Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
خاتمة
من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة.
فلله درها من كرامة بالغة، ونعمة على المحبين سابغة، فالمحب يرقى في
درجات الجنات على أهل المقامات، بحيث ينظر إليه كما ينظر إلى الكوكب
الغابر في أفق السموات لعلو درجته وقرب منزلته من حبيبه، ومعيته معه، وإنَّ المرء
من العقاب عليها، فهي في مقابلة عوض وإن كانت أفضل ... (الحديث وفيه) أي: حديث
حذيفة (من الزيادة على حديث البخاري) عن أبي هريرة الذي قدمه المصنف في مقصد
المحبة مع الكلام عليه بنحو ورقتين، يعني: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي
يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيته ولئن استعاذ بي لأعذته
(ويكون من أوليائي وأصفيائي) في الدنيا والآخرة، والمراد بولي اللّه العالم باللّه المواظب
على طاعته المخلص في عبادته، ولذا أشكل قوله: صدر حديث أبي هريرة: من عادى لي وليًا
فقد آذنته بالحرب بأنه لا يوجد معادٍ للولي، لأن المعاداة إنما تقع من الجانبين ومن شأن الولي
الحلم والصفح عن كل من يجهل عليه وأجيب كما في الفتح بأن المعاداة لم تنحصر في
الخصومة والمعاملة الدنيوية مثلاً، بل قد تقع عن بغض ينشأ عن التعصب كرافضي في بغضه
لأبي بكر ومبتدع في بغضه للسني، فتقع المعاداة من الجانبين، أما من جانب الولي فللّه وفي
اللّه تعالى، وأما من جانب الآخر فلما تقدم، وقد تطلق المعاداة ويراد بها الوقوع من أحد
الجانبين بالفعل، ومن الآخر بالقوة (ويكون جاري) بإسكان الياء، ويجوز فتحها (مع النبيين
والصديقين والشهداء في الجنة) ولم يقل: والصالحين إما اكتفاء أو تقصيرًا من الراوي.
وفي بعض النسخ: والصالحين (فللّه درها) بدال مهملة (من كرامة بالغة) إلى الغاية
(ونعمة على المحبين سابغة) بغين معجمة عامة (فالمحب يرقى في درجات الجنات على
أهلِ المقامات:) المراتب التي نالوها بمعرفتهم للّه وإن اختلفت باختلاف مراتبهم وعرفانهم
وأعمالهم، فانتقلوا من معرفة إلى كشف، ومنه إلى مشاهدة، ومنها إلى معاينة، ومنها إلى اتصال،
ومنه إلى فناء، ومنه إلى بقاء، إلى غير ذلك من المقامات المعلومة لأهلها (بحيث ينظر إليه كما
ينظر إلى الكوكب الغابر) بمعجمة وموحدة، أي: الباقي.
قال الأزهري :- الغابر من الأضداد، يطلق على الماضي والباقي، والمعروف الكثير أنه بمعنى
الباقي، وفي المطالع: الغابر البعيد أو الذاهب الماضي كما في الرواية الأخرى الغارب، يعني:
بتقديم الراء على الموحدة (في أفق السموات لعلو درجته وقرب منزلته من حبيبه) كما قال
عٍَّ: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف فوقهم كما تراءون الكوكب الغابر من الأفق من
المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم))، قالوا: يا رسول اللّه تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم.

٤٢٢
خاتمة
مع من أحب، ولكل عمل جزاء، وجزاء المحبة المحبة والوصول والقرب من
المحبوب.
رؤيت امرأة مسرفة على نفسها بعد موتها فقيل لها: ما فعل الله بك؟ قالت:
غفر لها: فقيل لها: بماذا؟ قالت: بمحبتي لرسول الله عَّه وشهوتي النظر إليه،
نوديت: من اشتهى النظر إلى حبيبنا نستحي أن نذله بعتابنا، بل نجمع بينه وبين
من يحبه.
وانظر إلى قوله تعالى: ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ [الرعد/٢٩]، وإن طوبى اسم
شجرة في الجنة غرسها الله بيده، وتنبت الحلي والحلل، وإن أغصانها لترى من وراء
قال ◌َ: ((بلى. والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)).
رواه الشيخان (ومعيته معه وإن المرء مع من أحب) في الجنة بحسن نيته من غير زيادة
عمل، لأن محبته لهم لطاعتهم، والمحبة من أفعال القلوب، فأثيب على ما اعتقده، لأن النية
الأصل والعمل تابع لها، وليس من لازم المعية استواء الدرجات، قاله المصنف.
وفي البخاري في الأدب باب علامة الحب لله، ولأبي ذر: الحب في الله لقوله تعالى:
﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران/ ٣١]، قال الكرماني: يحتمل أن
يراد في الترجمة محبة الله للعبد فهو المحب، أو محبة العبد لله فهو المحب، أو المحبة بين
العباد في ذات الله بحيث لا يشوبها شيء من الرياء والآية مساعدة للأولين، واتباع الرسول علامة
للأولى، لأنها مسببة للاتباع، والثانية لأنها مسببة. انتهى.
(ولكل عمل جزاء) كما دل عليه الكتاب والسنة (وجزاء المحبة) مبتدأ خبره (المحبة
والوصول والقرب من المحبوب رؤيت امرأة مسرفة على نفسها) أي: مخالفة للمطلوب منها
من فعل الطاعات واجتناب المناهي (بعد موتها) في المنام (فقيل لها: ما فعل اللّه بك؟، قالت:
غفر لي) إسرافي (قيل لها: بماذا؟، قالت: بمحبتي لرسول اللّه عَّهُ وشهوتي النظر إليه،
نوديت: من اشتهى النظر إلى حبيبنا نستحي أن نذله) نحقره (بعتابنا، بل نجمع بينه وبين
من يحبه، وأنظر): نظر تأمل وتدبر (قوله تعالى): ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات (طوبى لهم
وحسن مآب﴾) [الرعد/٢٩] مرجع (فإن طوبى) المرادة في الآية عند جماعة من المفسرين
(اسم شجرة في الجنة).
كما رواه ابن جرير عن قرة بن إياس عن النبي عَّله، قال: طوبى شجرة في الجنة (غرسها
اللّه بيده) ونفخ فيها من روحه، كما في حديث قرة المذكور، ومثله في حديث ابن عباس:
(تنبت الحلى).

٤٢٣
خاتمة
سور الجنة، وإن أصلها في دار النبي ◌َّه، وفي دار كل مؤمن منها غصن، فما من
جنة من الجنات إلا وفيها من شجرة طوبى، ليكون سر كل نعيم، ونصيب كل
ولي من سره عَّهِ، وأنه عَِّ ملأ الجنة، فلا ولي يتنعم في جنته إلا والرسول متنعم
بتنعمه، لأن الولي ما وصل إلى ما وصل إليه من النعيم إلا باتباعه لنبيه عَّهِ، فلهذا
كان سر النبوة قائمًا به في تنعمه. وكذلك إبليس ملأً النار، فلا عذاب لأحد من
أهلها إلا وإبليس - لعنه الله - سر تعذيبه ومشارك له فيه.
وفي ((البحر)) لأبي حيان عند تفسير قوله تعالى: ﴿عينا يشرب بها عباد الله
يفجرونها تفجيرًا﴾ [الإنسان/٦] قيل: هي عين في دار رسول الله عَلَةٍ تفجر إلى
وفي رواية: بالحلى،(والحلل:) جمع حلة (وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة)
لطولها، زاد في حديث ابن عباس عند ابن مردويه: والثمار متدلية على أفواههم، أي: متدلية على
أفواه أهلها، وأعاد الضمير من غير سبق ذكرهم للعلم به نحو حتى توارت بالحجاب.
ولابن مردويه عن ابن عمر، وأبي نعيم والديلمي عن ابن مسعود رفعاه: ((طوبى شجرة في
الجنة لا يعلم طولها إلاَّ اللّه، فيسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفا ورقها الحلل
يقع عليه كأمثال البخت)).
وفي الصحيحين مرفوعًا: ((إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها،
ولأحمد وابن حبان مرفوعاً: طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من
أكمامها».
(و) حكى بعضهم (أن أصلها في دار النبي عَّ﴾. وفي دار كل مؤمن منها غصن) سواء
كان من أمته أم لا ، كما صرح به في قوله: (فما من جنة من الجنان إلاّ وفيها من شجرة
طوبى) ومعلوم أن الجنان ليست مقصورة على هذه الأمة (ليكون سر كل نعيم ونصيب كل
ولي من سره عليه السلام؛ وأنه عَّةٍ ملأ الجنة فلا ولي يتعم في جنته إلاَّ والرسول متنعم
بتعمه، لأن الولي ما وصل إلى ما وصل إليه من التعيم إلا باتباعه لنبيه معَّهِ، فلهذا كان سر
النبوة قائمًا به في تنعمه) وهذا ظاهر في الأمة المحمدية وفي مؤمني الأمم السابقة أيضًا، لأنه
قد أخذ على الأنبياء الميثاق أن يؤمنوا بمحمد عَّهِ وأن يأمروا أممهم بالإِيمان به، ولذا كان نبي
الأنبياء كما مر مبسوطًا في المقصد الأول.
(وكذا إبليس لعنه اللّه ملأ النار فلا عذاب لأحد من أهلها إلاَّ وإبليس لعنه الله سر
تعذيبه ومشارك له فيه، وفي البحر) التفسير الكبير (لأبي حيان عند تفسير قوله تعالى: عينًا)
بدل من كافورًا (يشرب بها) أي: منها (عباد اللّه يفجرونها تفجيرًا:) يجرونها إجراءً سهلاً.

٤٢٤
خاتمة
دور الأنبياء والمؤمنين.
وإذا علمت هذا، فاعلم أنَّ أعظم نعيم الجنة وأكمله التمتع بالنظر إلى وجه
الرب تبارك وتعالى، ورسوله عَّ له، وقرة العين بالقرب من الله ورسوله مع الفوز
بكرامة الرضوان التي هي أكبر من الجنان وما فيها، كما قال الله تعالى:
﴿ورضوان من الله أكبر﴾ [التوبة/٧٢].
(قيل: هي عين في دار رسول اللّه عَّ دٍ تفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين) كل
بحسب مقامه، ثم ذكر المصنف بارقة صوفية لامعة بمعاني أحاديث نبوية، فقال: (وإذا علمت
هذا) المذكور الدال على عظم نعيم الجنة (فاعلم أن أعظم نعيم الجنة وأكمله التمتع بالنظر
إلى وجه الرب تبارك وتعالى) كما قال ◌َ له: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك
وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم، فيقول: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار، قال:
فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿للذين
أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس/ ٢٦].
رواه مسلم والترمذي وابن ماجه عن صهيب، قال القرطبي: معنى كشف الحجاب رفع
الموانع عن إدراك أبصارهم حتى يروه على ما هو عليه من نعوت العظمة والجلال، فالحجاب
إنما هو للخلق لا للخالق تقدس وتعالى، وجاء مرفوعًا: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه
الرحمن من حديث أبي موسى وكعب بن عجرة وابن عمر وأبي بن كعب وأنس وأبي هريرة،
كلهم عن النبي عَّةٍ، وجاء موقوفاً على الصديق وحذيفة وابن عباس وابن مسعود، وجاء عن
جماعة من التابعين كما بسطه في البدور، وقال: قال البيهقي: هذا تفسير قد استفاض واشتهر
فيما بين الصحابة والتابعين، ومثله لا يقال إلاّ بتوقيف، وقال يحيى بن معين: عندي سبعة عشر
حديثًا كلها صحاح، وزاد عليه في البدور اثنين، وساق ألفاظ الجميع عازيًا لمخرجيهم، وقال:
إنها بلغت مبلغ التواتر عندنا معاشر أهل الحديث (و) إلى وجه (رسول اللّه عَةٍ وقرة العين)
بردها وسرورها (بالقرب من اللّه ورسوله مع الفوز) الظفر (بكرامة الرضوان) إضافة بيانية (التي
هي أكبر:) أجل وأعظم (من الجنان وما فيها، كما قال تعالى: (﴿ورضوان من الله أكبر))،
لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة والمؤدي إلى نيل الوصول والفوز باللقاء.
روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري، قال: ((قال عَّ: إن اللّه يقول لأهل الجنة: يا أهل
الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟، فيقولون: وما لنا لا ترضى وقد أعطيتنا
ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أُعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: وما أفضل من ذلك،
فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا».

٤٢٥
خاتمة
ولا ريب أن الأمر أجل مما يخطر ببال أو يدور في خيال، ولا سيما عند
فوز المحبين في روضة الأنس وحظيرة القدس، بمعية محبوبهم الذي هو غاية
مطلوبهم، فأي نعيم وأي لذة وأي قرة عين وأي فوز يداني تلك المعية ولذتها،
وقرة العين بها، وهل فوق نعيم قرة العين بمعية الله ورسوله نعيم، فلا شي - والله -
أجل ولا أكمل ولا أجمل ولا أجلى ولا أحلى ولا أعلى ولا أغلى من حضرة
يجتمع فيها المحب بأحبابه في مشهد مشاهد الإكرام حيث يتجلى لهم حبيبهم
ومعبودهم الإله الحق جل جلاله خلف حجاب واحد في اسمه الجميل اللطيف،
فينفهق عليهم نور يسري في ذواتهم فيبهتون من جمال الله، وتشرق ذواتهم بنور
ذلك الجمال الأقدس، بحضرة الرسول الأرأس، ويقول لهم الحق جل جلاله: سلام
عليكم عبادي، ومرحبًا بكم أهل ودادي، أنتم المؤمنون الآمنون، لا خوف عليكم
وللطبراني: وصححه الضياء عن جابر، رفعه: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله: يا
عبادي هل تسألوني شيئًا فأزيدكم؟، قالوا: يا ربنا ما خير مما أعطيتنا؟، قال: رضواني أكبر)»
(ولا ريب أن الأمر أجل مما يخطر ببال أو يدور في خيال) كما قال عَ لّهِ: «قال الله عزّ
وجلّ: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر))، ثم
قرأ هذه الآية: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة/ ١٧].
رواه الشيخان (ولا سيما عند فوز المحبين في روضة الأنس وحظيرة القدس) الجنة
(بمعية محبوبهم الذي هو غاية مطلوبهم، فأي نعيم وأي لذة وأي قرة عين وأي فوز يداني:)
يقارب (تلك المعية ولذتها وقرة العين بها) والاستفهام بمعنى النفي، أي: لا يقاربها شيء (وهل
فوق نعيم قرة العين بمعية الله ورسوله نعيم، فلا شيء واللّه أجل ولا أكمل ولا أجمل) بجيم
(ولا أجلى) بالجيم (ولا أحلى) بالحاء أشد حلاوة (ولا أعلى) بعين مهملة أشد علوا، أي: رفعة
(ولا أغلى) بمعجمة أزيد مما يقوم بالبال من غلا السعر إذا زاد وارتفع (من حضرة يجتمع فيها
المحب بأحبابه في مشهد مشاهد الإكرام حيث يتجلى:) يظهر (لهم حبيبهم ومعبودهم
الإِله الحق جل جلاله خلف حجاب واحد) بالنسبة إليهم (في اسمه الجميل اللطيف فينفقه)
بفتح أوله وسكون النون وفتح الفاء و کسر الهاء وبالقاف، أي: يتسع ویفیض (عليهم نور يسري
في ذواتهم فيبهتون) بفتح الياء وضم الهاء وفتحها مبنيًا للفاعل، أي: يتحيرِون (من جمال اللّه
وتشرق ذواتهم بنور ذاك الجمال الأقدس) الأطهر (بحضرة الرسول الأرأس) أعظم الناس
وأشدهم سيادة (ويقول لهم الحق جل جلاله: سلام علیکم عبادي).
روى ابن ماجه وغيره مرفوعًا: بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا

٤٢٦
خاتمة
اليوم ولا أنتم تحزنون، أنتم أوليائي وجيراني وأحبابي، إني أنا الله الجواد الغني،
وهذه داري قد أسكنتكموها، وجنتي قد أبحتكموها، وهذه يدي مبسوطة ممتدة
عليكم، وأنا ربكم أنظر إليكم، لا أصرف نظري عنكم، أنا لكم جليس وأنيس،
فارفعوا إلى حوائجكم، فيقولون ربنا حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكريم والرضى
عنا، فيقول لهم جل جلاله: هذا وجهي فانظروا إليه وأبشروا، فإني عنكم راض ثم
يرفع الحجاب ويتجلى لهم فيخرون سجدًا فيقول لهم: ارفعوا رؤوسكم، فليس
هذا موضع سجود يا عبادي، ما دعوتكم إلا لتتمتعوا بمشاهدتي، يا عبادي قد رضيت
عنكم فلا أسخط عليكم أبدًا.
رؤوسهم، فإذا بالرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك
قول الله: ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾، قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى
شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في
ديارهم وإشرافه سبحانه: إطلاعه منزهًا عن المكان والحلول (ومرحبًا بكم أهل ودادي، أنتم
المؤمنون الآمنون لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) كما قال تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله
لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة/ ٣٨]، الذين آمنوا وكانوا يتقون، (أنتم أوليائي
وجيراني وأحبابي إني أنا الله الجواد الغني، وهذه داري) بإضافة التشريف (قد أسكنتكموها
وجنتي قد أبحتكموها، وهذه يدي مبسوطة) ممتدة (عليكم وأنا ربكم أنظر إليكم) نظر رحمة
ولطف (لا أصرف نظري عنكم، أنا لكم جليس وأنيس، فارفعوا إليّ حوائجكم، فيقولون:
ربنا حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكريم والرضا عنا) أي: دوامه (فيقول لهم جل جلاله:
هذا وجهي انظروا إليه وأبشروا) بهمزة قطع (فإني عنكم راضٍ، ثم يرفع الحجاب) بالنسبة
إليهم (ويتجلى لهم فيخرون سجدًا، فيقول لهم: ارفعوا رؤوسكم فليس هذا موضع
سجود).
وعند ابن المبارك والآجري عن جابر موقوفًا ومرفوعًا: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأنعم
عليهم بالكرامة جاءتهم خيول من ياقوت أحمر لا تبول ولا تروث لها أجنحة، فيقعدون عليها ثم
يأتون الجبار، فإذا تجلى لهم خروا سجدًا، فيقول الجبار: يا أهل الجنة ارفعوا رؤوسكم فقد
رضيت عنكم رضًا لا سخط بعده، يا أهل الجنة ارفعوا رؤوسكم، فإن هذه ليست بدار عمل إنما
هي دار مقامة ودار نعيم، فيرفعون رؤوسهم (يا عبادي ما دعوتكم إلاَّ لتتمتعوا) أي تنتفعوا
وتتلذذوا (بمشاهدتي، يا عبادي قد رضيت عنكم فلا أسخط عليكم أبدًا).
وفي حديث حذيفة عند البزار، رفعه: إن اللّه إذا صير أهل الجنة إلى الجنة وليس ثم ليل

٤٢٧
خاتمة
فما أحلاها من كلمة، وما ألذها من بشرى، فعندها يقولون: الحمد لله
الذي أذهب عنا الحزن، وأحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا
يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور،
ولا نهار قد علم اللّه مقدار تلك الساعات، فإذا كان يوم الجمعة في وقت الجمعة التي يخرج
أهل الجمعة إلى جمعتهم نادى منادٍ يا أهل الجمعة اخرجوا إلى دار المزيد، فيخرجون في كثبان
المسك، قال حذيفة: واللّه لهو أشد بياضًا من دقيقكم هذا، فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور
وغلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت، فإِذا قعدوا وأخذوا مجالسهم بعث اللّه عليهم ريحًا تثير
عليهم المسك الأبيض فتدخله في ثيابهم وتخرجه من جيوبهم، فيقول اللّه: أين عبادي الذين
أطاعوني بالغيب وصدقوا رسلي فهذا يوم المزيد؟، فيجتمعون على كلمة واحدة: إنا قد رضينا
فارض عنا، فيقول: لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي، فهذا يوم المزيد، فسلوني، فيجتمعون
على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه فيتجلى لهم فيغشاهم من نوره، فلولا أن اللّه قضى أن
لا يموتوا لاحترقوا.
وللبيهقي عن جابر رفعه: بينا أهل الجنة في منازلهم إذ سطع لهم نور فرفعوا
رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف، فقال: يا أهل الجنة سلوني، قالوا: نسألك الرضا عنا قال:
رضاي أحلكم داري وأنيلكم كرامتي، هذا أوانها فسلوني، قالوا: نسألك الزيادة، فيؤتون
بنجائب من ياقوت، إلى أن قال: حتى ينتهي بهم إلى جنة عدن وهي قصبة الجنة،
فتقول الملائكة: يا ربنا قد جاء القوم، فيقول: مرحبًا بالصادقين، مرحبًا بالطائعين، فيكشف
لهم الحجاب فينظرون إليه، فيتمتعون بنور الرحمن حتى لا يبصر بعضهم بعضًا، ثم يقول:
ارجعوهم إلى القصور بالتحف، فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضًا، قال عَّهِ: فذلك قول
الله: ﴿نزلاً من غفور رحيم﴾ [فصلت/ ٣٢] الآية (فما أحلاها من كلمة وما ألذها من
بشرى، فعندها يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن).
قال ابن عباس: حزن النار، رواه الحاكم وصححه، ولابن أبي حاتم عن ابن عباس: حزن
ذنوب سلفت، وله عن الشعبي: طلب الخبز في الدنيا غداء وعشاء، وقيل: الجوع، وقيل:
وسوسة إبليس وغيرها (وأحلنا دار المقامة) أي: الإقامة (من فضله) من إنعامه وتفضله، إذ
لا واجب عليه (لا يمسنا فيها نصب:) تعب (ولا يمسنا فيها لغوب:) إعياء من التعب لعدم
التكليف فيها، وذكر الثاني التابع للأول للتصريح بنفسه.
أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال رجل: يا رسول اللّه إن النوم
مما يقر اللّه به أعيننا في الدنيا، فهل في الجنة نوم؟، قال: لا؛ النوم شريك الموت وليس في

٤٢٨
خاتمة
وهذا يدل على أن جميع العبادات تزول في الجنة إلا عبادة الشكر والحمد
والتسبيح والتهليل. والذي يدل عليه الحديث الصحيح، إنهم يلهمون ذلك كإلهام
النفَس، كما في مسلم من حديث جابر: أن رسول الله عَّ له قال: ((يأكل أهل الجنة
فيها ويشربون، ولا يمتخطون ولا يبولون، ويكون طعامهم ذلك جشاء ورشحًا
الجنة موت، قال: فما راحتهم، فأعظم ذلك النبي عَّه وقال: ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة،
فنزل: ﴿لا يمسنا فيها نصب﴾ [فاطر/ ٣٥].
وللبزار والطبراني والبيهقي بسند صحيح عن جابر: قيل: يا رسول اللّه أينام أهل الجنة؟،
قال: النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون (إن ربنا لغفور) للذنوب (شكور) للطاعات،
والمصنف لم يقصد التلاوة، بل بين ما يقولونه أولاً من النعم التي أفاضها عليهم، ثم ثناءهم عليه
تعالى بأنه غفور شكور، ولكنه خلاف ظاهر القرءان مع أنه أبلغ لجعله الثناء عليه متوسطًا بين
تعداد النعم، على أنه ورد في خبر وإن كان معضلاً عند ابن أبي الدنيا وأبي نعيم وابن أبي حاتم
مرفوعًا في حديث طويل في ذكر ما أنعم الله به على أهل الجنة بنحو ورقتين، قال في آخره:
فلما تبؤوا منازلهم، قال لهم ربهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟، قالوا: نعم رضينا فارض عنا،
قال: برضاي عنكم أحللتكم داري ونظرتم إلى وجهي وصافحتكم ملائكتي، فهنيئًا هنيئًا، عطاء
غير مجذوذ ليس فيه تنغيص، فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور
شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب، فصرحٍ بأنهم
يقولون الآيتين على وجههما (وهذا يدل على أن جميع العبادات تزول في الجنة إلاّ عبادة
الشكر والحمد) كما هو لفظ الآية (والتسبيح والتهليل).
روى الأصبهاني في حديث عن علي رفعه: ثم يحل بهم كرامة اللّه والنظر إلى وجهه وهو
وعد اللّه أنجزه لهم، فعند ذلك ينظرون إلى وجه رب العالمين، فيقولون: سبحانك ما عبدناك
حق عبادتك (والذي يدل عليه الحديث الصحيح أنهم يلهمون ذلك كإلهام النفس) بفتحتين،
فيحمل ما دل عليه الأول على أن ذلك عبادة بدون تكليف فلا خلف.
(كما في مسلم من حديث جابر) بن عبد اللّه (أن رسول اللّه ◌َِّ قال: يأكل أهل
الجنة فيها ويشربون) ولا يتغوطون كما في مسلم قبل قوله: (ولا يمتخطون ولا يبولون) قال في
المفهم: لأن هذه فضلات مستقذرة ولا مستقذر في الجنة، ولما كانت أغذية أهل الجنة في
غاية اللطافة والاعتدال لم يكن لها فضلة مستقذرة، بل تستطاب وتستلذ، وعبر عنها بالمسك في
قوله: (ويكون طعامهم) أي: خروج طعامهم، أي: مطعومهم.
ولفظ مسلم: ولكن طعامهم (ذلك جشاء) بضم الجيم ومعجمة ومد صوت مع ريح

٤٢٩
خاتمة
كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النفَس، يعني أن تسبيحهم
وتحميدهم يجري مع الأنفاس، فليس عن تكليف وإلزام، وإنما هو عن تيسير
وإلهام، ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا بد له منه ولا كلفة ولا مشقة في فعله،
وكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة أهل الجنة. وسر ذلك أن قلوبهم قد
تنورت بمعرفته، وأبصارهم قد تمتعت برؤيته، وقد غمرتهم سوابغ نعمته، وامتلأت
أفئدتهم بمحبته ومخاللته، فألسنتهم ملازمة لذكره، وقد أخبر الله تعالى عن شأنهم في
ذلك بقوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا
الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين﴾ [الزمر/٧٤]، وقوله تعالى:
يحصل من الفم عند حصول الشبع (ورشحا) عرقًا (كرشح المسك).
قال القرطبي: وقد جاء في لفظ آخر: لا يبولون ولا يتغوطون وإنما هو عرق يجري من
أعراضهم مثل المسك، يعني: من أبدانهم (يلهمون التسبيح والتحميد).
وفي رواية لمسلم: التسبيح والتكبير (كما يلهمون النفس، يعني؛ أن تسبيحهم
وتحميدهم يجري مع الأنفاس فليس عن تكليف وإلزام، وإنما هو عن تيسير وإلهام) لأنها
ليست دار تكليف (ووجه التشبيه) كما قال القرطبي في المفهم (أن تنفس الإِنسان لا بدّ له
منه ولا كلفة ولا مشقة في فعله) بل فيه لذة وراحة (فكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة
أهل الجنة، وسر ذلك) أي: حكمته ونكتته (أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته، وأبصارهم قد
تمتعت برؤيته وقد غمرتهم:) غطتهم (سوابغ نعمته، وامتلأت أفئدتهم بمحبته ومخاللته،
فألسنتهم ملازمة لذكره) ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره، إلى هنا كلام المفهم، قال الأبي: فهو
تسبيح تنعم وتلذذ (وقد أخبر اللّه تعالى عن شأنهم في ذلك بقوله تعالى في كتابه العزيز:
(﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده﴾) [الزمر/ ٧٤]، بالجنة.
وقال البيضاوي: بالبعث والثواب (وأورثنا الأرض:) المكان الذي استقروا فيه على
الاستعارة وإيراثها تمليكها مختلعة عليهم من أعمالهم أو تمكينهم من التصرف فيها تمكين الوارث
فيما يرثه.
وروى ابن ماجه والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه عَله: ما
منكم من أحد إلاّ له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل
الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أولئك هم الوارثون﴾ [المؤمنون/ ١١]، (نتبوأ:) ننزل (من
الجنة حيث نشاء) لأنها كلها لا يختار فيها مكان على مكان ويهدي اللّه كل أحد لمنزله
فلا يختار سواه (فنعم أجر العاملين) الجنة (وقوله تعالى: ((دعواهم فيها﴾) أي: طلبهم لما

خاتمة
٤٣٠
﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله
رب العالمين﴾، [يونس/١٠]، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
تسليمًا كثيرًا.
يشتهونه في الجنة أن يقولوا: ((سبحانك اللهم﴾) أي: يا اللّه، فإذا ما طلبوه بين أيديهم
(﴿وتحيتهم﴾) فيما بينهم (﴿فيها سلام وآخر دعواهم أن﴾) مفسرة (﴿الحمد لله رب
العالمين﴾) [الزمر / ٧٤] الآية.
وفي البيضاوي: تحيتهم ما يحيي بعضهم بعضًا أو تحية الملائكة إياهم، ولعل المعنى؛
أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظم الله وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثم حياهم
الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات، أو اللّه تعالى، فحمدوه وأثنوا عليه
بصفات الإِکرام. انتھی.
وفي الحديث المعضل الذي سبقت الإشارة إليه: بينما هم يومًا في ظل شجرة طوبى
يتحدثون إذا جاءتهم الملائكة يقودون نجباً إلى أن قال: فأناخوا لهم النجائب، وقالوا لهم: إن
ربكم يقرئكم السلام ویرید کم لتنظروا إليه وينظر إليكم وتكلموه ويكلمكم ويزيدكم من فضله
ومن سعته، فيتحول كل رجل منكم على راحلته، فينطلقون صفًا معتدلاً إلى أن قال: فلما دفعوا
إلى الجبار أسفر لهم عن وجهه الكريم وتجلى لهم في عظمته العظيمة تحيتهم فيها سلام، قالوا:
ربنا أنت السلام ومنك السلام ... الحديث.
(فائدة): وقع في كلام بعض الأئمة إن رؤية اللّه خاصة بمؤمني البشر؛ وأن الملائكة
لا يرونه، واحتج له بقوله: تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام/١٠٣]، فإنه عام خص بالآية
والأحاديث في المؤمنين، فبقي على عمومه في الملائكة، قال في الحبائك: والأرجح أنهم يرونه
فقد نص إمام أهل السنّة أبو الحسن الأشعري على أنهم يرونه.
وقال في البدور: وكذا نص عليه البيهقي في كتاب الرؤية، وأخرج عن عبد الله بن
عمرو بن العاصي: خلق اللّه الملائكة لعبادته أصنافًا وإن منهم ملائكة قيامًا صافين من يوم خلقهم
إلى يوم القيامة وملائكة ركوعًا خشوعًا من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة سجودًا من يوم
خلقهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم تبارك وتعالى، فإذا نظروا إلى وجهه
الكريم، قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
ثم أخرجه من وجه آخر بنحوه، عن رجل من الصحابة، عن النبي عَّه، وفي آخره: فإذا كان
يوم القيامة تجلى لهم ربهم فينظرون إليه، قالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك، قال في
الحبائك: وأما دخول الملائكة الجنة فمما لا خلاف فيه ولا مرية لأحد خلافًا لمن وهم فيه. انتهى.

٤٣١
خاتمة
قال مؤلفه وجامعه أحمد بن الخطيب القسطلاني - عامله الله بما يليق
بكرمهـ: فهذا آخر ما جرى به قلم المدد، من هذه المواهب اللدنية، وسطرته يد
الفيض من المنح المحمدية، وذلك وإن كثر لقليل في جنب شرفه الشامخ،
ويسير مما أكرمه الله به من فضله الراسخ، ولو تتبعنا ما منحه الله به من مواهبه،
وشرفه به من مناقبه، لما وسعت بعض بعضه الدفاتر، وكأنت دون مرماه الأقلام
(قال جامعه ومؤلفه) وفي نسخ مؤلفه وجامعه (أحمد بن) محمد (الخطيب بن أبي بكر
محمد (القسطلاني) بفتح القاف وشد اللام على ما اشتهر، ولد كما ذكره شيخه السخاوي في
الضوء اللامع بمصر ثاني عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة وحفظ عدة كتب، وأخذ
عن الشهاب العبادي والبرهان العجلوني والفخر المقسي والشيخ خالد الأزهري النحوي
والسخاوي وغيرهم، وقرأ البخاري على الشهاوي في خمسة مجالس، وحج مرارًا وجاور بمكة
مرتین.
وروى بها عن جمع جم، منهم النجم بن فهد وكان يعظ بجامع الغمري وغيره، ولم یکن
له في الوعظ نظير. انتهى.
وله تصانيف كشرح البخاري، ثم اختصره في آخر سماء الإِسعاد مختصر الإِرشاد لم
يكمل، وشرح صحيح مسلم إلى أثناء الحج والشاطبية والبردة وله مسالك الحنفا في الصلاة
على المصطفى ولطائف الإشارات في القراءات الأربع عشرة وهذه المواهب اللدنية، وقدمت
إسنادي إليه بها في أول هذا الشرح، وأعلاه شيخنا دراية.
ورواية عن أحمد بن خليل السبكي عن إجازة الشريف يوسف الأرميوني، عن المؤلف
وشيخنا أبو عبد الله الحافظ البابلي إجازة عن النور الزيادي، عن أبي الحسن البكري، عن
المصنف: ومات يوم الخميس مستهل محرم سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة بمنزله بالعينية، وتعذر
الخروج به إلى الصحراء لأنه اليوم الذي دخل فيه السلطان سليم مصر، وكانت وفاته بشيء
أصابه من البندق ودفن على الإِمام العيني، وقوله: وجامعه بعد قوله: مؤلفه إشارة إلى أنه ليس له
في تصنيفه إلاَّ مجرد الجمع من كلامهم، ولا ينافيه قوله: بعد أنه بفيض اللّه وإنعامه، لأن المعنى
أنعم الله عليه بهدايته لأخذه من كلامهم وإطلاعه عليه (عامله اللّه بما يليق بكرمه، فهذا آخر ما
جرى به قلم المدد من هذه المواهب:) جمع موهبة بكسر الهاء وهي العطية على جهة
التمليك بلا عوض (اللدنية وسطرته يد الفيض من المنح) بكسر ففتح العطايا (المحمدية،
وذلك وإن كثر الواو للحال (لقليل في جنب شرفه الشامخ) الرفيع (ويسير مما أكرمه الله به
من فضله الراسخ) الثابت (ولو تتبعنا ما منحه) أعطاه وخصه (اللّه به من مواهبه وشرفه به من

خاتمة
٤٣٢
وجفت المحابر، وضاقت عن جمعه الكتب، وعجزت عن حمله النجب.
وعلى تفنن واصفيه بحسنه يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
وإلى الله أضرع أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم مخلصاً من شوائب الرياء
ودواعي التعظيم: وأن ينفعني به والمسلمين والمسلمات في المحيا وبعد الممات،
سائلاً من وقف عليه من فاضل أنار الله بصيرته، وجبل على الإنصاف
سريرته، أن يصلح بحلمه عثاري وزللي، ويسد بسداد فضله خطئي
بعض بعضه الدفاتر:) الكراريس جمع دفتر (وكانت دون مرماه الأقلام وجفت المحابر:) جمع
محبرة (وضاقت عن جمعه الكتب وعجزت عن حمله النجب) بنون وجيم وموحدة كرام
الإِبل، وأنشد المصنف قول العارف ابن الفارض:
(وعلى تفنن واصفيه بحسنه (يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف)
(وإلى اللّه تعالى) لا إلى غيره (أضرع:) أخضع وأذل (أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم
مخلصًا) بضم الميم وسكون الخاء وفتح اللام، أي: مبعدًا (من شوائب الرياء ودواعي
التعظيم:) جمع شائبة، والمراد بها هنا الأسباب التي يحصل بها الرياء (وأن ينفعني به
والمسلمين والمسلمات في المحيا والممات) بالثواب، لأن تأليف الكتب من العمل
الباقي بعد الموت، كما قيل في قوله عَّه: ((إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث))، فذكر
منها أو علم ينتفع به، وقد قال بعضهم: الأقسام السبعة التي لا يؤلف عالم عاقل إلاَّ فيها هي إما
شيء لم يسبق إليه يخترعه، أو شيء ناقض يتممه أو شيء مغلق يشرحه أو شيء طويل يختصره
دون أن يخل بشيء من معانيه أو شيء مفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه
مصنفه فیصلحه. انتهى.
وكل ذلك داخل في قوله: أو علم ينتفع به بشرط كون العلم شرعيًا (سائلاً من وقف
عليه من فاضل أنار الله بصيرته) هي قوة القلب المنور بنور القدس، يرى حقائق الأشياء
وبواطنها بمثابة البصر للعين، يرى به صور الأشياء وظاهرها، قاله ابن الكمال، وقال الراغب: البصر
الجارحة كلمح البصر والقوة التي فيها، ويقال: لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر ولا يكاد يقال
للجارحة بصيرة (وجبل) بفتح الجيم والباء طبع (على الإنصاف سريرته أن يصلح بحلمه
عثارى) بعين مكسورة ومثلثة مصدر عثر إذا انعقل في ثوبه مثلاً فسقطت رجله عن الاستقامة،
والمراد هنا الزلة، فقوله: (وزللي) عطف تفسير (ويسد بسداد) بكسر السين وفتحها (فضله).
قال في المصباح: السداد بالكسر ما يسد به القارورة وغيرها، واختلف في سداد من عيش
وسداد من عوز لما يرمق به العيش وتسد به الخلة، فقال ابن السكيت والفارابي، وتبعه

٤٣٣
خاتمة
وخللي، فالكريم يقيل العثار، ويقبل الاعتذار، خصوصًا عذر مثلي، مع قصر باعه
في هذه الصناعة، وكساد سوقه بما لديه من مزجاة البضاعة، وما ابتلي به من
شواغل الدنيا الدنية، والعوارض البدنية، وتحمله من الأثقال التي لو حملها رضوى
لتضعضع، أو أنزلت على ثبير لخشع وتصدع، لكنني أخذت غفلة الظلام الغاسق،
الجوهري بالفتح والكسر، واقتصر الأكثر على الكسر، منهم ابن قتيبة وثعلب والأزهري، لأنه
مستعار من سداد القارورة (خطئي وخللي).
قال العلامة ناصر الدين اللقاني والمرتضى عندهم في إصلاح ما يقف عليه الناظر في
كلام غيره التنبيه على ذلك بالكتابة في حاشية أو غيرها، لا المحو والإِثبات من الأصل، إذ لعل
الصواب ما في الأصل والتخطئة خطأ. انتهى.
ولذا قال شيخنا: ليس المراد أنه يغير ما يراه من الخلل، بل المراد أنه إذا رآه وأمكن
الجواب عنه أجاب، وإلاّ بين فساده واعتذر بأن الإِنسان محل السهو والغفلة. انتهى.
وقد قيل بذلك ولو كان لحنًا أو خطًا محضًا في الحديث النبوي، لكن الأكثر من العلماء
والمحدثين أنه يصلح ويقرأ الصواب، لا سيما في لحن لا يختلف المعنى به وهو الأرجح، لأنه
عَُّ لم يقله، ومنهم من صوب إبقاءه مع التضبيب عليه (فالكريم يقيل) من الإِقالة (العثار)
بكسر المهملة (ويقبل) من القبول (الاعتذار خصوصًا عذر مثلي مع قصر باعه في هذه
الصناعة) الحديثية (وكساد سوقه) عدم نفاقه ورواجه (بما لديه) أي: بسبب ما عنده (من مزجاة
البضاعة) من إضافة الصفة للموصوف، أي: بضاعة مزجاة.
قال البيضاوي: ردية أو قليلة ترد وتدفع رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته، وفي المصباح:
البضاعة بالكسر قطعة من المال تعد للتجارة، ففيه استعارة شبه العلم الذي حصله بمال قليل معد
للتجارة فيه وطلب الربح منه والقليل في يد التاجر بعد حصول الربح منه، فلا اعتراض من كان
بصفته وتعرض للتأليف بأن في عبارته سقطا أو غيره، قال هذا المصنف تواضعًا واعترافًا بالعجز،
إذ له اليد الطولى في علوم عديدة ومصنفات كثيرة مستعملة مرغوب فيها من أجلها المواهب
(وما ابتلي به من شواغل الدنيا الدنية والعوارض البدنية) من الأمراض، وذلك عذر كبير في
حصول الخلل (وتحمله من الأثقال التي لو حملها رضوى:) بفتح الراء وإسكان المعجمة
بوزن سكرى جبل بالمدينة (لتضعضع:) خضع وذل وافتقر كما في القاموس (أو أنزلت على
ثبير:) جبل بمكة قرب المزدلفة (لخشع وتصدع) أي: تشقق، والقصد بهذا التمثيل لشدة ما
أصابه حتى أنه لو حل بهذين الجبلين مع غلظهما وصلابتهما ما أطاقاه.
قال ذلك مبالغة في شدة البلايا التي أصابته (لكنني أخذت غفلة الظلام الغاسق) أي:
الشديد السواد، أي: الغفلة الحاصلة للناس في شدة الظلام المانعة عن سعيهم في مصالحهم،

خاتمة
٤٣٤
والليل الواسق، فسرقته من أيدي العوائق، والليل يعين السارق، واستفتحت مغالق
المعاني بمفاتيح فتح الباري، واستخرجت من مطالب كنوز العلوم نفائس الدراري،
حامدًا الله تعالى على ما أنعم وألهم وعلم ما لم أكن أعلم. مصليًا مسلمًا على
رسوله محمد أشرف أنبيائه، وأفضل مبلغ لأنبائه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه
فاشتغلت فيها بتصنيف هذا الكتاب وخصها لقلة المتاعب والأسباب المعوقة عن المطلوب غالبًا
(والليل الواسق:) الجلمع للدواب وغيرها، كاللصوص الذين تخشاهم الناس فيهابون الخروج فيه
ويلزمون بيوتهم (فسرقته من أيدي العوائق) التي تعوقه عما يريده من الاشتغال به وجمعه
(والليل يعين السارق) يمنع رؤية الناس له بظلامه حتى يتمكن من السرقة، ولذا فضل العشاق
الليل على النهار، وقال الشاعر:
وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب
(واستفتحت مغالق المعاني) أي: طلبت إزالة ما يمنع من إدراك الوصول إلى المعاني؛
بأن تعلقت بما يزيل اللبس والإِشكال عنها حتى ظهرت لي وانكشفت، فعبرت عنها بألفاظ سهلة
قريبة المأخذ واضحة الدلالات، وفي تسمية تلك الإشكالات المغطية للمعاين بالمغالق: جمع
مغلاق بالكسر استعارة تحقيقية شبه الإشكالات المانعة من إدراك ما وراءها بما هو محفوظ فيها،
واستعار لها اسمها (بمفاتيح فتح الباري) أي: بالبحث والتفتيش عما اشتمل عليه شرح البخاري
لخاتمة الحفاظ ابن حجر، المسمى بفتح الباري وفيه تورية، حيث استعمل هذا اللفظ الذي هو
علم لهذا الكتاب وأراد به فتح الباري جلا وعلا بإفاضة النعم عليه واستخراج المعاني الدقيقة من
مواضعها ووضع ما يدل عليها في كتابه.
كذا قال شيخنا، أي: فالمراد مفاتيح فتح الباري سبحانه وتعالى على طريق الاستعارة وفيه
التورية بذكر اسم الكتاب، لأن الأخذ منه من جملة نعم اللّه تعالى (واستخرجت من مطالب
كنوز العلوم) أي: الكتب المشتملة على العلوم كاشتمال المطالب على الأموال المكنوزة فيها
(نفائس الدراري) أي: المسائل النفيسة المشبهة للدرر النفيسة المكنوزة (حامدًا اللّه تعالى
على ما أنعم) أي: على إنعامه، ولم يتعرض للمنعم به إيهامًا لقصور العبارة عن الإِحاطة به ولئلا
يتوهم اختصاصه بشيء دون شيء (وألهم وعلم) يتعدى لمفعولين نحو: وعلم ءادم الأسماء كلها أولهما
محذوف للقرنية، أي علمني (ما لم أكن أعلم مصليًا مسلمًا على رسوله محمد
أشرف) أفضل (أنبيائه وأفضل مبلغ لأنبائه) بالهمزة المفتوحة لأخباره تعالى التي أمره بتبليغها،
وليس الضمير للمصطفى كما هو بين، إذ المعنى أن الرسل كلهم بلغوا ما أمرهم اللّه بتبليغه وهو
أفضلهم (وعلى آله وأصحابه وأحبابه وخلفائه) يحتمل أنه خاص على عام، ويحتمل المغايرة

٤٣٥
خاتمة
وخلفائه صلاة لا ينقطع مددها، ولا يفنى أمدها.
والله أسأل أن ينفع به جيلاً بعد جيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل واستودع الله
تعالى نفسي وديني وخواتيم عملي، وما أنعم به علي ربي، وهذا الكتاب، وأن
بجعل أحبابه من غير آله وصحبه لجريهم على سننهم وخلفائه القائمين بنشر أحاديثه وتبليغها
للناس، كما ورد: والأئمة المقسطين من غير الصحابة (صلاة لا ينقطع مددها ولا يفنى أمدها:)
غایتھا.
قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى ورفع درجاته في الجنان: وقد انتهت كتابة هذه النسخة
المباركة النافعة إن شاء اللّه تعالى المنقولة من المسودة، المرجوع عن كثير منها مع زيادات
جمة منَّ اللّه تعالى بها في خامس عشر شعبان المكرم سنة تسع وتسعين وثمانمائة، وتمت
المسودة في الثاني من شوال سنة ثمان وتسعين وثمانمائة وكان الابتداء في المسودة المذكورة
ثاني يوم من قدومي من مكة المشرفة صحبة الحاج في شهر محرم سنة ثمان وتسعين وثمانمائة)
وفي هذا همة علية جدًا من المصنف رحمه اللّه، يبدأ عقب السفر غير مبالٍ بالتعب، ثم يتم
جزئين في نحو تسعة أشهر، فذكره لهذا من باب التحدث بالنعمة (والله) بالنصب قدم على
عامله وهو (أسأل) لإِفادة التخصيص عند البيانيين، والحصر عند النحويين كما قاله الزمخشري:
في إياك نعبد، أغير اللّه تأمروني أعبد، أغير اللّه أبغي ربًا لإلى اللّه تحشرون، خلافًا لابن الحاجب
في أنه للاهتمام، قال: ولا دليل على كونه للحصر، قال بعضهم: دليله الذوق وفهم أئمة التفسير
مع حصول الاهتمام أيضًا، إذ لا ينافي الاختصاص (أن ينفع به جيلاً) بكسر الجيم وسكون
التحتية أمة (بعد جيل) ويجمع على أجيال، وفيه محض الإِخلاص بتأليفه وأنه لم يترقب عليه
منفعة من مخلوق ولا قصد به التوسل إلى القرب منهم كعادة كثير من المؤلفين، وسلك سنن
الأئمة في الدعاء بالانتفاع بتأليفه لتحصل الثمرة به عاجلاً بالانتفاع به في الدنيا وآجلاً بالثواب
الجزيل بفضل اللّه في الأخرى لئلا يذهب عناؤه باطلاً، والظن بجميل صنع اللّه تعالى قبول
دعوته، فإن اللّه تعالى قد نشر ذكره في الآفاق وجبل قلوب كثير من الخلق على محبته
والاشتغال به وهي من علامات القبول وتعجيل بشرى المؤمن وإلا فكم من تأليف حسن طوي
ذكره ولم يشتغل به، والرجاء منه تعالى أن يتم الإنعام بالإِحسان الأخروي (وحسبنا اللّه) كافينا
(ونعم الوكيل) المفوض إليه الأمر، وأتى بها استعانة لوقوعه في أمر عظيم هل يقبل تأليفه وينتفع
به، وقد دلت الآية على استحباب هذه الكلمة عند الغم والأمور العظيمة.
وروى ابن مردويه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا وقعتم في أمر عظيم، فقولوا: حسبنا
الله ونعم الوكيل))، قاله في الإكليل (وأستودع اللّه تعالى نفسي وديني وخواتيم عملي وما

خاتمة
٤٣٦
ينفعني به والمسلمين، وأن يردني وأحبابي إلى الحرمين الشريفين على أحسن وجه
وأتمه، وأن يرزقني الإقامة بهما في عافية بلا محنة، وأن يطيل عمري في طاعته،
ويلبسني أثواب عافيته، ويجمع لي وللمسلمين بين خيري الدنيا والآخرة، ويصرف
عني سوءهما، ويجعل وفاتي ببلد رسوله، ويمنحنا من المدد المحمدي بما منحه
أنعم به عليّ ربي) أي: أكل ذلك كله إلى اللّه وأتبرأ من حفظه وأتخلى من حرسه وأتوكل
عليه، فإنه تعالى الوافي الحفيظ إذا استودع شيئًا حفظه، وفيه إلماح إلى أنه مسافر من الدنيا،
وقد كان عَّ يقول للمسافر: ((استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)).
رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الحاكم على شرطهما (بهذا) التأليف؛ (وأن
ينفعني به والمسلمين) ذكر السؤال بالنفع ثلاث مرات، لأن اللّه يحب الملحين في الدعاء،
وأقل الإلحاح ثلاث مرات؛ (وأن يردني وأحبابي إلى الحرمين الشريفين على أحسن وجه
وأتمه، وأن يرزقني الإقامة بهما في عافية بلا محنة:) بلية واختيار (وأن يطيل عمري في
طاعته) لأنها خير الزاد موجبة للسعادة الأبدية.
روى الحاكم عن جابرٍ، قال عٍَّ: ألا أخبركم بخياركم؟، قالوا: بلى، قال خياركم
أطولكم أعمارًا وأحسنكم أعمالاً).
وروى أحمد والترمذي وقال حسن صحيح والحاكم، وقال على شرطهما عن أبي بكرة
رفعه: ((خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله)) (ويلبسني
أثواب عافيته) لأقوى بها على طاعته.
روى أحمد والترمذي عن العباس أنه عَّ قال له: يا عباس يا عم رسول اللّه سل الله
العافية في الدنيا والآخرة.
ولأحمد والترمذي عن الصديق: قام فينا رسول اللّه عَ لِّ عام أول على المنبر، فقال: سلوا
الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية.
وللنسائي وابن ماجه عن أنس رفعه: «سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، فإذا
أعطيت المعافاة في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت)) (ويجمع لي والمسلمين بين
خيري الدنيا والآخرة ويصرف عني سوءهما) وعن المسلمين: ففيه اكتفاء (ويجعل وفاتي
ببلد رسوله) ولم يقع ذلك، بل مات بمصر كما مر، ولكن الرجاء من كرم اللّه وجوده أن يعوضه
عن هذه الدعوة.
وقد روى أحمد وصححه الحاكم عن أبي سعيد، رفعه ((ما من مسلم يدعو بدعوة ليس
فيها إثم ولا قطيعة رحم إلاَّ أعطاه اللّه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له
في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)).

٤٣٧
خاتمة
عباده الصالحين مع رضوانه، ويمتعنا بلذة النظر إلى وجهه الكريم من غير عذاب
يسبق، فإنه سبحانه إذا استودع شيئًا حفظه، والحمد لله وحده وصلى الله على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وللحاكم عن جابر مرفوعًا في حديث طويل: ((فلا يدعو المؤمن بدعوة إلاَّ استجيب له،
إما أن تعجل له في الدنيا وإما أن تدخر له في الآخرة»، فيقول المؤمن في ذلك المقام: يا ليته
لم يكن عجل له شيء من دعائه، وتعجيلها في الدنيا شامل لعين المسؤول، ولبدله بدليل قوله
في الحديث قبله: وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.
ولذا قال الحافظ: إن الإِجابة تتنوع، فتارة بعين المطلوب فورًا، وتارة يتأخر لحكمة فيه،
وتارة يغير عين المطلوب حيث لا مصلحة فيه، وفي الواقع مصلحة ناجزة أو أصلح منها
(ويمنحنا من المدد المحمدي بما منحه): أعطاه (عباده الصالحين مع رضوانه، ويمتعنا بلذة
النظر إلى وجهه الكريم من غير عذاب يسبق، فإنه سبحانه إذا استودع شيئًا حفظه).
روى أحمد عن ابن عمر، رفعه: إن لقمان الحكيم قال: إن اللّه إذا استودع شيئًا حفظه
(والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم) هذا وقد منَّ الله
سبحانه وتفضل على عبده مع عجزه وضعفه بإتمام هذا الشرح المبارك إن شاء اللّه تعالى في مدة
طويلة جدًا آخرها يوم الاثنين المبارك بين الظهر والعصر ثالث عشري جمادى الثانية سنة سبع
عشرة بعد مائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل صلاة وتحية، والله أسأل من فضله
متوسلاً إليه بأشرف رسله أن يجعله لوجهه خالصًا وأن يظلني في ظل عرشه، إذ الظل أضحى في
القيامة قالصًا، وأن ينفع به إلى المعاد وأن يثيبني والمسلمين به في يوم التناد، وأن ينفع به نفعًا
جمّا ويفتح به قلوبًا غلقًا وأعينا عميًا وآذانًا صمًا، وأعوذ باللّه من حاسد يدفع بالصدر، فهذا لله
لا لزيد ولا لعمرو قد سار بنعمة اللّه قبل كمال نصفه سير الشمس في المشارق والمغارب،
وتقطعت أوراقه قبل إكماله بكثرة من له كاتب، وكتب منه نسخ لا تحصى من خطى ومن
فروعه، فرحم الله تعالى من نظر إليه بعين الإِنصاف والتمس مخرجًا لما يراه من زلل وإتلاف،
فإني لجدير بأن أنشد قول القائل:
حمدت اللّه حين هدى فؤادي لما أبديت مع عجزي وضعفي
فمن لي بالخطأ فأرد عنه ومن لي بالقبول ولو بحرف
وأعوذ برب الفلق من شر ما خلق إلى تمام السورتين، فما أجدرني بإنشاد قول من قال من
أهل الكمال:
إني لأرحم حاسدي لفرط ما ضاقت صدورهم من الأوعار

٤٣٨
خاتمة
قال مؤلفه رحمه الله: وقد انتهت كتابة النسخة المنقول منها النسخة
المباركة النافعة إن شاء الله تعالى في خامس عشر شعبان المكرم سنة تسع وتسعين
وثمانمائة، وكان الابتداء في المسودة المذكورة ثاني يوم قدومي من مكة المشرفة،
نظروا صنيع اللّه بي فعيونهم في جنة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي فكانتما علقتها بمنـار
لكن من يكن اللّه تعالى هو المعين له وتوكله عليه لا يضره حسد الحاسدين ولا كيد
المبغضين، يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك لا أحصي ثناء عليك،
أنت كما أثنيت على نفسك، أسألك أن تجعله لك خالصًا، ومن أسباب الفوز والرضا لك
ولرسولك، وأن تريني وجهك ووجه حبيبك في القيامة، وأن ترزقني العافية في الدارين والمعافاة
والسلامة ما شاء الله لا قوة إلاَّ باللّه وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله
وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما
يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين آمين تم.
الحمد لمنزل القرءان الكريم وأفضل الصلاة وأتم التسليم على ذي الخلق العظيم ومن هو
بالمؤمنين رؤوف رحيم وبعد: حمدًا لله على آلائه والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه، فقد تم
بعون منزل السبع المثاني طبع الشرح الرقيق المباني المحرر الأساليب والمعاني، المنسوب
للإِمام المسدد والهمام الجهبذي المسجد، صاحب التآليف الرائقة والتصانيف الفائقة، المشهور
فضله عند القاصي والداني شمس الملة والدين سيدي محمد الزرقاني على المواهب اللدنية
للإِمام القسطلاني قدس الله روحهما ونور بالرضوان ضريحهما.
وهذا الكتاب البديع الرائق السهل المنيع الفائق، قد جمع من تاريخ المصطفى وسيرته
ونسبه الشريف وسنته وأخلاقه وأسمائه وهديه وطريقته وطبه وخصائصه وبلاغته وفصاحته وبعوثه
وسراياه وغزواته وعباداته وإرهاصاته ومعجزاته وسائر أحواله الشريفة وما يتعلق بحضرته السنية
المنيفة ما لا يكاد يحويه بهذا النمط مؤلف ولا يستوعبه على هذا الوجه مصنف، فيا له من
كتاب حلت بتكرير الطبع مشاربه وبزغت في سماء الفضل شموسه وكواكبه، وقد حليت طرره
ووشيت غرره بالكتاب المسمى زاد المعاد في هدى خير العباد للإمام الحافظ النقاد الذي حظي
من مواهب العرفان ما له في العالم استيعاد العلامة الهمام شيخ الإِسلام شمس الدين أبي عبد الله
محمد بن أبي بكر، المعروف بابن قيم الجوزية وكان طبعه الباهر الجليل وإفراغه في هذا القالب
الجميل بالمطبعة العامرة الأزهرية الكائن محلها بجوار الرياض الأزهرية إدارة حضرة مصطفى بك
شاكر وأخيه،) لا زالت الأيام مضيئة بشموس علاهم والليالي منيرة ببدور حلاهم، وذلك في شهر
صفر الخير سنة ١٣٢٩ هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية آمين.

٤٣٩
خاتمة
صحبة الحاج في شهر محرم سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، والحمد لله وحده،
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. آمين.
بعونه تعالى تم الكتاب

الفهرس
* النوع السابع من عبادتاته عليه الصلاة والسلام في نبذة من ادعيته وذكر وقراءته
......
....
٣
* المقصد العاشر الفصل الأول في اتمامه تعالى نعمته عليه
٧٠
...
* الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
١٧٧
* الفصل الثالث في أمور الآخرة
٢٦٤
خاتمة
٤١٥
٤٤٠