Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ.
به كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟)
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس ويقول: ((اللهم
الشيء الذي تركه فيهم شيئًا جليلاً عظيمًا فيه جميع المنافع الدينية والدنيوية، ثم لما حصل من
هذا التشوق التام للسامع وتوجه إلى استماع ما يرد بعده واشتاقت نفسه إلى معرفته، بينه بقوله:
(كتاب اللَّه) بالنصب بدل من مفعول تركت جزم به الولي، فإن كان الرواية وإلاّ فيجوز رفعه
خبر محذوف، أي وهو: ولم يذكر السنة مع أن بعض الأحكام يستفاد منها لاندراجها تحته، فإن
الكتاب هو المبين للكل بعضها بلا واسطة وبعضها بواسطة، قال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب
تبيانًا لكل شيء﴾ [النحل/٨٩]، وقال تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليكم﴾ [النحل/٤٤] الآية
(وأنتم تسألون عني).
قال الطيبي: عطف على مقدر، أي: قد بلغت ما أرسلت به إليكم جميعًا غير تارك لشيء
مما بعثت به وأنتم تسألون عني يوم القيامة هل بلغت بأي شيء تجيبون، ودل على هذا
المحذوف الفاء في قوله: (فما أنتم قائلون))) أي إذا كان الأمر على هذا، فبأي شيء تجيبونه،
ومن ثم طابق جوابهم السؤال فأتوا بالألفاظ الجامعة، حيث (قالوا: نشهد أنك قد بلغت) الرسالة
(وأديت) الأمانة (ونصحت) الأمة.
وقال الولي: تسألون عني في القيامة أو البرزخ فما أنتم قائلون حين سؤالكم على الأظهر
أو الآن في جوابي، ويترتب عليهما قولهم نشهد، أي: في القيامة على الأظهر أو الآن، قال:
وحذف المعمول في الثلاثة يدل على تبليغ جميع ما أمر به ونصحه لجميع الناس الموجودين
والذين سيوجدون (فقال:) أي أشار عَّهِ (بأصبعه السبابة) حال كونه (يرفعها إلى السماء) أي:
رافعًا إياها، فالحال من فاعل قال: أو مرفوعة، فالحال من السبابة.
قال القرطبي: هذه الإشارة إما إلى السماء لأنها قبلة لدعاء، وإما لعلوّ اللَّه تعالى المعنوي،
لأن اللَّه تعالى لا يحويه مكان ولا يختص بجهة، وقد بين ذلك قوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾
[الحديد/٤] (وينكتها إلى الناس) بفتح التحتية وسكون النون وضم الكاف بعدها فوقية.
قال عياض: كذا الرواية في مسلم وهو بعيد المعنى، قيل: صوابه ينكبها بموحدة، وكذا
رويناه عن شيخنا أبي الوليد هشام بن أحمد في مسلم، ومن طريق ابن الأعرابي عن أبي داود في
سننه بموحدة، ومن طريق أبي بكر التمار عنه بفوقية، ومعناه: يرددها ويقلبها إلى الناس مشيرًا لهم
وهو من نكب كنانته إذا قلبها، هذا كلامه في الإكمال.
وقال القرطبي: روايتي في هذه اللفظة وتقييدي على من أعتمده من الأئمة المقتدين بضم

٤٠٢
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره معَ ◌ّه
اشهد»، ثلاث مرات.
ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما
شيئًا.
وهذا الجمع المذكور يختص بالمسافرين عند الجمهور، وعند مالك
والأوزاعي، وهو وجه عند الشافعية: أن الجمع بعرفة وجمع للنسك، فيجوز لكل
أحد. قال الأسنوي: فلا يجوز إلا للمسافر بلا خلاف.
الياء وفتح النون وكسر الكاف مشددة وضم الباء بواحدة، أي: يعدلها إلى الناس وروي ينكبها
مخففة الباء والنون وضم الكاف، ومعناه يقلبها وهو قريب من الأول، وروي ينكتها بفوقية وهي
أبعدها. انتهى.
وفي البارع قال الأصمعي: ضربه فنكته، أي: بالفوقية، أي: ألقاه على رأسه ووقع متنكتًا، وذكره
الفارابي في باب قتل، فيحتمل أن يكون الحديث من هذا، والمعنى ينكسها (ويقول: ((اللهم اشهد)))
قالها (ثلاث مرات) كذا رواه مسلم، وفي أبي داود كررها باللفظ ثلاثًا ولم يقل ثلاث مرات
وبما رأيته يعلم ما يوجد في بعض نسخ المصنف ينكسها بالسين بعد الكاف تصحيف لم يجيء
في رواية، وإنما هو معنى رواية ينكتها بفوقية بعد الكاف، فإن قيل: ليس في هذه الخطبة شيء
من المناسك فيرد ذلك على قول الفقهاء يعلمهم الخطيب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى،
أجيب بأنه عَلّهِ اكتفى بفعله للمناسك عن بيانه بالقول، لأنه أوضح واعتنى بما أهمه في الخطبة
التي قالها والخطباء بعده ليست أفعالهم قدوة، ولا الناس يعتنون بمشاهدتها ونقلها، فاستحب لهم
البيان بالقول وفيه حجة للمالكية وغيرهم، أن خطبة عرفة فردة، إذ ليس فيه أنه خطب خطبتين،
وما روي في بعض الطرق أنه خطب خطبتين فضعيف، كما قاله البيهقي وغيره.
(ثم أذن بلال) بعد فراغ الخطبة (ثم أقام) بلال (فصلى) النبي عَّهِ (الظهر ثم أقام)
بلال (فصلى) النبي عَّةِ (العصر ولم يصل بينهما) الظهر والعصر (شيئًا) فلا يتنفل بينهما، وبه
قال الجمهور وملك والشافعي (وهذا الجمع المذكور) بين الظهرين (يختص بالمسافرين عند
الجمهور) لأن سببه عندهم السفر.
(وعند ملك والأوزاعي وهو وجه عند الشافعية أن الجمع بعرفة وجمع) بفتح الجيم
وسكون الميم، أي: مزدلفة (للنسك فيجوز لكل أحد، قال الأسنوي: فلا يجوز إلاَّ للمسافر
بلا خلاف) تفريع على قول الجمهور، أو على قول الكل، والمعنى: لا يجوز حالة كون الجواز
بلا خلاف، أي: متفقًا عليه إلاَّ للمسافر، أما للنسك ففيه الخلاف.

٤٠٣
النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره دلّ
وقال الشافعي والأصحاب: إذا خرج الحاج يوم التروية، ونووا الذهاب، إلى
أوطانهم عند فراغ مناسكهم كان لهم القصر من حين خروجهم.
ولما فرغ من صلاته عَّ ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته
القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، وكان أكثر
(وقال الشافعي والأصحاب: إذا خرج الحاج) أي: جنسه إذ هو مفرد حجاج وحجيج
(يوم التروية ونووا الذهاب إلى أوطانهم عند فراغ مناسكهم كان لهم القصر) للرباعية (من
حين خروجهم، ولما فرغ من صلاته) لفظ جابر: ثم (ركب عٍَّ حتى أتى الموقف) عرفة
(فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات) المفترشات في أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذي
بوسط أرض عرفات، وقدر الطيبي منتهيًا وتعقبه الأبي، فقال: إن كان الوقوف على الصخرات
صح تقديره، والأظهر أنه تجوز بالبطن عن الوجه والتقدير وجعل وجه ناقته، وهذا إن كانت
الصخرات في قبلته، لأنه إنما وقف مستقبل القبلة.
وقال القرطبي: يعني أنه علا على الصخرات ناحية منها حتى كانت الصخرات تحاذي
بطن ناقته.
قال الولي العراقي: لا حاجة إلى هذا، لأن من وقف بحذاء صخرة على ناقة صار بطنها
بحذائها، أي: إلى جانبها وليس يشترط في محاذاة بطن الناقة لها أن يكون عاليًا عليها.
(وجعل حبل) بفتح المهملة وسكون الموحدة ولام ما طال من الرمل، وقيل: الضخم منه،
أو المراد جعل صف (المشاة:) جمع ماش، ومجتمعهم (بين يديه) وقيل: أراد طريقهم الذي
يسلكونه في الرمل والأول أشبه بالحديث، قاله عياض، ومثله لابن الأثير، لكنه صدر بالقول
الثاني وحكى الأول بقيل.
وقال النووي: روي حبل بمهملة وموحدة ساكنة وروي بجيم وفتح الباء.
قال عياض: الأول أشبه بالحديث، وحبل المشاة، أي: مجتمعهم وحبل الرمل ما طال منه
وضخم، وأما بالجيم فمعناه طريقهم وحيث يسلك الرجالة، وتعقبه الولي العراقي بأن ما ذكره من
رواية هذه اللفظة بوجهين وترتب هذين المعنيين على هذين الوجهين، لم أره في كلام القاضي لا
في الإكمال ولا في المشارق ولا في كلام غيره أيضًا. اهـ، وفيه استحباب الوقوف عند
الصخرات.
قال النووي: وما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل، وتوهمهم أنه لا يصح
الوقوف إلاَّ فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في
موقفه عَّ عند الصخرات، فإن عجز عنه فليقرب منه بحسب الإمكان (واستقبل القبلة)

٤٠٤
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه.
دعائه عَّ لِ يوم عرفة في الموقف: ((اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما
نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتب، وإليك مآبي، ولك رب تراثي،
اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إني
أسألك من خير ما تجىء به الرياح وأعوذ بك من شر ما تجىء به الريح)) رواه
الترمذي من حديث علي.
وفي رواية ذكرها رزين: كان أكثر دعائه عليه الصلاة والسلام يوم عرفة بعد
قوله: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له: اللهم لك الحمد كالذي نقول، اللهم لك
فيستحب استقبالها في الوقوف بعرفة للاتباع، ثم فصل المصنف حديث جابر بجمل ويأتي له
بقية، فقال: (وكان أكثر دعائه عٍَّ يوم عرفة في الموقف) عشية عرفة ((اللهم لك الحمد
كالذي نقول) بالنون، أي: كالذي نحمدك به من المحامد (وخيرًا مما نقول) بالنون وهو
ما حمدت به نفسك، لأنا لا نقدر على الثناء عليك فهو نحو قوله: لا أحصي ثناء عليك أنت
كما أثنيت على نفسك (اللهم لك صلاتي ونسكي) الذبح في الحج والعمرة أو نفس الحج أو
عبادتي كلها (ومحياي ومماتي) حياتي وموتي، يعني: جميع طاعتي في حياتي، وما أموت
عليه من الإيمان والعمل الصالح خالص لك (وإليك) لا إلى غيرك (مآبي) بميم فهمزة مفتوحة
فألف فموحدة وبالمد مرجعي (ولك رب تراثي) بفوقية مضمومة ومثلثة، أي: ما أخلفه، فبين
بهذا أنه لا يورث كحديث: ((لا نورث ما تركناه فهو صدقة)) وأن ما يخلفه غيره لورثته من بعده
(اللهم إني أعوذ بك من عذاب) أي: عقوبة (القبر) أضيف إليه لوقوعه فيه (ووسوسة الصدر)
أي: حديث النفس بما لا ينبغي من أمور الدنيا، فإن قلب ابن عادم بكل واد شعبة (وشتات الأمر)
أي: افتراقه (اللهم إني أسألك من خير ما تجيء به الرياح) جمع: ريح (وأعوذ بك من شر
ما تجيء به الريح))) سأل اللَّه خير المجموعة لأنها للرحمة، وتعوذ من شر المفردة لأنها للعذاب
على ما جاء في أسلوب الكتاب، نحو: وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يديه رحمته، ونحو
الريح العقيم ريحًا صرصرًا في يوم نحس، وقد ترد للطيبة إذا وصفت بها، نحو: وجرين بهم بريح
طيبة، زاد في رواية: ومن شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر بوائق الدهر (رواه
الترمذي من حديث علي) أمير المؤمنين، وقال: ليس إسناده بقوي.
(وفي رواية ذكرها رزين) ابن معوية السرقسطى الأندلسي في جامعه: (كان أكثر دعائه
عليه الصلاة والسلام يوم عرفة بعد قوله: ((لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له) وبهذه الزيادة علم
أنه لا مخالفة بين هذا الحديث وبين حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: كان أكثر دعائه عَّه
يوم عرفة: لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو كل على شيء

٤٠٥
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره ◌َّ
صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، وعليك يا رب ثوابي، اللهم إني
أعوذ بك من عذاب القبر ومن وسوسة الصدر، ومن شتات الأمر، ومن شر كل ذي
شر)».
وفي الترمذي: ((أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)).
وكان من دعائه في عرفة أيضًا - كما في الطبراني الصغير - من حديث ابن
عباس: ((اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى
قدیر)).
أخرجه أحمد برجال ثقات: (اللهم لك الحمد كالذي نقول:) لم يقل هنا وخيرًا مما
نقول تقصيرًا من بعض رواته (اللهم لك صلاتي ونسكي) عام بعد خاص إن أريد به العبادات
كلها ومغاير إن أريد الذبح في الحج والعمرة (ومحياي ومماتي وإليك فآبي وعليك يا رب ثوابي) فضلاً
منك بوعدك إثابة الطائع وأنت لا تخلف الميعاد (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن وسوسة الصدر)
قال ذلك اعترافًا بالعبودية وخوصًا للألوهية أو تعليمًا لأمته وإلاَّ فهو عالم بأنه
لا يعذب في قبره ولا يوسوس في صدره (ومن شتات الأمر:) افتراقه (ومن شر كل ذي شر»)
من إنس وجن وغيرهما، كالدواب والهوام.
(وفي الترمذي: ((أفضل الدعاء) مبتدأ خبره (يوم عرفة).
وفي الموطأ: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، أي: أعظمه ثوابًا وأقربه إجابة، ويحتمل أن يريد
به اليوم وأن يريد به الحاج خاصة، قاله الباجي.
(وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي) وفي حديث علي عند ابن أبي شيبة: أكثر دعائي
ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة: (لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد) زاد في
حديث أبي هريرة عند البيهقي: يحيي ويميت بيده الخير (وهو على كل شيء قدير))).
قال ابن عبد البر: يريد أنه أكثر ثوابًا، ويحتمل أفضل ما دعا به والأول أظهر، لأنه أورده
في تفضيل الأذكار بعضها على بعض والنبيون يدعون بأفضل الدعاء.
(وكان من دعائه في عرفة أيضًا كما في) معجم (الطبراني الصغير) وكذا الكبير بإسناد
ضعيف، كما قال الحافظ الزين العراقي وغيره (من حديث ابن عباس) قال: كان من دعاء
رسول اللَّه عَّهُ في حجة الوداع عشية عرفة: (اللهم إنك تسمع كلامي) أي: لا يعزب عنك
مسموع وإن خفي بغير جارحة (وترى مكاني) سواء كنت في ملأ أو خلاء، وفيه أن سمعه
متعلق بالمسموعات وبصره بالمبصرات وعليه أهل السنة (وتعلم سري:) ما أخفي (وعلانيتي:)

٤٠٦
النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عَ لَّه
عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر
المعترف بذنوبه، أسألك مسألة المسكين، وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل،
وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته وذل
ما أظهر (لا يخفى عليك شيء من أمري) تأكيد لما قبله لدفع توهم المجاز أو التخصيص
وفيه دلالة لقول أهل السنة؛ أن علمه يتعلق بالجزئيات والكليات (أنا البائس) بموحدة فهمزة
فمهملة اسم فاعل، أي: الذي اشتدت ضرورته (الفقير) المحتاج إليك في جميع أحواله وأموره
(المستغيث) المستعين، المستنصر بك فاكشف كربتي وأزل شدتي (المستجير:) بالجيم
الطالب منك الأمان من عذابك (الوجل) بفتح الواو وكسر الجيم، أي: الخائف (المشفق) أي:
الحذر، يقال: أشفق من كذا بالألف حذر كما في المصباح.
وقال الزمخشري: أنا مشفق من هذا، أي: خائف منه خوفًا يرق القلب ويبلغ منه مبلغًا
(المقر المعترف بذنوبه) عطف بيان.
قال الجوهري وغيره: أقر بالحق اعترف.
وقال الزمخشري: أقر على نفسه بالذنب أعترف.
(أسألك مسألة المسكين) أي: الخاضع الضعيف، سمي بذلك لسكونه للناس بكسر
الميم عند جميع العرب إلا بني أسد فبفتحها، قال بعضهم: نصب مسألة بنزع الخافض أبلغ في
قيام الوصف به لإثبات المسألة لنفسه في الخير، أي: أسألك وأنا كذلك، أفاد نظيره البيضاوي
أو مفعول به مضاف إلى المسكين لما فيه من الذل والخضوع الموجب كل العطف عليه،
وحذف الفاء من أسألك للمبادرة للمطلوب مع الاشتغال عنه بأسلوب آخر من التذلل وهو النوع
الثالث، فإنه بدأ بالرب وما له على الانفراد وثنى بالعبد كذلك صريحًا، وثلث بما للرب والعبد
على وجه الصراحة والكناية في العبد كنظيره في قوله: (وابتهل إليك ابتهال المذنب) أي:
أتضرع إليك تضرع من أخجلته مقارفة الذنوب.
قال الجوهري وغيره: الابتهال: التضرع.
وقال الزمخشري: أبتهل إلى اللَّه: تضرع واجتهد في الدعاء اجتهاد المبتهلين (الذليل)
أي: الضعيف المستهان به (وأدعوك دعاء الخائف الضرير) أي: القائم به الضر.
وفي رواية: المضطر وهما بمعنى: قال بعض: هو من الضرر أو من الوصف الخاص،
كالعمى لمن لا يهتدي إلى خلاص وإن اهتدى لا يمكن له ذلك، بين بهذا أن العبد وإن علت
منزلته فهو دائم الاضطرار، لأن حقيقة العبد تعطي الاضطرار، إذ هو ممكن وكل ممكن مضطر
إلى ممد يمده، وكما أن اللَّه هو الغني أبدًا، فالعبد مضطر إليه أبدًا ولا يزايله هذا الاضطرار في
الدنيا والآخرة حتى لو دخل الجنة، فهو محتاج إليه فيها غير أنه غمس اضطراره في المنة التي

٤٠٧
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ◌ّ.
جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيًا، وكن بي رؤوفًا
رحيمًا، يا خير المسؤولين ويا خير المعطين.
وأتاه مَِّ ناس من أهل نجد - وهو بعرفة - فسألوه كيف الحج؟ فأمر مناديًا
ينادي: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيام
أفرغت عليه ملابسها، وهذا هو حكم الحقائق، إذ لا يختلف حكمها لا في العيب ولا في
الشهادة ولا في الدنيا ولا في الآخرة، ومن اتسعت أنواره لم يتوقف اضطراره، وقد عتب الله
قومًا اضطروا إليه عند وجود أسباب ألجأتهم إلى الاضطرار، فلما زالت زال اضطرارهم ولما لم
تقبل عقول العامة إلى تغطية حقيقة وجودهم سلط الحق عليهم الأسباب المثيرة للاضطرار
ليعرفوا قهر ربوبيته وعظمة إلهيته (من خضعت لك رقبته) أي: نكس رأسه رضا بالتذلل إليك،
وقال بعض الشراح: نعت آخر يجوز عوده لجهتي السؤال والدعاء وللثانية أقرب، وأسنده إلى
الرقبة لظهور اختصاصه بها وإن كان الرأس الأصل، إذ لا حياة بدونها (وفاضت:) سالت (لك
عبرته) بفتح العين، أي: سال لك من الخوف دموعه، قيل: الفيض سيلان لا اختيار فيه (وذل)
أي: انقاد لك (جسمه) بجميع أركانه الظاهرة والباطنة (ورغم لك أنفه) بكسر الغين المعجمة،
أي: لصق بالرغام بالفتح وهو التراب ذلاً وهوانًا.
وقال ابن الأعرابي: رغم بفتح الغين ذل، قاله المنذري.
وفي المصباح: رغم من باب قتل، وفي لغة من باب تعب كناية عن الذل كأنه لصق
بالرغام هو أنا.
(اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيًا) أي: تعبّا خائبًا في ذلك ولا في غيره.
قال الزمخشري: من المجاز أشقى من رائض، أي: أتعب منه، ولم يزل في شقاء من أمره
في تعب والباء للسببية، أو بمعنى مع والمصدر مضاف إلى مفعوله، أي: بدعائي إياك (وكن بي
رؤوفًا رحيمًا) أي: عطوفًا شفوقًا، أي: أوقع الوصفين بي، أي: اجعلهما ملابسين لي (يا خير
المسؤولين) أي: من طلب منه (ويا خير المعطين))) أي: من أُعطى (وأتاه عَّه ناس).
وعند أبي داود: ناس أو نفر.
قال الولي: فيحتمل أنه شك من الراوي في اللفظ الذي قاله الصحابي، ويحتمل أنه تردد
في أنهم ناس كثير، أو نفر يسير من ثلاثة إلى عشرة (من أهل نجد وهو بعرفة فسألوه) وعند
أبي داود: فأمر رجلاً فنادى رسول اللَّه عَّهِ: (كيف الحج فأمر مناديًا ينادي) وعند أبي داود:
رجلاً فنادى (الحج عرفة) مبتدأ وخبر على تقدير مضاف من الجانبين، أي: معظمه، أو ملاكه
الوقوف بها لفوات الحج به، قاله البيضاوي.

٤٠٨
النّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ.
منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه))، رواه
الترمذي.
وفي رواية جابر عند أبي داود قال عَ لّه بعرفة: ((وقفت هاهنا وعرفة كلها
موقف وها هنا أنزل علي ﴿اليوم أكملت لكم دينكم))) الآية [المائدة/٣] كما
قال الطيبي: تعريفه للجنس وخبره معرفة، فيفيد الحصر نحو ذلك الكتاب. انتهى.
وعند أبي داود: الحج الحج يوم عرفة، وفي رواية له: ((الحج يوم عرفة)).
قال الولي: أي: الحج هو الحج الكائن يوم عرفة وهو الوقوف بها، فأطلق اسم الحج على
أحد أركانه لأنه معظمها أو لإبطال اعتقاد قريش، ومن دان بدينها أنه ليس من أركان الحج،
لأنهم كانوا يقفون بالمزدلفة كما مر، فيوم عرفة منصوب على أنه مفعول الحج الثاني، وعلى
الرواية التي لم يكرر فيها لفظ الحج الظاهر؛ أن يوم عرفة مرفوع ((من جاء ليلة جمع) بفتح
فسكون، أي: المزدلفة وهي ليلة العيد، أي: من أدرك الوقوف ليلة النحر (قبل طلوع الفجر فقد
أدرك الحج) ومفهومه: أن من لم يدرك ذلك فاته الحج فهو حجة للملك، ومن وافقه أن الوقوف
يوم عرفة ليس الركن، فإذا وقف به دون جزء من ليلة جمع فاته الحج، لكن في السنن وصححه
الحاكم مرفوعًا: ((من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه
وقضى تفثه))، ولذا قال الأكثر: مبدأ الوقوف من زوال يوم عرفة ومنتهاه طلوع فجر العيد، فأي
جزء وقف فيه أدرك الحج (أيام منى ثلاثة أيام) بعد يوم النحر (فمن تعجل) النفر (في يومين فلا
إثم عليه) في تعجيله، وسقط عنه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث (ومن تأخر) عن النفر في
الثاني حتى نفر في الثالث (فلا إثم عليه))) في تأخيره بل هو أفضل، فالتخيير وقع هنا بين
الفاضل والأفضل، فإن قيل: الآثم المتعجل فما بال المتأخر، أجيب بأن المتعجل لا إثم عليه في
استعمال الرخصة ومن تأخر وترك الرخصة فلا إثم عليه في ترك استعمالها (رواه الترمذي) وأبو
داود والنسائي وابن ماجه، كلهم عن عبد الرحمن بن يعمر بفتح التحتية والميم الديلي بكسر
المهملة وإسكان التحتية صحابي نزل الكوفة.
(وفي رواية جابر عند أبي داود) ومسلم، كلاهما مختصر بعد ذكر حديث جابر بطوله
في حجة الوداع عن جابر (قال عٍَّ) قد نحرت ههنا ومنى كلها منحر وموقف (بعرفة) فقال:
((وقفت ههنا وعرفة كلها موقف) ووقفت هنا وجمع كلها موقف، وفي هذا بيان شفقته عَّه.
بأمته ورفقه بهم وتنبيه لهم على مصالح دينهم ودنياهم، فذكر لهم الأكمل وهو موضع وقوفه
ونحره، والجائز وهو جزء من أجزاء منى وعرفة والمزدلفة (وههنا) أي: وهو واقف بعرفة (أُنزل
عليّ) بشد ياء المتكلم عَ له ((اليوم أكملت لكم دينكم﴾) [المائدة/٣] بالنصر

٤٠٩
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره مَّ اله
في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته - وهو محرم - فمات، فأمر
رسول الله عٍَّ أن يكفن في ثوبيه ولا يمس بطيب، وأن يغسل بماء وسدر، ولا
يغطى رأسه ولا وجهه، وأخبر أن الله يبعثه يوم القيامة يلبي. رواه البخاري ومسلم.
أي يبعث على هيئته التي مات عليها.
واستدل بذلك على بقاء إحرامه، خلافًا للمالكية والحنفية، قال النووي:
والإظهار على الأديان كلها، أو بالنص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين
الاجتهاد (الآية كما في الصحيحين) البخاري في أربعة مواضع، ومسلم في موضعين.
(عن عمر بن الخطاب:) أن رجلاً من اليهود قال له: آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا
معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أية آية؟، قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾
[المائدة/٣]، فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه، أنزلت على النبي عَّه.
وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.
وعند الطبراني وغيره عن كعب الأحبار أنه قال لعمر فذكر الحديث، وفيه فقال عمر:
نزلت يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما بحمد اللَّه لنا عيد.
(وهناك سقط رجل من المسلمين) لم يعرف اسمه (عن راحلته) أي: ناقته التي صلحت
للرحل (وهو محرم) بالحج، وفي رواية للشيخين: فوقصته ناقته وهو محرم (فمات) وهو بالقاف
والصاد المهملة، أي: كسرت رقبته (فأمر عٍَّ أن يكفن في ثوبيه) زاد في رواية النسائي: الذين
أحرم فيهما، ومعلوم أنهما لا يحيطان بالبدن، فلعلهما كانا إزارًا ورداء (ولا يمس بطيب وأن
يغسل بماء وسدر) ولفظ الصحيحين: فقال عَّله: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه
بطيب (ولا يغطى رأسه ولا وجهه، وأخبر أن اللَّه يبعثه يوم القيامة يلبي) أي قائلا: لبيك اللهم
لبيك (رواه البخاري ومسلم) مستوعبًا طرقه، واختلاف ألفاظها كلاهما من حديث ابن عباس
(أي: يبعث على هيئته التي مات عليها) من الإحرام.
(واستدل بذلك على بقاء إحرامه خلافًا للمالكية والحنفية) أنه إذا مات فقد انقضى
العمل، فيجوز تطييبه وتغطية رأسه ووجهه، وأجابوا عن هذا الحديث بأنها واقعة عين لا عموم
فيها، لأنه علل ذلك بأنه يبعث يلبي وهذا الأمر لا يتحقق وجوده في غيره فهو خاص بذلك
الرجل، ولو أريد تعميمه في كل محرم لقال: فإن المحرم كما قال: إن الشهيد يبعث وجرحه
يثعب دمًا، فالتخصيص ظاهر من التعليل، والعدول سلمنا عدم ظهوره، فوقائع الأحوال لا عموم
فيها، وذلك كاف في إبطال الاستدلال.
1

٤١٠
النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره ﴾.
يتأول هذا الحديث على أن النهي عن تغطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز له
تغطية وجهه، بل هو صيانة للرأس، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه.
انتھی.
قال الحافظ ابن حجر: وكان وقوع المحرم المذكور عند الصخرات من
عرفة.
ولما غربت الشمس بحيث ذهبت الصفرة قليلاً، حين غاب القرص،
أفاض مَّلِ من عرفة وأردف أسامة خلفه، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها
ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: ((أيها الناس السكينة السكينة))، وكلما أتى حبلاً
(قال النووي: يتأول هذا الحديث) لمخالفته مذهب الشافعي أن المحرم يجوز له تغطية
وجهه (على أن النهي عن تغطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز له تغطية وجهه) أي:
يحرم كما قال ملك وموافقوه (بل هو صيانة للرأس) المجمع على حرمة تغطيته (فإنهم لو غطوا
وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه. انتهى) كلام النووي، وتعقبه الأبي؛ بأن هذا التعليل لا يجري
على أصل الشافعي لأنه لا يقول بسد الذرائع.
(قال الحافظ ابن حجر: وكان وقوع) الرجل (المذكور عند الصخرات من عرفة)
وبوّب عليه البخاري المحرم يموت بعرفة، ثم عاد المصنف إلى حديث جابر، فقال: (ولما
غربت الشمس بحيث ذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص أفاض:) دفع (عَّم من يوم
عرفة) ولفظ مسلم عقب قوله سابقًا: واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت
الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، كذا فيه بلفظ: حتى بفوقية فتحتية غاية، ولأبي داود حين
بتحتية فنون، وقيل: إنه الصواب وهو مفهوم الكلام ولحتى وجه قاله عياض.
قال النووي: باحتمال أنه على ظاهره وتكون الغاية بيانًا لقوله: غربت الشمس وذهبت
الصفرة، لأن غيابها يطلق مجازًا على مغيب معظم القرص، فأزال ذلك الاحتمال بقوله: حتى
غاب القرص.
(وأردف أسامة) بن زيد (خلفه) ودفع رسول اللّه ◌َّةٍ، هذا لفظ الحديث.
قال ابن الأثير: أي ابتدأ السير ودفع نفسه ونحاها، أو دفع ناقته وحملها على السير وحذفه
المصنف استغناء عنه بذكر معناه بقوله: أفاض من عرفة (وقد شنق) بفتح الشين المعجمة والنون
الخفيفة فقاف (للقصواء الزمام) أي: ضمه وضيقه عليها وكفها به، والزمام والخطام ما يشد به
رؤوس الإبل من حبل أو سير أو نحوه لتقاد وتساق به، قاله عياض في المشارق، ثم فسر ذلك
بقوله: (حتى إنَّ رأسها ليصيب مورك رحله) بفتح الميم وسكون الواو وكسر الراء فكاف:

٤١١
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه.
من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد. وأفاض من طريق المأزمين.
وفي رواية ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام سمع وراءه زجرًا شديدًا،
وضربًا للإبل فأشار بسوطه وقال: ((أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس
بالإيضاع))، يعني بالإسراع.
وفي رواية أبي داود: أفاض من عرفة، وعليه السكينة، ورديفه أسامة، فقال:
قطعة من جلد محشوة شبه المخدة تجعل في مقدم الرحل يضع الراكب رجليه عليها متوركًا
ليستريح من وضعهما في الركاب، فأراد بذلك أنه بالغ في جذب رأسها إليه ليكفها عن السير
ورحله بفتح الراء وحاء مهملة، قال المصنف، وفي نسخة من مسلم: رجله بكسر الراء بعدها
جیم.
(ويقول) أي: يشير (بيده اليمنى: ((أيها الناس) الزموا (السكينة) الزموا (السكينة)))
مرتين، الرفق والوقار والطمأنينة وعدم الزحمة بالنصب على الإغراء (وكلما أتى حبلاً من
الحبال) بحاء مهملة مكسورة: جمع حبل التل اللطيف من الرمل الضخم (أرخى لها) للقصواء
الزمام (قليلاً حتى تصعد) روي بضم الفوقية رباعيًا وفتحها ثلاثيًا كما قال عياض، والنووي:
وفي أمره بالسكينة الرفق بالناس والدواب والأمن من الإذابة بخلاف العجلة، كما أن في إرخائه
للقصواء الرفق بالدواب لئلا يجتمع عليها مشقة الصعود ومشقة الشنق صلوات اللَّه وسلامه عليه
ما أرأفه وأرحمه، ثم فصل المصنف حديث جابر بجمل، فقال: (وأفاض من طريق المأزمين)
بفتح الميم وإسكان الهمزة وكسر الزاي فميم فتحتية فنون تثنية مأزم: موضع معروف بين عرفة
والمشعر وهو في الأصل المضيق في الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسع ما وراءه والميم
زائدة، وكأنه من الأزم وهو القوّة والشدة.
(وفي رواية) البخاري من أفراده عن (ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام سمع) لفظ
البخاري: دفع مع النبي ◌َِّ يوم عرفة، فسمع عَ ◌ّهِ (وراءه زجرًا) بفتح الزاي وسكون الجيم
بعدها راء أي: صياحًا (شديدًا) لحث الإبل (وضربًا للإبل، فأشار بسوطه) إليهم (وقال: ((أيها
الناس عليكم بالسكينة) في السير برفق وعدم المزاحمة (فإن البر) أي: ما يتقرب به (ليس
بالإيضاع))) بكسر الهمزة وسكون التحتية المنقلبة عن الواو، وبالضاد المعجمة وآخره عين مهملة
(يعني بالإسراع، ) أي: السير السريع، ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله: لما خطب بعرفة
ليس السابق من سبق بعيره وفرسه ولكن السابق من غفر له.
قال المهلب: إنما نهاهم عن الإسراع إبقاء عليهم لئلا يجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة.
(وفي رواية أبي داود) عن ابن عباس، قال: (أفاض) عَِّ (من عرفة وعليه السكينة)

٤١٢
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَـ
(أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل))، فما رأيتها رافعة
يديها عادية حتى أتى جمعًا.
وفي رواية أسامة بن زيد عند الشيخين: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة
نص. قال هشام: والنص فوق العنق.
الوقار والطمأنينة (ورديفه أسامة) بن زيد (فقال) عَ حين سمع الزجر وضرب الإبل: («أيها
الناس عليكم بالسكينة، فإن البر) أي: ما يتقرب به (ليس بإيجاف) إتعاب (الخيل والإبل)))
بضربها والسير السريع (فما رأيتها رافعة) بالراء، وفي رواية: بالدال وهما في أبي داود (يديها
بالتثنية (عادية) بمهملتين من العدو، أي: ماشية بسرعة (حتى أتى جمعًا) أي: المزدلفة، ومن
قرأ غادية بإعجام الغين وقال: هذا بناء على استعماله في مطلق الذهاب وإلاّ فأصله الذهاب بعد
الصبح وقبل الشمس فقد صحفه وتعسف توجيهه، فإنما هو في أبي داود بالمهملة، وبه ضبطه
شارحه ومعناه صحيح بلا تكلف، وقد حمله ابن خزيمة على حال الزحام دون غيره.
(و) استدل لذلك بقوله (في رواية أسامة بن زيد) رضي اللَّه عنهما (عند الشيخين) وأبي
داود والنسائي وابن ماجه من طريق لملك وغيره عن هشام عن أبيه عروة، قال: سئل أسامة وأنا
جالس: كيف كان عَِّ يسير في حجة الوداع حين دفع؟، قال: (كان يسير العنق) بفتح المهملة
والنون سير بين الإبطاء والإسراع.
قال في المشارق: هو سير سهل في سرعة، وقال القزاز: سير سريع، وقيل: المشي الذي
يتحرك به عنق الدابة وانتصب العنق على المصدر المؤكد من معنى الفعل (فإذا وجد فجوة)
بفتح الفاء وسكون الجيم وفتح الواو، أي: مكانًا واسعًا، هكذا رواه ابن القُسم وابن وهب
والقعنبي والتنيسي وطائفة عن لملك، ورواه يحيى الأندلسي وأبو مصعب ويحيى بن بكير وغيرهم
عن لملك، فوجة بضم الفاء وفتحها وسكون الواو وجيم.
قال ابن عبد البر وغيره: هو بمعنى فجوة.
(نص) بفتح النون والصاد المهملة الثقيلة، أي: أسرع.
قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها وأصله غاية الشيء،
يقال: نصصت الشيء رفعته، قال الشاعر:
ونص الحديث إلى أهله فإن الوثيقة في نصه
أي: ارفعه إليهم وانسبه، ثم استعمل في ضرب سريع من السير.
(قال هشام) بن عروة: (والنص فوق العنق) أي: ارفع منه في السرعة.
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة وهو مما

٤١٣
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ليه
وأخرج الطبراني في المعجم عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن
رسول الله عَ ليه أفاض من عرفات وهو يقول:
(إليك تعدو قلِقًا وضينها مخالف دين النصارى دينها))
قال في النهاية: والحديث مشهور بابن عمر من قوله.
والقلق: الانزعاج.
والوضين: بالضاد المعجمة، حزام الرحل.
ولما كان عَِّ في أثناء الطريق نزل فيال وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فقال له
أسامة: الصلاة يا رسول الله؟ قال: ((الصلاة أمامك)).
يلزم إثمة الحاج، فمن دونهم فعله لأجل الاستعجال للصلاة، لأن المغرب لا تصلى إلاَّ مع العشاء
بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين الوقار والسكينة عند الزحمة وبين الإسراع عند عدمها لأجل
الصلاة.
(وأخرج الطبراني في المعجم عن سالم بن عبد اللَّه) بن عمر أحد الفقهاء (عن أبيه؛
أن رسول اللَّه عَلِّ أفاض من عرفات وهو يقول:)
(إليك تعدو قلقًا وضينها مخالف دين النصارى دينها)
تعدو بالعين والدال المهملتين، قال في المصباح: عدا في مشيه عدوًا من باب قال: قارب
الهرولة وهو دون الجري، وله عدوة شديدة وقلقًا بفتح القاف وكسر اللام فقاف.
(قال في النهاية: والحديث مشهور بابن عمر من قوله: القلق والانزعاج والوضين) يفتح
الواو و (بالضاد المعجمة) المكسورة وتحتية ساكنة ونون بمعنى الموضون كقتيل بمعنى مقتول،
قاله أبو عبيدة (حزام الرحل) وقال الجوهري: الوضين للهودج بمنزلة البطان للقتب والتصدير
للرحل والحزام للسرج، وهما كالتسع إلاّ أنهما من السيور إذا نسج نساجه بعضه على بعض
مضاعفًا (ولما كان عَّلّ في أثناء الطريق) وهو الشعب الذي دون المزدلفة كما في رواية
للشيخين وهو شعب الأذخر بهمزة فمعجمة مفتوحتين فألف فمعجمة مكسورة فراء موضعٍ بين
المأزمين على يسار الطريق (نزل) رسول اللَّه عَّهِ (فبال وتوضأ) بماء زمزم، كما رواه عبد الله بن
أحمد في زوائد مسند أبيه عن علي بإسناد حسن (وضوءًا خفيفًا) قيل: معناه توضأ مرة مرة،
وقيل: خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته، وفي رواية: «فتوضأ وضوء ليس بالبالغ، وفي
أخرى: فلم يسبغ الوضوء (فقال له أسامة: الصلاة) بالنصب على الإغراء أو بتقدير أتذكر، أو تريد.
ويؤيده رواية للشيخين: أتصلي (يا رسول اللَّه) ويجوز الرفع بتقدير حضرت الصلاة مثلاً

٤١٤
النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ.
فركب حتى أتى مزدلفة، وهي المسماة بـ ((جَمْع)) بفتح الجيم وسكون
الميم، وسميت جمعًا لأَن آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف إليها، أي دنى منها،
وعن قتادة: إنما سميت جمعًا لأنه يجمع فيها بين صلاتين، وقيل: لأن الناس
يجتمعون فيها ويزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقربون إليه بالوقوف بها.
فصلى رسول الله عَّه بها المغرب والعشاء، كل واحدة منهما بإقامة، ولا
صلى أثر كل واحدة منهما.
وفي رواية: فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام
(فقال: الصلاة) مبتدأ خبره (أمامك) بفتح الهمزة والنصب ظرف، أي: موضع هذه الصلاة
قدامك، وهو المزدلفة فهو من ذكر الحال وإرادة المحل، أو التقدير وقت الصلاة قدامك،
فحذف المضاف، إذ الصلاة نفسها لا توجد قبل إيجادها، وإذا وجدت لا تكون أمامه، أو معنى
أمامك لا تفوتك وستدركها وفيه تذكير التابع ما تركه متبوعه ليفعله أو يعتذر عنه أو يبين له وجه
صوابه (فركب) القصواء (حتى أتى مزدلفة) موضع بين عرفة ومنى وكلها من الحرم (وهي
المسماة بجمع بفتح الجيم وسكون الميم) وعين مهملة (وسميت جميعًا لأن ءادم اجتمع
فيها مع حواء فازدلف إليها، أي: دنا) قرب (منها).
(وعن قتادة: إنما سميت جمعًا لأنه يجمع فيها بين صلاتين) المغرب والعشاء (وقيل:
لأن الناس يجتمعون فيها) فسميت جمعا (ويزدلفون إلى الله تعالى، أي: يتقربون إليه
بالوقوف بها) فسميت مزدلفة (فصلى رسول اللَّه عَّ بها المغرب والعشاء كل واحدة منهما
بإقامة) كما في حديث أسامة في الصحيحين، زاد في نسخ: (ولا صلى أثر كل واحدة منهما)،
وظاهره أنه لم يؤذن لهما لاقتصاره على الإقامة، وبه قال الشافعي في الجديد وأحمد في رواية.
وفي حديث جابر عند مسلم: بأذان واحد وإقامتين.
وبه قال الشافعي في القديم وابن الماجشون واختاره الطحاوي.
وعند البخاري والنسائي عن ابن مسعود: بأذانين وإقامتين.
وروى الطحاوي بإسناد صحيح؛ أن عمر كان يفعل ذلك، وبه أخذ لملك واختاره البخاري
وقوّاه ابن عبد البر من جهة النظر؛ بأنه عَّهِ جعل الوقت لهما جميعًا، وكل صلاة صليت في
وقتها يسن الأذان لها، إذ ليست واحدة منهما فائتة تقضي.
(وفي رواية) لمسلم: فركب حتى جئنا المزدلفة (فأقام المغرب ثم أناخ الناس)
رواحلهم (في منازلهم ولم يحلوا) بفتح الياء وضمها وكسر الحاء رحالهم من على رواحلهم

٤١٥
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ اله
العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا.
وترك عليه السلام قيام الليل تلك الليلة، ونام حتى أصبح، لما تقدم له من الأعمال
بعرفة من الوقوف من الزوال إلى بعد الغروب، واجتهاده عليه السلام في الدعاء، وسيره
بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا، ورقد بقية
ليلته مع كونه عليه السلام كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة
لما تقدم في عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر بيده الشريف المبارك ثلاثاً وستين بدنه،
وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. كما نبه عليه في شرح تقريب الأسانيد.
وعن عباس بن مرداس أن رسول الله عَ لّه دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة،
فأجيب: إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإني آخذ للمظلوم منه، قال: ((أي رب
إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم))، فلم يجب عشيته، فلما
(حتى أقام العشاء الآخرة فصلى) بالناس (ثم حلوا) رحالهم عن رواحلهم (وترك عليه السلام
قيام الليل تلك الليلة ونام حتى أصبح لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال
إلى بعد الغروب واجتهاده عليه السلام في الدعاء وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة،
واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا) لها وجمعًا لهما جمع تأخير (ورقد بقية
ليلته مع كونه عليه السلام كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة
لما تقدم في عرفة) من التعب، وقد قال: إن لجسدك عليك حقًّا (ولما هو بصدده يوم النحر
من كونه نحر بيده الشريفة المباركة ثلاثًا وستين بدنة) وباقي المائة نحره عليّ (وذهب إلى
مكة لطواف الإفاضة ورجع إلى منى، كما نبه عليه) الولي العراقي (في شرح تقريب
الأسانيد) للنووي.
(وعن عباس بن مرداس) بكسر الميم وسكون الراء ودال وسين مهملتين السلمي، أسلم
بعد يوم الأحزاب، وسكن البصرة بعد ذلك؛ (أن رسول اللَّه عٍَّ دعا لأمته عشية عرفة
بالمغفرة) زاد في رواية ابن أحمد: والرحمة فأكثر الدعاء (فأجيب) في رواية ابن أحمد: فأجابه
اللَّه عز وجل (إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإني آخذ للمظلوم منه) وفي رواية ابن
أحمد: فأجابه اللَّه أن قد فعلت وغفرت لأمتك إلاّ من ظلم بعضهم بعضًا.
زاد الطبراني: فأما ما بيني وبينهم فقد غفرتها (قال: ((أي رب) عبر به لاقتضاء المقام
لذلك لمزيد الاستعطاف، كما عبر بأي نداء للقريب، لأنه سبحانه قريب، كما قال: ﴿وإذا سألك
عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة/١٨٦] (إن شئت أعطيت المظلوم

٤١٦
النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه.
أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل، قال: فضحك معَّهِ، أو قال:
تبسم، فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: بأبي أنت وأمي، إن هذه الساعة ما
كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك، قال: ((إن عدو الله
إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه
على رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكني ما رأيت من جزعه)). رواه ابن ماجه.
من) بعض (الجنة وغفرت للظالم)) فلم يجب عشيته).
وفي رواية عبد الله بن أحمد: فقال: ((يا رب إنك قادر أن تغفر للظالم وتثيب المظلوم
خيرًا من مظلمته))، فلم يكن تلك العشية إلاَّ ذا (فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب
إلى ما سأل).
روى ابن جرير عن ابن عمر: خطبنا رسول اللَّه عَ لَّه عشية عرفة، فقال: ((أيها الناس إن اللَّة
تطوّل عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم وأعطى لمحسنكم ما سأل، ووهب مسيئكم
لمحسنكم إلاّ التبعات فيما بينكم، أفيضوا على اسم اللَّه)، فلما كان غداة جمع، قال: ((أيها
الناس قد تطوّل عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم
والتبعات بينكم عوّضها من عنده، أفيضوا على اسم اللَّه تعالى))، فقال أصحابه: يا رسول اللّه
أفضت بنا بالأمس كئيبًا حزينًا، وأفضت بنا اليوم فرحًا مسرورًا، فقال عَّله: (إني سألت ربي
بالأمس شيئًا فلم يجد لي به، سألته التبعة فأبى عليّ، فلما كان اليوم أتاني جبريل، فقال: إن
ربك يقرئك السلام ويقول: ضمنت التبعات وضمنتها من عندي (قال: فضحك عَّةٍ، أو قال:
تبسم) بالشك من الراوي.
وفي رواية ابن أحمد والطبراني: فتبسم بالجزم، وفي أبي داود: ضحك بالجزم، والظاهر
أنه زاد على التبسم قليلاً، فتارة غلب الراوي قربه من التبسم فأطلقه عليه، وتارة قربه من الضحك
فسماه به، وتارة تردد لكونه ليس تبسمًا صرفًا ولا ضحكًا.
(فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: بأبي أنت وأمي إن هذه الساعة ما كنت تضحك
فيها) أي: في مثلها (فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك) دعاء له بالفرح والسرور (قال:
إن عدو اللَّه إبليس لما) حين (علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي) ولابن أحمد:
قد استجاب لي في أمتي وغفر للظالم (أخذ التراب فجعل يحثوه) بمثلثة: يلقي (على رأسه)
غيظًا (ويدعو بالويل) حلول الشر به (والثبور) الهلاك (فأضحكني ما رأيت من جزعه)).
وفي رواية ابن أحمد: فتبمست لما يصنع من جزعه، وفي أخرى: فضحكت لما رأيت
من جزعه (رواه ابن ماجه ورواه أبو داود من الوجه) أي: الطريق (الذي رواه به ابن ماجه ولم

٤١٧
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه
ورواه أبو داود من الوجه الذي رواه به ابن ماجه ولم يضعفه.
وقد جاء في بعض الروايات عن غير العباس بن مرداس: ما يبين أن المراد
من ((الأمة)) من وقف بعرفة.
يضعفه) أي: سكت عليه، فهو عنده صالح للحجة، وقد أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي
في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين من طرق.
وقد صنف الحافظ ابن حجر فيه كراسًا سماه قوّة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج،
قال في أوله: إنه سئل عن حال هذا الحديث هل هو صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منكر، أو
موضوع، قال: فأجبت بأنه جاء من طرق أشهرها حديث العباس بن مرداس، فإنه مخرج في مسند
أحمد.
وأخرج أبو داود طرقًا منه وسكت عليه على رأي ابن الصلاح ومن تبعه حسن، وعلى رأي
الجمهور كذلك، لكن باعتبار انضمام الطرق الأخرى إليه.
ثم قال الحافظ أثناء كلامه حديث العباس بمفرده يدخل في حد الحسن على رأي
الترمذي، ولا سيما بالنظر إلى مجموع هذه الطرق لطرق ذكرها، قال: وأورده ابن الجوزي في
الموضوعات من حديث ابن مرداس، وقال فيه كنانة: منكر الحديث جدًا، ولا أدري التخليط
منه أو من ولده، وهذا لا ينهض دليلاً على أنه موضوع، فقد اختلف قول ابن حبان في كنانة،
فذكره في الثقات وفي الضعفاء.
وذكر ابن منده: أنه قيل: إن له رؤية منه عَّهِ، وأما ولده عبد اللَّه بن كنانة ففيه كلام
ابن حبان أيضًا، وكل ذلك لا يقتضي وضعه، بل غايته أن يكون ضعيفًا ويعتضد بكثرة طرقه،
وأورد حديث ابن عمر في الموضوعات أيضًا وقال فيه عبد العزيز بن أبي رواد، تفرد به عن نافع
عن ابن عمر.
قال ابن حبان: كان يحدث على التوهم والحسبان وهو مردود، فإنه لا يقتضي أنه موضوع
مع أنه لم ينفرد به، بل له متابع عند ابن حبان في كتاب الضعفاء، هذا كلام الحافظ ملخصًا،
وهو كلام متقن إمام في الفن، فلا عليك ممن أطلق عليه اسم الضعيف الذي لا يحتج به.
(وقد جاء في بعض الروايات عن غير العباس بن مرداس: ما بين أن المراد من الأمة
من وقف بعرفة) إلى آخر الدهر لا خصوص الواقفين معه عَ ◌ّ
أخرج ابن منيع عن أنس: وقف عَِّ، فقال: «معاشر الناس أتاني جبريل آنفًا فأقرأني من
ربي السلام وقال: إن اللَّه قد غفر لأهل عرفات وأهل المشعر وضمن عنهم التبعات))، فقام
عمر بن الخطاب فقال: يا رسول اللَّه هذا لنا خاصة؟، قال: ((هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى

٤١٨
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّيه
وقال الطبري: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن
وفائها.
وقد رواه البيهقي بنحو رواية ابن ماجة ثم قال: وله شواهد كثيرة، فإن صح
بشواهده ففيه الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك
لمن يشاء﴾ [النساء/٤٨] وظلم بعضهم بعضًا دون الشرك. انتهى.
وقال الترمذي في الحديث الصحيح: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج
يوم القيامة))، فقال عمر: كثر خير اللَّه وطاب.
قال الحافظ: إن صح سنده إلى ابن المبارك فهو على شرط الصحيح، وقد أخرجه
مسدد بن مسرهد في مسنده من وجه مرسل رجاله ثقات لكن ليس بتمامه.
(وقال الطبري) محمد بن جرير بعد روايته حديث ابن عمر. (أنه محمول بالنسبة إلى
المظالم على من تاب وعجز عن وفائها) مع العزم على أنه يوفي إذا قدر ما يمكن توفيته (وقد
رواه) أي: حديث العباس بن مرداس (البيهقي) في السنن الكبرى (بنحو رواية ابن ماجه)
السابقة، وكذا الطبراني في الكبير وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند لأبيه وابن عدي، وصححه الضياء
كما مر وقد قالوا: إِن تصحيحه أعلى من تصحيح الحاكم (ثم قال) البيهقي:
(وله شواهد كثيرة) فأخرجه عبد الرزاق والطبراني من حديث عبادة بن الصامت وأبو يعلى
وابن منيع من حديث أنس وابن جرير وأبو نعيم وابن حبان من حديث ابن عمر، والدارقطني
وابن حبان من حديث أبي هريرة، وابن منده من حديث عبد اللَّه بن زيد، ذكر رواياتهم الحافظ
في مؤلفه بنحو حديث عباس بن مرداس.
(فإن صح بشواهده ففيه الحجة وإن لم يصح) فنحن في غنية عن تصحيحه (فقد قال
اللّه تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وظلم بعضهم بعضًا دون الشرك) فيدخل في
الآية. (انتهى) وهو حسن.
(وقال الترمذي في الحديث الصحيح) الذي رواه هو والبخاري ومسلم وغيرهم عن أبي
هريرة: سمعت النبي ◌َّ يقول: (من حج) زاد في رواية: لله، وفي أخرى: من حج هذا البيت،
وهما في البخاري، ولمسلم: من أتى هذا البيت وهو يشمل الحج والعمرة، وللدارقطني بإسناد
فيه مقال: من حج أو اعتمر (فلم يرفث) بثليث الفاء في المضارع والماضي، لكن الأفصح فيه
الفتح، وفي المضارع الضم، والرفث والجماع ويطلق على التعريض به وعلى الفحش في القول.
وقال الأزهري: اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة، وخصه ابن عباس بما خوطب به

٤١٩
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه
من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة دون العباد، ولا
تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله
تعالى لا تسقط عنه، لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير
يسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخره بعده تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط
إثم المخالفة لا الحقوق.
النساء.
وقال عياضٍ: هذا من قول اللَّه تعالى: ﴿فلا رفث﴾ [البقرة/١٩٧] والجمهور على أن
المراد به في الآية الجماع.
قال الحافظ: والظاهر أن المراد به في الحديث ما هو أعم من ذلك، وإليه نحا القرطبي
وهو المراد بقوله: فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث (ولم يفسق) أي: لم يأت بسيئة ولا معصية
(رجع كيوم ولدته أمه) أي: صار بلا ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات وهو من
أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك، وله شاهد من حديث ابن عمر في
تفسير الطبري، قاله في فتح الباري (وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق اللَّه تعالى
خاصة دون العباد).
قال شيخنا المعتمد: لا فرق بينهما في سقوط الإثم دون الحق (ولا تسقط الحقوق
أنفسها، فمن كان عليه صلاة) أو صيام أو زكاة (أو كفارة) ليمين وغيرها (ونحوها:) كنذه
(من حقوق اللَّه لا تسقط عنه، لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط
بالحج لا هي نفسها، فلو أخره بعده) أي: الحج (تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم
المخالفة لا الحقوق).
قال ابن خالويه: المبرور: المقبول.
وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي.
وقال القرطبي: الأقوال في تفسيره متقاربة، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعًا
لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل وتظهر علامته بآخره، فإن رجع خيرًا مما كان علم أنه
مبرور.
ولأحمد والحاكم عن جابر، قالوا: يا رسول اللَّه ما بر الحج؟، قال: إطعام الطعام وإفشاء
السلام.
قال الحافظ: في إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره.

٤٢٠
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه
وقال ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الحقوق
كالصلاة يستتاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي بالحج إجماعًا. والله أعلم.
واستأذنت سودة رسول الله عَّليه ليلة جمع، وكانت ثقيلة ثبطة فأذن لها،
فقالت عائشة: فليتني كنت استأذنت رسول الله عَ ليه كما استأذنته سودة.
وفي رواية: فاستأذنته سودة أن تدفع قبل حَطْمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن
لها أن تدفع قبل حطمة الناس، قالت عائشة: فلأن أكون استأذنت رسول الله علـ
كما استأذنت سودة أحب إليّ من مفروح به. رواه البخاري.
(وقال ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الحقوق) لله
(كالصلاة) أو لخلقه (يستتاب) فإن تاب (وإلاَّ قتل) فجعله مرتدًا بهذا الاعتقاد (ولا يسقط حق
الآدمي بالحج إجماعًا، والله أعلم) بالحكم هل تسقط التبعات أم لا؟.
(و) عن عائشة قالت: (استأذنت سودة) أم المؤمنين (رسول اللَّه عَّه ليلة جمع) أي:
المزدلفة عند السحر (وكانت ثقيلة) أي: من عظم جسمها (ثبطة) بفتح المثلثة وكسر الموحدة
وطاء مهملة خفيفة، أي: بطيئة الحركة كأنها تثبط الأرض، أي: تثبت (فأذن لها، فقالت عائشة:
فليتني كنت استأذنت رسول اللَّه عَ لِ كما استأذنت سودة) أي: كاستئذانها، فما مصدرية،
ولم يذكر في هذه الرواية بيان ما استأذنته فيه، ولذا عقبها بقوله.
(وفي رواية) عن عائشة: نزلنا المزدلفة (فاستأذنته) عَ ◌ّ (سودة أن تدفع) أي: تتقدم إلى
منى (قبل حطمة الناس) بفتح الحاء وسكون الطاء المهملتين، أي: زحمتهم، لأن بعضهم يحطم
بعضًا من الزحام (وكانت امرأة بطيئة، فأذن) عَّهِ (لها أن تدفع).
لفظ البخاري: فدفعت (قبل حطمة الناس) زحمتهم، وحذف من هذه الرواية وأقمنا حتى
أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه عَّهِ (قالت عائشة: فلأن) بفتح اللام مبتدأ (أكون استأذنت
رسول اللَّه ◌َِّ كما استأذنت سودة) جملة معترضة بين المبتدأ وبين خبره وهو (أحب إليّ من
مفروح به) أي: ما يفرح به من كل شيء.
قال القرطبي: هو كل شيء معجب له بال بحيث يفرح به كما في الحديث الآخر: أحب
إليّ من حرم النعم.
وقال الأبي الشائع من كلام الفخر والأصوليين: أن ذكر الحكم عقب الوصف المناسب
يشعر بكونه علة فيه، وقول عائشة هذا لا يشعر بأنه علة، إذ لو أشعرته لم ترد ذلك لاختصاص
سودة بذلك الوصف إلاَّ أن يقال: إن عائشة لمحت المناط ورأت أن العلة إنما هي لرد الضعف
وهو أعم من كونه لثقل جسم أو غيره، كما قال: أذن لضعفة أهله، ويحتمل أنها قالت ذلك لأنها