Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ الأول في صفة افتاحه عَـ الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم). وفي الصحيحين أنه عٍَّ لما علم المسيء صلاته قال له: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن فلم يأمره بالتلفظ بشيء قبل التكبير. نعم اختلف العلماء في التلفظ بها: فقال قائلون: هو بدعة، لأنه لم ينقل فعله. وقال آخرون: هو مستحب، لأنه عون على استحضار النية القلبية، وعبادة بإسناد حسن عن علي (أنه) عَُّ (قال: مفتاح الصلاة) أي: مجوز الدخول فيها (الطهور) (بضم الطاء وفتحها) روايتان، كما أفاده الولي العراقي، قال: والأظهر الفتح، لأن الماء مفتاح واستعماله فتح، وقال غيره: بضمها الفعل، وبفتحها آلاته، لأن الفعل لا يمكن بدون آلته (وتحريمها التكبير) أي سبب كون الصلاة محرمة ما ليس منها التكبير، وأصل التحريم المنع، سمى الدخول فيها تحريمًا لأنه يحرم الكلام وغيره، وتمسك به الحنفية على أن التكبير ليس من الصلاة، إذ الشىء لا یضاف إلی نفسه. وأجيب بأنه قد يضاف الجزء إلى الجملة، كدهليز الدار، (وتحليلها) وهو جعل المحرم حلالاً (التسليم) لتحليله ما كان حرامًا على المصلي، أي أنها صارت بهما كذلك، فهما مصدران مضافان إلى الفاعل. قال الخطابي فيه: إن التسليم ركن للصلاة كالتكبير، وإن التحلل إنما يكون به دون الحدث والكلام، لأنه عرفه بأل، وعينه كما عين الطهور، وعرفه فانصرف إلى الطهارة المعروفة، والتعريف بأل مع الإضافة يوجب التخصيص، ففيه رد على الحنفية. وقال الطيبي: شبه الشروع في الصلاة بالدخول في حريم الملك المحمي عن الأغيار، وجعل فتح باب الحريم بالتطهير عن الأدناس والأوضار، وجعل الالتفات إلى الغير والشغل به تنبيهًا على التكمل بعد الكمال. (وفي الصحيحين) عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه، (أنه عَِّ لما علم المسيء صلاته) هو خلاد بن رافع الزرقي، (قال له: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر) تكبيرة الإحرام، (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن))) أي: الفاتحة، لأنها متيسرة لكل أحد، وعند أبي داود: «ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء اللّه)، ولأحمد وابن حبان: ((ثم اقرأ بأم القراءن، ثم اقرأ بما شئت، ثم اركع)، (فلم يأمره بالتلفظ بشىء قبل التكبير،) وذلك دليل على أنه ليس بمطلوب. (نعم اختلف العلماء في التلفظ بها، فقال قائلون: هو بدعة، لأنه لم ينقل فعله) كما سبق، (وقال آخرون: هو مستحب، لأنه عون على استحضار النية القلبية وعبادة اللسان، ٣٠٢ الأول في صفة افتاحه عَـ اللسان، كما أنه عبودية القلب، والأفعال المنوية عبودية الجوارح. وبنحو ذلك أجاب الشيخ تقي الدين السبكي والحافظ عماد الدين بن كثير. وأطنب ابن القيم - في غير الهدي - في رد الاستحباب، وأكثر في الاستدلال بما ذكره طول يخرجنا عن المقصود، لا سيما والذي استقر عليه أصحابنا استحباب النطق بها. وقاسه بعضهم على ما في الصحيحين، من حديث أنس: أنه سمع النبي عَِّ يلبي بالحج والعمرة جميعًا، يقول: ((لبيك عمرة وحجًا)). وفي البخاري من حديث عمر: سمعت رسول الله عَ لٍ يقول - وهو بوادي العقيق -: (أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبادرك وقل: عمرة في حجة)). وهذا كما أنه عبودية القلب، والأفعال المنوية عبودية الجوارح، وبنحو ذلك أجاب الشيخ تقي الدين) علي بن عبد الكافي (السبكي والحافظ عماد الدين بن كثير، وأطنب ابن القيم في غير الهدي في رد الاستحباب، وأكثر من الاستدلال بما في ذكره طول يخرجنا عن المقصود) من الاختصار، (لا سيما والذي استقر عليه أصحابنا استحباب النطق بها،) بأن يقول: أصلي الظهر مثلا فرضا للَّه أربع ركعات: أداء أو قضاء مستقبل القبلة، هذا جملة ما يستحب النطق به عند الشافعية، (وقاسه بعضهم على ما في الصحيحين من حديث أنس أنه سمع النبي ◌َِّ يلبي بالحج والعمرة جميعًا، يقول: ((لبيك عمرة وجحًا))،) والجامع بينهما وبين الصلاة أن كلا عبادة لها نية، وقد نطق به في الإحرام، فيقاس عليه إحرام الصلاة. (وفي البخاري) في الحج والمزارعة والاعتصام (من حديث عمر) بن الخطاب: (سمعت رسول اللَّه ◌َّ يقول وهو بوادي العقيق،) أي: فيه وهو بقرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال: ((أتاني الليلة آت) هو جبريل (من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك،) أي: وادي العقيق، وعند ابن عدي عن عائشة مرفوعًا: تخيموا بالعقيق، فإنه مبارك: (بخاء معجمة وتحتية) أمر بالتخييم، أي النزول به، لكن حكى ابن الجوزي عن حمزة الأصبهاني أنه تصحيف، والصواب بالفوقية وله اتجاه، لأن في معظم الطرق ما يدل على أنه من الخاتم، وقد وقع في حديث عمر: ((تختموا بالعقيق، فإن جبريل أتاني به من الجنة))، الحديث وأسانيده ضعيفة، (وقل عمرة في حجة،) برفع عمرة للأكثر، وبنصبها لأبي ذر على حكاية اللفظ، أي: قل جعلتها عمرة، وأبعد من قال معناه عمرة مدرجة في حجة، أي: أن عمل العمرة يدخل في عمل الحج فيجزي لهما طواف واحد، ومن قال: معناه أنه معتمر في تلك السنة بعد ٣٠٣ الأول في صفة افتاحه عنّ تصريح باللفظ، والحكم كما ثبت بالنص يثبت بالقياس. لكن تعقب هذا بأنه عليه السلام قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليمًا للصحابة ما يهلون به ويقصدونه من النسك، وامتثالاً للأمر الذي جاءه من ربه تعالى في ذلك الوادي، ولقد صلى عليه السلام أكثر من ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال: نويت أصلي صلاة كذا وكذا، وتركه سنة، كما أن فعله سنة، فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه، فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله، والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما على الآخر. انتهى ما قاله هذا المتعقب فليتأمل. فراغ حجه، وهذا أبعد مما قبله، لأنه عَّه لم يفعل ذلك، نعم يحتمل أنه أمر أن يقول ذلك لأصحابه ليعلمهم مشروعية القرآن، وهو كقوله: دخلت العمرة في الحج، قاله الطبري واعترضه ابن المنير، بأنه ليس نظيره، لأنه تأسيس قاعدة، وقوله: عمرة في حجة بالتنكير يستدعي الوحدة، وهو إشارة إلى الفعل الواقع من القرآن إذ ذاك، ويؤيده رواية البخاري في الاعتصام، بلفظ: عمرة وحجة بواو العطف، قاله كله الحافظ، وعلى رواية رفع عمرة، فهي خبر مبتدأ محذوف، أي قل هذه عمرة في حجة كما في شرح المصنف، (وهذا تصريح باللفظ، والحكم كما يثبت بالنص يثبت بالقياس) إذ هو من الأدلة. (لكن تعقب هذا بأنه عليه السلام قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليمًا للصحابة ما يهلون به ويقصدونه من النسك) لأن الأصح أنه كان مفردًا (وامتثالا للأمر الذي جاءه من ربه تعالى في ذلك الوادي، ولقد صلى عليه السلام أكثر من ثلاثين ألف صلاة، فلم ينقل عنه انه قال: نويت أصلي صلاة كذا وكذا،) أي: الصبح أو الظهر مثلاً، (وتركه سنة) في حقنا، يعني: أن ما تركه يسن لنا تركه إن لم يقم دليل آخر على طلبه منا، (كما أن فعله سنة) يسن لنا اتباعه فيه إلا لدليل على انه من خصائصه، (فليس لنا أن نسوي بین ما فعله وتر که، فتأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتي به في الموضع الذي فعله،) لأنه خلاف السنة، (والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما على الآخر) لاختلاف أحكامهما، فلا يصح القياس. (انتهى ما قاله هذا المتعقب فليتأمل) فإن في منعه القياس نظرًا، فالجامع بينهما أن كلا عبادة، وعدم نقل ذلك عنه لا ينهض لاحتمال أنه كان يسير بالنية، إذ لا يطلب الجهر بها، هذا وجه أمره بالتأمل، وفيه أن كون كل عبادة أشار هو إلى منعه بالفرق بينهما، واحتمال أسراره يلزم ٣٠٤ الأول في صفة افتاحه عَـ وكان عَّهِ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبية، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك. وفي رواية: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. منه الاحتجاج بالاحتمال مع أنه لا يحتج به عند أحد، (وكان عَّةٍ إذا قام إلى الصلاة) أي: شرع فيها (رفع يديه حتى يكونا) بتحتية، ولأبي ذر بفوقية (حذو) بحاء مهملة وذال معجمة ساكنة، أي مقابل (منكبيه) تثنية منكب، وهو مجمع عظم العضد والكتف، وبهذا قال الجمهور ولملك والشافعي، وذهب الحنفية إلى حديث لملك بن حويرث انه عَّه كان إذا صلى كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، رواه مسلم، وفي لفظ له: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه، ورجح الأول بأنه أصبح إسنادًا، واتفق عليه الشيخان، (ثم يكبر) للإحرام، وهذا لفظ مسلم، وبه قال الحنفية، وقال غيرهم: ثم للترتيب في الذكر لرواية البخاري يرفع يديه حين يكبر، وهو حديث واحد، وقد رواه الشيخان: كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، فالرفع مقارن للتكبير، وانتهاؤه مع انتهائه، كما هو قضية المقارنة، وهذا هو الأصح عند المالكية والشافعية وبه صرح أيضًا في رواية أبي داود عن وائل بن حجر أنه عَِّ رفع يديه مع التكبير، وقال صاحب الهداية من الحنفية: الأصح يرفع ثم يكبر، لأن الرفع صفة نفي الكبرياء عن غير اللَّه، والتكبير إثبات ذلك له، والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشهادة. قال الحافظ: وهو مبني على أن ذلك حكمة الرفع، وقيل: حكمة اقترانهما أن يراه الأصم ويسمعه الأعمى وقيل: الإشارة إلى طرح الدنيا والإقبال بكليته على العبادة، وقيل: إلى الاستسلام والانقياد ليناسب فعله قوله: اللَّه أكبر، وقيل: إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: إلى تمام القيام، وقيل: إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود، وقيل: ليستقبل بجميع بدنه. قال القرطبي: هذا أشبهها، (فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك) أي: رفع يديه حذو منكبيه مع التكبير (وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك). (وفي رواية: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما) أي: يديه، (كذلك أيضًا) حذو منكبيه (وقال: سمع الله لمن حمده) معنى سمع هنا أجاب، والمعنى أن من حمده متعرضًا لثوابه أجابه وأعطاه ما تعرض له (ربنا ولك الحمد) الرواية بثبوت الواو أرجح، وهي زائدة وعاطفة على محذوف، أي: حمدناك، أو هي واو الحال، ورجحه ابن الأثير، وفيه أن الإمام يجمع بينهما، لأن غالب أحواله عَّةِ الإمامة وبه قال الشافعي وجماعة أن المصلي مطلقًا يجمع بينهما. ٣٠٥ الأول في صفة افتتاحه عَليه وفي أخرى: نحوه وقال: ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع من السجود. رواه البخاري ومسلم. وعند أبي داود من حديث علقمة: كان إذا قام من سجدتين، كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح. وهو قطعة من حديث رواه الترمذي أيضًا. وكان يكبر في كل خفض ورفع. رواه مالك. وقال لملك وأبو حنيفة: يقول الإمام: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: ربنا لك الحمد فقط، لحديث إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، فقصر الإمام على قول ذلك، والمأموم على قول الآخر، وهذه قسمة منافية للشركة، كحديث ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) وأجابوا عن هذا الحديث بحمله على صلاته عَّله منفردًا، أو على صلاته النافلة جمعًا بين الحديثين، والمنفرد يجمع بينهما على الأصح، (وفي أخرى نحوه) نحو ما ذكر، لأنه حديث متحد المخرج اختلف ألفاظ رواته. (وقال:) أي زاد، (ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع من السجود،) فقوله في رواية: ولا يفعل ذلك في السجود، أي: لا في الهوي إليه ولا في الرفع منه بدليل هذه الرواية. قال الحافظ: وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود إلى الثالثة والرابعة والتشهدين، ويشمل ما إذا قام إلى الثالثة بلا تشهد، لأنه غير واجب، وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة، لم يدل هذا اللفظ على نفي ذلك عن القيام منها إلى الثالثة والرابعة. لكن روى الدارقطني بإسناد حسن عن ابن عمر هذا الحديث، وفيه: ((ولا يرفع بعد ذلك))، فظاهره يشمل النفي عما عدا المواطن الثلاثة، (رواه البخاري ومسلم) من طرق تدور على ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر. (وعند أبي داود من حديث علقمة: كان إذا قام من سجدتین کبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح،) أي: إذا قام من السجدتين في الركعة الثانية عند القيام من التشهد الأول، فيوافق حديث ابن عمر الآتي قريبًا، ولا يخالف ظاهره ما قبله، (وهو قطعة من حديث رواه الترمذي أيضًا، وكان يكبر في كل خفض) للركوع والسجود، (ورفع) لرأسه من السجود لا من الرکوع، لأنه کان یقول: سمع الله لمن حمده، کما مر في حديث ابن عمر، (رواه ملك) عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين مرسلاً، وزاد: فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله، وأخرجه أيضًا عن ابن شهاب، عن أبي سلمة أن أبا هريرة كان يصلي لهم، فيكبر كلما ٣٠٦ الأول في صفة افتاحه منـ وقال النووي: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، واختلفوا فيما سواها: فقال: الشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة: يستحب أيضًا رفعهما عند الركوع، وعند الرفع منه. وهو رواية عن مالك. وللشافعي قول: أنه لا يستحب رفعهما في موضع رابع وهو: إذا قام من التشهد الأول. وهذا القول هو الصواب، فقد صح فيه حديث ابن عمر عنه عَّة. خفض ورفع، فلما انصرف قال: والله إني لأشبهكم بصلاة رسول اللَّه مَّه، ورواه من طريقه الشيخان، والحكمة فيه تجديد العهد في أثناء الصلاة بالتكبير الذي هو شعار النية المأمور بها في أول الصلاة المقرونة بالتكبير، التي كان من حقها أن تستصحب إلى آخر الصلاة، قاله الناصر بن المنير. (قال النووي: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام،) واعترض عليه، بأن اللخمي حكى في التبصرة رواية عن لملك أنه لا يستحب، وحكاه الباجي عن كثير من متقدمي المالكية، وبأن الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري، وابن خزيمة وداود وبعض الشافعية والمالكية قالوا بوجوبه، فأين الإجماع؟ ولذا كان أسلم العبارات قول ابن عبد البر: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وقول ابن المنذر: ولم يختلفوا أنه عَد كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. قال ابن عبد البر: وكل من نقل عنه الوجوب لا يبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي، وهذا شذوذ وخطأ، (واختلفوا فيما سواها، فقال الشافعي وأحمد وجمهور العلماء: يستحب أيضًا رفعهما عند الركوع وعند الرفع منه) عملاً بحديث ابن عمر، (وهو رواية عن ملك) رواها عنه ابن وهب وأشهب وأبو مصعب وغيرهم بل قال محمد بن عبد الحكم: لم يرو أحد عن ملك تلك الرفع فيهما إلا ابن القاسم، والذي نأخذ به الرفع لحديث ابن عمر، وأجاب الأصيلي بأن مالكًا لم يأخذ به، لأن نافعًا وقفه على ابن عمر، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي وقفها نافع ورفعها سالم، يعني: فلما اختلفا وهما ثقتان جليلان ترك لملك في المشهور عنه القول باستحباب ذلك في المحلين، لأن الأصل صيانة الصلاة عن الأفعال، وبهذا تعلم تحامل الحافظ في قوله: لم أر للمالكية دليلاً ولا متمسكًا إلا قول ابن القاسم، (وللشافعي قول أنه لا يستحب رفعهما في موضع رابع، وهو: إذا قام من التشهد الأول، وهذا القول هو الصواب) أي: المشهور، لكن الحافظ نازع النووي في أن الشافعي نص عليه؛ بأنه قال في الأم لا نأمره برفع يديه في شىء من الذكر في الصلاة التي لها ركوع وسجود إلا في ٣٠٧ الأول في صفة افتاحه عَاليه. أنه كان يفعله. رواه البخاري. وكان عَّ يضع يده المينى على اليسرى، رواه أبو داود. ومذهب الشافعي والأكثرين: أن المصلي يضع يديه تحت صدره فوق سرته. وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي تحت سرته. هذه المواضع الثلاثة، وقال الخطابي: لم يقل به الشافعي وهو لازم على أصله في قبول الزيادة، (فقد صح فيه حديث ابن عمر عنه عٍَّ أنه كان يفعله رواه البخاري) من رواية عبد الأعلى، عن عبيد اللّه، عن تافع وأبو داود من رواية محارب بن دثار، كلاهما عن ابن عمر. لكن قال أبو داود: رواه الثقفي، يعني: عبد الوهاب والليث وابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا وهو الصحيح، وحكى الإسمعيلي أن بعض شيوخه أوماً إلى أن عبد الأعلى أخطأ في رفعه، لكن له شواهد منها حديث علي وحديث أبي حميد، رواهما أبو داود وصححهما ابن خزيمة وابن حبان، وقال البخاري في جزء رفع اليدين ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة صحيح لم يحكموا صلاة واحدة، فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم. (وكان عٌَّ يضع يده اليمنى على اليسرى) في الصلاة، (رواه أبو داود) عن وائل بن حجر، بلفظ: ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ من الساعد، وصححه ابن خزيمة وغيره، والرسغ: (بضم الراء وسكون المهملة، فمعجمة) المفصل بين الساعد والكف. (ومذهب الشافعي والأكثرين أن المصلي يضع يديه تحت صدره فوق سرته) لرواية ابن خزيمة عن وائل أنه وضعهما على صدره، وللبزار عند صدره. (وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: تحت سرته) لما في زيادات المسند من حديث علي أنه وضعهما تحت السرة وإسناده ضعيف. قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع، ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أن من احترز على حفظ شیء جعل علیه یدیه. قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي صَدُ فيه خلاف، وقاله جمهور الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره لملك في الموطأ، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن لملك وغيره، وروى ابن القاسم عنه الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه: التفرقة بين الفريضة، فيكره القبض والنافلة فيجوز؛ ٣٠٨ الأول في صفة افتاحه عَـ وكان عليه الصلاة والسلام يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة، فقال له أبو هريرة: بأبي أنت وأمي، إسكاتتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: ((أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج (وكان عليه الصلاة والسلام يسكت بين التكبير والقراءة). قال الحافظ: ضبطناه (بفتح أوله) من السكوت، وحكى الكرماني عن بعض الروايات (بضم أوله من الإسكان)، قال الجوهري: يقال تكلم الرجل ثم سكت بغير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم، قيل: أسكت (إسكاتة:) (بكسر أوله وزن إفعالة) من السكوت، وهو من المصادر الشاذة نحو أتیته إتيانه. قال الخطابي: معناه سكوت يقتضي بعده كلامًا مع قصر المدة فيه، وسياق الحديث يدل على أنه أراد السكوت عن الجهر لا عن مطلق القول، أو السكوت عن القراءة لا عن الذكر، (فقال له أبو هريرة: بأبي أنت وأمي) (الباء متعلقة بمحذوف اسم أو فعل)، أي: أنت مغدي، أو أفديك فيه جواز قول ذلك، وزعم بعضهم، أنه من خصائصه عَّه (إسكانتك) (بكسر أوله والرفع على الابتداء). وقال المظهري (بالنصب مفعول بفعل مقدر)، أي: أسألك إسكاتتك، أو على نزع الخافص، والذي في روايتنا بالرفع للأكثر وللمستملي والسرخسي (بفتح الهمزة وضم السين) على الاستفهام. وفي رواية الحميدي: ما تقول في سكتك (بين التكبير والقراءة) ولمسلم: أرأيت سكوتك، وكله مشعر بأن هناك قولاً، لأنه قال: (ما تقول،) أي: فيه، ولم يقل: هل تقول، ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم، كما استدل غيره على القراءة بحركة اللحية، قاله ابن دقيق العيد، (قال: ((أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) المراد بالمباعد محو ما حصل منها والعصمة عما سيأتي منها، وهو مجاز، لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يبقى لها منه اقتراب بالكلية. وقال الكرماني: كرر لفظ بين، لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض، (اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) نقني مجاز عن زوالها ومحو أثرها، ولما كان الدنس في الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به، قاله ابن دقيق العيد: (اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد.) ٣٠٩ الأول في صفة الفتاحه متبل والبرد)). رواه البخاري ومسلم. وعن علي: كان عٍَّ إذا قام إلى الصلاة - وفي رواية: إذا افتتح الصلاة - كبر، ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من قال الخطابي: ذكرهما تأكيدًا، ولأنهما ماآن لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، وقال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية المحو؛ فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء، قال: ويحتمل أن المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، وكأنه كقوله تعالى: ﴿واعف عنا واغفر لنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأشار الطيبي إلى هذا بحث، فقال: يمكن أن المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم: برد اللَّه مضجعه، أي رحمه ووقاه عذاب النار انتهى. ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أوفى عند مسلم، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم لكونها مسببة عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه. وقال التوربشتي: خص هذه الثلاثة بالذكر، لأنها منزلة من السماء، وقال الكرماني: يحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي. انتهى. وكان تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل، وهذا الدعاء صدر منه عَّه على سبيل المبالغة في إظهار العبودية، وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته، واعترض بأنه لو أراد ذلك بالجهر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار، وفيه ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تتبع أحواله عَّله في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه حتى حفظ اللَّه بهم الدين، وفيه مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة خلافًا للمشهور عن ملك انتهى من فتح الباري. (رواه البخاري ومسلم) من حديث أبي هريرة (وعن علي: كان عَّهُ إذا قام إلى الصلاة) المكتوبة (وفي رواية) لمسلم أيضًا عن علي: كان (إذا افتتح الصلاة كبر) تكبيرة الإحرام، (ثم قال) قبل الشروع في الفاتحة، والترمذي: وقال حسن صحيح عن علي: كان عَّ إذا قام إلى الصلاة المكتوبة رفع يديه، ويقول حين يفتتح الصلاة بعد التبكير: ((وجهت وجهي،) أي: صرفت جملتي وأخلصت نيتي في العبادة (للذي فطر السموات والأرض حنيفاً) حال كوني مائلاً عن جميع الأديان غير الإسلام بريئًا عن كل المعبودات. ٣١٠ الأول في صفة افتاحه عَليه المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذنوبَ إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، استغفرك وأتوب إليك))، الحديث زاد الدارقطني في روايته مسلمًا، وكأنه تفسير حنيفًا (وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي) الذبح في الحج والعمرة، أو الحج نفسه، أو عبادتي كلها، (ومحياي ومماتي) حياتي وموتي، يعني: جميع طاعتي في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح خالصًا (لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك) القول والإخلاص، (أمرت وأنا من المسلمين،) المتمكنين في الإسلام، وفوّضوا أمورهم للّه تعالى، وفي الطريق الثانية عند مسلم، وأنا أول المسلمين كما في التنزيل، لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته، وكذا في رواية جابر عند النسائي والدارقطني، (اللهم أنت الملك). زاد في بعض طرق الحديث: الحق (لا إله إلا أنت،) إثبات الإلهية المطلقة للَّه تعالى على سبيل الحصر بعد إثبات الملك له، كذلك في قوله: أنت الملك لما دل عليه تعريف الخبر باللام ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى أبو رافع عند الطبراني، سبحانك وبحمدك، وإنما أخر الربوبية في قوله: (أنت ربي) لتخصيص الصفة وتقييدها بالإضافة إلى نفسه، (وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي،) حال مؤكدة مقررة لمضمون الجملة السابقة اعترافًا بالتقصير، (فاغفر لي ذنوبي جميعًا لا يغفر الذنوب إلا أنت،) قدم قوله: ظلمت نفسي على سؤال المغفرة أدبًا، كقول آدم وحواء: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا﴾ [الأعراف: ٢٣] وقال ذلك تعليمًا وإرشادًا لأمته، أو تواضعًا، أو بحسب المقام، فإنه يرى مقامه بالأمس دون ما ارتقى إليه اليوم، فيستغفر من مقامه بالأمس، (واهدني لأحسن الأخلاق) أي: ارشدني لأفضلها وأكملها، (لا يهدي لأحسنها إلا أنت) وقد أجاب اللَّه تعالى دعاءه، فجمع له ما تفرق في العالمين، حتى قال: (وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٤] (واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت،) وقد أجابه عز وجل فلم يكن له خلق سيىء قط، (لبيك) إجابة لك بعد إجابة (وسعديك) مساعدة بعد مساعدة، وهما من المصادر التي لا تستعمل إلا مضافة مثناة، (والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) أي: لا يضاف إليك مخاطبة ونسبة تأدبًا، لأنه وإن كان بقضائه وقدره وخلقه واختراعه، لكنه ليس بمحبته ورضاه بخلاف الخير، فإنه بتقديره وإرادته ورضاه ٣١١ الأول في صفة افتاحه عَـ رواه مسلم. وعن عائشة: كان عَدٍ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، ومحبته جميعًا، فبالنظر إلى جانب المحبة والرضا يضاف إليه الخير، كما قال بيدك الخير، وبالنظر إلى جانب القدرة والخلق والإرادة، يضاف إليه كلاهما، كما قال سبحانه: ﴿قل كل من عند الله﴾ [النساء: ٧٨]، والمقام يقتضي ذلك، فإنه طلب لهداية لأحسن الأخلاق والصرف عن سيئها، فناسب أن يقول: الخير كله في قبضة قدرتك ليس شيء منها في يد غيرك، فأنت الهادي إليها لا يهدي إليه إلا أنت، وبهدايتك يحصل الاهتداء الذي هو العمدة في الأمور وهو الوسيلة للتقرب إليك، والشر ليس يتقرب به إليك. وقد زاد الشافعي في روايته حديث علي والمهدي من هديته، وفيه تلميح إلى ما ذكر: (أنا بك وإليك) أي: أنا أستعين بك في أداء ما وجب عليّ، وأتقرب بعد القيام به إليك، وقول النووي معناه التجائي وانتمائي وتوفيقي بك، تعقب بأن تقديره هذا يومي إلى أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، والأصل وأنا إليك وبك، وهذا لا يحتاج إليه فالوجه ما سبق وأيضًا سياق الكلام يدل على أنه طلب الهداية إلى أحسن الأخلاق والصرف عن مساويها، وذكر أن الخير من عنده وكله في يده، والشر ليس مضافًا إليه محبة ورضا، ثم ذكر أن استعانته في الأخذ بمحاسن الأخلاق والاجتناب عن الرذائل به تعالى وتقربه بتحصيل ذلك إليه، فهذا بمنزلة النتيجة لما تقدمه من الكلام، ولهذا ترك العاطف وأخرجه مخرج الاستثناء، فكأنه قيل له: إذا أعطيناك ما طلبته ما تعمل به، فقال: أستعين بك في التحصيل وأتقرب به إليك، بعد الحصول، زاد الشافعي: لا ملجأ منك إلا إليك وكذا في رواية أبي رافع عند الطبراني: (تباركت) تعاظمت (وتعاليت) عما تتوهمه الأوهام وتتصوره العقول (أستغفرك وأتوب إليك)) الحديث،) ذكر في بقيته دعاءه في الركوع والرفع منه، وفي السجود وما بين التشهد والسلام، (رواه مسلم) باللفظ الذي ساقه المصنف بالحرف من حديث علي، ورواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي أيضًا، والنسائي والدارقطني عن جابر، والنسائي عن محمد بن مسلمة، والطبراني عن أبي رافع، وفي روايتهم بعض زيادة ونقص وعجب قول القائل ما ذكره المصنف بيان لمجموع رواياتهم من غير بيان ما لكل واحد على انفراده مع أن المصنف إنما عزا لصحابي واحد وراو واحد، فإنما يتأتى ما زعمه لو عزا لمتعدد وأجمل؛ قال النووي: فيه استحباب الاستفتاح بما في هذا الحديث إلا أن يكون إمامًا لقوم لا يؤثرون التطويل. (وعن عائشة: كان عَّ إذا افتتح الصلاة قال) بعد تكبيرة الإحرام: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك) تنزه جلاله وعظمته عما نسب إليه، (ولا إله غيرك، ٣١٢ الأول في صفة افتتاحه وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)). رواه الترمذي وأبو داود. وعن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله عَّ لة يصلي صلاة قال: ((الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، أعوذ بالله من الشيطان، من نفخه ونفثه وهمزه)). قال ابن عمر: نفخه الكبر، ونفثه الشعر، وهمزه الموتة. رواه أبو داود. قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي عن جبير بن مطعم عن أبيه وأخرجه أيضًا من وجه آخر عن عمرو بن مرة بإسناده عن جبير سمعت النبي عَّالله يقول في التطوع وذكر نحوه انتهى. وعن محمد بن مسلمة قال: إن رسول الله عَ ◌ّه كان إذا قام يصلي تطوعًا رواه الترمذي وأبو داود،) ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بينه وبين التوجه، واختاره ابن خزيمة وجماعة من الشافعية، وحديث أبي هريرة: أصح ما ورد في ذلك قاله الحافظ. ٠٫٠٠ (وعن جبير بن مطعم أنه رأى رسول اللَّه عَلَه يصلي صلاة،) قال عمر: ولا أدري أي صلاة هي كذا في أبي داود، وهو محتمل أنه شيخه عمرو بن مرزوق، أو شيخ شيخه عمرو بن مرة، وكل بفتح العين، (قال) في افتتاحها («اللَّه أكبر كبيرا والحمد للَّه كثيرًا وسبحان الله بكرة) بالضم أول النهار (وأصيلا) ثلاثًا كما في أبي داود، وذكرها ثلاثًا باللفظ في الجملتين قبلها (أعوذ) أعتصم (باللّه من الشيطان من نفخه) (بفاء وخاء معجمة) (ونفئه وهمزه))). (قال ابن عمر) مفسرًا كذا في النسخ وصوابه عمرو كما في أبي داود، أي شيخه أو شيخ شيخه، أما ابن عمر فلا ذكر له في هذا الحديث (نفخه الكبر،) أي حمله عليه (ونفثه الشعر،) سمي نفثًا كالشىء ينفثه الإنسان من فيه، كالرقية، قاله الهروي (وهمزة الموتة) (بضم الميم وإسكان الواو) بلا همز ضرب من الجنون كما صرح به السهيلي وغيره. قال الهروي: سمي الجنون همزًا لأنه جعله من النخس والهمز، وكل شىء دفعته فقد همزته، (رواه أبو داود قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، قال: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي، عن جبير بن مطعم، عن أبيه، وأخرجه أيضًا من وجه آخر عن عمرو بن مرة بإسناده عن جبير: سمعت النبي ◌َّهُ. يقول في التطوع، وذكر نحوه انتهى). (وعن محمد بن مسلمة) الأنصاري: أكبر من اسمه محمد من الصحابة (قال: إن رسول اللّه عَّ له كان إذا قام يصلي تطوعًا) لا ينافي ذلك رواية الترمذي عن علي: كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة لإمكان الجمع بأنه كان يقوله في المكتوبة والتطوع عملاً بالحديثين، ٣١٣ الفرع الثاني في ذكر قراءته عليه الصلاة والسلام للبسملة في أول الفاتحة قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. وذكر الحديث مثل حديث جابر إلا أنه قال: ((وأنا من المسلمين))، ثم قال: اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، ثم يقرأ. رواه النسائي. الفرع الثاني في ذكر قراءته عليه الصلاة والسلام للبسملة في أول الفاتحة روي عن ابن عباس قال: كان عٍَّ يفتتح الصلاة بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. رواه أبو داود. وقال الترومذي: ليس إسناده بذاك. ورواه الحاكم عن ابن عباس قال: كان عَِّ يجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم﴾. ثم قال: صحيح. وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة: أن رسول الله عَ ليه قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة، وعدها آية، لكن راويه عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف عن (قال: اللَّه أكبر وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، وذكر محمد بن مسلمة (الحديث مثل حديث جابر) عند النسائي والدارقطني بنحو حديث علي المتقدم لفظه، فأحال عليه وإن لم يقدم نقله عن جابر (إلا أنه قال: وأنا من المسلمين) بدل قوله: وأنا أول المسلمين، وهما روايتان عن علي في مسلم كما مر، (ثم قال: اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، ثم يقرأ رواه النسائي) في سننه. (الفرع الثاني: في ذكر قراءته عليه الصلاة والسلام للبسملة أول الفاتحة) أي: هل كان يقرأ بها أم لا، أو هل يجهر بها أو يسر (روي عن ابن عباس، قال: كان عَّةٍ يفتتح الصلاة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، رواه أبو داود) وضعفه كما يأتي، (وقال الترمذي: ليس إسناده بذاك،) أي: لا يحتج به لضعفه، (ورواه الحاكم عن ابن عباس، قال: كان عَبْدِ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) بدل قوله يفتتح الصلاة، (ثم قال) الحاكم (صحيح) على عادته في التساهل، إذ كيف يصح مع ضعف إسناده، ولذا ضعفه أبو داود والترمذي. (وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية؛ (أن رسول اللَّه عَّهِ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية، لكن راويه عمر) (بضم العين) (ابن لهرون) بن يزيد الثقفي مولاهم (البلخي،) المتوفي سنة أربع وتسعين ومائتين (وفيه ضعف،) بل قال في التقريب متروك وكان حافظًا، (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز، (عن ابن أبي مليكة،) بالتصغير هو عبد اللَّه، بفتح العين بن عبيد اللَّه، بضمها ابن أبي مليكة، يقال: اسمه زهير، (عنها،) ٣١٤ الفرع الثاني في ذكر قراءته عليه الصلاة والسلام للبسملة في أول الفاتحة ابن جريج عن ابن أبي مليكة عنها. وروى الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن، البسملة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم الكتاب)). ورواه الدارقطني عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه أو مثله وقال: رواته كلهم ثقات. وروى البيهقي عن علي وابن عباس وأبي هريرة أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿سبعاً من المثاني﴾ [الحجر/٨٧] بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها. وعن شعبة عن قتادة عن أنس أن النبي عَّهِ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون أي: أم سلمة: فهذا تساهل مفرط من ابن خزيمة، إذ كيف يدخل في الصحيح من في إسناده ضعيف متروك. (وروى الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه) بفتح الميم وتكسر (في تفسيره، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه عَلِ: ((الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن البسملة وهي السبع المثاني) في قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني (والقرآن العظيم﴾،) عطف عام على خاص، أو متبدأ حذف خبره، أي: الذي أوتيته، ورجحه الحافظ المجيء رواية بذلك، ومر في الخصائص بسطه (وهي أم الكتاب، ورواه الدارقطني أيضًا عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه،) أي: بما يقرب منه (أو مثله،) أي: بما يماثله، (وقال: رواته كلهم ثقات. (وروى البيهقي عن علي وابن عباس وأبي هريرة، أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿سبعًا من المثاني﴾ بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها) وخالفهم غيرهم في العد من الصحابة وغيرهم فلم يعدوها منها، وإنما يكون قوله الصحابي حجة إذا لم يخالفه غيره من الصحابة خصوصًا، وقد تأيد بنص النبي عَّة عن اللَّه تعالى: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمدللَّه رب العالمين)) الحديث، وعدها سبعًا، ولم يذكر البسملة، والحديث في مسلم وغيره: ولا عطر بعد عروس، (وعن شعبة) ابن الحجاج، (عن قتادة) بن دعامة، (عن أنس أن النبي عَّهِ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون القراءة) الذي في البخاري الصلاة، قال الحافظ: أي القراءة فى الصلاة، وقد رواه ابن المنذر والجوزقي بلفظ: كانوا يفتتحون القراءة، وكذا رواه ٣١٥ الفرع الثاني في ذكر قراءته عليه الصلاة والسلام للبسملة في أول الفاتحة القراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين). رواه البخاري، أي كانوا يفتتحون بالفاتحة. وفي رواية مسلم: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ب﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. كذا أخرجه مسلم وغيره. لكنه حديث معلول أعله الحفاظ، كما هو في كتب علوم الحديث. وفي شرح ألفية العراقي لشيخنا الحافظ أبي الخير السخاوي في باب العلل ما نصه: وعلة المتن القادحة فيه كحديث نفي قراءة البسملة في الصلاة المروي البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وقال: إنها أبين من رواية القراءة (بالحمد لله رب العالمين) (بضم الدال) على الحكاية، (رواه البخاري:) حدثنا حفص بن عمر عن شعبة به، (أي: كانوا يفتتحون بالفاتحة،) هذا قول من أثبت البسملة في أولها، ورد بأنها إنما تسمى الحمد فقط. وأجيب: بمنع الحصر وسنده حديث: ((الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني))، رواه البخاري، وقيل: المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ تمسكًا بظاهر الحديث، وهذا قول من نفى قراءة البسملة وتجويز أنهم يقرأون البسلمة سرًا ممنوع؛ أنه محل النزاع. وقد اختلف الرواة عن شعبة في لفظ الحديث، فرواه جماعة من أصحابه بلفظ البخاري. (وفي رواية مسلم) من طريق أبي داود الطيالسي ومحمد بن جعفر، كلاهماعن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: صليت مع رسول اللَّه عَّه وأبي بكر وعمر وعثمن، (فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم). وفي مسلم من رواية الطيالسي عن شعبة: فقلت لقتادة: أنت سمعته من أنس، قال نعم نحن سألناه (كذا أخرجه مسلم وغيره،) كالخطيب من رواية حفص بن عمر شيخ البخاري فيه عن شعبة، وأخرجه ابن خزيمة من رواية محمد بن جعفر باللفظين، وهؤلاء من أثبت أصحاب شعبة، ولا يقال هذا اضطراب من شعبة، لأنا نقول قد رواه جماعة من أصحاب قتادة باللفظين، ولا يرد أنه اضطراب من قتادة، لأن جماعة من أصحاب أنس رووه، كذلك قاله الحافظ ملخصًا، (لكنه حديث معلول أعله الحفاظ كما هو مذكور (في كتب علوم الحديث، وفي شرح ألفية العراقي) الحافظ عبد الرحيم زين الدين (لشيخنا الحافظ أبي الخير) محمد بن عبد الرحمن (السخاوي في باب العلل ما نصه) شرحًا لقول النظم: وعلة المتن كنفي البسملة إذ ظن راو نفيها فنقله وصح أن أنسا يقول لا احفظ شيئًا فيه حين سئلا (وعلة المتن) أي: لفظ الحديث (القادحة فيه، كحديث نفي قراءة البسملة في ٣١٦ الفرع الثاني في ذكر قراءته عليه الصلاة والسلام للبسملة في أول الفاتحة عن أنس، إذ ظن راو من رواته حين سمع قول أنس: صليت خلف النبي عَّه وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، نفي البسملة، فنقله مصرحًا بما ظنه وقال: ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها. وفي لفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة ب﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فصار بمقتضى ذلك حديثًا مرفوعًا. والراوي لذلك مخطىء في ظنه. ولذا قال الشافعي - رحمه الله - في الأم، ونقله عنه الترمذي في جامعه: المعنى أنهم يبدون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرؤن بعدها، لا أنهم يتركون البسملة أصلاً. ويتأكد بثبوت تسمية أم القرآن بجملة ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ في صحيح البخاري، وكذا حديث قتادة قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة الصلاة، المروي عن أنس) في صحيح مسلم وغيره، (إذ ظن راو من رواته حين سمع قول أنس: صليت خلف النبي عَّةِ وأبي بكر وعمر وعثمن، فكانوا يفتتحون) القراءة أو الصلاة كما مر (بالحمد لله رب العالمين) (بضم الدال) على الحكاية (نفى البسملة، فنقله مصرحًا بما ظنه، وقال: ولا يذكرون بسم اللَّه الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها) مبالغة في نفيها، إذ لا قائل بأنها إذا لم تقرأ في أول الفاتحة تقرأ في آخرها، أو أراد لا تقرأ أول السورة التي بعد الفاتحة. (وفي لفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم، فصار بمقتضى ذلك حديثًا مرفوعًا) لأن فيه النبي ◌َّةٍ، (والراوي لذلك مخطىء في ظنه ولذا،) أي: خطئه في ظنه. (قال الشافعي رحمه اللَّه في الأم، ونقله عند الترمذي في جامعه: المعنى أنهم يبدأون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرؤون بعدها، لا أنهم يتركون البسملة أصلاً) وهو تأويل مخالف لظاهر الحديث، وبعد ذلك يحتاج لإثبات أنهم كانوا يبسملون، إذ غاية ما في هذا التأويل أنه لا دليل فيه على تركها، فكذا لا دليل فيه على فعلها، (ويتأكد) يتقوّى (بثبوت تسمية أم القرآن بجملة الحمد لله رب العالمين في صحيح البخاري) جواب عن سؤال بسطه في فتح الباري، فقال وتعقب، يعني هذا التأويل، بأنها إنما تسمى الحمد فقط. وأجيب: بمنع الحصر، وسنده ثبوت تسميتها بجملة الحمد لله رب العالمين في البخاري، عن أبي سعيد بن المعلى أن النبي مَّه قال له: ((ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن)) الحديث، ٣١٧ الفرع الثاني في ذكر قراءته عليه الصلاة والسلام للبسملة في أول الفاتحة النبي عَُّلّهِ؟ قال: كانت مدًا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد ((بسم الله)) ويمد (الرحمن)) ويمد ((الرحيم)). أخرجه البخاري في صحيحه، وكذا صححه الدارقطني والدارمي وقال: إنه لا علة له، لأن الظاهر - كما أشار إليه أبو شامة - أن قتادة لما سأل أنسًا عن الاستفتاح في الصلاة بأي سورة وأجابه بـ((الحمد لله))، سأله عن كيفية قراءته فيها، وكأنه لم ير إبهام السائل مانعًا من تعيينه بقتادة خصوصًا وهو وفيه الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني. انتهى. لكن ولو سلم أنها تسمى بذلك أيضًا، فليس فيه أن البسملة منها الذي هو المدعي، وقد روى مالك في الموطأ أنه عَِّ قال لأبي بن كعب: ((إني لأرجو أن تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها)) الحديث، وفيه أنه قال لأبي: ((كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة))، قال: فقرأت عليه الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها، فقال عَّةٍ: ((هي هذه السورة وهي السبع المثاني)) الحديث، وقد قرأها أبي بلا بسملة بحضرته، فتأكد قول من قال: المراد يفتتحون بهذا اللفظ، (وكذا حديث قتادة قال: سئل أنس) (بضم السين)، والسائل قتادة كما في رواية قبل هذه في البخاري عن قتادة، قال: سألت أنس بن ملك (كيف كانت قراءة النبي صَّة، قال: كانت مدًا) بغير همز، أي: ذات مد، أي: بمد الحرف الذي يستحق المد، (ثم قرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم يمد بسم اللَّه)) أي: اللام التي قبل هاء الجلالة، (ويمد الرحمن،) أي: الميم التي قبل النون، (ويمد الرحيم،) أي الحاء المد الطبيعي الذي لا يمكن النطق بالحرف إلا به من غير زيادة عليه لا كما يظن بعضهم من الزيادة عليه نعم إذا كان حرف المد يتصل بكلمة أو سكون لازم، كأولئك والحاقة وجب زيادة المد، أو ينفصل عنها، أو سكون عارض كيا أيها والوقف على الرحيم جاز. وقد أخرج ابن أبي داود عن قطبة بن ملك: سمعت رسول اللَّه عَّه قرأ في الفجر: ق، فمد هذا الحرف لها طلع نضيد فمد نضيد، قاله المصنف. (أخرجه البخاري في صحيحه) في أواخر كتاب التفسير، (وكذا صححه الدارقطني والدارمي) في نسخة بدله والحازمي (وقال: إنه لا علة له) إطناب لعله جاء به دفعًا لتوهم أن البخاري انفرد بتصحيحه، وأن مسلمًا لم يخرجه لعله، وإلا فتصحيح البخاري كاف ولما كان الحديث ليس نصًا في قراءة البسملة أول الفاتحة في الصلاة، إذ لا تصريح فيه بذلك، وقد قام الإجماع على استحباب ابتداء القراءة بها في غير الصلاة، فلا معنى لذكره هنا، أشار لبيان وجهه بقوله: (لأن الظاهر كما أشار إليه أبو شامة أن قتادة لما سأل أنسًا عن الاستفتاح في الصلاة بأي سورة، وأجابه: بالحمد لله، سأله عن كيفية قراءته فيها) ولا نسلم أن هذا الظاهر، إذ ٣١٨ الفرع الثاني في ذكر قراءته عليه الصلاة والسلام للبسملة في أول الفاتحة السائل أولاً. وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه، وصححه الدارقطني أن أبا مسلمة سعيد بن يزيد سأل أنسًا: أكان رسول الله عَليه يفتتح بالحمد لله أو بـ بسم الله؟ فقال: لا أحفظ فيه شيئًا. قال وهذا مما يتأيد به خطأ النافي. لا دليل في اللفظ عليه، بل الظاهر أنه سأله عن كيفية قراءته للقرءان من حيث هي، لا بقيد افتتاح الصلاة، وسأله أيضًا عما كان يفتتح به الصلاة كما هو مدلول الحديثين، وإن أحدهما ليس مرتبًا على الأول، ولو سلمنا ذلك فغايته التشبث بالاحتمال، فلا يفيد الدعوى أنها آية من الفاتحة تجب في الصلاة، (وكأنه) أي: أبا شامة (لم ير إبهام السائل مانعًا من تعيينه بقتادة، خصوصًا وهو السائل أولاً) عن حديث الافتتاح، وهذا مما يتعجب منه من مثل السخاوي، ثم من المصنف في إقراره، فإنه يعطي أن السائل المبهم لم يبين مع أنه مبين في رواية قبل هذه بلصقها في البخاري، بأنه قتادة كما مر، وليس هذا مراد أبي شامة، إنما مراده ترتب السؤال الثاني على الأول توصلاً إلى مراده من إثبات الابتداء بالبسملة. (وقد أخرج ابن خزيمة) محمد بن إسحق (في صحيحه، وصححه الدارقطني) أيضًا (أن أبا مسلمة) (بفتح الميم) (سعيد) (بكسر العين) (بن يزيد) (بتحتية قبل الزاي) ابن مسلمة الأزدي، البصري القصير، ثقة، من رجال الجميع، (سأل أنسًا: أكان رسول اللَّه عَدٍ يفتتح بالحمد للَّه أو ببسم الله، فقال: لا أحفظ فيه شيئًا، قال: وهذا مما يتأيد به خطأ النافي،) لكن في فتح الباري، وأما من قدح في صحته، بأن أبا مسلمة سعيد بن يزيد سأل أنسًا عن هذه المسألة، فقال: إنك لتسألني عن شىء لا أحفظه ولا سألني عنه أحد قبلك، ودعوى أبي شامة أن أنشا سأل عن ذلك سؤالين، فسؤال أبي مسلمة: هل كان الافتتاح بالبسملة أو الحمد؟، وسؤال قتادة: هل كان يبدأ بالفاتحة أو غيرها؟، قال: ويدل عليه قول قتادة في مسلم: نحن سألناه فليس بجيد، لأن أحمد روى بإسناد الصحيحين أن سؤال قتادة نظير سؤال أبي مسلمة، والذي في مسلم، إنما قاله عقب رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة ولم يبين صورة المسألة، وقد بينها أبو يعلى والسراج وعبد اللَّه بن أحمد في رواياتهم عن الطيالسي، عن شعبة؛ أن السؤال كان عن افتتاح القراءة بالبسملة، وأصرح من ذلك رواية ابن المنذر، عن أبي جابر، عن شعبة، عن قتادة: سألت أنشا: أيقرأ الرجل في الصلاة بسم اللَّه الرحمن الرحيم؟ فقال: صليت وراء رسول اللَّه عَّه وأبي بكر وعمر، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فظهر اتحاد سؤال أبي مسلمة وقتادة، وغايته أن أنسا أجاب قتادة بالحكم دون أبي مسلمة، فلعله تذكره لما سأله قتادة بدليل قوله في رواية أبي مسلمة: ما سألني عنه أحد قبلك، أو قاله لهما معًا، فحفظه قتادة ٣١٩ الفرع الثاني في ذكر قراءته عليه الصلاة والسلام للبسملة في أول الفاتحة ولكن قد روى هذا الحديث عن أنس جماعة منهم حميد وقتادة، والتحقيق أن المعل رواية حميد خاصة، إذ رفعها وهم من الوليد بن مسلم عن مالك عنه، بل ومن بعض أصحاب حميد عنه، فإنها في سائر الموطآت عن مالك: صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، لا ذكر للنبي عَِّ فيه، وكذا الذي عند سائر أصحاب حميد عنه، إنما هو في الوقف خاصة. وبه صرح ابن معين عن ابن أبي عدي حيث قال: إن حميدًا كان إذا رواه عن أنس لم يرفعه، وإذا قال فيه: عن قتادة عن أنس رفعه. وأما رواية قتادة، وهي من رواية الوليد بن مسلم وغيره عن الأوزاعي: أن قتادة كتب إليه أن أنسًا حدثه قال: صليت. فذكره بلفظ: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا في أول قراءة ولا في آخرها، فلم يتفق أصحابه عنه على هذا دونه، فإن قتادة أحفظ منه بلا نزاع انتهى. (ولكن قد روى هذا الحديث عن أنس جماعة، منهم: حميد) الطويل البصري (وقتادة) ابن دعامة، (والتحقيق أن المعل رواية حميد خاصة،) لا رواية قتادة كما قاله الجماعة، (إذ رفعها وهم من الوليد بن مسلم) الدمشقي ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، (عن الملك) الإمام (عنه) أي: حميد، (بل ومن بعض أصحاب حميد،) كابن عيينة وعبيد الله بن عمر، (عنه)) أي: حميد، (فإنها في سائر الموطآت) المروية (عن) الإمام (ملك) عن حميد، عن أنس: (صليت) لفظ الموطأ، قال: قمت (وراء أبي بكر وعمر وعثمن). قال الباجي: أي وقفت مستقبل القبلة القيام المعتاد في الصلاة على رجليه جميعًا، فيقرنهما ولا يحركهما، (فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) إذا افتتح الصلاة. قال ابن عبد البر: هكذا في الموطأ عند جماعة رواته فيما علمت موقوفًا، (لا ذكر للنبي عَّ فيه، وكذا الذي عند سائر) أي باقي (أصحاب حميد عنه إنما هو في الوقف خاصة، وبه صرح) يحيى (بن معين عن ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم البصري، ثقة، من رجال الجميع، (حيث قال: إن حميدًا كان إذا رواه عن أنس) بلا واسطة (لم يرفعه، وإذا قال فيه عن قتادة، عن أنس، رفعه: وأما رواية قتادة، وهي من رواية الوليد بن مسلم وغيره عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (أن قتادة كتب إليه،) أي: إلى الأوزاعي (أن أنسًا حدثه))) أي: قتادة، (قال: صليت) خلف النبي عَّهُ وأبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين (فذكره) عقب هذا، (بلفظ: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، لا في أول قراءة ولا في آخرها) أخرجه مسلم، (فلم يتفق أصحابه عنه على هذا اللفظ، بل أكثرهم لا ذكر ٣٢٠ الفرع الثاني في ذكر قراءته عليه الصلاة والسلام للبسملة في أول الفاتحة اللفظ، بل أكثرهم لا ذكر عندهم للنفي فيه، وجماعة منهم بلفظ: فلم يكونوا يجهرون بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. وممن اختلف عليه فيه أصحابه شعبة، فجماعة منهم ((غندر)) لا ذكر عندهم للنفي عنه، وأبو داود الطيالسي فقط حسبما وقع من طريق غير واحد عنه بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وهي موافقة للأوزاعي. وأبو عمر الدوري وكذا الطيالسي وغندر بلفظ: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بـ بسم الله الرحمن الرحيم. بل كذا اختلف غير قتادة من أصحاب أنس، كإسحاق بن أبي طلحة وثابت البناني باختلاف عليهما، ومالك بن دينار ثلاثتهم عن أنس بدون نفي، وإسحلق وثابت أيضًا ومنصور بن زاذان وأبو قلابة وأبو نعامة كلهم عنه باللفظ النافي للجهر خاصة. ولفظ إسحاق منهم: يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. عندهم للنفي فيه،) ويقتصرون على: فكانوا يفتتحون بالحمد للَّه رب العالمين، (وجماعة منهم) يروونه، (بلفظ: فلم يكونوا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم،) فيأتي احتمال أنهم كانوا يسرون بها، (وممن اختلف عليه فيه أصحابه شعبة) بن الحجاج راوي الحديث عن قتادة عن أنس، (فجماعة منهم غندر) لقب لمحمد بن جعفر في إحدى الروايتين، عنه: (لا ذكر عندهم للنفي عنه وأبو داود) سليمان بن داود بن الجارود (الطيالسي فقط حسبما وقع من طريق غير واحد، عنه، بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم، وهي موافقة الأوزاعي، و) رواه (أبو عمر) حفص بن عمر بن عبد العزيز (الدوري) شيخ البخاري، (وكذا الطيالسي) أبو داود (وغندر) محمد بن جعفر في الرواية الثانية، عنه (بلفظ: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، بل كذا اختلف) فيه (غير قتادة من أصحاب أنس، كإسحق) بن عبد اللَّه (بن أبي طلحة) الأنصاري نسبة إلى جده (وثابت البناني) (بضم الموحدة ونونين بينهما ألف) (باختلاف عليهما ولملك بن دينار، ثلاثتهم عن أنس بدون نفي، وإسحق وثابت أيضًا) في الرواية الثانية عنهما، (ومنصور بن زاذان) (بزاي فألف فذال معجمة) الواسطي، الثقفي، ثقة، ثبت، عابد، (وأبو قلابة) (بكسر القاف والتخفيف) عبد الله بن زيد الجرمي (وأبو نعامة) (بنون ومهملة) قيس بن عباية (بفتح المهملة وخفة الموحدة فألف فتحتية) (كلهم عنه،) أي: أنس (باللفظ النافي للجهر خاصة، ولفظ: إسحق منهم يفتتحون القراءة