Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ الفرع العاشر فيما يقول في الركوع والرفع منه وقوله: ((وكلنا لك عبد) بالواو، يعني: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت الخ. واعترض بينهما قوله: ((وكلنا لك عبد))، ومثل هذا الاعتراض قوله تعالى: ﴿قالت رب إني وضعتها أنثى - والله أعلم بما وضعت ـــ وليس الذكر كالأنثى﴾ [آل عمران/٣٦] على قراءة من قرأ فتح العين وإسكان التاء. و((الجد)) بفتح الجيم، الغنى أي: لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة، وقيل غير ذلك والله أعلم. وفي رواية ابن أبي أوفى عند مسلم: كان عَِّ يقول بعد قوله: ((من شيء) بعد: ((اللهم طهرني بالثلج والبرد، وماء البارد)). الرفع على الخبر، أي: أنت أهل، قاله الأبي. (وقوله: ((وكلنا لك عبد)) بالواو، يعني: أحق قول العبد،) فأحق مبتدأ وما مصدرية (لا مانع لما أعطيت ... الخ) ويجوز أن تكون ما موصولة أو نكرة موصوفة، أي: أحق شىء قاله العبد، ويجوز أن أحق خبر لما قبله، أي: الحمد المذكور أحق كما في الأبي، (واعترض بينهما قوله: وكلنا لك عبد) للتأكيد، وشهادة من لا ينطق عن الهوى تؤكد أن يديم الإنسان هذا الذكر، ويقع في كتب الفقهاء حق ما قال العبد كلنا لك عبد، بإسقاط الهمزة والواو، وهو صحيح لغة لا رواية كما في الأبي، (ومثل هذا الاعتراض) في أن الجملة معترضة بين كلامين من متكلم واحد (قوله تعالى: ﴿قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى﴾، على قراءة من قرأ بفتح العين وإسكان التاء) لأن الاعتراض فيها بين جملتين كل منهما مستقلة بنفسها، لكنهما مقولتان لمريم، وقوله: ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ إخبار بأن اللَّه لا يخفى عليه شيء (والجد (بفتح الجيم)) في الموضعين على المشهور، بمعنى (الغنى، أي: لا ينفع ذا الغنى) ضد الفقر (منك غناه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة وقيل:) في معناه (غير ذلك) كما مر (والله أعلم). (وفي رواية) عبد الله (بن أبي أوفى) (بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة) (عند مسلم كان عَّ يقول بعد قوله ((من شىء)) بعد) (بضم الدال) («اللهم طهرني بالثلج والبرد)) (بفتحتين) المطر (وماء البارد) استعارة للمبالغة في تعظيم التطهير من الذنوب، فإن الأنواع الثلاثة هي المنزلة للتطهير، وهو تمثيل لأنواع المغفرة، والمعنى: اللهم طهرني بأنواع مغفرتك التي تمحو الذنوب تطهيرًا لأنواع الثلاثة للحدث والخبث، وأخر الماء إشارة الشمول الرحمة بعد المغفرة لأن الماء أعم وأشمل في التطهير وخص البارد وإن كان السخن أنقى منه ليجانس ما قبله، ولأن البرودة هي المناسبة لإطفاء حرارة عذاب النار. قال عياض: والإضافة في ماء البارد من إضافة ٣٦٢ الفرع الحادي عشر في ذكر صفة سجوده عَّةٍ وما يقول فيه الفرع الحادي عشر في ذكر صفة سجوده عَّةٍ وما يقول فيه كان عَّ إذا انتهى من ذكر قيامه عن الركوع يكبر، ويخّر ساجدًا، ولا يرفع يديه. وقد روي أنه عليه السلام كان يرفع يديه أيضًا، وصححه بعض الحفاظ كابن حزم، والذي غره أن الراوي غلط من قوله: ((كان يكبر في كل خفض ورفع» إلى قوله: ((كان يرفع يديه في كل خفض ورفع)) وهو ثقة، ولم يفطن لسبب غلطه، ووهم فصححه. نبه عليه في زاد المعاد. وكان عليه السلام يضع يديه قبل ركبتيه. رواه أبو داود. الشىء إلى نفسه كمسجد الجامع والكوفيون يجيزونها والبصريون يمنعونها، ويؤولون ما جاء منها على حذف الموصوف، أي: مسجد الموضع الجامع. انتهى. وإضافة الشىء إلى نفسه يمنعها الفريقان، وتجوز القاضي في أنها من ذلك، وإنما هي من إضافة الموصوف إلى صفته بدليل ما مثل به، ذكره كله أبو عبد اللَّه الأبي. (الفرع الحادي عشر: في ذكر صفة سجوده عٍَّ وما يقول فيه) (كان عَّ إذا انتهى) أي فرغ (من ذكر قيامه) الصادر (عن الركوع،) أي: الواقع بعد الرفع منه (يكبر ويخر ساجدًا ولا يرفع يديه) إذ أخر للسجود كما دل عليه حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما. (وقد روي أنه عليه السلام كان يرفع يديه أيضًا) إذا خر للسجود، (وصححه بعض الحفاظ كابن حزم) اغترارًا بثقة رجاله كما قال، (والذي غره أن الراوي غلط من قوله: كان يكبر في كل خفض ورفع، إلى قوله: كان يرفع يديه في كل خفض ورفع،) أي: أنه أبدل ذلك بهذا غلطًا (وهو ثقة ولم يفطن) بضم الطاء وفتحها، أي: لم يتنبه من صححه (لسبب غلطه) الذي قلناه، (ووهم) حيث لم يفطن لذلك، (فصححه) اعتمادًا على كونه ثقة (نبه عليه في زاد المعاد) في هدى خير العباد لابن القيم، (وكان عليه السلام يضع يديه قبل ركبته) في السجود، وأبدى له الزين بن المنير مناسبة، وهي أن يعتصم بتقديمها عن إيلام ركبتيه إذا جثا عليهما، واستحب ذلك الأوزاعي ولملك، قائلا: لأنه أحسن في خشوع الصلاة ووقارها (رواه أبو داود،) وكما ورد من فعله ورد من أمره كما في السنن بإسناد جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: (إذا سجد أحدكم فلا يرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه))، وعورض بحديث عنه آخر ٣٦٣ الفرع الحادي عشر في ذكر صفة سجوده عٍَّ وما يقول فيه وقال: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين)). رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس. عند الطحاوي، لكن إسناده ضعيف، وقال الحنفية والشافعية: الأفضل أن يضع ركبتيه ثم يديه، وفيه حديث في السنن أيضًا عن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي عَّة إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، ومن ثم قال النووي: لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السنة، لكن قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام من أحاديث الأحكام: حديث أبي هريرة من حديث وائل، لأن لحديث أبي هريرة شاهدًا من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة عن نافع، قال: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه، ويقول: كان النبي عَّ يفعل ذلك وذكره البخاري معلقًا موقوفًا. وفي الفتح: ادعى ابن خزيمة أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث سعد: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين، وهذا لوصح لكان قاطعًا للنزاع، لكنه من إفراد إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه وهما ضعيفان. انتهى. (وقال) عَّلُ: (أمرت) (بضم الهمزة) في جميع الروايات على البناء لما لم يسم فاعله، والمراد به اللَّه جل جلاله، قال البيضاوي: عرف ذلك بالعرف، وذلك يقتضي الوجوب، قيل: وفيه نظر، لأنه ليس فيه صيغة أفعل، وفي رواية أمر النبي، ولما كان هذا السياق يقتضي الخصوصية عقبه البخاري، بلفظ دال على أنه لعموم الأمة، ولفظه عن ابن عباس عن النبي عَّة، قال: أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم، ورواه مسلم عن أبيه العباس، مرفوعًا: ((إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب))، وهذا يرجح أن النون في أمرنا نون الجمع، والآراب بالمد جمع إرب، بكسر أوله وإسكان ثانيه، وهو العضو (أن أسجد على سبعة أعظم،) وفي رواية: أعضاء. قال ابن دقيق العيد: سمى كل واحد عظمًا باعتبار الجملة وإن اشتمل كل واحد على عظام، ويجوز أنه من تسمية الجملة باسم بعضها، قاله الحافظ (الجبهة) بالخفض عطف بيان لسبعة أعظم وما عطف عليه وهو (واليدين،) قال ابن دقيق العيد: المراد بهما الكفان لئلا يدخل تحت النهي عن افتراش السبع والكلب انتهى. وفي رواية لمسلم بلفظ والكفين (والركبتين وأطراف) أصابع (القدمين) وهذه مبينة الرواية: والرجلين، (رواه البخاري ومسلم) بطرق متعددة (من حديث ابن عباس) عن النبي عليه، وبه يعلم أن قول ابن عباس في رواية للشيخين أيضًا أمر النبي عَّ أن نسجد ... الخ تلقاه عنه عَّالِ إما سماعًا منه وأما بلاغًا عنه، ويحتمل أنه تلقاه عن أبيه عنه عَ لّهِ، لأن مسلمًا روى عن العباس حديث إذا سجد العبد ... الخ كذا في الفتح، والأصل عدم ارسال الصحابي، وكون ١ العباس روى هذا الحديث بهذا اللفظ لا يقتضي أن ابنه تلقى عنه اللفظ المروي عنه عن ٣٦٤ الفرع الحادي عشر في ذكر صفة سجوده عَّ وما يقول فيه قال النووي: فينبغي للساجد أن يسجد على هذه الأعضاء كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعًا، فأما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض، ويكفي بعضها، والأنف مستحب، فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز، هذا مذهب الشافعي ومالك والأكثرين، وقال أبو حنيفة عليهما معًا لظاهر الحديث، وقال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد، لأنه قال فيه ((سبعة)) فلو جعلا عضوين صارت ثمانية. وكان عليه السلام إذا سجد فرج بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه. رواه الشيخان. النبي ◌ٍَّ في الصحيحين وغيرهما الظاهر في أنه بلا واسطة. (قال النووي: فينبغي للساجد أن يسجد على هذه الأعضاء كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعًا، فأما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض،) أو ما في حكم المكشوفة، كحائل خفيف عند المالكية، (ويكفي بعضها) أي: الجبهة في السجود عليه، (والأنف مستحب فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز) بضم فسكون من الأجزاء، (هذا مذهب الشافعي ولملك والأكثرين، وقال أبو حنيفة: عليهما معًا لظاهر الحديث، وقال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد، لأنه قال فيه سبعة فلو جعلا عضوين صارت ثمانية). قال ابن دقيق العيد: فيه نظر، لأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف كما يكتفي بالسجود على بعض الجبهة، وقد احتج بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف، قال: والحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة وإن أمكن أن يعتقد انهما كعضو واحد، فذاك في التسمية والعبارة لا في الحكم الذي دل عليه الأمر. قال الحافظ: وجواز الاقتصار على بعض الجبهة، قاله كثير من الشافعية أخذًا من قول الام بهذه الاقتصار على بعض الجبهة، وألزمهم بعض الحنفية بما مر. ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزىء على الأنف وحده، وذهب الجمهور إلى أنه يجزىء على الجبهة وحدها، وعن الأوزاعي وأحمد واسحق وابن حبيب وغيرهم: يجب أن يجمعهما وهو قول للشافعي أيضًا، (وكان عليه السلام إذا سجد فرج) (بشد الراء) (بين يديه،) أي: نحى كل يد عن الجنب الذي يليها (حتى يبدو بياض ابطيه) لأنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان. ٣٦٥ الفرع الحادي عشر في ذكر صفة سجوده عَّةٍ وما يقول فيه وقالت ميمونة: جافى بين يديه، حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت. رواه مسلم. ولم يذكر عنه عَّهِ أنه سجد على كور عمامته، ولم يثبت عنه ذلك في حديث صحيح ولا حسن، ولكن روى عبد الرزاق في المصنف عن أبي هريرة: قال كان رسول الله عٍَّ يسجد على كور عمامته، وهو من رواية عبد الله بن محرر، وهو متروك. وذكر أبو داود في المراسيل أنه عَّةٍ رأى رجلاً يصلي فسجد بجبینه وقد اعتم على جبهته فحسر عے عن جبهته. وكان عَّهُ يقول في سجوده: ((اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله)). أوله وآخره، علا نيته وسره، رواه مسلم من حديث أبي هريرة. وقوله: ((دقه وجله)) بكسر أولهما، أي قليله وكثيره. وقال القرطبي: ليخف بذلك اعتماده عن وجهه، ولا يتأثر أنفه ولا جبهته ولا يتأذى بملاقاة الأرض. وقال الناصر بن المنير: ليظهر كل عضو بنفسه، ويتميز حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد، قيل: فيه إنه لم يكن عليه قميص لانكشاف أبطيه، ورد باحتمال أن القميص واسع الأكمام، أو أراد الراوي أن موضع بياضهما لو لم يكن عليه ثوب لرئي، قاله القرطبي (رواه الشيخان) عن عبد اللَّه بن ملك ابن بحينة، (وقالت ميمونة) أم المؤمنين: (جافى بين يديه،) لفظها: كان النبي ◌َّةٍ يجافي يديه (حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت،) فيستحب للرجل ذلك التفريج، (رواه مسلم) وأبو داود والنسائي وابن ماجه بنحوه، (ولم يذكر عنه عَّهِ؟ أنه سجد على كور عمامته،) بفتح الكاف، (ولم يثبت عنه ذلك في حديث صحيح ولا حسن، ولكن) في حديث ضعيف. (روى عبد الرزاق في المصنف عن أبي هريرة، قال: كان رسول اللَّه عَّ يسجد على كور عمامته وهو من رواية عبد الله بن محرر،) بمهملات الجزري القاضي (وهو متروك،) روى له ابن ماجه ومات في خلافة المنصور، (وذكر أبو داود في المراسيل؛ أنه عَّه رأى رجلاً يصلي فسجد بجبينه)،) أي: عليه، فالباء بمعنى على والجبين ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، قاله الأزهري وابن فارس وغيرهما، (وقد اعتم) الرجل (على جبهته، فحسر:) كشف (عَّله عن جبهته،) أي: الرجل، (وكان عَّ. يقول في سجوده: ((اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه) قليله: (وجله) كثيره، (أوله وآخره، علانيته:) جهره (وسره))، رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وقوله: ((دقه وجله)) بكسر ٣٦٦ الفرع الحادي عشر في ذكر صفة سجوده عَّ له وما يقول فيه وعن عائشة قالت: فقدت رسول الله عَّهِ ليلة من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في السجود، وهما منصوبتان، وهو يقول: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) رواه مسلم. أولهما،) أي: الدال والجيم، (أي قليله) تفسير لدقه، (وكثيره) تفسير لجله. (وعن عائشة قالت فقدت) بفتح القاف، أي: عدمت (رسول اللَّه عَلّ ليلة من الفراش،) وفي رواية: وكان معي على فراش، ولأبي يعلى، عنها: كانت ليلتي منه عَّه فانسل، فظننت أنه انسل إلى بعض نسائه، فخرجت غيرى (فالتمسته). زاد في رواية: في البيت وجعلت أطلبه بيدي، (فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في السجود) الذي في مسلم وهو في المسجد، ففيه أنها لما التمسته في البيت لم تجده، فخرجت إلى المسجد وهو صريح قوله في بعض طرق الحديث ما أخرجك، (وهما منصوبتان) وفيه أن اللمس بغير لذة لا ينقض الوضوء، واحتمال أنه كان فوق حائل خلاف الأصل، (وهو يقول) زاد أبو يعلى: ((سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك،) أي: بما يرضيك مما يسخطك، فخرج عن حظ نفسه بإقامة حرمة محبوبه، فهذا للَّه تعالى، ثم الذي لنفسه قوله: (وبمعافاتك من عقوبتك) استعاذ بها بعد استعاذته برضاه، لاحتمال أن يرضى من جهة حقوقه، ويعاقب على حقوق غيره، (وأعوذ بك منك،) قال عياض: ترق من الأفعال إلى منشىء الأفعال مشاهدة للحق وغيبة عن الخلق الذي هو محض المعرفة الذي لا يعبر عنه قول ولا يضبطه وصف، فهو محض التوحيد، وقطع الالتفات إلى غيره وإفراده بالاستعانة وغيرها (لا أحصي ثناء) (بمثلثة فنون)، والمد، أي: وصفا بمدح (عليك أنت) مبتدأ خبره (كما أثنيت على نفسك))) أي: الثناء عليك هو المماثل لثنائك على نفسك ولا قدرة لأحد عليه، ويحتمل أن أنت تأكيد للكاف من عليك باستعارة الضمير المنفصل للمتصل، (رواه مسلم) وأحمد وأصحاب السنن الثلاثة وأبو يعلى بزيادة: ((اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت، سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، رب هذه يدي وما جنيت على نفسي، يا عظيم يرجى لكل عظيم، فاغفر لي الذنب العظيم))، فقلت: بأبي أنت وأمي إني لفي شأن وإنك لفي شأن، فرفع رأسه فقال: ما أخرجك؟، قالت: ظن ظننته قال: ((إن بعض الظن إثم، فاستغفري الله إن جبريل أتاني فأمرني أن أقول هذه الكلمات التي سمعتيها، فقوليها في سجودك، فإن من قالها لم يرفع رأسه حتى يغفر)»، أظنه قال له: وفي رواية فالتمسته بيدي فوقعت عليه وهو ساجد، يقول: رب اعط نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. ٣٦٧ الفرع الحادي عشر في ذكر صفة سجوده عَّ وما يقول فيه قال الخطابي: في هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه عليه السلام استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله تعالى استعاذ به منه لا غيره، ومعناه: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه. وقوله: ((لا أحصي ثناء عليك)) أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أُحيط به، وقال مالك: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بهما عليك وإن اجتهدت في الثناء بهما عليك. (قال الخطابي: في هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه عليه السلام استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له، وهو اللَّه) سبحان و(تعالى) (استعاذ به منه لا غيره،) قال الأبي: الأولى أن لا يكون استعاذ به منه لحديث المرأة التي استعاذت من النبي عَّةٍ، فأبعدها منه وقال لها ما قال، وإنما استعاذ من عقوبته، فالتقدير: أعوذ من عقوبتك بك انتھی. وفيه نظر، لأنه على ما قدره يتكرر في المعنى مع قوله: وبمعافاتك من عقوبتك، وليس هذا كقول المرأة: أعوذ بالله منك، لأن قصدها البعد وأن لا يقربها، والنبي عَّ قصده بقوله: وبك منك مزيد القرب المعنوي واللجأ إلى اللَّه تعالى وقطع الالتفات إلى غيره، كما مر عن عياض، وإليه الإشارة بقوله، (ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه،) ولذا عقبه بقوله: ((لا أحصي ثناء عليك))، وأخذ من الحديث صحة قول سبحان من تواضع كل شىء لعظمته، وقول الخطيب يوم الجمعة: واجتمعنا متضرعين لعظمتك، وحجة المانع أن التواضع والتضرع إنما يكونان لذاته تبارك وتعالى، قاله الأبي. (وقوله: ((لا أحصي ثناء عليك))، أي لا أطيقه ولا آتي) بالمد (عليه) جميعه، بل أنا عاجز عنه وإن أتيت ببعضه، أي: لا أطيق الثناء عليك بما تستحق أن يثنى به عليك. (وقيل) معناه (لا أحيط به) لأنه إنما يحاط بالمتناهي والثناء عليه لا نهاية له. (وقال لملك) الإمام معناه: (لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بهما عليك، وأن اجتهدت في الثناء بهما عليك) لأن الثناء فرع الإحاطة بالنعم، وهي لا تحصى، قاله الأبي، وقيل: معناه لا أعد، لأن أصل معنى الإحصاء العد بالحصى، كما قال: ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر ٣٦٨ الفرع الحادي عشر في ذكر صفة سجوده معَّة. وما يقول فيه وقوله: ((أنت كما أثنيت على نفسك)): اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً، وكما أن لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل شيء اثني عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه - فقدر الله أعظم وسلطانه أعز، وصفاته أكثر وأكبر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. انتهى. وههنا فائدة لطيفة ذكر بعض المحققين، في نهيه عَّة. عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وهي أن القرآن أشرف الكلام، وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام الله تعالى أن لا يقرأ في هاتين فهو من نفى الملزوم المعبر عنه بالإحصاء المفسر بالعد وإرادة نفي اللازم، وهو استيعاب المعدود، فكأنه قيل: لا أستوعب؛ فالمراد نفي القدرة عن الإتيان بجميع الثناءات، أو فرد منها يفي بنعمة من نعم الله تعالى لا عدها، إذ يمكن عد أفراد كثيرة من الثناء. (وقوله: أنت كما أثنيت على نفسك اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد) (بالجر عطف على العجز بتقدير الجار) أي: وبرد (الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى اللَّه تعالى المحيط بكل شىء جملة وتفصيلاً، وكما أن لا نهاية لصفاته) سبحانه، كذلك (لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه،) بضم الميم وسكون المثلثة وفتح النون، (فكل شىء أثنى عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه، فقدر الله أعظم وسلطانه أعز وصفاته أكثر،) بمثلثة (وأكبر) بموحدة، (وفضله وإحسانه واسع وأسبغ،) فلا قدرة لأحد على وصفه بجميع ما يليق به. (انتهى) كلام الخطابي. قال بعضهم: وذلك أن عظمته تعالى وصفاته لا نهاية لها، وعلوم البشر وقدرتهم متناهية، فلا يتعلق واحد منهما بما لا يتناهى، وإنما يتعلق بذلك علمه الذي لا يتناهى وتحصيه قدرته التي لا تتناهى، فهو بعلمه الشامل يعلم صفات جلاله ويقدر بقدرته التامة أن يحصي الثناء عليه. انتھی. (وههنا فائدة لطيفة: ذكر بعض المحققين في) حكمه (لهيه عَّ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود،) المروي في الموطأ ومسلم من حديث علي (وهي: أن القرآن أشرف الكلام وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام اللَّه تعالى أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، وتكون حالة القيام والانتصاب أولى به، واللّه تعالى ٣٦٩ الفرع الحادي عشر في ذكر صفة سجوده عَّه وما يقول فيه الحالتين، وتكون حالة القيام والانتصاب أولى به والله تعالى أعلم. وروى أبو داود: أنه عَِّ سجد على الماء والطين. وكان يرفع رأسه من السجود مكبرًا غير رافع يديه ويرفع منه رأسه قبل يديه ثم يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى. وكان عليه السلام يجلس للاستراحة جلسة لطيفة، بحيث تسكن جوارحه سكونًا بينًا، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، كما في صحيح البخاري وغيره. قال النووي: ومذهبنا استحبابها عقب السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها، ولا تستحب في سجود التلاوة في الصلاة. أعلم) وهي زهرة لا تحتمل العرك. (وروى أبو داود) في الصلاة عن أبي سعيد (أنه عَّه سجد على الماء والطين) صبح ليلة القدر، وقصر العز، ولأبي داود تقصير شديد، فالحديث فيه وفي الصحيحين والنسائي وابن ماجه مطولاً، وهو في البخاري في مواضع من الصلاة والصوم والاعتكاف، ولفظه: في بعضها عن أبي سعيد، عن النبي عٍَّ وأنها، أي: ليلة القدر في العشر الأواخر، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء، وكان سقف المسجد من جريد النخل، وما نرى في السماء شيئًا، فجاءت قزعة، فأمطرنا، فصلى بنا عَنِّ حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهته وأرنبته تصديق رؤياه، (وكان يرفع رأسه من السجود مكبرًا غير رافع يديه، ويرفع منه رأسه قبل يديه، ثم يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى،) أي يقيمها، (وكان عليه السلام يجلس للاستراحة جلسة لطيفة، بحيث تسكن جوارحه سكونا بينا، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، كما) يفيد ذلك ما (في صحيح البخاري وغيره،) كأبي داود والترمذي والنسائي من حديث لملك بن الحويرث أنه رأى النبي ◌َّةُ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا، فليس ما ذكره المصنف لفظ الحديث لا في البخاري ولا في غيره. (قال النووي: ومذهبنا استحبابها عقب السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها،) وبهذا قال طائفة من أهل الحديث: وعن أحمد روايتان ولم يستحبها الأكثر ولملك وأبو حنيفة، واحتج له الطحاوي بخلو حديث أبي حميد عنها، فإنه ساقه لفظ، فقام ولم يتورك، وكذا رواه أبو داود، قال: فلما تخالفا احتمل أن ما فعله في حديث لملك بن الحويرث لعلة كانت به، فقعد من أجلها، لا أن ذلك من سنة الصلاة، وبأنها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص، وتعقب بأن الأصل عدم العلة، وحديث أبي حميد يدل على عدم وجوبها، فكأنه تركها لبيان ٣٧٠ الفرع الثاني عشر في ذكر جلوسه للتشهد وكان عَِّ يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني)). رواه أبو داود والدارمي من حديث ابن عباس. الفرع الثاني عشر في ذكر جلوسه للتشهد كان عَِّ إذا جلس للتشهد يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى. رواه مسلم. قال النووي: معناه يجلس مفترشًا، وفيه حجة لأبي حنيفة ومن وافقه: أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشًا سواء فيه جميع الجلسات. وعند مالك: يسن متوركًا بأن يخرج رجله اليسرى من تحته ويقضي بوركه الجواز، وأما الذكر، فإنها جلسة حفيفة جدًا استغنى عنه بالتكبير المشروع للقيام، فإنها من جملة نهوض إلى القيام. وأجيب بأن كون الأصل عدم العلة لا يمنع احتمالها، فيسقط الاستدلال، وقد تمسك من لم يقل باستحبابها بقوله عَّه: لا تبادروني بالقيام والقعود، فإني قد بدنت، فدل على أنه كان يفعله لهذا السبب، فلا تشرع إلا في حق من اتفق له نحو ذلك (ولا تستحب في سجود التلاوة في الصلاة) اتفاقًا (وكان ◌َِّ يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني))) زاد في رواية: وارفعني، (رواه أبو داود والدارمي من حديث ابن عباس) وجاء انه كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي مرتين. (الفرع الثاني عشر: في ذكر جلوسه للتشهد) (كان ◌َِّ إذا جلس للتشهد) أي: جنسه الصادق بالأول وغيره (يفرش) (بضم الراء وكسرها) يبسط (رجله اليسرى وينصب) رجله (اليمنى، رواه مسلم) عن عائشة أثناء حديث، بلفظ: وكان يقول في كل ركعتين التحية، و کان یفرش رجله اليسری وینصب رجله اليمنى، فليس فيه إذا جلس للتشهد، وإنما هو من المصنف أتى به استدلالاً على الجلوس للتشهد. (قال النووي: معناه يجلس مفترشا) أخذا من إطلاق الحديث، (وفيه حجة لأبي حنيفة ومن وافقه أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشا) الجلوس بمعنى الجالس إطلاقًا للمصدر على اسم الفاعل، أو باق على حاله بتقدير يكون فاعله مفترشًا، بكسر الراء، فإن فتحت على أنه مصدر ميمي بمعنى الافتراش لم يحتج لتأويل، (سواء) أي: مستو (فيه جميع الجلسات). (وعند لملك يسن) أي: يستحب الجلوس كله (متوركا بأن يخرج رجله اليسرى من ٣٧١ الفرع الثاني عشر في ذكر جلوسه للتشهد إلى الأرض. وقال الشافعي: السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشًا إلا الجلسة التي يعقبها السلام. والجلسات عند الشافعي أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة في كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأولى، والجلسة للتشهد الأخير، والجميع يسن مفترشًا إلا الأخيرة، ولو كان على المصلى سجود سهو فالأصح له أن يجلس مفترشًا في تشهده فإذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم. هذا تفصيل مذهبنا. واحتج أبو حنيفة: بإطلاق حديث عائشة. واحتج الشافعي: بحديث أبي حميد الساعدي في صحيح البخاري، وفيه التصريح بالافتراش في الجلوس الأول والتورك في آخر الصلاة، وحمل حديث تحته ويقضي بوركه إلى الأرض). (وقال الشافعي: السنة) أي: الأفضل (أن يجلس كل الجلسات مفترشا إلا الجلسة التي يعقبها السلام) فيجلس متوركًا، لأنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول يعقبه حركة بخلاف الثاني، ولأن المسبوق إذا رآه علم ما سبق به، (والجلسات) المطلوبة في الصلاة (عند الشافعي أربع،) فلا يرد أن العاجز عن قيام الفرض يصلي جالسًا، وجواز النافلة من جلوس ولو قادرًا وأنه يفترش في جميع ذلك عنده (الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة في كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير والجميع يسن) أن يأتي به المصلي حال كونه (مفترشًا) أو الافتراش فيه (إلا الأخيرة، ولو كان على المصلي سجود سهو، فالأصح له أن يجلس مفترشًا في تشهده) سواء کان محسوبًا له لكونه آخر صلاته أو أتى به تبعًا لإمامه؛ بأن كان مسبوقًا اقتدى به في الركعة الثانية أو الرابعة، (فإذا سجد) أي: أراد أن يسجد (سجدتي السهو تورك) وسجد، (ثم سلم هذا تفصيل مذهبنا) أي: الشافعية. (واحتج أبو حنيفة بإطلاق حديث عائشة) فإن ظاهره شموله لجميع الجلسات. (واحتج الشافعي بحديث أبي حميد الساعدي) عبد الرحمن أو المنذر (في صحيح البخاري، وفيه التصريح بالافتراش في الجلوس الأول والتورك في آخر الصلاة) ولفظه: أنا كنت أحفظكم لصلاته عَّه، رأيته إذا كبر فذكر الحديث، إلى أن قال: فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته ولأبي داود حتى إذا كانت السجدة التي يكون فيها التسليم ٣٧٢ الفرع الثاني عشر في ذكر جلوسه للتشهد عائشة هذا على الجلوس في غير التشهد الأخير ليجمع بين الأحاديث. انتهى. فليتأمل قول ابن القيم في الهدي النبوي: إنه لم ينقل أحد عنه عَّ أن هذا كان صفة جلوسه في التشهد الأول، ولا أعلم أحدًا قال به. انتهى. وقال أَبو حميد الساعدي في عشرة من أصحابه عَّهِ: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله عَّله، قالوا: فاعرض .. فذكر الحديث إلى أن قال: حتى إذا كانت ولابن حبان التي تكون خاتمة الصلاة أخر رجله اليسرى وقعد متوركًا على شقه الأيسر، فقد بين ذلك أبو حميد بالقول عن رؤيته فعل النبي عٍَّ لا أن أبا حميد صلى إذ لم يقع ذلك في رواية البخاري كما زعم الشارح وإنما وقع ذلك في رواية الطحاوي وابن حبان. قالوا: فأرنا فقام يصلي وهم ينظرون وجمع الحافظ بأنه وصفها مرة بالقول ومرة بالفعل، (وحمل) الشافعي (حديث عائشة هذا) المقتضي للافتراش حتى في التشهد الأخير (على الجلوس في غير التشهد الأخير ليجمع بين الأحاديث. انتهى) كلام النووى. واحتج لملك بما رواه في الموطأ، ومن طريقه البخاري عن ابن عمر: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فلم يفصل بين أول وآخر، وقول الصحابي: السنة، كذا مرفوع، وحمل حديث عائشة وحديث أبي حميد علي بيان الجواز، والمشهور عن أحمد اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان وقوفًا مع ظاهر حديث أبي حميد. (فليتأمل قول ابن القيم في الهدى النبوي؛ إنه لم ينقل أحد عنه عَّ أن هذا) أي: الافتراش (كان صفة جلوسه في التشهد الأول، ولا أعلم أحدًا قال به. انتهى). ووجه التأمل أن أبا حميد صرح بأنه رأى النبي عَّ يفعل ذلك في صحيح البخاري كما علمت، وكذا رواه كثيرون فكيف يصح نفي نقله عنه، وكيف ينفي علمه قول أحد به مع أن الشافعي استحبه وابن القيم شافعي. (وقال أبو حميد الساعدي) الأنصاري (في عشرة) هكذا لأبي داود وغيره ولسعيد بن منصور مع عشرة وفي البخاري في نفر، ولبعض رواته مع نفر، ولفظ مع يرجح أحد الاحتمالين في لفظ في، لأنها محتملة، لكون أبي حميد من العشرة أو زائدًا عليهم (من أصحابه معَّه) وسمي منهم سهل بن سعد وأبو أسيد الساعدي ومحمد بن مسلمة، رواه أحمد وغيره وأبو هريرة وأبو قتادة عند ابن خزيمة وأبي داود والترمذي، ولم أقف على تسمية الباقين، قاله الحافظ (أنا أعلمكم بصلاة رسول اللَّه مَّ له زاد في رواية أبي داود: قالوا فلم، فوالله ما كنت بأكثرنا له اتباعًا. وفي الترمذي: إتيانا، ولا أقدمنا له صحبة، ولابن حبان والطحاوي قالوا: فكيف قال تتبعث ٣٧٣ الفرع الثاني عشر في ذكر جلوسه للتشهد السجدة التي فيها التسليم أخرج رجله اليسرى وقعد متوركًا على شقه الأيسر ثم سلم، قالوا: صدقت هكذا كان يصلي، رواه أبو داود والدارمي. وفي رواية لأبي داود: فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا كان في الرابعة أفضى بوركه الأيسر إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة. الحدیث. وكان عليه السلام إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثًا وخمسين وأشار بالسبابة. ذلك منه حتی حفظته. (قالوا: فاعرض) صلاتك علينا التي تحكي بها الصلاة النبوية، (فذكر الحديث إلى أن قال: حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم،) ولابن حبان التي تكون خاتمة الصلاة: (أخرج رجله اليسرى وقعد متوركًا على شقه الأيسر ثم سلم. وعند الطحاوي: عن يمينه سلام عليكم ورحمة اللَّه، وعن يساره كذلك، (قالوا) أي الصحابة المذكورون: (صدقت هكذا كان يصلي) فحكى الصلاة بالفعل، (رواه أبو داود والدارمي) من رواية عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبيه قال: سمعت أبا حميد في عشرة، وفي البخاري من طريق الليث بإسناده عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسًا في نفر من الصحابة، فذكرنا صلاة النبي عَّة، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول اللَّه عَّه، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه إلى أن قال: وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته كما مر، فحكى الصلاة النبوية بالقول، ومر الجمع بينهما بأنه وصفها مرة بالقول ومرة بالفعل. (وفي رواية لأبي داود) في حكايته قولا: (فإذا قعد) عَُّ (في الركعتين) الأوليين للتشهد (قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى، وإذا كان في الرابعة أفضى بوركه الأيسر إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة) حيث أخرج قدمه اليسرى من تحت رجله اليمنى (الحديث) وفيه جواز وصف الرجل نفسه بأنه أعلم من غيره إذا أمن العجب وأراد تأكید ذلك عند من سمعه لما في التعليم والأخذ عن الأعلم من الفضل، وأنه كان يخفي على كثير من الصحابة بعض الأحكام، وربما ذكره بعضهم إذا ذكر. (وكان عليه السلام) كما في مسلم من حديث ابن عمر (إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى) مبسوطة (على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثًا وخمسين) بأن قبض الوسطى والبنضر والخنصر على وسط الكف مع وضع الإبهام على أنملة ٣٧٤ الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده عُـ وفي رواية مسلم: وضع يده على ركبته، ورفع أصبعه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة، ثم رفع أصبعه فرأيناه يحركها ويدعو. وفي حديث ابن الزبير عنده أيضًا: كان يشير بها ولا يحركها الحديث. وعند أبي داود من حديث وائل بن حجر: مد عَِّ مرفقه اليمنى وقبض ثنتین وحلق حلقة ثم رفع أصبعه فرأيته یحر کها ويدعو. وكان ◌َ ﴾ يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه وركوعه وفي سجوده وفي التشهد، ويستقبل بأصابع رجليه القبلة في سجوده. الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده عليكم ! يتشهد دائمًا في هذه الجلسة الأخيرة، ويعلم أصحابه أن يقولوا: التحيات کان الوسطى، كما قال الباجي، (وأشار بالسبابة) توحيدًا للَّه، روى أحمد والطبراني برجال ثقات عن خفاف، قال: كان #4 ينصب أصبعه السبابة، وكان المشركون يقولون: إنما يصنع محمد هذا پاصبعه ليسحر بها و کذبوا إنما کان يصنع ذلك یوحد بها ربه. (وفي رواية مسلم: وضع يده على ركبته ورفع أصبعه اليمنى، وقبض ثنتين وحلق حلقة) أخذ بهذا بعضهم، وأنكره بعضهم، وأخذ بحديث ابن عمر الذي قبله، وفسر بعضهم التلحيق بأن يضع طرف الوسطى في عقدتي الإبهام، وفسره الخطابي برؤوس أنامل الوسطى والإبهام حتى يكون كالحلقة لا يفضل من جوانبها شىء ذكره الأبي، (ثم رفع أصبعه فرأيناه يحركها) فيستحب تحريكها، لأنها مقمعة للشيطان، ويذكر بها الصلاة وأحوالها، فلا يوقع الشيطان المصلي في سهو (ويدعو) اللَّه تعالى وفيه تحريكها دائمًا إذ الدعاء بعد التشهد. (وفي حديث ابن الزبير عنده،) أي مسلم (أيضًا: كان يشير بها ولا يحركها الحديث) ولا يخالف ما قبله، لأنه ترك لبیان انه ليس بواجب. (وعند أبي داود من حديث وائل بن حجر) (بحاء مهملة مضمومة وجيم ساكنة: (مد) مرفقه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة، ثم رفع أصعه، فرأيته يحركها ويدعو) اللَّه تعالى، (وكان ◌َّ يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه وركوعه وفي سجوده وفي التشهد) أي: جنسه، (ويستقبل بأصابع رجليه القبلة في سجوده. (الفرع الثالث عشر: في ذكر تشهده عَـ تفعل من تشهد، سمي بذلك لاشتماله على النطق بشهادة الحق تغليبًا لها على بقية ٣٧٥ الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده بي المباركات، الصلوات الطيبات الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، أذكاره لشرفها (كان ◌َّ يتشهد دائمًا في هذه الجلسة) المذكورة في الفرع قبله، وقد ترجم البخاري باب التشهد في الآخرة، وروى في حديث ابن مسعود في التشهد، قال الحافظ: أي الجلسة الآخرة. قال ابن رشيد: ليس في حديث الباب تعيين محل القول، لكن يؤخذ ذلك من قوله: فإذا صلى أحدكم فليقل، فإن ظاهره، أي: أتم صلاته، لكن تعذر الحمل على الحقيقة، لأن التشهد لا يكون بعد السلام، فلما تعين المجاز كان حمله على آخر جزء من الصلاة أولى، لأنه هو الأقرب إلى الحقيقية، قلت: هذا التقدير على مذهب الجمهور أن السلام جزء من الصلاة لا أنه للتحلل منها فقط، والأشبه بتصرف البخاري أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه من تعيين محل القول، (ويعلم أصحابه أن يقولوا التحيات) جمع تحية، ومعناها السلام أو البقاء أو العظمة أو السلامة من الآفات والنقص أو الملك أقوال. وقيل: ليست التحتية الملك نفسه، بل الكلام الذي يحيى به الملك وجمعت، لأنه لم يكن يحيى إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية، فالمعنى التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة للَّه. وقال الخطابي: ليس في تحياتهم شىء يصلح للثناء على اللَّه، فأبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التعظيم، أي: أنواع التعظيم له. وقال المحب الطبري: يحتمل أن لفظ التحية مشترك بين المعاني المذكورة، وكونها بمعنى السلام أنسب هنا (المباركات) تلميح لقوله تعالى: تحية من عند الله مباركة طيبة، وفي الموطأ في تشهد عمر بدله الزاكيات، قيل: وكأنها بالمعنى (الصلوات) الخمس، أو ما هو أعم من الفرائض والنوافل في كل شريعة، وقيل: المراد العبادات كلها، وقيل: الدعوات، وقيل: الرحمة، وقيل: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية، والطيبات الصدقات المالية (الطيبات للَّه،) أي: ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على اللَّه دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: ذكر اللَّه، وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة وهو أعم (السلام) قال النووي: يجوز فيه وفيما بعده حذف اللام وإثباتها، وهو أفضل، وهو الموجود في روايات الصحيحين. قال الحافظ: لم يقع في شىء من طرق حديث ابن مسعود حذف اللام، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس وهو من إفراد مسلم. قال الطيبي: والتعريف للعهد التقرير، أي: ذلك السلام الذي وجه إلى الأنبياء والرسل (عليك أيها النبي ورحمة اللَّه))) أي إحسانه (وبر كاته) أي زيادته من كل خير، وأما للجنس ٣٧٦ الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله رواه مسلم من رواية ابن عباس. بمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد وعمن يصدر وعلى من ينزل عليك، واما للعهد الخارجي إشارة إلى قوله: تعالى: ﴿وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ قال: ولا شك أن هذه التقريرات أولى من تقرير النكرة، لأن أصل سلام عليك سلمت سلامًا ما عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره. انتهى. وذكر صاحب الإقليد عن أبي حامد أن التفكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح لا يقف عن الوجوه المتقدمة. وقال التوربشتي: السلام بمعنى السلامة، كالمقام والمقامة؛ والسلام اسم من أسماء اللَّه تعالى وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، والمعنى؛ أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفساد، ومعنى السلام عليك الدعاء، أي: سلمت من المكاره. وقيل: معناه اسم السلام عليك، كأنه يبرك عليه باسم اللَّه (السلام) الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء (علينا) يريد به المصلي نفسه والحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة، وفيه استحباب البداءة بالنفس في الدعاء. وفي الترمذي مصححًا عن أبي بن كعب؛ أنه معَِّ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه، وأصله في مسلم، ومنه قول نوح وإبراهيم كما في التنزيل، (وعلى عباد الله الصالحين) جمع صالح، والأشهر أنه القائم بما يجب عليه من حقوق اللَّه وحقوق عباده وتتفاوت درجاته (أشهد أن لا إله إلا الله). زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة عن أبيه وحده لا شريك له وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني إلا أن سنده ضعيف. وقد روى أبو داود من وجه آخر صحيح، عن ابن عمر في التشهد: أشهد أن لا إله إلا اللَّه. قال ابن عمر: زدت فيها وحده لا شريك له وهذا ظاهره الوقف، قاله الحافظ، يعني: ويحتمل الرفع على معنى زدت على رواية غيري، لكنه بعيد (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله). وفي رواية لمسلم أيضًا: وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه ومن رواته من حذف لفظ أشهد، ولم تختلف طرق حديث ابن مسعود في أنه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وكذا هو في حديث أبي موسى وابن عمر وعائشة المذكور، وجابر وابن الزبير عند الطحاوي وغيره. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، قال: بينا النبي عَّه يعلم التشهد إذ قال رجل: ٣٧٧ الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده مێ. وهو الذي اختاره الشافعي لزيادة ((المباركات)) لا تشهد ابن مسعود، وإن قاله القاضي عياض. وعبارة الشافعي فيما أخرجه البيهقي بسنده إلى الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي جوابًا لمن سأله بعد ذكر حديث ابن عباس: ((فإنا نرى الرواية اختلفت فيه عن النبي عَّةِ، فروى ابن مسعود خلاف هذا، فساق الكلام إلى أن قال: فلما رأيته واسعًا وسمعته - يعني حديث ابن عباس- صحيحًا، وروايته أكثر لفظًا من غيره - يعني من المرفوعات - أخذت به غير معنف لمن أخذ بغيره ((هذا آخر كلامه، وليس فيه تصريح بالأفضلية، والعلم عند الله تعالى. وأشهد أن محمدًا رسوله وعبده، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لقد كنت عبدًا قبل أن أكون رسولاً))، قل: عبده ورسوله، رجاله ثقات إلا انه مرسل كما في الفتح (رواه مسلم) وأصحاب السنن (من رواية ابن عباس،) قال: كان النبي عَّةٍ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، وكان يقول: فذكره، (وهو الذي اختاره الشافعي لزيادة المباركات لا تشهد ابن مسعود، وإن قاله) أي: نقله (القاضي عياض) في الشفاء عن الشافعي، فإنه سبق قلم. (وعبارة الشافعي فيما أخرجه البيهقي بسنده إلى الربيع بن سليمن) بن عبد الجبار المرادي أبي محمد المصري، الثقة المؤذن، صاحب الشافعي، وراوي الأم وغيرها من كتبه، وقال فيه: إنه احفظ أصحابي، روى له أصحاب السنن، مات سنة سبعين ومائتين وله ست وتسعون سنة، قال: (أُخبرنا الشافعي جوابًا لمن سأله بعد ذكر حديث ابن عباس) المذكور في التشهد عن اختياره له، فأجابه بقوله: (فإنا نرى الرواية اختلفت فيه عن النبي عَ لّه) اختلافًا قليلاً متقارب المعنى، إنما فيه كلمة زائدة أو ناقصة، (فروى ابن مسعود خلاف هذا، فساق الكلام إلى أن قال: فلما رأيته واسعًا وسمعته، يعني: حديث ابن عباس صحيحًا، وروايته أكثر لفظًا من غيره، يعني: من المرفوعات،) لأن في الموقوفات ما هو أكثر منه لفظًا، (أخذت به،) أي: اخترته (غير معنف) أي: لا تم (لمن أخذ بغيره) مما صح، (هذا آخر كلامه وليس فيه تصريح بالأفضلية) له على غيره (والعلم عند اللَّه تعالى) لكن قوله: أخذت به قريب من التصريح، وقال بعد أن أخرج حديث ابن عباس في الأم: رويت أحاديث في التشهد مختلفة، وكان هذا أحب إلي لأنه أكملها، ورجحه بعضهم لأنه مناسب للفظ القرآن في قوله: تحية من عند اللَّه مباركة طيبة، وأما من رجحه بأن ابن عباس من أحدث الصحابة، فيكون أضبط لما روى، أو بأنه أفقه من رواه، أو بأن إسناده حجازي وإسناد حديث ابن مسعود كوفي، وهو مما يرجح به، فلا طائل فيه لمن أنصف، نعم يمكن أن يقال الزيادة التي في حديث ابن عباس، وهي المباركات لا تنافي حديث ابن مسعود، ويرجح الأخذ بها، لأن أخذ ابن عباس عن النبي عَّة. ٣٧٨ الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده علـ وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود أفضل لأنه عند المحدثين أشد صحة. وقال مالك - رحمه الله -: تشهد عمر الموقوف عليه أفضل لأنه علمه للناس كان في الأخير، قاله الحافظ. (وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود،) وهو ما رواه أحمد والأئمة الستة، عنه قال: كنا إذا صلينا خلف النبي عَّةِ، قلنا: السلام على اللّه، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا النبي عَّة، فقال: ((إن اللَّه هو السلام، فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد اللَّه صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)) (أفضل، لأنه عند المحدثين أشد صحة). قال الترمذي: هذا أصح حديث في التشهد، وسئل البزار عن أصح حديث في التشهد، فقال: حديث ابن مسعود جاء من نيف وعشرين طريقًا، ثم سرد أكثرها وقال: لا أعلم أثبت منه ولا أصح أسانيد ولا أشهر رجالاً، قال الحافظ: ولا خلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممن جزم به البغوي، ومن مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره، وأن رواته الثقات لم يختلفوا في ألفاظه دون غيره، وأنه تلقاه عن النبي عَّله تلقينا، فروى الطحاوي عنه أخذت التشهد من في رسول اللَّه ◌َ ولقنيه كلمة كلمة. وفي البخاري عنه: علمني ◌َّ التشهد، وكفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن، ووافقه على لفظه أبو سعيد الخدري عند الطحاوي، وبثبوت الواو في ((والصلوات والطيبات»، وهو يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلاً بخلاف حذفها، فتكون صفة لما قبلها، وتعدد الثناء في الأول صريح، فيكون أولى، ولو قيل: إن الواو مقدرة في الثاني، وبأنه ورد بصيغة الأمر بخلاف غيره، فمجرد حكاية ولأحمد عن ابن مسعود أَنه ◌َّ علمه التشهد وأمره أن يعلمه الناس، ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته. (وقال ملك رحمه اللَّه) وأصحابه (تشهد عمر الموقوف عليه،) وهو ما رواه في الموطأ عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنير يعلم الناس التشهد، يقول: قولوا: التحيات للَّه، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله (أفضل، لأنه علمه للناس ٣٧٩ الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده عمّ. على المنبر ولم ينازعه أحد فدل على تفضيله. ومذهب الشافعي أن التشهد الأول سنة والثاني واجب. وجمهور المحدثين: أنهما واجبان. وقال أحمد: الأول وجب يجبر تركه بالسجود، والثاني ركن تبطل الصلاة بتر که. وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما سنتان. وعن مالك رواية بوجوب الأخير. وقد كان عليه السلام يأتي بالتشهدین. على المنبر) النبوي والصحابة متوافرون، (ولم ينازعه أحد) منهم، (فدل على تفضيله) على غيره، وقد أورده بصيغة الأمر كما رأيت، فدل على زيادة مزيته مع عدم الإنكار، وتعقب بأنه موقوف، فلا يلحق بالمرفوع. وأجيب بأن ابن مردويه رواه في كتاب التشهد له، مرفوعًا عن عمر، عن النبي وشاهده حديث ابن عباس فإنه قريب منه إلا أنه قال: ((الزاكيات)) بدل المباركات، وكأنها بالمعنی، فکل ما رجح به حديث ابن عباس يرجح به حديث عمر. (ومذهب الشافعي أن التشهد الأول سنة،) لأنه عَي قام من الركعتين ولم يرجع لما سبحوا له كما في الصحيح، فلو كان واجبًا لرجع إليه ولما جبره بالسجود قبل السلام إذ لا يجبر به الواجب کالركوع وغيره. (والثاني واجب) لظاهر الأمر، (وجمهور المحدثين أنهما واجبان) لظاهر الأمر، بقوله: فليقل، (وقال أحمد: الأول وجب يجبر تركه بالسجود، والثاني ركن تبطل الصلاة بتركه،) هكذا في بعض نسخ، ومثله له في شرحه للبخاري عن أحمد، وفي فتح الباري المشهور عن أحمد وجوبهما. (وقال أبو حنيفة وملك وجمهور الفقهاء: هما سنتان،) لأنه لم يبينهما للمسيء صلاته، وهو الصارف للأمر عن الوجوب. (وعن ملك رواية) ضعيفة (بوجوب الأخير،) رواها عنه أبو مصعب، وقال: من تركه بطلت صلاته. (وقد كان عليه السلام يأتي بالتشهدين) مواظبًا عليهما فهما سنتان، (وفي الغيلانيات) أحد عشر جزءًا تخريج الدارقطني من حديث أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، ٣٨٠ الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده مـ وفي الغيلانيات عن القاسم بن محمد قال: علمتني عائشة قالت: هذا تشهد رسول الله عَليه: ((التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله». وهو مثل تشهد ابن مسعود سواء. رواه البيهقي بإسناد جيد. قال النووي: وفي هذا فائدة حسنة وهي أن تشهده عليه السلام بلفظ تشهدنا. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وكأنه يشير إلى رد ما وقع في الرافعي: أنه عَّه. كان يقول في التشهد: ((وأشهد أني رسول الله)) وتعقبوه بأنه لم يرو كذلك صريحًا. نعم وقع في البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال: خفّت أزواد القوم فذكر الحديث وفيه: فقال رسول الله عَّةٍ: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)). وهو القدر المسموع لأبي طالب بن غيلان من أبي بكر الشافعي، (عن القُسم بن محمد) بن الصديق، (قال: علمتني عائشة) عمته، (قالت: هذا تشهد رسول اللَّه عَِّ: ((التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي) عدل عن الوصف بالرسالة مع أنها أعم في حق البشر ليجمع له الوصفين، لأنه وصف بالرسالة في آخر التشهد وإن كان الرسول البشري يستلزم النبوة، لكن التصريح بهما أبلغ، وقدم وصف النبوة لوجودها في الخارج، كذلك لنزول قوله: ﴿اقرأ بسم ربك﴾ [العلق: ١]، قبل قوله: ﴿قم فأنذر﴾ [المدثر: ٢]، (ورحمة الله وبر كاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وهو مثل تشهد ابن مسعود سواء، ورواه البيهقي بإسناد جيد،) أي: مقبول. (قال النووي: وفي هذا فائدة حسنة، وهي أن تشهده عليه السلام بلفظ: تشهدنا،) فكان يقول: أُشهد أن محمدًا عبده ورسوله. (انتهى). (قال الحافظ ابن حجر: وكأنه) أي: النووي (يشير إلى رد ما وقع في الرافعي) من قوله المنقول؛ (أنه عٍَّ كان يقول في التشهد: وأشهد أني رسول اللّه، وتعقبوه بأنه لم يرو كذلك صريحًا،) وفي تخريج أحاديثه للحافظ، ولا أصل لذلك كذلك، بل ألفاظ التشهد متواترة عنه عَِّ أنه كان يقول: ((أشهد أن محمدًا رسول اللَّه وعبده ورسوله)، وللأربعة عن ابن مسعود في خطبة الحاجة: ((وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه)). (نعم وقع في البخاري من حديث سلمة بن الأكوع، قال: خفت أزواد القوم، فذكر