Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
الفصل الخامس في صومه عٍَّ أيام الأسبوع
إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده.
قال النووي: وأما قول مالك في الموطأ ((لم أسمع أحدًا من أهل العلم
والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، فقد رأيت بعض
أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه فهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره
خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم
يوم الجمعة فتعين القول به، ومالك معذور فإنه لم يبلغه. قال الداودي من أصحاب
مالك: ولم يبلغ مالكًا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه.
قالوا: واستحباب الفطر يوم الجمعة ليكون أعون له على وظائف العبادات
المشروعة في الجمعة، وأدائها بنشاط وانشراح لها، والتلذذ بها من غير ملل ولا
سآمة كالحاج بعرفة.
التناول وهو يقتضي أنه عم صومه على كل وجه، وإلاَّ لما دخل المفترض حتى يستثنى، فإنه
لا إفراد فيه (قالوا: ونظير هذا أنّه عَِّ نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم، إلاّ أن يصوم يومًا
قبله أو يومًا بعده) كما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلاّ
أن يصوم يومًا قبله أو بعده)).
(قال النووي: وأما قول ملك في الموطأ: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه)
الاجتهاد (ومن يقتدي به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن) أي مستحب لحديث
ابن مسعود: كان عَبِّ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقلما رأيته يفطر يوم الجمعة، ورواه
الترمذي وحسنه وصححه أبو عمر (وقد رأيت بعض أهل العلم) قيل: إنه محمد بن المنكدر،
وقيل: صفوان بن سليم (يصومه وأراه:) بضم الهمزة أظنه (كان يتحراه) يقصده.
قال الباجي: أراد به الإخبار لا الاختيار لرواية ابن القسم عنه كراهة صوم يوم موقت أو
شهر (فهذا الذي قاله هو الذي رآه وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو والسنة مقدمة على ما رآه
هو وغيره وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة) وهو للتنزيه (فتعين القول به ولملك معذور فإنه
لم يبلغه).
(قال الداودي من أصحاب ملك) أي: أهل مذهبه (ولم يبلغ مالكًا الحديث، ولو بلغه
لم يخالفه، قالوا: واستحباب الفطر يوم الجمعة ليكون أعون له على وظائف العبادات
المشروعة في الجمعة وأدائها بنشاط وانشراح لها والتلذذ بها من غير ملل ولا سآمة
كالحاج بعرفة) ولا يشكل عليه أن كراهة صوم يوم عرفة للحاج لا تزول بصوم يوم قبله، لأن

٣٠٢
الفصل السادس في صومه عَّة الأيام البيض
فإن قلت: لو كان كذلك لم يزل النهي والكراهة بصوم يوم قبله أو بعده
لبقاء المعنى، فالجواب: أنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر
ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه، والله أعلم.
الفصل السادس
في صومه عَُّ الأيام البيض
وهي التي يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره، وهي: ثلاث عشرة،
وأربع عشرة وخمس عشرة، وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام، لأن
ليلها أبيض ونهارها أبيض فصح قول من قال: الأيام البيض، على الوصف، واليوم
الكامل هو النهار بليلته. وفيه رد لقول الجواليقي: من قال الأيام البيض فجعل
البيض صفة الأيام فقد أخطأ. والله أعلم.
في اليوم الذي قبله اشتغالاً بالتروية، والإحرام بالحج لمن لم يكن أحرم ففيه شيء من معنى يوم
عرفة.
(فإن قلت: لو كان كذلك لم يزل النهي والكراهة بصيام يوم قبله أو بعده لبقاء
المعنى، والجواب أنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده، ما يجبر ما قد يحصل له
من فتور أو تقصير في وظائف الجمعة بسبب صومه، والله أعلم) وهو جواب لين، والأولى
التعليل بالاتباع.
وفي المستدرك مرفوعًا: يوم الجمعة عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلاّ أن
تصوموا قبله أو بعده، فقيل: علة النهي كونه عيدًا لهذا الحديث.
(الفصل السادس: في صومه عَّ الأيام البيض، وهي التي يكون فيها القمر) أي
يوجد أو موجودًا (من أول الليل إلى آخره) فسميت بيضًا لابيضاضها ليلاً بالقمر ونهارًا
بالشمس، وقيل: لأن اللَّه تاب فيها على ءادم وبيض صحيفته (وهي) كما قال البخاري (ثلاث
عشرة) أي: اليوم المتمم لها (وأربع عشرة وخمس عشرة) وللكشميهني ثلاثة عشر وأربعة عشر
وخمسة عشر، وهذا باعتبار الأيام والأول باعتبار الليالي (وليس في الشهر يوم أبيض كله)
بليلته (إلاَّ هذه الأيام، لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض، فصح قول من قال: الأيام البيض
على الوصف واليوم الكامل هو النهار بليلته، وفيه رد على الجواليقي:) بفتح الجيم نسبة
إلى الجواليق جمع جوالق بضم الجيم وكسر اللام وبالقاف (من قال: الأيام البيض فجعل
البيض صفة الأيام فقد أخطأ، واللَّه أعلم).

٣٠٣
الفصل السادس في صومه عَّهِ الأيام البيض
عن ابن عباس قال: كان رسول الله عَ لّه لا يفطر أيام البيض في حضر ولا
سفر. رواه النسائي.
وعن حفصة: أربع لم يكن النبي عَّ يدعهن: صيام عاشوراء، والعشر، وأيام
البيض من كل شهر، وركعتا الفجر، رواه أحمد.
وعن معاذة العدوية: أنها سألت عائشة: أكان رسول الله عَّله يصوم من كل
شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقالت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: ما
هكذا قاله في فتح الباري وتعقبه العيني بأنه لا يصح قوله اليوم الكامل هو النهار بليلته،
لأن اليوم الكامل لغة من طلوع الشمس إلى غروبها وشرعًا من طلوع الفجر الصادق ولا دخل
لليلة في حد النهار، وقوله: ونهارها أبيض يقتضي أن بياض نهار أيام البيض من بياض الليلة،
وليس كذلك، لأن بياضٍ الأيام كلها بالذات وأيام الشهر كلها بيض، فسقط قوله: وليس في
الشهر يوم أبيض كله إلاّ هذه الأيام.
قال المصنف: وما قاله في الفتح سبقه إليه ابن المنير، فقال: أنكر بعض اللغويين أن يقال:
الأيام البيض، وقال: إنما هي الليالي البيض، وإلاّ فالأيام كلها بيض وهذا وهم منه، والحديث يرد
عليه، أي ما ذكره ابن بطال عن شعبة عن أنس بن سيرين عن عبد الملك بن النهال عن أبيه،
قال: أمرني النبي عَّه بالأيام البيض وقال: (هو صوم الدهر)، قال: واليوم اسم يدخل فيه الليل
والنهار وما كل يوم أبيض بجملته إلاَّ هذه الأيام، فإن نهارها أبيض وليلها أبيض، فصارت كلها
بيضًا، قال: وأظنه سبق إلى وهمه أن اليوم هو النهار خاصة. انتهى.
قال في المصابيح: الظاهر أن مثل هذا ليس يوهم، فإن اليوم وإن كان عبارة عن الليل
والنهار جميعًا لكنه بالنسبة إلى الصوم إنما هو النهار خاصة، وعليه فكل يوم يصام هو أبيض لعموم
الضوء فيه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. انتهى.
(عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه عَّه لا يفطر أيام) الليالي (البيض في حضر ولا سفر، رواه
النسائي).
(وعن حفصة) أم المؤمنين: (أربع لم يكن النبي عَّ يدعهن) أي: لم يترك شيئًا منهن،
فالنفي لعموم السلب لا لسلب العموم (صيام عاشوراء والعشر) من ذي الحجة، أي: التسع كما
عبرت به حفصة فيما مر قريبًا: كان يصوم تسع ذي الحجة (وأيام البيض من كل شهر،
ور کعتا الفجر، رواه أحمد) بن حنبل.
(وعن معاذة) بنت عبد اللَّه (العدوية) أم الصهباء البصرية ثقة، روى لها الجميع؛ (أنها
سألت عائشة: أكان رسول اللَّه عٍَّ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟، قالت: نعم) كان يصومها،

٣٠٤
الفصل السادس في صومه عَّةِ الأيام البيض
كان يبالي من أي أيام الشهر يصوم. رواه مسلم.
قال بعضهم: لعله عَّهِ لم يواظب على ثلاثة معينة لئلا يظن تعيينها.
قال: وقد جعل الله تعالى صيام هذه الثلاثة أيام من الشهر بمنزلة صيام الدهر،
لأن الحسنة بعشر أمثالها.
وقد روى أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة من حديث ابن مسعود قال:
كان النبي عَّهِ يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر.
وقد تحصل أن صيامه عَِّ في الشهر على أوجه:
الأول: أنه كان يصوم أول اثنين من الشهر، ثم الخميس ثم الخميس الذي
يليه، رواه النسائي.
الثاني: أنه كان يصوم من الشهر السبت والأحد والإثنين، ومن الشهر الآخر:
الثلاثاء والأربعاء والخميس. رواه الترمذي.
لأن صومها يعدل صيام الدهر (فقالت لها: من أي شهر كان يصوم؟، قالت: لم يكن يبالي من
أي أيام الشهر يصوم، رواه مسلم) وبه جمع البيهقي بين أحاديث غير عائشة المعينة المختلفة
التعيين، فقال: كل من رآه فعل نوعًا ذكره، ورأت عائشة جميع ذلك فأطلقت: ونحوه قول
المصنف.
(قال بعضهم: لعله عٍَّ لم يواظب على ثلاثة معينة لئلا يظن تعيينها، قال: وقد جعل
الله تعالى صيام هذه الثلاثة أيام من الشهر بمنزلة صيام الدهر، لأن الحسنة بعشرة أمثالها)
وأصله قوله عَّالِ: ((ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان، فذلك صيام الدهر))، رواه مسلم.
وفي الصحيحين قوله عَّلِّ لعبد الله بن عمرو: ((وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة
بعشرة أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر)).
(وقد روى أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة من حديث ابن مسعود، قال: كان
النبي عَّه يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر) بضم المعجمة وشد الراء، أي: أوله (وقد
تحصل) مما سبق (أن صيامه عَّةٍ في الشهر على أوجه:)
(الأول أنه كان يصوم أول اثنين من الشهر ثم الخميس) التالي له (ثم الخميس الذي
يليه) من الجمعة الثانية (رواه النسائي) عن أم سلمة.
(الثاني: أنه كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء
والأربعاء والخميس، رواه الترمذي) عن عائشة: (الثالث أيام البيض ثالث عشر ورابع عشر

٣٠٥
الفصل السادس في صومه عَّةِ الأيام البيض
الثالث: أيام البيض، ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر.
الرابع: أنه كان يصوم ثلاثة غير معينة كما. روته معاذة عن عائشة عند
مسلم.
الخامس: أنه كان يصوم ثلاثة من أول الشهر، واختاره جماعة منهم:
الحسن وهو ما رواه أصحاب السنن من حديث ابن مسعود.
قال القاضي عياض: واختار النخعي صوم ثلاثة أيام من آخر الشهر لتكون
كفارة لما مضى، واختار آخرون: أول يوم من الشهر والعاشر والعشرين، وقيل: إنه
صيام مالك بن أنس. وقال ابن شعبان من المالكية: أول يوم من الشهر والحادي
عشر، والحادي والعشرون، ونقل ذلك عن أبى الدرداء، وهو موافق لما رواه
النسائي من حديث عبد الله بن عمر (وصم من كل عشرة أيام يومًا)) وحكى
الأسنوي عن الماوردي أنه يستحب أيضًا صوم الأيام السود وهي السابع والعشرون
وخامس عشر) كما جاء تعيينها بهذه في النسائي بسند صحيح عن جرير، رفعه: صيام ثلاثة أيام
من كل شهر صيام الدهر وأيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وفي رواية: أيام
البيض بلا واو.
(الرابع: أنه كان يصوم ثلاثة غير معينة كما روته معاذة عن عائشة عند مسلم) واعتمده
ملك، فاستحب ثلاثة من كل شهر بلا تعيين.
(الخامس: أنه كان يصوم ثلاثة من أول الشهر واختاره جماعة منهم الحسن، وهو
ما رواه أصحاب السنن من حديث ابن مسعود) مبادرة بالعبادة، ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض
له.
(قال القاضي عياض: واختار النخعي) إبراهيم من التابعين: (ثلاثة أيام من آخر الشهر
لتكون ، كفارة لما مضى، واختار آخرون أول يوم من الشهر والعاشر والعشرين، وقيل: إنه
صيام لملك بن أنس، وقال ابن شعبان) محمد (من المالكية: أول يوم من الشهر والحادي
عشر والحادي والعشرون، ونقل ذلك عن أبي الدرداء) عويمر (وهو موافق لما رواه النسائي
من حديث عبد الله بن عمرو) بن العاصي: (وصم من كل عشرة أيام يومًا) وإنما يوافق أن أريد به
اليوم الأول من كل عشر، ولا دلالة في الحديث على ذلك لأنه صادق بصيام يوم من الأول إلى
آخر العشر.
(وحكى الأسنوي عن الماوردي أنه يستحب أيضًا صوم الأيام السود وهي السابع

٣٠٦
النَّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه عَِّ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
واليومان بعده.
وتترجح البيض بكونها وسط الشهر، ووسط الشيء أعدله، ولأن الكسوف
غالبًا يقع فيها وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع، فإذا اتفق الكسوف صادف
الذي يعتاد صيام البيض صائمًا، فيتهيأ له أن يجمع بين أنواع العبادات من الصيام
والصلاة والصدقة، بخلاف من لم يصمها فإنه لا يتهيأ له استدراك صيامها.
ورجح بعضهم صيام الثلاثة في أول الشهر، لأن المرء لا يدري ما يعرض له
من الموانع، والله أعلم.
النَّوعِ الخَامِس
في ذكر اعتكافه عدّسة. واجتهاده في العشر
الأخير من رمضان وتحريه ليلة القدر
اعلم أن الاعتكاف في اللغة: الحبس والمكث واللزوم.
والعشرون واليومان بعده) الذي في شرح المصنف للبخاري.
قال الماوردي: ويسن صوم أيام السود الثامن والعشرين وتالييه، وينبغي أن يصام معها
السابع والعشرون احتياطًا، وخصت أيام البيض وأيام السود بذلك لتعميم ليالي الأولى بالنور،
وليالي الثانية بالسواد، فناسب صوم الأولى شكرًا والثانية لطلب كشف السواد، ولأن الشهر
ضيف قد أشرف على الرحيل فناسب تزويده بذلك.
(وتترجح البيض بكونها وسط الشهر ووسط الشيء أعدله، ولأن الكسوف غالبًا يقع
فيها، وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع، فإذا اتفق الكسوف صادف الذي يعتاد صيام
البيض صائمًا، فيتهيأ له أن يجمع بين أنواع العبادات من الصيام والصلاة والصدقة بخلاف
من لم يصمها، فإنه لا يتهيأ له استدراك صيامها) ولا عند من يجوز صيام التطوع بغير نية من
الليل، إلاّ أن صادف الكسوف من أول النهار، قاله الحافظ.
(ورجح بعضهم صيام الثلاثة من أول الشهر، لأن المرء لا يدري ما يعرض له من
الموانع) كمرض وسفر (والله أعلم) بالحق من ذلك.
(النوع الخامس:) من الأنواع السبعة (في ذكر اعتكافه عَّه واجتهاده في العشر الأخير
من رمضان وتحريه) أي قصده (ليلة القدر) أي بذل وسعه في تحصيلها (اعلم أن الاعتكاف في اللغة
الحبس والمكث واللزوم) على الشىء خيرًا كان أو شرًا، قال تعالى:
﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة/١٨٧]، وقال سبحانه: ﴿فأتوا على قوم

٣٠٧
النَّوعِ الخَامِس في ذكر اعتكافه عَّهِ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
وفي الشرع: المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة.
ومقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والفكر في
تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق، ليكون
ذلك أنسه يوم الوحشة في القبر حين لا أنيس له.
وليس بواجب إجماعًا، إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامدًا
عند قوم.
واختلف في اشتراط الصوم له:
ومذهب الشافعي: أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف، بل يصح اعتكاف
المفطر.
وقال مالك وأبو حنيفة والأكثرون: يشترط الصوم، فلا يصح اعتكاف
المفطر.
واحتج الشافعي باعتكافه عَّه في العشر الأول من شوال. رواه البخاري
ومسلم، وبحديث عمر: أنه قال: يا رسول الله، إني قد نذرت أن أعتكف ليلة في.
يعكفون على أصنام لهم﴾ [الأعراف/١٣٨]، (وفي الشرع) المكث في المسجد) للعبادة (من
شخص مخصوص بنية بصفة مخصوصة ومقصوده وروحه) أي الأمر الذي به قوامه، بحيث إذا
فقد كان اعتكافه كعدمه، كما أن الروح إذا فارق الحيوان عدم (عكوف القلب على اللَّه تعالى
وجمعيته عليه والفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب) بالتثقيل (منه) التقريب المعنوي (فيصير
أنسه باللَّه بدلاً عن أنسه بالخلق ليكون ذلك أنسه يوم الوحشة في القبر حين لا أنيس له)
سوى الأعمال الصالحة (وليس بواجب إجماعًا إلاَّ على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه
عامدًا عند قوم) كالمالكية.
(واختلف في اشتراط الصوم له ومذهب الشافعي أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف،
بل يصح اعتكاف المفطر، وقال لملك وأبو حنيفة والأكثرون: يشترط الصوم فلا يصح
اعتكاف المفطر) ويكفي الصوم ولو نفلاً (واحتج الشافعي باعتكافه عَّ في العشر الأول
من شوال، رواه البخاري ومسلم) في آخر حديث عن عائشة، وأجيب بأن المعنى كان ابتداؤه
في العشر الأول وهو صادق بما إذا ابتدأ باليوم الثاني فلا دليل فيه.
(وبحديث عمر) بن الخطاب (أنه قال: يا رسول اللَّه إني قد نذرت أن أعتكف ليلة

٣٠٨
النَّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه عَُّله واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
الجاهلية، فقال: أوف بنذرك. رواه البخاري ومسلم، والليل ليس محلاً للصوم،
فدل على أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف.
واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة
المالكي فأجازه في كل مكان. وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها
وهو المكان المعد للصلاة فيه. وفيه قول قديم للشافعي.
وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات.
وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد.
وقال الجمهور: بعمومه في كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحبه له
في الجاهلية) فيه أن الاعتكاف من الشرائع القديمة (فقال) عَّةٍ: (أوف بنذرك، رواه البخاري
ومسلم والليل ليس محلاً للصوم، فدل على أنه ليس بصحة الاعتكاف) وأجيب بأن في
رواية لمسلم يومًا بدل ليلة، وجمع ابن حبان وغيره بينهما؛ بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن
قال: ليلة أراد بيومها، ومن قال: يومًا أراد بليلته، وقد جاء أمره بالصوم عند أبي داود والنسائي،
بلفظ: قال له النبي عَّلِ اعتكف وصم، وهو وإن كان في سنده مقال، لكنه انجبر برواية يومًا
ودعوى أنها شاذة لا تسمع، فمن شرط الشذوذ تعذر الجمع وقد أمكن.
(واتفق العلماء على مشروطية المسجد) أي: كونه شرط صحة (للاعتكاف) لقوله
تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة/١٨٧]، والمراد تجامعوهن إجماعًا،
حكاه ابن المنذر، فلو صح في غيره لم يختص تحريم المباشرة به، لأن الجماع مناف للاعتكاف
بإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن الاعتكاف لا يكون إلاّ فيها.
وقد روى ابن جرير وغيره عن قتادة في سبب نزولها: كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجل
لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء ثم رجع إلى المسجد، فنهوا عن ذلك (إلاَّ محمد بن عمر
بن لبابه) بضم اللام وخفة الموحدتين (المالكي) من قدمائهم (فأجازه في كل مكان) وهو
ضعيف (وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة
فيه، وهو قول قديم للشافعي) وله وجه في النظر، لأن المرأة عورة ومسجد بيتها ساتر لها فلا
تحرم فضيلة الاعتكاف.
(وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات)
الخمس لا المهجورة التي لا تقام فيها (وخصه أبو يوسف بالواجب منه) أي من الاعتكاف
بالنذر (وأما النفل ففي كل مسجد، وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد) لإطلاق الآية، إذ

٣٠٩
النَّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه معَّهِ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
الشافعي في الجامع. وشرطه مالك، لأن الاعتكاف عنده ينقطع بالجمعة، ويجب
الإعتكاف بالشروع عند مالك.
وخصه طائفة من السلف، كالزهري بالجامع مطلقًا، وأومأ إليه الشافعي في
القديم.
وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجدي مكة والمدينة.
وابن المسيب بمسجد المدينة.
واتفقوا على أنه لا حد لأكثره، واختلفوا في أقله، فمن شرط فيه الصيام
قال: أقله يوم، ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام في دون اليوم. حكاه ابن
قدامة. وعن مالك: يشترط عشرة أيام، وعنه: يوم أو يومان.
ومن لم يشترط الصوم قالوا: أقله ما ينطبق عليه اسم لبث، ولا يشترط
القعود.
واتفقوا على فساده بالجماع.
وقد كان سيدنا رسول الله عَّه يعتكف العشر الأواخر من رمضان. رواه
لم تخص مسجدًا (إلاَّ لمن تلزمه الجمعة) بأن يجيء زمن اعتكافه (فاستحبه له الشافعي في
الجامع وشرطه لملك، لأن الاعتكاف عنده ينقطع بالجمعة) فيجب عليه أن يخرج لها ويبطل
اعتكافه على المشهور، فإن لم يخرج لها حرم عليه وفي بطلان اعتكافه قولان (ويجب
الاعتكاف بالشروع) فيه (عند ملك، وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا)
أقيمت فيه الجمعة أم لا، فالمسجد غير الجامع لا يصح الاعتكاف فيه عنده.
(وأومأ إليه الشافعي في القديم وخصه حذيفة بن اليمان) الصحابي ابن الصحابي، مرت ترجمته غير
ما مرة (بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجدي مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد
المدينة واتفقوا على أنه لا حد لأكثره واختلفوا في أقله، فمن شرط فيه الصيام قال: أقله
يوم، ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام في دون اليوم) بأن يعتكف بعض يوم هو صائم
فيه، لأن الصيام لا يتبعض (حكاه ابن قدامة) بضم القاف.
(وعن لملك: يشترط عشرة أيام وعنه يوم أو يومان، ومن لم يشترط الصوم قالوا: أقله
ما ينطبق عليه اسم لبث) بضم اللام إقامة في المسجد وهو ما زاد على قدر الطمأنينة في
الصلاة (ولا يشترط القعود، واتفقوا على فساده بالجماع، وقد كان سيدنا رسول اللَّه عَلَه

٣١٠
النَّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه ◌ٍَّ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
البخاري ومسلم من حديث عائشة.
وعن أبي هريرة: كان رسول الله عَّلم يعتكف كل عام عشرًا، فاعتكف
عشرين في العام الذي قبض فيه. رواه البخاري.
وعن أبي سعيد الخدري أنه عَ ل اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم
اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية، ثم أطلع رأسه فقال: ((إني اعتكفت العشر
الأول ألتمس هذه الليلة - يعني ليلة القدر - ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أُنيت
يعتكف العشر الأواخر من رمضان) كلها (رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة) كلاهما من
طريق عروة ومسلم من طريق القسم، كلاهما عنها مختصرًا هكذا، وزاد في رواية لهما: حتى
توفاه اللَّه، وأخرجاه أيضًا من طريق عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة مطوّلاً وفيه قصة فلم
يصب من أومأ للاعتراض على المتن به الموهم أن ما ذكره ليس في الصحيحين مختصرًا مع أنه
فیھما.
(وعن أبي هريرة: كان رسول اللَّه عَ ﴾ يعتكف كل عام عشرًا) لفظ البخاري: يعتكف
في كل رمضان عشرة أيام.
وعند النسائي عن أبي هريرة: كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان (فاعتكف عشرين
في العام الذي قبض فيه) لفظ البخاري: فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا،
وسقط لأبي ذر لفظ: يومًا، أي: لأنه علم بانقضاء أجله فاستكثر من الأعمال الصالحة تشريعًا
لأمته أن يجتهدوا في العمل إذا بلغوا أقصى العمر ليلقوا اللَّه على خير أعمالهم، ولأنه عَِّ اعتاد
من جبريل أن يعارضه بالقرءان كل عام مرة واحدة، فلما عارضه في العام الأخير مرتين اعتكف
فيه مثل ما كان يعتكف، والظاهر من إطلاق العشرين أنها متوالية والأخير منها، فدخل العشر
الأوسط فيها (رواه البخاري) من أفراده عن مسلم.
(وعن أبي سعيد الخدري أنه قد اعتكف العشر الأول) بفتح الهمزة وشد الواو، وفي
رواية: الأول بضم الهمزة وخفة الواو (من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط) قال النووي: هكذا
هو في جميع النسخ، والمشهور في الاستعمال تأنيث العشر كما في أكثر الأحاديث العشر
الأواخر وتذكيره أيضًا لغة صحيحة باعتبار الأيام، أو باعتبار الوقت أو الزمان، ويكفي في صحبتها
ثبوتها في هذا الحديث. (في قبة:) في خيمة (تركية) صغيرة من لبود (ثم أطلع رأسه) بفتح
الهمزة وسكون الطاء، زاد في مسلم: فكلم الناس فدنوا منه (فقال: ((إني اعتكفت العشر الأول
ألتمس:) أطلب (هذه الليلة، يعني ليلة القدر، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت) بضم

٣١١
النّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه عَّةٍ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
فقيل لي إنها في العشر الأواخر فمن اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر فقد رأيت هذه الليلة ثم
أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في
كل وتر منه))، قال: فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف
الهمزة (فقيل لي:) وعند البخاري: أن جبريل أتاه في المرتين، فقال: إن الذي تطلب أمامك
بفتح الهمزة والميم، أي: قدامك (إنها في العشر الأواخر) وصفها بالجمع لأنه تصوّر في كل
ليلة من ليالي العشر الأخير ليلة القدر ولا كذلك في الأول والأوسط، فلذا وصفهما بالمفرد
(فمن اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر).
وفي رواية للشيخين: فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وإنما أمرهم بذلك لئلا
يضيع سعيهم في الاعتكاف والتحري.
وفي مسلم: من أحب منكم أن يعتكف فليعتكف فاعتكف الناس معه (فقد رأيت) بضم
الهمزة وكسر الراء مبني للمفعول، أي: أعلمت (هذه الليلة) نصب مفعولاً به لا ظرفًا، أي:
أريت ليلة القدر، وجؤَّز الباجي، أن الرؤية بمعنى البصر، أي أنه رأى علامتها التي أعلمت له بها
وهي السجود في الماء والطين (ثم أنسيتها) بضم الهمزة، قال القفال: ليس معناه أنه رأى
الملائكة والأنوار عيانًا، ثم نسي في أول ليلة رأى ذلك، لأن مثل هذا قل أن ينسى، وإنما معناه
أنه قيل له ليلة القدر ليلة كذا وكذا، فنسي كيف قيل له ثم هو هكذا بالجزم عند الشيخين، وفي
رواية للبخاري: أنسيتها أو نسيتها.
قال الحافظ: شك من الراوي هل أنساه غيره إياها أو نسيها هو بلا واسطة، ومنهم
من ضبط نسيتها بضم أوله والتشديد فهو بمعنى أنسيتها، والمراد أنه أنسى علم تعيينها في
تلك السنة.
(وقد رأيتتي) بضم التاء وفيه عمل الفعل في ضميري الفاعل والمفعول وهو المتكلم،
وذلك من خصائص أفعال القلوب، أي رأيت نفسي (أسجد في ماء وطين من صبيحتها) من
بمعنى في قوله تعالى: من يوم الجمعة أو لابتداء الغاية الزمانية (فالتمسوها في العشر الأواخر)
من رمضان (والتمسوها في كل وتر منه)))، أي: أوتار لياليه وأولها ليلة الحادي والعشرين إلى
آخر ليلة التاسع والعشرين.
(قال) أبو سعيد: (فمطرت) بفتح الميم والطاء (السماء تلك الليلة) يقال: في الليلة
الماضية الليلة إلى الزوال، فيقال: البارحة، وفي رواية للشيخين: وما نرى في السماء قزعة،
فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد (وكان المسجد على عريش) أي: مثل
العريش وإلاَّ فالعريش هو نفس السقف، أي: أنه كان مظللاً بالجريد والخوص، ولم يكن محكم
البناء بحيث يكن من المطر.

٣١٢
النَّعِ الخَامِس في ذكر اعتكافه عَِّ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
المسجد، فبصرت عيناي رسول الله عَّعليه وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة
إحدى وعشرين. رواه الشيخان.
وفي حديث عبادة بن الصامت: أنه عَّهِ خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى فلان
وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة
والخامسة، رواه البخاري.
وفي رواية: وكان السقف من جريد النخل (فوكف المسجد) أي: سال ماء المطر من
سقفه فهو من ذكر المحل وإرادة الحال (فبصرت) بفتح الموحدة وضم المهملة (عيناي)
ذكرهما بعد البصر للتأكيد، كقول القائل: أخذت بيدي وإنما يقال ذلك في أمر مستغرب إظهارًا
للتعجب من حصوله (رسول اللَّه عَّ}. وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة) ليلة (إحدى
وعشرين).
وفي رواية: فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه وأنفه فيهما الماء والطين
تصديق رؤياه (رواه الشيخان) البخاري في الصلاة والاعتكاف ومسلم في الاعتكاف.
(وفي حديث عبادة بن الصامت أنه عَ ل خرج) من بيته (يخبر) استئناف أو حال مقدّرة:
لأن الخبر بعد الخروج على حد فادخلوها خالدين، أي مقدرين الخلود (بليلة القدر) أي:
بتعيينها (فتلاحى) بفتح الحاء المهملة من التلاحي بكسرها، أي: تنازع (فلان وفلان) قيل: هما
عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن لملك، كان له على عبد الله دين فطلبه وارتفع صوتهما في
المسجد، ذكره ابن دحية.
قال الحافظ: ولم يذكر له مستندًا (فرفعت) أي: رفع بيانها أو علم تعيينها من قلبي
فنسيتها أو رفعت بركتها تلك السنة، وقيل: المراد رفعت الملائكة لا الليلة.
قال الباجي: قد يذنب البعض فتتعدى عقوبته إلى غيره فيجزى به من لا سبب له فيه في
الدنيا، أما الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى (وعسى أن يكون) رفعها (خيرًا لكم) لأن إخفاءها
يستدعي قيام جميع الشهر بخلاف ما لو علمت بعينها فيقتصر عليها فيقل العمل وهل أعلم بها
بعد هذا النسيان.
قال الحافظ: فيه احتمال.
وقال ابن عبد البر: الأظهر أنه رفع علم تلك الليلة عنه فانسيها بعد العلم بسبب التلاحي،
وقد قيل: المراء والملاحاة شؤم، ومن شؤمها حرموا ليلة القدر تلك الليلة ولم يحرموها بقية
الشهر، لقوله: (فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) قيل: المراد تاسعة تبقى فتكون ليلة
إحدى وعشرين، وسابعة تبقى فتكون ليلة ثلاث وعشرين، وخامسة تبقى فتكون ليلة خمس

٣١٣
النَّوعِ الخَامِس في ذكر اعتكافه عٍَّ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
ولمسلم من حديث عبد الله بن أنيس: أنه عَ ◌ّه قال: ((أريت ليلة القدر ثم
أنسيتها، وأراني في صبيحتها أسجد في ماء وطين)، قال: فمطرت ليلة ثلاث
وعشرين، فصلى بنا رسول الله عَّه وإن أثر الماء والطين في جبهته وأنفه.
وعشرين على الأغلب أن الشهر ثلاثون، وقيل: تاسعة تمضي فتكون ليلة تسع وسبع وخمس
وعشرين.
وجزم الباجي بالأول وهو قول لملك في المدونة، لأن في حديث عبادة نفسه عند أبي
داود تاسعة تبقى سابعة تبقى خامسة تبقى، ورجح الحافظ الأول لرواية البخاري في الإيمان
حديث عبادة، بلفظ: ((التمسوها في التسع والسبع والخمس))، أي: تسع وعشرين وسبع وعشرين
وخمس وعشرين.
وفي رواية لأحمد: في تاسعة تبقى، كذا قال: ورواية البخاري محتملة، ورواية أحمد نص
في الأول، وقد قال أبو عمر: كلا القولين محتمل إلاَّ أن قوله تاسعة تبقى ... الخ، يقتضي الأول.
وقد روى أبو داود، أي ومسلم عن أبي نضرة أنه قال لأبي سعيد الخدري: إنكم أعلم
بالعدد منا، قال: أجل، قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة، قال: إذا مضت إحدى وعشرون
فالتي تليها التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضت خمس وعشرون
فالتي تليها الخامسة. انتهى (رواه البخاري) في الإيمان والصوم والأدب.
(ولمسلم من حديث عبد اللّه بن أنيس) بالتصغير الجهني، حليف الأنصار: شهد العقبة
وأحدًا ومات بالشام سنة أربع وخمسين، ووهم من قال سنة ثمانين؛ (أنه معَّم قال: ((أريت) بضم
الهمزة (ليلة القدر ثم أنسيتها) بضم الهمزة (وأراني) بفتح الهمزة (في صبيحتها) بفتح الصاد
وكسر الموحدة ثم تحتية فحاء ففوقية.
وفي رواية: صبحها (أُسجد في ماء وطينٍ))، قال) ابن أنيس: (فمطرت) وفي نسخ:
فمطرنا (ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول اللَّه ع٤َّ) أسقط من مسلم فانصرف، أي: من
الصلاة (وإن أثر الماء والطين في) لفظ مسلم على (جبهته وأنفه).
قال أبو عمر: روى ابن جريج هذا الحديث وقال في آخره: فكان الجهني يمسي تلك
الليلة، يعني: ليلة ثلاث وعشرين في المسجد فلا يخرج منه حتى يصبح ولا يشهد شيئًا من
رمضان قبلها ولا بعدها ولا يوم الفطر.
وفي الموطأ وأبي داود أن ابن أنيس قال: يا رسول الله إني أكون في باديتي وأنا بحمد
اللَّه أصلي بها فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها بهذا المسجد أصليها فيه، فقال عَ ليه: انزل ليلة
ثلاث وعشرين من رمضان فصلها فيه.

٣١٤
النّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه ◌ٍَّ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
وفي سنن أبي داود عن ابن مسعود مرفوعًا: ((اطلبوها ليلة سبع عشرة)).
وأخرج الطبراني مرفوعًا من حديث أبي هريرة: ((التمسوا ليلة القدر في ليلة
سبع عشرة، أو تسع عشرة، إو إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس
وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين).
وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافًا كثيرًا، وأفردها بعضهم بالتأليف،
وقد جمع الحافظ أبو الفضل بن حجر من كلام العلماء في ذلك أكثر من أربعين
قولاً، كساعة الجمعة.
ومذهب الشافعي: انحصارها في العشر الأخير، كما نص عليه الشافعي،
فیما حكاه عنه الأسنوي.
وعن المحاملي في (التجريد): إنها تلتمس في جميع الشهر، وتبعه عليه
الشيخ أبو إسحق في ((التنبيه)) فقال: وتطلب ليلة القدر في جميع شهر رمضان. ثم
الغزالي في كتبه.
وتردد صاحب (التقريب)) في جواز كونها في النصف الأخير، كذا نقله عنه
(وفي سنن أبي داود عن ابن مسعود مرفوعًا: ((اطلبوها) بهمزة وصل مضمومة، أي: ليلة
القدر (ليلة سبع وعشرة))) من رمضان (وأخرج الطبراني مرفوعًا من حديث أبي هريرة:
(التمسوا) أي: اطلبوا، فاستغير الالتماس للطلب (ليلة القدر في ليلة سبع عشرة أو تسع
عشرة) بموحدة بعد السين في الأول ويفوقية قبلها في الثاني (أو إحدى وعشرين أو ثلاث
وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين)) من رمضان.
(وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافًا كثيرًا وأفردها بعضهم بالتأليف، وقد
جمع الحافظ أبو الفضل بن حجر) في فتح الباري (من كلام العلماء في ذلك أكثر من
أربعين قولاً) سردها واحدًا واحدًا وقال: هذا ما وقفت عليه من الأقوال، وبعضها يمكن رده إلى
بعض وإن كان ظاهرها التغاير (كساعة الجمعة) فيها اثنان وأربعون قولاً سردها في الفتح.
(ومذهب الشافعي انحصارها في العشر الأخير) من رمضان (كما نص عليه الشافعي
فيما حكاه عنه الأسنوي وعن المحاملي) زاد في نسخة في التجريد: وتوقف فيها شيخنا
في الدرس بأنه لا يعرف له كتابًا يسمى ((التجريد»)، ولا ذكره الإسنوي في الطبقات (أنها تلتمس
في جميع الشهر، وتبعه عليه الشيخ أبو إسحق) الشيرازي (في التنبيه، فقال: وتطلب ليلة
القدر في جميع شهر رمضان، ثم الغزالي في كتبه) تبعه أيضًا (وتردد صاحب التقريب في

٣١٥
النَّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه ◌ٍَّ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
الإمام وضعفه. وحكاه ابن الملقن في ((شرح العمدة).
وفي المفهم للقرطبي حكاية قول: إنها ليلة النصف من شعبان.
ودليل الأول: حديث أبي سعيد الذي قدمناه، قال النووي: وميل الشافعي
إلى أنها ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين، أما الحادي والعشرون
فلقوله عَّه في حديث أبي سعيد: ((فقد أريت هذه الليلة، وقد رأيتني أسجد في
ماء وطين من صبيحتها، فبصرت عيناي رسول الله عليه وعلى جبهته أثر الماء
والطين من صبيحة إحدى وعشرين، وأما الثالث والعشرون فلحديث عبد الله بن
أنيس المتقدم أيضًا. وجزم جماعة من الشافعية: بأنها ليلة الحادي والعشرين، لكن
قال السبكي: إنه ليس مجزومًا به عندهم لاتفاقهم على عدم حنث من علق يوم
العشرين عتق عبده بليلة القدر، أنه لا يعتق تلك الليلة، بل بانقضاء الشهر على
الصحيح بناء على أنها في العشر الأخير. وعن ابن خزيمة - من أصحابنا - أنها تنتقل
جواز كونها في النصف الأخير، كذا نقله عنه الإمام وضعفه) أي: ضعف تردد ذلك في مذهبه
وإلاّ فهو من جملة الأقوال.
(وحكاه ابن الملقن في شرح العمدة) في الفتح، وحكى ابن الملقن أنها ليلة النصف
من رمضان (و) الذي (في المفهم للقرطبي) على مسلم (حكاية قول إنها ليلة النصف من
شعبان) و کذا حكاه غيره.
(قال الحافظ: فإن ثبتا فهما قولان (ودليل الأول) أي: انحصارها في العشر الأخير
(حديث أبي سعيد الذي قدمناه) أي: قوله فيه: ((التمسوها في العشر الأواخر).
(قال النووي: وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين، أما
الحادي والعشرون فلقوله عليه السلام في حديث أبي سعيد) المتقدم (فقد أريت هذه الليلة
وقد رأيتني) أي: رأيت نفسي (أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فبصرت عيناي
رسول اللَّه ◌َّل وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين وأما الثالث
والعشرون فلحديث عبد اللَّه بن أنيس المتقدم أيضًا) قريبًا.
(وجزم جماعة من الشافعية بأنها ليلة الحادي والعشرين) لصحة الحديث (لكن قال
السبكي: إنه ليس مجزومًا به عندهم) في نفس الأمر (لاتفاقهم على عدم حنث من علق يوم
العشرين عتق عبده بليلة القدر أنه لا يعتق تلك الليلة، بل بانقضاء الشهر على الصحيح بناء
على أنها في العشر الأخير) في ليلة لا بعينها.

٣١٦
النَّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه عٍَّ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
في كل سنة إلى ليلة من ليالي العشر الأخير.
وحاصله: قولان، ووجه، واختار النووي في الفتاوى وشرح المهذب رأي ابن
خزيمة.
وجزم ابن حبيب من المالكية، ونقله الجمهور، وحكاه صاحب ((العدة)) من
الشافعية ورجحه: أن ليلة القدر خاصة بهذه الأمة، ولم تكن في الأمم قبلهم.
وهو معترض: بحديث أبي ذر عند النسائي، حيث قال فيه: قلت: يا
رسول الله أتكون مع الأنبياء فإِذا ماتوا رفعت؟ قال: ((بل هي باقية)).
وعمدتهم قول مالك في ((الموطأ) بلغني أن رسول الله عَّه تقاصر أعمار أمته
عن أعمار الأمم الماضية فأعطاء الله تعالى ليلة القدر. وهذا محتمل للتأويل، فلا
يدفع الصريح من حديث أبي ذر كما قاله الحافظان ابن كثير في تفسيره وابن
(وعن ابن خزيمة من أصحابنا أنها تنتقل في كل سنة إلى ليلة من ليالي العشر)
الأواخر (وحاصله قولان) للشافعي الحادي أو الثالث والعشرون (ووجه) لابن خزيمة (واختار
النووي في الفتاوى وشرح المهذب رأي ابن خزيمة) المذكور وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع
وعشرين، وبه جزم أبي بن كعب وحلف عليه كما في مسلم، وروى أحمد عن ابن عمر مرفوعًا:
((ليلة القدر ليلة سبع وعشرين)).
(وجزم ابن حبيب) محمد (من المالكية) الأئمة المتقدمين (ونقله الجمهور وحكاه
صاحب العدة من الشافعية ورجحه؛ أن ليلة القدر خاصة بهذه الأمة ولم تكن في الأمم
قبلهم) وكذا جزم به ابن عبد البر، وقال النووي: إنه الصحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا
كلهم وجماهير العلماء (وهو معترض بحديث أبي ذر عند النسائي، حيث قال فيه: قلت: يا
رسول اللَّه: أتكون مع الأنبياء، فإذا ماتوا رفعت، قال: ((بل هي باقية))) كذا في نسخ
بالإضراب عن السؤال.
وفي نسخ: بلى على أنه رد لمجموع النفي، أي: بلى تكون مع الأنبياء ولا ترفع بموتهم،
والذي نقله الحافظ والسيوطي عن النسائي عن أبي ذر: أم هي إلى يوم القيامة، قال: بل هي إلى
يوم القيامة (وعمدتهم) أي: الجمهور (قول مالك في الموطأ: بلغني أنه عَّ تقاصر أعمار أمته
عن أعمار الأمم الماضية) لفظ الموطأ: أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغه غيرهم في طول
العمر (فأعطاه اللَّه ليلة القدر، وهذا محتمل للتأويل، فلا يدفع الصريح في حديث أبي ذر، كما قاله
الحافظان ابن كثير في تفسيره وابن حجر في فتح الباري) وتعقب ذلك الحافظ

٣١٧
النَّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه عٍَّ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
حجر في ((فتح الباري)).
قال: وقد ظهر لليلة القدر علامات؛ منها: ما في صحيح مسلم عن أبي بن
كعب أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها، ولابن خزيمة من حديث ابن
عباس مرفوعًا: ((ليلة القدر لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة)،
ولأحمد من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: ((إنها صافية، كأن فيها قمرًا ساطعة،
ساكنة صاحية، لا حر فيها ولا برد ولا يحل لكوكب يرمى به فيها، وإن من أماراتها أن
الشمس في صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، لا يحل
للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ).
السيوطي؛ بأن حديث أبي ذر يقبل التأويل أيضًا، وهو أن مراده السؤال هل تختص بزمن
النبي عَبّه ثم ترفع بعده بقرينة مقابلته ذلك بقوله: أم هي إلى يوم القيامة فلا يكون فيه معارضة
الأثر الموطأ، وقد ورد ما يعضده، ففي فوائد أبي طالب المزكي من حديث أنس: ((إن اللَّه وهب
لأمتي ليلة القدر ولم يعطها من كان قبلهم). انتهى.
(قال) أي: صاحب الفتح: (وقد ظهر لليلة القدر علامات) أكثرها لا تقع إلاَّ بعد أن
تمضي (منها ما في صحيح مسلم عن أبي بن كعب) مرفوعًا؛ (أن الشمس تطلع في صبيحتها
لا شعاع لها) يوجد، ولأحمد عنه مثل الطشت بضم الشين الذي يرى كأنه جبال مقبلة على
الناظر إليها، أو الذي ينتثر من ضوئها، أو الذي يرى ممتدًا كالرماح بعيد الطلوع وما أشبهه كما
في القاموس.
(ولابن خزيمة من حديث ابن عباس، مرفوعًا: ((ليلة القدر) طلقة كما في الفتح،
والطيالسي: سمحة طلقة (لا حارة ولا باردة) أي: معتدلة، يقال: يوم طلق وليلة طلقة إذا لم يكن
فيهما حر ولا برد يؤذيان، قاله ابن الأثير: (تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة) أي: ضعيفة
الضوء.
(ولأحمد من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: ((إنها صافية كأن فيها قمرًا ساطعة
ساكنة لا حر فيها ولا برد ولا يحل) أي: لا يتفق (لكوكب يرمى به فيها، وإن من أماراتها أن
الشمس في صبيحتها تخرج) أي: تطلع (مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر
لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ)) أي: لا يمكن من ذلك أسقط من الفتح، ولابن أبي
شيبة عن ابن مسعود أن الشمس تطلع كل يوم بين قرني الشيطان إلاَّ صبيحة ليلة القدر، وله عن
جابر بن سمرة مرفوعًا: ((ليلة القدر ليلة مطر وريح))، ولابن خزيمة عن جابر مرفوعًا: ((ليلة القدر
طلقة بلجة لا حارة ولا باردة، تضيء كواكبها ولا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها))، وله عن

٣١٨
النَّعِ الخَامِس في ذكر اعتكافه عَّهِ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
وروى البيهقي في ((فضائل الأوقات)) أن المياه المالحة تعذب في تلك
الليلة.
وقد كان عَّه يجتهد في العشر الأخير من رمضان ما لا يجتهد في غيره.
رواه مسلم من حديث عائشة.
وفي البخاري عنها: كان رسول الله عليه إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا
ليله وأيقظ أهله.
وجزم عبد الرزاق بأن ((شد مئزره)) هو اعتزاله النساء، وحكاه عن الثوري.
وقال الخطابي: يحتمل أن يراد به الجد في العبادة، كما يقال: شددت لهذا الأمر
أبي هريرة مرفوعًا: ((إن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى، ولابن أبي حاتم
عن مجاهد: لا يرسل فيها شيطان ولا يحدث فيها داء، وعن الضحاك: يقبل اللَّه التوبة فيها من
كل تائب وهي من غروب الشمس إلى طلوعها، وذكر الطبري عن قوم: أن الأشجار في تلك
الليلة تسقط إلى الأرض ثم تعود إلى منابتها وإن كل شيء يسجد فيها.
(وروى البيهقي في فضائل الأوقات) عن أبي لبابة؛ (أن المياه المالحة تعذب في
تلك الليلة) زاد الفتح: ولابن عبد البر عن زهرة بن معبد نحوه (وقد كان عَّ يجتهد في
العشر الأخير من رمضان) بأنواع العبادات (ما لا يجتهد في غيره) أي: اجتهادًا زائدًا عن
اجتهاده في غيره (رواه مسلم) من إفراده والترمذي وابن ماجه وأحمد (من حديث عائشة) لكن
بلفظ: العشر الأواخر بدون قوله: من رمضان وإن كان هو المراد، فلو قال المصنف يعني.
(وفي البخاري) ومسلم أيضًا: فما هذا الإيهام من المصنف وابن ماجه الثلاثة في الصوم،
وأبي داود والنسائي في الصلاة، كلهم (عنها) أي: عائشة، قالت: (كان رسول اللَّهُ عَ لّه إذا
دخل العشر) زاد ابن أبي شيبة من حديث علي: الأواخر من رمضان (شد مئزره) بكسر الميم
وسكون الهمزة، أي: إزاره (وأحيا ليله وأيقظ أهله) للعبادة.
(وجزم عبد الرزاق بأن شد مئزره هو اعتزاله النساء، وحكاه عن الثوري) سفين
واستشهد بقول الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم عن النساء ولو باتت بأطهار
وبه فسره السلف والأئمة المتقدمون وهو الصحيح.
(وقال الخطابي: يحتمل أن يراد به الجد) بكسر الجيم (في العبادة) زيادة على عادته
(كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرت له) وتفرغت (ويحتمل أن يراد به التشمير

٣١٩
النَّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه عَِّ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
مئزري، أي: تشمرت له، ويحتمل أن يراد به التشمير والاعتزال معًا، ويحتمل أن
يراد به الحقيقة والمجاز، فيكون المراد: شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء
وتشمر للعبادة.
وقوله: ((وأحيا ليله)) أي: سهره فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره فيه، لأن
النوم أخو الموت، وأضافه إلى الليل اتساعًا، لأن النائم إذا حيي باليقظة حيي ليله
بحياته، وهو نحو قوله: ((لا تجعلوا بيوتكم قبورًا))، أي: لا تناموا فتكونوا كالأموات
فتكون بيوتكم كالقبور.
فقد كان عليه السلام يخص العشر الأخير بأعمال لا يعملها في بقية الشهر:
فمنها: إحياء الليل، فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله، ويشهد له حديث
عائشة من وجه ضعيف ((وأحيا الليل كله)) وفي المسند عنها أيضًا، قالت: كان
رسول الله عَّةٍ يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر، وفي
والاعتزال معًا، ويحتمل أن يراد به الحقيقة والمجاز) بناء على استعمالها في لفظ واحد ومن
عموم المجاز (فيكون المراد شد مئزره) ربطه (حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وتشمر
للعبادة) وربما يؤيده رواية مسلم: وجد وشد المئزر.
قال الطيبي: قد تقرر عند علماء البيان أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة كما إذا قلت
فلان طويل النجاد، وأردت طول نجاده مع طول قامته، كذلك لا يستبعد أنه م ◌ُله شد مئزره
ظاهرًا، أي: حقيقة، وتفرغ للعبادة واشتغل بها عن غيرها، أي: عن النساء.
(وقوله: وأحيا ليله، أي: سهره فأحياه بالطاعة وأحيا نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو
الموت) فهو استعارة شبه القيام فيه بالحياة في حصول الانتفاع التام (وأضافه إلى الليل
اتساعًا، لأن النائم إذا حيي باليقظة حيي ليله بحياته، وهو نحو قوله: ((لا تجعلوا بيوتكم
قبورًا))، أي: لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور) وإلا فالليل لا يوصف بموت
ولا حياة، كما أن البيوت ليست قبورًا حقيقة.
(فقد كان عليه السلام يخص العشر الأخير بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، فمنها
إحياء الليل، فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله ويشهد له حديث عائشة من وجه) أي:
طريق (ضعيف وأحيا الليل كله) وكراهة قيام جميعه محمول على الدوام عليه طول العام، أما
قیام کالعشر فلا.
(وفي المسند) لأحمد (عنها) أي: عائشة أنها (قالت: كان رسول اللَّه عَّه يخلط
العشرين) الأول والثاني من رمضان (بصلاة ونوم، فإذا كان العشر) الأخير (شمر) اجتهد في

٣٢٠
النَّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه عٍَّ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان
حديث ضعيف عن أنس عند أبي نعيم: كان عَّ إذا دخل شهر رمضان قام ونام
فإذا كان أربعًا وعشرين لم يذق غمضًا. ويحتمل أن تريد بإحياء الليل غالبه، وقد
قال الشافعي في القديم: من شهد العشاء والصبح في جماعة ليلة القدر فقد أخذ
بحظ منها. وروي في حديث مرفوع عن أبي هريرة: ((من صلى العشاء الآخرة في
جماعة في رمضان فقد أدرك ليلة القدر)). رواه أبو الشيخ.
العبادة (وشد المئزر) حقيقة ومجازًا.
(وفي حديث ضعيف عن أنس عند أبي نعيم: كان عَّةٍ إذا دخل شهر رمضان قام
ونام، فإذا كان أربعًا وعشرين لم يذق غمضًا) بضم الغين وسكون الميم وضاد معجمتين، أي:
نومًا.
(ويحتمل أن تريد) عائشة (بإحياء الليل إحياء غالبه) فلا ينافي قولها في الصحيح
ما علمته: قام ليلة حتى الصباح.
(وقد قال الشافعي في القديم: من شهد العشاء والصبح في جماعة ليلة القدر فقد
أخذ بحظ) أي: نصيب عظيم (منها) لقوله عٍَّ: ((من صلى ليلة القدر العشاء والفجر في جماعة
فقد أخذ من ليلة القدر بالنصيب الوافر))، رواه الخطيب عن أنس.
(وروي في حديث مرفوع عن أبي هريرة: ((من صلى العشاء الآخرة في جماعة في
رمضان فقد أدرك ليلة القدر))) أي: ثوابها (رواه أبو الشيخ) وكذا البيهقي ورواه الطبراني عن
أبي أمامة، رفعه: وخص العشاء لأنها من الليل دون الصبح فليس منه.
وفي مسلم مرفوعًا: ((من يقم ليلة القدر فيوافقها غفر له ما تقدم من ذنبه))، ولأحمد عن
عبادة مرفوعًا: ((فمن قامها إيمانًا واحتسابًا ثم وفقت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)).
قال في شرح التقريب: معنى توفيقها له أو موافقته لها أن يكون الواقع أن تلك الليلة التي
قام فيها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر وإن لم يعلم هو ذلك، وقول النووي:
معنى الموافقة أن يعلم أنها ليلة القدر مردود، وليس في اللفظ ما يقتضيه ولا المعنى يساعده.
وقال الحافظ: يترجح في نظري ما قاله النووي: ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام
لابتغائها وإن لم يعلم بها ولم توفق له، وإنما الكلام على حصول الثواب المعين الموعود به، وقد
اختلف هل لها علامة تظهر لمن وفقت له أم لا؟، فقيل يرى كل شيء ساجدًا، وقيل: يرى
الأنوار ساطعة في كل مكان حتى المظلمة، وقيل: يسمع كلامًا أو خطابًا من الملائكة، وقيل:
علامتها استجابة دعاء من وفقت له.
واختار الطبري أن ذلك كله غير لازم وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه،