Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَ.
خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام))، لما كان عَِّ لا يصلح له
أن يخالل مخلوقًا، فإن الخليل من جرت محبة خليله منه مجرى الروح ولا
يصلح هذا لبشر، كما قيل:
قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلاً
أثبت له أخوة الإسلام، ثم قال عَّهِ: ((لا يبقى في المسجد خوخة إلا
سدت إلا خوخة أبي بكر))، إشارة إلى أن أبا بكر هو الإمام بعده، فإن الإمام
يحتاج إلى سكنى المسجد والاستطراق فيه بخلاف غيره، وذلك من مصالح
المسلمين المصلين، ثم أكد هذا المعنى بأمره صريحًا أن يصلي بالناس أبو بكر
رضي الله عنه، فروجع في ذلك وهو يقول: ((مروا أبا بكر أن يصلي بالناس»، فولاه
إمامة الصلاة، ولذا قال الصحابة عند بيعة أبي بكر: رضيه رسول الله عَ لَّهِ لديننا أفلا
(لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإِسلام) أي حاصلة، وتقدم أن لفظ من أهل الأرض
ليس في الصحيحين ولا أحدهما من حديث أبي سعيد، وإنما في بعض طرقه عند البخاري من
أمتي، وإن لفظ من أهل الأرض إنما رواه مسلم عن ابن مسعود عن النبي عَةٍ، قال: لو كنت
متخذًا من أهل الأرض خليلاً لاتخذت ابن أبي قحافة خليلاً، ولكن صاحبكم خليل اللّه (لما
كان عَِّ لا يصلح له أن يخالل مخلوقًا، فإن الخليل من جرت محبة خليله منه مجرى الروح ولا.
يصلح هذا لبشر، كما قيل:)
قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا
ومر الخلاف في مقصد المحبة: هل هي والخلة متساويان أو المحبة أرفع أو الخلة
(أثبت له أخوة الإِسلام، ثم قال عٍَّ لا يبقى في المسجد خوخة إلاّ) خوخة (سدت)
فحذف المستثنى والفعل صفته، لكن لم يقع في الصحيحين بهذا اللفظ؛ فإنه إنما وقع في بعض
طرقه عند البخاري لا يبقين في المسجد باب إلاَّ سد إلا باب أبي بكر.
أما رواية: خوخة فليس فيها إلا سدت، وإنما فيهما كما مر لا يبقين في المسجد خوخة (إلاّ
خوخة أبي بكر إشارة إلى أن أبا بكر هو الإِمام بعده، فإن الإِمام يحتاج إلى سكنى
المسجد والاستطراق فيه بخلاف غيره وذلك من مصالح المسلمين المصلين) فإبقاؤها
مصلحة عامة (ثم أكد هذا المعنى بأمره صريحًا أن يصلي بالناس أبو بكر، فروجع في ذلك
وهو يقول: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس) والمراجع له عائشة وحفصة كما يأتي (فولاه إمامة
الصلاة).

٨٢
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه مال.
نرضاه لدنيانا.
(ولذا قال الصحابة عند بيعة أبي بكر: رضيه رسول اللّه عَ ◌ّه لديننا) أي: الصلاة لأنها
عماد الدين (أفلا نرضاه لدنيانا) وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه الخلافة، لا سيما وقد ثبت أن
ذلك كان في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلاّ أبو بكر، قاله الخطابي وابن بطال وغيرهما:
وجاء في سد الأبواب أحاديث يخالف ظاهرها حديث الباب، فلأحمد والنسائي بإسناده قوي عن
سعد بن أبي وقاص: أمر عَّلّه بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي.
زاد الطبراني في الأوسط: برجال ثقات فقالوا: يا رسول اللّه سددت أبوابنا، فقال: ما
سددتها ولكن اللّه سدها، ولأحمد والنسائي والحاكم برجال ثقات عن زيد بن أرقم: كان لنفر
من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال عَّ له: سدوا هذه الأبواب إلا باب علي، فتكلم
ناس في ذلك، فقال عَّهِ: إني والله ما سددت شيئًا ولا فتحته، ولكن أمرت بشيء فاتبعته.
وعند أحمد والنسائي برجال ثقات عن ابن عباس: أمر عَّهِ بأبواب المسجد فسدت غير
«الب علي، فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره، وللطبراني عن جابر بن سمرة:
(مر عَّله بسد الأبواب كلها غير باب علي، فربما مر فيه وهو جنب))، ولأحمد بإسناد حسن عن
ابن عمر: لقد أعطى علي ثلاث خصال، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم،
زوجه عَّهِ ابنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر، وهذه
أحاديث يقوي بعضها بعضاً وكل طريق منها صالح للحجة فضلاً عن جموعها.
وأوردها ابن الجوزي في الموضوعات وأعلها بما لا يقدح وبمخالفتها الأحاديث الصحيحة
في باب أبي بكر، وزعم أنها من وضع الرافضة قابلوا بها الحديث الصحيح، فأخطأ في ذلك
خطّأ شنيعًا فاحشًا، فإنه سلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة مع أن الجمع بين
القضيتين ممكن، كما أشار إليه البزار بما دل عليه حديث أبي سعيد عند الترمذي أن النبي عَّه.
قال لعلي: ((لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبًا غيري وغيرك)، والمعنى أن باب علي كان
إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره، فلذا لم يؤمر بسده، ويؤيده ما أخرجه إسماعيل
القاضي عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبي عٍَّ لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو
جنب إلا لعلي بن أبي طالب، لأن بيته كان في المسجد، ومحصل الجمع أنه أمر بسد الأبواب
مرتين، ففي الأولى استثنى باب علي لما ذكر، وفي الأخرى باب أبي بكر، لكن إنما يتم بحمل
باب علي على الباب الحقيقي وباب أبي بكر على المجازي، أي: الخوخة كما في بعض طرقه
وكأنهم لما أمروا بسدها سدوها وأحدثوا خوخًا يستقربون الدخول إلى المسجد منها، فأمروا بعد
ذلك بسدها، فهذا لا بأس به في الجمع، وبه جمع الطحاوي والكلاباذي وصرح بأن بيت أبي
بكر كان له باب خارج المسجد وخوخة إلى داخل المسجد وبيت علي لم يكن له باب إلا من

٨٣
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معد له.
وكان ابتداء مرض رسول الله عَّه في بيت ميمونة، كما ثبت في رواية
معمر عن الزهري، وفي سيرة أبي معشر: كان في بيت زينب بنت جحش، وفي
سيرة سليمان التيمي كان في بيت ريحانة، والأول هو المعتمد.
وذكر الخطابي أنه ابتدأ به يوم الإثنين، وقيل يوم السبت، وقال الحاكم أبو
أحمد: يوم الأربعاء، واختلف في مدة مرضه، فالأكثر أنها ثلاثة عشر يومًا كما مر
وقيل: أربعة عشر، وقيل: اثنا عشر، وذكرهما في الروضة، وصدر بالثاني، وقيل
عشرة أيام، وبه جزم سليمان التيمي في مغازيه، وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح.
وفي البخاري: قالت عائشة: لما ثقل برسول الله عَّه واشتد به وجعه استأذن
أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذَّن له، فخرج وهو بين رجلين تخط رجلاه في
داخل المسجد. انتهى، ملخصًا من فتح الباري.
(وكان ابتداء) اشتداد (مرض رسول اللّه عَّةٍ في بيت ميمونة كما ثبت في رواية
معمر عن الزهري) عن عبيد اللّه بن عبد الله عن عائشة: أول ما اشتكى النبي عَّه في بيت
ميمونة الحديث في الصحيحين، وأما ابتداؤه الحقيقي فكان في بيت عائشة كما يأتي (وفي
سيرة أبي معشر) نجيح بن عبد الرحمن: (كان في بيت زينب بنت جحش وفي سيرة
سليمن التيمي كان في بيت ريحانة والأول) بيت ميمونة (هو المعتمد) كما قال الحافظ
لأنه الذي في الصحيحين مسندًا.
(وذكر الخطابي؛ أنه ابتدأ به) المرض (يوم الاثنين، وقيل: يوم السبت، وقال الحاكم
أبو أحمد) شيخ الحاكم أبي عبد اللّه (يوم الأربعاء، واختلف في مدة مرضه، فالأكثر أنها ثلاثة
عشر يومًا) وهو المشهور (كما مر، وقيل: أربعة عشر، وقيل: اثنا عشر، وذكرهما) أي:
القولين (في الروضة وصدر بالثاني) الذي هو اثنا عشر (وقيل: عشرة أيام، وبه جزم سليمن
التيمي في مغازيه، وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح) عنه، وجمع شيخنا بجواز اختلاف أحواله
في ابتداء مرضه، فذكر كل منهم اليوم الذي علم بحصول ما رآه من حاله وشدة مرضه التي
انقطع بها عن الخروج في بيت عائشة: كانت سبعة أيام على ما يأتي وما زاد عليها قبل اشتداده
الذي انقطع به عَ ليه.
(وفي البخاري) ومسلم (قالت عائشة: لما ثقل برسول اللّه عَّ}. واشتد به وجعه)
عطف تفسير يقال ثقل مرضه إذا اشتد وركضت أعضاؤه عن الحركة، قال عياض: الغرب تسمى
كل مرض وجعًا (استأذن أزواجه في أن يمرض) بضم أوله وفتح الميم وشد الراء (في بيتي
فأذن) بفتح الهمزة وكسر المعجمة وشد النون، أي: الأزواج (له) عَ﴾.

٨٤
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه علـ
الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر. قال عبيد الله فأخبرت عبد الله
بالذي قالت عائشة فقال لي عبد الله ابن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي
لم تسم عائشة؟ قال: قلت لا، قال ابن عباس: هو علي بن أبي طالب. الحديث.
وفي رواية مسلم عن عائشة: فخرج بين الفضل بن العباس ورجل آخر.
وفي أخرى: بين رجلين أحدهما أسامة. وعند الدارقطني: أسامة والفضل، وعند ابن
حبان في أخرى: بريرة ونوبة - بضم النون وسكون الواو ثم موحدة - قيل: وهو
اسم أمة، وقيل: هو عبد. وعند ابن سعد من وجه آخر: بين الفضل وثوبان.
قال الكرماني وروي بضم الهمزة وكسر الذال وخفة النون مبني للمجهول (فخرج وهو
بين رجلين تخط رجلاه في الأرض) أي: لا يقدر على تمكينهما منها لشدة مرضه (بسين
عباس بن عبد المطلب) عمه (وبين رجل آخر، قال عبيد اللّه:) بضم العين ابن عبد اللّه بفتحها
ابن عتبة بضمها وإسكان الفوقية راوي الحديث عن عائشة (فأخبرت عبد الله) ابن عباس مستفهمًا
للعرض عليه (بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر
الذي لم تسم عائشة).
وفي رواية للشيخين: فدخلت على عبد الله بن عباس، فقلت له: ألا أعرض عليك ما
حدثتني عائشة عن مرض رسول اللّه عَّ له، قال: هات، فعرضت عليه حديثها فما أنكر منه شيئًا،
غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس (قلت: لا، قال ابن عباس هو علي بن
أبي طالب) زاد الإِسمعيلي: ولكن عائشة لا تطيب له نفسًا بخير، وعند ابن إسحق: ولكن
لا تقدر أن تذ کره بخير. انتهى.
وذلك لما جبل عليه الطبع البشري، فلا إزراء في ذلك عليها ولا على علي رضي اللّه
عنهما ... (الحديث).
(وفي رواية مسلم عن عائشة: فخرج بين الفضل بن العباس) أكبر ولده (ورجل آخر)
هو علي كما في بقية هذه الرواية أيضًا.
(وفي) رواية (أخرى) لغير مسلم كما في شروحه (بين رجلين، أحدهما أسامة بن زيد
(وعند الدارقطسي أسامة والفضل) بن عباس (وعند ابن حبان في أخرى: بريزة ونوبة - بضم
النون وسكون الواو، ثم موحدة سـ) كما ضبطه ابن ماكولا (قيل: وهو اسم أمة) واحدة الإِماء
(وقيل: هو عبد) أسود، ذكر وبه جزم سيف، ويؤيده رواية ابن خزيمة: فخرج بين بريرة ورجل
آخر فوهم من ذكر نوبة في النساء الصحابيات، قاله الحافظ.
(وعند ابن سعد) محمد (من وجه آخر بين الفضل وثوبان) بمثلثة مولاه عَ لَه (وجمعوا

٨٠۵
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه
وجمعوا بين هذه الروايات على تقدير ثبوتها بأن خروجه تعدد، فتعدد من اتكأ
علیه.
وعن عائشة رضي الله عنها، أنه عَِّ قال لنسائه: إني لا أستطيع أن أدور في
بیوتکن، فإن شئتن أذنتن لي. رواه أحمد.
وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنه مَِّ كان يقول: أين أنا غدًا؟ أين
أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة. حرصًا على أن يكون في بيت عائشة.
وذكر ابن سعد بإسناد صحيح عن الزهري: أن فاطمة هي التي خاطبت
أمهات المؤمنين بذلك فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف.
وفي رواية ابن أبي مليكة عن عائشة أن دخوله عليه الصلاة والسلام بيتها
كان يوم الإثنين، وموته يوم الإثنين الذي يليه.
وفي مرسل أبي جعفر عند ابن أبي شيبة: أنه عَِّ قال: ((أين أكون أنا غدًا))،
بين هذه الروايات على تقدير ثبوتها بأن خروجه تعدد، فتعدد من اتكأ عليه) وهو أولى ممن
قال: تناوبوا في صلاة واحدة، هذا بقية ما ذكره الحافظ هنا في الوفاة.
(وعن عائشة رضي اللّه عنها أنه عَِّ قال لنسائه: إني لا أستطيع أن أدور) أطوف
عليكن (في بيوتكن، فإن شئتن أذنتن لي) في أن أكون في بيت عائشة (رواه أحمد) وفيه
مزيد لطفه وحسن عشرته، فإنه عَّ لم يكتف بأنه لا يستطيع الدوران مع أنه عذر ظاهر حتى
أنه علق الإِذن علی مشیئتهن.
(وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول اللّه عَّ ه كان يقول) وفي
رواية: يسأل (أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟) مرتين (يريد يوم عائشة حرصًا على أن يكون في
بيت عائشة) قال ابن التين في الرواية الأخرى أن أزواجه أذن له أن يقيم عند عائشة فظاهره
يخالف هذا، ويجمع باحتمال أنهن أذن له بعد أن صار إلى يومها، يعني: فيتعلق الإذن بالمستقبل
وهو جمع حسن، قاله الحافظ.
(وذكر ابن سعد بإسناد صحيح عن الزهري أن فاطمة) الزهراء (هي التي خاطبت
أمهات المؤمنين بذلك) أي: الاستئذان (فقالت لهن أنه يشق:) يصعب (عليه الاختلاف)
بالمجيء والرواح من حجرة إلى أخرى.
(وفي رواية ابن أبي مليكة) بضم الميم اسمه عبد اللّه (عن عائشة أن دخوله عليه
الصلاة والسلام بيتها كان يوم الاثنين وموته يوم الاثنين الذي يليه) فاختصت بسبعة أيام.
(وفي مرسل أبي جعفر عند ابن أبي شيبة أنه عٍَّ قال: أين أكون غدًا؟، كررها) أي:

٨٦
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معطفه.
كررها مرتين، فعرف أزواجه أنه إنما يريد عائشة، فقلن: يا رسول الله، قد وهبنا أيامنا
لأختنا عائشة.
وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه - عن الإسماعيلي - كان يقول: ((أين أنا
غدًا)) حرصًا على بيت عائشة، فلما كان يومي أذن له نساؤه أن يمرض في بيتي.
وعن عائشة: أتى رسول الله عَّه ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد
صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: ((بل أنا وارأساه)، ثم قال: ما ضرك لو
مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك، فقالت: لكأني بك والله لو
فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم عَّله، ثم بدأ
في وجعه الذي مات فيه. رواه أحمد والنسائي.
هذه المقالة (مرتين فعرف) وفي نسخة: فعرِفنا على لغة أكلوني البراغيث (أزواجه أنه إنما يريد
عائشة، فقلن: يا رسول اللّه قد وهبنا أيامنا لأختنا عائشة).
(وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه عند الإِسمعيلي: كان عَّ يقول: أين أنا غدًا؟
حرصًا على بيت عائشة) أي: على أن يكون في بيتها كما في رواية (فلما كان يومي أذن له
نساؤه أن يمرض في بيتي) ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنه كان يقول أين أنا غدًا؟، قبل
يوم عائشة، وأمر فاطمة أن تستأذنهن، فأخبرتهن بذلك، فلما كان يوم عائشة قال وهن عنده: أين
أنا غدًا؟، وكررها، ففهم أزواجه أنه يريد عائشة، وأكد ذلك قول فاطمة؛ أنه يشق عليه
الاختلاف، فوهبن أيامهن لعائشة، فقال عَّ زيادة في تطييب قلوبهن أني لا أستطيع ... الخ.
وكان ذلك في يومها كما قالت: فلما كان في يومي أذن له نساؤه أن يمرض في بيتي،
هكذا ظهر لي.
(وعن عائشة: أتى رسول اللّه عَّ ذات يوم من جنازة) لبعض أصحابه (بالبقيع) بموحدة
مقبرة المدينة (وأنا أجد صداعًا في رأسي) جملة حالية (وأنا أقول: وارأساه) ندبت نفسها
وأشارت إلى الموت، قاله الطيبي: كأنها فهمت أن وجع رأسها يتولد منه الموت (فقال) عَّه.
مشيرًا إلى أنها لا تموت منه بالإضراب (بل أنا وارأساه، ثم قال) مشيرًا إلى أنها لو ماتت قبله
لكان خيرًا لها (ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك) بنفسي على ظاهره، ففيه أن الزوج أحق بتغسيل
زوجته (وكفنتك وصليت عليك ودفنتك، فقالت: لكأني بك واللّه لو فعلت) أي: لو قام بي
(ذلك) فهو وبضم التاء أو بفتحها خطابًا، أي: لو فعلت الغسل وما بعده (لقد رجعت إلى بيتي
فأعرست) من أعرس، أي: غشى (فيه ببعض نسائك، فتبسم عَّهِ ثم بدأ في وجعه الذي مات
فيه، رواه أحمد والنسائي) من طريق عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة عنها.

٨٧
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ـ
وفي البخاري، قالت عائشة: وارأساه فقال ◌َِّ ذاك لو كان وأنا حي
فأستغفر لك وأدعو لك، فقالت عائشة: وائكلياه، والله إني لأظنك تحب موتي،
فلو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك، فقال ◌َ له: بل أنا وارأساه،
لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى
المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون.
(وفي البخاري) في الطب والأحكام: (قالت عائشة: وارأساه) من الصداع ظنًا أنه قد
يتولد منه الموت (فقال عَّ ذاك) بكسر الكاف، أي: موتك كما يدل عليه السياق (لو كان
وأنا حيّ) الواو للحال (فأستغفر لك وأدعو لك) بكسر الكاف فيهما (فقالت عائشة: واثكلياه)
بضم المثلثة وسكون الكاف وكسر اللام مصححًا عليها في الفرع بعدها تحتية خفيفة فألف
فهاء ندبة، وفي بعض الأصول بفتح اللام ولم يذكر الحافظ ابن حجر غيرها، وتعقبه العيني
فقال: ليس كذلك لأن تكلياه إما أن يكون مصدرًا أو صفة للمرأة التي فقدت ولدها، فإن كان
مصدرًا فالثاء مضمومة واللام مكسورة، وإن كان صفة فالثاء مفتوحة واللام كذلك، قال في
القاموس: الثكل بالضم الموت والهلاك وفقدان الحبيب أو الولد. انتهى.
وليست حقيقته مرادة هنا بل هو كلام يجري على ألسنتهم عند حصول المصيبة أو
توقعها، قاله المصنف: (والله إني لأظنك تحب موتي) فهمت ذلك من قوله: لو كان وأنا حي
(فلو كان ذلك) أي: موتي، وفي رواية: ذاك بلا لام (لظللت) بفتح اللام والظاء المعجمة وكسر
اللام الأولى وسكون الثانية، أي: لدنوت وقربت (آخر يومك) من موتي حال كونك (معرسًا)
بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الراء المشددة فسين مهملة اسم فاعل وبسكون العين وخفة
الراء من أعرس بالمرأة إذا بنى بها أو غشيها (ببعض أزواجك) ونسيتني (فقال عَّ: بل أنا
وارأساه) قال المصنف هكذا في الأصول المعتمدة التي وقفت عليها ياثبات، بل الإضرابية (لقد
هممت أو أردت) بالشك من الراوي (أن أرسل إلى أبي بكر) الصديق (وابنه) عبد الرحمن
(فأعهد) بفتح الهمزة والنصب عطفًا على أرسل، أي: أوصي بالخلافة إلى أبي بكر كراهية (أن
يقول القائلون) الخلافة لفلان أو يقول واحد منهم الخلافة لي وأن مصدرية والمقول محذوف
(أو يتمنى المتمنون) أن تكون الخلافة لهم فأعينه قطعًا للنزع، وقد أراد الله تعالى أن لا يعهد
ليؤجر المسلمون على الاجتهاد والمتمنون بصم النون جمع متمن بكسرها، وقال ابن التين:
ضبط بفتح النون وإنما هو بضمها، لأن الأصل المتمنيون بزنة المتطهرون استثقلت الضمة على
الياء فحذفت فاجتمع ساكنان الياء والواو فحذفت الياء لذلك وضمت النون لأجل الواو إذ
لا یصح واو قبلها کسرة. انتهى.

٨٨
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عليه.
وقوله: ((بل أنا ورأساه) إضراب، يعني: دعي ذكر ما تجدينه من وجع رأسك
واشتغلي بي.
فإن قلت: قد اتفقوا على كراهة شكوى العبد كربه، وروى أحمد في الزهد
عن طاووس أنه قال: أنين المريض شكوى، وجزم أبو الطيب وابن الصباغ وجماعة
من الشافعية أن تأوه المريض مكروه.
قلت: تعقبه النووي فقال: هذا ضعيف أو باطل، فإن المكروه ما ثبت فيه
وأمره الحافظ، ورده العيني فقال: فتح النون هو الصواب وهو الأصل كما في قوله المسمون،
إذ لا يقال فيه بضم الميم وتشبيه القائل المذكور بالمتطهرون غير مستقيم، لأن هذا صحيح وذاك
معتل اللام وكل هذا عجز وقصور عن قواعد علم التصريف.
كذا قال وأقره المصنف ورده شيخنا بأن الصواب خلافه لما علل به وأما تشبيهه
بالمسمون فهو من اشتباه اسم الفاعل باسم المفعول، فإن النون في اسم الفاعل مكسورة ومفتوحة
في اسم المفعول فيفعل فيها ما ذكر وقياس اسم الفاعل من سمى المسمون بضم الميم الثانية
جمع المسمى.
وفي التقريب قال الأزهري: تميت الشيء قدرته والفاعل متمن والجمع متمنون بضم النون
والأصلى متمنيون ومثله قاضون وأصله قاضيون (ثم قلت: يأبى اللّه) إلا خلافة أبي بكر (ويدفع
المؤمنون) خلافة غيرِه لاستخلافي له في الإِمامة الصغرى (أو) قال عَِّ (يدفع الله) خلافة غيره
(ويأبى المؤمنون) إلاَّ خلافته، شك الراوي في التقديم والتأخير.
وفي رواية لمسلم: ادعو إليّ أبا بكر أكتب له كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمنٍ ويأبى اللّه
والمؤمنون إلاَّ أبا بكر وللبزار معاذ الله أن يختلف الناس على أبي بكر، ففيه إشارة إلى أن المراد
الخلافة وهو الذي فهمه البخاري وبوّب عليه في كتاب الأحكام باب الاستخلاف.
قال الكرماني: وفائدة إحضار ابن الصديق معه في العهد بالخلافة ولم يكن له فيها دخل
أن المقام مقام طيب قلب عائشة، كأنه قيل: كما أن الأمر مفوض إلى أبيك كذلك الاشتوار في
ذلك بحضرة أخيك فأقاربك هم أهل مشورتي.
(وقوله: بل أنا وارأساه إضراب بمعنى دعي ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي)
فإنك لا تموتين في هذه الأيام من هذا الوجع بل تعيشين بعدي، علم ذلك بالوحي.
(فإن قلت: قد اتفقوا على كراهة شكوى العبد كربه، وروى أحمد) الإِمام (في) كتاب
(الزهد عن طاوس) بن كيسان اليماني؛ (أنه قال: أنين المريض): تأوه وتوجعه (شكوى).
(وجزم أبو الطيب وابن الصباغ وجماعة من الشافعية؛ أن تأوه:) توجع (المريض
مكروه) تنزيها (قلت: تعقبه النووي، فقال: هذا ضعيف أو باطل، فإن المكروه ما ثبت فيه

٨٩
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ ليه
نهي مخصوص، وهذا لم يثبت فيه ذلك، ثم احتج بحديث عائشة هذا، ثم قال:
فلعلهم أرادوا بالكراهة خلاف الأولى، فإنه لا شك أن اشتغاله بالذكر أولى. انتهى.
قال في فتح الباري: ولعلهم أخذوه بالمعنى من كون كثرة الشكوى تدل
على ضعف اليقين وتشعر بالتسخط للقضاء، وتورث شماتة الأعداء، وأما إخبار
المريض صديقه أو طبيبه عن حاله فلا بأس اتفاقًا، فليس ذكر الوجع شكاية. فكم
من ساكت وهو ساخط، وكم من شاك وهو راض، فالمعوّل في ذلك على عمل
القلب لا على نطق اللسان.
وقد تبين - كما نبه عليه في ((اللطائف)) - أن أول مرضه عليه الصلاة والسلام
كان صداع الرأس، والظاهر أنه كان مع حمى، فإن الحمى اشتدت به في مرضه،
فكان يجلس في مِخْضَب ويصب عليه الماء من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن،
یتبرد بذلك.
وفي البخاري قالت: لما دخل بيتي واشتد وجعه قال: ((أهريقوا عليَّ من
نهي مقصود) له بعينه ولم يصلح للتحريم (وهذا لم يثبت فيه ذلك، ثم احتج بحديث عائشة
هذا) فإن قوله عَّله: بل أنا وارأساه دليل على الجواز (ثم قال النووي: فلعلهم أرادوا بالكراهة
خلاف الأولى، فإنه لا شك أن اشتغاله) أي: المريض (بالذكر أولى. انتهى).
وأما حديث المريض: أنينه تسبيح فليس بثابت كما نقله السخاوي عن شيخه الحافظ
(قال في فتح الباري: ولعلهم أخذوه) أي قولهم بالكراهة (بالمعنى من كون كثرة الشكوى
تدل على ضعف اليقين وتشعر بالتسخط) أي: إظهار التألم وعدم الصبر (للقضاء) الذي أصابه
مما يكرهه (وتورث شماتة الأعداء) فرحهم.
(وأما إخبار المريض صديقه أو طبيبه) الذي يداويه (عن حاله فلا بأس به) أي: يجوز
(اتفاقًا، فليس ذكر الوجع شكاية، فكم من ساكت وهو ساخط) بقلبه (وكم من شاك) بلسانه
(وهو راضٍ) بقلبه (فالمعوَّ في ذلك على عمل القلب لا على نطق اللسان) لأن القلب إذا
صلح صلح الجسد كله.
(وقد تبين كما نبه عليه في اللطائف أن أول مرضه عليه الصلاة والسلام كان صداع
الرأس، والظاهر أنه كان مع حمى، فإن الحمى اشتدت به في مرضه، فكان يجلس في
مِخْضَب) بكسر الميم وإسكان الخاء وفتح الضاد المعجمتين الإِجانة (ويصب عليه الماء من
سبع قرب لم تحلل أو کیتھن یتبرد بذلك) من الحمى،
(وفي البخاري قالت عائشة: لما دخل بيتي واشتد وجعه قال: أهريقوا) أي: صبوا

٩٠
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ ايه.
سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس، فأجلسناه في مخضب
لحفصة - زوج النبي عَّله - ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير
إلينا بيده أن قد فعلتن. الحديث.
وقد قيل في الحكمة في هذا العدد: أن له خاصية في دفع ضرر السم
والسحر، وسيأتي إن شاء الله تعالى أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((هذا أوان انقطاع
أبهري))، أي من ذلك السم. وتمسك بعض من أنكر نجاسة سؤر الكلب به، وزعم
أن الأمر بالغسل منه سبعًا إنما هو لدفع السمية التي في ريقه.
وكانت عليه صلوات الله وسلامه عليه قطيفة، فكانت الحمى تصيب من يضع
يده عليه من فوقها فقيل له في ذلك فقال: ((إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف
(عليّ من سبع قرب لم تحلل) بضم الفوقية وسكون المهملة وفتح اللام خفيفة (أوكيتهن)
جمع وكاء وهو رباط القربة (لعلي أعهد إلى الناس) أي: أوصي (فأجلسناه في مخضب)
بكسر الميم بزنة منبر إناء يغتسل فيه (لحفصة زوج النبي عَلَه، ثم طفقنا) شرعنا (نصب عليه
من تلك القرب) السبع (حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن) أي: كفوا عن الصب
(الحديث) تتمته هنا في البخاري، قالت: ثم خرج إلى الناس فصلى لهم وخطبهم.
وفي حديث ابن عباس أنه عَّ خطب في مرضه ... الحديث وفيه أنه آخر مجلس
جلسه، ولمسلم عن جندب أن ذلك كان قبل موته بخمس، قال الحافظ: فعليه يكون يوم .
الخميس، ولعله كان بعد اختلافهم عنده وقوله لهم قوموا فلعله وجد بعد ذاك خفة فخرج (وقد
قيل في الحكمة في هذا العدد) أي: قوله من سبع قرب (أن له) أي: للعدد (خاصية في دفع
ضرر السم والسحر، وسيأتي إن شاء الله تعالى) قريبًا (أنه عليه الصلاة والسلام قال: هذا أوان) بالفتح
ظرفًا (انقطاع أبهري) بفتح فسكون (من ذلك السم) الذي أكله بخيبر (وتمسك به بعض في أنكر نجاسة
سؤر الكلب، وزعم أن الأمر بالغسل منه سبعًا إنما هو لدفع السمية التي في ريقه).
زاد الحافظ: وقد ثبت حديث من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم
ولا سحر، وللنسائي في قراءة الفاتحة على المصاب سبع مرات وسنده صحيح، ولمسلم: القول
لمن به وجع أعوذ بعزة اللّه وقدرته من شر ما أجد وأحذر سبع مرات، وفي النسائي: من قال عند
مريض لم يحضر أجله أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات (وكانت عليه
صلوات الله وسلامه عليه قطيفة) كساء له خمل (فكانت الحمى تصيب من يضع يده عليه)
أي: المصطفى (من فوقها) أي: القطيفة لشدة حرارة الحمى (فقيل له في ذلك، فقال: إنا)

٩١
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه مافيه.
لنا الأجر))، رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، كلهم
من رواية أبي سعيد الخدري.
وقالت عائشة: ما رأيت أحدًا كان أشد عليه الوجع من رسول الله علـ
وعن عبد الله قال: دخلت على النبي ◌َّ وهو يوعك وعكًا شديدًا، فقلت: يا
رسول الله، إنك توعك وعكًا شديدًا، قال: ((أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)،
قلت: ذلك أن لك أجرين، قال: ((أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما
فوقها إلا كفر الله بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها)). رواه البخاري.
معاشر الأنبياء (كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر).
(رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا والحاكم، وقال: صحيح الإِسناد، كلهم من رواية أبي
سعيد الخدري) سعد بن لملك بن سنان (وقالت عائشة: ما رأيت أحدًا كان أشد عليه الوجع)
أي: المرض، والعرب تسمي كل مرض وجعًا (من رسول اللّه عَّ ه) زيادة في أجره، وهذا
الحديث رواه الشيخان.
(وعن عبد الله) بن مسعود قال: دخلت على النبي عَّةٍ وهو) أي: والحال أنه (يوعك)
بفتح العين يحم (وعكا شديدًا) فمسسته (فقلت: يا رسول اللّه إنك توعك وعكا) بسكون العين
وفتحها (شديدًا، قال: أجل) بفتح الجيم وسكون اللام مخففة، أي: نعم (إني أوعك كما
يوعك رجلان منكم) لأنه كالأنبياء مخصوص بكمال الصبر.
قال ابن مسعود: (قلت ذلك) التضاعف (إن لك لأجرين، قال: أجل ذلك كذلك) فالبلاء
في مقابلة النعمة، فمن كانت نعم اللّه عليه أكثر كان بلاؤه أشد (ما من مسلم يصيبه أذى
شوكة) بالرفع بدل والتنكير للتقليل لا للجنس ليصح ترتب قوله: (فما فوقها) بالقاف عليه، وهو
يحتمل وجهين فوقها في العظم ودونها في الحقارة، وعكس ذلك قاله في الفتح والكواكب،
وفي رواية: أذى مرض فما سواه (إلاَّ كفر الله بها) وفي نسخة: به، أي: بالأذى، لكن الذي في
البخاري بها، أي: بالشوكة (سيئاته) الصغائر أو الكبائر، حدث عن الكرم بما شئت (ما تحط
الشجرة ورقها) وذلك زمن الخريف، فإنها حينئذٍ تتجرد عنها سريعًا لجفافها وكثرة هبوب
الرياح.
زاد في حديث سعد بن أبي وقاص عند الدارمي، وصححه الترمذي وابن حبان: حتى
يمشي على الأرض وما عليه خطيئة، قال الطيبي: تحات ورق الشجر كناية عن إذهاب الخطايا
شبه حالة المريض وإصابة المرض جسده، ثم محو السيئات عنه سريعًا بحملة الشجر وهبوب
الرياح وتناثر الأوراق منها وتجردها عنها، فهو تشبيه تمثيلي لانتزاع الأمور والمتوهمة في المشبه

٩٢
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عمل.
.
والوَعْك - بفتح الواو وسكون العين المهملة، وقد تفتح -: الحمى، وقيل: ألم
الحمى، وقيل: إرعادها الموعك وتحريكها إياه. وعن الأصمعي: الوعك: الحر،
فإن كان محفوظًا فلعل الحمى سميت وعكًا لحرارتها.
قال أبو هريرة: ما من وجع يصيبني أحب إليَّ من الحمى، إنها تدخل في
كل مفصل من ابن آدم، وإن الله يعطي كل مفصل قسطًا من الأجر.
وأخرج النسائي، وصححه الحاكم، من حديث فاطمة بنت اليمان - أخت
حذيفة - قالت: أتيت النبي عَّ في نساء نعوده: فإذا سقاء يقطر عليه من شدة
الحمى، فقال: ((إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)).
من المشبه به، فوجه الشبه الإزالة الكلية سريعًا لا الكمال والنقصان، لأن إزالة ذنوب الإِنسان
سبب كماله، وإزالة الأوراق عن الشجر سبب نقصانها.
(رواه البخاري) في مواضع عديدة من الطب، وكذا رواه مسلم في الطب (والوعك
- بفتح الواو وسكون العين المهملة وقد تفتح - الحمى) نفسها (وقيل: ألم الحمى،
وقيل: إرعادها الموعوك وتحريكها إياه).
(وعن الأصمعي) بفتح الميم عبد الملك بن قريب (الوعك الحر، فإن كان محفوظًا)
عند أهل اللغة (فلعل الحمى سميت وعكا لحرارتها، قال أبو هريرة: ما من وجع) أي: مرض
(يصيبني أحب إليّ من الحمى، إنها تدخل في كل مفصل) بزنة مسجد أحد مفاصل الإِنسان
(من ابن ادم، وإن اللّه يعطي كل مفصل قسطًا) نصيبًا (من الأجر).
(وأخرج النسائي وصححه الحاكم من حديث فاطمة بنت اليمان أخت حذيفة)
العبسية، ويقال اسمها خولة، روى عنها ابن أخيها أبو عبيد بن حذيفة؛ أنها (قالت: أتيت
النبي عَّ في نساء نعوده، فإذا سقاء) بكسر السين معلق (يقطر) ماؤه (عليه من شدة) ما
يجد من حر (الحمى، فقال: إن أشد) هكذا الرواية في النسائي وغيره أشد (الناس) بدون من
قبلها، فما في نسخ: إن من لا يصح ولا من جهة المعنى، لأن الأنبياء أشد على الإطلاق، وفي
تاريخ البخاري مرفوعًا: أشد الناس بلاء في الدنيا نبي أو صفي، والذي في الإِصابة والزيادات
مجز، والنسائي وغيره وبلفظ: أن أشد الناس (بلاء) في الدنيا (الأنبياء ثم الذين يلونهم) الأصفياء
والصالحون. (ثم الذين يلونهم) وهذا يفسره رواية الطبراني في الكبير عن فاطمة بنت اليمان
نفسها مرفوعًا بلفظ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل.
قال القرطبي: أحب الله تعالى أن يبتلي أصفياءه تكميلاً لفضائلهم ورفعة الدرجاتهم عنده

٩٣
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَّ.
وفي حديث عائشة: أنه معَُّلِّ كان بين يديه علبة أو ركوة فيها ماء، فجعل
يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه ويقول: ((لا إله إلا الله إن للموت
سكرات)) الحديث رواه البخاري.
وروى أيضًا عن عروة أنه عَّهِ قال: ((ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت
بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم)).
وفي رواية: ((ما زالت أكلة خيبر تُعادّني)).
وليس ذلك نقصًا في حقهم ولا عذابًا، بل كمال رفعة مع رضاهم بجميل ما يجريه اللّه عليهم،
وقال العارف الجيلاني: إنما كان الحق يديم على أصفيائه البلايا والمحن ليكونوا دائمًا بقلوبهم
في حضرته لا يغفلون عنه لأنه يحبهم ويحبونه، فلا يختارون الرخاء لأن فيه بعدًا عن محبوبهم،
وأما البلاء فقيد للنفوس يمنعها من الميل لغير المطلوب، فإذا دام ذابت الأهوية وانكسرت
القلوب، فوجدوا اللّه أقرب إليهم من حبل الوريد كما قال اللّه تعالى.
وفي بعض الكتب الإلهية أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، أي: على الكشف منهم
والشهود وإلاّ فهو عند كل عبد انكسر قلبه أم لا.
(وفي حديث عائشة أنه عَّه كان بين يديه علبة) بضم العين وسكون اللام وفتح
الموحدة قدح ضخم من خشب (أو ركوة) بفتح الراء من جلد يشك عمر بن سعيد أحد رواته،
كما في البخاري: (فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: لا إله
إلاَّ اللّه إن للموت سكرات:) جمع سكرة وهي الشدة ... (الحديث) باقية، ثم نصب يده
فجعل يقول في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده.
(رواه البخاري:) إن عائشة كانت تقول: إن من نعم اللّه عليّ أن رسول اللّه عَّه توفي في
بيتي ... الحديث، وفيه: وكان بين يديه ركوة إلى آخر ما هنا.
(روى) البخاري (أيضًا) لكن تعليقًا قال الحافظ: وصله البزار والحاكم والإِسمعيلي (عن
عروة بن الزبير، عن عائشة؛ أنه عَّ قال: ما أزال أجد ألم الطعام) أي: أحس الألم في جوفي
بسبب الطعام المسموم (الذي أكلت بخيير، فهذا أوان) بالرفع على الخبرية وهو الذي في الفرع
وبالفتح لإضافته إلى مبني وهو الماضي، لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد وهو في
موضع رفع خبر المبتدأ، قاله المصنف واقتصر الحافظ على قوله: أوان بالفتح على الظرفية
(وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم) بفتح السين وضمها.
(وفي رواية) لابن سعد بأسانيد متعددة في قصة الشاة التي سمت له بخيبر، وقال في
آخرها: وعاش بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي قيض فيه جعل يقول: (ما زالت أكلة

٩٤
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه علـ
والأُكلة: بالضم، اللقمة التي أكل من الشاة. وبعض الرواة يفتح الألف، وهو
خطأ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يأكل منها إلا لقمة واحدة، قاله ابن الأثير.
ومعنى الحديث: أنه نقض عليه سم الشاة التي أهدتها له اليهودية، فكان
ذلك يثور عليه أحيانًا.
والأبهر: عرق مستبطن بالصلب يتصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه.
وقد كان ابن مسعود وغيره يرون أنه عَ لِ مات شهيدًا من السم.
وعند البخاري أيضًا قالت: إن رسول الله عَّه كان إذا اشتكى نفث على
نفسه بالمعوذات ومسح بيديه، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه، طفقت أنفث
عليه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي سعد ٣ عنه.
خيبر تُعادّني) بضم الفوقية وشد الدال المهملة، قال في النهاية، أي: تراجعني ويعاودني ألم
سمها في أوقات معلومة يقال به عداد من ألم، أي: يعاوده في أوقات معلومة. انتهى، فنسخ
تعاودني بزيادة واو قبل الدال تحريف وعند ابن سعد ما زلت أجد من الأكلة التي أكلتها بخيبر
عدادًا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري وتوفي شهيدًا. انتهى.
(والأكلة بالضم) للهمزة (اللقمة التي أكل من الشاة وبعض الرواة بفتح الألف وهو
خطأ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يأكل منها إلا لقمة واحدة قاله ابن الأثير) في النهاية
(ومعنى الحديث أنه نقض عليه سم الشاة التي أهدتها له اليهودية، فكان ذلك يثور عليه
أحياناً) حتى ينال رتبة الشهادة ومرت القصة مبسوطة في خيبر (والأبهر) بفتح الهمزة والهاء
بينهما موحدة ساكنة (عرق مستبطن بالصلب متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه).
هكذا نقله في الفتح عن أهل اللغة، ثم قال: وقال الخطابي: يقال إن القلب متصل (وقد
كان ابن مسعود وغيره يرون أنه عَِّ مات شهيدًا من السم) الذي تناوله بخيبر، ومن المعجزة
أنه لم يؤثر فيه في وقته، لأنهم قالوا: إن كان نبيًّا لم يضره وإن كان ملكًا استرحنا منه، فلما لم
يؤثر فيه تيقنوا نبوته حتى قيل: إن اليهودية أسلمت ثم نقض عليه بعد ثلاث سنين لإكرامه
بالشهادة.
(وعند البخاري أيضًا، قالت) عائشة: (أن رسول اللّه عَّ ال كان إذا اشتكى) أي: مرض
(نفث) بمثلثة، أي تفل بغير ريق أو مع ريق خفيف (على نفسه بالمعوّذات) بكسر الواو
المشددة (ومسح) أي: يقرأ ماسحًا (بيديه) عند قراءتها لتصل بركة القرءان إلى بشرته المقدسة
(فلما اشتكى) مرض (وجعه) مرضه (الذي توفي فيه طفقت) أي: أخذت حال كوني (أنفث
عليه بالمعوذات التي كان ينفث) بكسر الفاء (وأمسح بيد النبي عَدٍ عنه) بركتها، وهذا

٩٥
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عليه.
وفي رواية مالك: وأمسح بيده رجاء بركتها.
ولمسلم، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسح بيد
نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي.
وأطلقت على السور الثلاث: المعوذات، تغليبًا.
وفي البخاري عن عائشة: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي عَّةٍ وأنا
مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله عَ ليه
بصره، فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﴾. فاستن به،
فما رأيته استن استنانًا قط أحسن منه. الحديث.
رواه البخاري في الوفاة من طريق يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة.
(وفي رواية لملك) عن ابن شهاب بهذا الإِسناد عند البخاري في فضائل القرءان: (وأمسح
بيده) عَّهِ (رجاء بركتها) وفي رواية معمر عن ابن شهاب، بسنده عند البخاري في الطب:
أمسح بعد نفسه (ولمسلم) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: (فلما مرض مرضه
الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسح بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي).
وعند البخاري عن ابن أبي مليكة عن عائشة: فذهبت أعوذه، فرفع رأسه إلى السماء وقال:
في الرفيق الأعلى، وللطبراني من حديث أبي موسى: فأفاق وهي تمسح صدره وتدعو بالشفاء،
فقال: لا ولكن أسأل الله الرفيق الأعلى (وأطلقت على السور الثلاث) الإِخلاص والتاليتين لها
(المعوذات تغليبًا) كما قال الحافظ إنه المعتمد، وعبارته: المراد بالمعوذات قل أعوذ برب
الفلق وقل أعوذ برب الناس، وجمع باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو باعتبار أن المراد الكلمات
التي يقع بها التعويذ من السورتين، ويحتمل أن المراد هاتان السورتان مع سورة الإِخلاص
وأطلقت ذلك تغليبًا وهذا هو المعتمد.
(وفي البخاري عن عائشة: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي عَّةٍ وأنا
مسئدته إلى صدري ومع عبد الرحمن سواك رطب) من جريد (يستن) بشد النون يستاك (به)
قال الخطابي: أصله من السن، أي بالفتح، ومنه السن الذي يسن عليه الحديد (فأبده
رسول اللّه عَ لّ بصره، فأخذت السواك) من عبد الرحمن (فقضمته ونفضته) بالفاء والضاد
المعجمة (وطيبته، ثم دفعته إلى النبي عَّ فاستن:) استاك (به، فما رأيته استن استنانًا قط
أحسن منه ... الحديث) تمامه، فما عدا أن فرغ عَِّ رفع يده أو إصبعه، ثم قال: في الرفيق
الأعلى ثلاثًا، ثم قضى وكانت تقول مات بين حاقنتي وذاقنتي.

٩٦
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه علَّ
وقولها: ((فأبده)) بتشديد الدال المهملة أي: مد نظره إليه.
وقولها: ((فقضمته)) - بكسر الضاد المعجمة - أي: لطوله ولإزالة المكان الذي
تسوك به عبد الرحمن. ((ثم طيبته)): أي لينته بالماء.
وفي رواية له أيضاً: قالت: إن من نعم الله تعالى عليَّ أن جمع الله بين
ريقي وريقه عند موته، دخل عليّ عبد الرحمن وبيده سواك، وأنا مسندة
رسول الله عَّ له، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك؟ فأشار
برأسه: أن نعم.
وفي رواية: مر عبد الرحمن وفي يده جريدة رطبة، فنظر إليه عَ لَه فظننت أن
له بها حاجة، فأخذتها قمضغت رأسها ونفضتها ودفعتها إليه فاستن بها كأحسن ما
(وقولها: فأيده) بموحدة خفيفة و(بتشديد الدال المهملة، أي: مد نظره إليه) يقال:
أبددت فلانًا النظر إذا طولته إليه.
وفي رواية الكشميهني: فأمده بالميم، قال المصنف: وهما بمعنى (وقولها: فقضمته) بفتح
القاف و(بكسر الضاد المعجمة) أي: مضغته والقضم الأخذ بطرف الأسنان (أي: لطوله
ولإزالة المكان الذي تسوك به عبد الرحمن، ثم طيبته، أي: لينته بالماء).
قال الحافظ: وحكى عياض أن الأكثر رووه بالصاد المهملة، أي: كسرته أو قطعته، حكى
ابن التين رواية بالفاء والمهملة.
قال المحب الطبري: إن كان بالضاد المعجمة فيكون قولها: فطيبته تكرارًا، وإن كان
بالمهملة فلا، لأنه يصير المعنى كسرته لطوله، أو لإزالة المكان الذي تسوك به عبد الرحمن،
ويحتمل أن يكون طيبته تأكيدًا للينته.
(وفي رواية له) البخاري (أيضًا، قالت) عائشة: (إن من نعم الله تعالى عليَّ) بشد الياء
(أن اللّه جمع بين ريقي وريقه عند موته دخل عليّ عبد الرحمن) بن أبي بكر (وبسيده سواك
وأنا مسندة رسول اللّه ظة، فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه الك،
فأشار برأسه أن نعم) فيه العسل بالإِشارة عند الحاجة وقوة فطنة عائشة.
وباقي هذا في البخاري: فناولته قاشتد عليه، وقلت: أليته لك، فأشار برأسه أن نعم، فلينته
فأمره وبين يديه ركوة إلى آخر منا مر.
(وفي رواية) للبخاري أيضًا عن عائشة: (مر عبد الرحمن وفي يده جريدة رطبة، فنظر
إليه عَّدٍ، فظننت أن له بها) بالجريدة (حاجة، فأخذتها فمضغت رأسها ونفضتها) بقاء ومعجمة

٩٧
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ فيه.
كان مستنا، ثم ناولنيها فسقطت يده أو سقطت من يده، فجمع الله بين ريقي
وريقه في آخر يوم من الدنيا، أول يوم من الآخرة.
وفي حديث خرجه العقيلي: أنه معَِّ قال لها في مرضه: ائتيني بسواك رطب
فامضغيه ثم ائتيني به أمضغه لكي يختلط ريقي بريقك لكي يهون علي عند
الموت.
قال الحسن: لما كرهت الأنبياء الموت هون الله عليهم ذلك بلقاء الله،
وبكل ما أحبوا من تحفة أو كرامة، حتى إن نفس أحدهم لتنزع من بين جنبيه وهو
محب لذلك، لما قد مثل له.
وفي المسند عن عائشة أيضًا: أن النبي عَّه قال: (إنه ليهون علي الموت لأني
رأيت بياض كف عائشة في الجنة)). وخرجه ابن سعد وغيره مرسلاً: أنه عَ لَّه قال: ((لقد
رأيتها في الجنة، حتى ليهون عليَّ بذلك موتي كأني أرى كفيها))، يعني عائشة.
فقد كان عَّ الِ يحب عائشة حبّ شديدًا، حتى لا يكاد يصبر عنها، فمثلت
(ودفعتها إليه، فاستن بها كأحسن ما كان مستنًا، ثم ناولنيها فسقطت يده أو سقطت) الجريدة
(من يده) شك الراوي: (فجمع اللّه بين ريقي وريقه في آخر يوم) من أيامه عٍَّ (من الدنيا
وأول يوم) من أيامه (من الآخرة) عليه الصلاة والسلام.
(وفي حديث: خرجه العقيلي) بضم العين (أنه معَّةٍ قال لها في مرضه: ائتيني بسواك
رطب فامضغيه، ثم ائتيني به أمضغه لكي يختلط ريقي بريقك لكي يهون) الأمر (عليّ عند
الموت).
وعند ابن عساكر: ما أبالي بالموت مذ علمت أنك زوجتي في الجنة (قال الحسن)
البصري: (لما كرهت الأنبياء الموت) باعتبار الطبع البشري (هون اللّه عليهم ذلك بلقاء الله
وبكل ما أحبوا من تحفة) وزان رطبة ما اتحفت به غيرك.
وحكى الصغاني: سكون الحاء أيضًا (أو كرامة، حتى إن نفس أحدهم لتنزع من بين
جنبيه وهو مسحب لذلك لسما قد مثل له، وفي المسند) للإمام أحمد (عن عائشة أيضًا: أن
النبي عَّه قال: إنه ليهون) بسكون الواو يسهل (عليّ الموت) أي: تطيب نفسي به وإن
وجدت فيه شدة ومشقة (لأني رأيت بياض كف عائشة في الجنة، وخرجه ابن سعد وغيره
مرسلاً) بدون ذكر عائشة (أنه عٍَّ قال: لقد رأيتها في الجنة حتى ليهون عليّ بذلك موتبي.
كأني أرى كفيها، يعني عائشة، فقد كان عليه الصلاة والسلام يحب عائشة حبًّا شديدًا

٩٨
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَـ
له بين يديه في الجنة ليهون عليه موته، فإن العيش إنما يطيب باجتماع الأحبة، وقد
سأله مَّه رجل فقال: أي الناس أحب إليك؟ فقال: ((عائشة)) فقال: من الرجال:
قال: ((أبوها))، ولهذا قال لها: في ابتداء مرضها لما قالت: وارأساه وددت أن ذلك
كان وأنا حي فأصلي عليك وأدفنك، فعظم ذلك عليها، وظنت أنه يحب فراقها،
وإنما كان عٍَّ يريد تعجيلها بين يديه ليقرب اجتماعهما.
ويروى أنه كان عنده عَّهِ في مرضه سبعة دنانير، فكان يأمرهم بالصدقة بها
ثم يغمى عليه، فيشتغلون بوجعه، فدعا بها فوضعها في كفه وقال: ((ما ظن محمد
بربه لو لقي الله وعنده هذه؟)) ثم تصدق بها كلها، رواه البيهقي.
انظر إذا كان هذا سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين المغفور له ما تقدم
حتى لا يكاد يصبر عنها، فمثلت:) صورت (له بين يديه في الجنة ليهون) بسكون الواو
يسهل (عليه موته، فإن العيش إنما يطيب باجتماع الأحبة) وقراءته بشد الواو تقتضي أنه خفف
عليه في قبض روحه وهو خلاف قوله: إن للموت سكرات، وخلاف قول عائشة: لا أكره شدة
الموت لأحد بعد النبي عَّهِ (وقد سأله عَّ رجل) هو عمرو بن العاصي لما أمره على ذات
السلاسل على جيش فيهم أبو بكر وعمر، قال: فظننت أن لي منزلة عنده، فأتاه (فقال: أي
الناس) هكذا الرواية في الصحيحين وغيرهما، فنسخة النساء تصحيف سببه خيال يقوم في العقل؛
أنه أنسب بالجواب (أحب إليك) زاد في رواية: فأحبه (فقال: عائشة فقال: من الرجال).
وعند ابن خزيمة وابن حبان عن عمرو: فقلت: إني لست أعني النساء، إني أعني الرجال،
فلو كان السؤال، أي: النساء ما صح أن عمرًا يقول هذا (قال أبوها:) فقلت: ثم من؟، قال: ثم
عمر بن الخطاب فعد رجالاً، هذا تمامه في الصحيحين، زاد في رواية: سكت مخافة أن يجعلني
في آخرهم (ولهذا قال لها: في ابتداء مرضها، لما قالت: وارأساه وددت أن ذلك كان) وجد
(وأنا حي فأصلي عليك وأدفنك، فعظم:) شق (ذلك عليها وظنت أنه يحب فراقها، وإنما
كان عليه الصلاة والسلام يريد تعجيلها بين يديه ليقرب اجتماعهما، ويروى أنه كان عنده
عَّ في مرضه سبعة دنانير، فكان يأمرهم) أي: من عنده (بالصدقة بها، ثم يغمى عليه
فيشتغلون بوجعه فدعا بها) أي: أمر بإحضارها (فوضعها في كفه وقال: ما ظن محمد بربه لو
لقي اللّه تعالى) مصدرية (وعنده هذه، ثم تصدق بها كلها) رغبة في الأجر وإعراضًا عن الدنيا.
(رواه البيهقي: أنظر إذا كان هذا سيد المرسلين) بالنصب خبر كان (وحبيب رب
العالمين، المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) وجواب إذا محذوف، أي: تبرأ من الدنيا

٩٩
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عليّ.
من ذنبه وما تأخر، فكيف حال من لقي الله وعنده دماء المسلمين وأموالهم
المحرمة، وما ظنه بربه تعالى.
وفي البخاري من طريق عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: دعا
النبي عَّ فاطمة في شكواه الذي قبض فيه، فسارَّها بشيء فبكت، ثم دعاها
فسارَّها فضحكت، فسألناها عن ذلك فقالت: سارَّني النبي عَِّ أنه يقبض في وجعه الذي
توفي فيه فبكيت، ثم سارّني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت.
وفي رواية مسروق عن عائشة: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية
النبي عَّهِ، فقال: ((مرحبًا يا بنتي)) ثم، أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارَّها.
ولأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من طريق عائشة بنت
مع أنه إنما اكتسبها من أحل الحلال (فكيف حال من لقي اللّه وعنده دماء المسلمين وأموالهم
المحرمة وما ظنه بربه تعالى) إن لم يتجاوز عنه ويرض عنه خصماؤه.
(وفي البخاري) ومسلم والنسائي (من طريق عروة عن عائشة رضي الله عنها، قالت:
دعا النبي عَّ فاطمة) بنته رضي اللّه عنها (في شكواه:) مرضه (الذي قبض فيه) بالتذكير
على معنى شكوى للكشميهني، فيها بالتأيث على لفظها (فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها
فسارها بشىء فضحكت:) سقطت بشيء، الثانية لبعض رواة البخاري (فسألناها عن) سبب
(ذلك) البكاء والضحك (فقالت:) بعد وفاته (سارني النبي ◌َّة أنه يقبض في وجعه الذي
توفي فيه، فبكيت) حزنًا عليه (ثم سارني فأخبرني أني أول أهله) ولبعض الرواة أول أهل بيته
(يتبعه) بسكون الفوقية (فضحكت) فرحًا بقرب الاجتماع به.
(وفي رواية) الصحيحين والنسائي عن (مسروق) بن الأجدع (عن عائشة) قالت: (أقبلت
فاطمة تمشي كأن مشيتها) بكسر الميم (مشية النبي عَّهِ، فقال لها: مرحبًا يا بنتي) بموحدة
فألف وصل فموحدة ساكنة، ويوجد في بعض أصول البخاري: بابنتي بياء النداء بعدها ألف،
وصوب الأول: (ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله) شك الراوي: (ثم سارها) لفظه، ثم أسر
إليها حديثًا فبكت، فقلت لها: لم تبكين ثم أسر إليها حديثًا فضحكت، فقلت: ما رأيتك كاليوم
فرحًا أقرب من حزن، فسألتها عما قال: فقالت: ما كنت لأُفشي سر رسول اللّه عَ لِ حتى قبض،
فسألتها فقالت: أسر إليّ أن جبريل كان يعارضني القرءان كل سنة مرة وأنه عارضني الآن مرتين
ولا أراه إلا حضر أجلي وأنك أول أهلي لحاقًا بي فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة
نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك.
(ولأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من طريق عائشة بنت طلحة) بن

١٠٠
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معد له.
طلحة عن عائشة قالت: ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا وهديًا ودلاً برسول الله عَّلِ في
قيامها وقعودها من فاطمة. وكانت إذا دخلت على النبي عَ ◌ّه قام إليها وقبلها
وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مرض دخلت عليه
فأكبت عليه فقبلته.
واتفقت الروايتان: على أن الذي سارّها به أولاً فبكت، هو إعلامه إياها بأنه يموت
من مرضه ذلك، واختلفا فيما سارّها به فضحكت، ففي رواية عروة أنه:
إخباره إياها بأنها أول أهله لحوقًا به، وفي رواية مسروق أنه: إخباره إياها أنها سيدة
نساء أهل الجنة. وجعل كونها أول أهله لحوقًا به مضمومًا إلى الأول، وهو
الراجح، فإن حديث مسروق يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة، وهو
من الثقات الضابطين.
ومما زاده مسروق: قول عائشة: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من
حزن، فسألتها عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله عَ لَّه، حتى توفي
عبيد اللّه التميمية: كانت فائقة الجمال، روى لها الجميع (عن عائشة) أم المؤمنين، (قالت: ما
رأيت أحد أشبه سمًا) بفتح المهملة وسكون الميم وفوقية (وهديًا) بفتح فسكون (ودلاً) بفتح
الدال المهملة وشد اللام، الثلاثة عبارة عن الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار
وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيبة كما في النهاية (برسول اللّه عَّةٍ في قيامها
وقعودها من فاطمة، وكانت إذا دخلت على النبي عٍَّ قام إليها) إجلالاً لها وفيه مشروعية
القيام (وقبلها) حبًا لها (وأجلسها في مجلسه) تعظيمًا لها (وكان) عَُّ (إذا دخل عليها) في
بيتها (فعلت ذلك، فلما مرض دخلت) فاطمة (عليه، فأكبت عليه فقبلته) حبًا وإشفاقًا
(واتفقت الروايتان على أن الذي سارها به أولاً فبكت هو إعلامه إياها بأنه يموت من مرضه
ذلك، واختلفا) أي: الروايتان (فيما سارها به فضحكت، ففي رواية عروة؛ أنه إخباره إياها
بأنها أُول أهله لحوقًا به).
(وفي رواية مسروق): كما رأيت (أنه إخباره إياها أنها سيدة نساء أهل الجنة وجعل كونها أول
أهله لحوقًا به مضمومًا إلى الأول) إخباره بأنه ميت من وجعه (وهو الراجح، فإن حديث
مسروق) عن عائشة (يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة) عنها (وهو)، أي: مسروق
(من الثقات الضابطين) فزيادته مقبولة (ومما زاده مسروق قول عائشة: ما رأيت كاليوم) أي:
كفرح اليوم (فرحًا) بفتح الراء أو التقدير ما رأيت فرحًا كفرح رؤيته اليوم (أقرب من حزن) بضم
المهملة وسكون الزاي، ولأبي ذر بفتحهما (فسألتها عن ذلك، فقالت: ما كنت لأفشي) بضم