Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ الأول فيما كان يخص عَّه به رمضان من العبادات قال في فتح الباري: وفي معارضة جبريل النبي عَّ بالقرءان في شهر رمضان حكمتان، إحداهما: تعاهده، والأخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفًا لإنزاله جملة وتفصيلاً وعرضًا وإحكامًا. وفي المسند، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي عَّ أنه قال: ((أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان. وقد دل الحديث على استحباب مدارسة القرءان في رمضان، والاجتماع عليه، وعرض القرءان على من هو أحفظ منه. (قال في فتح الباري: وفي معارضة جبريل النبي عَّ بالقرءان في شهر رمضان حكمتان، إحداهما تعاهده والأخرى تبقية ما لم ينسخ منه، ورفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفًا لإنزاله جملة وتفصيلاً وعرضًا وإحكامًا، وفي المسند) للإمام أحمد (عن واثلة) بمثلثة (ابن الأسقع) بالقاف (عن النبي عَّه، قال: أنزلت صحف إبراهيم) بضمتين: جمع صحيفة، وأصلها كما قال الزمخشري قطعة من جلد أو قرطاس كتب فيه، وفي الصحاح الصحيفة الكتاب (في أول ليلة من شهر رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان) أسقط من حديث المسند وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان (وأنزل القرآن الأربع وعشرين خلت من رمضان). قال في فتح الباري: هذا الحديث مطابق لقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة/١٨٥]، ولقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر/١]، فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة، فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين، أي: صبيحتها إلى الأرض أول اقرأ بسم ربك، قال في الإتقان: لكن يشكل على هذا الحديث ما لابن أبي شيبة عن أبي قلابة، قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان. انتهى ولا إشكال، لأن المقطوع لا يعارض المرفوع إذ أبو قلابة تابعي، وما قاله التابعي ولم يرفع يقال له مقطوع وهو من أقسام الضعيف. (وقد دل الحديث) أي: حديث ابن عباس (على استحباب مدارسة القرءان في رمضان والاجتماع عليه، وعرض القرءان على من هو أحفظ منه) لعل معناه من حيث إن جبريل علم المنسوخ منه من غيره فكان أحفظ حتى بلغ ذلك النبي عدّله. ٢٢٢ الأول فيما كان يخص ◌َّه به رمضان من العبادات وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه عَّه وبين جبريل كانت ليلاً، وهو يدل على استحباب الإكثار من تلاوة القرءان في رمضان ليلاً، لأن الليل تنقطع فيه الشواغل وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر. وقد كان عَِّ يبشر أصحابه بقدوم رمضان، كما أخرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة ولفظه قال: كان النبي عَّه يبشر أصحابه بقدوم رمضان بقول: ((قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم الخير الكثير)). (وفي حديث ابن عباس) في قوله في بعض طرقه، وكان، أي: جبريل يلقاه كل ليلة (أن المدارسة بينه عَّ ه وبين جبريل كانت ليلاً، وهو يدل على استحباب الإكثار من تلاوة القرءان في رمضان ليلاً، لأن الليل تنقطع فيه الشواغل وتجتمع فيه الهمم ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر) وفيه أن القرءان أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويًا لفعله، فإن قيل: القصد تجويدًا لحفظ قلنا الحفظ كان حاصلاً، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس (وقد كان عقّ يبشر أصحابه بقدوم رمضان) إذاعة لفضله وحثًا عليه (كما أخرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة، ولفظه قال: كان النبي ◌َّهِ يبشر أصحابه بقدوم رمضان بقول: قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب): فرض (اللَّه عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء) الذي في الفتح عن أحمد والنسائي أبواب الجنة وهو المناسب لقوله: (وتغلق فيه أبواب الجحيم:) النار حقيقة فيهما، ففتح الجنة لمن مات فيه أو عمل عملاً لا يفسد عليه، وذلك علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته، وكذلك غلق أبواب الجحيم (وتغل فيه) أي: تربط (الشياطين) بالأغلال التي تربط بها اليدان والرجلان وتربط في العنق، وهو حقيقة أيضًا منعًا لهم من أذى المؤمنين ولا يشكل بوقوع المعاصي في رمضان كغيره، لأنها إنما تغل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه وهو المغلول بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما في الترمذي: صفدت الشياطين مردة الجن والقصد تقليل الشر فيه، وهو أمر محسوس، فإن وقوعه فيه أقل من غيره بكثير أو لا يلزم من غل الشياطين أن لا يقع شر ولا معصية، لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية وقيل غير ذلك. (فيه ليلة خير من ألف شهر) ليس فيها ليلة قدر (، من حرمها) أي: العمل الصالح فيها (فقد حرم الخير الكثير). ٢٢٣ الأول فيما كان يخص ◌ّ به رمضان من العبادات قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بشهر رمضان. وروي أنه عَ لِّ كان يدعو ببلوغ رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب وشعبان قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان. رواه الطبراني وغيره من قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بشهر رمضان) قال القمولي في الجواهر: لم أر لأحد من أصحابنا كلامًا في التهنئة بالعيد والأعوام والأشهر كما يفعله الناس، لكن نقل الحافظ المنذري عن الحافظ أبي الحسن المقدسي: أن الناس لم يزالوا مختلفين فيه، والذي أراه أنه مباح لا سنة ولا بدعة. انتهى. وأجاب الحافظ بعد اطلاعه على ذلك بأنها مشروعة، فقد عقد البيهقي بذلك بابًا، فقال: باب ما روي في قول الناس بعضهم لبعض في يوم العيد تقبل الله منا ومنك، وساق ما ذكره من أخبار وآثار ضعيفة، لكن مجموعها يحتج به في مثل ذلك، ثم قال: ويحتج لعموم التهنئة لما يحدث من نعمة أو يندفع من نقمة بما في الصحيحين عن كعب بن لملك في قصة توبته عن تخلفه عن غزوة تبوك، قال: فانطلقت إلى النبي عَّه يتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة ويقولون: تهنيك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول اللّه عَ ل حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد اللَّه يهرول حتى صافحني وهنأني، فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول اللَّه عَِّ قال وهو يشرق وجهه من البشر: ((أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)»، وللحافظ السيوطي وريقات سماها وصول الأماني بأصول التهاني، قال في أولها: طال السؤال عما اعتاده الناس من التهنئة بالعيد والعام والشهور والولايات ونحو ذلك هل له أصل في السنة، فجمعت هذا الجزء في ذلك. (وروي أنه عَّ كان يدعو ببلوغ رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب وشعبان قال: ((اللهم بارك لنا في رجب))). قال المصباح: رجب من الشهور مصروف، وفي حواشي الكشاف للتفتازاني: أن رجبًا وصفرًا إذا أريدا من سنة بعينها منعا الصرف، أي: العلمية والعدل عن الرجب والصفر وإلاّ فهما مصروفان، والظاهر من قوله: بارك لنا في رجب، أن المراد به الشهر الذي هو فيه (وشعبان) ويستحب صومهما (وبلغنا رمضان). قال ابن رجب: فيه ندب الدعاء بالبقاء إلى الأزمان الفاضلة لإدراك الأعمال الصالحة فيها، فإن المؤمن لا يزيد عمره إلاَّ خيرًا (رواه الطبراني وغيره) كأبي نعيم والبيهقي وابن عساكر (من ٢٢٤ الفصل الثاني في صيامه عليه السلام برؤية الهلال حديث أنس. وكان عليه الصلاة والسلام إذا رأى هلال رمضان قال: ((هلال رشد وخير، هلال رشد وخير، آمنت بالذي خلقك))، رواه النسائي من حديث أنس. وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول إذا دخل شهر رمضان: ((اللهم سلمني من رمضان، وسلم رمضان لي، وسلمه مني)). أي: سلمني منه حتى لا يصيبني فيه ما يحول بيني وبين صومه من مرض أو غيره. وسلمه لي: حتى لا يغم هلاله علي في أوله وآخره، فيلتبس عليَّ الصوم والفطر، وسلمه مني: أن تعصمني من المعاصي فيه. وهذا منه عَّه تشريع لأمته. الفصل الثاني في صيامه عليه السلام برؤية الهلال عن عائشة كان عَّ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم حديث أنس) وضعفه البيهقي وغيره، وخطيء من قال لم يصح في فضل رجب غيره. (وكان عليه الصلاة والسلام إذا رأى هلال رمضان قال: ((هلال) بالنصب بتقدير اللهم اجعله هلال (رشد) أي: هاد إلى القيام بعبادة الحق يحدث عن ميقات الصوت والحج وغيرهما ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ (وخير) أي: بركة (هلال رشد وخير) بالتكرار (آمنت بالذي خلقك) لأن أهل الجاهلية كان فيهم من يعبد القمر، فنبه بهذا على أنه مخلوق مسخر لأهل الأرض لا تصح عبادته (رواه النسائي من حديث أنس). وفي حديث أبي سعيد عن ابن السني أنه كان يقول ذلك لا يفيد هلال رمضان، ولفظه: كان إذا رأى الهلال قال: ((هلال خير ورشد آمنت بالذي خلقك)) ثلاثًا، ثم يقول: ((الحمد لله الذي ذهب بشهر کذا وجاء بشهر كذا)). (وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول إذا دخل شهر رمضان: ((اللهم سلمني من رمضان وسلم رمضان لي وسلمه مني))، أي: سلمني منه حتى لا يصيبني فيه ما يحول بيني وبين صومه من مرض أو غيره) تفسير للجملة الأولى (وسلمه لي حتى لا يغم) بالبناء للمفعول، أي: لا يحجب (هلاله عليَّ) بغيم ولا غيره (في أوله وآخره فيلتبس عليَّ الصوم والفطر، وسلمه مني بأن تعصمني من المعاصي فيه، وهذا منه عَّ تشريع لأمته) إذ هو معصوم أبدًا. (الفصل الثاني: في صيامه عليه السلام برؤية الهلال، عن عائشة: كان عَيْءٍ يتحفظ ٢٢٥ الفصل الثاني في صيامه عليه السلام برؤية الهلال لرؤية رمضان، فإذا غم عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام. رواه أبو داود. وقال عَّ له: ((إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له)). رواه مسلم. وقوله: ((فإن غم عليكم) أي: حال بينكم وبينه غيم. ((فاقدروا له)) من التقدير، أي: قدروا له تمام العدة ثلاثين يومًا، ويؤيده قوله في الرواية السابقة: ((فإن غم عليه عَّالِ عد ثلاثين)) وهو مفسر لـ (اقدروا له)) ولهذا لم يجتمعا في رواية. ويؤيده رواية ((فاقدروا له ثلاثين). قال المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله عليه السلام: (اقدروا)) له على أن من شعبان) أي: يجتهد في الوصول إلى العلم بهلاله خشية عدم العلم برؤيته فيؤدي إلى الشك في هلال رمضان، ومن للتعليل والمعنى يتكلف من أجل هلال شعبان (ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان، فإذا غم) بضم الغين وشد الميم، أي: ستر (عليه) بسحاب أو غيره (عد ثلاثين يومًا) من رؤية هلال شعبان (ثم صام، رواه أبو داود وقال عَله: إذا رأيتموه) أي: الهلال ليلة الثلاثين من شعبان (فصوموا) أي: انووا الصيام، أو صوموا إذا دخل وقته وهو من فجر الغد، فالتعقيب في كل شيء بحسبه (وإذا رأيتموه) ليلة الثلاثين من رمضان (فأفطروا) من الغد وليس المراد إباحة الإفطار ليلاً، لأنه لا يتوقف على رؤية الهلال (فإن غم عليكم) في الليلتين، أي: غطي بغيم أو غيره من غممت الشيء غطيته، وفيه ضمير الهلال، ويجوز أن يسند إلى الجار والمجرور، يعني: إن كنتم مغمومًا عليكم وترك ذكر الهلال للاستغناء عنه (فاقدروا له) بضم الدال وكسرها كما في المطالع وغيرها، وأنكر المطرزي الضم وليست حقيقة الرؤية شرطًا لازمًا للاتفاق على أن المحبوس في مطمورة إذا علم كمال العدة، أو بالاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه، قاله ابن دقيق العيد: (رواه مسلم) من حديث ابن عمر بهذا اللفظ من جملة ألفاظ وهو فيه، وفي البخاري بنحوه. (وقوله: فإن غم عليكم، أي: حال بينكم وبينه غيم) أو غيره من غممت الشيء إذا غطيته (فاقدروا له من التقدير، أي: قدروا له تمام العدة ثلاثين يومًا، ويؤيده قوله في الرواية السابقة، فإن غم عليه عَِّ عد ثلاثين) يومًا، وكذا جاء في بعض طرق حديث ابن عمر نفسه عند البخاري، بلفظ في: كملوا العدة ثلاثين (وهو مفسر لـ ((اقدروا له)) لأن أولى ما فسر الحديث بالحديث (ولهذا) أي: كونه تفسيرًا له (لم يجتمعا في رواية) واحدة (ويؤيده رواية) لمسلم عن ابن عمر نفسه: (فاقدروا له ثلاثين) أي: أكملوا له ثلاثين يومًا. (قال المازري) في شرح مسلم: (حمل جمهور الفقهاء قوله عليه السلام: اقدروا له ٢٢٦ الفصل الثاني في صيامه عليه السلام برؤية الهلال المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر، قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين، لأن الناس لو كلفوا به لضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم. انتهى. وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة، وجمهور السلف والخلف. وفيه دليل: أنه لا يجوز صوم يوم الشك، ولا يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غیم. وقال الإمام أحمد بن حنبل في طائفة: أي اقدروا له تحت السحاب، فيجوّزون صوم يوم ليلة الغيم عن رمضان، بل قال أحمد بوجوبه. وقال ابن سريج وجماعة منهم مطرف بن عبد الله وابن قتيبة وآخرون معناه: قدروه بحساب المنازل. على أن المراد إكمال العدة ثلاثين، كما فسره في حديث آخر) كحديث عائشة المذكور وبعض طرق حديث ابن عمر كما رأيت، وحديث أبي هريرة: ((فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا)). وفي رواية: ((فعدوا ثلاثين))، رواهما مسلم، وله وللبخاري عن أبي هريرة: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثین)). (قالوا:) ليس المراد التبري، بل أراد أن هذا التوجيه للجمهور، أي: أنهم قالوا في بيان وجه ما حملوا عليه الحديث (ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين، لأن الناس لو كلفوا به لضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلاَّ أفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم. انتهى) كلام المازري، وزاد: ولا حجة لهم في قوله ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾، لأنها محمولة عند الجمهور على الاهتداء في السير في البر والبحر (وهذا مذهبنا ومذهب لملك وأبي حنيفة وجمهور السلف والخلف، وفيه دليل أنه لا يجوز صوم يوم الشك) هو ما يتحدث الناس أنه من رمضان ولم ير أو شهد به من لا تقبل شهادته (ولا يوم الثلاثين) وإن لم يقع شك بالمعنى المذكور (من شعبان عن رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم) لأنها من شعبان بنص الحديث، لذا عيب على من فسر الشك بذلك، ويصام يوم الشك عادة وتطوّعاً ولنذر وقضاء وكفارة. (وقال الإمام أحمد بن حنبل في) أي: مع (طائفة، أي: اقدروا له) أي افرضوه موجودًا (تحت السحاب، فيجوَّزون صوم يوم ليلة الغيم عن رمضان، بل قال أحمد بوجوبه، وقال) أبو العباس (بن سريج) من الشافعية (وجماعة منهم مطرف بن عبد الله) من التابعين (وابن قتيبة) من المحدثين (وآخرون معناه: قدروه بحساب المنازل) لكن المصنف في عهدة قوله: ٢٢٧ الفصل الثالث في صومه عَ ته بشهادة العدل الواحد الفصل الثالث في صومه علَبةُ بشهادة العدل الواحد عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله عَّله أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود وصححه ابن حبان. وعن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله عَ له فقال: إني رأيت هلال رمضان، فقال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله))، قال: نعم، قال: ((أتشهد أن محمدًا وآخرون، وقوله قبله وجماعة منهم، فإن الحافظ بعدما عزاه لهؤلاء الثلاثة فقط، قال: قال ابن عبد البر: لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا. انتهى، فهو ظاهر في قصر التفسير بذلك على الثلاثة المذكورين، ولذا نقله الباجي عن الداودي، قال: لا يعلم أحد قاله إلا بعض الشافعية، يعني ابن سريج، قال: والإجماع حجة عليه، وسبقه إلى حكاية الإجماع ابن المنذر، فقال: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة، ونقل ابن العربي عن ابن سريج؛ أن قوله: فاقدروا له، خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم، وأن قوله: فأكملوا العدة، خطاب للعامة. قال ابن العربي: فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحسب العدد، وهذا بعيد عن النبلاء. انتهى، بل هو تحكم محجوج بالإجماع. وقال ابن الصلاح: معرفة منازل القمر هو معرفة سير الأهلة، وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم وهذا هو الذي أراده ابن سريج وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه. انتهى، ونقل ابن الروياني عنه أنه لم يقل بوجوبه بل بجوازه، واللَّه تعالى أعلم. (الفصل الثالث: في صومه عَّ بشهادة العدل الواحد: ) أي: عدل الشهادة، إذ هو المراد عند الإطلاق، فلا يكفي عبد ولا امرأة ونحوهما. (عن ابن عمر، قال: تراءى الناس الهلال) أي: نظروا إليه فلم يروه ورأيته أنا (فأخبرت رسول اللَّه عَّ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه، رواه أبو داود وصححه ابن حبان). قال المصنف: والمعنى في ثبوته بالواحد الاحتياط في الصوم، وهذا أصح قولي الشافعي. قال البغوي وغيره: ويجب الصوم أيضًا على من أخبره موثوق بالرؤية وإن لم يذكر عند القاضي (وعن ابن عباس قال: جاءِ أعرابي إلى رسول اللَّه ◌َّ، فقال: إني رأيت هلال رمضان، فقال: ((أتشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه)، قال: نعم، قال: ((أتشهد أن محمداً رسول الله»، ٢٢٨ الفصل الثالث في صومه علّ بشهادة العدل الواحد رسول الله))، قال: نعم، قال: ((يا بلال، أذن في الناس فليصوموا))، رواه أبو داود والترمذي والنسائي. والمراد في قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: ((إذا رأيتموه)) رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل إنسان، بل يكفي جميع الناس رؤية عدل على الأصح في مذهبنا. وهذا في الصوم، وأما الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور فجوزه بعدل. قال الأسنوي: إذا قلنا بالعدل الواحد في الصوم فلا خلاف أنه لا يتعدى إلى غيره، فلا يقع به الطلاق والعتق المعلقين بدخول رمضان، ولا يحل به الدين المؤجل، ولا يتم به حول الزكاة، كذا أطلقه الرافعي هنا نقلاً عن البغوي، وأقره وتبعه عليه في الروضة. وصورته: فيما إذا سبق التعليق على الشهادة، فإن وقعت الشهادة أولاً، وحكم الحاكم بدخول رمضان ثم جرى التعليق فإن الطلاق والعتق يقعان. كذا نقله القاضي حسين في تعليقه عن ابن سريج وقال الرافعي: في الباب قال: نعم، قال: ((يا بلال أذن في الناس فليصوموا))، رواه أبو داود والترمذي والنسائي) وجواب من لم يقل بعدل واحد عن هذين الحديثين؛ أنه يحتمل أن يكون عَ ل علم ذلك فحكم بعلمه وهو من خصائصه، فسقط بها الاستدلال ورجع إلى المعلوم أن الشهادة إنما تكون بعدلين. (والمراد في قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: ((إذا رأيتموه)) رؤية بعض المسلمين ولا يشترط رؤية كل إنسان، بل يكفي جميع الناس رؤية عدل على الأصح في مذهبنا) ورؤية عدلين عند غيرهم (وهذا) الخلاف محله (في الصوم، وأما الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوّال عند جميع العلماء إلاَّ أبا ثور) بمثلثة (فيجوز) أي: يثبت (بعدل عنده). (قال الأسنوي: إذا قلنا بالعدل الواحد في الصوم فلا خلاف أنه لا يتعدى إلى غيره) أي: الصيام لغير الرائي، أما هو فيثبت في حقه جميع الأحكام (فلا يقع به الطلاق والعتق المعلقين بدخول رمضان ولا يحل به الدين المؤجل ولا يتم به حول الزكاة، كذا أطلقه الرافعي هنا نقلاً عن البغوي، وأقره وتبعه عليه في الروضة، وصورته فيما إذا سبق التعليق على الشهادة، فإن وقعت الشهادة أولاً، وحكم الحاكم بدخول رمضان ثم جرى التعليق، فإن الطلاق والعتق يقعان، كذا نقله القاضي حسين في تعليقه عن ابن سريج، وقال الرافعي في الباب الثاني من كتاب الشهادات أنه القياس اهـ). ٢٢٩ الفصل الرابع فيما كان يفعله عَّهِ وهو صائم الثاني من كتاب الشهادات: إنه القياس، انتهى. الفصل الرابع فيما كان يفعله عَ لِه وهو صائم عن ابن عباس: أن رسول الله عَّة احتجم وهو صائم. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. واعلم أن الجمهور على عدم الفطر بالحجامة مطلقًا. وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحق وأبي ثور: يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء. وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا. وقال بقول أحمد، ومن الشافعية: ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان. ونقل الترمذي عن الزعفراني: أن الشافعي علق القول به على صحة (الفصل الرابع: فيما كان يفعله عَّله وهو صائم) من أمور قد يتوهم خدشها للصوم، كالحجامة والقبلة والإصباح بجنابة والسواك. (عن ابن عباس: أن رسول اللَّه عَِّ احتجم وهو صائم) وذلك في حجة الوداع، كما في بعض طرقه (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي) بطرق متعددة. (واعلم أن الجمهور على عدم الفطر بالحجامة مطلقًا)، أي: الحاجم والمحجوم لأنها إخراج، وقد قال ابن عباس: الفطر مما دخل وليس مما خرج وحمل على الغالب، لأنه تعمد إخراج المني يفطر. (وعن علي) أمير المؤمنين (وعطاء) بن أبي رباح (والأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (وأحمد) بن حنبل (وإسحق) بن راهويه (وأبي ثور) إبراهيم بن خالد الفقيه: (يفطر الحاجم والمحجوم وأوجبوا عليهما القضاء وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، وقال بقول أحمد ومن وافقه من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان). (ونقل الترمذي عن الزعفراني) نسبة إلى قرية الزعفرانية بقرب بغداد الحسين بن علي بن يزيد البغدادي الفقيه الإمام في اللغة قال في التقريب: صدوق فاضل تكلم فيه أحمد لمسألة اللفظ، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين ومائتين اهـ، وفي التهذيب: مات في رمضان، وفي ٢٣٠ الفصل الرابع فيما كان يفعله عَّه وهو صائم الحديث. قال الترمذي: وكان الشافعي يقول ذلك ببغداد، وأما بمصر فمال إلى الرخصة. انتهى. وقال الشافعي في ((اختلاف الحديث)) بعد أن أخرج حديث شداد ((كنا مع رسول الله عَّله في زمان الفتح، فرأى رجلاً يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان. فقال - وهو آخذ بيدي -: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) ثم ساق حديث ابن عباس أنه عَّهِ احتجم وهو صائم ثم قال: وحديث ابن عباس أمثلهما إسنادًا، فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إليَّ احتياطًا، والقياس مع حديث ابن عباس. والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة، انتهى. وأول بعضهم حديث ((أفطر الحاجم والمحجوم)) على أن المراد به أنهما الوفيات في شعبان سنة ستين، وقال ابن السمعاني: سنة تسع وأربعين ومائتين. (أنَّ الشافعي علق القول به على صحة الحديث، قال الترمذي: وكان الشافعي يقول ذلك ببغداد) وهو ما نقله عنه الزعفراني أثبت رواة القديم (وأما بمصر فمال إلى الرخصة) أي: جواز الاحتجام للصائم وأنه لا يفطر (انتهى. وقال الشافعي في) كتاب (اختلاف الحديث: بعد أن أخرج حديث شداد) بن أوس، قال: (كنا مع رسول اللَّه عَ ◌ّ في زمان الفتح) لمكة (فرأى رجلاً يحتجم لثمان عشرة) بفتح النون بدون ياء، أما معها فبإسكان الياء وفتحها (خلت من (رمضان، فقال) ◌َّله: (وهو آخذ بيدي) أي: بيدي شداد (أفطر الحاجم والمحجوم)) ثم ساق) الشافعي (حديث ابن عباس أنه عَد احتجم وهو صائم، ثم قال) الشافعي: (وحديث ابن عباس أمثلهما) أي: أصحهما (إسنادًا) لأنه متفق عليه بخلاف حديث شداد ففيه كلام طويل (فإن توقى أحد) لم يقع في الفتح لفظ أحد (الحجامة: كان أحب إليَّ احتياطًا) لئلا تضعفه فيلجأ إلى الفطر. (والقياس مع حديث ابن عباس) أي: موافق، ولأنها إخراج وللإجماع على أن رجلاً لو أطعم رجلاً طائعًا أو مكرهًا لم يفطر الفاعل (والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة اهـ) فإن احتجم وسلم فلا إثم ولا قضاء عليه. وفي البخاري: أن ثابتًا سأل أنسًا: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟، قال: لا إلاَّ من أجل الضعف، وفيه أن ابن عمر كان يحتجم وهو صائم، ثم تركه وكان يحتجم بالليل، أي: لما أسن خيفة الضعف وكان كثير الاحتياط، وجزم ابن عبد البر بأن حديث أفطر الحاجم والمحجوم منسوخ، لأنه في فتح مكة بحديث ابن عباس، لأنه في حجة الوداع ولم يدرك بعد ذلك رمضان معه عٍَّ لوفاته في ربيع الأول، وسبقه لذلك الشافعي، كما رواه عنه البيهقي (وأوَّل بعضهم ٢٣١ الفصل الرابع فيما كان يفعله عَّه وهو صائم سيفطران، كقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ [يوسف/٣٦]، أي ما يؤول إليه. ولا يخفى بعد هذا التأويل. وقال البغوي فى ((شرح السنة)) معناه: أي تعرضا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن من وصول شيء من الدم إلى جوفه عند مصه، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن من ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول أمره إلى أن يفطر. وقيل: معنى أفطرا: فعلا فعلاً مكروهاً وهو الحجامة، فصارا كأنهما غير متلبسين بالعبادة. وقال ابن حزم: صح حديث ((أفطر الحاجم والمحجوم)) بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد ((أرخص النبي عَّ في الحجامة للصائم)) وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) على أن المراد به أنهما سيفطران، كقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ أي ما يؤول إليه ولا يخفى بعد هذا التأويل). لأنه لا يلزم وصول الدم ولا ضعف القوّة أبدًا. (وقال البغوي في شرح السنة معناه، أي: تعرضًا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن من وصول شيء من الدم إلى جوفه عند مصه، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن من ضعف قوّته بخروج الدم، فيؤول أمره إلى أن يفطر) والفارق بين هذا وسابقه أنه قطع بأن مآل أمرهما الفطر والبغوي لم يقطع، بل قال تعرضًا ولا يلزم من التعرض الوقوع. (وقيل: معنى أفطرا فعلا فعلاً مكروهًا وهو الحجامة، فصارا كأنهما غير متلبسين بالعبادة) أي: الصيام. وقال ابن عبد البر: معناه ذهب أجرهما لما علمه عَّه من ذكر كخبر من لغا يوم الجمعة فلا صلاة له، أي: ذهب أجر جمعته، وقد قيل إنهما كانا مغتابين أو قاذفين فبطل أجرهما لا حکم صومهما اهـ. (وقال ابن حزم: صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم بلا ريب) فقد رواه النسائي والبيهقي بطرق عن الحسن عن أبي هريرة، وثوبان ومعقل بن يسار وعلي وأسامة والترمذي عن رافع بن خديج، وأبو داود والنسائي وابن ماجه وآخرون عن شداد بن أوس وثوبان، قال أحمد والبخاري عن ثوبان أصح وصححه ابن راهويه عن شداد، وصححهما معًا ابن المديني، وفي بعض أسانيدهم مقال لكن باجتماع طرقه وتعدد مخارجه يرتقي إلى الصحة. (لكن وجدنا من حديث أبي سعيد أرخص النبي عٍَّ في الحجامة للصائم وإسناده صحيح فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة) غالبًا ليخرج السلم فإنه أبيح ٢٣٢ الفصل الرابع فيما كان يفعله عَ ب، وهو صائم الفطر بالحجامة، سواء كان حاجمًا أو محجومًا. انتهى. والحديث المذكور أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني، ورجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه ووقفه، وله شاهد من حديث أنس عند الدارقطني ولفظه (أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به رسول الله عَ طله فقال: ((أفطر هذان))، ثم أرخص رسول الله عَ لّه بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم)). ورواته كلهم من رجال البخاري إلا أن فى المتن ما ينكر، لأن فيه أن ذلك كان فى الفتح، وجعفر كان قتل قبل ذلك. ومن أحسن ما ورد في ذلك، ما رواه عبد الرزاق وأبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله عَ لِه قال: نهى النبي عَّهِ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة، ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه. بدون تحريم سابق (فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجمًا أو محجومًا اهـ) وسبقه إلى القول بالنسخ شيخه ابن عبد البر وسبقهما الشافعي كما مر. (والحديث المذكور) أي: حديث أبي سعيد (أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني ورجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه ووقفه وله شاهد من حديث أنس عند الدارقطني، ولفظه: أول ما كرهت الحجامة للصائم) بالبناء للمفعول لرواية البخاري: أن ثابتًا سأل أنسًا: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ (إن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به رسول اللَّه عَِّ، فقال: (أفطر هذان))) جعفر والذي حجمه (ثم أرخص رسول اللَّه عَ لّه بعد) بضم الدال (في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم، ورواته كلهم من رجال البخاري إلاَّ أن في المتن ما ينكر، لأن فيه أن ذلك كان في الفتح) لمكة (وجعفر كان قتل) شهيدًا (قبل ذلك) في غزوة مؤتة، وقد تدفع النكارة بأنه لم يصرح في حديث أنس هذا بأنه كان في الفتح، فيحمل على أنه رآه قبله فقال ذلك، وقاله أيضًا بعده في الفتح كما سبق في حدیث شداد. (ومن أحسن ما ورد في ذلك ما رواه عبد الرزاق وأبو داود) من طريق عبد الرحمن بن عابس (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني، ثم الكوفي (عن رجل من أصحاب رسول اللَّه عَّم قال: نهى النبيِ عَلِّ عن الحجامة للصائم وعن المواصلة) للصائم (ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه) مفعول لأجله متعلق بنهي، أي: خوفًا عليهم لا بلم يجر مهما ٢٣٣ الفصل الرابع فيما كان يفعله عَ ل وهو صائم وإسناده صحيح، والجهالة بالصحابي لا تضر، ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بلفظ: عن أصحاب محمد عَّه قالوا: إنما نهى النبي عَ له عن الحجامة للصائم وكرهها للضعف، أي لئلا يضعف. انتهى ملخصًا من فتح الباري والله أعلم. وقالت عائشة: كان عَّه يقبل بعض أزواجه وهو صائم، ثم ضحكت. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود. قالت: وكان أملككم لإربه أي لحاجته، نعني أنه كان غالبًا هواه. قال ابن الأثير: أكثر المحدثين يرويه بفتح الهمزة والراء، يعنون به الحاجة، وبعضهمٍ يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان: أحدهما أنه الحاجة يقال فيها؛ الأَرَب، والإزب، والإربة والمأربة، والثاني: أرادت به العضو، وعنت به من (وإسناده صحيح والجهالة بالصحابي لا تضر) لأنهم كلهم عدول (ورواه ابن أبي شيبة عن) شيخه (وكيع) بن الجراح (عن الثوري) سفين بن سعيد، أي: عن ابن عابس عن ابن أبي ليلى (بلفظ: عن أصحاب محمد عَّه) أنهم (قالوا: إنما نهى النبي عَّهِ عن الحجامة للصائم وكرهها للضعف، أي: لئلا يضعف) لا لذاتها (اهـ. ملخصًا من فتح الباري، والله أعلم). (وقالت عائشة: كان عَّ يقبل بعض أزواجه) عائشة نفسها كما في مسلم عنها: كان يقبلني وهو صائم، أو حفصة كما في مسلم أيضًا، أو أم سلمة كما في البخاري، لكن الظاهر أن كلاً منهن إنما أخبرت عن فعله معها (وهو صائم) جملة حالية (ثم ضحكت) تنبيهًا على أنها صاحبة القصة أو لغير ذلك كما يأتي (رواه البخاري) من طريق لملك ويحيى القطان (ومسلم) من طريق سفين (ولملك) في الموطأ (وأبو داود) من طريق لملك وهو والقطان وسفين عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، و(قالت) كما في الصحيحين وغيرهما أيضًا من طرق عنها أنها كانت إذا ذكرت أنه عَّلم يقبل وهو صائم تقول: (وكان أملككم لإربه، أي: لحاجته، نعني) عائشة (أنه كان غالبًا هواه) فيملك نفسه، ويأمن من الوقوع في قبلة يتولد منها إنزال أو شهوة وهيجان نفس بخلافكم فلا تأمنون ذلك، فاللائق لكم الاحتراز عن القبلة والمباشرة. (قال ابن الأثير) في النهاية: (أكثر المحدثين يرويه بفتح الهمزة والراء، يعنون به الحاجة) وقدمه الحافظ وقال: إنه الأشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري (وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء) وعزاه الخطابي وعياض لرواية الأكثر، قال النووي: وهو الأشهر. (وله تأويلان: أحدهما أنه الحاجة) فهما بمعنى (يقال فيها الأرب) بفتحتين (والإرب ) ٢٣٤ الفصل الرابع فيما كان يفعله عَّله وهو صائم الأعضاء الذکر خاصة، انتهى. ومذهب الشافعي رحمه الله والأصحاب: أن القبلة ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، لكن الأولى تركها، وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح عند أصحابنا. وقوله: ((فضحكت)) قيل: يحتمل ضحكها التعجب ممن خالفها في هذا، وقيل: تعجبت من نفسها، أن حدثت بمثل هذا مما يستحيا من ذكر النساء مثله للرجال، ولكنها ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك، وقد يكون خجلاً لإخبارها عن نفسها بذلك، أو تنبيهًا على أنها صاحبة القصة نيكون ذلك أبلغ في الثقة بها، أو سرورًا بمكانتها من النبي عَّ له ومحبته لها. بكسر فسكون (والإربة والمأربة) كل ذلك بمعنى، وفسر الترمذي أربه بنفسه لرواية الموطأ: وأيكم أملك لنفسه من رسول اللَّه عَلَّهِ. قال الحافظ العراقي: وهو أولى بالصواب، لأن أولى ما فسر به الغريب ما ورد في بعض طرق الحديث، (والثاني: أردت به العضو وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة اهـ). قال التوربشتي: لكن حمل الحديث عليه غير سديد لا يغتر به إلاَّ جاهل بوجوه حسن الخطاب مائل عن سنن الأدب ونهج الصواب، ورده الطيبي بأنها ذكرت أنواع الشهوة مرتقية من الأدنى إلى الأعلى فبدأت بمقدمتها التي هي القبلة ثم ثنت بالمباشرة من نحو المداعبة والمعانقة، وأرادت أن تعبر عن المجامعة فسكنت عنها بالأرب، وأي عبارة أحسن من هذا. (ومذهب الشافعي رحمه اللَّه والأصحاب أن القبلة ليست محرمة على من لم تحرك شهوته) بانتصاب الذكر مع أمن الإنزال (لكن الأولى تركها، وأما من حركت شهوته) بأن خاف الإنزال (فهي حرام في حقه على الأصح عند أصحابنا) وكذا عند غيرهم. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا رخص فيها إلاَّ وهو يشترط السلامة مما تولد منها، ومن علم أنه يتولد منها ما يفسد صومه وجب عليه اجتنابها اهـ. (وقوله: فضحكت) المتقدم، والرواية: ثم ضحكت (قيل: يحتمل ضحكها التعجب ممن خالفها في هذا) مع أنه عَّهُ فعله (وقيل: تعجبت من نفسها إن حدثت بمثل هذا مما يستحيا من ذكر النساء مثله للرجال، ولكنها ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك) حذرًا من كتمه (وقد يكون خجلاً لإخبارها عن نفسها بذلك) والخجل غير التعجب (أو) ضحكت (تنبيهًا) للسامع (على أنها صاحبة القصة ليكون ذلك أبلغ في الثقة بها، أو) ٢٣٥ الفصل الرابع فيما كان يفعله عَّه وهو صائم وروى ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام عن عروة في هذا الحديث: فضحكت فظننا أنها هي. وروى النسائي عنها قالت: أهوى إليَّ النبي عَ ◌ّه ليقبلني فقلت: إني صائمة، فقال: و((أنا صائم)) فقبلني. وقد روى أبو داود عن عائشة أن النبي عَّهِ كان يقبلها ويمص لسانها، يعني وهو صائم. وإسناده ضعيف، ولو صح فهو محمول على أنه لم يبلع ريقه الذي خالط ريقها. وكان عليه الصلاة والسلام يكتحل بالإثمد وهو صائم. رواه البيهقي من رواية محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده. ثم قال البيهقي: إن محمدًا هذا ليس بالقوي، ووثقه الحاكم وأخرج له في مستدركه. وقالت أم سلمة: كان عَّه يصبح جنبًا من جماع لا حلم، ثم لا يفطر ولا ضحكت (سرورًا بمكانتها من النبي عَّه ومحبته لها) وملاطفته لها. (وروى ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام عن) أبيه (عروة في هذا الحديث: فضحكت فظننا أنها هي) قائل ذلك عروة راوي الحديث عنها. (وروى النسائي عنها، قالت: أهوى إليَّ النبي عَّ ليقبلني، فقلت: إني صائمة، فقال: ((وأنا صائم))، فقبلني) وقد أخذ الظاهر به بظواهر هذه الأحاديث فجعلوا القبلة للصائم سنة وقربة اقتداء بفعله عَّدٍ، ورد بأنه كان يملك نفسه فليس غيره مثله. (وقد روى أبو داود عن عائشة، أن النبي عٍَّ كان يقبلها ويمص لسانها) بضم الميم وفتحها (يعني وهو صائم وإسناده ضعيف، ولو صح فهو محمول على أنه لم يبلع ريقه الذي خالط ريقها) لئلا يفطر، (وكان عليه الصلاة والسلام يكتحل بالإنمد) بكسر الهمزة والميم بينهما مثلثة ساكنة (وهو صائم)، ولذا جوّزه الشافعي، ولو وجد طعم الكمل في حلقه ومنعه مالك وأحمد لضعف الحديث. (رواه البيهقي) والطبراني، كلاهما (من رواية) حبان بن علي عن أبيه (محمد بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه) عبد اللَّه (عن جده) أبي رافع (ثم قال البيهقي: إن محمدًا هذا ليس بالقوي) وكذا ابنه حبان، قاله الذهبي (ووثقه الحاكم وأخرج له في مستدركه) من تساهله المعلوم، فقد قال البخاري وأبو حاتم محمد منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس محمد بشيء ولا ابنه، ونقل في الميزان تضعيف هذا الحديث عن جمع، وقال في الفتح في سنده مقال، وفي تخريج الهداية سنده ضعيف، وقال أبو حاتم: حديث منكر. (وقالت أم سلمة: كان عَّ يصبح جنبًا من جماع لا حلم) بضم الحاء وسكون اللام ٢٣٦ الفصل الرابع فيما كان يفعله عَّه وهو صائم يقضي. رواه البخاري ومسلم. قال القرطبي: في هذا الحديث فائدتان، أحداهما: أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانًا للجواز، الثانية: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وقال غيره في قولها: ((من غير الاحتلام)) إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لما كان لاستثنائه معنى. وردّ: بأن الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه. وأجيب: بأن الاحتلام يقع على الإنزال، وقد يقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام. وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدًا يفطر. انتهى. وقال عامر بن ربيعة: رأيته عَّله يستاك وهو صائم ما لا أعد ولا أحصي. رواه لامتناعه منه، زاد في رواية: في رمضان، أي: وأولى في غيره (ثم لا يفطر) ذلك اليوم الذي يصبح فيه جنبًا بل يغتسل ويصومه (ولا يقضي، رواه البخاري ومسلم) واللفظ له، وروياه من طرق عن أم سلمة وعائشة معًا بنحوه وفيه قصة. (قال القرطبي) في المفهم: (في هذا الحديث فائدتان): (إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانًا للجواز) وإن كان الأفضل الاغتسال قبل الفجر. (الثانية: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه) وهذا هو الأشهر (وقال غيره في قولها) في الرواية التي لم يسق المصنف لفظها: (من غير احتلام إشارة إلى جواز الاحتلام عليه وإلا لما كان لاستثنائه معنى) لأنه لو لم يدخل فيما قبله ما صح إخراجه، وأجيب عن هذا بأنها صفة لازمة، والمعنى يصبح جنبًا من جماع ولا يجنب من احتلام لامتناعه منه، ويدل عليه رواية لا حلم وهو قريب مر، قوله: ﴿ويقتلون النبيين بغير حق﴾ البقرة/٦١]، ومعلوم أن قتلهم لا يكون بحق. (ورد) على قائل أن فيه دليلاً على جواز ذلك (بأن الاحتلام من) تلاعب (الشيطان وهو معصوم منه، وأجيب بأن الاحتلام يقع على الإنزال وقد يقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام) بل بكثرة امتلاء الجسد بالماء ونحو ذلك. (وأردت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدًا يفطر. اهـ) وهو أبو هريرة، ثم رجع لما بلغه حديث عائشة وأم سلمة. (وقال عامر بن ربيعة) بن كعب بن لملك العنزي بسكون النون حليف آل الخطاب، أسلم ٢٣٧ الفصل الخامس في وقت إفطاره عليه الصلاة والسلام أبو داود والترمذي. الفصل الخامس في وقت إفطاره عليه الصلاة والسلام عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا مع رسول الله عَّه في سفر في شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: ((يا بلال انزل فاجدح لنا))، قال: يا رسول الله، إن قديمًا وهاجر وشهد بدرًا، مات ليالي قتل عثمن: (رأيته عَّهُ وهو صائم يستاك ما لا أعد ولا أحصي، رواه أبو داود والترمذي) وبه وبنحوه كحديث: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولم يخص صائمًا من غيره. احتج من قال: بجواز السواك للصائم بعد الزوال، ورجحه النووي في شرح المهذب خلافًا لمن كرهه تعلقًا بحديث: لخلوف فم الصائم، وأجيب بأن الخلوف لا ينقطع ما دامت المعدة خالية، غايته أنه يخف بالسواك. قال ابن دقيق العيد: يحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت يخص به عموم عند كل صلاة، وفي رواية: عند كل وضوء، وحديث الخلوف لا يخصصه. انتهى. (الفصل الخامس: في وقت إفطاره عليه الصلاة والسلام، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى) بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة واسمه علقمة ولهما صحبة (قال: كنا مع رسول اللَّه عَ لَه في سفر في شهر رمضان) لفتح مكة، لأنه إنما سافر في رمضان فيه وفي غزوة بدر، وابن أبي أوفى لم يشهد بدرًا، فتعين أنه سفر، الفتح قاله الحافظ: (فلما غابت الشمس) وفي رواية للشيخين: فلما غربت وهي تفيد معنى أزيد من معنى غابت، قاله الحافظ، أي: لأن غابت يحتمل أن غيبتها بسبب غيم يمنع رؤيتها (قال: ((يا بلال) كذا في النسخ والذي في الصحيحين يا فلان. قال الحافظ: لم يسم المأمور بذلك، وقد أخرجه أبو داود عن مسدد شيخ البخاري فيه فسماه، ولفظه: فقال: يا بلال، وأخرجه الإسمعيلي وأبو نعيم من طرق عن عبد الواحد بن زياد شيخ مسدد فيه، فاتفقت رواياتهم على قوله: يا فلان، فلعلها تصحيف، ولعل هذا سر حذف البخاري لها. وفي حديث عمر عند ابن خزيمة قال: قال لي النبي عَّه: إذا أقبل الليل .. الخ، فيحتمل أن المخاطب بذلك عمر، فإن الحديث واحد، فلما كان عمر هو المقول له إذا أقبل الليل احتمل أنه المقول له، لكن يؤيد أنه بلال رواية أحمد، فدعا صاحب شرابه فإن بلالاً هو ﴾. انتهى. المعروف بخدمته علـ واعتذر شيخنا عن المصنف، فقال: لعل حكمة جزمه بقوله قال: يا بلال، التعويل على قوله: فدعا صاحب شرابه انتهى، وهو اعتذار بارد لأنه عزاه للشيخين وليس عندهما ولا عند ٢٣٨ الفصل الخامس في وقت إفطاره عليه الصلاة والسلام عليك نهارًا، قال: ((انزل فاجدح لنا))، قال فنزل فجدح فأتى به فشرب النبي عدّ له ثم قال بيده: ((إذا غابت الشمس من هاهنا، وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم)) رواه البخاري ومسلم. والجدح - بجيم ثم حاء مهملة - خلط الشيء بغيره. والمراد: خلط السويق أحدهما يا بلال (انزل فاجدح لنا)) بهمزة وصل وسكون الجيم وفتح الدال وبحاء مهملتين، أي: اخلط السويق بالماء أو اللبن بالماء لنفطر عليه، هكذا ضبطه الحافظ وغيره، فهو الرواية وإن جاز لغة فتح الهمزة وكسر الدال من أجدح. (قال: يا رسولُ اللَّه إنَّ عليك نهارًا) وفي رواية: الشمس، أي: باقية، أو انظر الشمس، وفي رواية أخرى: لو أمسيت (قال: ((انزل فاجدح لنا))) زاد في رواية للشيخين: قال لو أمسيت، وفي أخرى: الشمس. قال الحافظ: يحتمل أنه رأى كثرة الضوء من شدة الصحو، فظن أن الشمس لم تغرب وأنه غطاها شيء من جبل ونحوه، أو كان هناك غيم فلم يتحقق غروبها. قال الزين ابن المنير: يؤخذ منه جواز الاستفسار عن الظواهر لاحتمال أن لا يكون المراد ظاهرها، وكأنه أخذ ذلك من تقريره عَّ الصحابي على ترك المبادرة إلى الامتثال، وفيه تذكير العالم بما يخشى أنه نسيه وترك المراجعة له بعد ثلاث، وقد اختلفت الروايات في ذلك، فأكثرها أنها وقعت ثلاثًا، وفي بعضها مرتين، وفي بعضها مرة واحدة، وهو محمول على أن بعض الرواة اختصر القصة، ومن ذكر الثلاث حافظ فزيادته مقبولة. (قال) ابن أبي أوفى: (فنزل) فلان (فجدح فأتى) في رواية فأتاه (به) أي: بما جدَّحه (فشرب النبي عَّه) منه (ثم قال:) أي: أشار (بيده) قائلاً: (إذا غابت الشمس من ههنا) من جهة المغرب (وجاء الليل من ههنا) أي: من جهة المشرق، والمراد به وجود الظلمة الحسية وغيبوبة الشمس ومجيء الليل متلازمان وجمع بينهما لأنهما قد يكونان في الظاهر غير متلازمين لاحتمال أنها لم تغب، بل استترت بشيء (فقد أفطر الصائم) أي: دخل وقت فطره أو صار مفطرًا حكمًا، لأن الليل ليس ظرفًا للصوم الشرعي، وفي رواية: فقد حصل الإفطار وهي تؤيد التفسير الأول، ورجحه ابن خزيمة وعلله بأن قوله: ((فقد أفطر الصائم)) خبر ومعناه الإنشاء، أي: فليفطر الصائم، قال: ولو كان المراد فقد صار مفطرًا كان فطر جميع الصّامٍ واحدًا ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى (رواه البخاري ومسلم) بطرق متعددة، إلاّ أن لفظ في شهر رمضان إنما وقع في رواية لمسلم وباقي الروايات عنده كالبخاري ليس فيه ذلك. (والجدح بجيم) أوله (ثم حاء مهملة) آخره (خلط الشيء بغيره، والمراد خلط ٢٣٩ الفصل السادس فيما كان عَّ يفطر عليه بالماء وتحریکه حتى يستوي. ومعنى الحديث: أنه معَّه وأصحابه كانوا صيامًا، فلما غربت الشمس أمره عَّ له بالجدح ليفطروا، فرأى المخاطب آثار الضياء والحمرة التي تبقى معه بعد غروب الشمس، وظن أن الفطر لا يحصل إلا بعد ذهاب ذلك، واحتمل عنده أنه عَِّ لم يرهما، فأراد تذكيره وإعلامه بذلك، ويؤيد هذا قوله: إن عليك نهارًا، لتوهمه أن ذلك الضوء من النهار الذي يجب صومه، وهو معنى قوله في الرواية الأخرى: ((لو أمسيت)) وتكريره المراجعة لغلبة اعتقاده على أن ذلك نهار يحرم الأكل فيه، مع تجويزه أنه عليه السلام لم ينظر إلى ذلك الضوء نظرًا تامًا، فقصد زيادة الإعلام ببقاء الضوء قاله النووي والله أعلم. الفصل السادس فيما كان عَّ يفطر عليه عن أنس: كان عَّهِ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يجد رطبات السويق) القمح، أو الشعير المقلو المطحون (بالماء وتحريكه حتى يستوي) زاد في شرحه للبخاري أو اللبن بالماء، وقول الداودي معناه احلب رده عیاض. (ومعنى الحديث أنه عَّله وأصحابه كانوا صيامًا فلما غربت الشمس أمره عليه السلام بالجدح ليفطروا، فرأى المخاطب آثار الضياء والحمرة التي تبقى معه بعد غروب الشمس، وظن أن الفطر لا يحصل إلا بعد ذهاب ذلك، واحتمل عنده أنه عَّ. لم يرهما) أي: الضياء والحمرة (فأراد تذكيره وإعلامه بذلك، ويؤيد هذا قوله: إن عليك نهارًا لتوهمه أن ذلك الضوء من النهار الذي يجب صومه، وهو معنى قوله في الرواية الأخرى) عند الشيخين (لو أمسيت) أي: لو أخرت إلى وقت المساء لكنت متممًا للصوم، فحذف جواب لو الشرطية، أو هي للتمني فلا جواب لها (وتكريره المراجعة) ثلاث مرات (لغلبة اعتقاده على أن ذلك نهار) وفي نسخ على أنه كان نهارًا (يحرم الأكل فيه مع تجويزه أنه عليه السلام لم ينظر إلى ! ذلك الضوء نظرًا تامًا، فقصد زيادة الإعلام ببقاء الضوء، قاله النووي) في شرح مسلم، زاد غيره: أو كان هناك غيم فلم يتحقق الغروب، إذ لو تحققه ما توقف، لأنه حينئذ يكون معاندًا، وإنما توقفه احتياطًا واستكشافًا عن حكم المسألة (والله أعلم). (الفصل السادس: فيما كان ◌َِّ يفطر عليه، عن أنس: كان ◌َِّ يفطر) إذا كان صائمًا (قبل أن يصلي) المغرب (على رطبات، فإن لم يجد رطبات فتمرات) أي: فعلى تمرات (فإن ٢٤٠ الفصل السابع فيما كان يقوله علّ له عند الإفطار فتمرات، فإن لم يجد تمرات حسا حسوات من ماء. رواه أبو داود. وإنما خص عليه السلام الفطر بما ذكر لأن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلّو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به، لا سيما قوة البصر. وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع بيس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ بشرب قليل من الماء ثم يأكل بعده، قاله ابن القيم. الفصل السابع فيما كان يقوله علّ عند الإفطار عن معاذ بن زهرة: بلغني أن رسول الله عَّهِ كان إذا أفطر قال: ((اللهم لك لم يجد تمرات حسا حسوات) بحاء وسين مهملتين: جمع حسوة بالفتح المرة من الشرب (من ماء) ولو قراحًا، وقد ترجم البخاري باب يفطر بما تيسر له من الماء وغيره، ولبعض رواته بالماء، وأورد فيه حديث الجدح لاشتماله على الماء وغيره، فإن لم يكن إلاّ الماء أفطر عليه، ففي الترمذي وغيره صحيحًا مرفوعًا: إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإنه طهور والأمر للندب عند الكافة، وشدّ ابن حزم فحمله على الوجوب (رواه أبو داود) والترمذي وحسنه والنسائي وصححه الحاكم، وصريحه تقديم الرطب على التمر وهو على الماء، والقصد بذلك كما قال المحب الطبري أن لا يدخل جوفه أولاً ما مسته نار، ويحتمل أن يريد هذا مع قليل الحلاوة تناولاً (وإنما خص عليه السلام الفطر بما ذكر، لأن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلوّ المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به لا سيما قوّة البصر) لأن الصوم يخلي المعدة من الغذاء فلا يجد الكبد فيها ما يجذبه ويرسله إلى القوى والأعضاء فتضعف، والحلو أسرع شيء وصولاً إلى الكبد وأحبه إليها سيما الرطب، فيشتد قبولها فتنتفع به هي والقوى، فإن لم يكن فالتمر لحلاوته وتغذيته (وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع بيس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ بشرب قليل من الماء ثم يأكل بعده، قاله ابن القيم) لأن الماء يطفىء لهيب المعدة وحرارة الصوم فتتنبه بعده للطعام وتتلقاه بشهوة. (الفصل السابع: فيما كان يقوله عَّلِّ عند الإفطار: عن معاذ بن زهرة) ويقال فيه: معاذ أبو زهرة، قال: (بلغني أن رسول اللّه عَل. كان إذا أفطر) من صومه (قال) عند فطره: ((اللهم