام وقد بدا للناظر الشامي قد لاح للناظر من تهام مـحـمـد ذو البر والإكرام أكرمه الرحمن من إمام يأمر بالصلاة والصيام قد جاء بعد الشرك بالإسلام ويزجر الناس عن الآثام والبر والصّلات للأرحام فبادروا سبقًا إلى الإسلام بلا فتور وبلا إحجام قال عمر: فقلت: واللَّه ما أراه إلا أرادني، ثم مررت بالضمار فإذا هاتف من جوفه، يقول: ١١ اسلام الفاروق قال ابن عباس: لما أسلم عمر قال جبريل للنبي عَ لّه يا محمد، لقد استبشر أهل أودي الضمار وكان يعبد مدّة قبل الكتاب وقبل بعث محمّد إن الذي ورث النبوّة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهتدي سيقول من عبد الضمار ومثله وليت الضمار ومثله لم يعبد أبشر أبا حفص بدين صادق تهدى إليه وبالكتاب المرشد واصبر أبا حفص فإنك آمر يأتيك عزّ غير عزّ بني عدي لا تعجلنّ فأنت ناصر دينه حقايقينا باللسان وباليد قال عمر: فوالله لقد علمت أنه أرادني، فلقيني نعيم وكان يخفي إسلامه فرقًا من قومه، فقال: أين تذهب؟ قلت: أُريد هذا الصابي الذي فرّق أمر قريش فأقتله، فقال نعيم: يا عمر أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وبالغ في منعه، ثم قال: ألا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم، فذكر دخوله على أخته ... القصّة بطولها ولا تنافي بينهما فهو حديث واحد طوّله مرة واختصره أخرى. وفي رواية عند ابن إسحق: أن سبب إسلامه أنه دخل المسجد يريد الطواف فرأى النبيّ عَّه يصلّي، فقال: لو سمعت لمحمّد الليلة حتى أسمع ما يقول، فقلت: إن دنوت منه استمع لأردّ عنه فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابه، أي: البيت، فجعلت أمشي حتى قمت في قبلته وسمعت قراءته، فرقٌ له قلبي فبكيتٍ وداخلني الإسلام فمكثت حتى انصرف، فتبعته فالتفت في أثناء طرِيقه فرآني، فظنّ إنما تبعته لأُؤذيه، فنهمني، ثم قال: ((ما جاء بك في هذه الساعة))؟ قلت: جئت لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، قال: فحمد الله ثم قال: ((قل هداك اللَّه)، ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات ثم انصرفت عنه، ودخل بيته. نهمني بالنون، أي: زجرني، والنهم زجر الأسد؛ كما في الروض. ففيه من شجاعته عَ اله ما لا يخفى. وروى ابن سنجر في مسنده عن عمر: خرجت أُتعرّض رسول اللَّه عَِّ قبل أن أُسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجّب من تأليف القرءان، فقلت: هو شاعر كما قالت قريش: فقرأ: ﴿إِنه لقول رسول كريم وما هو بقول: شاعر قليلاً ما تؤمنون﴾، فقلت: كاهن علم ما في نفسي فقرأ ولا يقول: ﴿كاهن قليلاً ما تذكرون﴾ [الحاقة: ٤٠، التكوير: ١٩] إلى آخر السورة، فوقع الإسلام في قلبي كل موقع، قال اليعمري: وقد ذكر غير هذا في خبر إسلامه، والله أعلم. أي ذلك كان انتهى والجمع بتعدّد الواقعة تكفل شيخنا بردّه. (قال ابن عباس: لمَّا أسلم عمر، قال جبريل للنبيّ عَّه: يا محمّد لقد استبشر أهل ١٢ دخول الشعب وخبر الصحيفة السماء بإسلام عمر. رواه ابن ماجه. [دخول الشعب وخبر الصحيفة] ولما رأت قريش عزة النبي معَّه بمن معه، وإسلام عمر، وعزة أصحابه بالحبشة، وفشو الإسلام في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا النبي عَّه، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب، فأدخلوا رسول الله عَّةٍ شعبهم ٠٠٠ السماء بإسلام عمر؛) لأن اللَّه أعزّ به الدين ونصر به المستضعفين، قال ابن مسعود: كان إسلام عمر عزَّا وهجرته نصرًا وإمارته رحمة، واللَّه ما استطعنا أن نصلّي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر، رواه ابن أبي شيبة والطبراني، وقال صهيب: لما أسلم عمر، قال المشركون: انتصف القوم منا، رواه ابن سعد. وروي: أنه لما أسلم، قال: يا رسول اللَّه! لا ينبغي أن يكتم هذا الدين، أظهر دينك، فخرج ومعه المسلمون وعمر أمامهم معه سيف ينادي: لا إله إلاَّ اللَّه محمّد رسول اللَّه حتى دخل المسجد، فقالت قريش: لقد أتاكم عمر مسرورًا، ما وراءك يا عمر؟ قال: ورائي لا إله إلاّ اللَّه محمّد رسول اللّه، فإن تحرّك أحد منكم لأمكننّ سيفي منه، ثم تقدّم أمامه عَّه يطوف ويحميه حتى فرغ من طوافه. (رواه ابن ماجه) أبو عبد اللَّه محمّد بن يزيد القزويني الثقة المتفق عليه المحتجّ به له معرفة بالحديث وحفظه ومصنّفات في السنن والتفسير والتاريخ والسماع بعدّة أمصار مات سنة ثلاث وثمانين ومائتين، ورواه أيضًا الحاكم وصحّحه وردّه الذهبي بأن فيه عبد الله بن خراش، ضعفه الدارقطني، انتهى. وضعّفه أيضًا غيره ورواه ابن سعد عن الزهري وداود بن الحصين مرسلاً، والله أعلم. دخول الشعب وخبر الصحيفة (ولما رأت قريش) كما قال ابن إسحق وابن عقبة وغيرهما بمعناه، (عزّة النبيّ عَّم بمن معه وإسلام) بالجرّ، أي: وبإسلام (عمر) وأحسن المصنّف في تعقيب هذا؛ لأنه في آخر السادسة عند غير ابن إسحق ودخولهم في أوّل المحرم من السابعة، (وعزّة أصحابه بالحبشة) يريد بهم أهل الهجرة الثانية، فإن عود الأوّلين كان في الخامسة؛ كما مرّ (وفشوّ الإسلام في القبائل أجمعوا على أن يقتلوا النبيّ عَّه) وقالوا: قد أفسد أبناءنا ونساءنا، وقالوا لقومه: خذوا منا دية مضاعفة ويقتل رجل من غير قريش فتريحوننا وتريحون أنفسكم، (فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم، وبني) أخيه (المطّلب) فأمرهم (فأدخلوا رسول اللَّه عَّ شعبهم) بكسر الشين كان ١٣ دخول الشعب وخبر الصحيفة ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه لذلك حتى كفارهم، فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية. فلما رأت قريش ذلك أجمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني المطلب: أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحًا أبدًا حتى يسلموا رسول الله عَّه للقتل. وكتبوه في صحيفة بخط منصور بن عكرمة - وقيل بغيض بن عامر - فشلت منزل بني هاشم غير مساكنهم ويعرف بشعب ابن يوسف كان لهاشم، فقسمه عبد المطّلب بين بنيه حين ضعف بصره وصار للنبيّ عَّهِ فيه حظّ أبيه؛ كذا في المطالع، وتعقّبه في النور: بأن عبد اللَّه مات في حياة أبيه وما أظنهم كانوا يخالفون شرعنا، قال: ويحتمل أنه وصل إليه حصّة أبیه بطریق آخر، انتهى. قال شيخنا في تقريره بجواز أن عبد المطّلب قسمه في حياته على أولاده في حياة عبد اللَّه، فلمّا مات صار للمصطفى حظّ أبيه وهو حسن، وإن كان شيخنا البابلي يتوقف فيه بأن القسم لم ينقل عن عبد المطّلب في حياة عبد اللَّه؛ لأنه احتمال يكفي في الجواب، ويمكن أنهم جعلوا له بعد موت جده حصّة أبيه أن لو كان حيًّا، فهو ابتداء عطية من أعمامه وهذا حسن جدًا، وكل هذا على تسليم ظنّ البرهان أنهم لا يخالفون شرعنا ومن أين ذاك الظن؟. (ومنعوه ممن أراد قتله) لما سألهم أبو طالب (فأجابوه لذلك حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية، فلما رأت قريش ذلك أجمعوا وائتمروا) تشاوروا في (أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني المطّلب أن لا ينكحوا إليهم) بفتح حرف المضارعة، أي: لا يتزوّجوا المضارعة، أي: لا يتزوّجوا منهم فإلى بمعنى من (ولا ينكحوهم) بضمّها لا يزوّجوهم (ولا يبيعوا منهم شيئًا ولا يبتاعوا، ولا يقبلوا منهم صلحًا أبدًا) زاد في العيون ولا تأخذهم بهم رأفة (حتى يسلموا) من أسلم أو سلم مثقلاً (رسول اللَّه عَّم للقتل) أي: يخلو بينه وبينهم، (وكتبوه في صحيفة بخطّ منصور بن عكرمة) كما ذكره ابن إسحق قائلاً: فشلت يده فيما يزعمون، وصدر به في الفتح، قال في النور: والظاهر هلاكه على كفره، (وقيل) بخطّ (بغيض) بموحّدة ومعجمتين بينهما تحتية (ابن عامر) بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار بن قصي، قاله ابن سعد. (فشلت) بفتح الشين المعجمة واللام المشدّدة وضمّ الشين خطأ، أو قليل أو لغة ردية والشلل نقص في الكفّ وبطلان لعملها وليس معناه القطع؛ كما زعم بعضهم، قاله المصنف. وفي الفتح: يجوز ضمّها في لغة، ذكره الجياني. ١٤ دخول الشعب وخبر الصحيفة يده، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، هلال المحرم سنة سبع من النبوة. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه فى شعبه، إلا أبا لهب فكان مع قريش. فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، وقال ابن سعد: سنتين حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شىء إلا سرًا. وقال ابن درستويه: هي خطأ. (يده) أي: الكاتب سواء قيل منصور أو بغيض؛ لأن القائل بالأوّل، قال: شلّت كالثاني، قال في النور: الظاهر أنه لم يسلم وهو بغيض كاسمه، قال ابن هشام: ويقال بخطّ النضر بن الحرث فدعا عليه عَّ الله فشلّت بعض أصابعه، وقتل كافرًا بعد بدر، وقيل: بخطّ هشام بن عمرو بن الحرث العامري وهو من الذين سعوا في نقضها، قاله ابن إسحق وابن عقبة وغيرهما، أسلم وكان من المؤلّفة، وقيل: طلحة بن أبي طلحة العبدري، حكاه في الفتح، وقيل: منصور بن عبد شرحبيل بن هاشم، حكاه الزبير بن بكار مع القول بأنه بغيض فقط. قال السهيلي والزبير: أعلم بالإنسان، وجمع البرهان وتبعه الشامي باحتمال أن يكون كتب بها نسخ. (وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة) وتمادوا على العمل بما فيها، وكان ذلك (هلال المحرم سنة سبع من النبوّة) قال ابن سعد وابن عبد البرّ وغيرهما، وبه جزم في الفتح، وقيل: سنة ثمان، حكاه الحافظ في سيرته وكان ذلك بخيف بني كنانة؛ كما في الصحيح وهو المحصب، (فانحاز بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه) أضافه له لأنه كبيرهم؛ كذا نسبه في الفتح لابن إسحق، وهو ظاهر في أن انحيازهم بعد كتابة الصحيفة للعطف بالفاء، وفي العيون: ودخلوا شعبهم مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن دينًا والكافر حمية، فلما رأت قريش أنه قد منعه قومه أجمعوا على كتابة صحيفة، وهذا صريح في أن كتابتها بعد دخولهم. (إلا أبا لهب فكان مع قريش) وأمَّا المؤمنون من غير بني هاشم والمطلب، فظاهر العيون أنهم ذهبوا كلّهم إلى الحبشة، (فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا) قاله ابن إسحق: وأو تحتمل الشكّ والإشارة إلى قول وجزم موسى بن عقبة بأنها ثلاث سنين. (وقال ابن سعد: سنتين حتى جهدوا) بالبناء للمفعول لقطعهم عنهم الميرة والمادة، (وكان لا يصل إليهم شىء إلاّ سرًّا) ولا يحجّون إلا من موسم إلى موسم، وكان يصلهم فيه حكيم بن حزام وهشام بن عمرو والعامري وهو أوصلهم لبني هاشم، وكان أبو طالب مدّة إقامتهم في الشعب يأمره عَِّ فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شرًّا أو غائلة، فإذا نام أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمّه، فاضّطجع على فرش المصطفى وأمره أن يأتي بعض فرشهم فيرقد ١٥ دخول الشعب وخبر الصحيفة وقدم نفر من مهاجرة الحبشة، حين قرأ عليه الصلاة والسلام ﴿والنجم إذا هوى﴾ حتى بلغ ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فلما ختم السورة سجد ێے وسجد معه المشركون، عليها، (وقدم) في شوال سنة خمس؛ كما مرّ. (نفر من مهاجرة الحبشة) فخالف شرطه في الترتيب على السنين، ولو رعاه لذكرها قبل إسلام عمر؛ كما فعل اليعمري والشامي وغيرهما، وهذا مما يعطي أن الشرط أغلبي ثم كلامه يقتضي أنهم لم يقدموا كلهم، وهو خلاف قول اليعمري والحافظ وغيرهما كان سبب رجوع الاثني عشر، وفي لفظ: قدم أولئك الفقراء مكّة، (حين قرأ عليه الصّلاة والسّلام) وهو يصلّي أو خارج الصّلاة على اختلاف الروايات، كما يأتي عن عياض، وأمَّا ما عند ابن مردويه والبيهقي عن ابن عمر: صلّى بنا رسول اللَّه عَّهِ فقرأ النجم، فسجد بنا فأطال السجود فلم يذكر فيه هذه القصّة فلا معنى لذكره هنا الموهم أن ابن عمر روى هذه القصة، ولا قائل به لما يأتي أنها لم تروَ عن صحابيّ سوى عن ابن عباس، (﴿والنجم إذا هوى﴾)[النجم: ١]، حتى بلغ: ﴿أفرأيتم اللّت والعزّى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان في أمنيته أي في قراءته) يقال تمنّی إذا قرأ، قال حسان يمدح عثمن: تمنّى كتاب اللَّه أوّل ليلة تمنى داود الزبور على رسل لأن أصل معناه: تفعل من المني بمعنى القدر، ومنه المنية وقوله إلا أماني، أي: تلاوة بلا معرفة، فأجرى مجرى التمنّي لما لا وجود له. (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى)، ويروى لترتضى، ويروى أن شافعتها لترتجى وإنها لمع الغرانيق الأولى، وفي أخرى والغرائقة العلى، ذكره في الشفاء، (فلما ختم السورة سجد عَّه، وسجد معه المشركون) والجنّ والإنس؛ كما في الصحيحين غير أميّة بن خلف؛ كما في تفسير سورة النجم من البخاري أخد كفَّا من تراب فسجد عليه، وقال: يكفيني هذا، وقيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: أبو لهب وفيهما نظر؛ لأنهما لم يقتلا، وقيل: عتبة بن ربيعة. قال المنذري: وما رواه البخاري أصحّ، وقول ابن بزيزة كان منافقًا وهم. قال في النور: لأن النفاق إنما كان بالمدينة، انتهى. وقيل: إنه المطّلب بن أبي وداعة، وهو باطل؛ لأنه صحابي أسلم في الفتح؛ والجمع بأنه لا مانع أنهم فعلوه جميعًا بعضهم تكبّرًا وبعضهم عجزًا لا يصحّ فالمانع موجود، وهو قول راوي الحديث الذي شاهده وهو ابن مسعود: فما بقي أحد إلا سجد إلا رجلاً، فلقد رأيته قتل كافرا باللَّه، يعني يوم بدر. ١٦ دخول الشعب وخبر الصحيفة لتوهمهم أنه ذكر آلهتهم بخير، وفشا ذلك في الناس، وأظهره الشيطان حتى بلغ أرض الحبشة، ومن بها من المسلمين، عثمن بن مظعون وأصحابه. وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا معه عَّهِ، وقد أمن المسلمون بمكة، فأقبلوا سراعًا من الحبشة. (لتوهمهم أنه ذكر آلهتهم بخير) كما ارتضاه الحافظ لا خوفًا من مخالفة المسلمين في ذلك المجلس؛ كما جوّزه الكرماني إذ لا يظهر له وجه بل الظاهر العكس، انتهى. فرضوا وقالوا: قد عرفنا أنه يحيى ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لها نصيبًا فنحن معك، فکېر ذلك على رسول الله عێ حتى جلس في البيت. (وفشا ذلك في الناس وأظهره الشيطان حتى بلغ أرض الحبشة و)بلغ (من بها من المسلمين عثمن بن مظعون وأصحابه، وتحدّثوا أن أهل مكّة قد أسلموا كلّهم وصلّوا مع النبيّ عَّه، وقد أمن المسلمون بمكّة) من الأذى، فقال القوم: عشائرنا أحبّ إلينا، (فأقبلوا) حال کونهم (سراعًا) أي: مسرعین، (من الحبشة) حتى إذا كانوا دون مكّة بساعة من نهار لقوا ركبًا من كنانة فسألوهم عن قريش، فقالوا: ذكر محمّد آلهتهم بخير فتابعه الملأ ثم عاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشرّ، فتركناهم على ذلك، فائتمر القوم في الرجوع إلى الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا مكّة فندخل فننظر ما فيه قريش ويحدث عهدًا من أراد بأهله، ثم نرجع؛ فدخلوها ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار، إلا ابن مسعود، فإنه مكث يسيرًا ثم رجع إلى الحبشة؛ كذا في العيون. وروى ابن إسحق عن صالح بن إبراهيم عمّن حدّثه عن عثمن بن مظعون أنه لما رجع من الهجرة الأولى إلى الحبشة دخل مكّة في جوار الوليد بن المغيرة، فلمّا رأى المشركين يؤذون المسلمين وهو آمن ردّ عليه جواره، فبينما هو في مجلس لقريش وفد عليهم لبيد بن ربيعة قبل إسلامه فقعد ینشدهم من شعره، فقال لبید: إلاَّ كل شىء ما خلا اللَّه باطل فقال عثمان: صدقت، فقال: وكل نعيم لا محالة زائل فقال: كذبت، نعيم الجنَّة لا يزول، فقال لبيد: متى كان يؤذى جليسكم يا معشر قريش، فقام رجل منهم فلطم عثمن فاخضرّت عينه، فلامه الوليد على ردّ جواره، فقال: قد كنت في ذمّة منيعة، فقال عثمن: إن عيني الأخرى إلى ما أصاب أُختها في اللَّه لفقيرة، فقال له الوليد: فعد إلى جوارك، فقال: بل أرضى بجوار اللّه تعالى. ١٧ دخول الشعب وخبر الصحيفة والغرانيق في الأصل: الذكور من طير الماء، واحدها: غرنوق وغرنيق، سمي به لبياضه. وقيل: هو الكركي. والغرنوق أيضًا: الشاب الأبيض الناعم. وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله، وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع. ولما تبين للمشركين عدم ذلك، رجعوا إلى أشد ما كانوا عليه. وقد تكلم القاضي عياض - رحمه الله - في ((الشفاء)) على هذه القصة وتوهين أصلها بما يشفي ويكفي، لكن تعقب في بعضه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (والغرانيق) بغين معجمة المراد بها هنا الأصنام، وهي (في الأصل الذكور من طير الماء) وقيل: طير الماء مطلقًا إذا كان أبيض طويل العنق، وهي جمع (واحدها غرنوق) بضم الغين والنون وبكسر الغين وإسكان الراء وفتح النون، ذكرهما في النور. (وغرنيق) بضم المعجمة وفتح النون؛ كما في النور والقاموس. وفي الشامي: بكسر الغين وفتح النون، (سمّي به لبياضه، وقيل: هو الكركي، والغرنوق أيضًا الشابّ الأبيض الناعم، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقرّبهم من اللّه وتشفع لهم) عنده كما في التنزيل: ﴿ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى اللَّه زلفى﴾ [الزمر: ٣]، ونقل الحليمي في تفسير قوله تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]، أن مشركي العرب زعمت في اللّت والعزّى ومناة أنها بنات اللَّه تقرّبهم له لسماعهم كلامها، وإنما كان يكلّمهم شياطين الجنّ من أجوافها، (فشبّهت) الأصنام (بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع) تشبيهًا بليغًا بحذف الأداة أو استعارة بحذف المشبّه، والأصل تلك آلهة مرتفعة كالغرانيق في ارتفاعها، فحذف المشبّه واستعمل اسم المشبّه به فيه بجامع الارتفاع فيهما: المعنوي للأصنام الحسّي للطيور، (ولما تبيّن للمشركين عدم ذلك) الذي توهّموه من تعظيم النبيّ عَّ لآلهتهم حاشاه (رجعوا إلى أشدّ ما كانوا عليه) من إيذائه وإيذاء أصحابه ولقي مهاجرو الحبشة منهم الأذى الشديد (وقد تكلّم القاضي عياض في الشفاء على هذه القصة) لإشكالها إذ مدح إله غير الله كفر ولا يصحّ نسبته إلى نبيّ، فذكر لها محامل على تقدير الصحّة. (و)تكلّم على (توهين) تضعيف (أصلها) من جهة الرواة (بما يشفي ويكفي لكن تعقّب في بعضه) وهو دعواه بطلانها، وفي بعض المحامل (كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى) قريبًا. ١٨ دخول الشعب وخبر الصحيفة وقال الإمام فخر الدين الرازي - مما لخصته من تفسيره - هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم/٣] وقال تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى/٦]. وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون. وأيضًا: فقد روى البخاري في صحيحه أنه عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق. بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق. ولا شك أن من جوّز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، وجوّزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون (وقال الإمام فخر الدين الرازي) نحو كلام عياض (مما لخّصته من تفسيره: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها)، إلا مع بيان بطلانها كما هو شأن الموضوع. (قال الله تعالى: ﴿وما ينطق﴾ بما يأتيكم به ﴿عن الهوى﴾ هوى نفسه،﴿إن ما هو إلاَّ وحي يوحى﴾ [النجم: ٣]،) إليه (وقال تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦]،) فإنه كان عَّ إذا أتاه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من الوحي حتى يتكلم عَّه بأوّله مخافة أن ينساه فأنزل اللَّه: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦]، رواه الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس بإسناد ضعيف. (وقال البيهقي: هذه القصّة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلّم في أن رواة هذه القصّة مطعونون) من الحذف والإيصال، أي: مطعون، أي: مقدوح فيهم، (وأيضًا فقد روى البخاري في صحيحه) وكذا مسلم عن ابن مسعود (أنه عليه الصّلاة والسّلام قرأ سورة النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجنّ، وليس فيه حديث الغرانيق) فدلّ على خطأ من ذكرها (بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها ألبتّة) بهمزة قطع على غير قياس (حديث الغرانيق) فهذا دليل بطلانها من جهة الإسناد والرواية. (و)أمَّا من جهة النظر فإنه (لا شكّ أن من جوّز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان ولو جوّزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه،) وعطف سببًا على مسبب قوله: (وجوّزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون ١٩ دخول الشعب وخبر الصحيفة كذلك. ويبطل قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فيما بلغت رسالته﴾ [المائدة/٦٧] فإنه لا فرق في الفعل بين النقصان في الوحي والزيادة فيه. فبهذه الوجوه، عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. وقد قيل: إن هذه القصة من موضوع الزنادقة لا أصل لها. انتهى. ولیس کذلك. بل لها أصل. فقد خرجها: ابن أبي حاتم، والطبري، وابن المنذر، من طرق عن شعبة عن ابن بشر، عن سعيد بن جبير. كذلك)، أي: مما ألقاه الشيطان على لسانه، (ويبطل قوله تعالى) أي: فائدة قوله (﴿يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [المائدة: ٦٧]،) أي: فلم تكن عاملاً بالآية، إذ العمل بها تبليغ ما أنزل إليه، فلو زاد انتفى التبليغ؛ (فإنه لا فرق في الفعل بين النقصان في الوحي والزيادة فيه، فبهذه الوجوه) النقلية والعقلية (عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصّة موضوعة، وقد قيل: إن هذه القصّة من موضوع الزنادقة لا أصل لها، انتهى.) قال عياض: لا شكّ في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجنّ هذا الحديث على بعض مغفّلي المحدثين، ليلبس على ضعفاء المسلمين، انتهى. (وليس كذلك بل لها أصل) قوي (فقد خرّجها ابن أبي حاتم) الحافظ، أبو محمّد عبد الرحمن بن محمّد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، صاحب التصانيف الكثيرة الثقة، كان بحرًا في العلوم ومعرفة الرجال وزاهدًا يعدّ من الأبدال، توفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وقد ناهز التسعين، (والطبري) محمد بن جرير البغدادي عالم الدنيا، (و)محمّد بن إبراهيم (ابن المنذر) النيسابوري نزيل مكة صاحب التصانيف الحافظ كان غاية في معرفة الخلاف والدليل فقيهًا مجتهدًا لا يقلّد أحدًا مات سنة تسع أو عشر أو ستّ عشرة أو ثمان عشرة وثلاثمائة، (من طرق عن شعبة) بضمّ المعجمة وسكون المهملة، ابن الحجاج الواسطي ثم البصري أمير المؤمنين في الحديث كان من سادات زمانه حفظًا وإتقانًا وورعًا وفضلاً، قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، ولد سنة اثنتين وثمانين ومات بالبصرة سنة ستّين ومائة. (عن أبي بشر) بكسر الموحّدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشية بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وشدّ التحتية، اسمه إياس بالكسر وخفة التحتية، الواسطي الثقة من رجال الصحيح توفي سنة أربع أو خمس أو ستّ وعشرين ومائة، (عن سعيد بن جبير،) التابعي المشهور ٢٠ دخول الشعب وخبر الصحيفة وكذا ابن مردويه، والبزار، وابن إسحق في السيرة، وموسى بن عقبة في المغازي، وأبو معشر في السيرة. كما نبه عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال: إن طرقها كلها مرسلة وأنه لم يرها مسندة من وجه صحيح. وهذا متعقب بما سيأتي: وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ الإسلام والحافظ أبو الفضل العسقلاني فقال: أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله عَّة بمكة والنجم، المقتول ظلمًا، (وكذا) خرّجها الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى (ابن مردويه) بفتح الميم وتکسر، کما مر. (والبزار) الحافظ العلاّمة الشهير أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، (وابن إسحق) محمّد (في السيرة وموسى بن عقبة) بالقاف ابن أبي عياش القرشي مولاهم المدني التابعي الصغير الثقة الثبت الحافظ الفقيه، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة (في المغازي) له التي كان تلميذه لملك إذا سئل عنها، قال: عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصحّ المغازي، وقال الشافعي: ليس فيْ المغازي أصح من كتاب موسى مع صغره وخلوّه من أكثر ما يذكر في كتب غيره، رواه الخطيب. (وأبو معشر) بفتح الميم وإسكان المهملة وفتح المعجمة نجيح بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم السندي، قال أحمد: صدوق لا يقيم الإسناد، وابن معين ليس بالقويّ، وابن عدي يكتب حديثه مع ضعفه، مات سنة سبعين ومائة. (في السيرة) وقد قال مغلطاي: أبو معشر من المعتمدين في السير (كما نته عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال) ابن كثير: (إن طرقها كلّها مرسلة وإنه لم يرها مسندة) أي: موصولة، (من وجه صحيح وهذا متعقّب بما سيأتي) قريبًا من إخراج جماعة لها عن ابن عباس، وجوابه: أنه قيّد عدم رؤيته بالصحّة والآتي لم يبلغها فلا يتعقّب به، (وكذا نبّه على ثبوت أصلها شيخ الإسلام والحافظ أبو الفضل) أحمد بن علي بن حجر (العسقلاني، فقال: أخرج ابن أبي حاتم) الحافظ الكبير ابن الحافظ الشهير. (والطبري) محمد بن جرير (وابن المنذر) بضم الميم وإسكان النون وكسر المعجمة ثم راء، (من طرق عن شعبة) ابن الحجاج بن الورد وليس الثقفي الظالم، (عن أبي بشر) جعفر بن إياس (عن سعيد بن جبير) تقدّم السّة قريبًا (قال: قرأ رسول اللَّه عَّ بمكّة والنجم) في رمضان سنة خمس من المبعث، وكان خروج أهل الحبشة إليها في رجب وقدومهم في شوّال، قاله الواقدي.