Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ الفصل الثاني في صومه عَ عاشوراء قال: وله طريق عن جابر على شرط مسلم أخرجها ابن عبد البر في ((الاستذكار)) من رواية أبي الزبير عنه، وهي أصح طرقه. ورواه هو والدارقطني في (الافراد)) بسند جيد عن عمر موقوفًا عليه، والبيهقي في ((الشعب)) من جهة محمد بن المنتشر، قال: كان يقال .. وذكره. (قال) العراقي: (وله طريق عن جابر على شرط مسلم، أخرجها ابن عبد البر في الاستذكار) اسم شرحه الصغير على الموطأ (من رواية أبي الزبير) محمد بن مسلم المكي (عنه) أي: جابر (وهي أصح طرقه، ورواه هو) أي: ابن عبد البر (والدارقطني في الإفراد) بفتح الهمزة (بسند جيد) أي: مقبول (عن عمر) بن الخطاب (موقوفًا عليه و) رواه (البيهقي في الشعب) للإيمان (من جهة) أي: طريق (محمد بن المنتشر) الهمداني الكوفي (قال: كان يقال وذكره) وهذه كلها عبارة شيخه في المقاصد الحسنة بالحرف، ولعبد الملك بن حبيب في الواضحة: لا تنس لا ينسك الرحمن عاشورا واذكره لا زلت في الأخيار مذكورا قال الرسول صلاة اللَّه تشمله قولاً وجدنا عليه الحق والنورا من بات في ليل عاشوراء ذا سعة يكن بعيشته في الحول محبورا فارغب فديتك فيما فيه رغبنا خير الورى كلهم حيًّا ومقبورا قال الحافظ السيوطي: هذا من هذا الإمام الجليل يدل على أن للحديث أصلاً، وما يذكر من فضيلة الاغتسال فيه والخضاب والادهان والاكتحال ونحو ذلك فبدعة ابتدعها قتلة الحسين كما صرح به غير واحد، ونظم بعضهم ذلك فقال: في يوم عاشوراء عشر تتصل بها اثنتان ولها فضل نقل صم صل زرعًا لما عد واكتحل رأس اليتيم امسح تصدق واغتسل وسع على العيال قلم ظفرًا وسورة الإخلاص قل ألفًا تصل وذيله شيخ شيوخنا النور الأجهوري بقوله: ولم يرد من ذا سوى الصوم كذا توسعة وغير هذا نبذا وكذا لا أصل للحبوب في يومه ويعزي للحافظ: في يوم عاشوراء سبع تهترس بر وأرز ثم ماش وعلس وحمص واللوبيا والفول هذا هو الصحيح والمنقول ٢٨٢ الفصل الثالث في صيامه عَّ له شعبان الفصل الثالث في صيامه علَيْسٌ شعبان عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله عَ له استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان. رواه البخاري ومسلم، وفي أخرى لهما: لم يكن النبي عَّهِ يصوم شهرًا أكثر من شعبان فإنه کان یصومه کله. وفي رواية الترمذي: كان يصومه إلا قليلاً، بل كان يصومه كله. وفي رواية أبي داود: كان أحب الشهور إلى رسول الله عَّلِ أن يصومه (الفصل الثالث: في) ذكر أحاديث (صيامه عَّ شعبان) الدالة على فضله واستحباب صيامه، وتقدير هل وجد أم لا؟، وأنه أولى من قول الحافظ في قول البخاري باب صوم شعبان، أي: استحبابه، ومن تقدير المصنف فصل فتعسف، لأن موضوع المقصد في عباداته عليه، ومن جملتها صيامه في شعبان الذي تظاهرت به الأحاديث لا السؤال عن وجوده وعدمه وأولويته على تقدير الشارحين لا تظهر. (عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: ما رأيت رسول اللَّه عَِّ استكمل صيام شهر قط) لئلا يظن وجوبه (إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر) بالنصب ثاني مفعول رأيت (صيامًا) بالنصب لأكثر الرواة وروي بالخفض. قال السهيلي: وهو وهم، لعل بعضهم كتب صيام بلا ألف على رأي من يقف على المنصوب بلا ألف فتوهم مخفوضًا، أو أن بعض الرواة ظن أنه مضاف، لأن صيغة أفعل تضاف كثيرًا فتوهمها مضافة وذلك لا يصح هنا قطعًا (منه) أي: النبي عَّه، وفي رواية مسلم: منه صيامًا بتقديم منه (في شعبان) يتعلق بصيامًا، والمعنى: كان يصوم في شعبان تطوّعًا أكثر من صيامه فيما سواه (رواه البخاري ومسلم) وأبو داود والنسائي. (وفي) رواية (أخرى لهما) عن عائشة قالت: (لم يكن النبي عَّه يصوم شهرًا أكثر منٍ شعبان، فإنه كان يصومه كله) زاد في رواية مسلم متصلاً بقوله كله: كان يصوم شعبان إلاّ قليلاً. (وفي رواية الترمذي) عن عائشة: (کان یصومه إلاَّ قليلاً، بل كان يصومه کله) بيل التي للإضراب. (وفي رواية أبي داود: كان أحب الشهور إلى رسول اللَّه عَِّ أن يصومه) بدل من ٢٨٣ الفصل الثالث في صيامه عَ لِّ شعبان شعبان، ثم يصله برمضان. وللنسائي: كان يصوم شعبان، أو عامة شعبان. وفي أخرى له: كان يصوم شعبان إلا قليلاً. وفي أخرى له أيضًا: كان يصوم شعبان كله. قال الحافظ ابن حجر: أي يصوم معظمه. ونقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول: صام الشهر كله. ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره. قال الترمذي: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، وحاصله: أن الرواية الأولى مفسرة للثانية ومخصصة لها، وأن المراد بـ ((الكل)) الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال. واستبعده الطيبي وقال: يحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى، لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان. الشهور، ويجوز رفع أحب ونصب (شعبان) خبر كان ويجوز عكسه (ثم يصله برمضان) فهذا أيضًا ظاهر في صومه كله (وللنسائي) عنها: (كان يصوم شعبان أو عامة شعبان) تحتمل أو الشك والإضراب (وفي أخرى له) للنسائي، عنها: (كان يصوم شعبان إلاَّ قليلاً، وفي أخرى له أيضًا: كان يصوم شعبان كله). (قال الحافظ ابن حجر) جمعًا بين الروايتين (أي: يصوم معظمه، ونقل الترمذي عن) عبد اللَّه (بن المبارك؛ أنه قال: جائز في كلام العرب) أي: لغتهم (إذا صام أكثر الشهر أن يقول) القائل في شأنه: (صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره) غير القيام. (قال الترمذي: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك) الذي نقله عن العرب (وحاصله؛ أن الرواية الأولى) وهي قوله إلاّ قليلاً (مفسرة للثانية:) كان يصوم شعبان كله (ومخصصة لها، وأن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال، واستبعده الطيبي) فقال: كل تأكيد لإرادة الشمول ودفع التحوّز من احتمال البعض، فتفسيره بالبعض مناف له. انتهى، لكن الاستبعاد لا يمنع الوقوع، لأن الحديث يفسر بعضه بعضًا لا سيما والمخرج متحد وهو عائشة وهي من الفصحاء، وقد نقله ابن المبارك عن العرب: ومن حفظ حجة. (وقال) الطيبي: جمعا بينهما (يحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان) وتعقب بأن قولها: كان يصومه كله يقتضي تكرار ٢٨٤ الفصل الثالث في صيامه عَ لـ شعبان وقال الزين بن المنير: إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أوائل أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيًا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله. انتھی. ولا يخفى تكلفه، والأول هو الصواب. واختلف في الحكمة في إكثاره عَّ له من صيام شعبان، فقيل: كان يشتغل عن صيام الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره، فتجتمع فيقضيها في شعبان. أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث ضعيف أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن عائشة. قالت: كان رسول الله عَ ليه يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم الفعل، وأن ذلك عادة له على المعروف من هذه العبارة، وجزم ابن دقيق العيد بأنها تقتضيه عرفًا، لكن صحيح الرازي والنووي أنها لا تقتضيه لا لغة ولا عرفًا، فجوابه مستقيم على هذا القول. (وقال الزين بن المنير: إما أن يحمل قول عائشة) كله (على المبالغة، والمراد الأكثر) بدليل قولها: إلاَّ قليلاً (وإما أن يجمع بأن قولها الثاني:) كان يصوم شعبان كله (متأخر عن قولها الأول:) كان يصومه إلاَّ قليلاً (فأخبرت عن أوائل أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيًا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله. انتهى، ولا يخفى تكلفه) لتوقفه على معرفة الأول والثاني ولا تكلف فيه، إذ هو طريق آخر في الجواب بالاحتمال. (والأول) أي: حمله على المبالغة (هو الصواب) زاد الحافظ، ويؤيده قول عائشة في مسلم والنسائي: ولا صام شهرًا كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان وهو مثل حديث ابن عباس في الصحيحين، (واختلف في الحكمة في إكثاره عٍَّ من صيام شعبان، فقيل: كان يشتغل عن صيام الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره، فيجتمع فيقضيها في شعبان). (أشار إلى ذلك ابن بطال) في شرح البخاري (وفيه حديث ضعيف أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق) محمد بن عبد الرحمن (بن أبي ليلى) فنسبه إلى جده بدليل قوله: (عن أخيه عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي ثقة كما في التقريب، روى له أصحاب السنن الأربعة (عن أبيه) عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني، ثم الكوفي ثقة من كبار التابعين ورجال الجميع (عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه عَ له يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخر ذلك) لعارض يمنعه من صيامها كسفر (حتى يجتمع عليه صوم السنة، ٢٨٥ الفصل الثالث في صيامه عَِّ شعبان شعبان. وابن أبي ليلى ضعيف، وقيل: كان يضع الحديث. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث أخرجه الترمذي من طريق صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال: سئل النبي عَّه: أي الصوم أفضل بعد رمضان قال: ((شعبان لتعظيم رمضان)). قال الترمذي: حديث غريب، وصدقة عندهم ليس القوي. لكن يعارضه ما روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (أفضل الصيام بعد رمضان صوم المحرم». والأولى في ذلك ما في حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائي وأحمد وأبو داود، وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد أنه قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ((ذاك شهر فيصوم شعبان، و) محمد (بن أبي ليلى ضعيف). (وقيل: كان يضع الحديث) واقتصر في التقريب على أنه صدوق سيء الحفظ جدًا. (وقيل:) في حكمة إكثاره: (كان) عَّ. (يصنع) أي: يفعل (ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث أخرجه الترمذي من طريق صدقة بن موسى) البصري، صدوق له أوهام (عن ثابت) البناني (عن أنس قال: سئل النبي عَّه: أي الصوم أفضل بعد رمضان؟، قال: شعبان لتعظيم رمضان). (قال الترمذي: حديث غريب وصدقة عندهم) أي: المحدثين (ليس بالقوي) لأوهامه (لكن يعارضه ما روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم) لفظ مسلم: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم. وفي رواية له: صيام شهر الله المحرم، زاد الحافظ، وقيل: حكمة ذلك أن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان، وهذا عكس ما مر في حكمة كونهن يؤخرن قضاء رمضان إلى شعبان، لأنه ورد فيه أن ذلك لاشتغالهن به عن الصوم، وقيل: حكمة ذلك أنه يعقبه رمضان وهو فرض، فأكثر في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره لا يفوته، أي: فلا يفوته من التطوّع بذلك في أيام رمضان. (والأولى في) حكمة (ذلك ما في حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائي وأحمد وأبو داود، وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد أنه قال: قلت: يا رسول اللَّه لم أرك تصوم من شهر). وفي نسخة: شهرًا بنصبه بنزع الخافض (الشهور ما تصوم من شعبان؟، قال: ((ذاك شهر ٢٨٦ الفصل الثالث في صيامه عَّه شعبان يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)). فبين عَّه وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور بقوله: ((إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان)) يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان: الشهر الحرام وشهر الصيام، اشتغل الناس بهما، فصار مغفولاً عنه، وكثيرًا من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس كذلك. وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد، منها أن تكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، لا سيما الصيام فإنه سر بين العبد وربه، ومنها: أنه أشق على النفوس، لأن النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال بنى الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعتهم سهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدي بهم. وقد روي في صيامه عّلِّ شعبان معنى آخر، وهو أنه تنسخ فيه الآجال، يغفل) بضم الفاء (الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين) رفعًا خاصًا غير الرفع العام بكرة وعشيا (فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم))) لكونه من أفضل الأعمال، ووعد اللَّه أنه الذي يجزي به (فبين عَّلِ وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور بقوله: ((إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان))، يشير إلى أنه لما اكتفه) أحاط به (شهران عظيمان: الشهر الحرام) رجب (وشهر الصيام اشتغل الناس بهما فصار مغفولاً عنه) مع رفع الأعمال فيه إلى اللَّه (وكثيرًا من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه) أي: شعبان (لأنه) أي: رجب (شهر حرام وليس كذلك). فقد روي ابن وهب بسنده عن عائشة قالت: ذكر للنبي عَةٍ ناس يصومون شهر رجب، فقال: فأين هم من شعبان (وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد، منها: أن تكون) أي: الطاعة (أخفى، وإخفاء النوافل وأسرارها) عطف تفسير (أفضل لا سيما الصيام، فإنه سر بين العبد وربه ومنها: أنه أشق على النفوس، لأن النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال بني الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعتهم سهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى) اقتدى (بهم عموم الناس فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدي بهم) وأفضل العمل أشقه، ومنها: أن المنفرد بالطاعة بين الغافلين قد يرفع به البلاء عن الناس. (وقد روي في صيامه عَّ شعبان معنى آخر، وهو أنه تنسخ فيه الآجال) أي: تنقل ٢٨٧ الفصل الثالث في صيامه عَّله شعبان فروي - بإسناد فيه ضعف - عن عائشة قالت: كان أكثر صيام النبي عَّ في شعبان فقلت: يا رسول الله، أرى أكثر صيامك في شعبان؟ قال: إن هذا الشهر يُكتب فيه لملك الموت أسماء من يقبض، فأنا أحب أن لا ينسخ اسمي إلا وأنا صائم. وقد روي مرسلاً، وقيل إنه أصح. وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر: وهو أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان، لئلا يدخل في صيامه على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة الصوم ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط. واعلم أنه لا تعارض بين هذا وبين النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء في النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينهما وتفرد أسماء من يموت في تلك الليلة إلى مثلها من العام القابل، عن أسماء: من لم يمت من أم الكتاب فيكتب في صحيفة ويسلم إلى ملك الموت. (فروي) عند أبي يعلى والخطيب وغيرهما (بإسناد فيه ضعف، عن عائشة قالت: كان أكثر صيام النبي عَّ في شعبان، فقلت: يا رسول اللَّه، أرى أكثر صيامك في شعبان) وفي رواية: أرى أحب الشهور إليك أن تصومه شعبان (قال: إن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت أسماء من يقبض) بالبناء للمفعول، ويجوز للفاعل، أي: ملك الموت روحه من شعبان إلى شعبان (فأحب أن لا ينسخ:) يكتب (اسمي إلاّ وأنا صائم). وفي رواية أبي يعلى: إن اللَّه يكتب كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم، أي يأتيني كتابة أجلي، وفيه: أن كتابته في زمن عبادة يرجى لصاحبها الموت على خير، وإن من أولى تلك العبادة الصوم لأنه يروض النفوس وينوّر الباطن ويفرغ القلب للحضور مع الله. (وقد روي مرسلاً عن التابعي بدون ذكر عائشة (وقيل: إنه أصح) من وصله بذكرها (وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر؛ وهو أن صيامه كالتمرين:) التعويد (على صيام رمضان لئلا يدخل في صيامه على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن الصوم واعتاده) عطف تفسير (ووجد بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة الصوم ولذته) تفسير لحلاوة (فيدخل في صيام رمضان بقوّة ونشاط، واعلم أنه لا تعارض بين هذا وبين النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين) كما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لا يقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلاَّ أن يكون رجل كان يوم صومه فليتم ذلك اليوم)). (وكذا ما جاء في النهي عن صوم نصف شعبان، الثاني) في أبي داود وغيره مرفوعًا: ٢٨٨ الفصل الثالث في صيامه عَِّ شعبان ظاهر، بأن يحمل النهي على من لم تدخل تلك الأيام في صيام اعتاده. وأجاب النووي عن كونه عليه السلام لم يكثر الصوم في المحرم، مع قوله: (إن أفضل الصيام ما يقع فيه))، بأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلا في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو اتفق له فيه من الأعذار كالسفر ما منعه من كثرة الصوم في المحرم. وأما شهر رجب بخصوصه - وقد قال بعض الشافعية: إنه أفضل من سائر الشهور، وضعفه النووي وغيره - فلم يعلم أنه صح أنه عَّه صامه، بل روي عنه من حديث ابن عباس، مما صحح وقفه، أنه نهى عن صيامه. ذكره ابن ماجه لكن في سنن أبي داود: أن رسول الله عَّهِ ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم، ورجب أحدها. وفي حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه عَّله قال له: ((صم من الأشهر إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان)) (فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يحمل النهي على من لم تدخل تلك الأيام في صوم اعتاده) كما نص عليه بقوله: إلاَّ رجل ... الخ. (وأجاب النووي عن كونه عليه السلام لم يكثر الصوم في المحرم مع قوله) ما معناه: (أن أفضل الصيام ما يقع فيه) وسبق لفظه قريبًا (بأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلاَّ في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم) لا من أصل الصيام (أو اتفق له فيه من الأعذار كالسفر ما منعه من كثرة الصوم في المحرم) لا من أصل الصوم فيه، فإنه كان يصوم. (وأما شهر رجب بخصوصه، وقد قال بعض الشافعية: إنه أفضل من سائر الشهور، وضعفه النووي وغيره،) جملة معترضة بين أما وجوابها وهو: (فلم يعلم أنه عَِّ صامه، بل روي عنه من حديث ابن عباس مما صحح وقفه) على ابن عباس (أنه نهى عن صيامه ذكره) أي: رواه (ابن ماجه) عن ابن عباس، عن النبي عَ له أنه نهى عن صيام رجب كله. قال الذهبي وغيره: حديث لا يصح فيه راو، ضعيف متروك، وقد أخذ به الحنابلة، فقالوا: يكره إفراده بالصوم وهل هو صوم كله، أو أن لا يقرن به شهر آخر وجهان عندهم. (لكن في سنن أبي داود أن رسول اللَّه عَلِّ ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم ورجب أحدها) فيندب صومه (و) ذلك عنده، أعني أبا داود (في حديث مجيبة) بضم الميم وكسر الجيم بعدها تحتانية ثم موحدة امرأة من الصحابة، ويقال هو اسم رجل كما في التقريب فيما يوجد في نسخة من المتن جحيفة من تصحيف الكتاب لا عبرة بها (الباهلية) بكسر الهاء ٢٨٩ الفصل الثالث في صيامه عَ لَّه شعبان الحرم واترك))، قالها ثلاثًا. وفي رواية مسلم عن عثمان بن حكيم الأنصاري قال: سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب - ونحن يومئذ في رجب - فقال: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول الله عَّه يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. والظاهر: أن مراد سعيد بهذا الاستدلال على أنه لا نهي عنه ولا ندب فيه بعينه، بل له حكم باقي الشهور. وفي ((اللطائف)): روي عن الكتاني أخبرنا تمام الرازي حدثنا القاضي يوسف نسبة إلى باهلة، قبيلة (عن أبيها أو عمها) شك الراوي (أنه عَّ قال له) أي: لأبيها أو عمها: (صم من الأشهر الحرم) بضمتين جمع حرام (واترك))، قالها) أي: هذه الجملة (ثلاثً) من المرات للتأكيد. ولفظ أبي داود عن أبي السليل عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها؛ أنه أتى رسول اللَّه عَّله، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حالته وهيئته، فقال: يا رسول اللَّه أما تعرفني؟، قال: ((من أنت))؟، قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول، قال: ((فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة))؟، قال: ما أكلت طعامًا منذ فارقتك إلا بليل، فقال عَّلِ: ((لم عذبت نفسك))؟، ثم قال: ((صم شهر الصبر رمضان ويومًا من كل شهر))، قال: زدني فإن بي قوّة، قال: ((صم یومین)، قال: زدني، قال: ((صم ثلاثًا))، قال: زدني، قال: ((صم من الحرم واترك))، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال: بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها. (وفي رواية مسلم عن عثمن بن حكيم:) بفتح الحاء وكسر الكاف ابن عبادة بن حنيف بمهملة ونون وفاء مصغر (الأنصاري) الأوسي، المدني ثم الكوفي (قال: سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب ونحن يومئذ في رجب، فقال: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول اللَّه عَّه. يصوم حتى) ينتهي صومه إلى غاية (نقول: لا يفطر ويفطر حتى) ينتهي حاله إلى غاية (نقول لا يصوم، والظاهر أن مراد سعيد بهذا الاستدلال على أنه لا نهي عنه ولا ندب فيه بعينه، بل له حكم باقي الشهور) إذ لم يثبت في صومه نهي ولا ندب بعينه، وإن كان أصل الصوم مندوبًا إليه، نعم حديث الباهلي قبله: قد يقتضي ندب الصوم منه. (وفي اللطائف) لابن رجب الحنبلي: (روي عن الكتاني) بفتح الكاف وشد الفوقية نسبة إلى الكتان عبد العزيز بن أحمد التميمي، الدمشقي، الصوفي، الإمام المحدث المتقن، سمع الكثير وألف وجمع (أنا) اختصار في الكتابة، لقوله: أخبرنا (تمام) بن محمد بن عبد الله بن جعفر (الرازي) الأصل ثم الدمشقي، ولد بها وسمع أباه وخلقًا، وعنه جماعة: كان حافظًا عالمًا بالحديث والرجال خيرًا، قال تلميذه الكتاني: كان ثقة لم أر أحفظ منه في حديث الشاميين (أن؟ ٢٩٠ الفصل الرابع في صومه عَّه عشر ذي الحجة حدثنا محمد بن إسحق السراج حدثنا يوسف بن موسى السراج حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا حبيب المعلم عن عطاء أنعروة قال لعبد الله بن عمر: هل كان رسول الله عَّه يصوم في رجب؟ قال: نعم ويشرفه، قالها ثلاثًا، أخرجه أبو داود وغيره. وعن أبي قلابة قال: إن في الجنة قصرًا لصوام رجب. قال البيهقي: أبو قلابة هذا من كبار التابعين لا يقوله إلا عن بلاغ. الفصل الرابع في صومه عَّةٍ عشر ذي الحجة والمراد بها الأيام التسعة من أول ذي الحجة. القاضي يوسف) بن يعقوب إسماعيل بن حماد بن زيد البصري ثم البغدادي الإمام الحافظ الثقة الصالح، العفيف المهاب، الشديد على الحكام، ولي قضاء البصرة وواسط (حدثنا) اختصار لحدثنا في الكتابة (محمد بن إسحق السراج) بشد الراء الحافظ، قال: (حدثنا يوسف بن موسى السراج، حدثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم السلمي مولاهم البصري من رجال الجميع، قال: (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار من رجال مسلم (حدثنا حبيب المعلم) البصري مولى معقل بن يسار، قيل: اسم أبيه زائدة، وقيل: زيد (عن عطاء) بن أبي رباح (أن عروة) بن الزبير (قال لعبد الله بن عمر) بن الخطاب: (هل كان رسول اللّه عَّه يصوم في رجب؟، قال: نعم ويشرفه) أي: يذكر أن فيه فضلاً (قالها ثلاثًا) أي: ثلاث مرات (أخرجه أبو داود وغيره) من طريق حجاج بن منهال به (وعن أبي قلابة) بكسر القاف وخفة اللام وموحدة عبد الله بن زيد الجرمي بفتح الجيم وإسكان الراء البصري (قال: إن في الجنة قصرًا لصّام رجب، قال البيهقي: أبو قلابة هذا من كبار التابعين، لا يقوله إلاَّ عن بلاغ). قال ابن رجب: وهذا أصح ما ورد فيه، وهذا كما قال غيره لا يقتضي صحته، لأنهم يعبرون بمثل ذلك في الضعيف كما يقولون أمثل ما في الباب، وهذا وإن صح عن أبي قلابة فهو مقطوع، إذ المقطوع قول التابعي وفعله. وعند البيهقي عن أنس مرفوعًا: ((إن في الجنة نهرًا يقال له رجب أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، من صام يومًا من رجب سقاه اللَّه من ذلك النهر))، ضعفه ابن الجوزي وغيره، وصرح الحافظ وغيره بأنه لم يثبت في صومه حديث صحيح. (الفصل الرابع: في صومه عَّةِ عشر ذي الحجة، والمراد بها الأيام التسعة من أول ٢٩١ الفصل الرابع في صومه عَ لِ عشر ذي الحجة عن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي عَ لٍّ قالت: كان رسول الله عَُّلِّ يصوم تسع ذي الحجة. رواه أبو داود. وعن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله عٍَّ صائمًا في العشر قط. رواه مسلم والترمذي. وهذا يوهم كراهة صوم العشر، وليس فيها كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا لا سيما يوم التاسع منها وهو يوم عرفة، وقد ثبت في صحيح البخاري أنه عَُّلِّ قال: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه) يعني العشر الأول من ذي الحجة، واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في ذي الحجة) لأن العاشر العيد وصومه حرام (عن هنيدة) بهاء ونون مصغر (ابن خالد) الخزاعي، ويقال: النخعي ريب عمر مذكور في الصحابة، وقيل: تابعي كبير، وذكره ابن حبان في الموضعين (عن امرأته:) لم أقف على اسمها وهي صحابية (عن بعض أزواج النبي عَ ◌ّه) هي حفصة، قاله الحافظ. وقال المنذري: اختلف فيه على هنيدة، فمرة قال هكذا، ومرة عن حفصة ومرة عن أم سلمة (قالت: كان رسول اللَّه عَّ يصوم تسع ذي الحجة) ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى، هذا بقية ذا الحديث الذي (رواه أبو داود) والنسائي وأحمد وحسنه بعض الحفاظ، وقال الزيلعي: حديث ضعيف. (وعن عائشة قالت: ما رأيت رسول اللَّه عَلّ صائمًا في العشر قط) أي: عشر ذي الحجة، والمراد به التسع كما مر (رواه مسلم والترمذي وهذا يوهم كراهة صوم العشر) أي: التسع (وليس فيها كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا) فقد روى الترمذي وابن ماجه بسند فيه مقال عن أبي هريرة مرفوعًا: ((ما من أيام أحب إلى الله تعالى أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)) (لا سيما يوم التاسع منها وهو يوم عرفة) ولما صح أنه يكفر سنتين (فقد ثبت في صحيح البخاري) في كتاب العيد عن ابن عباس (أنه عَِّ قال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه، يعني العشر الأول من ذي الحجة))) كذا ساقه المصنف، والذي في البخاري ما العمل في أيام أفضل منها في هذه. قال الحافظ: كذا الأكثر الرواة يإبهام أيام، وفي رواية كريمة عن الكشمهبني: ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه، وروايتها شاذة مخالفة لما رواه أبو ذر وهو من الحفاظ عن ٢٩٢ الفصل الرابع في صومه عَ ل عشر ذي الحجة العمل. واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد؟ وأجيب: بأنه محمول على الغالب. ويتأول قولها - يعني عائشة -: ((لم يصم العشر)) على أنه لم يصمه لعارض من مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل عليه حديث هيندة ابن خالد الذي ذكرته. قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع في رواية القاسم بن أبي أيوب: ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى. وفي حديث جابر في صحيحي أبي عوانة وابن حبان ((ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الكشميهني شيخ كريمة، بلفظ: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه العشر))، وكذا أخرجه أحمد وغيره ورواه الطيالسي في مسنده، والدارمي بلفظ: ((ما العمل في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة)، ورواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما بلفظ: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر)، ولفظ الترمذي: ((من هذه الأيام العشر)) بدون يعني، وظن بعضهم أن قوله يعني تفسير من بعض رواته، لكن ما ذكرناه من رواية الطيالسي وغيره ظاهر في أنه من نفس الخبر. انتهى فلم يعز اللفظ الذي ساقه المصنف إلا لغير البخاري. (واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل) لشموله له وللصلاة والذكر والصدقة وغير ذلك (واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد وأجيب بأنه محمول على الغالب) أي: الأكثر من الأيام العشرة (ويتأول) أي: يحمل (قولها، يعني عائشة: لم يصم العشر على أنه لم يصمه) حينًا (لعارض من مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر) لأنها إنما نفت رؤيتها. (ويدل عليه حديث هنيدة بن خالد الذي ذكرته) أولاً: كان يصوم تسع ذي الحجة والمثبت متقدم على النافي، وقد كان يقسم لتسع فلم يصمها عند عائشة وصام عند غيرها، ورد بأنه يبعد كل البعد أن يلازم عدة سنين على عدم صومه في نوبتها دون غيرها، فالجواب الأول أسد. (قال الحافظ بن حجر: وقد وقع) عند الدارمي وأبي عوانة (في رواية القسم بنِ أبي أيوب) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي عَّه قال: ((ما من عمل أزكى عند اللَّه ولا أعظم أجرًا من خير يعمله) العامل (في عشر الأضحى)). (وفي حديث جابر) بن عبد اللّه المروي (في صحيحي) بالتثنية (أبي عوانة وابن حبان) مرفوعًا: ((ما من أيام أفضل عند اللَّه من أيام عشر ذي الحجة، فقد ثبتت الفضيلة لأيام عشر ٢٩٣ الفصل الرابع في صومه عَّةٍ عشر ذي الحجة الحجة) فقد ثبتت الفضيلة لأيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة، وتظهر فائدة ذلك: فيمن نذر الصيام أو علق عملاً من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يومًا منها تعين يوم عرفة لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور، فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة، جمعًا بين الحديث السابق وبين حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة)) رواه مسلم. أشار إلى ذلك كله النووي في شرحه، وقال الداودي: لم يرد عليه السلام أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة لأنه قد يكون منها يوم الجمعة، يعني: فيلزم تفضيل الشيء على نفسه، وتعقب: بأن المراد: كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة، سواء كان يوم الجمعة أم لا، ويوم الجمعة فيه أفضل من يوم الجمعة في غيره لاجتماع الفضيلتين فيه. والذي يظهر أن السبب في امتياز ذي الحجة على غيرها من أيام السنة) وظهر بذلك أيضًا أن المراد بالأيام في حديث ابن عباس: أيام عشر ذي الحجة، لكنه يشكل على ترجمة البخاري عليه باب فضل العلم في أيام التشريق، وأجيب بأن الشيء يشرف بمجاورة الشريف وأيام التشريق تلو أيام العشر الثابت لها الفضيلة بهذا الحديث فثبتت لأيام التشريق، وبأن شرف العشر إنما هو لوقوع أعمال الحج فيه، وباقي أعماله تقع في أيام التشريق، كرمي وطواف وغيرهما من تتماته فاشتركت معها في أصل الفضل، وبأن ختام العشر مفتتح أيام التشريق، فمهما ثبت للعشر من الفضل شاركتها فيه، لأنه يوم العيد بعضها، بل هو رأس كل منهما وشريفه وهو يوم الحج الأكبر. (وتظهر فائدة ذلك فيمن نذر الصيام أو علق عملاً من الأعمال بأفضل الأيام فلو أفرد يومًا منها تعين يوم عرفة، لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور، فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة جمعًا بين الحديث السابق، وبين حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة)، رواه مسلم) ومر شرحه (أشار إلى ذلك كله النووي في شرحه) على مسلم. (وقال الداودي) أحمد بن نصر في شرح البخاري: (لم يرد عليه السلام أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة لأنه قد) للتحقيق (يكون منها يوم الجمعة، يعني: فيلزم تفضيل الشيء على نفسه) وهو باطل (وتعقب بأن المراد كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة سواء كان يوم الجمعة أم لا ويوم الجمعة فيه) أي: في العشر (أفضل من يوم الجمعة في غيره لاجتماع الفضيلتين فيه) أي: كونه من أيام العشر وكونه يوم الجمعة (والذي يظهر ٢٩٤ الفصل الرابع في صومه عَّه عشر ذي الحجة عشر ذي الحجة إمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها. وعلى هذا: هل يخص الفضل بالحاج أو يعم المقيم؟ فيه احتمال. انتهى. وقال أبو أمامة ابن النقاش: فإن قلت: أيما أفضل، عشر ذي الحجة أو العشر الأواخر من رمضان؟ فالجواب: أن أيام عشر ذي الحجة أفضل لاشتمالها على اليوم الذي ما رئي الشيطان في يوم غير يوم بدر أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه فيه وهو يوم عرفة، ولكون صيامه يكفر سنتين، ولاشتمالها على أعظم الأيام عند الله حرمة وهو يوم النحر الذي سماه الله تعالى يوم الحج الأكبر، وليالي عشر رمضان الأخير أفضل لاشتمالها على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. ومن تأمل هذا الجواب وجده كافيًا شافيًّا، أشار إليه الفاضل المفضل في قوله: ((ما من أيام العمل فيهنَّ أحب إلى الله من عشر ذي الحجة)) الحديث، فتأمل قوله ((ما من أيام)) دون أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة) بالفضل على غيره (إمكان اجتماع أمهات) أي: أصول (العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها، وعلى هذا هل يخص الفضل بالحاج) لأنه الذي تميزت به (أو يعم المقيم فيه احتمال) والثاني ظاهر الحديث لا سيما على رواية: ما من عمل أزكى عند اللَّه ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى، فإن المتبادر منه تفضيل عمل، أي: عامل وإن لم يكن حاجًا. (انتهى) كلام الحافظ. (وقال أبو أمامة ابن النقاش: فإن قلت: أيما أفضل عشر ذي الحجة أو العشر الأواخر من رمضان، فالجواب أن أيام عشر ذي الحجة أفضل لاشتمالها على اليوم الذي ما رئي) بالبناء للمفعول (الشيطان في يوم غير يوم بدر أدحر) بفتح الهمزة وإسكان الدال وفتح الحاء وراء مهملات، أي: أبعد من الخير. قال تعالى: ﴿مدحورًا﴾ [الأعراف/١٨]، أي: مبعدًا من رحمة اللَّه تعالى (ولا أغيظ) أشد غيظًا محيطًا بكبده وهو أشد الحنق (ولا أحقر) أذل وأهون عند نفسه، لأنه عند الناس حقر أبدًا (منه فيه وهو يوم عرفة) قال عَّ: ((وما ذاك إلاَّ لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز اللَّه عن الذنوب العظام»، خرجه ملك (ولكون صيامه يكفر سنتين) الماضية والآتية (ولاشتمالها) أي: العشر (على أعظم الأيام حرمة عند اللَّه وهو يوم النحر الذي سماه اللَّه تعالى يوم الحج الأكبر وليالي عشر رمضان الأخير أفضل لاشتمالها على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ومن تأمل هذا الجواب وجده كافيًا شافيًا، أشار إليه الفاضل المفضل) عَّةٍ (في قوله: ما من أيام العمل فيهن أحب إلى اللَّه من عشر ذي الحجة الحديث، فتأمل قوله: ما ٢٩٥ الفصل الخامس في صومه عَّةٍ أيام الأسبوع أن يقول: ما من عشر ونحوه. ومن أجاب بغير هذا التفضيل لم يدل بحجة صحيحة صريحًا. الفصل الخامس في صومه عَّةٍ أيام الأسبوع عن عائشة أن رسول الله عَ الله كان يتحرى صيام يوم الإثنين والخميس. رواه الترمذي والنسائي. من أيام دون أن يقول ما من عشر ونحوه) يرد عليه رواية في عشر الأضحى السابقة قريئًا وليس فيها لفظ أيام (ومن أجاب بغير هذا التفضيل، لم يدل) أي: لم يبين ما ذهب إليه (بحجة صحيحة) وهذا قد تعقب بأن الأيام إذا أطلقت دخل فيها الليالي تبعًا. وفي البزار وغيره عن جابر مرفوعًا: أفضل أيام الدنيا أيام العشر، وقد أقسم اللَّه بها في قوله: ﴿والفجر وليال عشر﴾ [الفجر/١]، ولو صح حديث أبي هريرة عند الترمذي قيام ليلة منها بقيام ليلة القدر لكان (صريحًا) في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان، فإن عشر رمضان فضل بليلة واحدة، وهذا جميع لياليه متساوية، والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين أن مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها. انتهى، على أن كون ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان غير محقق، إذ في تعيينها أقوال كثيرة مرت قبل هذا الموضع. (الفصل الخامس: في صومه عَيّ أيام الأسبوع) أي: ذكر الأحاديث في أيام صومه عليه السلام من الأسبوع. (عن عائشة: أن رسول اللّه عَدٍ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس) أي: يتعمد صيامهما أو يجتهد في إيقاع الصوم فيهما، لأن الأعمال تعرض فيهما كما يأتي، ولأنه تعالى يغفر فيهما لكل مسلم إلاَّ المتهاجرين كما رواه أحمد، ولا يشكل استعمال الاثنين بالنون مع تصريحهم بأن المثنى والملحق به يلزم الألف إذا جعل علمًا ويعرب بالحركات، لأن عائشة من أهل اللسان، فدل على أنه لغة (رواه الترمذي والنسائي) وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب، وأعله ابن القطان براويه عن عائشة: وهو ربيعة الجرشي وهو مجهول. قال الحافظ: وأخطأ فيه فهو صحابي، وتعقب بأن إطلاقه التخطئة غير صواب، فإنه قال في تقريبه: مختلف في صحبته، وسبقه إلى ذلك شيخه الزين العراقي، فقال في شرح الترمذي: إنه مختلف في صحبته، وذكره ابن سعد في طبقاته الكبرى في الصحابة، وفي الصغرى في ٢٩٦ الفصل الخامس في صومه عَّطيلة أيام الأسبوع وعن أبي قتادة قال: سئل رسول الله عَّ له عن صوم الإثنين فقال: ((فيه ولدت وفيه أنزل علي)). رواه مسلم. وعن أبي هريرة أن ◌َّم قال: ((تعرض الأعمال على الله تعالى يوم الإثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)). رواه الترمذي. وعن أسامة بن زيد: قلت يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال: التابعين: وكذا ذكره ابن حبان في الصحابة، وفي التابعين، وقال الواقدي: سمع النبي عَّه، وقال أبو حاتم: لا صحبة له، وذكره أبو زرعة الرازي في الطبقة الثالثة من التابعين. (وعن أبي قتادة) الحرث أو عمرو، أو النعمان الأنصاري (قال: سئل رسول اللَّهُ عَلَّه عن صوم الاثنين، فقال: فيه ولدت وفيه أنزل عليّ) ﴿اقرأ بسم ربك﴾ إلى قوله: ﴿ما لم يعلم﴾ [العلق / ٥٠١]. قال الطيبي: أي فيه وجود نبيكم ونزول كتابكم وثبوت نبوّته، فأي يوم أفضل وأولى للصائم منه فاقتصر على العلة، أي: سلوا عن فضيلته لأنه لا مقال في صيامه فهو من أسلوب الحكيم. انتهى. والمتبادر أن السؤال عن فضيلته فالجواب طبق السؤال، إذ لا يليق سؤال الصحابي عن جواز صيامه، لا سيما إن رأى أو علم أنه عَ لِّ صامه، وحاصل التنزل أنه لا بد من تقدير مضاف وهو إما فضل وإما جواز، إذ لا معنى للسؤال عن نفس الصوم، فدل الجواب على أن التقدير فضل (رواه مسلم) هكذا مختصرًا، ورواه قبله في حديث طويل عن أبي قتادة بلفظ: وسئل عن صوم الاثنين، فقال: ((ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت، أو أنزل عليّ فيه)). قال المصنف في شرحه: يحتمل أن يريد بقوله: بعثت: أنزل القرءان عليه، فإنه ما بعثت حتى أنزل عليه اقرأ، فمعناه ومعنى أنزل عليّ واحد، والشك من الراوي. ويحتمل أن يراد بقوله: أنزل عليّ سورة المدثر، لأنها نزلت بعد فترة الوحي. انتهى، لكن إنما يتأتى هذا لو كان، وأنزل عليّ بالواو، وأما وهو بأو فالمتبادر أنها شك. (وعن أبي هريرة أنه عَِّ قال: تعرض الأعمال) أي: يعرضها ملك موكل بجمعها (على اللَّه يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي) على اللَّه تعالى (وأنا صائم) لما فيه من الثواب الذي لا يعلمه غيره (رواه الترمذي). (وعن أسامة بن زيد) الحب ابن الحب (قلت: يا رسول اللَّه إنك تصوم حتى لا تكاد) تقارب (تفطر وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلاَّ يومين، إن دخلا في صيامك) صمتهما (وإلاّ) ٢٩٧ الفصل الخامس في صومه عليه أيام الأسبوع (أي يومين))؟ قلت: يوم الإثنين والخميس، قال: ((ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)). رواه النسائي. وروي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق/١٨] قال: يكتب كل ما تكلم به من خير وشر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت وشربت وذهبت وجئت ورأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وهذا يدخله فيه، بل في فطرك (صمتهما؟، قال: أي يومين؟، قلت: ((يوم الاثنين والخميس))، قال: (ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم))، رواه النسائي). (وروي علي بن أبي طلحة) سالم مولى بني العباس صدوق وقد يخطىء، أرسل عن ابن عباس ولم يره، قاله في التقريب. (عن ابن عباس في قوله تعالى: ((ما يلفظ من قول إلاَّ لديه رقيب﴾) مراقب (﴿عتيد﴾)، حاضر (قال: يكتب) المتلقيان المذكوران في قوله تعالى: ﴿إِذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق/١٧]. قال ابن عطية: وهما الملكان الموكلان بكل إنسان، ملك اليمين كاتب الحسنات، وملك الشمال كاتب السيئات، فيكتب كاتب الحسنات (كل ما تكلم به) متكلم (من خير و) يكتب كاتب السيئات كل ما تكلم به من (شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت وشربت وذهبت وجئت ورأيت) أي أن كاتب السيئات يكتب حتى المباحات كالمذكورات (حتى إذا كان) وجد (يوم الخميس عرض قوله وعمله) على اللَّه تعالى (فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقي سائره) وهو المباح، وهذا نقل نحوه ابن عطية عن الحسن البصري وقتادة وغيرهما، ونقل عن عكرمة أنهما يكتبان الخير والشر، وما خرج عنهما لا يكتب، قال: والأول هو الصواب وهو ظاهر هذه الآية. وروي أن رجلاً قال لجمله: حل، فقال ملك اليمين: لا أكتبها، وقال ملك الشمال: لا أكتبها، فأوحى اللَّه إلى ملك الشمال أن اكتب ما ترك صاحب اليمين، قال: وهذه اللفظة إذا اعتبرت فهي بحسب مشيه ببعيره، فإن كان في طاعة فحل حسنة، وإن كان في معصية فهي سيئة، والمتوسط بين هذين عسير الوجود، فلا بد أن يقترن بكل أحوال المرء قرائن تخلصها للخير أو لخلافه. انتهى. ٢٩٨ الفصل الخامس في صومه عَّة أيام الأسبوع عرض خاص في هذين الوقتين غير العرض العام كل يوم فإن ذلك عرض خاص دائم بكرة وعشيًا. ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله عَّه بخمس كلمات فقال: ((إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل)) الحديث. (وهذا عرض خاص في هذين الوقتين غير العرض العام كل يوم، فإن ذلك عرض خاص) بكل يوم فتغايرا، وفي نسخة عرض عام وهي ظاهرة (دائم بكرة وعشياً) وفي جميع ذلك حكم: خفية وإلاّ فلا يخفى عليه شيء. (ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم) في الإيمان (عن أبي موسى) عبد اللَّه بن قيس (الأشعري، قال: قام فينا رسول اللَّه عَّهِ بخمس كلمات) أي: جمل (فقال: إن اللَّه تعالى لا ينام) أي لا يقع منه نوم (ولا ينبغي) لا يصح (له أن ينام) لأنه موت وهو الحي الدائم الباقي، ولأنه هواه ينزل من أعلى الدماغ يفقد معه الحس تعالى الله عن ذلك، فتعلق نفي الأول الوقوع، والثاني الصحة، فالعطف تأسيس إذ لا يلزم من نفي الوقوع نفي الصحة (يخفض القسط) بكسر القاف (ويرفعه) قيل: هو الميزان لحديث أبي هريرة عند الشيخين، وبيده الميزان يخفض ويرفع، وقيل: هو نصيب كل مخلوق من الرزق وخفضه ورفعه كنايتان عن التقليل والتكثير، وقيل: هو الشريعة يرفعها، أي يظهرها بوجود الأنبياء والعلماء ويخفضها بدرس الحق والرجوع عن اتباعه (يرفع) إلى المحل المضاف (إليه) تعظيمًا له الذي يقبض فيه أعمال العباد ولعله سدرة المنتهى، أو إلى الملائكة الموكلين بقبض ذلك كما يقال رفع المال إلى الملك، أي إلى خزانته، أو إلى من أقامه لقبضه، لأنه تعالى لا يجوز تخصيصه بجهة ولا مكان (عمل الليل قبل) الأخذ في عمل (النهار) أي في آخر النهار (وعمل النهار قبل) الأخذ في عمل (الليل) أي في آخره قبل فراغه، فلا خلاف بين هذا وبين الرواية الثانية لمسلم يرفع إليه عمل النهار بالليل وعمل الليل بالنهار. هكذا قرره القرطبي فجعله من مجاز الحذف بدليل الرواية الثانية ويشهد له حديث يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، فإنه يقتضي أن عمل النهار يرفع بالنهار وعمل الليل بالليل، إذا جعل ما بعد الفجر من الليل، وجمع النووي بأن عمل الليل يرفع بأول النهار الذي يليه، وعمل النهار بأول الليل الذي يليه، لأن الملائكة إنما تصعد بعمل الليل قبل انقضائه في أول النهار وتصعد بعمل النهار بعد انقضائه في أول الليل. انتهى، وهو أيضًا مجاز وكلاهما حسن (الحديث) تمامه حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات ٢٩٩ الفصل الخامس في صومه عَّة أيام الأسبوع وعن أم سلمة كان عَّهِ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الأثنين والخميس من هذه الجمعة، والإثنين من المقبلة، وفي أول إثنين من الشهر، ثم الخميس ثم الخميس الذي يليه. رواه النسائي. وعن عائشة: كا يصوم من الشهر: السبت والأحد والإثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس. رواه الترمذي. وعن کریب، مولى ابن عباس، قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي عَّهُ إِلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان النبي عَ لَِّ أكثرها صيامًا؟ قالت: السبت والأحد، ويقول: ((إنهما عيدا المشركين، وأنا أحب أن أُخالفهما)). رواه أحمد والنسائي، وفيه محمد بن عمر، ولا يعرف حاله، ويرويه عنه ابنه عبد الله بن محمد ولا يعرف حاله أيضًا. وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. (وعن أم سلمة) هند أم المؤمنين قالت: (كان عَِّ يصوم في كل شهر ثلاثة أيام الاثنين والخميس من هذه الجمعة) الأولى من الشهر، فيصوم أول اثنين منه وخميس (والاثنين من) الجمعة (المقبلة، وفي أول اثنين من الشهر، ثم الخميس) التالي له (ثم الخميس الذي يليه) من الجمعة المقبلة، أي أنه كان تارة يفعل هذا، وأخرى هذا، والبداءة بالاثنين فيهما (رواه النسائي). (وعن عائشة: كان يصوم من الشهر السبت والأحد والإثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس) فبين أن صيام الثلاثة يكون في جميع الأسبوع ولم يوال الستة لئلا يشق على أمته ولم يذكر الجمعة في هذا الحديث، وذكره في حديث ابن مسعود، بلفظ: فلما كان يفطر يوم الجمعة (رواه الترمذي) وقال: حسن. (وعن كريب) بضم الكاف مصغر (مولى ابن عباس قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي عَّةٍ إلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان النبي عَّ أكثرها صيامًا، قالت: السبت والأحد، ويقول) بيانًا لذلك (إنهما عيدا) بالتثنية (المشركين) اليهود والنصارى (وأنا أحب أن أخالفهما، رواه أحمد والنسائي وفيه محمد بن عمر) بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي (ولا يعرف حاله) أي أنه مجهول (ويرويه عنه ابنه عبد الله بن محمد ولا يعرف حاله أيضًا) لكونه مجهولاً، كذا جزم المصنف بأنهما مجهولان، وهو خلاف قول الحافظ في التقريب أن محمدًا صدوق وعبد اللَّه ابنه مقبول بموحدة، أي: في روايته. ٣٠٠ الفصل الخامس في صومه عَّ أيام الأسبوع وعن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء أن رسول الله عَّ له قال: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه)). رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي. قال بعضهم: لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة، فإن النهي عن صومه إنما هو عن إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال: باب النهي أن يخص يوم السبت بالصوم وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد. قالوا: ونظير هذا أنه عَّ ◌ُّه نهى عن (وعن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وإسكان المهملة الصحابي (عن أخته الصماء) بنت بسر المازنية يقال اسمها بهيمة، لها صحبة، وحديث: (أن رسول اللَّه عَ له قال: ((لا تصوموا يوم السبت إلاَّ فيما افترض عليكم) أي لا تقصدوا صومه إلاَّ في فرض كمن أسلم، أو أفاق من جنون أو مرض أو بلغ، ولم يبق من الشهر إلاَّ السبت فيصومه (فإن لم يجد أحدكم إِلاَّ لحاء) بكسر وحاء مهملة والمد والقصر قشر (عنبة أو عود شجرة فليمضغه)) في رواية: فليمصه، وفي أخرى: فليفطر عليه. قال الحافظ العراقي: هذا مبالغة في النهي عنه، لأن قشر شجر العنب جاف لا رطوبة فيه البتة، بخلاف قشر غيره من الأشجار والنهي للتنزيه، وعليه الشافعية وبعض الحنفية، وذهب الجمهور ولملك وأحمد إلى أنه لا كراهة (رواه أحمد وأبو داود والترمذي) وقال: حسن (وابن ماجه والدارمي) والنسائي والحاكم وصححه، وأعل بأن له معارضًا بسند صحيح، وبقول لملك هذا الخبر كذب، ويقول النسائي مضطرب، فقيل: هكذا عن ابن بسر عن أخته، وقيل: عن ابن بسر عن النبي عَّةٍ بلا واسطة، وقيل: عنه عن أبيه، وقيل: عن أخته عن أبيه عن عائشة. قال الحافظ: وبالجملة فهذا التلون، أي الاضطراب في حديث واحد بسند واحد مع اتحاد المخرج يوهن راويه ويضعف ضبطه إلاّ أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع الطرق وهنا ليس كذلك. انتهى. وقال أبو داود: إنه منسوخ، ورجح واعترض. وقال الإمام أحمد: هذا الحديث على ما فيه يعارضه حديث أم سلمة، يعني الذي قبله، وحديث: نهي عن صوم الجمعة إلاَّ بيوم قبله أو يوم بعده، فالذي بعده السبت وأمر بصوم المحرم وفيه السبت. (قال بعضهم:) جوابًا عن هذا (لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة) السابق (فإن النهي عن صومه إنما هو عن إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود، فقال: باب النهي أن يخصّ يوم السبت بالصوم، وحديث: صيامه إنما هو مع يوم الأحد) ورد ذلك الأثر بأن الاستثناء هنا دليل