Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ الفصل الثاني في صلاته عَّةٍ صلاة الاستسقاء تطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله نبزي محمدًا ولما نطاعن حوله ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال مَّلِ: أجل، رواه البيهقي. وقوله: ((يدمى لبابها)) أي يدمى صدرها لامتهانها نفسها في الخدمة حيث لا تجد ما تعطيه من يخدمها من الجدب وشدة الزمان، وأصل اللباب من الفرس موضع اللبب ثم استعير للناس. وقوله: ((ما يمر ولا يحلى)) أي ما ينطق بخير ولا شر من الجوع والضعف. للرجال وإن لم يكن فيهم نساء، قاله ابن السكيت بنصب ثمال، وعصمة ورفعهما وجرهما على خرابيض (تطيف) .. وعند ابن إسحق: تلوذ، أي: تلتجيء (به الهلاك:) جمع هالك، أي: المشرفون على الهلاك (من آل هاشم) وإذا طاف أو التجأ به هؤلاء السراة فغيرهم أحرى (فهم عنده في نعمة) يد ومنه بتقدير مضاف، أي: في ذوي نعمة، أي: سعة وخير، أو جعل النعمة ظرفًا لهم مبالغة (وفواضل) عطف خاص على عام، ففي القاموس الفواضل: الأيادي الجسيمة أو الجميلة، إذ المراد بالنعمة النعم الشاملة للنعم العظيمة والدقيقة (كذبتم وبيت الله) في قولكم: (نبزي) بضم النون وسكون الموحدة وكسر الزاي نقهر ونغلب (محمدًا) كذا ضبطه في سيل الرشاد. وفي النهاية أنه بتحتية، ورفع محمد نائب فاعل يبزي، ولفظه: يبزي، أي: يقهر ويغلب، أراد لا يبزي، فحذف لا من جواب القسم، وهي مرادة، أي: لا يقهر (ولما نطاعن) مجزوم بلبا وحذف المفعول للتعميم، أي: نطاعنكم وغيركم (حوله) وعند ابن إسحق دونه (ونناضل) بنونين وضادٍ معجمةٍ، أي: نجادل ونخاصم وندافع عنه، أو نرمي بالسهام (ونسلمه) لكم يا معشر قريش، تفعلون به ما شئتم كما طلبتم لا (حتى نصرع حوله، و) حتى (نذهل عن أبنائنا والحلائل:) الزوجات وإحدها حليلة (فقال عَ له: أجل) بفتح الهمزة والجيم حرف جواب بمعنى نعم، أي: أردت هذا (رواه البيهقي) في الدلائل بإسناد فيه ضعف لكنه يصلح للمتابعة، قاله الجافظ. (وقوله: يدمي لبابها، أي: يدمي صدرها لامتهانها نفسها في الخدمة حيث لا تجد ما تعطيه من) أي: الذي (يخدمها من الجدب وشدة الزمان، وأصل اللباب من الفرس موضع اللبب) بفتحتين (ثم استعير للناس) فأطلق عليها. (وقوله: ما يمر ولا يحلى، أي: ما ينطق بخير) تفسير ليجلى (ولا شر) تفسير يمر فهو لف ١٤٢ الفصل الثاني في صلاته عَّ له صلاة الاستسقاء وقوله: ((سوى الحنظل العامي)) نسبة إلى العام، لأنه يتخذ في عام الجدب، كما قالوا للجدب: السنة. ((والعلهز)) بالكسر، طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في سني المجاعة. قاله الجوهري. و «الغسل)) الرذل. قال السهيلي: فإن قلت: كيف قال أبو طالب ((وأبيض يستسقي الغمام بوجهه)) ولم يره قط استسقى، وإنما كان ذلك منه بعد الهجرة؟ وأجاب بما حاصله: أن أبا طالب أشار إلى ما وقع في زمن عبد المطلب، حيث استسقى لقريش والنبي معَّه معه وهو غلام. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك لما رأى من مخايل ذلك فيه، وإن لم يشاهد ذلك. ونشر غير مرتب، وهو أولى (من الجوع والضعف) لا يستطيع النطق بشيء. (وقوله: سوى الحنظل العامي نسبة إلى العام، لأنه يتخذ في عام الجدب، كما قالوا للجدب السنة) بفتحتين (والعلهز بالكسر) للعين المهملة والهاء بينهما لام ساكنة وآخره زاي (طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في سني المجاعة، قاله الجوهري) في الصحاح (والغسل) بكسر المعجمة وإسكان المهملة (الرذل) بذال معجمة. (قال السهيلي: فإن قلت كيف قال أبو طالب: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه، ولم يره قط استسقى، وإنما كان ذلك منه بعد الهجرة) وأبو طالب مات قبلها (وأجاب بما حاصله: أن أبا طالب أشار إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش والنبي عَّة معه وهو غلام. انتهى. ولفظه في روضه: روى الخطاب حديثًا فيه أن قريشًا تتابعت عليهم سنو جدب في حياة عبد المطلب، فارتقى هو ومن حضره من قريش أبا قبيس، فقام عبد المطلب واعتضد النبي عَّ له، فرفعه على عاتقه وهو يومئذ غلام قد أيفع أو قرب، فدعا فسقوا في الحال، فقد شاهد أبو طالب ما دله على ما قال. انتهى. (وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك لما رأى من مخايل ذلك فيه وإن لم يشاهد ذلك) لفظ الحافظ: وإن لم يشاهد وقوعه، وأشار المصنف ١٤٣ الفصل الثاني في صلاته عَ للِ صلاة الاستسقاء قلت: وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة ابن عرفطة قال: قدمت مكة، وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي وأجدب العيال وأنت فيهم أما تستسقي؟ فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا، وأغدق السحاب وأغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب: إلى التعقب على هذا الاحتمال بقوله: (قلت: وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة) بضم الجيم وتفتح (ابن عرفطة) بضم العين والفاء (قال: قدمت مكة وهم) أي: أهلها (في قحط) بسكون الحاء وتفتح، أي: شدة لاحتباس المطر عنهم (فقالت قريش:) بعد أن تشاوروا، فلفظه عند ابن عساكر عن جلهمة: قدمت مكة وقريش في قحط، فقائل منهم يقول: اعمدوا اللات والعزى، وقائل منهم: اعمدوا مناة الثالثة الأخرى، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنّى تؤفكون وفيكم باقية إبراهيم وسلالة إسماعيل، قالوا: كأنك عنيت أبا طالب؟، قال: أيها، فقاموا بأجمعهم، فقمت فدققنا عليه الباب، فخرج إلينا فثاروا إليه، فقالوا: (يا أبا طالب أقحط) بالبناء للفاعل والمفعول (الوادي) أصابه القحط (وأجدب العيال وأنت فيهم) من ذرية إسماعيل وإبراهيم (أما تستسقي:) تطلب من اللَّه السقيا (فخرج أبو طالب ومعه غلام) هو النبي عَّه. (كأنه شمس دجن) بضم المهملة والجيم وشد النون على مفاد قول المجد كعتل الظلمة، ثم يجوز أنه منوّن على الوصف، أي: كسبت ظلمة، والإضافة، أي: شمس ليلة ذات ظلمة، أو ذات يوم دجن، أي: مظلم (تجلت عنه سحابة قتماء) بقاف مفتوحة فوقية ساكنة والمد تأنيث أقتم، أي: يعلوها سواد غير شديد، وهذا من بديع التشبيه، فإن شمس يوم الغيم حين ينجلي سحابها الرقيق تكون مضيئة مشرقة مقبولة للناس ليست محرقة (وحوله أغيلمة) تصغير أغلمة، إشارة إلى صغرهم، لأن الغلام قد يطلق على البالغ (فأخذه) أي: الغلام (أبو طالب فألصق ظهره) أي: ظهر الغلام (بالكعبة ولاذ) التجأ (الغلام بأصبعه) أي: أصبع نفسه السبابة على الظاهر، لأنها التي يشار بها غالبًا، ولعل المعنى: أشار به إلى السماء كالمتضرع الملتجيء (وما في السماء قزعة) بفتحات قطعة سحاب (فأقبل السحاب من ههنا ومن ههنا) أي: من جميع الجهات، لا من جهة دون أخرى (وأغدق السحاب) أي: كثر ماؤه والإسناد مجازي (واغدودق) عطف مرادف (وانفجر له الوادي) بالمطر (وأخصب النادي) بالنون أهل الحضر (والبادي) أهل البادية، أي: أخصبت الأرض للفريقين (وفي ذلك يقول أبو طالب) يذكر قريشًا حين تمالؤُوا عليه عَّه بركته عليهم من صغره لا في هذا الوقت، فلا يخالف قول ابن إسحق؛ أنه قال: القصيدة لما تمالأت قريش على ١٤٤ الفصل الثاني في صلاته عَّهِ صلاة الاستسقاء وأبيض يستسقي الغمام بوجهه الرابع: استسقاؤه عَّهِ بالدعاء من غير صلاة. عن ابن مسعود أن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم رسول الله عد اله فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك هلكوا، فادع الله، فقرأ ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان/١٠]، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان/١٦]، يوم بدر. زاد أسباط عن النبي عليه ونفروا عنه من يريد الإسلام، وتجويز أنه قال البيت عقب الاستسقاء (وأبيض يستسقي الغمام بوجهه) أي: يطلب السقي من السخاب بذاته ثمال اليتامى عصمة للأرامل، فهذا صريح في أنه قاله عن مشاهدة، فكيف يقول الحافظ ذلك الاحتمال، ولذا تعجب منه شارح الهمزية، وقال: إنه غفل عن رواية ابن عساكر هذه، إذ لو استحضرها لم يبد هذا الاختمال: (الرابع: استسقاؤه عَّ بالدعاء من غير صلاة): (عن ابن مسعود أن قريشًا أبطؤوا) أي: تأخروا (عن الإسلام) ولم يبادروا إليه فدعا غليهم رسول اللَّهُ عَ ◌ِّ) فقال: اللهم سبعًا كسبع يوسف كما في البخاري، ونصب بفعل تقديره: أسألك، أو سلط وله في تفسير سورة يوسف: اللهم اكفنيهم بسبع كسبع يوسف، وفي تفسير الدخان: اللهم أعني عليهم ... الخ (فأخذتهم سنة) بفتحتين، أي: جدب وقحط (حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام). زاد في رواية: ونظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع (فجاءه أبو سفين) صخر بن حرب الأموي والد معوية (فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك) ذوي رحمك (هلكوا) ولبعض الرواة: قد هلكوا، أي: بدعائك عليهم (فادع اللَّه) لهم، فإن كشف عنا نؤمن بك (فقرأ (﴿فارتقب:) انتظر لهم (يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾، ثم عادوا إلى كفرهم) فابتلاهم الله تعالى بالبطشة (فذلك قوله تعالى: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ يوم بدر) تفسير لها، وقيل: يوم القيامة، والعامل في يوم فعل دل عليه إنا منتقمون، لأن أن مانع من عمله فيما قبله، أو بدل من يوم تأتي. قال الحافظ: ولم يقع في هذا السياق تصريح بأنه دعا لهم، لكن رواه البخاري في تفسير سورة ص، بلفظ: فكشف عنهم ثم عادوا، وفي سورة الدخان من وجه آخر بلفظ: فاستسقى لهم فسقوا، ونحوه في رواية: أسباط المعلقة، يعني قوله (زاد أسباط:) بفتح الهمزة وسكون المهملة ١٤٥ الفصل الثاني في صلاته عَّهِ صلاة الاستسقاء منصور: فدعا رسول الله عَّله فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعًا، فشكا الناس كثرة المطر فقال: ((اللهم حوالينا ولا علينا))، فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقوا الناس حولهم. رواه البخاري. وأفاد الدمياطى أن ابتداء الدعاء على قريش كان عقب طرحهم على ظهره سلى الجزور، وكان ذلك بمكة قبل الهجرة، وقد دعا النبي عَّ بذلك بالمدينة في القنوت كما في حديث أبي هريرة عند البخاري، ولا يلزم من ذلك اتخاذ هذه القصص، إذ لا مانع أن يدعوا بذلك عليهم مرارًا. والظاهر أن مجيء أبي سفيان كان قبل الهجرة لقول ابن مسعود: ثم عادوا فذلك قوله: ﴿يوم نبطش البطشة وموحدة فألف فطاء مهملة. قال الحافظ: هو ابن نصر، ووهم من زعم أنه أسباط بن محمد (عن منصور) يعني: بإسناده المذكور قبله في البخاري، وهو حدثنا محمد بن كثير عن سفين، حدثنا منصور والأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود: وقد وصله الجوزي والبيهقي من رواية علي بن ثابت عن أسباط بن نصر عن منصور وهو ابن المعتمر، عن أبي ضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود قال: لما رأى رسول اللَّه عَّه أدبارًا، فذكر نحو الذي قبله، وزاد: فجاءه أبو سفين وناس من أهل مكة، فقالوا: يا محمد إنك تزعم أنك بعثت رحمة وأن قومك قد هلكوا فادع اللَّه لهم (فدعا) اللَّه (رسول اللَّه عَّ فسقوا) بضم السين والقاف مبني للمفعول (الغيث) بالنصب مفعوله الثاني (فأطبقت) أي دامت وتواترت (عليهم سبعًا) أي: سبعة أيام، وسقطت التاء لعدم ذكر المميز، فإنه يجوز فيه الأمران (فشكا الناس كثرة المطر، فقال: اللهم) أنزل المطر (حوالينا ولا) تنزله (علينا، فانحدرت السحابة عن رأسه فسقوا الناس حولهم). قال الحافظ: كذا في جميع الروايات في الصحيح فسقوا بضم السين والقاف وهي على لغة بني الحرث. وفي رواية البيهقي المذكورة: فأسقى الناس حولهم، وزاد المصنف: ويجوز النصب على الاختصاص، أي: أعني الناس (رواه البخاري) هنا، وفي التفسير: (وأفاد الدمياطي أن ابتداء الدعاء على قريش كان عقب طرحهم على ظهره سلي الجزور) بفتح السين المهملة والقصر (وكان ذلك مكة قبل الهجرة، وقد دعا النبي عَّ بذلك بالمدينة في القنوت، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري: ولا يلزم من ذلك اتخاذ هذه القصص: إذ لا مانع أن يدعو بذلك عليهم مرارًا، والظاهر أن مجيء أبي سفين كان قبل الهجرة لقول ابن مسعود: ثم عادوا، فذلك قوله: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ يوم بدر، ولم ينقل أن أبا سفين قدم المدينة ١٤٦ الفصل الثاني في صلاته عَ لَّهِ صلاة الاستسقاء الكبرى﴾ يوم بدر ولم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر. وعلى هذا فيحتمل أن يكون أبو طالب كان حاضرًا ذلك، فقال: ((وأبيض يستسقي الغمام بوجهه)) لكن ورد ما يدل على أن القصة وقعت بالمدينة،، فإن لم يحمل على التعدد وإلا فهو مشكل. وفي الدلائل للبيهقي عن كعب بن مرة أو مرة بن كعب قال: دعا رسول الله عَّلِ على مضر، فأتاه أبو سفيان فقال: ادع الله لقومك فإنهم قد هلكوا. وقد رواه أحمد وابن ماجه عن كعب بن مرة، ولم يشك، فأبهم أبا سفيان فقال: جاءه رجل فقال: استسق الله لمضر، قال: يا رسول الله استنصرت الله فنصرك ودعوت قبل بدر، وعلى هذا فيحتمل أن يكون أبو طالب كان حاضرًا ذلك، فقال: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه) البيت عن مشاهدة لذلك (لكن ورد ما يدل على أن القصة وقعت بالمدينة، فإن لم يحمل على التعدد وإلا فهو مشكل) جدًا، وأفاد بيان ما قاله إنه ورد بقوله. (وفي الدلائل للبيهقي) وقيل: هذا في الفتح، وقد تعقب الداودي وغيره زيادة إسحق بن نصر ونسبوه إلى الغلط في قوله: وشكا الناس كثرة المطر الخ، وزعموا أنه أدخل حديثًا في حديث، وأن الحديث الذي فيه شكوى كثرة المطر، وقوله: ((اللهم حوالينا ولا علينا»، لم يكن في قصة قريش وإنما هو في القصة التي رواها أنس وليس هذا التعقب عندي بجيد، إذ لا مانع أن يقع ذلك مرتين، والدليل على أن أسباط بن نصر لم يغلط، ما للبخاري في سورة الدخان عن أبي مطوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى في هذا الحديث، فقيل: يا رسول اللَّه استسق اللَّه لمضر فإنها قد هلكت، فقال المضر: إنك لجريء، فاستسقى فسقوا، والقائل في: فقيل يظهر لي إنه أبو سفين لما ثبت في كثير من طرق هذا الحديث في الصحيحين، فجاءه أبو سفين، ثم وجدت في الدلائل للبيهقي (عن كعب بن مرة أو مرة بن كعب، قال: دعا رسول اللَّه عَل. على مضر، فأتاه أبو سفين) صخر بن حرب (فقال: ادع اللَّه لقومك فإنهم قد هلكوا، وقد رواه أحمد وابن ماجه عن كعب بن مرة ولم يشك) بل جزم بأن الراوي لا الجائي کعب بن مرة (فأبهم أبا سفين فقال: جاءه رجل، فقال: استسق اللَّه لمضر:) اطلب لهم منه السقيا، وإنما قال لمضر: لأن غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز، وكان الدعاء بالقحط على قريش، فسرى القحط إلى من حولهم، ولعل السائل عدل عن التعبير بقريش، للإشارة إلى أن غير المدعو عليهم قد هلكوا بجريرتهم، ولئلا يذكره بجرمهم، فقال: ألمضر لينذر جوافيهم، كذا قال المصنف، وفيهما نظر، فإن أبا سفين عبر بقومك وتقدم، ويأتي قريبًا أنه عليه السلام دعا على مضر، وسقط من قلم المصنف أو نساخه، فقال: إنك لجريء ألمضر، وهو في الفتح وبه يستقيم قوله. ١٤٧ الفصل الثاني في صلاته عٍَّ صلاة الاستسقاء الله فأجابك، فرفع يديه فقال: ((اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا». الحديث فظهر أن الرجل المبهم المقول له: ((إنك لجرىء)) هو أبو سفيان. لكن يظهر أن فاعل ((قال: يا رسول الله استنصرت الله الخ)) هو كعب بن مرة راوي هذا الحديث، لما أخرجه أحمد أيضاً والحاكم عن كعب ابن مرة المذكور قال: ((دعا رسول الله عَّهِ على مضر، فأتيته فقلت: يا رسول اللهفإنَّ الله قد نصرك وأعطاك واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا)). وعلى هذا: فكأن أبا سفيان وكعبًا حضرا جميعًا، فكلمه أبو سفيان بشىء، وكلمه كعب بشىء فدل ذلك على اتحاد قصتهما، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك من قوله ((إنك لجريء)) ومن قوله: ((اللهم حوالينا ولا علينا)). وسياق كعب بن مرة يشعر بأن ذلك وقع بالمدينة لقوله: ((استنصرت الله فنصرك)). ولا يلزم من هذا اتحاد هذا القصة مع قصة أنس السابقة، فهي واقعة أخرى، (قال: يا رسول اللَّه استنصرت اللَّه فنصرك، ودعوت اللَّه فأجابك) فلا عليك أن تدعو لهم بالسقي، وقوله: ألمضر، أي: أتطلب أن أستسقي لهم مع ما هم عليه من الكفر والمعاصي (فرفع يديه) بالتثنية (فقال: (اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا)) ... الحديث) بقيته كما في الفتح مريعًا مريئًا، طبقًا عاجلاً غير رائث، نافعًا غير ضار، قال: فأحيوا، فما لبثوا أن أتوه، فشكوا إليه كثرة المطر، فقالوا: قد تهدمت البيوت، فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فجعل السحاب يتقطع يمينًا وشمالاً (فظهر) بذلك (أن الرجل المبهم المقول له إنك لجريء، هو أبو سفين لكن يظهر) لي (أن فاعل قال: يا رسول اللَّه استنصرت اللَّه .. الخ، هو كعب بن مرة راوي) هذا (الحديث) المذكور (لما أخرجه أحمد أيضًا والحاكم عن كعب بن مرة) المذكور، ويقع في نسخ عن أبي بن كعب وهو غلط، فالذي في الفتح عن كعب (قال: دعا رسول اللَّه عَّال على مضر، فأتيته، فقلت: يا رسول اللَّه، إن اللَّه قد نصرك وأعطاك واستجاب لك) دعاءك عليهم (وإن قومك قد هلكوا ... ) الحديث. (وعلى هذا فكأن أبا سفين وكعبًا حضرا جميعًا، فكلمه أبو سفين بشيء) هو: جئت تأمر صلة الرحم وأن قومك قد هلكوا (وكلمه كعب بشيء) هو: يا رسول اللَّه الخ .. (فدل ذلك على اتحاد قصتهما، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك من قوله: إنك لجريء، ومن قوله: ((اللهم حوالينا ولا علينا))) . . زاد الحافظ: فظهر بذلك أن أسباط بن نصر لم يغلط في الزيادة المذكورة ولم ينتقل من حديث إلى حديث (وسياق كعب بن مرة يشعر بأن ذلك وقع بالمدينة لقوله: استنصرت اللَّه فنصرك) لأن كلا منهما كان بالمدينة بعد الهجرة (و) لكن (لا يلزم من هذا اتحاد هذه القصة ١٤٨ الفصل الثاني في صلاته عَ لّهِ صلاة الاستسقاء. لأن في رواية أنس ((فلم ينزل عن المنبر حتى مطروا)) وفي هذه ((فما كان إلا جمعة أو نحوها، والسائل في هذه القصة غير السائل في تلك، فهما قصتان، وقع في كل منهم طلب الدعاء بالاستسقاء، ثم طلب الدعاء بالاستصحاء. وإن ثبت أن كعب بن مرة أسلم قبل الهجرة حمل قوله: (استنصرت الله فنصرك)) على النصر بإجابة دعائه عليهم، وزال الإشكال المتقدم والله أعلم. انتهى ملخصًا من فتح الباري. الخامس: استسقاؤه مَِّ عند أحجار الزيت، قريبًا من الزوراء، وهي خارج. باب المسجد الذي يدعى باب السلام نحو قذفه بحجر، ينعطف عن يمين الخارج من المسجد. عن عمير، مولى أبي اللحم، أنه رأى النبي ◌َّهُ يستسقي رافعًا يديه قبل مع قصة أنس السابقة، فهي واقعة أخرى، لأن في رواية أنس: فلم ينزل عن المنبر حتي مطروا، وفي هذه فما كان إلاّ جمعة أو نحوها، والسائل في هذه القصة غير السائل في تلك) التي رواها أنس، لأنه قال: جاء أعرابي (فهما قصتان وقع في كل منهم طلب الدعاء بالاستسقاء، ثم طلب الدعاء بالاستصحاء، وإن ثبت أن كعب بن مرة أسلم قبل الهجرة حمل قوله: استصرت اللَّه فنصرك على النصر بإجابة دعائه عليهم، وزال الإشكال المتقدم والله أعلم. انتهى ملخصًا من فتح الباري) بمعنى أنه ترك منه ما لم يتعلق به غرضه، وفيه بعد هذا: وإني ليكثر تعجبي من إقدام الدمياطي على تغليط ما في الصحيح بمجرد التوهم مع إمكان التصويب بمزيد التأمل والتنقيب عن الطرق وجميع ما ورد في الباب، فلله الحمد على ما أعلم وأنعم. (الخامس: استسقاؤه عَّه عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء) بفتح الزاي وإسكان الواو والمد موضع بالسوق بالمدينة (وهي خارج باب المسجد الذي يدعى باب السلام في) مكان مسافته (نحو قذفه) رمية (بحجر ينعطف عن يمين الخارج من المسجد) النبوي (عن عمير) بضم العين مصغر (مولى أبي اللحم) بالمد الغفاري: كان يأبى اللحم، شهد عمير مع مولاه خيبر كما في السنن الأربعة عنه، قال: شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا رسول اللَّه عَ لَّه. فيّ، فأعطاني من طرف المتاع ولم يسهم لي، وروى مسلم عنه: كنت مملوكًا فسألت النبي عَُّ أتصدق من مال مولاي بشيء؟، قال: نعم والأجر بينكما وعاش إلى نحوّ السبعين من الهجرة (أنه رأى النبي عَّ يستبقي رافعًا يديه قبل) بكسر ففتح جهة (وجهه لا يجاوزهما: ١٤٩ الفصل الثاني في صلاته عَّ له صلاة الاستسقاء وجهه، لا يجاوزهما رأسه، رواه أبو داود والترمذي. السادس: استسقاؤه عليه الصلاة والسلام في بعض غزواته، لما سبقه المشركون إلى الماء، فأصاب المسلمين العطش، فشكوا إلى رسول الله عَ ليه، وقال المنافقين: لو كان نبيًا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي عٍَّ فقال: ((أو قد قالوها، عسى ربكم أن يسقيكم))، ثم بسط يديه ودعا، فما رد يديه من دعائه حتى أظلم السحاب وأمطروا إلى أن سال الوادي، فشرب الناس وارتووا. فصل: عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعًا: أنه كان إذا استسقى قال: ((اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلائق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرَّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، رأسه) رواه أبو داود والترمذي. (السادس: استسقاؤه عليه الصلاة والسلام في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء، فأصاب المسلمين العطش، فشكوا إلى رسول اللَّه عَّةٍ، وقال المنافقون: لو كان نبيًّا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه) بني إسرائيل، والقصة في القرآن: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ البقرة/٦٠] الآية (فبلغ ذلك النبي عَّله، فقال: أوقد، قالوها) أي: هذه المقالة، قال ذلك تعجبًا منهم (عسى ربكم أن يسقيكم، ثم بسط يديه ودعا، فما رد يديه من دعائه حتى أظلم السحاب وأمطروا إلى أن سال الوادي، فشرب الناس وارتووا. (فصل) هو الثالث من الباب الثاني الذي قال فيه، وفيه أربعة فصول، فذكر الكسوف فصلاً والاستسقاء ثانيًا وهذا الثالث، ويأتي الرابع بعده (عن سالم بن عبد الله) بن عمر (عن أبيه مرفوعًا؛ أنه كان) عَِّ (إذا استسقى قال: اللهم اسقنا الغيث) المطر (ولا تجعلنا من القانطين) الآيسين الذين قلت فيهم: ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾ [الحجر/ ٥٦]، (اللهم إن بالعباد والبلاء والبهائم والخلائق من اللأواء) بالمد الشدة (والجهد) بفتح الجيم وضمها المشقة (والضنك) الضيق في كل شيء للذكر والأنثى، قاله القاموس (ما لا نشكوه إلاّ إليك) إذ لا يكشف الضر غيرك (اللهم انبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء) أي: المطر (وانبت لنا من بركات الأرض) الزرع (اللهم ارفع عنا الجهد والجوع ١٥٠ الفصل الثاني في صلاته عَّةٍ صلاة الاستسقاء اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا)). رواه الشافعي. فصل: روى أبو الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطًا شديدًا، فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي عَّهِ فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان، عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي عَ لّه فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام فقيل له: أثّت، عمر. والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت) ولم تزل (غفارًا، فأرسل السماء) المطر (علينا مدرارًا) كثير الدرور (رواه الشافعي) الإمام رحمه اللَّه. (فصل: روى أبو الجوزاء) بجيم وزاي أوس بن عبد اللَّه الربعي بفتح الموحدة البصري، تابعي ثقة يرسل كثيرًا (قال: قحط) بفتح الحاء وكسرها مع فتح القاف وبضمها وكسر الحاء مبني للمفعول (أهل المدينة قحطًا شديدًا، فشكوا إلى عائشة، فقالت: انظروا قبر النبي عَّهِ، فاجعلوا منه كوى إلى السماء) بضم الكاف مقصور جمع كوّة بالضم مثل مدية ومدى الثقبة في الحائط، أي: اجعلوا طاقات من السقف الذي على القبر الشريف، كما يفهم من قولها (حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا) مطرًا كثيرًا (حتى نبت العشب) بضم فسكون (وسمنت الإبل حتى تفتقت:) اتسعت (من الشحم، فسمي عام الفتق). (وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح) واسمه ذكوان (السمان) بائع السمن (عن مالك الدار) وكان خازن عمر، وهو لملك بن عياض مولى عمر، له إدراك، ورواية عن الشيخين ومعاذ وأبي عبيدة، وعنه ابناه عبد اللَّه وعوف وأبو صالح وعبد الرحمن بن سعيد المخزومي قال أبو عبيدة: ولاه عمر كيلة عمر، فلما كان عثمن ولاه القسم فسمي مالك الدار. (قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل) هو بلال بن الحرث المزني الصحابي كما عند سيف في كتاب الفتوح (إلى قبر النبي عَّهِ، فقال: يا رسول اللَّه استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل) بلال بن الحرث (في المنام، فقيل له: اثت عمر) وفي رواية ابن أبي خيثمة من هذا الوجه، فجاءه النبي ◌َّ في المنام، فقال له: ائت عمر فقل له: ١٥١ الفصل الثاني في صلاته عَّ له صلاة الاستسقاء وفي رواية عبد الرزاق: أن عمرًا استسقى بالمصلى، فقال العباس: قم فاستسق. وذكر الزبير بن بكار أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس عام الرمادة - بفتح الراء وتخفيف الميم - وسمي به لما حصل من شدة الجدب، فأغبرت الأرض جدًا من عدم المطر. وذكر ابن عساكر في كتاب الاستسقاء أن العباس لما استسقى ذلك اليوم قال: اللهم إن عندك سحابًا وعندك ماء، فانشر السحاب ثم أنزل منه الماء ثم أنزله علينا، واشدد به الأصل وأطل به الفرع وأدرَّ به الضرع. اللهم تشفعنا إليك بمن لا منطق له من بهائمنا وأنعامنا، اللهم اسقنا سقيى وادعة بالغة طبقًا، اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك، لا شريك لك، اللهم نشكو إليك سغب كل ساغب، وعدم كل إنکم مسقون فعليك، فبكى عمر وقال: يا رب ما آلوا إلاَّ ما عجزت عنه. (وفي رواية عبد الرزاق) عن ابن عباس: (أن عمراً استسقى بالمصلى، فقال للعباس) بن عبد المطلب: (قم فاستسق) فاستسقى، فذكر الحديث، وثبت بهذا أن العباس كان مسؤولاً وأنه ينزل منزلة الإمام إذا أمره الإمام بذلك كما في الفتح. (وذكر الزبير بن بكار) عن زيد بن أسلم عن ابن عمر (أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس) بن عبد المطلب (عام الرمادة) ذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة كان سنة ثماني عشرة، وكان ابتداؤه مصدره الحاج منها، ودام تسعة أشهر، والرمادة (بفتح الراء وتخفيف الميم، وسمي به) العام (لما حصل من شدة الجدب) بمهملة (فاغبرت الأرض جدًا من عدم المطر) فصارت كالرماد. (وذكر ابن عساكر في كتاب الاستسقاء أن العباس لما استسقى ذلك اليوم قال: اللهم إن عندك سحابًا وعندك ماء، فانشر السحاب ثم أنزل منه الماء، ثم أنزله علينا) والجواد الكريم يجود بما عنده، وأنت الجواد الرحيم الكريم، وما عندك لا يفنى ولا ينفد (واشدد به الأصل) للنبات وهو الأرض (وأطل به الفرع) النبات (وأدر به الضرع، اللهم تشفعنا إليك بمن لا منطق له من بهائمنا وأنعامنا) وفي ذلك مزيد الطلب بالذلة والخضوع الذي هو المطلوب، لأن البهائم ترحم. وفي ابن ماجه مرفوعًا: لولا البهائم لم تمطروا (اللهم اسقنا سقيى وادعة) أي مسمرة بقدر الحاجة (بالغة طبقًا) متسعة (اللهم لا نرغب إلاَّ إليك وحدك لا شريك لك) تأكيد (اللهم ١٥٢ الفصل الثاني في صلاته عَّله صلاة الاستسقاء عادم، وجوع كل جائع، وعري كل عارٍ، وخوف كل خائف. وفي رواية الزبير بن بكار: أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك. وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث. فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض وعاش الناس. وعنده أيضًا: قحط الناس فقال عمر إن رسول الله عَ له كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا يا أيها الناس برسول الله عَّه في عمه العباس، فاتخذوه وسيلة إلى الله. وفيه فما برحوا حتى سقوا، وفي ذلك يقول العباس بن عتبة بن أبي لهب: نشكو إليك سغب) بفتح المهملة والمعجمة وموحدة جوع (كل ساغب) جائع مع التعب، أو أراد العطش، لأنه قد يسمى سغبًا (وعدم كل عادم وجوع كل جائع) وإن لم يكن مع تعب فلا تكرار، لأن السغب أخص أو أريد بالسغب العطش كما رأيت (وعري كل عارٍ وخوف كل خائف). (وفي رواية الزبير بن بكار) في كتاب الأنساب: (أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلاَّ بذنب، ولم يكشف إلاَّ بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني) قربي (من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث) المطر (فأرخت السماء) مطرًا (مثل الجبال) من كثرته (حتى أخصبت الأرض وعاش الناس وعنده) أي الزبير بن بكار (أيضًا) عن ابن عمرة، قال: (قحط الناس:) بفتحات أصابهم القحط. (فقال عمر: أن رسول اللَّه عَ لِّ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد) من التعظيم البالغ، وعند ابن حبان والحاكم عن عمر زيادة يعظمه ويفخمه ويبر قسمه (فاقتدوا أيها الناس برسول اللَّه عَّ في عمه العباس فاتخذوه وسيلة إلى اللَّه، وفيه) أي: الحديث (فما برحوا حتى سقوا) لفظ الرواية: حتى سقاهم اللَّه. قال الحافظ: ويستفاد من هذه القصة استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوّة وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه. وفي البخاري عن أنس: أن عمر كان إذا قحطوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون (وفي ذلك يقول العباس بن عتبة) بضم المهملة وإسكان الفوقية وموحدة (ابن أبي لهب) الهاشمي وأبوه صحابي: ١٥٣ الأول في قصره عَِّ الصلاة فيه وأحكامه بعمي سقى الله الحجاز وأهله عشية يستسقي بشيبته عمرا! توجه بالعباس في الجدب راغبًا إليه فما إن رام حتى أتى المطر ومنا رسول الله فينا تراثه فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر القِسمُ الثَّالِث في ذكر صلاته عَّةٍ في السفر وفيه فصول: الأول في قصره عَلَبسة الصلاة فيه وأحكامه الأول في كم كان عليه الصلاة والسلام يقصر الصلاة: وفيه فرعان: تقدم هل القصر رخصة أو عزيمة، وما استدل به لكل من القولين، في أوائل (بعمي سقى الله الحجاز وأهله (عشية يستسقي بشيبته عمرا توجه بالعباس في الجدب راغبًا إليه فما إن رام حتى أتى المطر ومنا رسول اللَّه فينا تراثه فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر التراث بضم الفوقية ومثلثة، ولعل المراد به هنا ما ورثوه عنه من العلوم والمعارف والشرف، إذ الأنبياء لا تورث، والله أعلم. (القسم الثالث:) من الأقسام الخمسة التي تقدم تقسيم النوع الأوّل من الصلاة إليها أول المقصد (في ذكر صلاته عَّةٍ في السفر، وفيه فصول: الأول: في قصره عَّ الصلاة فيه) أي: السفر (وأحكامه) أي: القصر من جواز ووجوب (وفيه فرعان: الأول: في) جواب قول السائل (كم) أي: قدر (كان عليه الصلاة والسلام يقصر الصلاة؟) بفتح أوله وضم الضاد من باب نصر، وبضم أوله وشد الصاد من قصر وتخفيفها من أقصر. قال الحافظ: يقال قصرت الصلاة بفتحتين مخففًا قصرًا وقصرتها بالتشديد تقصيرًا وأقصرتها إقصارًا، والأشهر في الاستعمال الأول، والمراد به تخفيف الرباعية إلى ركعتين، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن لا تقصير في الصبح ولا في المغرب (تقدم هل القصر رخصة ١٥٤ الأول في قصره عَطِّ الصلاة فيه وأحكامه هذا المقصد. وعن أنس بن مالك قال: صليت الظهر مع رسول الله عَّه بالمدينة أربعًا، وخرج يريد مكة فصلى بذي الحليفة العصر ركعتين. رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث مما احتج به أهل الظاهر في جواز القصر في طويل السفر وقصيره، فإن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، ويقال سبعة. وقال الجمهور: لا يجوز القصر إلا في سفر يبلغ مرحلتين، وقال أبو حنيفة وطائفة شرطه ثلاث مراحل، واعتمدوا في ذلك آثارًا عن الصحابة. وأما هذا الحديث فلا دلالة فيه لأهل الظاهر، لأن المراد أنه معَِّ حين سافر إلى مكة في حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة أربعًا ثم سافر، فأدركته العصر وهو مسافر بذي الحليفة، فصلاها ركعتين. وليس المراد أن ذا الحليفة غاية سفره، فلا أو عزيمة، وما استدل به لكل من القولين في أوائل هذا المقصد) فأغنى عن إعادته. (وعن أنس بن مالك قال: صليت الظهر مع رسول اللَّه عَلَِّ بالمدينة أربعًا) أي: أربع ركعات (وخرج يريد مكة فصلى بذي الحليفة) بضم المهملة وفتح اللام (العصر ركعتين، رواه البخاري ومسلم). وفي رواية لهما عن أنس: صليت مع رسول اللَّه عَّه الظهر بالمدينة أربعًا، وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين (وهذا الحديث مما احتج به أهل الظاهر في) أي: على (جواز القصر في طويل السفر وقصيره، فإن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، ويقال: سبعة) بسین فموحدة. (وقال الجمهور: لا يجوز القصر إلاَّ في سفر يبلغ مرحلتين، وقال أبو حنيفة: وطائفة شرطه ثلاث مراحل واعتمدوا في ذلك آثارًا عن الصحابة) وأقوى ما تملكوا به حديث ابن عمر: لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلاّ مع ذي محرم، قالوا: فما نقص عنها ليس بسفر، وتعقب بأن الحديث لم يسق لبيان مسافة القصر، بل لنهي المرأة عن الخروج وحدها، ولذلك اختلفت ألفاظه، وأقل ما ورد منها لفظ بريد، وبأن قاعدة الحنفية الاعتبار بما رأى الصحابي لا بما روي وابن عمر قصر في مسيرة يوم تام كما في الموطأ، فلو كان الحديث عنده لبيان أقل مسافة القصر لما خالفه. (وأما هذا الحديث فلا دلالة فيه لأهل الظاهر، لأن المراد أنه مَِّ حين سافر إلى مكة في حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة أربعًا، ثم سافر فأدركته العصر وهو مسافر بذي ١٥٥ الأول في قصره عَّلِ الصلاة فيه وأحكامه دلالة فيه قطعًا. والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدان على جواز القصر من حين يخرج من البلد، فإنه حينئذ يسمى مسافرًا. وطويل السفر ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية، وهي ستة عشر فرسخًا، وهي أربعة برد. والميل من الأرض منتهى مد البصر، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه. وبذلك جزم الجوهري. وقيل: حده أن تنظر إلى الشخص في أرض مصطحبة فلا تدري أهو رجل أو امرأة. أو ذاهب أو آت. قال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعًا معترضة معتدلة، وقد حرره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز في هذه الحليفة فصلاها ركعتين، وليس المراد أن ذا الحليفة غاية سفره فلا دلالة فيه قطعًا) ولعل وجه تمسكهم بالحديث أنه قصر قبل سير أربعة برد وإلا فكيف يسوغ الاستدلال مع تصريحه بأنه خرج یرید مكة. (والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدان على جواز القصر من حين يخرج من البلد، فإنه حينئذ يسمى مسافرًا) فسفره عَ لِ انعقد بمجاوزته المدينة لقصده مكة وبينهما أيام عديدة (وطويل السفر ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية) نسبة لبني هاشم، لتقديرهم لها وقت خلافتهم لا لهاشم نفسه، كما وقع للرافعي قاله شارح البهجة (وهي ستة عشر فرسخًا) فارسي معرب، قاله الفراء وهو ثلاثة أميال (وهي أربعة برد) بضم الموحدة والراء وتسكن (والميل من الأرض منتهى مد البصر) فيه مسامحة، لأن هذا غاية الميل، ولذا قال القاموس: الميل قدر مد البصر سمي ميلاً (لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى) أي: ينتهي (إدراكه، وبذلك جزم الجوهري، وقيل: حده أن تنظر) أي: نطرك، لكن الميل ليس نفس النظر، فإما أنه أطلق الأثر على المؤثر، أو أنه على حذف مضاف، أي: أثر نظرك (إلى الشخص في أرض® مصطحبة) مستوية (فلا تدري أهو رجل أو امرأة أو ذاهب أو آت، قال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعًا معترضة معتدلة) والأصبع ست شعيرات معترضة معتدلة. انتهى. قال الحافظ: وهذا الذي قاله هو الأشهر، ومنهم من عبر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الإنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: ثلاثة آلاف ذراع، ذكره صاحب البيان وقيل: وخمسمائة، صححه ابن عبد البر، وقيل: هو ألفا ذراع، ومنهم من عبر عن ذلك بألف خطوة للجمل (و) هذا الذراع الذي حرره النووي (قد حرره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز في هذه الأعصار فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن، فعلى هذا ١٥٦ الأول في قصره عَّةِ الصلاة فيه وأحكامه الأعصار فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن. فعلى هذا فالميل بذراع الحديد خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعًا، وهذه فائدة جليلة قل من تنبه لها. وروى البيهقي عن عطاء أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين، أي يقصران في أربعة برد فما فوقها. وذكره البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم. ورواه بعضهم في صحيح ابن خزيمة مرفوعًا من رواية ابن عباس. وقد كان فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر عليه الصلاة والسلام فرضت أربعًا . .رواه البخاري من حديث عائشة، لكن يعارضه حديث ابن عباس: فرضت الصلاة في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين. رواه مسلم. وجمع بينهما بما يطول ذكره. فالميل بذراع الحديد) زاد الحافظ على القول المشهور: (خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعًا، وهذه فائدة جليلة قل من تنبه لها) وفي الفتح: نفيسة قلّ من نبه عليها. .(وروى البيهقي عن عطاء) بن أبي رباح (أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين، أي: يقصران في أربعة فما فوقها، وذكره البخاري في صحيحه تعليقًا) بلا إسناد :(بصيغة الجزم) فيكون صحيحًا، فقال: وكان ابن عمر وابن عباس يقصران ويفطران في أربعة برد :(ورواه بعضهم في صحيح ابن خزيمة مرفوعًا من رواية ابن عباس) الذي في الفتح، وقد روي عن ابن عباس مرفوعًا، أخرجه الدار قطني: وابن أبي شيبة من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وعطاء عن ابن عباس أن رسول اللَّه عَ لّه قال: ((يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان)»، وهذا إسناد ضعيف من أجل عبد الوهاب (وقد كان فرض الصلاة ركعتين ركعتين) بالتكرار. (فلما هاجر عليه الصلاة والسلام فرضت أربعًا، رواه البخاري) هكذا في الهجرة وأخرجه في مواضع بنحوه، وكذا مسلم بنحوه، كلاهما (من حديث عائشة لكن يعارضه حديث ابن عباس) قال: (فرضت الصلاة في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، رواه مسلم) بلفظ: فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم عَّ في الحضر أربعًا، وفي السفر: ركعتين، وفي الخوف: ركعة، وله أيضًا أن اللَّه عز وجل فرض الصلاة على لسان نبيكم عَّ على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا والخوف ركعة (وجمع بينهما بما يطول ذكره) ومن جملته أن هذا إخبار بما استقر عليه الفرضان، وحديث عائشة في بدء الأمر، وقوله في الخوف ركغة، أي: مع الإمام، وسكت عن الأخرى للعلم بأنه يتمها لنفسه وحده. ١٥٧ الثاني في القصر مع الإقامة ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، [النساء/١٠١] ويؤيده ما ذكره ابن الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، وقيل كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية. ذكره الدولابي، وقيل بعد الهجرة بأربعين يومًا. الثاني في القصر مع الإقامة: عن أنس قال: خرجنا مع النبي عَّه من المدينة إلى مكة، فكان يصلي : وقال الحافظ: الذي يظهر لي وبه يجمع بينهما أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلاَّ المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة إلاّ الصبح، كما روي ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة، قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم عَّ المدينة واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار، وعقب الحافظ هذا بقوله: (ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ ويؤيده ما ذكره ابن الأثير في شرح المسند) للإمام الشافعي: (أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة). " قال الحافظ: وهو مأخوذ من قول غيره أن نزول آية الخوف كان فيها (وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية) بالنون (ذكره الدولابي) بفتح الدال أفصح من ضمها، زاد الحافظ وأورده السهيلي بلفظ بعد الهجرة بعام أو نحوه (وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا). قال الحافظ: فعلى هذا، فقول عائشة: فأقرت صلاة السفر، أي: باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لأنها استمرت منذ فرضت، فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة، قال: وأما قول الخطابي: وغيره أن قول عائشة غير مرفوع وأنها لم تشهد فرض الصلاة ففيه نظر، أما أولاً فهو مما لا مجال للزأي فيه قله حكم الرفع، وأما ثانيًا فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابي: وهو حجة لاحتمال أنها أخذته عن النبي عَّ له، أو عن صحابي أدرك ذلك، وقول إمام الحرمين: لو ثبت لنقل متواترا فيه نظر، لأن التواتر في مثل هذا غير لازم. انتهى. (الفرع الثاني: في القصر مع الإقامة: عن أنس قال: خرجنا مع النبي عَ ◌ّه من المدينة: إلى مكة) أي: إلى الحج، كما في رواية مسلم (فكان يصلي ركعتين ركعتين) ١٥٨ الثاني في القصر مع الإقامة ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قيل له: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا. رواه البخاري، ومسلم مختصرًا قال: أقمنا مع النبي عَِّ عشرة يقصر الصلاة. وعن ابن عباس قال: أقام النبي عَِّ تسعة عشر يقصر الصلاة. فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتمنا. رواه البخاري. وفي رواية أبي داود: أنه معَّهِ أقام سبعة عشر بمكة يقصر الصلاة. قال ابن عباس: فلو أقام أكثر أتم. والرواية الأولى بتقديم التاء على السين، والثانية بتقديم السين على الموحدة. ولأبي داود، من حديث عمران بن حصين: غزوت مع رسول الله عَُّلّ الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين. وله من طريق ابن إسحق عن بالتكرار لإفادة عموم التثنية، زاد في رواية البيهقي إلاَّ المغرب (حتى رجعنا إلى المدينة، قيل له:) القائل يحيى بن أبي إسحق الحضرمي راوي الحديث عنه، ففي الصحيحين، قلت: (أقمتم بمكة شيئًا، قال: أقمنا بها عشرًا) لفظ البخاري، ولفظ مسلم: قلت: كم أقام بمكة؟، قال: عشرًا (رواه البخاري ومسلم) هكذا مطولاً هنا، ورواه البخاري في فتح مكة (مختصرًا) بلفظ. (قال) أنس: (أقمنا مع النبي عَِّ عشرة) من الأيام رواية أبي ذر ولغيره عشرًا (يقصر الصلاة) بضم الصاد (وعن ابن عباس قال: أقام النبي عَّ) زاد البخاري في المغازي: بمكة (تسعة عشر) يومًا بليلته (يقصر الصلاة) الرباعية بضم الصاد وضبطه المنذر بضم الياء وشد الصاد من التقصير، قاله المصنف: (فنحن إذا سافرنا) فأقمنا (تسعة عشر) بفوقية فسين (قصرنا، وإن زدنا أتممنا). قال الحافظ: ظاهره أن السفر إذا زاد على تسعة عشر لزم الإتمام وليس ذلك المراد، وقد صرح أبو يعلى في روايته بالمراد، ولفظه: إذا سافرنا فأقمنا في موضع تسعة عشر، ويؤيده قوله صدر الحديث: أقام، وللترمذي: فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعًا (رواه البخاري) هنا، وفي المغازي من إفراده عن مسلم، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه في الصلاة. (وفي رواية أبي داود) عن ابن عباس؛ (أنه عَّةِ أقام سبعة عشر بمكة يقصر الصلاة، قال ابن عباس: فلو أقام أكثر أتم والرواية الأولى) أي: رواية البخاري (بتقديم التاء) الفوقية (على السين، والثانية) رواية أبي داود (بتقديم السين على الموحدة، ولأبي داود من حديث عمران بن حصين: غزوت مع رسول اللَّه عَّة الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلاّ ١٥٩ الثاني في القصر مع الإقامة الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس: أقام عَُّلم بمكة عام الفتح خمسة عشر يومًا يقصر الصلاة. وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف: بأن من قال: ((تسعة عشر)) عد يومي الدخول والخروج، ومن قال: ((سبعة عشر) حذفهما، وأما رواية ((خمسة عشر) فضعفها النووي في ((الخلاصة)) وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، فإذا ثبت أنها صحيحة فلتحمل على أن الراوي ظن أن الأصل سبعة عشر، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية «تسعة عشر)) أرجح الروايات. وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين، لكن محله عنده فيمن لم يزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في ركعتين) لأنه لم ينوِ الإقامة (وله من طريق) محمد (بن إسحق عن الزهري عن عبيد اللَّه) بضم العين ابن عبد الله، بفتحها ابن عتبة، بضمها ففوقية (عن ابن عباس: أقام عَّه بمكة عام الفتح خمسة عشر يومًا يقصر الصلاة، وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال: تسعة عشر عد يومي الدخول والخروج، ومن قال: سبعة عشر حذفهما) ومن قال: ثمانية عشر عد أحدهما كما هو باقي جمع البيهقي في فتح الباري. (وأما رواية خمسة عشر فضعفها النووي في الخلاصة، وليس) تضعيفه (بجيد، لأن رواتها ثقات ولم ينفرد بها ابن إسحق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك) بكسر العين ابز ملك عن عبيد الله كذلك، أي: بلفظ خمسة عشر (وإذا ثبت أنها صحيحة فلتحمل على أن الراوي ظن أن الأصل سبعة عشر) بسين فموحدة (فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر) بفوقية فسين (أرجح الروايات. زاد الحافظ: وبهذا أخذ إسحق بن راهويه، ويرجحها أيضًا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة، وأخذ الثوري وأهل الكوفة برواية خمسة عشر لكونها أقل ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقًا (وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين) ثمانية عشر (لكن محله عنده فيمن لم يزمع) بضم التحتية وسكون الزاي وكسر الميم وعين مهملة، أي: يجمع ويثبت (الإقامة) أي: ينوها (فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع) نوى (الإقامة في ١٦٠ الثاني في القصر مع الإقامة أول الحال على أربعة أيام أتم، على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها، أو: لا. ولا معارضة بين حديث ابن عباس وحديث أنس، لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس كان في حجة الوداع. وفي حديث ابن عباس: قدم عَّه وأصحابه - يعني مكة - لصبح رابعه، ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة، بمكة ونواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قاله أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء، لأنه قدم في اليوم الرابع وخرج منها في اليوم الثامن، فصلى الظهر في منى، ومن ثم قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام، فالمدة التي في حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على من لم ينو الإقامة بل كان مترددًا، متى تهيأ له فراغ حاجته يرحل. والمدة التي في حديث أنس يستدل بها على من نوى الإقامة، لأنه عَّةِ في أيام الحج كان جازمًا بالإقامة تلك المدة، ووجه الدلالة من حديث ابن عباس: لما كان الأصل في المقيم الإتمام فلما لم يجىء عنه عَّله أنه أقام في حالة السفر أكثر من تلك المدة أول الحال على أربعة أيام أتم على خلاف بين أصحابه) أي: الشافعي، ويقع في نسخ الصحابة وهو تحريف فالذي في الفتح أصحابه (في دخول يومي الدخول والخروج فيها أو لا) أي: وعدم دخولهما وهو المعتمد فلا يحسبان عندهم (ولا معارضة بين حديث ابن عباس وحديث أنس) المذكورين (لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس كان في حجة الوداع) كما في مسلم. (وفي حديث ابن عباس) عند البخاري ومسلم: (قدم عَّ﴾. وأصحابه، يعني مكة، لصبح رابعه) يلبون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة إلاّ من معه الهدي (ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدة الإقامة بمكة ونواحيها عشرة أيام) بلياليها (كما قاله أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء، لأنه قدم في اليوم الرابع، وخرج منها في اليوم الثامن فصلى الظهر في منى، ومن ثم قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام) ثم يتم (فالمدة التي في حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على من لم ينو الإقامة، بل كان مترددًا متى تهيأ له فراغ حاجته يرحل والمدة التي في حديث أنس يستدل بها على من نوى الإقامة، لأنه عَّةِ في أيام الحج كان جازمًا بالإقامة تلك المدة، ووجه الدلالة من حديث ابن عباس) هي أن يقال (لما كان الأصل في المقيم الإتمام، فلما لم