Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
النَّوع السَّادِس في ذکر حجه وعمره ◌ّ
وقال: كان أنس يدخل على النساء وهن مكشفات الرؤوس وإني كنت تحت
ناقته عَّه يمسني لعابها، أسمعه يلبي بالحج، وأما عائشة فقربها من رسول الله عَّه.
معروف، وكذا اطلاعها على باطن أمره وظاهره، وفعله في خلوته وعلانيته، مع
كثرة فهمها وعظم فطنتها. وأما ابن عباس فمحله من العلم والفقه في الدين والفهم
الثاقب معروف، مع كثرة بحثه وتحفظه أحوال رسول الله عليه التي لم يحفظها
غيره وأخذه إياها من كبار الصحابة.
واحتجوا أيضًا: بأن الخلفاء الراشدين واظبوا على (الإفراد)» مع أنهم الأئمة
الأعلام، وقادة الإسلام، والمقتدى بهم، فكيف يظن بهم المواظبة على ترك
الأفضل. وبأنه لم ينقل عن واحدٍ منهم كراهة الإفراد، وقد نقل عنهم كراهة التمتع
والجمع بينهما، حتى فعله علي رضي الله عنه لبيان الجواز. وبأن الإفراد لا يجب
فيه دم بالإجماع بخلاف التمتع والقران.
الوداع، وأنكر على من رجح قول أنس؛) أنه كان قارنًا (على قوله) نفسه أنه حج مفردًا
(وقال: كان أنس يدخل على النساء وهن مكشفات الرؤوس) إشارة إلى صغر سنه فلم
يضبط (وأني كنت تحت ناقته عَّل يمسني لعابها، أسمعه يلبي بالحج) وحده، فلو كان قارنًا
لسمعته وقتًا ما يلبي بهما لملازمتي له.
(وأما عائشة فقربها من رسول اللَّه عَِّ معروف، وكذا اطلاعها على باطن أمره،
وظاهره وفعله في خلوته وعلانيته مع كثرة فهمها وعظيم فطنتها) فكيف لا يرجح قولها.
(وأما ابن عباس فمحله من العلم والفقه في الدين والفهم الثاقب معروف مع كثرة
بحثه وتحفظه أحوال رسول اللّه عَ ل التي لم يحفظها غيره) أي: مبالغته في حفظها وتحرزه
في ضبطها بحيث لا يفوته شيء منها (وأخذه إياها من كبار الصحابة) بعد الوفاة النبوية.
(واحتجوا أيضًا بأن الخلفاء الراشدين واظبوا على الإفراد) بعد النبي عَّةٍ، فأفرد كل
من العمرين وعثمن مدة خلافتهم (مع أنهم الأئمة الأعلام وقادة الإسلام) أي: أزمته والحافظون
له كحفظ السلطان لجيشه وحمله على ما هو الأصلح له (والمقتدى بهم) في عصرهم وبعدهم
(فكيف يظن بهم المواظبة على ترك الأفضل) الذي فعله النبي عَّةٍ والاستفهام للاستبعاد، أي:
لا يليق أن يظن بهم ذلك (وبأنه لم ينقل عن واحد منهم كراهة الإفراد، وقد نقل عنهم
كراهية التمتع و) كراهية (الجمع بينها) أي: القرآن (حتى فعله علي رضي الله عنه لبيان الجواز) خوف
اعتقاد أحد منعه؛ (وبأن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع) لكماله (بخلاف التمتع والقرآن)

٣٤٢
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ليه
وذهب النووي إلى أن الصواب أنه عَِّ كان قارنًا، ويؤيده أنه لم يعتمر في
تلك السنة بعد الحج، قال: ولا شك أن القران أفضل من الإفراد والذي لا يعتمر
في سنته عندنا، ولم يقل أحد إن الحج وحده أفضل من القران. انتهى.
وقد صرح القاضي حسين والمتولي بترجيح الإفراد ولو لم يعتمر في تلك
السنة.
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وتترجح رواية من روى القران بأمور.
منها: أن معه زيادة علم على من روى الإفراد والتمتع.
وبأن من روى الإفراد والتمع اختلف عليه في ذلك، وأشهر من روي عنه
فيجب لفوات الميقات وغيره، فكان ما لا يحتاج إلى جبر أفضل.
قال الحافظ: وهذا ينبني على أن دم القران دم جبران، وقد منعه من رجح القران بأنه دم
فضل وثواب كالأضحية، ولو كان دم نقص لما قام الصيام مقامه ولأنه يؤكل منه، ودم النقص لا
يؤكل منه كدم الجزاء، قاله الطحاوي.
(وذهب النووي إلى أن الصواب أنه قدٍ كان قارنًا، ويؤيده أنه لم يعتمر في تلك
السنة بعد الحج، قال: ولا شك أن القرآن أفضل من الإفراد والذي لا يعتمر في سننه عندنا،
ولم يقل أحد أن الحج وحده أفضل من القران) وما مر أنه اعتمر بعد حجه من التنعيم غلط
كما يأتي عن ابن تيمية. (انتهى) كلام النووي.
(وقد) تعقبه الحافظ بأن الخلاف ثابت قديمًا وحديثًا، أما قديمًا فثبت عن عمر أنه قال: إن
أتم لحجكم ولعمرتكم أن تنشؤوا لكل منهما سفرًا، وعن ابن مسعود نحوه أخرجه ابن أبي شيبة،
وأما حديثًا فقد (صرح القاضي حسين والمتولي بترجيح الإفراد ولو لم يعتمر في تلك السنة)
وهو مقتضى مذهب لملك، زاد الحافظ.
وقال صاحب الهداية من الحنفية: الخلاف بيننا وبين الشافعي مبني على أن القارن
يطوف طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، فلذا قال الإفراد أفضل، وعندنا أن القارن يطوف طوافين
وسعیین، فهو أفضل لأنه أكثر عملاً.
(قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وتترجح رواية من روي القران بأمور، منها: أن معه
زيادة علم على من روى الإفراد والتمتع) لأنه حفظ ما لم يحفظه غيره (وبأن من روى الإفراد
والتمتع اختلف عليه في ذلك، وأشهر من روى عنه الإفراد عائشة، وقد ثبت عنها؛ أنه عَّ.

٣٤٣
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عليّ
الإفراد عائشة، وقد ثبت عنها أنه اعتمر مع حجته. وابن عمر، وقد ثبت عنه
أنه معَِّ بدأ بالعمرة ثم أهل بالحج. وجابر، وقد روى عنه أنه اعتمر مع حجته
أيضًا.
وبأن القران رواه عنه عَ له جماعة من الصحابة لم يختلف عليهم فيه.
وبأنه لم يقع في شيء من الروايات النقل عنه من لفظه أنه قال: أفردت، ولا
تمتعت، بل صح عنه أنه قال: ((لولا أن معي الهدي لأحللت)).
وأيضًا: فإن من روى عنه القران لا يحتمل حديثه التأويل إلا بتعسف، بخلاف من
روى الإفراد فإنه محمول على أول الحال وبه ينتفي التعارض، ويؤيده: أن من
اعتمر مع حجته) لكن في ترجيحه بهذا وتعبيره بأنه ثبت درك كثير على مثل الحافظ، فإنه نفسه
نقل قبل هذا بقليل جدًا أن البيهقي أعل حديث أبي إسحق عن مجاهد عن عائشة: لقد علم
ابن عمر أن النبي عَّهِ قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها في حجته، أخرجه أبو داود بأن أبا إسحق
تفرد عن مجاهد بهذا، وقد رواه منصور عن مجاهد بلفظ: فقالت: ما اعتمر في رجب قط وهو
المحفوظ على أنه اختلف فيه على أبي إسحق، فرواه زهير بن مئوية عنه هكذا.
وقال زكريا عن أبي إسحق عن البراء انتهى، فكيف يعارض ما في أصح الصحيح عنها
بحديث معلول.
(وابن عمر: وقد ثبت عنه أنه عَّ بدأ بالعمرة ثم أهل بالحج) ويأتي قريبًا للمصنف
ما يفيد أن هذه رواية شاذة، وأن المصرح به في الأحاديث الكثيرة عكسه.
(وجابر: وقد روي عنه أنه) عَِّ (اعتمر مع حجته أيضًا) ولم يذكر أنه اختلف على
ابن عباس.
وفي مسلم وأبي داود والنسائي، عنه: أهل النبي ◌َّةٍ بعمرة وأهل أصحابه بحج (وبأن
القران رواه عنه عَ لِّ جماعة من الصحابة لم يختلف عليهم فيه) جعله ثالثًا في الترجيح مع أن
الحافظ الذي هو ناقل عنه إنما جعله من بقية الجواب الثاني فلم يقل، وبأن إنما قال والقران ...
الخ، وهذا هو الواضح.
(وبأنه لم يقع في شيء من الروايات النقل عنه من لفظه أنه قال: ((أفردت ولا تمتعت))،
بل صح عنه أنه قال: ((لولا أن معي الهدي لأحللت))، وأيضًا: فإن من روي عنه القران لا
يحتمل حديثه التأويل إلاّ بتعسف) أخذ على غير الطريق؛ بأنه نسب إليه اتساعًا لأنه أمر به
(بخلاف من روى الإفراد، فإنه محمول على أول الحال و) لا تعسف في ذلك، إذ (به

٣٤٤
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه.
جاء عنه الإفراد جاء عنه صورة القران، ومن روى عنه التمتع فإنه محمول على
سفر واحد للنسكين، ويؤيده: أن من جاء عنه التمتع لما وصفه، وصفه بصورة
القرءان، لأنهم اتفقوا على أنه لم يحل من عمرته حتى أتم عمل جميع الحج،
وهذه إحدى صور القران.
وأيضًا: فإن رواية القران جاءت عن بضعة عشر صحابيًّا. انتهى.
وعدهم ابن القيم سبعة عشر: عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عباس،
وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان بإقراره لعلي، وعمران بن
الحصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، وأبو
طلحة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص،
وجابر، وابن عمر، قال: فهؤلاء سبعة عشر صحابيًا، منهم من فعله، ومنهم من
ينتفي التعارض ويؤيده) أي: حمله على ذلك (أن من جاء عنه الإفراد جاء عنه صورة القران.
(ومن روي عنه التمتع فإنه محمول على سفر واحد للنسكين) الحج والعمرة (ويؤيده) أي:
حمله على ذلك (أن من جاء عنه التمتع لما وصفه وصفه بصورة القران، لأنهم اتفقوا على
أنه لم يحل من عمرته حتى أتم جميع عمل الحج، وهذه إحدى صور القران:) جمع صورة
(وأيضًا: فإن رواية القران جاءت عن بضعة عشر صحابيًا. انتهى) كلام الحافظ.
وزاد بأسانيد جياد (وعدهم ابن القيم سبعة عشر) ففيه بيان البضع (عائشة أم
المؤمنين) عند أبي داود (وعبد الله بن عباس) عند مسلم (وعمر بن الخطاب) عند البخاري:
أتاني جبريل وقال: صل في هذا الوادي وقل عمرة في حجة (وعلي بن أبي طالب) عند
النسائي (وعثمن بن عفان بإقراره لعلي) والقصة في الصحيحين (وعمران بن الحصين) في
مسلم، وأنه أنكر على عمر كراهته (والبراء بن عازب) عند أبي داود والنسائي (وحفصة أم
المؤمنين) عند الشيخين (وأبو قتادة) الأنصاري عند الدارقطني (وابن أبي أوفى) عند البزار،
وهو بفتح الهمزة والفاء عبد اللَّه (وأبو طلحة) عند أحمد (والهرماس) بكسر الهاء وإسكان الراء
وآخره مهملة (ابن زياد) الباهلي (وأم سلمة) هند أم المؤمنين (وأنس بن ملك) عند الشيخين
(وسعد بن أبي وقاص) عند لملك وغيره (وجابر) عند البيهقي (وابن عمر) عند البخاري: أنه بدأ
بالعمرة ثم أهل بالحج، (قال) الحافظ: هي رواية مرجوحة مخالفة لأكثر الأحاديث.
(فهؤلاء سبعة عشر صحابيًا) وبقي عليه حديث سراقة أنه عَة قرن في حجة الوداع،
رواه أحمد، ومثله عن أبي سعيد عند الدارقطني.

٣٤٥
النَّوع الشَّادِس في ذكر حجه وعمره ◌َّة
روى لفظ إحرامه، ومنهم من روى خبره عن نفسه، ومنهم من روى أمره به.
فإن قيل: كيف يجعلون منهم ابن عمر وجابر، أو عائشة، وابن عباس؟
وعائشة تقول: أهلَّ رسول الله عَّهِ بالحج، وفي لفظ: أفرد الحج، والأول في
الصحيحين، والثاني في مسلم. وهذا ابن عمر يقول: لبى بالحج وحده، ذكره
البخاري، وهذا ابن عباس يقول: أهلَّ بالحج، رواه مسلم. وهذا جابر يقول: أفرد
الحج، رواه ابن ماجة.
قيل: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت، فإن أحاديث
الباقين لم تتعارض، فهب أن أحاديث من ذكرت ثم لا حجة فيها على القران ولا على
الإفراد، فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين مع صراحتها وصحتها، فكيف
وأحاديثهم يصدق بعضها بعضًا، ولا تعارض بينها. انتهى.
(منهم من فعله، ومنهم من روى لفظ إحرامه، ومنهم من روى خبره عن نفسه) هذا
ينابذه قول الحافظ السابق قريبًا؛ أنه لم يرو عنه أنه قال: ((أفردت ولا تمتعت))، وقوله: ((لولا أني
سقت الهدي لأحللت)) لا صراحة فيه أنه قارن، لكن سيأتي رواية: ((إني سقت الهدي وقرنت فلا
أحل حتى)) ... الخ، ويأتي الكلام عليها.
(ومنهم من روى أمره به، فإن قيل: كيف يجعلون منهم ابن عمر وجابر، أو عائشة وابن
عباس وعائشة تقول: أهل رسول اللَّه عَّه بالحج، وفي لفظ: أفرد الحج، والأول في
الصحيحين، والثاني في مسلم، وهذا ابن عمر يقول: لبى بالحج وحده، ذكره البخاري) أي:
رواه.
(وهذا ابن عباس يقول: أهلَّ بالحج، رواه مسلم وهذا جابر يقول: أفرد الحج، رواه
ابن ماجه، قيل) في الجواب: (إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت) لأجل
تعارضها (فإن أحاديث الباقين لم تتعارض، فهب) أي: إفرض (أن أحاديث من ذكرت، ثم)
أي: هناك يعني هؤلاء الأربعة (لا حجة فيها على القرآن ولا على الإفراد) لتساقطها بالتعارض
(فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين مع صراحتها وصحتها، فكيف وأحاديثهم يصدق
بعضها بعضًا ولا تعارض بينها. انتهى) كلام ابن القيم وكل ذلك لا يدفع رجحانية الإفراد، لأن
القاعدة أنه إذا تعارضت الأحاديث ينظر لما عمل به خلفاؤه الراشدون، فيترجح به كما قال الإمام
لملك: إذا جاء عن النبي عَ لَّه حديثان مختلفان، وعمل أبو بكر وعمر بأحدهما دل على أن الحق
ما عملا به وقال غيره نحوه، فهذا هو الموجب للعدول هذا على فرض تسليم أنه عليه السلام

٣٤٦
النَّوع الشّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه
وهذا يقتضي رفع الشك عنها والمصير إلى أنه عٍَّ كان قارنًا، ومقتضى
ذلك أن يكون القران أفضل من الإفراد والتمتع، وهو قول جماعة من الصحابة
والتابعين، وبه قال أبو حنيفة وإسحق بن راهوية واختاره من الشافعية المزني وابن
المنذر، وأبو إسحق المروزي، ومن المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي، وبحث
مع النووي في اختياره بقوله أنه عٍَّ كان قارنًا، وأن الإفراد مع ذلك أفضل، مستندًا إلى
أنه ◌َّ اختار الإفراد أولاً ثم أدخل عليه العمرة لبيان جواز الاعتمار في أشهر
الحج لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور، وتعقب: بأن البيان قد سبق
منه ◌َّ في عمره الثلاث، فإنه أحرم بكل منها في ذي القعدة، وهي عمرة
الحديبية التي صد عن البيت فيها، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، ولو كان أراد
باعتماره مع حجته بيان الجواز فقط - مع أن الأفضل خلافه - لاكتفي في ذلك
بأمره أصحابه أن يفسخوا حجهم إلى العمرة، انتهى.
قال: قرنت وإلاَّ فقد أعلها البيهقي، وأما غيرها فمحمولة على أمره لغيره كما قاله الشافعي وغيره.
(وهذا) كما قال الحافظ عقب قوله: جاءت عن بضعة عشر صحابيًا بأسانيد جياد،
بخلاف روايتي الإفراد والتمتع (يقتضي رفع الشك عنها) لكثرتها (و) يقتضي (المصير إلى
أنه ◌ّ كان قارنًا، ومقتضى ذلك أن يكون القران أفضل من الإفراد والتمتع وهو قول جماعة
من الصحابة والتابعين، وبه قال أبو حنيفة وإسحق بن راهويه واختاره من الشافعية المزني)
إسمعيل تلميذ الإمام (وابن المنذر) بناء على أنه شافعي، وقد قيل: إنه مجتهد مطلق (وأبو
إسحق المروزي، ومن المتأخرين الشيخ تقي الدين) علي بن عبد الكافي (السبكي، وبحث
مع النووي في اختياره بقوله:) الصواب الذي نعتقده (أنه عٍَّ كان قارنًا، وأن الإفراد مع
ذلك أفضل مستندًا إلى أنه ◌َِّ اختار الإفراد أولاً) فأحرم به (ثم أدخل عليه العمرة لبيان
جواز الاعتمار في أشهر الحج، لكونهم) أي: العرب (كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور) أي:
من أعظم الذنوب والفجور الانبعاث في المعاصي.
قال الحافظ: وهذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة من غير أصل (وتعقب) لفظ الفتح،
وملخص ما تعقب، أي: السيكي به كلامه، أي: النووي؛ (بأن البيان قد سبق منه عَّ في
عمره الثلاث، فإنه أحرم بكل منها في ذي القعدة وهي عمرة الحديبية التي صد عن البيت
فيها وعمرة القضية) وتسمى أيضًا عمرة القضاء لأنه تقاضى مع قريش عليها (وعمرة الجعرانة)
سنة الفتح (ولو كان أراد باعتماره مع حجته بيان الجواز فقط، مع أن الأفضل خلافه لاكتفى
في ذلك بأمره أصحابه أن يفسخوا حجهم إلى العمرة. انتهى).

٣٤٧
النّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره ◌َّ
ومذهب الشافعي ومالك وكثيرين أن أفضلها: الإفراد، ثم التمتع، ثم القران.
فإن قلت: إذا كان الراجح أنه عليه الصلاة والسلام كان قارنًا، فلم رجح
الشافعية والمالكية الإفراد على القران؟ فقد أجاب عن ذلك النووي في شرح
المهذب: بأن ترجيح الإفراد لأنه عليه الصلاة والسلام اختاره أولاً، فأهلَّ بالحج
وحده، وإنما أدخل عليه العمرة لمصلحة بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج،
وللنووي أن يرد هذا بأنه لم يكتف بالبيان في العمر الثلاث لأنه حضر معه في حجة
الوداع خلق كثير لم يحضروا في واحدة من الثلاثة، ولم يكتف بأمره أصحابه، لأن نفوسهم لا
تطيب إلاَّ بفعله، لا سيما وأكثرهم حديث عهد بجاهلية، ويؤيده حديث ابن عباس في الصحيحين
أنه لما أمرهم أن يجعلوها، أي: الحجة عمرة كبر ذلك عندهم.
قال المصنف وغيره: لما كانوا يعتقدوه أولاً أن العمرة فيها من أفجر الفجور. انتهى، فكأنه
لما عظم عليه أردف العمرة على الحج تطييبًا لخواطرهم بأنه اعتمر في أشهر الحج ولم يتحلل
لسوقه الهدي.
(ومذهب الشافعي ولملك وكثيرين أن أفضلها) أي: أوجه الإحرام الثلاثة (الإفراد) وهو
الإهلال بالحج وحده في أشهره عند الجميع، وفي غير أشهره أيضًا عند من يجيزه، والاعتمار
بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء (ثم التمتع) المعروف أنه الاعتمار في أشهر الحج، ثم
التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج في تلك السنة، قال اللَّه تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة
إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة/١٩٦]، ويطلق التمتع في عرف السلف على القرآن
أيضًا.
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن المراد بالتمتع في الآية الاعتمار في أشهر
الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضًا القران، لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده،
ومن التمتع أيضًا فسخ الحج إلى العمرة. انتهى (ثم القران) وهو الإهلال بالحج والعمرة معًا،
ولا خلاف في جوازه أو الإهلال بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج أو عكسه، وهذا مختلف فيه،
ثم المعتمد من مذهب لملك أن القران أفضل من التمتع وما ذكره المؤلف قول أشهب واختاره
عبد الوهاب واللخمي.
(فإن قلت: إذا كان الراجح أنه عليه الصلاة والسلام كان قارنًا فلم رجح الشافعية
والماليكة الإفراد على القرآن؟ فقد أجاب عند ذلك النووي في شرح المهذب: بأن ترجيح الإفراد لأنه
عليه الصلاة والسلام اختاره أولاً، فأهلَّ بالحج وحده، وإنما أدخل عليه العمرة لمصلحة بيان جواز
الاعتمار في أشهر الحج) ولم يزد هذا على ما فوقه الذي تعقبه السبكي شيئًا إلا

٣٤٨
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه.
وكانت العرب تعتقده من أفجر الفجور كما ذكرته.
وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: إلى أن التمتع أفضل،
وهو مذهب أحمد، لكونه عَ ل تمناه، فقال: ((لولا أني سقت الهدي لأحللت)) ولا
يتمنى إلا الأفضل.
وأجيب: بأنه إنما تمناه تطييبًا لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته،
وإلا فالأفضل ما اختاره الله له، واستمر عليه عَ له.
وأما القائلون بأنه عَِّ لبى بالعمرة واستمر عليها، فحجتهم حديث ابن
شهاب عن سالم عن ابن عمر قال: تمتع رسول الله عَّه في حجة الوداع بالعمرة
إلى الحج وأهدى.
نسبته لشرح المهذب، وإلا بيان المعتقدين بقوله: (وكانت العرب تعتقده من أفجر الفجور) من (
باب جد جده وشعر شاعر، أي: الانبعاث في المعاصي (كما ذكرته).
روى الشيخان عن ابن عباس، قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور
في الأرض، قال الحافظ: بفتح أوله، أي: يعتقدون، والمراد أهل الجاهلية، ولابن حبان من طريق
آخر عن ابن عباس، قال: والله ما أعمر رسول اللَّه عَ ل عائشة في ذي الحجة إلاَّ ليقطع بذلك أمر
أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش، ومن دان دينهم كانوا يقولون، فذكر نحوه فعرف بهذا
تعيين القائلين. انتهى.
(وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل) من الإفراد،
ثم القران (وهو مذهب أحمد) في المشهور عنه (لكونه عَّل تناه فقال: لولا أني سقت الهدي
لأحللت، ولا يتمنى إلاَّ الأفضل، وأجيب بأنه إنما تمناه تطييبًا لقلوب أصحابه) الذين لم يكن
معهم هدي حيث أمرهم بجعل الحج عمرة يحلون منها، ثم يحرمون بعد بالحج (لحزنهم على
فوات موافقته) فتمنوا أن يكون معهم هدي ليوافقوه في البقاء على الإحرام (وإلاَّ فالأفضل
ما اختاره اللَّه له، واستمر عليه عَّ) لأن التمتع دائمًا أفضل.
قال القاضي حسين: ولأن ظاهر هذا الحديث غير مراد بإجماع، لأن ظاهره أن سوق
الهدي يمنع انعقاد العمرة، وقد انعقد الإجماع على خلافه في حجة الوداع.
(وأما القائلون بأنه عَّاللّ لبى بالعمرة واستمر عليها فحجتهم حديث) الصحيحين وأبي
داود والنسائي عن (ابن شهاب، عن سالم، عن) أبيه (ابن عمر قال: تمتع رسول اللَّه عَّ في
حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى) وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ عٍَّ. فأهل

٣٤٩
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ
وقال ابن شهاب عن عروة: إن عائشة أخبرته عن النبي عَّله في تمتعه بالعمرة
إلى الحج، فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر.
وقال ابن عباس: قال رسول الله عَّ له: هذه عمرة استمتعنا بها.
وقال سعد بن أبي وقاص في المتعة: صنعها رسول الله عَّله وصنعناها معه.
وأجيب: بأن التمتع عندهم يشمل القران، ويدل عليه ما في الصحيحين عن
سعيد بن المسيب: اجتمع علي وعثمان بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة،
فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله عَ ليه تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك،
فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك أهلَّ بهما جميعًا.
بالعمرة ثم أهل بالحج الحديث، ففيه أنه أراد التمتع اللغوي، لأن هذا قران لا تمتع نبه عليه عياض
وغيره.
قال الحافظ: لكن جزمه بأنه بدأ بالعمرة مخالف لما عليه أكثر الأحاديث فهو مرجوح.
(وقال ابن شهاب عن عروة) بن الزبير (أن عائشة أخبرته عن النبي عَ لّ في تمتعه
بالعمرة إلى الحج، فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر) المذكور قبله.
(وقال ابن عباس: قال رسول اللَّه عَ طل: هذه عمرة استمتعنا بها) فمن لم يكن عنده
هدي فليحل الحل كله، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، هذا بقية الحديث أخرجه
مسلم وأبو داود والنسائي.
قال الأبي: لا يقال فيه أنه أحرم متمتعًا، لأن الإشارة بهذه إلى عمرة الفسخ، ومعنى
استمتعنا استمتعتم، أو یکون أدخل نفسه معهم، ولکن أقام لمانع وهو کون الهدي معه وهو قوي
في تأييد جواز الفسخ. انتهى.
(وقال سعد بن أبي وقاص في المتعة: صنعها رسول اللّه عَّه وصنعناها معه) أخرجه
لملك في الموطأ والترمذي وصححه والنسائي، كلاهما من طريق لملك (وأجيب بأن التمتع
عندهم يشمل القران، ويدل عليه ما في الصحيحين عن سعيد بن المسيب، قال: اجتمع
علي وعثمن بعسفان) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: اختلف علي وعثمن وهما بعسفان
(فكان عثمن ينهى عن المتعة) أي: القران لتمتعه بترك التعب بالسفر مرتين (فقال علي: ما تريد
إلى أمر فعله رسول اللَّه عَ ل تنهى عنه) لفظ مسلم.
أما البخاري فلفظه: ما تريد لي أن تنهي عن أمر فعله رسول اللَّه عَِّ (فقال عثمن: دعنا
منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك) لئلا يظن الناس امتناعه (فلما رأى ذلك عليّ أهل
بهما) أي: العمرة والحج (جميعًا) وعند النسائي والإسمعيلي، فقال عثمن: تراني أنهي الناس

٣٥٠
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره
فهذا يبين أن من جمع بينهما كان متمتعًا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله
رسول الله عَّله. ووافقه عثمان على أنه عَّ فعله، لكن النزاع بينهما: هل ذلك
الأفضل في حقنا أم لا؟
فقد اتفق علي وعثمان على أنه عَِّ تمتع وأن المراد بالتمتع عندهم القران.
وأيضًا: فإنه عَِّ قد تمتع تمتع قران باعتبار ترفهه بترك أحد السفرين. انتهى.
وفي فتح الباري عن أحمد: أن من ساق الهدي فالقران له أفضل ليوافق فعل النبي
حَّله، ومن لم يسق الهدي فالتمتع له أفضل ليوافق ما تمناه وأمر به أصحابه.
وأنت تفعله، فقال: ما كنت أدع سنة النبي عَّ لقول أحد (فهذا بين أن من جمع بينهما كان
متمتعًا عندهم) تمتعًا لغويًا (وأن هذا هو الذي فعله النبي عَّةٍ ووافقه عثمن على أنه فعله، لكن
النزاع بينهما هل ذلك الأفضل في حقنا أم لا؟) وقد سبق أن فعل علي لبيان الجواز لا ينافي
أن الإفراد أفضل.
(فقد اتفق علي وعثمن على أنه عليه الصلاة والسلام تمتع، وأن المراد بالتمتع عندهم
القران) إذ الإحرام بهما جميعًا قران (وأيضًا؛ فإنه عليه الصلاة والسلام قد تمتع تمتع قران
باعتبار ترفهه) أي: عدم تعبه (بترك أحد السفرين. انتهى).
لكن في رواية البخاري عن مروان بن الحكم، قال: شهدت عثمن وعليًا وعثمن ينهى عن
المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى ذلك عليّ أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة.
قال الحافظ: قوله: وأن يجمع بينهما يحتمل أن الواو عاطفة فيكون قد نهى عن التمتع
والقران معًا، ويحتمل أنه عطف تفسير، لأنهم يطلقون على القران تمتعًا، فيكون المراد أن يجمع
بينهما قرانًا أو إيقاعًا لهما في سنة واحدة، بتقديم العمرة على الحج.
وقد رواه النسائي عن ابن المسيب: نهى عن التمتع فلبى علي وأصحابه بالعمرة فلم ينههم
عثمن، فقال علي: ألم تسمع رسول اللّه عَّله تمتع؟، قال: بلى وفيه إشاعة العالم ما عنده من العلم
وإظهاره ومناظرة ولاة الأمور في تحقيقه لمن قوي على ذلك لقصد نصح المسلمين والبيان
بالفعل مع القول، وجواز الاستنباط من النص لأن عثمن لم يخف عليه جواز التمتع والقران، وإنما
نهى عنهما ليعمل بالأفضل كما وقع لعمر، لكن خشي عليّ أن يحمل غيره النهي على التحريم
فأشاع ذلك، فكل منهما مجتهد مأجور.
(وفي فتح الباري عن أحمد أن من ساق الهدي فالقران له أفضل ليوافق فعل
النبي عَّه، ومن لم يسق الهدي فالتمتع له أفضل ليوافق ما تمناه وأمر به أصحابه) والمشهور
عن أحمد: فضل التمتع مطلقًا، إلى هنا ما نقله من الفتح.

٣٥١
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّلـ
وأما من قال: إنه عَِّ حج مفردًا ثم اعتمر عقبه من التنعيم أو غيره فهو
غلط، لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أهل
الحديث. قاله ابن تيمية.
وأما من قال: إنه حج متمتعًا، حل فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم التروية
بالحج مع سوق الهدي فحجته حديث معاوية أنه قصر عن رأس النبي عَّه.
بمشقص على المروة، وحديثه في الصحيحين، ولا يمكن أن يكون هذا في غير
حجة الوداع، لأن معاوية أسلم بعد الفتح، والنبي عَّه لم يكن زمن الفتح محرمًا،
ولا يمكن أن يكون في عمرة الجعرانة لوجهين: أحدهما، أنه في بعض ألفاظ
الصحيح ((وذلك في حجته))، الثاني: أن في رواية النسائي بإسناد صحيح: ((وذلك
في أيام العشر)) وهذا إنما كان في حجته، ولكن هذا مما أنكره الناس على معاوية
(وأما من قال: إنه عَ ل حج مفردًا، ثم اعتمر عقبه من التنعيم أو غيره فهو غلط لم يقله
أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة الأربعة ولا أحد من أهل الحديث، قاله ابن تيمية)
الحافظ أحمد أبو العباس المشهور.
(وأما من قال: إنه حج متمتعًا حل فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم التروية) ثامن الحجة
(بالحج مع سوق الهدي، فحجته حديث معوية) بن أبي سفين (أنه) أي: معوية (قصر عن رأس
النبي عَّهِ بمشقص) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح القاف فمهملة، قال الجوهري وابن
دريد: نصل طويل عريض، وقال عياض: نصل السهم الطويل غير العريض، وكذا قال النووي
وابن الأثير (على المروة) بمكة.
(وحديثه في الصحيحين) وأبي داود والنسائي عن ابن عباس أن مطوية بن أبي سفين
أخبره، قال: قصرت عن النبي عَّه بمشقص على المروة، أو رأيته يقصر عنه على المروة بمشقص،
وفي رواية عن ابن عباس: أن معوية قال له: أما علمت أني قصرت عن رسول اللّه عَلِ بمشقص
أعرابي على المروة لحجته، أي: لعمرته، سميت حجًا لأن معناها القصد (ولا يمكن أن يكون
هذا في غير حجة الوداع، لأن معوية أسلم بعد الفتح) لمكة (والنبي عَّه زمن الفتح لم
يكن محرمًا، ولا يمكن أن يكون في عمرة الجعرانة) كما ادعاه النووي (لوجهين:)
(أحدهما: أنه في بعض ألفاظ الصحيح وذلك في حجته) وعمرة الجعرانة كانت سنة ثمان بعد
انصرافه من قسم غنائم حنين.
(الثاني: أن في رواية النسائي بإسناد صحيح وذلك في أيام العشر، وهذا إنما كان في

٣٥٢
النّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ.
وغلطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ابن عمر في قوله: إنه اعتمر في رجب كما
سيأتي. وسائر الأحاديث الصحيحة كلها تدل على أنه عٍَّ لم يحل من إحرامه
إلى يوم النحر، وبذلك أخبر عن نفسه بقوله: ((لولا أن معي الهدي لأحللت)) وقوله:
((إني سقت الهدي وقرنت فلا أحل حتى أنحر))، وهذا خبر عنه لا يدخله
الوهم ولا الغلط، بخلاف خبر غيره عنه. قاله في زاد المعاد.
وأما اختلاف الروايات عنه عَِّ في إهلاله، هل هو بالحج أو بالعمرة أو
القران، والجمع بينها، فكل تأول بما يناسب مذهبه الذي قدمته.
قال البغوي: والذي ذكره الشافعي في كتاب ((اختلاف الأحاديث)) كلامًا
موجزة: ((أن أصحاب رسول الله عَّ كان منهم المفرد والقارن والمتمتع، وكل كان
يأخذ عنه أمر نسكه، ويصدر عن تعليمه، فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر بها
وأذن فيها، ويجوز في لغة الغرب إضافة الفعل إلى الآمر به، كما يجوز إضافته إلى
حجته) إذ المراد عشر ذي الحجة (ولكن هذا مما أنكره الناس على مغوية وغلطوه فيه،
وأصابه فيه ما أصاب ابن عمر في قوله: إنه) عَِّ (اعتمر في رجب، كما سيأتي) أن عائشة
غلطته (وسائر الأحاديث الصحيحة كلها) مبتدأ خبره (تدل على أنه عٍَّ لم يحل من إحرامه
إلى يوم النحر) سواء قيل: إنه أفرد أو قرن أو تمتع (وبذلك أخبر عن نفسه بقوله: ((لولا أن معي
الهدي لأحللت))، وقوله: ((إني سقت الهدي وقرنت فلا أحل حتى أنحر))) كذا رواه أبو داود
والنسائي من حديث البراء وأعله البيهقي بأنه ساقه في قصة علي، وقد رواها أنس في البخاري
وجابر في مسلم وليس فيهما لفظ وقرنت (وهذا خبر عن نفسه لا يدخله الوهم ولا الغلط
بخلاف خبر غيره عنه، قاله في زاد المعاد) في هدى خير العباد لابن القيم، وأوله قوله: وأما
من قال إنه حج مفردًا ثم اعتمر.
(وأما اختلاف الروايات عنه عَّةٍ في إهلاله هل هو بالحج) وحده (أو بالعمرة أو
القرآن والجمع بينهما) عطف على اختلاف (فكل تأول بما يناسب مذهبه الذي قدمته) من
الخلاف في أي الأوجه الثلاثة أفضل مع الإجماع على جواز كل كما قال غير واحد.
(قال البغوي: والذي ذكره الشافعي في كتاب اختلاف الأحاديث كلامًا موجزه) أي:
ملخصه (أن أصحاب رسول اللَّه عَالٍ كان منهم المفرد والقارن والمتمتع) كما قالت عائشة
وغيرها: (وكل كان يأخذ عنه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه، فأضيف الكل إليه على معنى أنه
أمر بها) أي: بالأوجه الثلاثة (وأذن فيها) ليدل على جواز جميعها، إذ لو أمر بواحد لظن أن

٣٥٣
النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره ◌ُ
الفاعل له، كما يقال: بنى فلان دارًا، ويريد أنه أمر ببنائه، وكما روي أنه عليه
السلام رجم ماعزًا، وإنما أمر برجمه، ثم احتج بأنه عليه السلام كان أفرد الحج.
انتهى، وقال الخطابي نحوه.
وقال النووي: كان عَِّ أولاً مفردًا، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها
على الحج، فمن روى الإفراد فهو الأصل، يعني حمله على ما أهلَّ به أول الحال،
ومن روى القران أراد ما استقر عليه أمره، ومن روى التمتع أراد به التمتع اللغوي
والارتفاق، فقد ارتفق بالقران كارتفاق التمتع وزيادة، وهو الاقتصار على فعل
واحد.
غيره لا يجزى (ويجوز في لغة العرب إضافة الفعل إلى الآمر به) اسم فاعل (كما يجوز
إضافته) أي: نسبته (إلى الفاعل له، كما يقال: بنى فلان دارًا، ويريد) القائل (أنه) أي: القائل
(أمر ببنائه) وضرب الأمير فلانًا إذا أمر بضربه.
(وكما روي أنه عليه السلام رجم ماعزًا، وإنما أمر برجمه) وقطع سارق رداء صفوان،
وإنما أمر بذلك ومثله كثير في الكلام كما في كلام الشافعي (ثم احتج) لترجيح الإفراد ولهذا
الجمع الحسن (بأنه عليه السلام كان أفرد الحج. انتهى، وقال الخطابي نحوه) نقلاً عن
ملخص الكتاب المذكور للشافعي، ورجح أنه أفرد الحج.
قال الحافظ: وهذا هو المشهور عند المالكية والشافعية، وقد بسط الشافعي القول فيه في
اختلاف الحديث وغيره، ورجح أنه عَِّ أحرم إحرامًا مطلقًا ينتظر ما يؤمر به، فنزل الحكم بذلك
عليه وهو على الصفا. انتهى، وهذا خلاف ما نقله البغوي والخطابي وعياض والنووي وغيرهم
عن الشافعي؛ أنه رجح أنه عَّ أفرد الحج.
وقال عياض: به تظاهرت الروايات الصحيحة، ومن قال: أحرم إحرامًا مطلقًا لا يصح قوله،
لأن رواية جابر وغيره من الصحابة مصرحة بخلافه. انتهى.
(وقال النووي) فيما نقله عن عياض: (كان ◌َّ أولاً مفردًا، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك
وأدخلها على الحج) وذلك خاص به وبأصحابه في تلك الحجة فقط عند الجمهور، وقال
أحمد: بل عام لكل المسلمين في كل عام.
(فمن روى الإفراد فهو الأصل، يعني حمله على ما أهلُّ به أول الحال، ومن روى
القران أراد ما استقر عليه أمره، ومن روى التمتع أراد به التمتع اللغوي والارتفاق) عطف
تفسير (فقد ارتفق بالقران كارتفاق التمتع وزيادة وهو الاقتصار على فعل واحد) في الطواف،
والسعي.

٣٥٤
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ليه
وقال غيره: أراد بالتمتع ما أمر به غيره.
قالوا: وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها ويزول عنها الاضطراب والتناقض.
وقالت طائفة: إنما أحرم عَِّ قارنًا ابتداء بالعمرة والحج واحتجوا بأحاديث
صحيحة تزيد على العشرين، منها حديث أنس في صحيح مسلم سمعت
رسول الله عَّةٍ أهل بهما: ((لبيك عمرة وحجًا)) ورواه عن أنس ستة عشر نفسًا من
الثقات، كلهم متفقون عن أنس بلفظ أن النبي عَّرِ كان إهلاله بحج وعمرة معًا.
(وقال غيره) كعياض: (أراد بالتمتع ما أمر به غيره) لأنه صرح بقوله: ((ولولا أن معي
الهدي لأحللت))، فصح أنه لم يتحلل. انتهى كلام عياض.
(قالوا: وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها ويزول عنها الاضطراب والتناقض) قال
الحافظ: هو المعتمد، وقد سبق إليه قديمًا ابن المنذر وبينه ابن حزم بيانًا شافيًا ومهده المحب
الطبري تمهيدًا بالغًا. انتهى.
والأولى الجمع الأول الذي للشافعي، ومن وافقه من أن إضافة القران والتمتع اتساعًا لكونه
أمر بهما، وأن الراجح أنه كان مفردًا، فإن ظاهر هذا ترجيح أنه بقي على إفراده.
(وقالت طائفة: إنما أحرم ◌َّهِ قارنًا ابتداء بالعمرة والحج) معًا (واحتجوا بأحاديث
صحيحة تزيد على العشرين، منها حديث أنس في صحيح مسلم: سمعت رسول اللَّه عَّ له.
أهلَّ بهما: ((لبيك عمرة وحجًا))، ورواه عن أنس ستة عشر نفسًا من الثقات، كلهم متفقون عن
أنس بلفظ: أن النبي عٍَّ كان إهلاله بحج وعمرة معًا) لكن في الصحيحين أن ابن عمر أنكر
ذلك على أنس.
قال الحافظ: يمكن أن محل إنكاره كونه نقل أنه أهل بهما معًا، والمعروف عنده أنه
أدخل أحد النسكين على الآخر.
وقال البيهقي: إنه اختلف فيه على أنس، فروي عنه هكذا، وروي أنه سمعهم يصرخون
بهما جميعًا، قال: فلعله سمع النبي عَّهِ يعلم غيره كيف يهل بالقران، فظن أنه عن نفسه، ومن
العلماء من جمع بين الأحاديث على نمط آخر مع موافقته على أنه كان قارنًا، كالطحاوي
وابن حبان وغيرهما، فقالوا: أهل أولاً بعمرة، ثم لم يتحلل منها حتى أدخل عليها الحج يوم
التروية، لكن الجزم بأنه بدأ بالعمرة مرجوح، ثم قال: والذي يظهر لي أن من أنكر القران من
الصحابة نفى أن يكون أهل بهما جميعًا أولاً، ولا ينفي أنه أهل بالحج مفردًا، ثم أدخل عليه
العمرة، فيجتمع القولان كما تقدم. انتهى، وهو مبني على مختاره من ترجيح الجمع الثاني.

٣٥٥
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّهِ.
وأما من قال: إنه عليه الصلاة والسلام أهل بالعمرة وأدخل عليها الحج،
فحجته ما في البخاري من حديث ابن عمر قال: تمتع رسول الله عَلَّه في حجة
الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ عد اله
فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج.
وقد تقدم في الأحاديث الكثيرة الصريحة أنه عَّ بدأ بالإهلال بالحج ثم
أدخل عليه العمرة، وهذا عكسه.
والمشكل في هذا الحديث قوله: بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج.
وأجيب عنه: بأن المراد به صورة الإهلال، أي لما أدخل العمرة على الحج
لبی بهما فقال: ((لبيك بعمرة وحج معًا)».
ومذهب الشافعي: أنه لو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف صح، وصار
قارنًا، ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة ففيه قولان للشافعي، أصحهما: لا
. يصح إحرامه بالعمرة، لأن الحج أقوى منها لاختصاصه بالوقوف والرمي. والضعيف
لا يدخل على القوي. انتهى.
(وأما من قال: إنه عليه الصلاة والسلام أهل بالعمرة وأدخل عليها الحج، فحجته ما
في البخاري) ومسلم وأبي داود والنسائي (من حديث ابن عمر، قال: تمتع رسول اللَّه عَّ في
حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) تمتعًا لغويًا وهو القران (وأهدى وساق معه الهدي من ذي
الحليفة) والدليل على أن المراد اللغوي قوله: (وبدأ عَّة. فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج) وتمتع
الناس معه بالعمرة إلى الحج ... الحديث.
(وقد تقدم في الأحاديث الكثيرة الصريحة أنه عَّ بدأ بالإهلال بالحج، ثم أدخل
عليه العمرة وهذا عكسه) قال الحافظ: فهو مرجوح (والمشكل في هذا الحديث قوله: فأهل
بالعمرة ثم أهل بالحج، وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال، أي: لما أدخل العمرة
على الحج لبى بهما، فقال: ((لبيك بعمرة وحج معًا)) لأن القارن إذا سمى قدم العمرة.
قال الشيخ ولي الدين: وهذا الجواب بعيد من لفظ الحديث.
(ومذهب الشافعي أنه لو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف صح وصار قارنًا) زاد
المالكية صحته: ولو أردفه بطوافها (ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة، ففيه قولان
للشافعي، أصحهما: لا يصح إحرامه بالعمرة) وهو مذهب لملك (لأن الحج أقوى منها
لاختصاصه بالوقوف والرمي، والضعيف لا يدخل على القوي. انتهى).

٣٥٦
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَلـ
وعن ابن عباس قال: صلى عَِّ الظهر بذي الحليفة، ثم دعى بناقته فأُشعرها
في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين. رواه مسلم وأبو داود.
وفي رواية الترمذي: قلد نعلين، وأشعر الهدي في الشق الأيمن، بذي
الحليفة، وأماط عنه الدم.
وفي رواية لأبي داود بمعناه، وقال: ثم سلت الدم بيده، وفي أخرى
بأصبعه.
وعند النسائي: أشعر بدنه من الجانب الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين.
وأجابوا عن أحاديث إدخالها عليه، وفسخ الحج إلى العمرة؛ بأنه كان خاصًا بهم في تلك
السنة لضرورة بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج، كما صح عن بعض الصحابة التصريح
بالاختصاص خلافًا لأحمد ومن وافقه، وقد أجاب البيهقي عن جميع الأحاديث التي فيها أنه
كان قارنًا أو متمتعًا واحدًا واحدًا، وادعى في الفتح أنه لا يخفى ما في أجوبته من التعسف.
(وعن ابن عباس قال: صلى) رسول الله (عَّةِ الظهر بذي الحليفة:) ميقات المدينة
(ثم دعى بناقته) أي: أمر بإحضارها، وفي رواية أبي داود: ببدنته، وفي نسخة منه: ببدنة بلا
إضافة (فأشعرها) شق (في صفحة) أي: جانب (سنامها) شقا بالشفرة وهي السكين العريض
(الأيمن) صفة صفحة، فذكره لمجاورته لسنام وهو مذكر أو على تأويل صفحة بجانب، وبه جزم
النووي، فقال: وصف لمعنى صفحة لا للفظها (وسلت) ولأبي داود: ثم سلت (الدم عنها) أي:
مسحه وأزاله، وأصل السلت القطع (وقددها نعلين) من النعال التي تلبس في الإحرام، أي: علقها
في عنقهما، فجعلهما كالقلادة لها ليعلم أنها هدي، وفي رواية أبي داود: بنعلين وحده (رواه
مسلم) واللفظ له (وأبو داود) بلفظ: بدنة وثم سلت وقال بنعلين كما علم.
(وفي رواية الترمذي) لحديث ابن عباس المذكور، وقال: حسن صحيح (قلد نعلين
وأشعر الهدى) مفعول قلد وأشعر (في الشق الأيمن بذي الحليفة وأماط:) أزال (عنه الدم).
(وفي رواية لأبي داود بمعناه، وقال: ثم سلت الدم بيده) فزاد لفظ بيده (وفي أخرى)
لأبي داود: (بأصبعه) يحتمل بحائل وبدونه، والنهي عن التضمخ بالنجاسة إذا كان عبئًا وهذا
لحاجة.
(وعند النسائي: أشعر بدنه) جمع بدنة، فإفرادها في السابقة على إرادة الجنس (من
الجانب الأيمن وسلت الدم عنها) إكرامًا لها، لأنه إذا لم يمسح بقي حرمه عليها فيكره منظره
وقد يؤذيها (وقلدها نعلين) أي: قلد كلا منها نعلين.

٣٥٧
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّل
وفي أخرى: أمر ببدنه فأشعر في سنامها من الشق الأيمن ثم سلت عنها الدم
وقلدها نعلين.
وكان حجه معَّلَّه على رحل رث يساوي أربعة دراهم. رواه الترمذي في
الشمائل وابن ماجه من حديث أنس، والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس.
(وفي أخرى: أمر ببدنة) أي: بإحضارها (فأشعر) عَِّ (في سنامها من الشق الأيمن ثم
سلت عنها الدم وقلدها نعلين) وفيه أن الإشعار سنة، وبه قال العلماء: إلاَّ أبا حنيفة فقال مثله
وخالفه صاحباه ووافقا الكافة.
وحكى عن إبراهيم النخعي مثل قول أبي حنيفة وقد بالغوا في الإنكار عليه وقالوا: كيف
يقال مثلة في شيء فعله النبي عَّه بعد نهيه عن المثلة بزمان، فإنما المثلة قطع عضو من البهيمة
للتعذيب أو للأكل، كما كانوا يجبون أسنمة الإبل وأليات الغنم والبهيمة حية فتعذب بذلك، وإنما
الإشعار كالكي والوشم، فكما جاز ذلك ليعلم أنه ملك صاحبه جاز الإشعار ليعلم أنها هدي،
فتتميز عن غيرها وتصان فلا يتعرض لها حتى تبلغ المحل، وفيه أنه في الصفحة اليمنى، وبه قال
الشافعي والجمهور.
وقال ابن عمر ولملك: تشعر في الأيسر وجاء عن أحمد كالمذهبين.
قال الأبي، قيل: كان الإشعار والتقليد من عادة الجاهلية ليعلم أنه هدي خارج عن ملك
المهدي فلا يتعرض له السراق وأصحاب الغارات، فلما جاء الإسلام رأى في ذلك معنى صحيحًا
فأقره.
(وكان حجه عَّله) راكبًا (على رحل) بفتح الراء وسكون المهملة للبعير، كالسرج للفرس
(رث) بفتح الراء ومثلثة، أي: بال خلق (يساوي أربعة دراهم) فضة، لأنه في أعظم مواطن
التواضع، إذ الحج حالة تجرد وإقلاع وخروج من المواطن سفرًا إلى الله تعالى، ألا ترى إلى ما
فيه من الإحرام، ومعناه إحرام النفس من الملابس تشبيهًا بالفارين إلى اللّه والتذكر بموقف القيامة،
فكان التواضع في هذا المقام من أعظم المحاسن، هذا مع أنه عليه السلام أهدى مائة بدنة.
(رواه الترمذي في الشمائل وابن ماجه من حديث أنس) أن النبي معَّه حج على رحل
رث وقطيفة كنا نرى ثمنها أربعة دراهم، فلما استوت به راحلته، قال: ((لبيك بحجة لا سمعة فيها
ولا رياء»، هذا لفظ الشمائل ورواه قبل ذلك عن أنس، قال: حج رسول اللَّه عَلَّه على رحل رث،
وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال: ((اللهم اجعله حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة).
ولفظ ابن ماجه عن أنس قال: حج النبي عَّه على رحل رث وقطيفة تساوي أربعة دراهم
أو لا تساوي، وقال: ((اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة)»، فإنما الكلام في القطيفة التي على

٣٥٨
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ليه
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله عَّ حجاجًا حتى إذا
كنا بالعرج نزل رسول الله عَّه ونزلنا، فجلست عائشة إلى جنب رسول الله عَّهِ،
وجلست إلى جنب أبي بكر، وكانت زمالة رسول الله علّه وزمالة أبي بكر واحدة،
مع غلام لأبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع عليه وليس معه
بعيره، فقال له أبو بكر: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة. قال أبو بكر: بعير واحد
تضله؟ فطفق يضربه ورسول الله عَّله يبتسم ويقول: ((انظروا إلى هذا المحرم ما
الرحل لا الرحل نفسه كما أوهمه المصنف، فهو من الاختصار المخل، والرواية الثانية في
الشمائل لا تساوي بحرف النفي.
قال المصنف على الشمائل، فرواية: كنا نرى ثمنها أربعة دراهم تسامع والتحقيق ما سبق
أنها لا تساويها، وزعم تعدد القصة ممنوع لأنه لم يحج إلاَّ مرة واحدة، ثم حديث أنس هذا في
إسناده ضعف (و) لكن له شاهد رواه (الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس) بإسناد
ضعيف أيضًا، لكن باجتماعهما تحصل القوّة.
(وعن أسماء بنت أبي بكر) الصديق (قالت: خرجنا مع رسول اللَّه عَلـ حجاجًا) في
حجة الوداع (حتى إذا كنا بالعرج) بفتح العين وإسكان الراء المهملتين وجيم قرية جامعة على
أيام من المدينة، قاله ابن الأثير وغيره: (نزل رسول اللَّه عَّ ونزلنا، فجلست عائشة إلى جنب
رسول اللَّه عَِّ وجلست) أنا (إلى جنب أبي بكر) فيه أنه لا بأس بجلوس المرأة إلى جنب
زوجها بحضور أبيها (وكانت زمالة رسول اللَّه عَلتك وزمالة أبي بكر واحدة) بكسر الزاي، أي:
مركوبهما وأداتهما وما كان معهما في السفر، قاله في النهاية.
قال الولي العراقي: وهو مضبوط في أصلنا من سنن أبي داود بضم الزاي، ولم يذكر
الجوهري هذه اللفظة أصلاً، بل ذكر هو وغيره أن الزاملة بعير يستظهر به الرجل بحمل متاعه
وطعامه عليه (مع غلام لأبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع عليه وليس معه
بعيره، فقال له أبو بكر: أين بعيرك؟) إضافة إليه لأنه القائد له الموكل على حفظه (قال: أضللته)
أي: أضعته، يقال ضلل الشيء إذا ضاع وأضله، أي: أضاعه (البارحة) أي: أقرب ليلة مضت من
برح إذا زال.
(قال أبو بكر: بعير واحد تضله) تضيعه (فطفق) بكسر الفاء مضارعة بفتحها، أي: شرع
(يضربه) تأديبًا له، ففيه جواز ضرب السيد عبده للتأديب، والظاهر أن أبا بكر إنما ضربه لأجل
تضييعه حوائج النبي عَّهِ، فكان في ذلك منتقمًا لغيره، قاله الولي (ورسول اللَّه عَّه يبتسم) دون
الضحك وهو أوله (ويقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع وما يزيد على ذلك ويبتسم)

٣٥٩
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره ێ.
يصنع))، وما يزيد على ذلك ويبتسم. رواه أبو داود.
وخرج معه عَّةٍ أصحابه لا يعرفون إلا الحج - كما قالت عائشة - فبين لهم
عليه السلام وجوه الإحرام وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحج فقال: (من أحب أن
يهل بعمرة فليهل، ومن أحب أن يهل بحج فليهل)). رواه البخاري.
ولأحمد: ((من شاء فليهل بعمرة)).
ولما بلغ عَِّ الأبواء أو ودان، أهدى له الصعب بن جثامة حمارًا وحشيًا
ليخفض أبا بكر ويذهب غيظه (رواه أبو داود) وابن ماجه وفيه ابن إسحق، وقد رواه بالعنعنة
وجاء أن آل فضالة الأسلمي لما بلغهم أن زاملته عَّةٍ ضلت حملوا له حقة من حيس، فوضعوها
بين يديه، فجعل يقول: هلم يا أبا بكر فقد جاء اللَّه بغداء طيب، وجعل أبو بكر يغتاظ على
الغلام، فقال عليه السلام: ((هوّن عليك فإن الأمر ليس لك ولا إلينا معك)).
وروي أن سعدًا وأبا قيس جاءا ومعهما زاملة تحمل زادًا، فقال سعد: يا رسول اللَّه بلغنا أن
زاملتك ضلت، فقال: قد جاء اللَّه بزاملتنا فارجعا بزاملتكما بارك الله فيكما.
(وخرج معه عَّ أصحابه لا يعرفون إلاَّ الحج) على ما عهدوه من ترك الاعتمار في
أشهر الحج (كما قالت عائشة) في الصحيح، وعنها أيضًا: لا نرى إلاّ أنه الحج (فبين لهم عليه
السلام وجوه الإحرام) الثلاثة (وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحج، فقال: (من أحب) منكم
(أن يهل بعمرة) وحدها (فليهل، ومن أحب أن يهل بحج) وحده (فليهل))، رواه البخاري)
ولمسلم: ومن أراد أن يهل بحج وعمرة فليفعل.
(ولأحمد: ((من شاء فليهل بعمرة))) ومن شاء فليهل بحج (ولما بلغ) أي: وصل (عَّه
الأبواء:) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد جبل بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة
وعشرون ميلاً، سمي بذلك لتبوّىء السيول فيه لا لما فيه من الوباء، إذ لو كان كذلك لقيل
الأوباء أو هو مقلوب منه (أو ودان:) بفتح الواو وشد المهملة فألف فنون موضع قرب الجحفة أو
قرية جامعة أقرب إلى الجحفة من الأبواء بينهما ثمانية أميال والشك من الراوي، وجزم بعض
الرواة بالأبواء وبعضهم بودان (أهدى له الصعب بن جثامة) بفتح الجيم والمثلثة الثقيلة ابن قيس
بن ربيعة الليثي حليف قريش، وله أحاديث وآخِى عَِّ بينه وبين عوف بن ملك، مات في خلافة
عثمن على الأصح، وقيل: في آخر خلافة عمر، وقيل: الصديق، وغلط بأن الصعب شهد فتح
إصطخر في خلافة عمر كما رواه ابن السكن وجاء في أربع من أهل العراق يشكون الوليد بن
عقبة لعثمن في خلافته، كما رواه ابن إسحق (حمارًا وحشيًا) باتفاق الرواة عن ملك وتابعه عليه

٣٦٠
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه
فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)). رواه
البخاري ومسلم. وله في رواية: حمار وحش، وفي أخرى: من لحم حمار وحش،
وفي رواية: عجز حمار وحشي يقطر دمًا، وفي رواية: شق حمار وحش، وفي رواية:
عضو من لحم صيد.
تسعة من حفاظ أصحاب ابن شهاب (فرده) أي: الحمار (عليه) أي: الصعب (فلما رأى ما في
وجهه) من الكراهة والتغير من الكسر الحاصل له برد هديته.
(قال) عَلَّه تطييبًا لقلبه: (إنا) بكسر الهمزة بوقوعها في الابتداء (لم نرده) بفتح الدال،
رواه المحدثون وقال محققو النحاة: إنه غلط، والصواب ضم الدال كآخر المضاعف من كل
مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء،
فكأن ما قبلها ولي الواو ولا يكون ما قبل الواو إلاّ مضمومًا هذا في المذكر، أما في المؤنث مثل
ردها فبفتح الدال مراعاة للألف، قاله عياض وغيره: (عليك) لعلة من العلل (إلا) لأجل (أنا)
بالفتحِ (حرم))) بضم الحاء والراء جمع حرام والحرام المحرم، أي: محرمون (رواه البخاري) عن
عبد الله بن يوسف (ومسلم) عن يحيى النيسابوري، كلاهما عن ملك، عن ابن شهاب، عن
عبيد الله بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن الصعب (وله) أي: مسلم من طريق الليث ومعمر
وصالح عن الزهري: أهديت له (حمار وحش) كما قال الملك: غايته أنه بالإضافة.
(و) له (في أخرى) عن ابن عيينة عن الزهري: أهديت له (من لحم حمار وحش).
(وفي رواية) لمسلم أيضًا عن شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:
أهدى الصعب بن جثامة إلى النبي معَ ◌ّهِ (عجز حمار وحشي يقطر دمًا) كأنه صيد في ذلك
الوقت.
(وفي رواية) لمسلم عن شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، عن ابن عباس:
أهدی (شق حمار وحش).
(وفي رواية) لمسلم أيضًا عن طاوس، عن ابن عباس قال: قدم زيد بن أرقم، فقال له
ابن عباس ليستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدى إلى النبي عَّ وهو حرام، فقال:
أهدي له عَّهِ (عضو من لحم صيد) فرده فقال: إنا لا نأكله، إنا حرم، وله أيضًا في رواية
منصور عن الحكم: رجل حمار، فهذه الروايات صريحة في أنه عقير وأنه إنما أهدى بعضه
لا كله، ولا معارضة بين رجل وعجز، وشق لحمله على أنه أهدى رجلاً معها الفخذ وبعض
جانب الذبيحة وعضو مبهم يرد لما بين، فمنهم من رجح رواية لملك وموافقيه.
قال الشافعي في الأم حديث لملك: إن الصعب أهدى حمارًا أثبت من حديث من روى أنه