Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع: قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كانت في الحديبية، وجزم إمام الحرمين في النهاية أن ذلك كان في الحديبية، ثم قال النووي: ولا يبعد أن يكون ذلك وقع في الموضعين. انتهى. وكذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب. قال في فتح الباري: بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين، إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال، لما دخل عليهم من الحزن، لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبي عَ﴾ وصالح قريشًا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو عدّله قبلهم ففعل، فتبعوه فحلق بعض وقصر بعض، تدل على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع) لكن الذي يدل منها إنما هو حديث أم الحصين. أما حديث ابن عمر وأبي هريرة عند مسلم فليس فيهما تصريح بموضع، وقد صرح في فتح الباري؛ بأنه ليس في رواية أبي هريرة تعيين الموضع، وعين في بعض طرق حديث ابن عمر عند البخاري ولم يذكر هذه الطريق مسلم. (قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كانت في الحديبية، وجزم إمام الحرمين في النهاية) وكذا ابن عبد البر (أن ذلك كان في الحديبية، ثم قال النووي: ولا يبعد أن يكون ذلك وقع في الموضعين. انتهى). وقال عياض: كان في الموضعين، هكذا في الفتح قبل قوله. (وكذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب، قال في فتح الباري: بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين) وكلها صحيحة وإن كان بعضها أصح وأكثر، فلا يقتضي طرح غيره مع إمكان الجمع بالتعدد (إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك) أي: الوصول إليه بالقتال (فخالفهم النبي عَّهِ، وصالح قريشًا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم بالإحلال) من العمرة (توقفوا، فأشارت أم سلمة) لما دخل عليها النبي عَّه وأخبرها بتوقفهم وخوفه عليهم من التوقف (أن يحل هو عَّ قبلهم) فقالت: اخرج ولا تكلم أحدًا منهم وادع الحلاق يحلق ٤٤٢ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر، ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس، فإن في آخره عند ابن ماجة وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: ((لأنهم لم یشکو)). وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع، فقال ابن الأثير في (النهاية)): كان أكثر من حج معه عَّ لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها، ويحلقوا رؤوسهم، شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق، ففعله أكثرهم، فرجح ◌َّه فعل من لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد، لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربًا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك، والأولى ما قاله الخطابي لك فإنهم يفعلون (ففعل فتبعوه) وحلوا (فحلق بعض وقصر بعض). في رواية الطيالسي وابن سعد لحديث أبي سعيد: إن الصحابة حلقوا يوم الحديبية إلاَّ عثمن وأبا قتادة فقصرا ولم يحلقا. قال الجلال البلقيني: فيحتمل أنهما اللذان قالا والمقصرين (فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس، فإن في آخره عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: يا رسول اللَّه ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم) أي: ذكرته ثلاث مرات (قال: ((لأنهم لم يشكوا))) في أن ما فعلته أحسن مما قام في أنفسهم. (وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع فقال ابن الأثير في النهاية: كان أكثر من حج معه عَِّ لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤوسهم شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة) لأمره (كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم، فرجح عَّةِ فعل من لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى). (قال الحافظ ابن حجر وفيما قاله نظر وإن تابعه) وافقه (عليه غير واحد، لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربًا) ٤٤٣ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. وغيره: إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعور والتزين بها، وكان الحلق فيهم قليلاً، وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن فعل الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. انتهى. وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاصي: وقف رسول الله عَّ في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: ((اذبح ولا حرج))، ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: ((ارم ولا حرج)). قال: فما سئل عن شيء قدم أو أخر ليبقى له شعر يحلقه في الحج (وقد كان ذلك في حقهم كذلك) فكان الأولى التقصير (والأولى ما قاله الخطابي وغيره؛ إنَّ عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعور والتزين بها، وكان الحلق فيهم قليلاً، وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن فعل) وفي نسخة: زي (الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. انتهى) كلام الحافظ. (وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاصي) أنه قال: (وقف رسول اللَّه عَم) على ناقته كما في رواية للبخاري، ولمسلم: على راحلته (في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه) وأما رواية: من روى جلس في حجة الوداع فقام رجل، فمحمولة على أنه ركب ناقته وجلس عليها فلا تخالف (فجاء رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد ولا على اسم أحد ممن سأل في هذه القصة، وكانوا جماعة، لكن في حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره: كان الأعراب يسألونه، فكان هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم (فقال: يا رسول اللّه لم أشعر) بضم العين، أي: أفطن، يقال: شعرت بالشيء شعورًا إذا فطنت له، وقيل: الشعور العلم، ولم يفصح في هذه الرواية بمتعلق الشعور، وصرح به في رواية لمسلم، بلفظ: لم أشعر أن الرمي قبل الحلق (فحلقت) شعر رأسي (قبل أن أنحر) والفاء سببية، جعل الحلق مسببًا عن عدم الشعور كأنه يعتذر لتقصيره (فقال) عَّه: ((اذبح) وفي رواية: انحر (ولا حرج))) أي: لا إثم عليك. قال عياض: ليس أمرًا بالإعادة وإنما هو إباحة لما فعل، لأنه سأل عن أمر فرغ منه، فالمعنى افعل ذلك متى شئت، قال: ونفى الحرج بين في نفي الفدية عن العامد والساهي، وفي رفع الإثم عن الساهي، وأما العامد بالأصل أن تارك السنة عمدًا لا يأثم إلاَّ أن يتهاون فيأثم للتهاون لا للترك. (ثم جاء رجل آخر، فقال: يا رسول اللَّه لم أشعر) زاد في رواية لمسلم: أن الرمي قبل النحر (فنحرت) الهدي (قبل أن أرمي) الجمرة (قال: ((ارم ولا حرج))، قال) عبد الله بن عمرو: ٤٤٤ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عدّ. إلا قال: ((افعل ولا حرج)). رواه مسلم. وفي رواية: حلقت قبل أن أرمي، وفي رواية: وقف عَّلَّه على راحلته فطفق ناس يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول الله إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل الرمي فقال عَّه: ((فارم ولا حرج))، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها (فما سئل) عَّةِ (عن شيء قدم ولا أخر إلاَّ قال: ((افعل ولا حرج))) لا ضيق عليك (رواه مسلم) عن يحيى بن يحيى، والبخاري في العلم عن إسمعيل. وفي الحج عن عبد اللَّه بن يوسف، الثلاثة عن لملك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمر، وبهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم أيضًا من وجوه عن ابن شهاب بنحوه، فما هذا الإيهام من المصنف أن البخاري لم يروه مع أنه رواه في مواضع. (وفي رواية) عند مسلم من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري بإسناده: (حلقت قبل أن أرمي) وقال آخر: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي. وقال لملك في الأول: الفدية لإلقاء التفث قبل شيء من التحلل، وفي تقديم الإفاضة على الرمي الدم لأنه خلاف الواقع منه عَّ ليه، وقد قال: خذوا عني مناسككم، فخص هاتين الصورتين من عموم قول الصحابي: فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلاّ قال: ((افعل ولا حرج))، ولم يثبت عنده زيادتهما في الحديث، فلا يلزم بزيادة غيره لا سيما وهو أثبت الناس في ابن شهاب ومحل قبول زيادة الثقة ما لم يكن من لم يزدها أوثق كما تقرر في علوم الحديث وابن أبي حفصة الذي زادهما وإن كان صدوقاً، وروى له الشيخان لكنه يخطىء، بل ضعفه النسائي. واختلف قول ابن معين في تضعيفه وتكلم فيه يحيى القطان فبطل، تعجب الطبري من ملك في حمل الحرج على نفي الإثم فقط، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن وجب الترتيب ففي الجميع وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج، کذا قال وقد علم وجهه. (وفي رواية) لمسلم من طريق يونس عن ابن شهاب عن عيسى؛ أنه سمع عبد اللَّه بن عمرو يقول: (وقف عٍَّ على راحلته فطفق) بكسر الفاء وفتحها شرع (ناس يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول اللَّه إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر) فذكر متعلق الشعور (فنحرت قبل الرمي) للجمرة، والجملة معمولة للقول التقدير نحرت قبل الرمي ولم أشعر، ولكنه قدم ما يدفع عنه اللوم ويقيم له العذر وهو عدم الشعور، ولذا عبر بفاء السببية (فقال عَّهِ: فارم ولا حرج، فما سأله سائل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل ٤٤٥ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه. إِلا قال عَ له: (افعلوا ذلك ولا حرج)). وفي رواية: أن النبي ◌َّه بينا هو قائم يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: ما كنت أحسب أن كذا وكذا، قبل كذا وكذا، وفي رواية: حلقت قبل أنحر، نحرت قبل أن أرمي وأشباه ذلك. وفي رواية: حلقت قبل أن أذبح، ذبحت قبل أن أرمي. ومن المعروف أن الترتيب أولى، وذلك أن وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة بعض وأشباهها إلاَّ قال عَ لّه: ((افعلوا ذلك ولا حرج))) ولذا أجمعوا على الإجزاء في جميع الصور كما يأتي. (وفي رواية) للبخاري ومسلم من طريق ابن جريج عن الزهري، عن عيسى، عن ابن عمرو (أن النبي عَّ بينما هو قائم يخطب) لفظ مسلم، ولفظ البخاري: أنه شهد النبي عَِّ يخطب (يوم النحر) بمنى على راحلته (فقام إليه رجل فقال: ما كنت أحسب:) أظن (أن كذا وكذا قبل كذا وكذا) بكاف التشبيه وذا اسم إشارة (حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك) من الأشياء التي ظن أنها على خلاف الأصل. (وفي رواية) لمسلم من طريق ابن عيينة عن الزهري بسنده، فقال رجل: (حلقت قبل أن أذبح) قال: ((اذبح ولا حرج))، قال: (ذبحت قبل أن أرمي) قال: ارم ولا حرج، فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرو السؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذبح، النحر قبل الرمي، الحلق قبل الرمي، الإفاضة قبل الرمي، والأوليان في حديث ابن عباس أيضًا في الصحيح. وللدارقطني من حديثه أيضًا: السؤال عن الحلق قبل الرمي، وكذا في حديث جابر وأبي سعيد عند الطحاوي. وفي حديث علي عند أحمد: السؤال عن الإفاضة قبل الحلق. وفي حديثه عند الطحاوي: السؤال عن الرمي والإفاضة معًا قبل الحلق. وفي حديث جابر عند ابن حبان وغيره: السؤال عن الإفاضة قبل الذبح. وفي حديث أسامة بن شريك: السؤال عن السعي قبل الطواف وهو محمول على من سعى بعد طواف القدوم، ثم طاف طواف الإفاضة؛ فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف، أي: الركن، فهذا ما تحرر من مجموع الأحاديث، وبقيت عدة صور لم يذكرها الرواة إما اختصارًا وإما لأنها لم تقع، وبلغت بالتقسيم أربعًا وعشرين صورة، أفاده الحافظ. (ومن المعروف أن الترتيب أولى، وذلك أن وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة أشياء: ٤٤٦ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة مع السعي بعده. وقد تقدم أنه عَّةِ رمى جمرة العقبة ثم نحر ثم حلق. وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، وأجمعوا أيضًا على جواز تقديم بعضها على بعض، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع. ومذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء الحديث: الجواز وعدم وجوب الدم لقوله عليه الصلاة والسلام للسائل: ((لا حرج)، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا، لأن اسم الضيق يشملهما. وقال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، إلا أنه يحتمل أن يكون قوله ((لا حرج)) أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيًا أو جاهلاً، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة مع السعي بعده) لمن لم يكن سعى بعد طواف القدوم. (وقد تقدم أنه عَّ رمى جمرة العقبة ثم نحر ثم حلق) ثم طاف طواف الإفاضة. (وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب) وإنما اختلفوا هل هو مستحب أو واجب (وأجمعوا أيضًا على جواز تقديم بعضها على بعض) أراد بالجواز الإجزاء، وبه عبر في شرحه للبخاري، إذ هو المجمع عليه، أما الجواز فمختلف فيه (إلاَّ أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع). فقال لملك: يجب في موضع واحد وهو تقديم الإفاضة على الرمي، وأما تقديم الحلق على الرمي، فقال: فيه فدية صيام أو إطعام أو نسك. وقال أبو حنيفة: الترتيب في الأربع واجب، فمن قدم أو أخر فعليه الدم. (ومذهب الشافعي) وأحمد في أحد قوليه. (وجمهور السلف والعلماء وفقهاء الحديث الجواز) أي: الإباحة (وعدم وجوب الدم لقوله عليه الصلاة والسلام للسائل لا حرج، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا، لأن اسم الضيق) الذي هو معنى الحرج المنفي (يشملهما). (وقال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض إلاّ أنه يحتمل أن يكون قوله: لا حرج، أي: لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن ٤٤٧ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. الفدية. وتعقب: بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبًا لبينه عَّه. حينئذ لأنه وقت الحاجة فلا يجوز تأخير عنه. وتمسك الإمام أحمد بقوله في الحديث ((لم أشعر)) وبما في رواية يونس عند مسلم، وصالح عند أحمد «فما سمعته يومئذ يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعضها إلا قال: ((افعل ولا حرج)) بأنه إن كان ناسيًا أو جاهلاً فلا شيء عليه وإن كان عالمًا فلا. قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول في الحج لقوله ((خذوا عني مناسككم)) وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل ((لم أشعر)) فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج. انتهى كان ناسيًّا أو جاهلاً، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه الفدية) مع الإثم. (وتعقب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولو كان واجبًا لبيته عَِّ حينئذ لأنه وقت الحاجة، فلا يجوز تأخيره) عن وقتها، وقد احتج الطحاوي بقول ابن عباس: من قدم شيئًا من نسكه أو أخره، فليهرق لذلك دمًا، قال: وهو أحد من روي أنه لا حرج، فدل على أن المراد نفي الإثم فقط، وأجيب بأن الطريق إلى ابن عباس رواها ابن أبي شيبة وفيها إبراهيم بن المهاجر وفيه مقال. (وتمسك الإمام أحمد بقوله في الحديث: لم أشعر، وفي رواية يونس عند مسلم وصالح) بن كيسان (عند أحمد) كلاهما عن الزهري بإسناده: (فما سمعته يومئذ يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعضها إلاَّ قال: ((افعل ولا حرج))) ومر هذا قريبًا وأعاده لحكاية تمسك أحمد به لقوله الآخر الذي حكاه صاحب المغني عن الأثرم عنه (أنه إن كان ناسيًا أو جاهلاً فلا شيء عليه) أي: لا لوم (وإن كان عالمًا فلا) ينتفي عنه اللوم وهو الكراهة كما في الإقناع. (قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول في الحج، لقوله: ((خذوا عني مناسككم))، وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما) أي: شيء من الأربع التي تفعل يوم النحر (وقع عنه) عَّه (تأخيره) عما قدمه السائل: (قد قرنت بقول السائل لم أشعر فيختص الحكم بهذه الحالة) أي: عدم الشعور (وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج. انتهى) ما نقله من كلام ابن دقيق العيد وبقيته كما في ٤٤٨ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. وعن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله عَ ليه يوم النحر فقال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، "الفتح، وأيضًا فالحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يجز اطراحه، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة وقد علق به الحكم، فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه، وأما التمسك بقول الراوي فما سئل ... الخ، لإشعاره بأن الترتيب مطلقًا غير مراعى، فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي يتعلق بما وقع السؤال عنه وهو مطلق بالنسبة إلى حالة السائل، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين، فلا يبقى حجة في حالة العمد. انتهى. (وعن أبي بكرة) نفيع بنون وفاء مصغر ابن الحرث الثقفي (قال: خطبنا رسول اللّه عَ لـ يوم النحر) بمنى عند الجمرة (فقال: ((إن الزمان) اسم لقليل الوقت وكثيره، والمراد هنا السنة (قد استدار) استدارة (كهيئته) أي: مثل حالته، فالكاف صفة مصدر محذوف. قال الحافظ: والمراد باستدارته وقوع تاسع الحجة في الوقت الذي حلت فيه الشمس برج الحمل حيث يستوي الليل والنهار، وفي حديث ابن عمر عند ابن مردويه: أن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته (يوم خلق اللَّه السموات والأرض) وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء وهو تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا يستحلون القتال في محرم لطول مدة ، التحريم بتوالي ثلاثة أشهر حرام، ثم يحرمون صفر مكانه، فكأنهم يقترضونه ثم يوفونه، وقيل: كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام ويسمونهما صفرين ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمونهما محرمين، وقيل: بل كانوا ربما احتاجوا إلى صفر أيضًا، فأحلوه وجعلوا مكانه ربيعًا، ثم يدور كذلك التحريم والتحليل بالتأخير على السنة كلها إلى أن جاء الإسلام، فوافق حجة الوداع رجوع التحريم إلى المحرم الحقيقي، واختص الحج بوقت معين، واستقام حساب السنة ورجع إلى الأصل الموضوع يوم خلق الله السموات والأرض (السنة) العربية الهلالية (اثنا عشر شهرًا). ذكر الطبري في سبب ذلك عن أبي لملك، قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرًا، ومن وجه آخر: كانوا يجعلون السنة اثني عشر شهرًا وخمسة وعشرين يومًا، فتدور الأيام والشهور لذلك، وإنما جعل اللَّه الاعتبار بالقمر لأن ظهوره في السماء لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، بل هو ظاهر مشاهد بالبصر بخلاف سير الشمس فتحتاج معرفته إلى حساب، فلم يحوجنا إلى ذلك كما قال عَّ له: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا. (منها أربعة حرم) لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها، أو لتحريم القتال فيها وفسرها بقوله: (ثلاث متواليات) أي: متتابعات. ٤٤٩ النّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)). وقال ((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس ذا الحجة؟)) قلنا: قال ابن التين: الصواب ثلاثة متوالية، يعني: لأن المميز الشهر، قال: ولعله أعاد على المعنى، أي: ثلاث مدد متواليات. انتهى، أو باعتبار العدة مع أن الذي لا يذكر التمييز معه جائز فيه التذكير والتأنيث (ذو القعدة وذو الحجة) بفتح القاف والحاء قاله المصنف، ولعله الرواية (والمحرم ورجب مضر) عطف على ثلاث لا على المحرم، وأضافه إلى مضر لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من محافظة سائر العرب ولم يكن يستحله أحد من العرب، كذا قال المصنف. وفي فتح الباري أضافه إليهم لأنهم كانوا يتمسكون بتعظيمه بخلاف غيرهم، فيقال: كانت ربيعة تجعل بدله رمضان، وكان من العرب من يجعل في رجب وشعبان ما ذكر في المحرم وصفر فيحلون رجبًا ويحرمون شعبان، ووصفه بقوله: (الذي بين جمادى وشعبان))) تأكيدًا وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء، وقيل: الأشبه أنه تأسيس، لأنهم كانوا يؤخرون الشهر عن موضعه إلى شهر آخر فينتقل عن وقته الحقيقي، فالمعنى لا رجب الذي هو عندكم وقد أنسأتموه. قال الحافظ: وذكرها من سنتين لمصلحة توالي الثلاثة، إذ لو بدأ بالمحرم لفات مقصود التوالي، قال: وأبدى بعضهم لما استقر عليه الحال من ترتيب هذه الأشهر الحرم مناسبة لطيفة، حاصلها أن لها مزية على ما عداها، فناسب أن يبدأ بها العام ويتوسطه ويختم بها، وإنما ختم بشهرين لوقوع الحج ختام الأركان الأربع لاشتمالها على عمل مال محض، وهو الزكاة وعمل بدن محض، وذلك تارة بالجوارح وهو الصلاة، وتارة بالقلب وهو الصوم، لأنه كف عن المفطرات، وتارة عمل مركب من مال وبدن وهو الحج، فلما جمعهما ناسب أن يكون له ضعف ما لواحد منها، فكان له من الأربعة الحرم شهران. (وقال: ((أي شهر هذا)؟) قال البيضاوي: يريد تذكيرهم حرمة الشهر وتقريرها في نفوسهم ليبني عليها ما أراد تقريره، وقولهم: (قلنا: الله ورسوله أعلم) مراعاة للأدب، وتحرز عن التقدم بين يدي الله ورسوله، وتوقف فيما لا يعلم الغرض من السؤال عنه، وذلك من حسن أدبهم لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، وأنه ليس مراده مطلق الإخبار مما يعرفونه، ولذا قالوا (فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه) إشارة إلى تفويض الأمور كلها إليه (قال: «أليس ذا الحجة))) بالنصب خبر ليس، وفي رواية: ذو بالرفع اسمها والخبر محذوف، أي: أليس ذو الحجة هذا الشهر (قلنا: بلى) هو ذو الحجة (قال: أي بلد هذا؟) بالتذكير (قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس البلد الحرام))) مكة. ٤٥٠ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّة. بلى، قال: ((أي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس البلد الحرام؟)) قلنا: بلى، قال؛ ((فأي يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلى، قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم ولفظ البخاري: في الحج، قال: أليست بالبلدة الحرام؟، ولفظه في الأضاحي، قال: أليس البلدة بالتأنيث، أي: مكة (قلنا: بلى، قال: ((فأي يوم هذا))؟، قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسمية بغير اسمه قال: ((أليس) هو (يوم النحر))) الذي ينحر فيه الأضاحي في سائر الأقطار والهدايا بمنى، فيوم بالنصب خبر ليس، ويجوز رفعه اسمها وحذف الخبر، أي: هذا اليوم (قلنا: بلى) حرف مختص بالنفي ويفيد إبطاله، وتمسك به من خص النحر بيوم العيد لإضافته اليوم إلى جنس النحر، لأن اللام هنا جنسية فتعم، فلا يبقى نحر إلا في ذلك اليوم، وأجاب الجمهور: بأن المراد النحر الكامل المفضل وأل كثيرًا ما تستعمل للكمال نحو، ولكن البر وإنما الشديد الذي يملك نفسه. قال القرطبي: والتمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول ضعيف مع قوله تعالى: ﴿ليذكروا اسم اللَّه في أيام معلومات﴾ [الحج/٢٨]، وفي حديث أبي بكرة: هذا أنهم قالوا اللَّه ورسوله أعلم، وسكتوا حتى أخبرهم. وفي البخاري عن ابن عباس، أنه عَّهِ خطب الناس يوم النحر، فقال: أي يوم هذا؟، قالوا: يوم حرام، قال: ((أي بلد هذا))؟، قالوا: ((بلد حرام))، قال: ((فأي شهر هذا))؟، قالوا: شهر حرام .. الحديث، وظاهرهما التعارض، وأجيب بأن الطائفة الذين كان فيهم ابن عباس، أجابوا: والذين كان فيهم أبو بكرة ردوا العلم للَّه ورسوله، وسكتوا حتى أخبر، فقالوا: بلى، وبأن في حديث ابن عباس اختصارًا، ورواية بالمعنى، فإن بلى بمعنى يوم حرام بالاستلزام، ونقل أبو بكرة السياق بتمامه، واختصره ابن عباس وكان ذلك بسبب قرب أبي بكرة منه، لأنه كان آخذًا بخطام الناقة كما في رواية الإسماعيلي، وباحتمال تعدد السؤال في الخطبة مرتين. ففي حديث أبي بكرة فخامة ليست في حديث ابن عباس لزيادة لفظة: أتدرون، فلذا سكتوا وفوّضوا إليه، وأجابوا في السؤال الآخر العاري عن قوله: أتدرون، وأما احتمال أنه خطب مرتين يوم النحر، فتعقب بأنه إنما خطب مرة واحدة كما دل عليه صريح الأحاديث. قال القرطبي: سؤاله عَّلِ عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهو مهم، وليقبلوا عليه بكليتهم ويستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه، ولذا قال بعده: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم:) جمع عرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في ٤٥١ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عد له. هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفارًا ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟» قالوا: نفسه أو سلفه. وقال التوربشتي: أنفسكم وأحسابكم، فإن العرض يقال للنفس والحسب، يقال فلان نفى العرض، أي: بريء أن يعاب، ورد بأنه لو أريد النفوس لتكرر مع الدماء، إذ المراد بها النفوس. وقال الطيبي: الظاهر أن المراد لأخلاق النفسانية، ثم قال: والتحقيق ما في النهاية أن العرض موضع المدح والذم من الإنسان، ولذا قيل: العرض النفس إطلاقًا للمحل على الحال. انتهى، وهو على حذف مضاف، أي: سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب أعراضكم، كذا قال الزركشي وتبعه الحافظ وغيره، وتعقبه الدماميني؛ بأن كل ذلك إنما يحرم إذا كان بغير حق، فالإفصاح به متعين والأولى أن يقدر في الثلاثة كلمة واحدة وهي لفظة انتهاك التي موضوعها تناول شيء بغير حق كما نص عليه القاضي، فكأنه قال: فإن انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم ولا حاجة إلى تقدير مع كل واحد من الثلاثة لصحة انسحابه على الجميع وعدم احتياجه إلى التقييد بغير الحقية. (عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهر كم هذا) زاد في بعض روايات البخاري: إلى يوم تلقون ربكم. قال المصنف: بحر يوم من غير تنوين، ويجوز فتحه وكسره مع التنوين، والأول هو المروي. انتهى، ومناط التشبيه أن تحريم هذه الثلاثة كان ثابتًا في نفوسهم مقررًا عندهم عادة لسلفهم، ولذا قدم السؤال عنها مع شهرتها بخلاف الأنفس والأموال والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من البلد والشهر واليوم، فلا يرد أن المشبه أخفض رتبة من المشبه به، لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع. (وستلقون ربكم) يوم القيامة (فيسألكم عن أعمالكم) فيجازيكم عليها (ألا) بالفتح والتخفيف (لا ترجعوا بعدي) بعد فراقي من موقفي هذا، أو بعد حياتي، وفيه استعمال رجع كصار معنى وعملاً. قال ابن لملك: وهو مما خفي على أكثر النحاة، أي: لا تصيروا بعدي (كفارًا) أي: كالكفار، أو لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا القتال، أو لا تكن أفعالكم شبيهة أفعال الكفار، وفي رواية: (ضلالاً): جمع ضال، والمعنى واحد (يضرب بعضكم رقاب بعض) برفع يضرب جملة مستأنفة مبينة لقوله: لا ترجعوا بعدي كفارًا، ويجوز الجزم. قال أبو البقاء على تقدير شرط مضمر، أي: أن ترجعوا بعدي (ألا هل بلغت))) وفي رواية: ٤٥٢ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه نعم، قال: ((اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع)). رواه الشيخان. وفي رواية للبخاري: ((فودع الناس)). ووقع في طريق ضعيفة عند البيهقي من حديث ابن عمر سبب ذلك، ولفظه: أنزلت ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ على رسول الله عَ ليه في وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب ووقف بالعقبة هل بلغت مرتين (قالوا: نعم) بلغت (قال: ((اللهم اشهد) أني أديت ما فرضته عليّ من التبليغ (فليبلغ الشاهد) الحاضر هذا المجلس (الغائب) عنه ما ذكر فيه أو جميع الأحكام التي سمعها (فرب مبلغ) بفتح اللام مشددة اسم مفعول بلغه كلامي (أوعى) افهم لمعنى كلامي (من سامع))) له مني. قال الحافظ: رب للتقليل، وقد ترد للتكثير، ومبلغ بفتح اللام وأوعى نعت له، والذي تتعلق به رب محذوف تقديره يوجد أو يكون، ويجوز على مذهب الكوفيين في أن رب اسم أن يكون هي مبتدأ وأوعى الخبر فلا حذف ولا تقدير، والمراد رب مبلغ عني أوعى، أي: أفهم من سامع، وصرح بذلك في رواية ابن منده بلفظ فإنه عسى أن يكون بعض من لم يشهد أوعى لما أقول من بعض من شهد. انتهى. وقال المهلب: فيه أنه يأتي في الآخر من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدم إلاَّ أن ذلك قليل، لأن رب موضوعة للتقليل. انتهى، أي: عند الأكثرين. وقال جماعة: موضوعة للتكثير، واختار في المغني أنها ترد للتكثير كثيرًا وللتقليل قليلاً، لكن الظاهر أنها في الحديث هنا للتقليل بقوله في رواية للبخاري: فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه، ولرواية ابن منده المذكورة (رواه الشيخان) البخاري في مواضع تامًا ومختصرًا، ومسلم في الدیات. (وفي رواية البخاري) تعليقًا، ووصله أبو داود وابن ماجه وغيرهما في آخر حديث عن ابن عمر، فطفق النبي ◌َّه يقول: ((اللهم اشهد» (فودع الناس) لأنه علم أنه لا يتفق له ذلك في وقعة أخرى ولا اجتماع آخر مثل ذلك، وبقية الحديث: فقالوا: هذه حجة الوداع. (ووقع في طريق ضعيفة عند البيهقي من حديث ابن عمر سبب ذلك) الوداع (ولفظه: أنزلت ﴿إذا جاء نصر اللَّه والفتح﴾ على رسول اللَّه عَّةٍ في وسط أيام التشريق وعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له) وجعل عليها الرحل (فركب ووقف بالعقبة واجتمع ٤٥٣ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَيـ واجتمع إليه الناس فقال: يا أيها الناس فذكر الحديث. وفيه دلالة على مشروعية الخطبة يوم النحر بمنى، وبه قال الشافعي ومن تبعه. وخالف ذلك المالكية والحنفية، فقالوا: خطب الحج ثلاثة: سابع ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر بمنى. ووافقهم الشافعي إلا أنه قال: بدل ثاني النحر ثالثه، لأنه أول النفر، وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر، قال: وبالناس حاجة إليها ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف. وتعقبه الطحاوي: بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج، لأنه لم يذكر فيها شيئًا من أمور الحج، وإنما ذكر فيها وصايا عامة، ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئًا من الذي يتعلق بيوم النحر، فعلمنا أنها لم تقصد لأجل الحج. وقال ابن بطال: إنما فعل عَّه ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع ·الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظن الذي رآه أنه يخطب. قال: وأما ما ذكره الشافعي: أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين، لأن إليه الناس، فقال: ((أيها الناس) ... فذكر الحديث) بنحوه (وفيه دلالة على مشروعية الخطبة يوم النحر بمنى، وبه قال الشافعي ومن تبعه، وخالف ذلك المالكية والحنفية، فقالوا: خطب الحج ثلاثة سابع ذي الحجة) بمكة (ويوم عرفة بها وثاني يوم النحر بمنى، ووافقهم الشافعي إلاَّ أنه قال بدل ثاني النحر ثالثه لأنه أول يوم النفر) بفتح النون وإسكان الفاء (وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر) أي: يوم العيد (قال: وبالناس حاجة إليها ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف) للإفاضة. (وتعقبه الطحاوي بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج لأنه لم يذكر فيها شيئًا من أمور الحج، وإنما ذكر فيها وصايا عامة ولم ينقل أحد) من رواتها كابن عمر وابن عباس وأبي بكرة؛ (أنه علمهم فيها شيئًا من الذي يتعلق بيوم النحر، فعلمنا أنها لم تقصد لأجل الحج). (وقال ابن بطال: إنما فعل ◌َّ ذلك) أي: خطبة يوم النحر (من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظن الذي رآه أنه يخطب) فأطلق عليها اسم الخطبة (قال: وأما ما ذكره الشافعي أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة ٤٥٤ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ليه الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة: انتهى. وأجيب: بأنه عَِّ نبه في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر، وعلى تعظيم ذي الحجة، وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة، فلا يلتفت لتأويل غيرهم، وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكره يوم عرفة، يعكر عليه في كونه يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا ذلك يوم عرفة، بل يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يؤتى به من أعمال الحج، لكن لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجديد الأسباب. وأما قول الطحاوي: ((إنه لم ينقل أنه علمهم شيئًا من فليس بمتعين، لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة) في خطبتها، وقد ذكر المالكية الأمور الأربع في جملة ما يخبرهم به في خطبة يوم عرفة (انتهى). (وأجيب بأنه عَّةٍ نبه في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر وعلى تعظيم ذي الحجة وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جزم الصحابة المذكورون) ابن عباس وأبو بكرة وابن عمر (بتسميتها خطبة فلا يلتفت لتأويل غيرهم) هذا واضح في رد قول ابن بطال: ظن الذي رآه أنه يخطب ولك أن تقول هي خطبة، لكن ليست من خطب الحج المشروعة، إنما هي وصايا وتوديع كما أشار إليه أولاً، إذ لا يصلح للخطيب المخبر بمناسك الحج أن يقول شيئًا مما ذكر في هذه الخطبة أتدرون، أي: بلد .. الخ ونحوه. (وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكره يوم عرفة يعكر عليه في كونه يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا ذلك يوم عرفة) له أن يقول: إن المناسك الأربع التي تفعل يوم النحر استغنى بتعليمهم إياها يوم عرفة، لأنه يتعسر خطبة تعلمهم ذلك يوم النحر، إذ المطلوب ساعة الوصول إلى الجمرة رميها عقب وصوله على أي حالة راكبًا أو ماشيًا، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، وكل ذلك قبل الزوال فهو يوم عمل وسفر لا يمكن بسهولة خطبة لتعليم فعل ذلك على الوجه الأكمل، فاكتفى بتعليم ذلك في يوم عرفة بخلاف ثاني يوم، فيوم قرار بمنى فشرع فيه تجديد التعليم. (بل يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يؤتى به من أعمال الحج، لكن) حكمة ذلك أنه (لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجديد الأسباب) بعد هذا في الفتح، وقد بين الزهري وهو عالم أهل زمانه؛ أن الخطبة ثاني يوم النحر، نقلت من خطبة يوم النحر وأن ذلك من عمل الأمراء، يعني بني أمية. قال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن سفين هو الثوري، عن ابن جريج، عن الزهري، قال: ٤٥٥ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه. أسباب التحلل)) فلا ينفي وقوع ذلك أو شيء منه في نفس الأمر، بل قد ثبت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه شهد النبي عَّه يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال عمن يقدم بعض المناسك على بعض، فكيف ساغ للطحاوي هذا النفي المطلق. انتهى. وقد روى أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله عَّله ونحن بمنى، ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار، فوضع أصبعيه السبابتين ثم قال كان النبي عَّه يخطب يوم النحر، فشغل الأمراء فأخروه إلى الغد، وهذا وإن كان مرسلاً لكنه يعتضد بما سبق، وبأن به أن السنة يوم النحر لا ثانیه. انتهى. وكان المصنف تركه لأنه قد لا يسلم له أن المراد بالأمراء بنو أمية كما ذكره بقوله، يعني بني أمية، إذ ليس ذلك في سياق الحديث، فكأنهم تركوه لفهمهم أن النبي ◌َِّ لم يقصد به أنه من خطب الحج المشروعة للتعليم وإنما هي وصايا، ولأنه يعكر على حكمته التي أبداها من شرع تجديد التعليم بتجدد الأسباب، إذ هو لا يقول بخطبة ثاني يوم مع أن فيه تجديدًا. (وأما قول الطحاوي إنه لم ينقل أنه علمهم شيئًا من أسباب التحلل فلا ينفي وقوع ذلك، أو شيء منه في نفس الأمر) لاحتمال أنه وقع، ولم ينقله الراوي اعتناء بما نقله من أمر الوصية، وغاية ما يفيده هذا الاحتجاج بالاحتمال والطحاوي إنما قال لم ينقل، وإنما يرد عليه بأنه قد نقل (بل) إضراب انتقالي (قد ثبت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه شهد النبي عَّهُ يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال عمن يقدم بعض المناسك على بعض، فكيف ساغ للطحاوي هذا النفي المطلق) مع روايته هو لحديث ابن عمرو. (انتهى). والجواب أنه ساغ له ذلك لأنه ليس فيه أنه علمهم ذلك ابتداء في تلك الخطبة، وإنما أجاب السائلين بقوله: افعل ولا حرج، وجواب السائل متعين في مثل ذلك. (وقد روى أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن معاذ) بن عثمن بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي (التيمي) نسبة إلى جده تيم المذكور، صحابي شهد فتح مكة، وهو ابن عم طلحة بن عبد اللَّه (قال: خطبنا رسول اللَّه عَ ل. ونحن بمنى ففتحت) بالتخفيف، وضبطه بعضهم بالتشديد (أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا) معجزة ظاهرة له عَّهِ (فطفق) بكسر الفاء وفتحها، أي: أخذ (يعلمهم مناسكهم) جمع منسك بفتح السين وكسرها وهو المعبد ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سميت أمور الحج كلها مناسك (حتى بلغ الجمار) أي: وصل إلى ذكر حكمها، وكأنه ذكر المناسك على ترتيب وقوعها ٤٥٦ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عُ بحصى الخذف، ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد وأمر الأنصار أن ينزلوا من وراء المسجد، قال: ثم نزل الناس بعد ذلك. وفي رواية عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب رسول الله علـ قال: خطب النبي عَ ◌ّه الناس بمنى ونزلهم منازلهم فقال: ((لينزل المهاجرون ها هنا))، وأشار إلى ميمنة القبلة، (والأنصار ها هنا))، وأشار إلى ميسرة القبلة، ثم قال: ((لينزل الناس حولهم». وعن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله عَ طله يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته، وهي خطبة وفعلها والجمار الأحجار الصغار، سميت حمار الحج بذلك للحصى التي يرمي بها (فوضع أصبعيه السبابتين) اليمنى واليسرى (ثم قال:) ارموا ((بحصى الخذف))) أي: الحصى الصغار، أي: بمثله، والخذف أن تؤخذ حصاة بين السبايتين ويرمى بها (ثم أمر المهاجرين فنزلوا بمقدم المسجد، وأمر الأنصار أن ينزلوا من) هكذا في أبي داود، لفظ: من (وراء المسجد، قال: ثم نزل الناس بعد ذلك) ففيه تقريب أهل الفضل والعلم على حسب مراتبهم في ذلك. قال الولي العراقي: قد يسأل عن الجمع بين هذا الحديث وبين قوله عليه الصلاة والسلام: (منى مناخ من سبق)، فإنه دال على استحقاق السابق لبقعة للنزول فيها ولو كان غيره أفضل، وهو مخالف لتعيينه للمهاجرين بقعة وللأنصار بقعة، هكذا سأل وبيض للجواب. (وفي رواية عبد الرحمن بن معاذ) الصحابي المذكور فيما قبله عند أبي داود أيضًا (عن رجل من أصحاب رسول اللَّه عَّله، قال: خطب النبي عَّ الناس بمنى ونزلهم منازلهم، فقال: لينزل) بلام الأمر، كما في أبي داود (المهاجرون ههنا، وأشار إلى ميمنة القبلة والأنصار ههنا، وأشار إلى ميسرة القبلة، ثم قال: لينزل الناس حولهم) وفي الرواية الأولى: أنزل المهاجرين في مقدم المسجد والأنصار وراء المسجد. قال الولي العراقي: وظاهرهما التنافي، فيحتاج إلى الجمع إن أمكن وإلا تعين الترجيح، ويمكن الجمع بأنه أنزل المهاجرين في ميمنة القبلة في مقدم المسجد، وأنزل الأنصار في ميسرة القبلة وراء المسجد، ويلزم عليه أن يخلو من المسجد ميسرته بكمالها ومؤخر ميمنته، فيحصل أنه عَّ أخلى ذلك لنفسه. (وعن ابن أبي نجيح) الابن هو عبد اللَّه المكي أبو يسار الثقفي، مولاهم ثقة من رجال الجميع، ورمي بالقدر، وربما دلس (عن أبيه) أبي نجيح، واسمه يسار المكي مولى ثقيف مشهور بكنيته وهو ثقة، روى له مسلم والسنن الثلاثة (عن رجلين من بني بكر، قالا: رأينا رسول اللَّه عَّه يخطب بين أوسط أيام التشريق) ظاهره مشكل، فالجمع بين أوسط وبين ٤٥٧ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عليه رسول الله عَّ التي خطب بمنى. رواه أبو داود. وعن رافع بن عمرو المزني قال: رأيت رسول الله عَ لّه يخطب الناس بمنى، حين ارتفع الضحاء على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد. رواه أبو داود أيضًا. ممتنع، فإما أنه وهم كان في بعض الأصول بين، وفي آخر أوسط، فجمع بينهما بعض الرواة وهما: لكن فيه أن الحكم على الإثبات بالخطأ يحتاج لدليل، وبأنه لا يصح أن يقال بين أيام التشريق لاقتضائه أن زمن الخطبة متخلل بينها لا منها وإنما يكون ذلك ليلاً، ولم تقع الخطبة ليلاً، وإما أن أوسط بدل من بين فهو نصب ظرفًا لا مخفوض بالإضافة، ويرد هذا بالثاني مما رد به مما قبله، وإما أن المراد خطبهم في وسط أوسط أيام التشريق، أي: أن خطبته وقعت في الأوسط من أيام التشريق وكان ذلك بينه، أي: في أثنائه لا في أول النهار ولا في آخرِه، وفيه نظر، لأنه إذا خطب أثناءه صدق أنه خطب في أيام التشريق فلا يقال خطب بينهما، قاله الولي العراقي. (ونحن عند راحلته) مثلث العين ومعناه حضرة الشيء (وهي خطبة رسول اللَّه ن ◌َّه التي خطب بمنى) كأنهما لم يطلعا على خطبته يوم النحر أو اطلعا ولم تكن عندهما خطبة تتعلق بالحج (رواه أبو داود) وسكت عليه فهو عنده صالح، وكذا سكت عليه عبد الحق في الأحكام، وتعقبه ابن القطان ورد تعقبه. (وعن رافع بن عمرو) بفتح العين ابن هلال (المزني) صحابي ابن صحابي، سكن البصرة وعاش إلى خلافة مطوية (قال: رأيت رسول اللَّه عَّ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحاء) بفتح المعجمة ممدود إذا علت الشمس إلى ربع السماء فما بعده كما في النهاية، نقله الولي (على بغلة) أنثى البغال (شهباء) أي: بيضاء غلب بياضها على السواد، زاد في رواية لأبي داود في اللباس: وعليه برد أحمر (وعلي) بن أبي طالب (يعبر) بضم أوله وبالتشديد، أي: يبلغ (عنه). قال الجوهري: عبرت عن فلان إذا تكلمت عنه واللسان يعبر عما في الضمير، أو المراد يفسر عبارته ويشرحها مأخوذ من عبارة الرؤيا وهو تفسيرها، أو المراد يفهمها للناس من عبرت الكتاب أعبره، والأول هو الظاهر المتعين وفيه منقبة لعلي، ولا يخالف قوله: ففتحت أسماعنا الحديث السابق لاحتمال أن هذه خطبة غير تلك، لأنه خطب بمنى غير مرة، أو المعجزة إنما هي في حق من لم يحضر المجلس، فأما من حضره فكانٍ يسمع السمع المعتاد، فربما يخفى عليه كلمة ونحوها لشغل أو ثقل سمع أو جهل بتلك اللغة التي خاطبهم بها عَّله، لأنهم خلق كثير ٤٥٨ النّوع السادس في ذكر حجه وعمره عَ ◌ّه. وعن ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن قال: حدثتني جدتي سراء بنت نبهان، وكانت ربة بيت في الجاهلية، قالت خطبنا النبي عَّه يوم الرؤوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس أوسط أيام التشريق؟ وفي رواية: خطب أوسط أيام التشريق. رواه أبو داود أيضًا. من قبائل شتى، وهذه الخطبة غير المذكورة قبلها لقوله: على راحلته وهنا على بغلة، قاله الولي العراقي ملخصًا. (والناس بين قائم وقاعد) لكثرتهم، فكان البعيد يقف ليراه ويسمع كلامه عَيْه (رواه أبو داود أيضًا) ورواه النسائي والبغوي والطيراني وغيرهم عنه مطوّلاً، قال: أقبلت مع أبي وأنا غلام وصيف أو فوق ذلك في حجة الوداع، فإذا رسول اللَّه عَ لّه يخطب الناس على بغلة شهباء، وعلي بن أبي طالب يعبر عنه والناس من بين جالس وقائم، فجلس أبي وتخللت الركاب حتى أتيت البغلة، فأخذت بركاته ووضعت يدي على ركبته، فمسحت حتى الساق حتى بلغت بها القدم، ثم أدخلت كفي بين النعل والقدم فيخيل إليّ الساعة أني أجد برد قدمه على كفي. (وعن ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن) الغنوي بفتح الغين المعجمة والنون، ذكره ابن حبان في الثقات (قال: حدثتني جدتي سراء) بفتح السين المهملة وشد الراء مع المد، وقيل: القصر كما في التقريب، وفي الإصابة بتشديد الراء مقصورة، ويقال: بالمد، قاله ابن الأثير (بنت نبهان) بفتح النون وسكون الموحدة ابن عمرو الغنوية الصحابية، روت عنها أيضًا ساكنة بنت الجعد حديثًا آخر، رواه ابن سعد وقال: روت أحاديث بهذا الإسناد (وكانت ربة) أي: صاحبة (بيت) ومنزل (في الجاهلية) ما قبل الإسلام، والمراد أنها كبيرة السن، أدركت الجاهلية منفردة ببيت قاله الولي العراقي. وقال ابن رسلان: ربة بيت، أي: قائمة على الضيم في الجاهلية. اهـ، فإن كان ذلك الواقع وإلاَّ فالصواب ما قال الولي. (قالت: خطبنا النبي عَّه يوم الرؤوس) بضم الراء والهمز، سمي بذلك حادي عشر الحجة لأنهم كانوا يذبحون يوم النحر ثم يطبخون الرؤوس تلك الليلة فيبكرون على أكلها (فقال: أي يوم هذا؟، قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: أليس أوسط أيام التشريق) وفيه أدب الصحابة معه وسكوتهم عن الجواب فيما يشكل عليهم. (وفي رواية: خطب أوسط أيام التشريق، رواه أبو داود أيضًا) أي: المذكور من الروايتين، وسكت عليه إلاَّ أن الأولى عنده مسندة، وأما الثانية فمعلقة، ولفظه عقب المسند، قال أبو داود وكذلك عم أبي حرة الرقاشي أنه خطب أوسط أيام التشريق. ٤٥٩ النّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. ثم ركب عَّلَّه قبل الظهر فأفاض إلى البيت فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة والركن والصدر. وفي البخاري: ويُذكّر عن أبي حسان عن ابن عباس» أن النبي عَِّ كان يزور البيت أيام منی. وصله الطبراني من طريق قتادة عن أبي حسان. وقال ابن المديني في ((العلل)): روى قتادة حديثًا غريبًا لا نحفظه عن أحمد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام. فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن هشام، ولم أسمعه منه، عن أبيه عن قتادة حدثني أبو حسان عن ابن عباس أن النبي عَّ كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى الحديث. قال الولي: أخرجه أحمد عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه قال: كنت آخذًا بزمام ناقة النبي عَّ ه إذ ودعته الناس، فذكر حديثًا طويلاً في خطبته وأبو حرة بضم المهملة وشد الراء المفتوحة وتاء تأنيث اسمه حنيفة، ذكره أبو حاتم وغيره، ضعفه ابن معين ووثقه أبو داود وعمه صحابي. قال البغوي: بلغني أن اسمه خزيم بن حنيفة. اهـ، وقيل: عمر بن حمزة، أفاده ابن فتحون. (ثم ركب عَّةٍ) من منى (قبل الظهر فأفاض) أي: رجع (إلى البيت فطاف طواف الإفاضة) أي: طواف الرجوع من منى إلى مكة (وهو طواف الزيارة) أي: زيارة الحاج البيت (والركن) الذي لا يجبر تركه بشيء (والصدر) بصاد ودال مهملتين مفتوحتين، قال الرافعي: والأشهر أن طواف الصدر طواف الوداع. (وفي البخاري يذكر) بضم أوله وفتح ثالثه (عن أبي حسان) بالصرف وعدمه مسلم بن عبد اللَّه العدوي البصري، صدوق، رمي برأي الخوارج، قتل سنة ثلاثين ومائة، روى له مسلم حديثين عن ابن عباس غير هذا، وروى له الأربعة وعلق له البخاري. (عن ابن عباس أن النبي عَّةٍ كان يزور البيت أيام منى) قال الحافظ: (وصله الطبراني من طريق قتادة عن أبي حسان). (وقال ابن المديني في العلل: روى قتادة حديثًا غريبًا لا نعرفه عن أحمد من أصحاب قتادة إلاَّ من حديث هشام، فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن هشام ولم أسمعه منه، عن أبيه، عن قتادة: حدثني أبو حسان عن ابن عباس أن النبي عَّه كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى). وقال الأثرم: قلت لأحمد: تحفظ عن قتادة هذا (الحديث)، فقال: اكتبوه من كتاب، ٤٦٠ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه وأتى عَ لَّه زمزم، وبنو عبد المطلب يسقون عليها، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوًا منها فشرب منه . وفي رواية ابن عباس: فشرب وهو قائم، وفي رواية: فحلف عكرمة: ما كان يومئذٍ إلا على بعير، لكن لم يعين فيها حجة الوداع ولا غيرها، إنما التعيين في قلت: فإن هنا إنسانًا زعم أنه سمعه من معاذ فأنكر ذلك، وأشار الأثرم بذلك إلى إبراهيم بن محمد بن عرعرة، فإن من طريقه أخرجه الطبراني بهذا الإسناد، ولرواية أبي حسان وليس هو من شرط البخاري شاهد مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة، حدثنا ابن طاوس عن أبيه أن النبي عَ لِّ كان يفيض كل ليلة (وأتى عَُّلَّه) بعد فراغه من طواف الإفاضة (زمزم وبنو عبد المطلب يسقون عليها) أي: يفرقون منها بالدلاء ويصبونه في الحياض ويسقونه الناس (فقال:) لهم (انزعوا ) بكسر الزاي، يقال: نزع بالفتح بنزع بالكسر، والأصل في فعل الذي عينه أو لامه حرف حلق فتح مضارعه، ولم يأت الكسر إلاّ في نزع ينزع والنزع الاستقاء، أي: اسقوا (بني عبد المطلب، فلولا) خوفي (أن يغلبكم الناس على سقايتكم) بأن يزدحموا على النزع بحيث يغلبونكم ويدفعونكم لاعتقادهم أن النزع والاستقاء من مناسك الحج (لنزعت معكم) لكثرة فضيلة ذلك. وقيل: قال ذلك شفقة على أمته من الحرج والمشقة، والأول أظهر وفيه بقاء هذه التكرمة لبني العباس، كبقاء الحجابة لبني شيبة، إذ لو استعمله الناس معهم لخرج عن اختصاصه بهم (فناولوه) عَِّ (دلواً منها فشرب منه) فيستحب الشرب منها والإكثار، وقد صح مرفوعًا ماء زمزم لما شرب له وشربه جماعة من العلماء لمآب فوجدوها. قال ابن العربي: شربناه للعلم، فليتنا شربناه للورع، وأولى ما يشرب لتحقيق التوحيد والموت علیه. (وفي رواية ابن عباس) عند البخاري من طريق عاصم عن الشعبي أن ابن عباس حدثه، قال: سقيت رسول اللَّه عَّله من زمزم (فشرب وهو قائم) ففيه جواز الشرب قائمًا، وقوله: (وفي رواية) حشو موهم أنها رواية أخرى مع أنه من جملة حديث البخاري، عقب قوله وهو قائم، قال عاصم: (فحلف عكرمة) باللّه (ما كان) عَِّ (يومئذٍ) أي: يوم سقاه ابن عباس من زمزم (إلا على بعير) فكيف يكون قائمًا. وعند ابن ماجه عن عاصم، فذكرت ذلك لعكرمة فحلف باللّه ما فعل، أي: ما شرب قائمًا لأنه كان حينئذ راكبًا، وإنما حلف لأنه خلاف ما رواه، أعني: عكرمة عن ابن عباس أنه عَِّ أتى