Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
الثاني في ركعتي الفجر
وفي رواية أبي داود، من حديث أبي هريرة ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل
إلينا﴾ في الركعة الأولى، وبهذه الآية ﴿ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا
مع الشاهدين﴾ [آل عمران/٥٣] أو ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيراً ولا تسئل
عن أصحاب الجحيم﴾ [البقرة/١١٩] قال أبو داود: شك الراوي.
وقال أبو هريرة: قرأ في ركعتي الفجر ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو
الله أحد﴾ رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
وقد روى ابن ماجه بإسناد قوي، عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت:
(ابن عباس) أنه عَّةٍ كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما قولوا: ﴿آمنا بالله وما أنزل
إلينا﴾ التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: ﴿آمنا باللَّه وأشهد بأنا مسلمون﴾ [آل عمران/٥٢] هذا
لفظ مسلم، وفي لفظ له كان يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قولوا آمنا باللَّه وما أنزل إلينا﴾ والتي في
آل عمران: ﴿﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [آل عمران: ٦٤]، فلم يقل في رواية منهما
كان كثيرًا ما يقرأ كما فعل المصنف.
(وفي رواية أبي داود من حديث أبي هريرة) كان عَّه يقرأ: (﴿قولوا آمنا بالله وما
أنزل إلينا﴾) [المائدة/٥٩] (في الركعة الأولى، وبهذه الآية: ﴿ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا
الرسول فاكتبنا مع الشاهدين﴾) [آل عمران/٥٣] لك بالوحدانية ولرسولك بالصدق (أو: ﴿إنا
أرسلناك بالحق) بالهدى (بشيرًا) من أجاب إليه بالجنة (ونذيرًا) من لم يجب إليه بالنار (﴿ولا
تسئل عن أصحاب الجحيم﴾) [البقرة/١١٩] النار، أي الكفار ليم لَم يؤمنوا إِنما عليك البلاغ.
وفي وقراءة بجزم تسأل نهيًا.
(قال أبو داود: شك الراوي) ولولا حرصه بذلك، لكان الظاهر أن أو للتنويع لا للشك،
أي أنه تارة يقرأ بهذه وأخرى بهذه، والمراد أنه يقرأ بإحدى هاتين في الركعة الثانية فوافق
أبو هريرة ابن عباس فيما كان يقرأه في الأولى وخالفه فيما يقرؤه في الثانية بحسب ما سمعه كل
منهما، وليس المعنى أنه يقرأ إحدى الآيتين مع آية: ﴿قولوا آمنا بالله﴾ [المائدة/٥٩] في ركعة
لأنه يدفعه تقييده بقوله في الأولى، فأفاد أن إحدى الآيتين في الآخرة.
(وقال أبو هريرة: قرأ) رسول اللَّه عَّةٍ (في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾
[الكافرون/١] و﴿قل هو الله أحد﴾) [الإخلاص/١] لما فيهما من التوحيد ففي الأولى نفي
الشريك، وفي الثانية إثبات الإلهية (رواه مسلم وأبو داود والترمذي.) وهذه الأحاديث تدل
على أنه عَّةِ كان يقرأ فيهما تارة بهاتين السورتين وتارة بالآي السابقة. (وقد روى ابن ماجه

٤٢
الثاني في ركعتي الفجر
كان رسول الله عَّ الله يصلي ركعتين قبل الفجر، يقول: نعم السورتان يقرأ بهما في
ركعتي الفجر ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾.
ولابن أبي شيبة من طريق ابن سيرين عن عائشة: كان يقرأ فيهما بهما.
وللترمذي والنسائي من حديث ابن عمر: رمقت النبي عَّهِ شهرًا فكان يقرأ
بهما.
وقد استدل بعضهم بهذا على الجهر بالقراءة في ركعتي الفجر، ولا حجة
فيه، لاحتمال أن يكون ذلك عرف بقراءته بعض السورة، ويدل على ذلك أن فى
رواية ابن سيرين المذكورة: ((يسر فيها القراءة)) وصححه ابن عبد البر.
واستدل بعضهم أيضًا بهذه الأحاديث المذكورة، على أنه لا تتعين الفاتحة،
لأنه لم يذكرها مع سورتي الإخلاص. وأجيب: بأنه ترك ذكر الفاتحة لوضوح الأمر
بإسناد قوي عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه عَّه يصلي ركعتين قبل
الفجر) أي صلاة الصبح وهما ركعتا الفجر (ويقول: نعم السورتان يقرأ بهما في ركعتي
الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، و﴿قل هو الله أحد﴾،) لما اشتملتا عليه من التوحيد كما مر
بيانه للمصنف فيفتتح بهما صلاة النهار. (ولابن أبي شيبة من طريق ابن سيرين) محمد (عن
عائشة) كان عَِّ (يقرأ فيهما) أي الركعتين (بهما) أي السورتين، ولفظة كان تدل على الكثرة
فهو أقوى من قول أبي هريرة قرأ بهما لأن المحقق منه مرة (وللترمذي والنسائي من حديث
ابن عمر: رمقت) أي نظرت (النبي عَّه) نطر تأمل لا علم فعله في صلاة الفجر (شهرًا.) وفي
رواية: أربعين صباحًا، وأخرى خمسًا وعشرين مرة (فكان يقرأ بهما) زاد في الفتح وللترمذي عن
ابن مسعود مثله بغير تقييد، أي بقوله: شهرًا، وكذا للبزار عن أنس، ولابن حبان عن جابر ما يدل
على الترغيب في قراءتهما فيهما.
(وقد استدل بعضهم بهذا على الجهر بالقراءة في ركعتي الفجر، ولا حجة فيه
لاحتمال أن يكون ذلك عرف) للراوي (بقراءته بعض السورة) كما تقدم في صفة الصلاة من
حديث أبي قتادة في صلاة الظهر يسمعنا الآية أحيانًا (ويدل على ذلك أَن في رواية ابن سيرين
المذكورة) عن عائشة (يسر فيها القراءة، وصححه ابن عبد البر) وهو نص في الإِسرار فيقدم
على المحتمل.
(واستدل بعضهم أيضًا بهذه الأحاديث المذكورة على أَنه لا تتعين) سورة (الفاتحة)
أَي: قراءتها في الصلاة (لأنه لم يذكرها مع سورتي الإِخلاص، وأُجيب بأنه ترك ذكر الفاتحة

٤٣
الثاني في ركعتي الفجر
فیھا. انتھی.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه
الأيمن. رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة.
لأنه عليه الصلاة والسلام كان يحب التيمن، وقد قيل: الحكمة فيه أن
القلب من جهة اليسار فلو اضطجع عليه لاستغرق نومًا، لأنه أبلغ في الراحة،
بخلاف اليمين فيكون القلب معلقًا فلا يستغرق، وهذا إنما يصح بالنسبة إلى غيره
عليه الصلاة والسلام كما لا يخفى.
وأما ما روي أن ابن عمر رأى رجلاً يصلي ركعتي الفجر ثم اضطجع فقال:
ما حملك على ما صنعت؟ فقال: أردت أن أفصل بين صلاتي فقال له: وأي فصل
أفضل من السلام، قال: فإنها سنة، قال: بل بدعة. رواه ابن الأثير في جامعه عن
رزين. وكذا ما روي من إنكار ابن مسعود، ومن قول إبراهيم النخعي: إنها ضجعة
الشيطان، كما أخرجهما ابن أبي شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهم الأمر
لوضوح الأمر فيها، انتهى).
ويدل عليه أن قول عائشة: لا أدري أقرأ الفاتحة أَو لا، يدل على أنه كان مقررًا عندهم أَنه
لا بد من قراءة الفاتحة (وكان عليه الصلاة والسلام إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع) أي: نام
(على شقه الأيمن، رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة، لأنه عليه الصلاة والسلام كان
يحب التيمن، وقد قيل: الحكمة فيه أَن القلب من جهة اليسار فلو اضطجع عليه لاستغرق
نومًا، لأَنه أَبلغ في الراحة بخلاف اليمين، فيكون القلب معلقًا فلا يستغرق) إِذا نام عليه
(وهذا إنما يصح بالنسبة إِلى غيره عليه الصلاة والسلام كما لا يخفى) لأن عينه تنام ولا ينام
قلبه.
(وأما ما روي أَن ابن عمر رأَى رجلاً يصلي ركعتي الفجر ثم اضطجعٍ) نام (فقال:
ما حملك على ما صنعت؟) بفتح تاء الخطاب (فقال: أردت) بضم تاء المتكلم (أَن أَفصل بين
صلاتي) بفتح الفوقية وشد الياءِ تثنية، أَي صلاة الفجر والصبح (فقال له: وأَي فصل أَفضلٍ من
السلام؟، قال:) الرجلِ (فإنها) أَي الضجعة (سنة، قال) ابن عمر: (بل بدعة، رواه ابن الأثير)
المبارك (في جامعه) أَي كتابه جامع الأصول (عن رزين) بن مطوية السرقسطي في كتابه تجريد
الصحاح (وكذا ما روي من إنكار ابن مسعود) للاضطجاع (ومن قول إبراهيم النخعي: إِنها

٤٤
الثاني في ركعتي الفجر
بفعله.
وأرجح الأقوال مشروعية الفصل، لكن لم يداوم عَِّ عليه، ولذا احتج الأئمة
على عدم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد بذلك عند أبي داود وغيره على
الاستحباب.
وفائدة ذلك: النشاط والراحة لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك
إلا للمتهجد. وبه جزم ابن العربي. ويشهد لهذا ما أخرجه عبد الرزاق أن عائشة
كانت تقول: إن النبي عٍَّ لم يضطجع لسنة، ولكنه كان يدأب ليلته فيستريح.
وفي إسناده راو لم يسم.
وقيل: فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا
اختصاص. ومن ثم قال الشافعي: إن السنة تتأدى بكل ما يحصل به الفصل من
مشي وكلام وغيره، حكاه البيهقي.
ضجعة الشيطان) بكسر المعجمة، لأَن المراد الهيئة وبفتحها على إرادة المرة، كذا في الفتح
(كما أَخرجهما) أَي أخرجه عنهما (ابن أبي شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهم الأمر
بفعله) أي: الاضطجاع (وأرجح الأقوال مشروعية الفصل) أَي الاضطجاع له (لكن لم يداوم
عليه الصلاة والسلام عليه، ولذا احتج) به (الأئمة) القائلون بمشروعيته (على عدم الوجوب
وحملوا الأمر الوارد بذلك عند أبي داود وغيره، ) الترمذي وابن حبان عن أبي هريرة مرفوعاً:
إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على جنبه الأيمن (على الاستحباب) إِذ لو وجب
لداوم علیه.
قال الترمذي: صحيح غريب، وقال في الرياض: أَسانيده صحيحة، وقال ابن القيم: هو
: ظل، إنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر.
(وفائدة ذلك النشاط والراحة لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إِلاَّ
للمتهجد، وبه جزم ابن العربي) محمد أبو بكر الحافظ (ويشهد لهذا) الأولى له، وعبر به
الفتح (ما أَخرجه عبد الرزاق: أَن عائشة كانتِ تقول أن النبي عَِّ لم يضجطع لسنة) أَي
الفعل سنة. وفي نسخة: لآلام، والمعنى عليها، أي ليجعل الاضطجاع سنة (ولكنه كان يدأَب)
أَي يجتهد ويجد في عمله (ليلته فيستريح) من التعب ليقوم للصبح بنشاط.
(وفي إِسناده راو لم يسم، وقيل: إِن فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة

٤٥
الثاني في ركعتي الفجر
وقال النووي: المختار أنها سنة لظاهر حديث أبي هريرة، وقد قال أبو هريرة
راوي الحديث: إن الفصل بالمشي إلى المسجد لا يكفي.
وأفرط ابن حزم فقال: يجب على كل أحد، وجعله شرطًا لصحة صلاة
الصبح، فرده عليه العلماء بعده، حتى طعن ابن تيمية في صحة الحديث لتفرد
عبد الواحد بن زياد به، وفي حفظه مقال، والحق: أنه تقوم به الحجة.
وذهب بعض السلف إلى استحبابها في البيت دون المسجد، وهو محكي
عن ابن عمر. وقواه بعض شيوخنا، بأنه لم ينقل عن النبي عَّ﴾ أنه فعله في
المسجد، وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله في المسجد، أخرجه ابن
أبي شيبة.
وقال عليه الصلاة والسلام من لم يصل ركعتي الفجر، فليصلهما بعدما
تطلع الشمس. رواه الترمذي من رواية أبي هريرة.
الصبح، وعلى هذا فلا اختصاص) لذلك بالمتهجد (ومن ثم قال الشافعي: تتأدى السنة بكل
ما يحصل به الفصل من مشي وكلام وغيره، حكاه البيهقي) عنه.
(وقال النووي المختار: أنها) أي الضجعة بخصوصها (سنة لظاهر حديث أبي هريرة:)
إِذا صلى أحدكم الفجر فليضطجع.
(وقد قال أبو هريرة راوي الحديث) المذكور؛ (أَن الفصل بالمشِي إِلى المسجد
لا يكفي) فمقتضاه أنه فهم أن السنة الضجعة بخصوصها، ولفهمه مزية (وأَفرط) مجاوز الحد
(ابن حزم، فقال: يجب) الاضطجاع (على كل أَحد وجعله شرطًا لصحة صلاة الصبح، فرده
عليه العلماء بعده)؛ بأنه عَّه لم يداوم عليها فكيف تكون واجبة فضلاً عن كونها شرطًا لصحة
الصبح (حتى طعن ابن تيمية في صحة الحديث) أي حديث أبي هريرة الذي فيه الأمر بها
(لتفرد عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم البصري (به) أي برواية هذا الحديث، بلفظ الأمر
(وفي حفظه مقال) وإِن كان ثقة، وروى له الستة، فلعله التبس عليه النعل الوارد في الصحيحين،
فنقله بصيغة الأمر (والحق أنه تقوم به الحجة) لكونه ثقة وإن تفرد به.
(وذهب بعض السلف إلى استحبابها في البيت دون المسجد وهو محكي عن
ابن عمر، وقوَّاه بعض شيوخنا) هذا من الفتح لا من المصنف، فالمراد بعض شيوخ الحافظ؛
(بأَنه لم ينقل عن النبي عَّةٍ أَنه فعله) أي: الاضطجاع (في المسجد، وصح عن ابن عمر أنه
كان يحصب:) يرمي بالحصباء (من يفعله في المسجد).
(أخرجه ابن أبي شيبة) عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وهو أبو شيبة (وقال عليه الصلاة

٤٦
الثالث في راتبة الظهر
الثالث في راتبة الظهر
عن ابن عمر قال: صليت مع رسول الله عَلَّه ركعتين قبل الظهر وركعتين
بعدها. رواه البخاري ومسلم والترمذي.
وعن عائشة: كان عليه الصلاة والسلام لا يدع أربعًا قبل الظهر، وركعتين
قبل صلاة الغداة. رواه البخاري أيضًا.
فإما أن يقال: إنه عَّ الله كان إذا صلى في بيته صلى أربعًا، وإذا صلى في
المسجد صلى ركعتين، وهذا أظهر. وإما أن يقال: كان يفعل هذا وهذا، فحكى
كل من عائشة وابن عمر ما شاهده، والحديثان صحيحان لا مطعن في واحد
منهما.
وقال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في
والسلام: من لم يصل ركعتي الفجر) في وقتها قبل صلاة الصبح (فليصلهما بعدما تطلع
الشمس) أي: وترتفع، كما دل عليه أخبار أخر (رواه الترمذي) وأحمد (من رواية أبي هريرة)
وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
(الثالث: في راتبة الظهر، عن ابن عمر، قال: صليتٍ مع رسول اللَّه عَّه ركعتين قبل
الظهر وركعتين بعدها) المراد من المعية أَنهما اشتركا في أَن كلاً منهما صلاها لا التجميع،
فلا حجة فيه لمن قال: يجمع في رواتب الفرائض، وفي لفظ للشيخين عن ابن عمر: حفظت من
النبي عَّله عشر ركعات، فذكرها كما مر (رواه البخاري ومسلم والترمذي) بزيادة تقدمت
قريبًا.
(وعن عائشة: كان عليه الصلاة والسلام) لفظها؛ أَن النبي عَِّ كان (لا يدع؛) لا يترك
(أربعًا قبل) صلاة (الظهر وركعتين قبل صلاة الغداة) أي: الصبح، يعني ركعتي الفجر (رواه
البخاري أيضًا) وأبو داود والنسائي (فإِما أَن يقال) في الجمع بينه وبينٍ حديث ابن عمر؛
(أَنْه ◌ٍَّ كان إذا صلى في بيته صلى أَربعًا) وهو ما أُخبرتِ به عائشة لأنها في البيت (وإِذا
صلى في المسجد صلى ركعتين) تخفيفًا على الأمة وهو أَخبر به ابن عمر لأنه يكون معه في
المسجد (وهذا أظهر) من قول من قال: يحتمل أنه يصلي في بيته ركعتين، ثم يخرج إلى
المسجد فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمرٍ ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت عائشة على
الأَمرين وإنما كان أَظهر لما رواه أحمد وأبو داود عن عائشة: كان يصلي في بيته قبل الظهر أَربعًا
ثم يخرج كما في الفتح.
(وإما أن يقال: كان يفعل هذا) تارة (وهذا) أُخرى (فحكى كل من عائشة وابن عمر

٤٧
الثالث في راتبة الظهر
قليلها. انتهى.
وقد يقال: إن الأربع التي قبل الظهر لم تكن سنة الظهر، بل هي صلاة
مستقلة، كان يصليها بعد الزوال. وروى البزار من حديث ثوبان: إنه عَّهِ كان
يستحب أن يصلي بعد نصف النهار، فقالت عائشة: يا رسول الله، أراك تستحب
الصلاة هذه الساعة، فقال: تفتح فيها أبواب السماء، وينظر الله تعالى إلى خلقه
بالرحمة، وهي صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى.
وعن عبد الله بن السائب: كان عَّه يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل
الظهر، وقال: إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل
صالح. رواه الترمذي.
وروى الترمذي أيضًا حديث ((أربع قبل الظهر وبعد الزوال تحتسب بمثلهن
في السحر وما من شيء إلا وهو يسبح الله تعالى تلك الساعة)) ثم قرأ ﴿تتفيأ
ما شاهده والحديثان صحيحان لا مطعن في واحد منهما).
(وقال أبو جعفر) محمد بن جرير (الطبري: الأربع كانت في كثير من أَحواله
والركعتان في قليلها. انتهى).
(وقد يقال: إِن الأربع التي قبل الظهر لم تكن سنة الظهر، بل هي صلاة مستقلة كان
يصليها بعد الزوال، و) دليل ذلك أنه قد (روى البزار من حديث ثوبان أَنّه عَّ كان
يستحب) السين لمجرد التأكيد، أَي يحب (أَن يصلي بعد نصف النهار، فقالت عائشة:
يا رسول اللَّه أراك تستحب الصلاة هذه الساعة؟، فقال:) لأنها ساعة (تفتح فيها أَبواب
السماء وينظر اللَّه تعالى إلى خلقه بالرحمة وهي صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم
وموسى وعيسى) أي: يحافظون على التنفل فيها وإِن لم تجب عليهم، كما أن المصطفى كان
يستحبها ولم تجب عليه (وعن عبد الله بن السائب) القرشي المخزومي المكي، لِه ولأبيه
صحبة وكان قاريء أهل مكة، مات سنة بضع وستين (كان عَِّ يصلي أُرِبعًا بعد أن تزول
الشمس قبل) صلاة (الظهر، وقال: إِنها ساعة تفتح فيها) وفي نسخ: لها، أَي لأَجِلها (أَبواب
السماء) حقيقة تبشيرًا بقبول الأعمال حينئذ، وقيل: هو كناية عن القبول ورجح الأول (وأُحب
أن يصعد لي فيها عملٍ صالح) زائد على الفرض (رواه الترمذي) ورواه ابن ماجه والترمذي
أَيْضًا والنسائي بنحوه عنٍ أَبِي أَيوب.
(وروى الترمذي أيضًا حديث) عمر بن الخطاب عن النبي عَِّ قال: (أَربع قبل الظهر

٤٨
الرابع في سنة العصر
ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون﴾. [النحل/٤٨]
فهذه - والله أعلم - هي الأربع التي أرادت عائشة أنه كان لا يدعهن. وأما
سنة الظهر فالركعتان التي قال ابن عمر. ويوضح هذا أن سائر الصلوات سنتها
ركعتان، وعلى هذا فتكون هذه الأربع ورداً مستقلاً، سببه انتصاف النهار وزوال
الشمس.
وسر هذا - والله أعلم - أن انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل، وأبواب
السماء تفتح بعد الزوال، ويحصل النزول الإلهي بعد انتصاف الليل، فهما وقتا قرب
رحمة، هذا تفتح فيه أبواب السماء، وهذا ينزل فيه الرب تبارك وتعالى عن حركة
الأجسام.
الرابع في سنة العصر
عن علي: قال كان عَّه يصلي قبل العصر ركعتين. رواه أبو داود.
وعن علي أيضًا. كان عَِّ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن
بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين. رواه
الترمذي.
وبعد الزوال تحتسب) أي تعد (بمثلهن) فيقال: ثواب هذه يعدل ثوابهن (في السحر) قبيل
الصبح أو سدس الليل الأخير كما مر (وما من شيء إِلاَّ وهو يسبحِ اللَّه تعالى تلك الساعة، ثم
قرأ تتفيا:) تتميل (ظلاله عن اليمين والشمائل:) جمع شمال، أي: جانبها (سجداً للَّه) حال
(وهم داخرون) صاغرون (فهذه واللَّه أَعلم هي الأربع التي أرادت عائشة أَنه كان لا يدعهن،
وأما سنة الظهر فالركعتان التي قال ابن عمر) في حديثه السابق (ويوضح هذا) الذي قلته أنها
ليست سنة الظهر؛ (أن سائر الصلوات سننها ركعتان) فقط (وعلى هذا فتكون هذه الأربع)
وفي نسخة: الأربعة والأُولى أحسن (وردًا مستقلاً سببه انتصاف النهار وزوال الشمس، وسر
هذا والله أعلم) بحقيقة حكمة ذلك (أَن انتصاف النهار مقابل الانتصاف الليل وأبواب السماء
تفتح بعد الزوال) كما مر في الحديث (ويحصل النزول الإِلهي) النظر بالرحمة (بعد
الانتصاف) لليل (فهما وقتا قرب رحمة، هذا) أي: بعد الزوال (تفتح فيه أبواب السماء،
وهذا) أي: بعد انتصاف الليل (ينزل فيه الرب) تنزلاً معنوياً (تبارك وتعالى عن حركة الأجسام)
التي هي الانتقال من مكان عالٍ إلى آخر سافل.
(الرابع: في سنة العصر، عن علي قال: كان عٍَّ يصلي قبل العصر ركعتين) تارة
وأخرى أُربعًا، كما في الحديث بعده (رواه أبو داود) بإِسناد صحيح (وعن علي أيضًا:

٤٩
الرابع في سنة العصر
وروى الترمذي مرفوعًا أيضًا حديث: ((رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا)).
عن عائشة: ما كان عَِّ يأتيني في يومي بعد العصر إلا صلى ركعتين،
وفي رواية: ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط. رواه البخاري ومسلم.
ولمسلم: أن أبا سلمة سألها عن السجدتين اللتين كان يصليهما بعد العصر
فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد
العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها، تعني داوم عليها.
ولأبي داود، قالت: كان عَّه يصلي بعد العصر ركعتين وينهي عنهما،
ويواصل وينهى عن الوصال.
كان ◌َِّ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين
ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين، رواه الترمذي) والنسائي.
(وروى الترمذي) وحسنه مرفوعًا أَيضًا، وأحمد وأبو داود، وصححه ابن حبان حديث
ابن عمر عن النبي عَّهُ: (رحم اللَّه امراً صلى قبل العصر أربعًا) خبر أو دعاء، فينبغي فعلهما،
فإِن خبره حق ودعاؤه مستجاب.
وروى أبو يعلى عن علي قال: أَلا يقوم أَحدكم فيصلي أربع ركعات قبل العصر، فيقول
فيهن ما كان عٍَّ يقول: ((تم نورك فهديت، فلك الحمد عظم حلمك فعفوت، فلك الحمد
انبسطت يدك فأعطيت، فلك الحمد ربنا وجهك أَكرم الوجوه وجاهك أَعظم الجاه وعطيتك
أفضل العطية واهنؤها،: تطاع ربنا فتشكر - أي تثيب وتعصى ربنا فتغفر، تحبيب المضطر
وتكشف الضر وتشفي السقيم وتغفر الذنب وتقبل التوبة، ولا يجزي بآلائك أَحد ولا يبلغ
موجبك - أي ما يجب لك من الثناء - قول قائل)).
(وعن عائشة: ما كان عَّةٍ يأتيني في يومي بعد) صلاة (العصر إلا صلى ركعتين،
وفي رواية) عن عروة عن عائشة أيضًا: (ما تركِ) عَِّ (ركعتين بعد العصر عندي قط، رواه)
أي المذكور من الروايتين (البخاري ومسلم) فَأَخرجا الأولى عن الأسود ومسروق، والثانية عن
عروة (ولمسلم؛ أَن أَبا سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (سألها) أي: عائشة (عن السجدتين)
أَي: الركعتين بأربع سجداتها، فهو من تسمية الكل باسم البعض مجاز (اللتين كان يصليهما بعد
العصر) ما حكمهما؟ (فقالت: كان يصليهما قبل العصر ثم إنه شغل عنهما) لما أتاه وفد
عبد القيس (أَو نسيهما فصلاهِما بعد العصر ثم أَثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أَقبتها) كأَنه
عطف علة على معلول، أَي: لأَنه ... الخ (تعني) عائشة بقولها: أَثبّتِها (داوم عليها) كما فسره
إِسمعيل بن جعفر راوي هذا الحديث عن محمد بن أبي حرملة عن أَبي سلمة في مسلم (ولأَبي

٥٠
الرابع في سنة العصر
وقال ابن عباس: إنما صلى عليه الصلاة والسلام ركعتين بعد العصر، لأنه
اشتغل بقسمة مال أتاه عن الركعتين اللتين بعد الظهر فقضاهما بعد العصر، ثم لم
يعد لهما. رواه الترمذي.
وقالت أم سلمة: سمعته عَّلِّ ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما حين صلى
العصر، ثم سألته عنهما فقال: ((إنه أتاني أناس من عبد القيس بالإسلام فشغلوني
عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان))، الحديث. وفيه: أن ابن عباس قال: كنت
أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عنهما.
قال ابن القيم: قضاء السنن الرواتب في أوقات النهي عام له ولأمته، وأما
المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي فخاص به عليه السلام قال: وقد عد
داود) عن عائشة (قالت: كان) عَُّ (يصلي بعد العصرِ ركعتين وينهي عنهما) غيره لأنهما من
خصائصه (ويواصل) في الصيام (وينهي عن الوصال) لأنه من خصائصه.
(وقال ابن عباس: إِنما صلى عليه الصلاة والسلام ركعتين بعد العصر لأَنه اشتغل
بقسمة مال أتاه عن الركعتين) متعلق باشتغل، ولفظ الترمذي: لأنه أَتَاه مال فشغله عن الركعتين
(اللتين: بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر ثم لم يعد لهما) أي: لصلاتهما (رواه الترمذي) من
طريق جرير عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال الترمذي: حديث حسن.
(وقالت أم سلمة) هند أم المؤمنين: (سمعته عَّ ينهي عنهما، ثم رأيته يصليهما حين
صلى العصر) أي: بعدما صلاه ودخل بيتها (ثم سألته عنهما، فقال:) يا بنت أبي أُمية سألت
عن الركعتين بعد العصر (إنه أتاني أناس) وفي رواية: ناس (من عبد القيس بالإِسلام) من
قومهم، كما في الصحيحين (فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان))) الركعتان اللتان
كنت أصليهما بعد الظهر، فشغلت عنهما فصليتهما الآن، وكان من عادته إذا فعل طاعة لا
يقطعها أَبدًا (الحديث) في الصحيحين مطوّلاً (وفيه أن ابن عباس قال: كنت أضرب مع عمر
بن الخطاب الناس عنهما) أي: عن الركعتين، وفي رواية عنها بالإِفراد، أَي: عن الصلاة، أَي
لأجلها.
وفي أُخرى عنه، أَي: عن الفعل وهو بالضاد المعجمة والموحدة من الضرب في البخاري
وأكثر رواة مسلم، ولبعضهم أَصرف - بصاد مهملة - وفاء، ومعناه أَمنع ولا مناة بين الروايتين، فكان
يضربهم في وقت ويصرفهم في آخر بلا ضرب، أَو يضرِب من بلغه النهي ويصرفٍ من لم يبلغه.
(قال ابن القيم: قضاء السنن الرواتب في أوقات النهي عام له ولأمته) عند من قال
بقضائها (وأَما المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي، فخاص به عليه السلام) خلافًا

٥١
الرابع في سنة العصر
هذا من خصائصه. انتهى.
والدليل عليه رواية عائشة: كان يصلي ركعتين بعد العصر وينهى عنهما
ويواصل وينهى عن الوصال. لكن قال البيهقي: الذي اختص به عَّل المداومة على
ذلك، لا أصل القضاء.
وأما رواية ابن عباس عند الترمذي: أنه إنما صلاهما بعد العصر لأنه اشتغل
بقسمة مال أتاه. فهو من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع من عطاء بعد اختلاطه،
وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة، لكن ظاهر قوله: ((ثم لم يعد) لهما معارض
لحديث عائشة المذكور في هذا الباب، فيحمل النفي على علم الراوي، فإنه لم
يطلع على ذلك، والمثبت مقدم على النافي.
وكذا ما رواه النسائي من طريق أبي سلمة، عن أم سلمة: أن رسول الله عَّه
صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة، الحديث، وفي رواية له عنها: لم
لمن تمسك به على جواز التنفل بعد العصر مطلقًا لم يقصد الصلاة عند غروب الشمس (قال:
وقد عد هذا من خصائصه. انتهى).
(والدليل عليه) أي: على عده من خصائصه (رواية عائشة) السابقة آنفًا: (كان يصلي
ركعتين بعد العصر وينهى عنهما ويواصل وينهى عن الوصال، لكن قال البيهقي) مثل ما قال
ابن القيم: (الذي اختص به عَّ المداومة على ذلك لا أَصل القضاء) فليس من خصائصه
عند قوم، وعند آخرين ومنهم لملك من خصائصه أيضًا.
(وأَما رواية ابن عباس عند الترمذي) السابقة قريبًا؛ (أَنه إِنما صلاهما بعد العصر لأَنّه
اشتغل بقسمة مال أتاه، فهو) بالتذكير باعتبار المعنى، إِذ معنى رواية حديث (من رواية جرير عن
عطاء) ابن السائب (وقد سمع) جرير (من عطاء بعد اختلاطه) فلا يحتج بروايته عنه لاحتمال
أنها مما سمعه بعد الاختلاط (وإن صح) في نفس الأمر (فهو شاهد لحديث أم سلمة) الظاهر
في أنه لم يداوم عليهما وإنما صلاهما مرة (لكن ظاهر قوله) أي: ابن عباس (ثم لم يعد لهما
معارض لحديث عائشة المذكور في هذا الباب) السابق قريبًا (فيحمل النفي) في حديث
ابن عباس (على علم الراوي، فإِنه لم يطلع على ذلك) كأنه قال: ثم لم أَعلم أَنِهِ عاد لهما
(والمثبت) وهو هنا عائشة (مقدم على النافي) وهو ابن عباس هنا على القاعدة، لأَن المثبت
معه زيادة علم، (وكذا ما رواه النسائي من طريق أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أُم سلمة؟

٥٢
الخامس في راتبة المغرب
أره يصليهما قبل ولا بعد. فيجمع بين الحديثين بأنه عَّه لم يكن يصليهما إلا في
بيته، فلذلك لم يره ابن عباس ولا أم سلمة. ويشير إلى ذلك قول عائشة في
رواية: ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته.
ومراد عائشة بقولها: ما كان في يومي بعد العصر إلا صلى ركعتين، من
الوقت الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما. ولم ترد أنه كان يصلي بعد
العصر من أول ما فرضت الصلوات مثلاً إلى آخر عمره، والله أعلم.
الخامس في راتبة المغرب
عن ابن مسعود قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله عَّةٍ يقرأ في الركعتين
بعد المغرب، وفي الركعتين قبل الفجر ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله
أَن رسول اللَّه عَِّ صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة، الحديث) ذكر في بقيته
سؤالها له عن ذلك وجوابه.
(وفي رواية له) أَي: النسائي (وعنها) أَي: أُم سلمة (لم أَره يصليهما قبل ولا بعد،
فيجمع بين الحديثين) حديثها؛ وحديث عائشة (بأنه عَُّ لم يكن يصليهما إلا في بيته)
الذي لغير عائشة (فلذلك لم يره ابن عباس ولا أم سلمة) لأنه لم يصلهما في بيتها إِلاّ مرة
واحدة (ويشير إلى ذلك قول عائشة في رواية) عند البخاري وغيره، قال: والذي ذهب
ما تركهما حتى لقي اللَّه، وما لقي اللَّه حتى ثقل عن الصلاة، وكان يصلي كثيرًا من صلاته
قاعدًا، يعني الركعتين بعد العصر، وكان النبي عَّهِ يصليهما (ولا يصليهما في المسجد مخافة
أَن يثقل) بضم التحتية وكسر القاف المشددة.
وفي رواية: يثقل بفتح التحتية وسكون المثلثة وضم القاف، أَي لأجل مخافة التثقيل
(على أمته) وكان يحب ما يخفف عنهم، هذا بقية الحديث ويخفف، بضم أوله وكسر الفاء
الثقيلة، مبني للفاعل.
وفي رواية: ما خفف عنهم بصيغة الماضي (ومراد عائشة بقولها: ما كان في يومي بعد
العصر إِلاّ صلى ركعتين) وكذا قولها: لم يكن يدعهما كما في الفتح (من الوقت) متعلق خبر
مراد المحذوف، أي: الصلاة من الوقت ومن بمعنى البدل، أَي: بدله، أَو بمعنى في أَي الوقت
المماثل للوقت (الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ولم ترد أنه كان
يصلي بعد العصر من أوّل ما فرضت الصلوات مثلاً إِلى آخر عمره، واللَّه أَعلم) لأنه إِن داوم
عليهما بعد مجيء عبد القيس لا قبله.
(الخامس: في راتبة المغرب: عن ابن مسعود، قال: ما أَحصي) ما أَعد (ما سمعت)

٥٣
الخامس في راتبة المغرب
أحد﴾ رواه الترمذي.
وعن ابن عباس: قال كان عٍَّ يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى
يتفرق أهل المسجد، رواه أبو داود.
وكان أصحابه عليه الصلاة والسلام يصلون ركعتين قبل المغرب قبل أن
يخرج إليهم عليه السلام. رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث أنس.
وفي رواية أبي داود، قال أنس: رآنا عَّهِ فلم يأمرنا ولم ينهنا.
وقال عقبة: كنا نفعله على عهده، عَّهِ. رواه البخاري ومسلم.
أَي: سماعِي (رسول اللَّه عَّه يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل) صلاة
(الفجر) أي: الصبح، وهما ركعتا الفجر (بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون/١]) أي: السورة
كلها في الأولى (و﴿قل هو الله أحد﴾) [الإخلاص/١] السورة بتمامها في كل منهما (رواه
الترمذي).
(وعن ابن عباس قال: كان عَّهِ يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق
أَهل المسجد) أَي أحياناً، فلا يخالف ما قبله، (رواه أبو داود)، ففي هذين الحديثين استحباب
النفل بعد المغرب (وكان أصحابه عليه الصلاة والسلام يصلون ركعتين قبل) صلاة (المغرب
قبل أن يخرج إليهم عليه (السلام).
(رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث أنس) قال: كان المؤذن إِذا أَذن قام ناس
من أصحاب النبي ◌َّهِ يبتدرون السواري حتى يخرج النبي عَّه وهم كذلك يصلون الركعتين
قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء، هذا لفظ البخاري.
وقال: إِن في رواية لم يكن بينهما إِلاَّ قليل، ولفظ مسلم عن أنس: كنا بالمدينة، فإِذا أَذن
المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد
فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما.
(وفي رواية أبي داود قال أنس: رَآنًا عٍَّ فلم يأَمرنا) بهما (ولم ينهنا) عنهما، فهوٍ
إقرارٍ لهم على فعلهما، وهذا بالنسبة للوقت الذي أخبر أنس أن المصطفى رآهم يصلون، وإلاّ
فسيأتي أنه قال: صلوا قبل المغربِ ركعتين، وقصر المصنف في عزوه لأبي داود وحده، ففي
مسلم عن المختار بن فلفل: سألت أنس بن لملك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب
بالأيدي على صلاة بعد العصر وكنا نصلي على عهد النبي عَّه ركعتين بعد غروب الشمس قبل
صلاة المغرب، فقلت له: أَكان ◌ٍَّ صلاهما؟، قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا.
(وقال عقبة) بن عامر الجهني لما قال له مرثد بن عبد اللَّه: أَلا أَعجبك من أَبي تميم يركع

٥٤
الخامس في راتبة المغرب
وظاهره: أن الركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب كان أمرًا قرر أصحابه
عليه، وهذا يدل على الاستحباب، وأما كونه عليه الصلاة والسلام لم يصلهما فلا
ينفي الاستحباب، بل يدل على أنهما ليستا من الرواتب، وإلى استحبابهما ذهب
أحمد وإسحق وأصحاب الحديث.
وعن ابن عمر: ما رأيت أحدًا يصليهما على عهده عَّه.
وعن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما.
فادعى بعض المالكية نسخهما، وتعقب: بأن دعوى النسخ لا دليل عليها،
ورواية المثبت - وهو أنس - مقدمة على رواية النافي - وهو ابن عمر -.
ركعتين قبل صلاة المغرب، زاد الإسمعيلي: حين يسمع أذان المغرب، فقال عقبة: إِنا (كنا نفعله
على عهده عَّدٍ) قلت: فما يمنعك الآن؟، قال: الشغل (رواه البخاري) هكذا تامًا (ومسلم) فيه
نظر، فإنه لم يخرج حديث عقبة هذا كما صرح به الحافظ في خاتمة أبواب التطوع (وظاهره)
كما قال القرطبي وغيره: (أَن الركعتين بعد الغروب) للشمس (وقبل صلاة المغرب كان أمرًا
قرر) عٍَّ (أصحابه عليه، وهذا يدل على الاستحباب، وأَما كونه عليه الصلاة والسلام لم
يصلهما فلا ينفي الاستحباب، بل يدل على أَنهما ليستا من الرواتب) المؤكدة (وإلى
استحبابهما ذهب أحمد وإسحق وأصحاب الحديث).
(وعن ابن عمر: ما رأيت أَحدًا يصليهما على عهده عٍَّ) رواه أبو داود من طريق
طاوس عنه بإسناد حسن.
(وعن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة؛ أَنهم كانوا لا يصلونهما) رواه عنهم
محمد بن نصر وغيره من طريق إِبراهيم النخعي، عنهم وهو منقطع وهو قول لملك والشافعي
(فادعى بعض المالكية نسخهما) فقال: إنما كان ذلك في الأول حيث نهى عن الصلاة بعد
العصر حتى تغرب الشمس، فبين لهم بذلك وقت الجواز ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في
أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرها لكان ذريعة إِلى فوات إِدراك أول وقتها.
(وتعقب بأن دعوى النسخ لا دليل عليها، ورواية المثبت وهو أنس مقدمة على رواية
النافي وهو ابن عمر) لأن مع المثبت علمًا زائد على النافي، لكن هذا في غاية البعد، إذ
ابن عمر لا شك أنه كان يصلي مع المصطفى، فلو واظبوا عليها لرآهم يومًا من الدهر، فتعين
الجمع بينه وبين إثبات أنس؛ بأنهم فعلوهما مدة فلم يرهم ابن عمرٍ لعذر منعه، ثم تركوهما
وابن عمر حاضر فنفى رؤيته، ولا يصح أن ينفيهما مع عدم حضوره لأنه يكون من باب الحائط

٥٥
الخامس في راتبة المغرب
وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن
أن يركع ركعتين. وعن مالك قول آخر باستحبابهما، وهو عند الشافعية وجه رجحه
النووي ومن تبعه، وقال في شرح مسلم: قول من قال: إن فعلهما يؤدي إلى تأخير
المغرب عن أول وقتها، خيال فاسد منابذ للسنة، ومع ذلك فزمنهما يسير، لا تتأخر
به الصلاة عن أول وقتها. ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما.
وقال عَّله: ((صلوا قبل المغرب ركعتين)) لمن شاء خشية أن يتخذها الناس
سنة. رواه أبو داود.
قال المحب الطبري: لم يرد نفي استحبابهما، لأنه لا يمكن أن يأمر بما لم
لا يبصر، ومعلوم أنه متى أمكن الجمع تعين المصير إِلیه.
(وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول حق) أَي: أمر ثابت مؤكد: (على كل مؤمن إِذا
أَذن المؤذن) للمغرب (أن يركع ركعتين) وهذا قول مجتهد بما أَداه إليه اجتهاده فليس حجة
على غيره، وقول بعضهم لو ثبت ما روي عن الخلفاء وغيرهم من تركهما لم يكن دليلاً على
نسخ ولا كراهة، لاحتمال أنهم منعهم الشغل كما منع عقبة فيه ما فيه، لأن الشغل لا يقتضي
المواظبة على الترك مع كثرة عبادتهم مع أشغالهم.
(وعن ملك قولٍ آخر) ضعيف في المذهب (باستحبابهما وهو عند الشافعية وجه) أي:
قول لغير الشافعي من أهل مذهبه (رجحه النووي ومن تبعه، وقال في شرح مسلم قول من قال
إِن فعلهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها خيال فاسد منابذ للسنة، ومع ذلك
فزِمنهما يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها) إلى هنا كلام النووي، وأما قوله: (ومجموع الأدلة يرشد
إلى استحباب تخفيفهما) كما في ركعتي الفجر، فعزاه الحافظ لنفسه عقب ذكر كلام النووي.
(وقال عَّه: ((صلوا قبل المغرب ركعتين))) ثم قال: ((صلوا قبلِ المغرب ركعتين)) كما
في أبي داود (لمن شاء) أَي: وهذا الفعل لمن شاء، قال ذلك (خشية أن يتخذها الناس سنة،
رواه أبو داود) عن عبد الله بن مغفل المزني، وقصر عزوه لأبي داود بقوله ركعتين، وإِلاَّ نقد
أخرجه البخاري في الصلاة والاعتصام عن عبد الله بن مغفل عن النبي عَّه، قال: ((صلوا قبل
المغرب))، قال في الثالثة: ((لمن شاء)) كراهية أَن يتخذها الناس سنة، ولم يخرجه مسلم.
قال الحافظ: وأَعادها الإِسمعيلي في روايته، أَي: صلوا قبل المغرب ركعتين ثلاث مرات
وهو موافق لقوله في رواية البخاري: قال في الثالثة ((لمن شاء))، وفي مستخرج أبي نعيم: صلوا
قبل المغرب ركعتين، قالها ثلاثًا ثم قال: ((لمن شاء)).

٥٦
الخامس في راتبة المغرب
يستحب، بل هذا الحديث من أدل الأدلة على استحبابهما.
ومعنى قوله: ((سنة)) أي شريعة وطريقة لازمة.
وكأن المراد انحطاط رتبتهما عن رواتب الفرائض، ولهذا لم يعدهما أكثر
الشافعية في الرواتب، واستدركهما بعضهم. وتعقب: بأنه لم يثبت أنه عَِّ واظب
عليهما.
وقال عَّلِ في الصلاة بعد المغرب: ((هذه صلاة البيوت))، رواه أبو داود
والنسائي من حديث كعب بن عجرة.
وعنه علاء من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم رفعت صلاته في
علیین. رواه رزین.
(قال المحب الطبري: لم يرد نفي استحبابهما، لأنه لا يمكنٍ أَن يأْمر بما لم
يستحب، بل هذا الحديث من أقوى الأدلة على استحبابهما) لأَن أَقل مراتب الأمر
الاستحباب.
(ومعنى قوله: سنة، أي شريعة وطريقة لازمة، وكأن المراد انحطاط رتبتهما عنٍ رواتب
الفرائض ولهذا لم يعدهما أكثر الشافعية في الرواتب واستدركهما بعضهم) على الأكثرين،
ومراده النووي، فإنه صحح أنهما سنة للأمر بهما في هذا الحديث.
(وتعقب بأَنَّه لم يثبت أنه عَُّ واظب عليهما) بل ولم يثبت أنه فعلهما، كما أَفاده
جواب أنس للمختار بن فلفل في مسلم كما مر، لكن روى ابن حبان أَنَه عَ لّه صلى قبل
المغرب ركعتين، ولعله لبيان الجواز صلاهما مرة.
(وقال عليه الصلاة والسلام في الصلاة بعد المغرب: ((هذه صلاة البيوت))) أَي أَن
الأفضل فعلها فيها (رواه أبو داود والنسائي من حديث كعب بن عجرة) بضم المهملة وإسكان الجيم،
(وعنه عليه الصلاة والسلام: ((من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم) بشيء
من أمور الدنيا ويحتمل الإطلاق (رفعت صلاته في عليين))) قيل: هو كتاب جامع لأعمال
الخير الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة ومؤمنو الثقلين، سمي به لأنه سبب الارتفاع إِلى
الجنة، وقيلٍ: هو مكان في السماء السابعة تحت العرش (رواه رزين) في تجريد الصحاح،
وأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن مكحول مرسلاً، وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه: ((من
صلى أَربعًا بعد المغرب قبل أَن يكلم أحدًا رفعت له في عليين وكان كمن أدرك ليلة القدر في
المسجد الأقصى».

٥٧
السابع في راتبة الجمعة
السادس في راتبة العشاء
قالت عائشة: ما صلى رسول اللَّه عَ لَّه العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى
أربع ركعات، أو ست ركعات. رواه أبو داود.
وفي مسلم قالت عائشة: ثم يصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي
ركعتين. وكذا في حديث ابن عمر عند الشيخين. وتقدما أول هذا القسم، والله
أعلم.
السابع في راتبة الجمعة
عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله عَّ له كان يصلي قبل الظهر
ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين،
وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين. رواه البخاري ولم
يذكر شيئًا في الصلاة قبل صلاة الجمعة.
قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف، وجاء في فضل الصلاة بعد المغرب أحاديث كثيرة.
(السادس: في راتبة العشاء، قالت عائشة: ما صلى رسول اللَّهُ عَّلِ العشاء قط فدخل
بيتي إِلَّ صلى أربع ركعات) تارة (أو ست ركعات) أخرى، فليست أَو للشك (رواه أبو داود)
سليمن بن الأشعث.
(وفي مسلم قالت عائشة: ثم يصلي بالناسِ العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين،
وكذا في حديث ابن عمر عند الشيخين وتقدما أَول هذا القسم) ومفاد الأحاديث أَنّه كان
يصلي بحسب ما تيسر ركعتين وأَربعًا وسئًا إِذا دخل بيته بعد العشاء، (واللَّه أَعلم).
(الفرع السابع: في راتبة الجمعة) نبه بزيادة الفرع هنا على أَن راتبة الجمعة ليست من
الرواتب الخمس، لأنها بدل الظهر (عن نافع عن عبد الله بن عمر: أَن رسول اللَّه عَلِّ كان
يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين في بيته) عائد على المغرب
(وبعد العشاء ركعتين) في بيته، كما زاده بعض الرواة (وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى
ينصرف) من المسجد إلى بيته (فيصلي) فيه (ركعتين، رواه البخاري) عن عبد الله بن يوسف
عن ملك عن نافع به وترجم عليه باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها (ولم يذكر شيئًا في الصلاة
قبل صلاة الجمعة).

٥٨
السابع في راتبة الجمعة
قال ابن المنير - كما حكاه في فتح الباري -: كأنه يقول الأصل استواء
الظهر والجمعة حتى يدل على خلافه، لأن الجمعة بدل الظهر.
وقال ابن بطال: إنما أعاد ابن عمر ذكر الجمعة بعد ذكر الظهر من أجل أنه
كان عَ ◌ّمِ يصلي سنة الجمعة في بيته بخلاف الظهر، قال: والحكمة فيه أن
الجمعة لما كانت بدل الظهر واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدها في
المسجد خشية أن يظن أنها التي لو حذفت. انتهى.
وعلى هذا فينبغي أن لا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا
المعنى.
وقد روى أبو داود وابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر
صِلىالله
يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن النبي عليه.
(قال) الزين (بن المنير) في الحاشية: (كما حكاه في فتح الباري كأَنه) أَي: البخاري
(يقول الأَصل استواء الظهر والجمعة، حتى يدل دليل على خلافه، لأن الجمعة بدل الظهر)
قال: وكانت عنايته بحكم الصلاة بعدها أكثر، ولذلك قدمه في الترجمة على خلاف العادة في
تقديم القبل على البعد، قال الحافظ: ووجه العناية وورد الخبر في البعد صريحًا دون القبل.
(وقال ابن بطال: إِنما أُعاد ابن عمر ذكر الجمعة بعد ذكر الظهر من أجل أَنْه كان عَلّ.
يصلي سنة الجمعة في بيته بخلاف الظهر، قال: والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل
الظهر) على قول: (واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدها في المسجد خشية أن يظن
أنها التي لو حذفت، انتهى) كلام ابن بطال.
قال الحافظ: (وعلى هذا فينبغي أن لا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد
لهذا المعنى) أَي: ظن أنها التي حذفت.
وقال ابن التين: لم يقع ذكر الصلاة قبل الجمعة في الحديث، فلعل البخاري أَراد إِثباتها
قياسًا على الظهر، وقواه ابن المنير بأنه قصد التسوية بين الظهر والجمعة في حكم التنفل كما
قصد التسوية بين الإِمام والمأموم في الحكم، وذلك يقتضي أن النافلة لهما سواء انتهى.
(وقد روي) عبارة الفتح: والذي يظهر أَن البخارِي أَشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث
الباب وهو ما رواه (أَبو داود وابن حبان من طريق أيوب) السختياني (عن نافع قال: كان
ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن النبي عٍَّ كان يفعل

٥٩
السابع في راتبة الجمعة
كان يفعل ذلك، وقد احتج به النووي في ((الخلاصة)) على إثبات سنة الجمعة التي
قبلها.
وتعقب: بأن قوله: ((كان يفعل ذلك)) عائد على قوله: ((ويصلي بعد الجمعة
ركعتين في بيته))، ويدل عليه رواية الليث عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا
صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته ثم قال: كان رسول الله عَّه يفعل
ذلك. رواه مسلم.
وأما قوله: ((كان يطيل الصلاة قبل الجمعة)) فإن كان المراد بعد دخول
الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعًا، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يخرج إذا زالت
الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت
فذلك مطلق نافلة لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسنة الجمعة التي قبلها، بل هو
تنفل مطلق.
وقد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا في الإنكار، منهم:
الإمام شهاب الدين أبو شامة، لأنه لم يكن يؤذن للجمعة إلا بين يديه عليه
ذلك) الذي فعله.
(وقد احتج به النووي في الخلاصة على إثبات سنة الجمعة التي قبلها) لأنه فهم
اسم الإِشارة وهو ذلك يرجع للأمرين بتأويل المذكور، وتعقب بأن قوله: كان يفعل ذلك عائد
على قوله: (ويصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته) لا على ما قبلها حتى يكون حجة له.
(ويدل عليه رواية الليث) بن سعدِ الإِمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر؛ أنه كان إِذا
صلى الجمعة الصرف فسجد سجدتين) أي: صلى ركعتين من تسمية الكل باسم البعض (في
بيته، ثم قال: كان رسول اللّه عَّه يفعل ذلك، رواه مسلم) وهو حديث واحد يفسر بعضه
ببعض.
(وأما قوله: كان) ابن عمر (يطِيل الصلاة قبل الجمعة، فإِن كان المراد بعد دخول
الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعًا، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يخرج إِذا زالت الشمس،
فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة) ولا يتنفل (وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذلك
مطلق نافلة لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسنة الجمعة التي قبلها) التي الكلام فيها (بل هو
تنفل مطلق) ورد الترغيب فيه كما في حديث سلمان وغيره، حيث قال: ثم صلى ما كتب له،
إِلى هنا كلام الحافظ، وزاد المصنف عليه قوله: (وقد أَنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها
وبالغوا في الإنكار) لعدم وروده (ومنهم الإِمام شهاب الدين أبو شامة لأنه لم يكن يؤذن

٦٠
السابع في راتبة الجمعة
الصلاة والسلام وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك الصحابة لأنه إذا
خرج الإمام انقطعت الصلاة. قال ابن العراقي: ولم أر في كلام الفقهاء من الحنفية
والمالكية استحباب سنة الجمهة قبلها. انتهى.
وقد ورد في سنة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة، منها حديث
عن أبي هريرة، رواه البزار، ولفظه: كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا.
وأقوى ما يتمسك به في مشروعية الركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه
ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعًا: ((ما من صلاة مفروضة إلا وبين
يديها ركعتان)). قاله في فتح الباري.
وعن عطاء قال: كان ابن عمر إذا صلى الجمعة بمكة تقدم فصلى ركعتين
للجمعة إِلاَّ بين يديه عليه الصلاة والسلام وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك
الصحابة، لأنه إذا خرج الإِمام انقطعت الصلاة).
(قال ابن العراقي: ولم أَر في كلام الفقهاء من الحنفية والمالكية استحباب سنة
الجمعة قبلها، انتهى).
ثم عاد المصنف لكلام الحافظ وهو قوله: (وقد ورد في سنة الجمعة التي قبلها
أحاديث أُخرى ضعيفة) فلا حجة فيها (منها حديث عن أبي هريرة رواه البزار، ولفظه: كان
يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا).
قال الحافظ، وفيه محمد بن عبد الرحمن السهمي: وهو ضعيف عند البخاري وغيره،
وقال الأثرم: إنه حديث واه، ومنها عن ابن عباس مثله، وزاد: ولا يفصل في شيء منهن، أَخرجه
ابن ماجه بسند واه.
قال النووي في الخلاصة: إِنه حديث باطل، وعن ابن مسعود عند الطبراني مثله أيضًا،
وفي إسناده ضعف وانقطاع، ورواه عبد الرزاق عن ابن مسعود موقوفًا، وهو الصواب.
وروى ابن سعد عن صفية زوج النبي عَّهِ موقوفًا نحو حديث أبي هريرة، ثم قال الحافظ:
(وأقوى ما يتمسك به في مشروعية الركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من
حديث عبد الله بن الزبير، مرفوعًا: ((ما من صلاة مفروضةٍ إِلاَّ وبين يديها ركعتان))، قاله في
فتح الباري) وزاد: ومثله حديث عبد اللَّه بن مغفل: بين كل أَذانين صلاة لمن شاء، يعني المتفق