Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. وفي البخاري من حديث عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله عَ له - وهو صحيح - يقول: ((إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُحيًّا أو يخير))، فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: ((اللهم في الرفيق الأعلى)). ونبه السهيلي على أنه النكتة في الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد، الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد. والصديقين:) أفاضل أصحاب الأنبياء لمبالغتهم في الصدق والتصديق (والشهداء:) القتلى في سبيل اللّه (والصالحين) غير من ذكر (وحسن أولئك رفيقًا) أي: رفقاء في الجنة، بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم وإن كان مقرهم في درجات عالية بالنسبة إلى غيرهم. (وفي البخاري من حديث) الزهري، عن (عروة، عن عائشة قالت: كان رسول اللّه عَّالّ. وهو صحيح يقول: إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة) وصريحه أن ذلك من خواص الأنبياء، ولا يخالفه حديث الصحيحين: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ... الحديث للفرق بأن الأنبياء تعرض عليهم، ثم يخيرون بخلاف غيرهم فلا يخيرون وإن كان العرض عليهم قبل الموت كما هو مفاد الحديث الصحيح، فالخصوصية، أيضًا عرضه حال الحياة بخلاف غيرهم (ثم يحيا) بضم أوله وفتح المهملة وتشديد التحتانية بعدها (أو يخير) شك الراوي هل قال يحيا أو قال يخير؟، قاله الحافظ: (فلما اشتكى) مرض (وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة). كذا في البخاري: وكأنه التفات، وقدمه المصنف على فخذي بالمعنى: (غشي) أي: أغمي (عليه، فلما أفاق شخص) ارتفع (بصره) بالرفع فاعل (نحو سقف البيت، ثم قال: اللهم) اجعلني (في الرفيق الأعلى) وفي بمعنى: مع أي مع الجماعة الذين يحمد مرافقتهم، وهذا الحديث مر قريبًا وكأنه أعاده، لأن ابن رجب ذكره كالمعارض لما قبله عن المسند، ويمكن الجمع بينهما بحمل قبض نفسه على شدة الاستغراق في رؤية الثواب حتى كأنه قبض، فلا يخالف حديث البخاري الصريح في أن التخيير قبل القبض. (ونبه السهيلي على أن النكتة في الإتيان بهذه الكلمة) أي: لفظع الرفيق (بالإفراد الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد) وهي نكتة في الآية والحديث جمیعًا. ١٢٢ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه . وفي صحيح ابن حبان عنها قالت: أغمي على رسول الله عَّ له ورأسه في حجري. فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال: ((أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل)). ولما احتضر عَّله، اشتد به الأمر، قالت عائشة: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على النبي عَّ، قالت: وكان عنده قدح من ماء، فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: ((اللهم أعني على سكرات الموت)). وفي رواية: فجعل يقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات)). قال بعض العلماء: فيه أن ذلك من شدة الآلام والأوجاع لرفعة منزلته. وقال الشيخ أبو محمد المرجاني: تلك السكرات سكرات الطرب، ألا ترى إلى قول بلال حين قال له أهله وهو في السياق: واكرباه، ففتح عينيه وقال: (وفي صحيح ابن حبان، عنها) أي عائشة (قالت: أغمي على رسول اللّه عَ لَّه ورأسه في حجري، فجعلت أمسحه) أي: صدره كما في رواية الطبراني (وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال:) زاد الطبراني لا، ولكن (أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل ومكلئيل وإسرافيل) وهذا يؤيد أنه خير قبل الموت (ولما احتضر عَّله اشتد به الأمر، قالت عائشة: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على النبي عَد) زيادة في رفع درجاته. (قالت) عائشة: (وكان عنده) عَِّ (قدح من ماء) أي: فيه ماء (فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت:) شدائده. (وفي رواية: فجعل يقول لا إله إلاَّ اللّه إن للموت لسكرات، قال بعض العلماء فيه أن ذلك من شدة الآلام والأوجاع لرفعة منزلته) وقد قالت عائشة: لا أكره شدة الموت لأحد بعد النبي عَ له. (وقال الشيخ أبو محمد المرجاني: تلك السكرات سكرات الطرب) الفرح (ألاَّ ترى إلى قول بلال:) أول من أسلم في أحد الأقوال: (لما قال له أهله وهو في السياق) النزع (واحرباه) بفتح المهملة والراء والموحدة من الحرب بفتحتين نهب مال الإِنسان وتركه لا شىء له. وروي بضم الحاء وزاي ساكنة، وروي واحوباه بفتح الحاء وسكون الواو من الحوب وهو الإِثم والمراد ألمها بشدة جزعها عليه أو من الحوبة، أي: رقة القلب (ففتح عينيه وقال: ١٢٣ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معه. واطرباه، غدًا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه، فإذا كان هذا طربه وهو في هذا الحال بلقاء محبوبه وهو النبي عَّه وحزبه، فما بالك بلقاء النبي عَّه لربه تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ وهذا موضع تقصر العبارة عن وصف بعضه. وفي حديث مرسل ذكره الحافظ ابن رجب: أنه عَِّ قال: ((اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والأنامل والقصب، فأعني عليه وهونه علي)). وعند الإمام أحمد والترمذي من طريق القاسم عنها قالت: ورأيته وعنده قدح فيه ماء وهو يموت، فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: ((اللهم أعني على سكرات الموت)). واطرباه غدًا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه). وفي رواية: وحزبه (فإذا كان هذا طربه وهو في هذا الحال) السياق (بلقاء محبوبه وهو النبي عَّهِ وحزبه، فما بالك بلقاء النبي عَّه لربه تعالى) استفهام تعجبي، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (فلا تعلم نفس) لا ملك مقرب ولا نبي مرسل (ما أخفي) خبىء (لهم من قرة أعين﴾) [السجدة/ ١٧]، ما تقربه عيونهم. وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة، يرفعه: ((قال اللّه تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم فلا تعلم نفس ... الآية، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود، قال: أنه لمكتوب في التوراة لقد أعد اللّه للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر ولم يعلم ملك مقرب ولا نبي مرسل وأنه لفي القرءان ﴿فلا تعلم نفس﴾ الآية (وهذا موضع تقصر العبارة عن وصف بعضه) إذ لا يعلمه إلاّ الله. (وفي حديث مرسل ذكره الحافظ ابن رجب) عبد الرحمن الحنبلي؛ (أنه عليه الصلاة والسلام قال: اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب) بعين مهملة (والأنامل والقصب) بالقاف عظام اليدين والرجلين ونحوهما (فأعني عليه) أي: على أخذ الروح، أي: على المشقة الحاصلة عند أخذه (وهونه عليّ) يسره وسهله. (وعند الإِمام أحمد والترمذي من طريق القسم) بن محمد (عنها) أي عائشة (قالت: ورأيته وعنده قدح فيه ماء وهو يموت فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت) شدائده (ولما غشاه الكرب) الشدة (قالت فاطمة رضي ١٢٤ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ ◌ّه ولما غشاه الكرب، قالت فاطمة رضي الله عنها: واكرب أبتاه، فقال لها: ((لا کرب على أبيك بعد اليوم))، رواه البخاري. قال الخطابي: زعم من لا يعد من أهل العلم: أن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام ((لا كرب على أبيك بعد اليوم)) أن كربه كان شفقة على أمته، لما علم من وقوع الاختلاف والفتن بعده، وهذا ليس بشيء، لأنه كان يلزم أن تنقطع شفقته على أمته بموته، والواقع أنها باقية إلى يوم القيامة، لأنه مبعوث إلى من جاء بعده، وأعمالهم تعرض عليه، وإنما الكلام على ظاهره، وإن المراد بالكرب ما كان يجده عليه الصلاة والسلام من شدة الموت، وكان فيما يصيب جسده من الآلام كالبشر ليتضاعف له الأجر، انتهى. وروى ابن ماجه: أنه عَّ قال لفاطمة: إنه حضر من أبيك ما الله تعالى بتارك منه أحدًا لموافاة يوم القيامة. اللّه عنها: واكرب أبتاه) بألف الندبة والهاء ساكنة للوقف، والنسائي: واكرباه. قال الحافظ والأول أصوب لقوله (فقال لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم) وهذا يدل على أنها لم ترفع صوتها وإلاَّ لنهاها. (رواه البخاري) من أفراده عن أنس عن فاطمة (قال الخطابي: زعم من لا يعد من أهل العلم) لغباوة فهمه (أن المراد بقوله عليه السلام: لا كرب على أبيك بعد اليوم، أن كربه كان شفقة على أمته لما علم من وقوع الاختلاف والفتن بعده، وهذا ليس بشيء لأنه كان) زائدة (يلزم) من ذلك (أن تنقطع شفقته على أمته بموته، والواقع أنها باقية إلى يوم القيامة لأنه) حي في قبره و(مبعوث إلى من جاء بعده، وأعمالهم تعرض عليه) فما وجده حسنًا حمد اللّه عليه وما وجده سيئًا استغفر لهم كما ورد عنه (وإنما الكلام على ظاهره وأن المراد بالكرب ما كان يجده عليه السلام من شدة الموت وكان فيما يصيب جسده من الآلام كالبشر ليتضاعف له الأجر. انتهى). وملخصه أن هذا الزاعم تخيل أن شدة الموت لا تصيبه كغيره، فصرف الكرب إلى الشفقة وما علم ما لزم عليه من انقطاعها مع أنها لا تنقطع وخفي عليه أنه في الآلام الحسية كغيره. (وروى ابن ماجه أنه عَ قال لفاطمة أنه) أي الحال والشأن (حضر من أبيك) أي: عنده (ما) نافية وفاعل حضر محذوف، أي: أمر ليس (اللّه بتارك منه أحدًا لموافاة) أي إتيان، أي؛ أنه مستمر لكل أحد إلى (يوم القيامة) أي: قربها هذا على ما في نسخ المصنف، وفيه ١٢٥ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ ليه. وفي البخاري من حديث أنس بن مالك: أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الإثنين، وأبو بكر يصلي بهم لم يفجأهم إلا رسول الله عَ لّه قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله عَّه يريد أن يخرج إلى الصلاة، قال أنس: وهمَّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله عَ ليه، فأشار إليهم بيده عَّله أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. سقط وتقصير في العزو، فإن الحديث رواه البخاري والترمذي في الشمائل، عن أنس: لما وجد عَّهُ من كرب الموت ما وجد، قالت فاطمة: واكرباه، فقال عَلِّ: لا كرب على أبيك بعد اليوم إنه قد حضر من أبيك ما ليس اللّه بتارك منه أحدًا لموافاة يوم القيامة، فسقط من قلم المصنف لفظ ليس بعد ما وألف الموافاة. قال الشراح: ما، أي أمر عظيم فاعل حضر ليس اللّه بتارك منه، أي: من الوصول إليه أحدًا، وذلك الأمر العظيم هو الموافاة يوم القيامة، أي: الحضور ذلك اليوم المستلزم للموت قبله، وقيل: الموافاة فاعل تارك، أي: لا يترك الموت أحدًا لا يصل إليه، ثم بين ذلك الأمر الذي يوصل الموت إليه كل أحد بقوله: يوم القيامة الواصل إليه كل ميت وفيه ركاكة والقصد تسليتها بأنه لا کرب عليه بعد اليوم، وأما اليوم فقد حضره ما هو مقرر عام لجميع الخلق، فينبغي أن ترضي وتسلمي. (وفي البخاري من حديث أنس بن ملك أن المسلمين بينما هم) بميم ودونها روايتان (في صلاة الفجر) الصبح (من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي بهم) وفي رواية لهم، أي لأجلهم إمامًا (لم يفجأ هم إلاَّ رسول اللّه عَّةٍ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف) ولأبي ذر وهم صفوف في (الصلاة، ثم تبسم يضحك) حال مؤكدة، لأن تبسم بمعنى يضحك وأكثر ضحك الأنبياء التبسم، وكان ضحكه فرحًا باجتماعهم على الصلاة وإقامة الشريعة واتفاق الكلمة (فنكص) بصاد مهملة، أي تأخر (أبو بكر على عقبيه) بالتثنية (ليصل الصف) أي يأتي إليه (وظن أن رسول اللّه عَّه يريد أن يخرج إلى الصلاة) بهم إمامًا (قال أنس: وهم) بشد الميم (المسلمون أن يفتتتوا في صلاتهم) بأن يخرجوا منها (فرحًا برسول اللّه عَلَّه، فأشار إليهم بيده عَّ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر). قال الحافظ: فيه أنه لم يصلُ معهم ذلك اليوم، وما رواه البيهقي عن حميد عن أنس: آخر صلاة صلاها عَّيِ مع القوم الحديث وفسرها بأنها صلاة الصبح، فلا يصح الحديث الباب، ١٢٦ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَ ايه. وفي رواية أبي اليمان عن شعيب، عند البخاري، في ((الصلاة)): فتوفي من يومه ذلك. وكذا في رواية معمر عنده أيضًا. في حديث أنس: لم يخرج إلينا عَّه. ثلاثًا، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم، فقال نبي الله عَنَُّلّ بالحجاب فرفعه، فلما وضحه لنا وجه رسول الله عَّ له ما نظرنا منظرًا كان أعجب إلينا من وجه رسول الله عَ ليه حين وضح لنا، قال: فأومأ رسول الله عَّه إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى الحجاب. الحديث رواه الشيخان. وعنه أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي عَّ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الإثنين، وهم صفوف في الصلاة، كشف رسول الله عَةٍ ستر الحجرة، ويشبه أن الصواب أنها صلاة الظهر، وهذا الحديث في البخاري هنا من طريق عقيل عن ابن شهاب عن أنس. (وفي رواية أبي اليمان) الحكم بن نافع شيخ البخاري (عن شعيب) بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أنس (عند البخاري في الصلاة: فتوفي من يومه ذلك) قرب الزوال (وكذا في رواية معمر عن الزهري، عن أنس (عنده) أي البخاري (أيضًا:) في غير هذا الموضع ومعمر هو ابن راشد أحد أصحاب ابن شهاب، فنسخة أبي معمر تحريف (وفي حديث أنس لم يخرج إلينا ◌َِّ ثلاثًا) من الأيام وكان ابتداؤها من حين خرج فصلى بهم قاعدًا (فأقيمت الصلاة فذهب، أبو بكر يتقدم، فقال نبي اللّه عَ لآه) من إجراء قال مجرى فعل وهو كثير، أي أخذ (بالحجاب) الستر الذي على الحجرة (فرفعه، فلما وضح) أي: ظهر (لنا وجه رسول اللّه عَّه، فما نظرنا منظرًا) بفتح الميم والظاء المعجمة بينهما نون ساكنة، أي شيئًا ننظر إليه (قط كان أعجب إلينا من وجه رسول اللّه عَ ل حين وضح:) ظهر (لنا). (قال) أنس: (فأومأُ رسول اللّه عَلَّه إلى أبي بكر أن يتقدم) إلى الصلاة ليؤمهم (وأرخى الحجاب) قال الحافظ: ليس مخالفًا لقوله في أوله فتقدم أبو بكر، بل في السياق حذف يظهر من قوله في رواية الزهري، فنكص أبو بكر، والحاصل أنه تقدم، ثم ظن أنه عَّم يخرج فتأخر، فأشار إليه حينئذٍ أن يرجع إلى مكانه ... (الحديث) تمامه: فلم يقدر عليه حتى مات عَّهِ. (رواه الشيخان) ففيه أن الصديق استمر خليفة على الصلاة حتى مات المصطفى لا كما زعمت الشيعة أنه عزله بخروجه وتخلف أبو بكر، ودليله يرد عليهم (وعنه) أي: أنس (أن أبا بكر كان يصلي بهم) وفي رواية لهم، أي: لأجلهم إمامًا في المسجد النبوي (في وجع النبي عَّهُ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين) برفع يوم فكان تامة ونصبه خبر لكان ناقصة (وهم صفوف في الصلاة) جملة حالية (كشف رسول اللّه عَ لٍ ستر الحجرة، فنظرنا إليه) ١٢٧ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عل. فنظرنا إليه وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف مثلث الميم، ثم تبسم عليه ضاحكًا. الحديث رواه مسلم. صَلى الله وقد جزم موسى بن عقبة عن ابن شهاب، أنه معَِّ مات حين زاغت الشمس، وكذا لأبي الأسود عن عروة. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما بقي من أجل رسول الله عَّ ◌ُله ثلاث، نزل عليه جبريل، فقال: يا محمد إن الله قد أرسلني إليك إكرامًا لك، وتفضيلاً لك، وخاصة لك، يسألك عما هو أعلم به منك يقول: كيف تجدك؟ فقال: ((أجدني يا جبريل مغمومًا، وأجدني يا جبريل مكروبًا))، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال له مثل ذلك، ثم جاءه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك، ثم استأذن فيه ملك لفظ مسلم، فنظر إلينا (وهو قائم كأن وجهه ورقة) بفتح الراء (مصحف مثلث الميم) كناية عن الجمال البارع وحسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته (ثم تبسم عَّ ة ضاحكًا) فرحًا باجتماعهم على الصلاة واتفاق كلمتهم وإقامة شريعته، ولهذا استنار وجهه الوجيه، لأنه كان إذا سر استنار وجهه ... (الحديث) ذكر في بقيته نحو ما مر في رواية البخاري من همهم بالخروج ونكوص أبي بكر إلى آخره. -- (رواه مسلم) من طريق صالح عن الزهري، قال: حدثني أنس فذكره، وفي آخره أيضًا: فتوفي من يومه ذلك (وقد جزم موسى بن عقبة عن) شيخه (ابن شهاب بأنه عَّه مات حين زاغت الشمس) بزاي ومعجمة، أي مالت (وكذا لأبي الأسود) محمد بن عبد الرحمن (عن عروة) بن الزبير وجزم ابن إسحق بأنه مات حين اشتد الضحاء أي بالفتح والمد ويخدش فيه قوله وتوفي من آخر ذلك اليوم ويجمع بينهما بأن إطلاق الآخر بمعنى ابتداء الدخول في أول النصف الثاني من النهار وذلك عند الزوال واشتداد الضحاء يقع قبل الزوال ويستمر حتى يتحقق زوال الشمس ويؤيد هذا الجمع ما ذكره ابن شهاب وعروة أنه مات حين زاغت الشمس. كذا قال الحافظ مع أن لفظ أنس عند الشيخين فتوفي من يومه ذلك ليس فيهما لفظ آخر الذي خدش به فهو صادق باشتداد الضحاء وبالزوال نعم جمعه بين هذين بما ذكر متجه. (وعن جعفر) الصادق (بن محمد) الباقر (عن أبيه) محمد بن علي بن الحسين (قال: لما بقي من أجل رسول اللّه عَّ ثلاث نزل عليه جبريل، فقال يا محمد إن اللّه قد أرسلني إليك إكرامًا لك وتفضيلاً لك، وخاصة) تخصيصًا (لك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟) أي تجد نفسك في هذا الوقت (فقال: أجدني يا جبريل مغمومًا، وأجدني يا جبريل مكروبًا، ثم أتاه في اليوم الثاني، فقال له مثل ذلك) الذي قاله في اليوم الأول (ثم أتاه في ١٢٨ الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه الموت فقال جبريل: يا محمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستآأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، قال: ((ائذن له)، فدخل ملك الموت فوقف بين يديه فقال: يا رسول الله، إن الله عز وجل أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كل ما تأمر، إن أمرتني أن أقبض روحك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها، فقال جبريل: يا محمد، إن الله قد اشتاق إلى لقائك، قال عَية: («فامض يا ملك الموت لما أمرت به))، فقال جبريل: يا رسول الله، هذا آخر موطئي من الأرض، إنما كنت حاجتي من الدنيا. فقبض روحه، فلما توفي عَّه، وجاءت اليوم الثالث). وفي رواية: فلما كان في اليوم الثالث هبط جبريل ومعه ملك الموت ومعهما ملك آخر يسكن الهواء لم يصعد إلى السماء قط، ولم يهبط إلى الأرض قط، يقال له إسمعيل موكل على سبعين ألف ملك، كل ملك على سبعين ألف ملك، فسبقهم جبريل (فقال له مثل ذلك) القول المذكور (ثم استأذن فيه) اليوم الثالث (ملك الموت) وجبريل عنده (فقال جبريل: يا محمد) وفي نسخة: يا أحمد (هذا ملك الموت يستأذن) يطلب الإِذن في الدخول (عليك ولم يستأذن على ادمي قبلك ولا يستأذن على ءادمي بعدك) فهو تخصيص لك على الجميع (قال: ائذن له فدخل ملك الموت). وفي حديث ابن عباس عند الطبراني أنه قال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته إن ربك يقرئك السلام (فوقف بين يديه فقال: يا رسول الله إن الله عزّ وجلّ أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كل ما تأمر) به (إن أمرتني أن أقبض روحك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها). زاد في رواية، قال: وتفعل ذلك يا ملك الموت؟، قال: نعم أمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني (فقال جبريل: يا محمد إن اللّه قد اشتاق إلى لقائك، قال ◌َِّ فامض يا ملك الموت لما أمرت به) من قبض روحي إن شئت، فإني اخترت ذلك (فقال جبريل يا رسول اللّه هذا آخر موطئي من الأرض إنما كنت حاجتي من الدنيا). وفي حديث أبي هريرة عند ابن الجوزي: وهذا آخر عهدي بالدنيا بعدك والمنفي نزوله بالوحي المتجدد، فلا ينافي ما ورد في أحاديث أنه ينزل ليلة القدر ويحضر قتال المسلمين مع الكفار ويحضر من مات على طهارة من المسلمين، ويأتي مكة والمدينة بعد خروج الدجال ليمنعه من دخولهما، وفي زمن عيسى عليه السلام لا بشرع جديد، وتفصيل ذلك يطول (فقبض روحه) الزكية (فلما توفي عَّ وجاءت التعزية) إسناد مجازي، أي أهل التعزية (سمعوا صوتًا ١٢٩ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه مت. التعزية سمعوا صوتًا من ناحية البيت. السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال علي: أتدرون من هذا؟ هو الخضر عليه السلام. رواه البيهقي في دلائل النبوة. وفي تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقي: وذكر التعزية المذكورة عن ابن عمر، مما ذكره في الإحياء وأن النوري أنكر وجود الحديث المذكور في كتب الحديث، وقال: إنما ذكره الأصحاب ثم قال العراقي: قد رواه الحاكم في المستدرك من حديث أنس ولم يصححه، ولا يصح. ورواه ابن أبي الدنيا عن أنس أيضًا قال: لما قبض رسول الله عَّة اجتمع من ناحية البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته). زاد في حديث ابن عمر عند البلاذري: فرددنا عافيه مثل ذلك، فقال: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم) جزاء أعمالكم (يوم القيامة، إن في اللّه عزاء) تسلية (من كل مصيبة وخلفًا من كل هالك) ميت (ودركًا من كل فائت، فياللّه فعقوا:) اعتمدوا (وإياه فارجوا، فإنما المصاب). وفي لفظ: فإن المصاب (من حرم الثواب) الذي أعده اللّه تعالى له بعدم الصبر ومزيد الجزع لأنه فاته (والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ختم بالسلام كما بدأ به (فقال علي: أتدرون من هذا؟) فكأنهم قالوا لا ندري، فقال: (هو الخضر) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين. (عليه السلام). (رواه البيهقي في دلائل النبوة، وفي تخريج أحاديث الأحياء) للغزالي (للحافظ العراقي) زين الدين عبد الرحيم: (وذكر التعزية المذكورة عن ابن عمر مما ذكره في الأحياء؛ وأن النووي أنكر وجود الحديث المذكور في كتب الحديث، وقال: إنما ذكره الأصحاب) يعني علماء الشافعية في كتب الفقه بلا إسناد (ثم قال العراقي) تعقبًا على نفي النووي: (قد رواه الحاكم في المستدرك من حديث أنس ولم يصححة) أي: لم يصرح بقوله: صحيح وإن كان موضوع كتابه المستدرك في الأحاديث الصحيحة الزائدة على الصحيحين (ولا يصح) لضعف سنده، ولكنه وجد في کتاب مشهور من کتب الحدیث وإن كان ضعيف السند. (ورواه ابن أبي الدنيا عن أنس، قال: لما قبض رسول اللّه معهد اجتمع أصحابه حوله ١٣٠ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه أصحابه حوله يبكون، فدخل عليهم رجل طويل شعر المنكبين في إزار ورداء، يتخطى أصحاب رسول الله عَِّ حتى أخذ بعضادتي باب البيت فبكى على رسول الله عَّله، ثم أقبل على أصحابه فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضًا من كل فان. الحديث. وفيه. ثم ذهب الرجل، فقال أبو بكر: عليّ بالرجل، فنظروا يمينًا وشمالاً فلم يروا أحدًا، فقال أبو بكر: لعل هذا الخضر، جاء يعزينا، ورواه ابن أبي الدنيا أيضًا من حديث علي بن أبي طالب، وفيه محمد بن جعفر الصادق، تكلم فيه، وفيه انقطاع بين علي بن الحسين وبين جده علي، والمعروف عن علي بن الحسين مرسلاً من غير ذكر علي، كما رواه الشافعي في الأم وليس فيه ذكر للخضر عليه السلام. قال البيهقي: قوله: إن الله اشتاق إلى لقائك، معناه: قد أراد لقاءك بأن يردك من دنياك إلى معادك زيادة في قربك وكرامتك. يبكون) بلا رفع صوت (فدخل عليهم رجل طويل شعر المنكبين في إزار ورداء يتخطى أصحاب رسول اللّه عٍَّ حتى أخذ بعضادتي) بكسر العين وضاد معجمة تثنية عضادة، أي: جانبي (باب البيت، فبكى رسول اللّه) بنصبه مفعول بكى. (وفي نسخة: بكى على رسول اللَّه عَّ ثم أقبل على أصحابه فقال: إن في اللَّه عزاء من كل مصيبة وعوضًا من كل، فان الحديث وفيه: ثم ذهب الرجل، فقال أبو بكر) الصديق (علي بالرجل) أي: اثتوني به (فنظروا يمينًا وشمالاً فلم يروا أحدًا، فقال أبو بكر: لعل هذا الخضر جاء يعزينا). (ورواه ابن أبي الدنيا أيضًا من حديث علي بن أبي طالب وفيه محمد بن جعفر الصادق تكلم فيه وفيه انقطاع بين علي بن الحسين جده علي) بن أبي طالب لأنه لم يدركه، فالحديث ضعيف وأيما كان فكيف ينكر وجوده في كتب الحديث، وقد وجد في أكثر من كتاب (والمعروف عن علي بن الحسين مرسلاً من غير ذكر علي) بن أبي طالب (كما) (رواه الشافعي في الأم وليس فيه ذكر للخضر عليه الصلاة والسلام). (قال البيهقي: قوله إن اللّه اشتاق إلى لقاءك، معناه: قد أراد لقاءك) لاستحالة الحقيقي الذي هو نزاع النفس إلى الشيء في حقه تعالى (بأن يردك من دنياك إلى معادك زيادة في قربك وكرامتك. انتهى). ١٣١ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَّفيه. وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس قال: جاء ملك الموت إلى النبي عَّه. في مرضه ورأسه في حجر علي، فاستأذن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال له: ارجع فإنا مشاغيل عنك، فقال عَّهِ: ((هذا ملك الموت، ادخل راشدًا))، فلما دخل قال: إن ربك يقرئك السلام. فبلغني أن ملك الموت لم يسلم على أهل بيت قبله ولا يسلم بعده. وقالت عائشة: توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وفي رواية: بين حافنتي وذاقنتي. رواه البخاري. والحاقنة: بالحاء المهملة والقاف والنون، أسفل من الذقن. والذاقنة: طرف الحلقوم. والسخر: بفتح السين وسكون الحاء المهملتين، وهو الصدر. والنّخْر: بفتح (وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس، قال: جاء ملك الموت إلى النبي عَّه في مرضه) الذي توفي فيه (ورأسه في حجر عليّ، فاستأذن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال له: ارجع فإنا مشاغيل عنك، فقال عَّ: هذا ملك الموت أُدخل راشدًا، فلما دخل قال: إن ربك يقرئك السلام) والظاهر المتبادر أن قوله: (فبلغني أن ملك الموت لم يسلم على أهل بيت قبله ولا يسلم بعده) من قول ابن عباس، والجزم بأنه من كلام الطبراني يحتاج إلى دليل لأنه خلاف المتبادر (وقالت عائشة:) إن من نعم الله عليّ أن رسول اللّه عد لي. (توفي في بيتي وفي يومي) الذي كان يدور علي فيه (وبين سحري ونحري) بفتح فسكون فيهما كما يأتي. (وفي رواية) عنها: مات (بين حافنتي وذاقنتي) بذال معجمة وقاف مكسورة، قال الحافظ: وهذا لا يعارض حديثها السابق أن رأسه كان على فخذها، لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى صدرها. (رواه) أي: المذكور من الروايتين (البخاري، والحاقنة - بالحاء المهملة والقاف -) المكسورة (والنون) المفتوحة (أسفل من الذقن، والذاقنة طرف الحلقوم) وفي الفتح: الحاقنة ما سفل من الذقن، والذاقنة ما علا منه، أو الحاقنة نقرة الترقوة وهما حاقنتان، ويقال الحاقة: المظهر من الترقوة والحلق، وقيل: ما دون الترقوة من الصدر، وقيل: هي تحت السرة، وقال ثابت: الذاقنة طرف الحلقوم (والسحر - بفتح السين وسكون الحاء المهملتين - هو الصدر) وهو في الأصل الرئة كما في الفتح (والنحر - بفتح النون وسكون الحاء المهملة -) موضع ١٣٢ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عن الته. النون وسكون الحاء المهملة. والمراد: أنه عَِّ توفي ورأسه بين عتقها وصدرها. وهذا لا يعارضه ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق: أنه معَِّ مات ورأسه في حجر علي، لأن كل طريق منها - كما قال الحافظ ابن حجر - لا يخلو عن شيء، فلا يلتفت لذلك والله أعلم. القلادة من الصدر كما في الصحاح، قال الحافظ: والمراد به موضع النحر، وأغرب الداودي فقال: هو ما بين الثديين، والحاصل أن ما بين الحاقنة والذاقنة هو ما بين السحر والنحر (والمراد أنه عَّ توفي ورأسه بين عنقها وصدرها). وروى أحمد والبزار والحاكم بسند صحيح، عنها: لما خرجت نفسه لم أجد ريحًا قط أطيب منها، وروى البيهقي عن أم سلمة: وضعت يدي على صدر النبي عَّه يوم مات، فمر بي جمع آكل وأتوضأ ما يذهب ريح المسك من يدي (وهذا) الحديث الصحيح (لا يعارضه ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق؛ أنه عَّ مات ورأسه في حجر علي، لأن كل طريق منها كما قال الحافظ ابن حجر لا يخلو عن شيء) أي: مقال في إسناده (فلا يلتفت لذلك) لمعارضته الحديث الصحيح، لكن لفظ الحافظ لا يخلو عن شيعي بكسر الشين مفرد الشيعة، فلا يلتفت إليهم، أي: إلى الشيعة إلاّ أنه لما بينه لم يذكر فيهم شيعيًا، وقد رأيت بيان حال الأحاديث التي أشرت إليها دفئًا لتوهم التعصب. روى ابن سعد عن جابر: سأل كعب الأحبار عليًا ما كان آخر ما تكلم به عَ لَه؟، فقال: أسندته إلى صدري فوضع رأسه على منكبي، فقال: الصلاة الصلاة، فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء، وفي سنده الواقدي وحرام بن عثمن وهما مترو كان. وعند الواقدي عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ادعوا لي أخي، فدعي له علي، فقال: ادن مني، قال: فلم يزل مستندًا إليّ وإنه ليكلمني حتى نزل به وثقل في حجري، فصحت: يا عباس أدركني فإني هالك، فجاء العباس، فكان جهدهما جميعًا أن أضجعاه فيه انقطاع مع الواقدي عبد اللّه فيه لين، وبه عن أبيه، عن علي بن الحسين: قبض ورأسه في حجر علي فيه انقطاع. وعند الواقدي عن أبي الحويرث، عن أبيه، عن الشعبي: مات ورأسه في حجر علي فيه الواقدي والانقطاع وأبو الحويرث اسمه عبد الرحمن بن مطوية بن الحرث المدني، قال الملك: ليس بثقة وأبوه لا يعرف حاله. وعن الواقدي، عن سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن أبي غطفان: سألت ابن ١٣٣ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَطفة. قال السهيلي: وجدت في بعض كتب الواقدي: أن أول كلمة تكلم بها النبي عَّه وهو مسترضع عند حليمة: ((الله أكبر))، وآخر كلمة تكلم بها: ((في الرفيق الأعلى)). وروى الحاكم من حديث أنس قال: أن آخر ما تكلم به النبي عَّه: ((جلال ربي الرفيع)). ولما توفي عَِّ كان أبو بكر غائبًا بالسنح - يعني العالية، عند زوجته بنت خارجة - وكان عَِّ قد أذن له في الذهاب إليها، فسل عمر بن الخطاب سيفه عباس، قال: توفي وهو إلى صدر علي، فقلت: إن عروة حدثني عن عائشة، قالت: توفي بين سحري ونحري، فقال ابن عباس: لقد توفي وأنه لمسند إلى صدر علي وهو الذي غسله وأخي الفضل وأبي أبى أن يحضر فيه الواقدي وسليمن لا يعرف حاله وأبو غطفان بفتح المعجمة ثم المهملة اسمه سعد مشهور بكنيته وثقه النسائي. وأخرج الحاكم في الإكليل من طريق حبة العربي: أسندته إلى صدري فسالت نفسه وحبة ضعيف، ومن حديث أم سلمة، قالت: عليّ آخرهم عهدًا به عَّهِ، وحديث عائشة أثبت من هذا، ولعلها أرادت أنه آخر الرجال عهدًا، ويمكن الجمع بأن يكون على آخرهم عهدًا به، وأنه لم يفارقه حتى مال، فظن أنه مات، ثم أفاق بعد أن توجه، فأسندته عائشة بعده إلى صدرها فقبض، ولأحمد في أثناء حديث عنها: فبينما رأسه ذات يوم على منكبي، إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نقطة باردة، فوقعت على نقرة نحري، فاقشعر جلدي وظننت أنه غشي علیه، فسجیته ثوبًا. انتهى. فلم يذكر فيها شيعيًا، وإنما ذكر ضعف، رواته كما ترى (قال السهيلي: وجدت في بعض كتب الواقدي أن أول كلمة تكلم بها النبي عَّ وهو مسترضع عند حليمة) السعدية (الله أكبر، وآخر كلمة تكلم بها في الرفيق الأعلى. وفي حديث عائشة عند البخاري: فكانت آخر كلمة تكلم بها: اللهم الرفيق الأعلى (وروى الحاكم من حديث أنس قال: أن آخر ما تكلم به النبي عَّ جلال) أي: أختار جلال (ربي الرفيع) فقد بلغت، ثم قضى، هذا بقية الحديث. وجمع بينهما بأن هذا آخريه مطلقة، وما عداه آخرية نسبية (ولما توفي عَّ كان أبو بكر غائبًا بالسنح) بضم السين المهملة فنون ساكنة، وبضمها أيضًا فحاء مهملة (يعني بالعالية) أي: بأقربها على ميل من المسجد النبوي (عند زوجته) حبيبة (بنت خارجة بن زيد الخزرجية، صحابية بنت صحابي (وكان عليه السلام قد أذن له في الذهاب إليها) لأنه أصبح يوم الإثنين ١٣٤ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَ ◌ّه. وتوعد من يقول: مات رسول الله عَّه، وكان يقول: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى عليه السلام، فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم. فأقبل أبو بكر من السنح حين بلغه الخبر إلى بيت عائشة فدخل، فكشف عن وجه رسول الله عَّ فجثا يقبله ويبكي ويقول: توفي والذي نفسي بيده، صلوات الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حيًّا وميتًا، ذكره الطبري في ((الرياض)). وقالت عائشة: أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة، فبصر برسول الله عَّه وهو مسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله ثم بكى وقال: بأبي خفيف المرض، فقال له أبو بكر: أراك يا رسول اللّه قد أصبحت بنعمة من اللّه وفضل كما نحب واليوم يوم ابنة خارجة أفآتيها، قال: نعم، فذهب فمات في غيبته (فسل عمر بن الخطاب سيفه وتوعد) بالقتل (من يقول مات رسول اللّه عَ ليه) بناءً على ما قام عنده، وأداه إليه اجتهاده أنه لا يموت حتى يشهد على أمته بأعمالها أخذًا من قوله تعالى: (﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾) [البقرة/ ١٤٣]، كما رواه ابن إسحق عنه، ثم رجع عن ذلك كما يأتي: (وكان يقول: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى عليه السلام، فلبث عن قومه أربعين ليلة) وهذا قاله اجتهادًا بالقياس ثم رجع عنه (والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم). زاد في رواية: وألسنتهم، يعني: المنافقين، وفي لفظ: لا يموت حتى يؤمر بقتال المنافقين (فأقبل أبو بكر من السنح حين بلغه الخبر إلى بيت عائشة، فدخل فكشف عن وجه رسول اللّه عَ له، فجثا) بجيم فمثلثة برك على ركبتيه (يقبله وبيكي، ويقول: توفي والذي نفسي بيده صلوات اللّه عليك يا رسول اللّه ما أطيبك حيًّا وميًا). (ذكره الطبري) محب الدين الحافظ (في) كتاب (الرياض) النضرة في فضائل العشرة (وقالت عائشة: أقبل أبو بكر) حال كونه راكبًا (على فرس من مسكنه) متعلق بأقبل (بالسنح) منازل بني الحراث من الخزرج (حتى نزل) عن الفرس (فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فبصر برسول الله) الذي في البخاري هنا وقبله في الجنائز فتيمم، قال المصنف: أي قصد رسول اللّه (عَّة وهو مسجى) بضم الميم وفتح السين والجيم المشددة، أي: مغطى هذا لفظ الجنائز، وفي الوفاة مغشى بضم الميم وفتح الغين والشين ١٣٥ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه من أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها. رواه البخاري. واختلف في قول أبي بكر رضي الله عنه: ((لا يجمع الله عليك موتتين)). فقيل هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال، لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله ن أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره، كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وكالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها. المشددة المعجمتين، أي: مغطى (ببرد) لفظ الجنائز، وفي الوفاة: بثوب (حبرة) بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة، وإضافة برد أو ثوب إليه وبالتنوين فحبرة صفته، وهي ثوب يماني مخطط أو أخضر (فکشف عن وجهه) لبرد (ثم أکب علیه) لازم وثلاثیہ کب متعد عکس المشهور من قواعد التصريف فهو من النوادر (فقبله) بين عينيه (ثم بكى) اقتداء بالنبي عَّه لما دخل على عثمن بن مظعون وهو ميت، فأكب عليه وقبله، ثم بكى حتى سالت دموعه على و جنتیه. رواه الترمذي (وقال: بأبي أنت وأمي) الباء متعلقة بمحذوف، أي أنت مفدي بأبي فهو مرفوع مبتدأ وخبر أو فعل فما بعده نصب، أي: فديتك (لا يجمع) بالرفع، ولفظ الجنائز: يا نبي اللّه، وفي الوفاة: والله لا يجمع (اللّه عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك) بصيغة المجهول، وللمستملي والحموي كتب اللّه عليك (فقد متها). (رواه البخاري) فى الجنائز والوفاة النبوية من أفراده عن مسلم. ورواه النسائي وابن ماجه في الجنائز (واختلف في) معنى (قول أبي بكر رضي اللّه عنه: لا يجمع اللّه عليك موتتين، فقيل: هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم) هو عمر (أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال) كما في البخاري في المناقب، قالت أي عائشة: وقال عمر وليبعثه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم (لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى) ثانية، إذ لا بدّ من الموت قبل القيامة (فأخبر أنه أكرم على اللّه من أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره، كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف) أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون ألفًا حذر الموت وهم قوم بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم، ففروا، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا ثم أحياهم بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيهم خزقيل بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي، فعاشوا دهرًا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوبًا إلاّ عاد كالكفن واستمرت في أسباطهم (وكالذي مر على قرية) هي بيت المقدس راكبًا على حمار ومعه سلة تين وقدح ١٣٦ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَظ له. وقيل: أراد أنه لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره، إذا يحيا فيسأل ثم يموت، وهذا جواب الداودي. وقيل: لا يجمع الله موت نفسك وموت شريعتك. وقيل: كنى بالموت الثاني عن الكرب، أي: لا تلقى بعد هذا الموت كربًا آخر. قاله في فتح الباري. وعنها: أن عمر قام يقول: والله ما مات رسول الله عَظله، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله عَّ له فقبله وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده، لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف، على رسلك، فلما تكلم أبو بكر عصير وهو عزير، وقيل: أرمياه، وقيل: غيرهما (وهي خاوية) ساقطة (على عروشها) سقوفها لما خربها بخت نصر، قال استعظامًا لقدرة اللّه: أنى يحيي هذه اللّه بعد موتها، فأماته اللّه مائة عام ثم بعثه ليريه كيفية ذلك، قال: كم لبثت؟، الآية (وهذا أوضح) أظهر (الأجوبة وأسلمها) من الاعتراض. (وقيل: أراد أنه لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره، إذ يحيا فيسأل ثم يموت) لأنه عَ ◌ّم لا يسأل (وهذا جواب الداودي) أحمد بن نصر المالكي شارح البخاري (وقيل: لا يجمع اللّه موت نفسك وموت شريعتك، وقيل: كني بالموت الثاني عن الكرب، أي: لا تلقى بعد هذا الموت كربًا آخر) ويؤيده قوله عَّ لفاطمة: ((لا كرب على أبيك بعد اليوم)) (قاله في فتح الباري) في كتاب الجنائز، وتعقب الثالث في الوفاة، فقال: وأغرب من قال المراد: بالموتة الأخرى موت الشريعة، قال هذا القائل، ويؤيده قول أبي بكر بعد ذلك في خطبته: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت (وعنها) أي عائشة أيضًا؛ (أن عمر قام يقول: والله ما مات رسول اللّه عَ لآه) بناءً على ظنه الذي أداه اجتهاده إليه، وأسقط من الحديث، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلاّ ذلك، وليبعثه اللّه، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم (فجاء أبو بكر) من السنح (فكشف عن وجه رسول اللّه عَ ل فقبله) بين عينيه (وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا والذي نفسي بيده لا يذيقك) بالرفع (الله الموتتين أبدًا) لأنه يحيا في قبره ثم لا يموت كما هو أحد الوجوه المتقدمة، قال الحافظ: وهذا أحسن، ولعل هذا هو الحكمة في تعريف الموتتين، يعني: في هذه الرواية، أي: المعروفتين المشهورتين الواقعتين لكل أحد غير الأنبياء، فبطل تمسك من تمسك به لإنكار الحياة في القبر. انتھی. (ثم خرج) أبو بكر من عنده عَّة وعمر يكلم الناس (فقال: أيها الحالف على رسلك) بكسر الراء وسكون المهملة هينتك، أي: اتئد في الحلف ولا تستعجل، وعبر بالحالف لأن ١٣٧ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر/ ٣٠] وقال ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) الآية[آل عمران/ ١٤٤]، قال: فنشج الناس يبكون، رواه البخاري. يقال: نشج الباكي، أي غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب. عادتهم النداء بالحالة التي يكون الشخص عليها، كقوله عَّ لحذيفة: قم يا نومان ولعلي قم أبا تراب وتنبيهًا على أنه لا ينبغي الحلف في ذا المقام، لا لأنه لم يعرفه لما خرج، وإنما سمع الحلف، فأبهمه لأن أبا بكر يعرف صوت عمر، ولأنه قال: اجلس يا عمر كما يأتي قريبًا (فلما تكلم أبو بكر جلس عمر) بعد إبايته كما في حديث ابن عباس الآتي، فقال: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس (فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا) بالفتح والتخفيف تنبيهًا على ما بعده كأنه قال: تنبهوا (من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت، وقال: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾) أي: ستموت ويموتون، فلا شماتة بالموت، فالميت بالتثقيل من لم يمت وسيموت، وأما بالتخفيف فمن حل به الموت، قال الخليل: أنشد أبو عمرو: أيا سائلي تفسير ميت وميْت فدونك قد فسرت إن كنت تعقل فمن كان ذا روح فذلك ميت وما الميت إلاَّ من إلى القبر يحمل (وقال تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ [آل عمران/١٤٤]) اختصار من المصنف، وإلاّ فهي متلوة كلها عند البخاري، فقال: ﴿أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ رجعتم إلى الكفر، والجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري، أي: ما كان معبودًا فترجعوا، نزلت لما أشيع يوم أحد أنه عٍَّ قتل، وقال المنافقون: إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر اللّه شيئًا وإنما يضر نفسه، وسيجزي اللّه الشاكرين نعمه بالثبات (قال: فنشج) بفتح النون والشين المعجمة وبالجيم (الناس بيكون) لتحققهم موته، ولم يبين المصنف ولا الحافظ فاعل قال: فيحتمل أنه عائشة، وذكر باعتبار الشخص أو إنها قالته حاكية له عن عمر، ويؤيده قولها أولاً: وقال عمر: والله ... الخ. هكذا أفاده شيخنا أبو عبد الله الحافظ البابلي. (رواه البخاري) في مناقب الصديق بهذا اللفظ: (يقال نشج) بفتحات (الباكي، أي: غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب) أي: شدة البكاء. ١٣٨ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه وعن سالم بن عبيد الأشجعي قال: لما مات رسول الله عَّه كان أجزع الناس كلهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخذ بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحدًا يقول: مات رسول الله عَّله إلا ضربته بسيفي هذا، قال: فقال الناس يا سالم، أطلب صاحب رسول الله عَّ له، قال: فخرجت إلى المسجد، فإذا بأبي بكر، فلما رأيته أجهشت بالبكاء، فقال: يا سالم أمات رسول الله عٍَّ؟ فقلت: إن هذا عمر بن الخطاب يقول: لا أسمع أحدا يقول مات رسول الله عَّ﴾ إلا ضربته بسيفي هذا، قال: فأقبل أبو بكر حتى دخل على النبي عَ لّه وهو مسجى، فرفع البرد عن وجهه، ووضع فاه على فيه واستنشى الريح، ثم سجاه والتفت إلينا فقال: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ الآية، وقال: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ يا أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال عمر: فوالله لكأني لم أتل هذه الآيات قط، خرجه الحافظ أبو أحمد حمزة بن الحارث، كما ذكره الطبري في ((الرياض)) له، وقال: خرج الترمذي معناه (وعن سالم بن عبيد الأشجعي) الصحابي من أهل الصفة: نزل الكوفة، روى له أصحاب السنن حديثين بإسناد صحيح في العطاس وله رواية عن عمر، هي؛ أنه (قال: لما مات رسول اللّه عَظّ كان أجزع الناس، كلهم عمر بن الخطاب، فأخذ بقائم سيفه) من إضافة الصفة للموصوف، أي: شهر سيفه (وقال: لا أسمع أحدا يقول: مات رسول اللّه عَله إلاَّ ضربته بسيفي هذا، قال) سالم: (فقال الناس: يا سالم أطلب صاحب رسول اللّه) يعنون أبا بكر (قال: فخرجت إلى المسجد، فإذا بأبي بكر، فلما رأيته أجهشت) بجيم وهاء ومعجمة، أي: فزعت إليه (بالبكاء) كالصبي يفزع إلى أمه (فقال: يا سالم أمات رسول اللّه عَّةٍ، فقلت: إن هذا عمر بن الخطاب يقول: لا أسمع أحدا يقول مات رسول اللّه عَلَّ إلاَّ ضربته بسيفي هذا، قال) سالم: (فأقبل أبو بكر حتى دخل على النبي عَّه وهو مسجى) بجيم بوزن مغطى ومعناه (فرفع) كشف وأزال (البرد عن وجهه ووضع فاه على فيه واستنشى) أي: شم (الريح) أي: ريح الموت، فعلم أنه مات (ثم سجاه:) غطاه بالبرد (والتفت إلينا) بعد خروجه من عنده (فقال: ﴿وما محمد إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل﴾) وتلا (الآية) كلها (وقال: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾، يا أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإن الله حي لا يموت، قال عمر: فوالله لكأني لم أتل هذه الآيات) بناءً على أن الجمع ما فوق الواحد (قط، خرجه الحافظ أبو أحمد حمزة بن الحراث، كما ذكره الطبري في الرياض، له وقال: خرج الترمذي معناه بتمامه). ١٣٩ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ اليه. بتمامه. واستنثى الريح: شمها، أي شم ريح الموت. وعند أحمد: عن عائشة قالت: سجيت النبي عَّ ثوبًا، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا، فأذنت لهما وجذبت الحجاب، فنظر عمر إليه فقال: واغشياه، ثم قاما، فقال المغيرة: يا عمر، مات، قال: كذبت، إن رسول الله عَّه لا يموت حتى يفنى الله المنافقين. ثم جاء أبو بكر، فرفعت الحجاب فنظر إليه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات رسول الله عليه. وفي حديث ابن عباس عند البخاري: إن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا وأخرجه يونس بن بكير في زيادات المغازي (واستنشى الريح: شمها، أي: شم ريح الموت) فعرف أنه مات عليه الصلاة والسلام (وعند أحمد عن عائشة، قالت: سجيت النبي عَ لَه. ثوبًا) نصب بنزع الخافض (فجاء عمر) بن الخطاب (والمغيرة بن شعبة، فاستأذنا) في الدخول (فأذنت لهما وجذبت:) سحبت (الحجاب، فنظر عمر إليه، فقال) متعجبًا: (واغشياه) ظن أنه أغمي عليه إغماءً شديدًا بدون موت (ثم قاما) فلما دنوا من الباب (فقال المغيرة: يا عمر مات) أخبره بذلك تحسرًا وتأسفًا لا أنه استفهام بحذف الأداة لقوله: (قال) عمر (كذبت) إذ لو كان استفهامًا لم يسغ له تكذيبه (إن رسول اللّه عَ ◌ّ لا يموت حتى يفني اللّه المنافقين). قال المصنف: هذا قاله عمر بناءً على ظنه حيث أداه اجتهاده إليه، وفي سيرة ابن إسحق عن ابن عباس أن عمر قال له: إن الحاصل له على هذه المقالة قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ [البقرة/١٤٣]، فظن أنه عَُّ يبقى في أمته حتى يشهد عليها (ثم جاء أبو بكر) من السنح (فرفعت الحجاب، فنظر إليه فقال: إنا لله) ملكًا وعبيدًا يفعل بنا ما يشاء (وإنا إليه راجعون) في الآخرة فيجازينا (مات رسول اللّه ◌َ له). وروى ابن إسحق وعبد الرزاق والطبراني أن العباس قال لعمر: هل عند أحد منكم عهد من رسول اللّه عَّةٍ في ذلك، قال: لا، قال: فإنه قد مات، ولم يمت حتى حارب وسالم، ونكح وطلق وترككم على محجة واضحة وهذا من موافقات العباس للصديق. (وفي حديث ابن عباس عند البخاري) هنا وقبله في الجنائز: (أن أبا بكر خرج) من عند النبي عَّ (وعمر بن الخطاب يكلم الناس) يقول لهم: لم يمت عَّهُ (فقال أبو بكر) له: ١٤٠ الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَّالية. عمر، فقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله عز وجل: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها الناس منه كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها. وفي حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة أن أبا بكر مر بعمر وهو يقول: ما مات رسول الله عٍَّ ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين. قال: وكانوا أظهروا الاستبشار ورفعوا رؤوسهم، فقال: أيها الرجل، إن رسول الله عَ لَه قد مات: ألم تسمع الله تعالى يقول: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾ وقال: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾ ثم أتى أبو بكر المنبر. الحديث. (إجلس يا عمر، فأبى أن يجلس) لما حصل له من الدهشة والحزن (فأقبل الناس إليه) وللكشميهني: عليه (وتركوا عمر) وفي الجنائز: فأبى عمر، فتشهد أبو بكر، فمال إليه الناس وتركوا عمر (فقال أبو بكر: أما بعد، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وما محمد إلاَّ رسول قد خلت﴾) مضت ((من قبله الرسل﴾). زاد في رواية البخاري: إلى قوله الشاكرين (قال) ابن عباس: (والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلاَّ يتلوها). قال الكرماني: فإن قلت ليس فيها أنه معَّه قد مات، وأجاب بأن أبا بكر تلاها لأجل أنه عَّ له قد مات، قال الحافظ: ورواية ابن السكن قد أوضحت المراد. فإنه زاد لفظ علمت. (وفي حديث ابن عمر) عبد اللّه (عند ابن أبي شيبة أن أبا بكر مر بعمر وهو يقول: ما مات رسول اللّه ◌َ له ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين، قال) ابن عمر: (وكانوا أظهروا الاستبشار) الفرح، وأسقط عقب هذا لفظ: وفرحوا بموته (ورفعوا رؤوسهم، فقال) أبو بكر لعمر: (أيها الرجل إن رسول اللّه عَلَّهُ قد مات، ألم تسمع اللّه تعالى يقول: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾) فأخبر بأنه سيموت فكيف تنكره (وقال: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾) أفإن مت (ثم أتى أبو بكر المنبر ... الحديث) تمامه، فصعد عليه فحمد الله وأثنى عليه، فذكر خطبته: أما بعد ... الخ. وفي البخاري؛ أن عمر قال: والله ما هو إلاَّ أن سمعت أبا بكر تلاها، أي: آية آل عمران، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض، حين سمعته تلاها علمت أن