Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الفصل الثالث في صفة وضوئه عز له.
وعند أبي داود: كان عليه الصلاة والسلام يمسح الماقين.
وعن عثمان أنه عَِّ كان يخلل لحيته، رواه الترمذي وابن ماجه. وعنده من
حديث ابن عمر: كان عليه الصلاة والسلام إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك ثم
شبك لحيته بأصابعه من تحتها.
وعن أنس كان عَّ إذا توضأ أخذ كفّا من ماء فيدخله تحت حنكه
ويخلل به لحيته ويقول: بهذا أمرني ربي عز وجل. رواه أبو داود.
إلا لكونه لا يعلم خلافًا في أن تاركه لا يعيد، قال: وهذا دليل فقهي، فإنه لا يحفظ ذلك عن
أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن وجوب الإعادة (واللَّه أعلم)
بالحكم.
(وعند أبي داود: وكان عليه الصلاة والسلام يمسح الماقين) (بقاف قبلها ألف) لغة
في مؤق العين (بهمزة ساكنة)، ويجوز إبدالها واو مؤخرها، فلعل المراد بمسحهما غسلهما غسلاً
خفيفًا.
وقال الأزهري: أجمع أهل اللغة على أن الموق والماق لغتان، بمعنى المؤخر، وهو ما يلي
الصدغ (وعن عثمن أنه عَّةٍ كان يخلل لحيته) أي يدخل الماء في خلالها بأصابعه، (رواه
الترمذي وابن ماجه، وعنده،) أي ابن ماجه بإسناد ضعيف (من حديث ابن عمر: كان عليه
الصلاة والسلام إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك) يعني عركًا خفيفًا (ثم شبك لحيته) أي
خللها (بأصابعه) أي أدخل أصابعه مبلولة فيها (من تحتها،) والعارض: ما نبت على عرض
اللحى فوق الذقن، وقيل: عارضًا الإنسان صفحتا خديه، كذا في الفائق، قال ابن الكمال: وقول.
ابن المعتز:
كأن خط عذار شق عارضه عيدان آس على ورد ونسرين
يدل على صحة الثاني وفساد الأول، وكأن قائله لم يفرق بين العذار والعارض.
(وعن أنس: كان عَّ إذا توضأ أخذ كفًا) (بفتح الكاف) غرفة (من ماء، فيدخله
تحت حنكه ويخلل به لحيته ويقول: بهذا) الفعل (أمرني ربي عز وجل رواه أبو داود)
والحاکم بإسناد فيه مقال.
وقد قال أحمد وأبو حاتم: لا يثبت في تخليل اللحية شىء لكن قيل: أراد أن أحاديثه ليس
شىء منها يرتقي درجة الصحة بذاته، وإلا فقد جاء عن أكثر من عشرة من الصحابة: لو كان كل
طريق منها ضعيفًا لقامت الحجة بمجموعها، فكيف وبعضها لا ينزل عن درجة الحسن، إلا أن
البخاري قال: لم تثبت المواظبة، بل مجرد الفعل إلا في شذوذ من الطرق. انتهى.

٢٤٢
الفصل الثالث في صفة وضوئه عنّة.
وعن أبي رافع: كان عَِّ إذا توضأ حرك خاتمه. رواه ابن ماجه والدارقطني
وضعفه.
وعن المستورد بن شداد: كان عَّه إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره،
رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه.
وعن عائشة: كانت يد رسول الله عَِّ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت
اليسرى لخلائه وما كان من أذى.
وعن المغيرة بن شعبة أنه كان مع رسول الله عَّله في سفر، وأنه عليه الصلاة
والسلام ذهب لحاجة له وأن مغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ. رواه
وقد كره ملك في المدونة تخليل اللحية الكثيفة، وهو المشهور، فتخليله عَّ له مع أن
لحيته كثيفة لبيان الجواز.
(وعن أبي رافع:) أسلم، أو إبراهيم أو غير ذلك أقوال عشرة، أصحها أسلم: (كان ◌ََّّ.
: ذا توضأ) زاد في رواية وضوءه للصلاة (حرك خاتمه) زاد في رواية: في أصبعه، أي عند غسل
اليد التي هو فيها ليصل الماء إلى ما تحته يقينًا.
(رواه ابن ماجه والدارقطني وضعفه،) وكذا ضعفه ابن عدي والبيهقي وعبد الحق وابن القطان
وغيرهم، ومن ثم لم يأخذ به ملك.
(وعن المستورد) (بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح الفوقية وكسر الراء ومهملة)
(ابن شداد) بن عمر القرشي، الفهري، حجازي نزل الكوفة، له ولأبيه صحبة، مات سنة خمس
وأربعين: (كان عَّ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره))) أي بخنصر إحدى يديه، والظاهر
أنها اليسرى، قاله بعض الشراح، (رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه)، وقال الترمذي: حسن غريب،
قال اليعمري: يشير بالغرابة إلى تفرد ابن لهيعة به عن يزيد بن عمرو، وليس كذلك، فقد رواه
الليث بن سعد وعمرو بن الحرث عن يزيد، كرواية ابن لهيعة، وناهيك بهما جلالة ونبلاً،
فالحديث إذًا صحيح مشهور.
(وعن عائشة: كانت يد رسول اللَّه عَّ} اليمنى لطهوره وطعامه) فیأکل باليمين، زاد في
رواية: وشرابه، (وكانت اليسرى لخلائه) (بالمد) (وما كان من أذى،) قال الأبي: هو ما
تكرهه النفس، ومنه سمي الحیض أذى انتهى.
وهذا أصل في أن ما كان من باب التكريم يفعل باليمنى، وما كان بخلاف ذلك يفعل
بالیسری.
(وعن المغيرة بن شعبة أنه كان مع رسول اللَّه عَّ في سفر) هو سفره لغزوة تبوك في

٢٤٣
الفصل الثالث في صفة وضوئه
البخاري ومسلم.
وعن صفوان بن عسال قال: صببت على النبي عَّ الماء في السفر والحضر
في الوضوء. رواه ابن ماجه.
وفي ذلك جواز استعانة الرجل بغيره في صب الماء في الوضوء من غير
كراهة، وكذا إحضار الماء من باب أولى، ولا دليل في هذين الحديثين لجواز
الإعانة بالمباشرة.
وقد روى الحاكم في المستدرك، من حديث الربيع بنت معوذ أنها قالت:
أتيت رسول الله عَّ بوضوء فقال: اسكبي، فسكبت عليه.
رجب سنة تسع (وأنه عليه الصلاة والسلام ذهب لحاجة له) هي التبرز (وأن مغيرة جعل
يصب الماء عليه وهو يتوضأ) جملة اسمية وقعت حالا (رواه البخاري ومسلم) في الطهارة.
(وعن صفوان بن عسال) (بمهملتين) مثقل المرادي، صحابي معروف، غزا مع النبي عَُّ.
ثنتي عشرة غزوة، نزل الكوفة (قال: صببت على النبي عَّ الماء في السفر، والحضر في
الوضوء).
(رواه ابن ماجه وفي ذلك) المذكور من حديثي المغيرة وصفوان (جواز استعانة الرجل
بغيره في صب الماء في الوضوء من غير كراهة،) خلافًا لمن قال: مكروه، أو خلاف الأولى،
لأنها ترفه لا تليق بالمتعبد، ورد بأنه إذا ثبت أنه عَِّ فعله، لا يكون خلاف الأولى.
وأجيب بأنه يفعله لبيان الجواز، فلا يكون في حقه خلاف، الأولى بخلاف غيره.
وقال الكرماني: إذا كان الأولى تركه كيف ينازع في كراهته، وأجيب؛ بأن كل مكروه
فعله خلاف الأولى من غير عكس، إذ المكروه يطلق على الحرام بخلاف الآخر، (وكذا إحضار
الماء من باب أولى) لا كراهة فيه أصلاً.
قال الحافظ: لكن الأفضل خلافه (ولا دليل في هذين الحديثين لجواز الإعانة
بالمباشرة) أي مباشرة المعين لغسل الأعضاء خلافًا لاستدلال البخاري بحديث المغيرة على
· الإعانة بالمباشرة.
وقد تعقبه ابن المنير بما حاصله أنه فرق بين الإعانة بالصب وبين الإعانة بمباشرة الغير
لغسل الأعضاء، فدل الحديثان على الأول دون الثاني، وأقره الحافظ.
(وقد روى الحاكم في المستدرك من حديث الربيع) (بضم الراء وفتح الموحدة
وتحتية ثقيلة) (بنت معوذ) بن عفراء (أنها قالت: أتيت رسول اللّه عَّ بوضوء) (بفتح الواو ما

٢٤٤
الفصل الثالث في صفة وضوئه ـ
وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين لكونه في الحضر،
ولكونه بصيغة الطلب، والله أعلم.
وفي الترمذي، من حديث معاذ بن جبل: كان عَّ إذا توضأ مسح وجهه
بطرف ثوبه.
وعن عائشة: كانت له عليه السلام خرقة يتنشف بها بعد الوضوء. قال
الترمذي: هذا الحديث ليس بالقائم، وأبو معاذ الرازي ضعيف عند أهل الحديث.
يتوضأ به) (فقال: أُسكبي:) صبي، (فسكبت عليه، وهذا أصرح في عدم الكراهة من
الحديثين المذكورين، لكونه في الحضر) فيه؛ أنه قال في حديث صفوان في السفر
والحضر، لكن هذه العبارة جاء بها من الفتح، وإنما قالها في الحديثين اللذين أوردهما البخاري،
وهما حديث المغيرة وحديث أسامة، لما أفاض من عرفة عدل إلى الشعب، فقضى حاجته، قال
أسامة بن زيد: فجعلت أصب عليه وهو يتوضأ، وكلاهما في السفر، فلذا قال الحافظ: إن حديث
الربيع أصرح، لكونه في الحضر، (ولكونه بصيغة الطلب) الأمر، بقوله: أسكبي.
قال الحافظ: لكنه ليس على شرط البخاري، نعم الأفضل أن لا يستعين أصلاً (والله
أعلم).
وفي شرح المهذب حديث؛ أن عمر بادر لصب الماء على النبي عَّه، فقال: أنا لا أستعين
في وضوئي بأحد، باطل لا أصل له.
(وفي الترمذي من حديث معاذ بن جبل: كان عَّةٍ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه)
يتنشف به.
قال الترمذي: غريب وإسناده ضعيف، وبه جزم الحافظان العراقي والعسقلاني.
(و) في الترمذي أيضًا، والحاكم (عن عائشة: كانت له عليه السلام خرقة يتتشف بها
بعد الوضوء،) وفي لفظ: بعد وضوئه، فيجوز التنشف بلا كراهة، وعليه جماعة من الصحابة
ومن بعدهم ولهلك وغيره، وذهب آخرون إلى كراهته لحديث ميمونة أنها أتته عمله بمنديل فرده،
ولقول الزهري: إن ماء الوضوء يوزن، وأجاب الأولون؛ بأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال،
وبأجوبة أخرى تأتي في فصل الغسل.
(قال الترمذي: هذا الحديث ليس بالقائم) ولا يصح عن النبي عَّه في هذا الباب شىء
هذا أسقطه من كلام الترمذي قبل قوله (وأبو معاذ) سليمن بن أرقم (الرازي) البصري، راويه عن
الزهري، عن عروة، عن عائشة: (ضعيف عند أهل الحديث،) كالبخاري وأبي حاتم ويحيى

٢٤٥
الفصل الثالث في صفة وضوئه عـ
وقد احتجم عَّهُ فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه، رواه
الدار قطني.
وأكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. رواه البخاري ومسلم.
وللنسائي: قال كان آخر الأمرين من رسول الله عَّ ترك الوضوء مما غيرت
النار.
وشرب عَّه لبنًا ولم يتمضمض ولم يتوضأ فصلى. رواه أبو داود.
وأتي عَّه بسويق فأمر به فثري فأكل منه، ثم قام إلى المغرب فتمضمض.
والنسائي وابن حبان، وبقية كلام الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم من الصحابة، ومن
بعدهم في التمندل بعد الوضوء، ومن كرهه إنما كرهه لما قيل: إن الوضوء يوزن، روى ذلك عن
سعيد بن المسيب والزهري.
(وقد احتجم عَّة، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه) جمع محجم
بزنة جعفر موضع الحجامة، (رواه الدارقطني) فدل على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء،
(وأكل) عَّةِ (كتف شاة) أي لحمه.
وفي رواية للبخاري: معرق شاة، أي أكل ما على العرق (بفتح المهملة وسكون الراء)،
وهو العظيم، ويقال له أيضًا العراق (بالضم).
وأفاد القاضي اسمعيل أن ذلك في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي بنت
عمه عَّله، ويحتمل أنه كان في بيت ميمونة، ففي الصحيحين، عنها أنه عَّ أكل عندها كنفًا،
ثم صلى ولم يتوضأ، ولا مانع من التعدد كما في الفتح، (ثم صلى ولم يتوضأ، رواه البخاري
ومسلم) عن ابن عباس، وهو صريح في أنه لا وضوء مما مست النار.
وأما أحاديث زيد وأبي هريرة وعائشة: توضأوا مما مست النار، رواها مسلم، فمحولة على
الوضوء اللغوي، وهو غسل اليد، أو منسوخة كما أشار إليه بقوله (وللنسائي) وأبي داود، وصححه
ابن خزيمة عن جابر (قال: كان آخر الأمرين من رسول اللَّه عَ له ترك الوضوء مما غيرت النار،)
وفي رواية: مست النار، (وشرب عَُّ لبنًا فلم يتمضمض) لبيان الجواز، فلا ينافي استحباب
المضمضة لحديث الصحيحين، عن ابن عباس أن النبي عَّ شرب لبنّا، ثم دعا بماء فمضمض،
وقال: إن له دسمًا، ولبيان أن أمره في رواية ابن ماجه: ((مضمضوا من اللبن، فإن له دسمًا))
للاستحباب (ولم يتوضأ، فصلى، رواه أبو داود) بإسناد حسن عن أنس (وأتى عَّةُ) وهو سائر
إلى غزاة خيبر بعدما صلى العصر (بسويق) قمح أو شعير، أو سلت مقلو، وصفه أعرابي، فقال:
عدة المسافر وطعام العجلان، وبلغة المريض: (فأمر به فثري) (بضم المثلثة وشد الراء)، ويجوز

٢٤٦
الفصل الرابع في مسحه عَّةٍ على الخفين
رواه البخاري ومالك والنسائي.
وكان عَِّ إذا قام من النوم ربما توضأ. وربما لم يتوضأ، لأن عينه تنام ولا
ينام قلبه كما في البخاري وغيره.
وفيه دليل على أن النوم ليس حدثًا بل مظنة الحدث، فلو أحدث لعلم
بذلك فتكون الخصوصية شعوره بالوقوع بخلاف غيره. قال الخطابي: إنما منع
قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه.
الفصل الرابع
في مسحه عٍَّ على الخفين
أعلم أنه قد صرح جمع من العلماء الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر،
وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه
تخفيفها، أي بل بالماء ليبسه، (فأكل منه،) في الرواية: وأكلنا، (ثم قام إلى المغرب
فتمضمض) قبل الدخول في الصلاة وفي الرواية. وتمضمضنا، وفائدتها وإن كان لا دسم في
السويق أنه يحتبس بقاياه بين الأسنان ونواحي الفم، فيشغله بلعه عن الصلاة.
وبقية الحديث: ثم صلى ولم يتوضأ، (رواه البخاري) في ستة مواضع، (وملك) في
الموطأ، وعن عبد الله بن يوسف، عنه، رواه البخاري في الطهارة، (والنسائي) وابن ماجه، كلهم
من حديث سويد بن النعمان (وكان عَّ إذا قام من النوم ربما توضأ وربما لم يتوضأ لأن عينه
تنام ولا ينام قلبه،) وكذلك الأنبياء، وفي مسلم، مرفوعًا: ((رؤيا الأنبياء وحي))، (كما في
البخاري وغيره) في قصة بيات ابن عباس عنده في بيت ميمونة، إذ توضأ لما قام من النوم الأول
ثم تهجد، ثم نام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي، فناداه بالصلاة، فقام معه فصلى ولم يتوضأ.
(وفيه دليل على أن النوم ليس حدثًا، بل مظنة الحدث، فلو أحدث لعلم بذلك)
لعدم نوم قلبه، (فتكون الخصوصية شعوره بالوقوع بخلاف غيره).
(قال الخطابي: إنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه،) وكذلك
الأنبياء، ولذا جاز لإبراهيم الإقدام على ذبح ولده برؤيا المنام، والله أعلم.
الفصل الرابع في مسحه علّة على الخفين
(اعلم أنه قد صرح جمع من العلماء الحفاظ؛ بأن المسح على الخفين) وهو خاص
بالوضوء لا مدخل للغسل فيه، بالإجماع كما في الفتح (متواتر) أي نقله جمع عن جمع يؤمن
تواطؤهم على الكذب بلا قيد عدد على الأصح.

٢٤٧
الفصل الرابع في مسحه عَّ على الخفين
قد روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك، مع أن الروايات
الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وقد أشار الشافعي في الأم إلى إنكار ذلك على
المالكية، والمعروف المستقر عندهم الآن قولان: الجواز مطلقاً، وثانيهما: للمسافر
دون المقيم، وهذا الثاني مقتضى ما في ((المدونة))، وبه جزم ابن الحاجب.
وقال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل، المسح أو الغسل والذي
اختاره: أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج
(وجمع بعضهم: رواته، فجاوزوا الثمانين) بيان لتواتره، (منهم العشرة) المبشرة بالجنة؛
وروى ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على
الخفين، ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك، قال ليس في المسح على الخفين عن الصحابة
اختلاف، لأن كل من روى عنه منهم إنكاره، فقد روى عنه إثباته.
(وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه قد روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن
ملك) في رواية أنكرها أكثر أصحابه، (مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وموطؤه
يشهد للمسح في الحضر والسفر، وعليها جميع أصحابه وجميع أهل السنة، هذا بية كلام ابن عبد البر.
(وقد أشار الشافعي في الأم إلى إنكار ذلك على المالكية)، الذي نقلوا إنكاره عن ملك لأن
الشافعي من أصحابه، وقد قال أبو عمر: أنكرها أكثر أصحابه؛ وقال الباجي: رواية الإنكار وقعت
في العتبية، وظاهرها المنع، وإنما معناها أن الغسل أفضل منه.
قال ابن وهب: آخر ما فارقت مالكًا على المسح في الحضر والسفر، وقال نحوه ابن
نافع، وأن مالكًا إنما كان يتوقف فيه في خاصة نفسه مع افتائه بالجواز، وهذا مثل ما صح عن
أبي أيوب الصحابي (والمعروف المستقر عندهم،) أي المالكية (الآن قولان: الجواز مطلقًا)
للحاضر والمسافر وهو المشهور، (وثانيهما للمسافر دون المقيم، وهذا الثاني مقتضى ما
في المدونة، وبه جزم ابن الحاجب،) وهو ضعيف، والمشهور الإطلاق، وصرح الباجي بأنه
الأصح، وقال: قال أصبغ: المسح عن النبي عَّهُ. وعن أكابر أصحابه أثبت عندنا من أن نتبع
مالكًا على خلافه، يعني في هذه الرواية. انتهى.
وقد حكى الإجماع على جوازه إلا أن قومًا ابتدعوا كالخوارج، فقالوا: لم يرد به القرآن
والشيعة، لأن عليًا امتنع منه، ورد بأنه لم يثبت عن علي بإسناد موصول يثبت بمثله كما قاله
البيهقي.
وقال الكرخي من الحنفية: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين، (وقال ابن

٢٤٨
الفصل الرابع في مسحه عٍَّ على الخفين
والروافض.
وقال النووي: مذهب أصحابنا أن الغسل أفضل من المسح لكن بشرط أن
لا يترك المسح.
وقد تمسك من اكتفى بالمسح بقوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ عطفًا على قوله:
﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، [المائدة/٦] فذهب إلى ظاهرها جماعة من الصحابة
والتابعين، وحكي عن ابن عباس في رواية ضعيفة، والثابت عنه خلافه.
وعن عكرمة والشعبي وقتادة: الواجب الغسل أو المسح.
وعن بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بينهما.
المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل المسح أو الغسل) للرجلين، (والذي أختاره) أنا (أن
المسح أفضل لأجل) الرد على (من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض،) وإحياء
ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه، هذا بقية كلام ابن المنذر.
(وقال النووي: مذهب أصحابنا) الشافعية، وكذا المالكية (أن الغسل) للرجلين (أفضل
من المسح) على الخف، (لكن بشرط أن لا يترك المسح) رغبة عن السنة، كما قالوا في
تفضيل القصر على الإتمام، هذا بقية كلام النووي كما في الفتح، وهو متعين، (وقد تمسك من
اكتفى بالمسح) على الرجلين نفسهما، ولم يوجب غسلهما (بقوله تعالى: ﴿وأرجلكم))
(بالجر) (عطفًا على) رؤوسكم، من (قوله: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، فذهب إلى ظاهرها
جماعة من الصحابة والتابعين) إذ التقدير وامسحوا بأرجلكم.
(وحكي عن ابن عباس في رواية ضعيفة والثابت عنه خلافه) أن المسح لا يجزىء،
(وعن عكرمة والشعبي) (بموحدة بعد المهملة) (وقتادة: الواجب الغسل) عملاً بقراءة:
وأرجلكم (بالنصب)، (أو المسح) لنفس الرجلين، عملاً بقراءة الخفض، فالفرض التخيير عند
هؤلاء، وليس المعنى مسح الخف بدليل سابق الكلام ولاحقه، لكن هذا الذي نقله المصنف عن
الثلاثة مخالف لنقل القرطبي، عنهم أن الواجب المسح لا الغسل، وعبارته: كان عكرمة يمسح
على رجليه، وقال: ليس في الرجلين غسل.
وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح، ثم قال: ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان
غسلاً ويلغي ما كان مسخًا، وقال قتادة: افترض اللَّه غسلين ومسحين، وذهب ابن جرير الطبري
إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين. انتهت، فإنما نقل
التخيير عن ابن جرير، فلعل للثلاثة قولين.
(وعن بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بينهما،) بين مسح نفس الرجلين ثم غسلهما.

٢٤٩
الفصل الرابع في مسحه عَّ على الخفين
وحجة الجمهور: الأحاديث الصحيحة من فعله عَّه كما سيأتي إن شاء الله
تعالى، فإنه بيان للمراد، وأجابوا عن الآية بأجوبة:
منها: أنه قرىء وأرجلكم بالنصب عطفًا على أيديكم.
وقيل: إنه معطوف على محل برؤوسكم، كقوله تعالى: ﴿يا جبال أوبي
معه والطير﴾ [سبأ/١٠].
وقيل: المسح في الآية محمول على مشروعية المسح على الخفين،
فحملوا قراءة ((الجر)) على مسح الخفين، وقراءة ((النصب)) على غسل الرجلين.
قال القرطبي: قال النحاس، ومن أحسن ما قيل أن المسح والغسل واجبان جميعًا،
فالمسح واجب على قراءة الخفض، والغسل واجب على قراءة النصب، والقراءتان بمنزلة آيتين
انتھی.
فليس المراد الجمع بين غسل الرجلين، ثم المسح على الخفين، (وحجة الجمهور)
القائلين بأن الواجب غسل الرجلين، ولا يصح مسحهما، (الأحاديث الصحيحة من فعله عنّافيه.
كما سيأتي) قريبًا (إن شاء اللّه تعالى، فإنه بيان للمراد) في الآية.
زاد القرطبي: وهو اللازم من قوله في غير ما حديث وقد رأى قومًا يتوضأون وأعقابهم
تلوح، فنادى بأعلى صوته: ((ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء)، وفي رواية: ((ويل للأعقاب
وبطون الأقدام من النار))، فخوفنا بالنار من مخالفة مراد اللَّه، ومعلوم أنه لا يعذب بالنار إلا من ترك
الواجب، وأن المسح ليس شأنه الاستيعاب.
(وأجابوا عن الآية بأجوبة، منها أنه قرىء) عند حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم:
(وأرجلكم بالنصب عطفًا على أيديكم،) وذلك نص في وجوب الغسل، وإنما قدم عليه مسح
الرأس لإفادة أنه يفعل قبل غسل الرجلين، ولذا اختلف في أن الترتيب سنة أو واجب، وقد جاء
عن علي أن هذا من المقدم والمؤخر من الكلام.
(وقيل: إنه معطوف على محل برؤوسكم) لأن محله النصب مفعول امسحوا، لكن
عطفه عليه لا يعطي الغسل الذي هو المطلوب، فلا يصح جوابًا للجمهور عن الآية الذي الكلام
فيه، (كقوله تعالى: ﴿يا جبال أوبي معه﴾،) فجبال مبني على الضم محل نصب، فعطف عليه
(والطير بالنصب) بإجماع القراء سوى الجرمي، باعتبار المحل، وعلى القول؛ بأنه عطف على
فضلاً من قوله: ولقد آتينا داود منا فضلاً لا شاهد فيه.
(وقيل: المسح في الآية محمول على مشروعية المسح على الخفين، فحملوا
قراءة الجر) ابن كثير، وأبو عمرو وحمزة وشعبة عن عاصم، (على مسح الخفين وقراءة

٢٥٠
الفصل الرابع في مسحه عٍَّ على الخفين
وجعل البيضاوي ((الجر)) على الجواز، قال: ونظيره كثير في القرآن كقوله
تعالى: ﴿عذاب يوم أليم﴾ [هود/٢٦] ﴿وحور عين﴾ [الواقعة/٢٢] بالجر في
قراءة حمزة والكسائي. وقولهم: ((جحر ضب خرب)) والنحاة باب في ذلك.
وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليهما ويغسلا
النصب على غسل الرجلين) جمعًا بين القراءتين، فأفاد الجر مسحهما، لكن إذا كانا عليهما
خفان.
قال القرطبي: وتلقينا هذا القيد من النبي عَّدٍ، إذ لم يمسح رجليه إلا وعليهما خفان، فبين
بفعله الحال التي تغسل فيها الرجل، والحال التي تمسح فيه وهذا حسن.
(وجعل البيضاوي) تبعًا لطائفة (الجر على الجواز، قال: ونظيره كثير في القرآن،
كقوله تعالى:) ﴿إني أخاف عليكم (عذاب يوم أليم﴾ [هود/٢٦]،) أي مؤلم، فأليم في
الحقيقة صفة لعذاب، لا ليوم فجر للمجاورة.
وقال في سورة هود: يوصف به العذاب وزمانه للمبالغة، كجد جده ونهارك صائم،
(﴿وحور عين بالجر﴾ في قراءة حمزة والكسائي) للمجاورة لأكواب وأباريق وما بعده، وإن
كان عطفًا على ولدان، المرفوع في قوله: ﴿يطوف عليهم ولدان﴾، وقيل: عطفًا على جنات
بتقدير مضاف، أي هم في جنات ومصاحبة حور، أو على أكواب، لأن معنى يطوف عليهم
ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بأكواب، وقرأ غيرهما: (وحور) بالرفع عطف على ولدان، أو
مبتدأ محذوف الخبر، أي وفيها، أو ولهم حور، وقرىء (بالنصب) على تقدير ويؤتون حورًا،
ولا شاهد فيما عدا الجوار (وقولهم،) أي العرب (جحر ضب خرب،) بالجر لمجاورة ضب
وإن كان بالرفع صفة لحجر، إذ هو الذي يوصف بخرب دون ضب، (والنحاة باب في ذلك)
يعبر عنه بعضهم بالعطف على اللفظ دون المعنى، فيكون دليلاً على غسل الرجلين، إذ المراعى
المعنى لا اللفظ، وإنما خفض للجوار، وهذا مذهب الأخفش وأبي عبيدة وغيرهما، وجعلوا منه أيضًا
قوله: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس، بالجر، لأن النحاس الدخان، وقوله: ﴿بل هو قرءان مجيد
في لوح محفوظ﴾ [البروج/٢٢] للجوار، فالمعنى محفوظ بالخفض في لوح، وقول امرىء القيس:
كبير أناس في بجاد مزمل
فخفض مزمل للجوار، فالمزمل الرجل وهو مرفوع، وقال زهير:
لعب الزمان بها وغيرها
بعدي سوى في المزن والقطر
قال أبو حاتم: الوجه القطر بالرفع، فجر للمجاورة (وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن

٢٥١
الفصل الرابع في مسحه عٍَّ على الخفين
غسلاً يقرب من المسح. انتهى
وعن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله عَّالل غزوة تبوك، قال فتبرز عليه.
قبل الغائط فحملت معه إداوة - قبل الفجر - فلما رجع أخذت أهريق الماء على
يديه من الإدارة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، ذهب يحسر عن
يقتصد،) أي يتوسط (في صب الماء عليهما، ويغسلا غسلاً يقرب من المسح) دفعا لتوهم
المبالغة في غسلهما بالزيادة على الثلاث لملاقاتهما الأوساخ، ورد ذلك النحاس وقال: هذا القول
غلط عظيم، لأن الجوار لا يكون في كلام يقاس عليه، وإنما هو غلط، ونظيره الأقواء. (انتهى).
يعني: فلا ينبغي أن يحمل عليه أفصح الكلام، وقد أمكن غيره، وأجاب قوم عن قراءة
الخفض بأن المسح في الرجلين هو الغسل، حكاه ابن عطية، قال القرطبي: وهو الصحيح فإن
لفظ المسح مشترك يطلق بمعنى المسح، وبمعنى الغسل كما حكاه أبو زيد عن العرب، فيترجح
أن المراد بقراءة الخفض الغسل لقراءة النصب التي لا احتمال فيها، ولكثرة الأحاديث الثابتة
بالغسل والتوعد على ترك غسلهما في أخبار صحاح لا تحصى كثرة، أخرجها الأئمة. انتهى.
(وعن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول اللَّه عَّالل غزوة تبوك) بعدم الصرف على
المشهور لوزن الفعل كتقول، (قال: فتبرز) بالتشديد، أي خرج (مَّ) لقضاء حاجته، ولابن
سعد عن مغيرة: لماكنا بين الحجر وتبوك ذهب لحاجته (قبل) بكسر ففتح، أي جهة
(الغائط،) أي المكان المطمئن الذي تقتضى فيه الحاجة، فاستعمل في أصل حقيقته اللغوية،
فليس المراد الفضلة، (فحملت معه إداوة) بكسر الهمزة، أي مطهرة من جلد وكان حملها
بأمره.
ففي رواية للشيخين، فقال: يا مغيرة خذ الإدارة (قبل الفجر) أي الصبح، ولابن سعد:
فتبعته بماء بعد الفجر، ويجمع بأن خروجه كان بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح، زاد في رواية
للشيخين: فانطلق حتى توارى عني، ثم قضى حاجته، وعند أحمد أن الماء أخذه المغيرة من
أعرابیة صبته له من قربة من جلد ميتة، فقال له عێ: «سلها، فإن کانت دبغتها فهو طهورها»،
فقالت: أي واللَّه لقد دبغتها، (فلما رجع أخذت أهريق الماء على يديه) (بضم الهمزة وفتح
الهاء وإسكاتها»، أي أصب، وفي رواية: فصببت عليه (من الإدارة، فغسل يديه،) زاد في رواية
أحمد: فأحسن غسلهما، وللبخاري: تمضمض واستنشق، (ووجهه) زاد أحمد ثلاث مرات،
(وعليه جبة) هي ما قطع من الثياب مشمرًا، قاله في المشارق: (من صوف) وللبخاري ومسلم:
وعليه جبة شامية ضيقة الكمين، زاد أبو داود من جباب الروم، (ذهب يحسر) بكسر السين
المهملة، يكشف كما للمصنف على مسلم، وكأنه الرواية، وإلا ففي لغة (بضم السين أيضًا﴾.

٢٥٢
الفصل الرابع في مسحه عَّة على الخفين
سبينـ
ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يده من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه
وغسل ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلى العمامة، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال:
دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما، ثم ركب وركبت. الحديث رواه
مسلم.
(عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يده) بإفراد كم ويد على إرادة الجنس، ففي الموطأ: ثم
ذهب يخرج يديه من كمي جبته، فلم يستطع من ضيق كمي الجبة فأخرجهما (من تحت
الجبة، وألقى الجبة على منكبيه،) لأنه كان عليه إزار تحتها، (وغسل ذراعيه) (بالتثنية)،
ولأحمد؛ فغسل يده اليمنى ثلاث مرات ويده اليسرى ثلاث مرات، (ثم مسح بناصيته وعلى
العمامة) لعله للعذر، إذ السفر مظنته، ففيه دلالة على وجوب الاستيعاب، إذ لو كفى البعض
ما مسح على العمامة.
قال المازري: استدل به الحنفية على أن الواجب الناصية، وأحمد على جوازه على
العمامة، وهو رد عليهما، فيقال لأبي حنيفة: لم تقتصر على الناصية، ويقال لأحمد: لو جاز
الاقتصار عليها فلم مسح الناصية، (ثم أُهويت) أي مددت يدي، أو قصدت، أو أشرت، أو
أومأت (لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما،) أي الرجلين حال كونهما (طاهرتين) من
الحدثين، ولأبي داود: فإني أُدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان، (فمسح عليهما) وفي هذا
الرد على من زعم أن المسح عليهما منسوخ بآية المائدة، لأن هذه القصة في غزوة تبوك، وهي
آخر مغازيه، وكانت سنة تسع بعد المائدة باتفاق، لأنها نزلت في غزوة المريسيع سنة ست.
وقد روى الجماعة عن جرير بن عبد الله البجلي: رأيت رسول اللَّه عَّ بال، ثم توضأ
ومسح على خفيه.
زاد الترمذي في رواية، فقيل له: قبل المائدة أم بعدها، فقال: ما أسلمت إلا بعد المائدة.
قال الأعمش: قال إبراهيم النخعي، وكان أصحاب رسول اللَّه مَّةٍ يعجبهم هذا الحديث،
لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
قال النسائي: كان إسلامه قبل موته عَّه بيسير، وقال غيره: بأربعين ليلة وفيه نظر، لأنه
شهد حجة الوداع، وهي قبل الوفاة النبوية بنحو ثلاثة أشهر، (ثم ركب) راحلته (وركبت)
راحلتي، (الحديث) ذكر فيه أنهما انطلقا، فوجدا الناس قدموا ابن عوف، فأدرك عَّ له الركعة
الثانية، وقضى الأولى بعد سلام عبد الرحمن، وتقدم في الأذان من المقصد الأول مبسوطًا، (رواه
مسلم) وأبو داود وغيرهما مطولاً، وروى بعضه البخاري، وفيه فوائد كثيرة، ذكر جملة منها
صاحب الفتح وغيره.

٢٥٣
الفصل الرابع في مسحه عَّةٍ على الخفين
ن حديث المغيرة أيضاً أنه عَِّ مسح على الخفين
ظاهرهما.
وعند أبي داود من حديثه أيضاً: ومسح على الجوربين والنعلين.
وعنه قال: مسح مَّلُّ على الخفين، فقلت يا رسول الله: نسيت، فقال: ((بل
أنت نسيت، بهذا أمرني ربي عز وجل)). رواه أبو داود وأحمد.
وعن عمرو بن أمية الضمري قال: رأيته عليه السلام يمسح على عمامته
وخفيه. رواه البخاري وأحمد.
(وعند الترمذي من حديث المغيرة أيضًا أنه عَّ مسح على الخفين على ظاهرهما،)
فأفاد أنه لا يكفي مسح أسفله، وروى عن المغيرة أيضًا أنه عَّالةٍ كان يمسح على أعلى الخف
وأسفله، فأفادت هذه الرواية أن ذلك عادته، ورواية الترمذي: فعلها مرة في السفر، لإفادة أن ترك
مسح الأسفل لا يبطل المسح بخلاف الأعلى.
وقد روى أبو داود والدارقطني عن علي: ((لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى:
بالمسح من أعلاه، ولكن رأيت رسول اللّه علّ له يمسح أعلاه)).
(وعند أبي داود من حديثه) أي المغيرة (أيضًا: ومسح على الجوربين) (مثنی جورب
وزن فوعل معرب) ما كان على شكل الخف من صوف ونحوه، وحمله الفقهاء على ما إذا جلد
ظاهره وهو ما يلي السماء، وباطنه وهو ما يلي الأرض، (والنعلين) أي الخفين، ولعل المعنى أنه
لبسهما فوق الجوربين، ولذا قال المالكية: يجوز مسح الخف ولو على خف أو خف على
جورب، قال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن
المغيرة أن النبي عَّ مسح على الخفين، (وعنه قال: مسح عُّ على الخفين، فقلت:
يا رسول اللَّه نسيت) همزة الاستفهام مقدرة، (فقال: ((بل أنت نسيت) يشعر بعلم المغيرة قبل
رؤيته يمسح، فيحتمل أن النبي عَّه علم بأنه رآه قبل ذلك يمسح، أو علم بأنه بلغه من الصحابة
قبل لانتشار المسح بينهم. (بهذا أمرني ربي عز وجل))) بالوحي، أو بلا واسطة أو في القرآن
على قراءة الخفض، (رواه أبو داود وأحمد، وعن عمرو بن أمية الضمري) (بفتح الضاد
المعجمة وإسكان الميم)، (قال: رأيته عليه السلام) اختصار لقوله: رأيت النبي عَّ (يمسح
على عمامته،) أي كمل عليها بعد مسح الناصية، ففي مسلم عن المغيرة: ثم مسح بناصيته
وعلى العمامة، وإلى هذا ذهب الجمهور، وذهب أحمد والأوزاعي وجماعة إلى جواز الاقتصار
في المسجد على العمامة تمسكًا بظاهر هذا الحديث، وقياسًا على الخفين فإن الرأس عضو
يسقط فرضه في التيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين.

٢٥٤
الفصل الرابع في مسحه عَّة على الخفين
وقال علي بن أبي طالب: جعل عَّ المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن
للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم. رواه مسلم.
وأجاب الخطابي بأن اللَّه فرض مسح الرأس، وحديث مسح العمامة محتمل للتأويل،
فلا يترك المتيقن للمحتمل، وقياسه على الخف بعيد لمشقة نزعه دونها، وتعقب بأن الآية
لا تنفي الاقتصار على المسح على العمامة، لا سيما عند من يحمل المشترك على حقيقته
ومجازه لأن من قال قبلت رأس فلان يصدق ولو على حائل، وبأن المجيزين الاقتصار على مسح
العمامة شرطوا مشقة نزعها بأن تكون محنكة كعمائم العرب، ورد الأول بأن الأصل حمل اللفظ
على حقيقته ما لم يرد نص صريح بخلافه، والنصوص وردت عن النبي عٍَّ أمرًا وفعلاً بمسح
الرأس، فتحمل رواية مسح العمامة على أنه كان لعذر بدليل المسح على الناصية معها كما في
مسلم: سلمنا أنه حديث آخر لاختلاف المخرج، فيحتمل أنه فعله لعذر لم يمكنه مسح رأسه ولا
شىء منه أصلاً؛ وبالجملة فهي قضية فعلية تتطرق إليها الاحتمالات، ورد الثاني بأنهم ولو شرطوا
مشقة نزعها لا يجامع الخف، لأنه مأخوذ من الآثار من القياس ولو كان منه لجاز المسح على
القفازين في اليدين، فلا يقاس على الخفين شىء، (وخفيه رواه البخاري وأحمد) وغيرهما وأعل
الأصیلي إسناده بما رده عليه فتح الباري.
(وقال علي بن أبي طالب: جعل عَّ المسح على الخفين) أي مدته (ثلاثة أيام
ولياليهن للمسافر) سفر قصر (ويومًا وليلة للمقيم،) وقال به الجمهور والأئمة الثلاثة، ونسب
للملك مثله في كتاب البشر، لكن أنكر أهل مذهبه ذلك الكتاب، والمشهور عنه يمسح بلا توقيت
ما لم يخلعه أو يجب عليه غسل أو يختل شرط من شروطه، وروى مثله عن عمر وعن لملك أيضًا
من الجمعة إلى الجمعة، وحملت على أنه ينزعه لغسلها إلا أنه أراد التأقيت، (رواه مسلم) عن
شريح بن هانىء، قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بعلي بن أبي طالب
رضي اللَّه عنه، فاسأله فإنه كان يسافر مع رسول اللَّه عَّله، وفي لفظ له، فقالت: ائت عليًا، فإنه
أعلم بذلك مني، فأتيت عليًا، فقال: فذكره، واختلف في رفع هذا الحديث ووقفه على علي.
قال ابن عبد البر: من رفعه أثبت وأحفظ ممن وقفه، وقال ابن العربي: أحاديث التوقيت
صحيحة وأحاديث عدمه ضعيفة، وعند ابن خزيمة عن صفوان بن عسال، قال: أمرنا النبي عَّةٍ أن
نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا، قال
الحافظ: صحيح، لكن ليس على شرط البخاري، وفي الباب عن أبي بكر صححه الشافعي
وغيره.

٢٥٥
الفصل الخامس في تيممه معلّ
الفصل الخامس
في تيممه ڭ
واعلم أن التيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من خصائص هذه
الأمة.
وأجمعوا على أن التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين، سواء كان عن
حدث أصغر أو أكبر، وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها.
واختلفوا في كيفية: فمذهبنا ومذهب الأكثرين، أنه لا بد من ضربتين:
ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
وعن حذيفة قال: قال رسول الله عَّ له: ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت
صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها
الفصل الخامس في تيممه عه.
هو لغة القصد، وشرعا: القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين فقط، (واعلم أن
التيمم ثابت بالكتاب) بقوله: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾، (والسنة) لثبوت تيممه عَ ليه
(والإجماع) عليه من الأمة، (وهو من خصائص هذه الأمة) المحمدية، (وأجمعوا على أن
التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين، سواء كان عن حدث أصغر أو أكبر،) وما نقل عن ابن
مسعود وعمر أنهما منعا تيمم الجنب واستدلا بقوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾
[النساء: ٤٣]، فثبت عنهما أنهما رجعا عن ذلك، (وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها).
(واختلفوا في كيفية) التيمم، (فمذهبنا ومذهب الأكثرين) وأبي حنيفة (أنه لا بد من
ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين،) لأحاديث وردت بذلك لا تخلو من
مقال، وذهب لملك وأحمد والشافعي في القديم إلى أن الواجب ضربة واحدة، والمسح إلى
الكوعين، واعترف النووي والحافظ وغيرهما؛ بأنه الأقوى دليلاً لصحة الأحاديث بذلك، وتحمل
أحاديث الضربتين وإلى المرفقين على السنية جمعًا بينهما.
(وعن حذيفة) بن اليمان (قال: قال رسول اللَّه عَّ فضلنا) (بفتح الفاء والضاد وسكون
اللام)، أي: زدنا في الفضل أو (بضم الفاء وكسر الضاد مشددة)، أي: فضلنا اللَّه (على الناس
بثلاث) من الخصال: (جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة،) قال الزين العراقي المراد به التراص
واتمام الصف الأول، فالأول في الصلاة، فهو من خصائص هذه الأمة، وكان الأمم السابقة
يصلون منفردين، وكل واحد على حدة، (وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها

٢٥٦
الفصل الخامس في تيممه لة
طهورًا إذا لم نجد الماء)) رواه مسلم.
وفي رواية أبي أمامة عند البخاري: ((وجعلت الأرض كلها لي لأمتي
مسجدًا وطهورا».
وهذا عام، وحديث حذيفة خاص، فينبغي أن يحمل العام عليه، فيختص
الطهور بالتراب.
ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ ((التربة)) على خصوصية التيمم بالتراب، بأن
قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره. وأجيب: بأنه ورد في الحديث بلفظ
التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره. وفي حديث علي: ((وجعل لي التراب طهورًا))
طهورًا إذا لم نجد الماء) هذه الخصلة الثانية.
قال في رواية مسلم وذكر خصلة أخرى، يعني: أبهما نسيانًا أو نحوه، (رواه مسلم) وهذه
الخصلة المبهمة بينها ابن خزيمة والنسائي، وهي: ((وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من
كنز تحت العرش، لم يعطها نبي قبلي)»، والنص على عدد لا يدل على نفي ما عداه، فلا ينافي
حديث مسلم عن أبي هريرة: ((فضلت على الأنبياء بست))، أو لعله أطلع أولا على بعض ما خص
به، ثم أطلع على الباقي؛ فإن خصائصه كثيرة جدًا.
(وفي رواية أبي إمامة عند البخاري: ((وجعلت الأرض كلها لي ولأمتى مسجدًا
وطهورًا))،) فزادٍ: ولأمتي، (وهذا عام) لقوله: ((الأرض كلها))، فهو حجة للملك وأبي حنيفة
وأحمد في رواية: ومن وافقهم في جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض وإن لم يكن ترابًا، (و) لكن
(حديث حذيفة) المذكور (خاص) لقوله: تربتها، (فينبغي أن يحمل العام عليه، فيختص
الطهور بالتراب،) كما ذهب إليه الشافعي وأحمد في رواية.
وأجاب الأولون بأن شرط المخصص أن يكون منافيًا للعام، ولفظ تربة أو تراب لا ينافيه،
فالنص عليه ليس تخصيصًا، بل من باب النص على بعض أفراد العام، كقوله تعالى: ﴿فيهما
فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨]، فخصه لبيان أفضليته على غيره، وقد قلنا به لا لأنه
لا يجزىء غيره، (ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ التربة) المذكورة في حديث حذيفة (على
خصوصية التيمم بالتراب بأن قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره) فيكون من أدلة
التعمیم.
(وأجيب بأنه ورد في الحديث بلفظ التراب أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث
علي: ((وجعل لي التراب طهورًا))) بفتح الطاء على المشهور، (أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد

٢٥٧
الفصل الخامس في تيممه ڭ
أخرجه أحمد والبيهقي پاسناد حسن.
وعن عمارة: قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم
أصب الماء، فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر، أنا وأنت، فأما أنت فلم
حسن) فصح الاستدلال به على التخصيص، وقد علم منع التخصيص لفقد شرطه، والصعيد اسم
لوجه الأرض، وهو نص القرآن، وليس بعد بيان اللَّه تعالى بيان.
وقد قال مَّ للجنب: ((عليك بالصعيد))، فإنه يكفيك، فنص له على العام في وقت
البيان، ودعوى أن الحديث سيق لإظهار التخصيص أو التشريف، فلو جاز بغير التراب لما اقتصر
عليه في حديث حذيفة وعلي ممنوعة، وسند المنع أن شأن الكريم الامتنان بالأعظم والسكوت
عن الأدون، على أنه أمتن بالكل في حديث جابر في الصحيحين، بقوله: وجعلت الأرض مسجدًا
وطهورًا، فقد حصل الامتنان بهذا تارة، وبالآخر أخرى لمناسبة اقتضاء الحال.
وأما زعم أن اقتران اللفظ بالتأكيد في رواية، بقوله: كلها في المسجد دون الآخر، يدل
على افتراق الحكم، وإلا لعطف أحدهما على الآخر بلا تأكيد، كما في رواية جابر، فمدفوع بأن
حديث جابر دل على عدم الافتراق، إذ لو أريد افتراق الحكم ما تركه فيه، وقد يكون المقام
اقتضى تأكيد كون الأرض مسجدًا ردًا على منكر ذلك دون كونها صعيدًا لثبوته بالقرآن، فلا
دلالة فيه على افتراق الحكم البتة.
(وعن عمارة) كذا في النسخ، والذي في الصحيحين من عدة طرق، عن سعيد بن
عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، (قال: جاء رجل،) قال الحافظ: لم أقف على تسميته، وفي رواية
للطبراني، انه من أهل البادية، وفي رواية للبخاري؛ أن عبد الرحمن بن أبزى شهد ذلك (إلى
عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت) (بفتح الهمزة)، أي صرت جنبًا، (فلم أصب الماء)
(بضم الهمزة)، أي لم أجده.
قال الحافظ: هذه الرواية اختصر فيها جواب عمر وليس ذلك من البخاري، فقد أخرجه
البيهقي من طريق آدم شيخه، فيه بدونها أيضًا، وقد أورده البخاري في الباب الذي بعده من رواية
ستة أنفس عن شعبة بالإسناد المذكور، ولم يسقه تامًا من رواية واحد منهم؛ نعم ذكر جواب
عمر مسلم من طريق يحيى بن سعيد، والنسائي من طريق حجاج بن محمد، كلاهما عن شعبة،
ولفظهما، فقال: لا تصل زاد السراج حتى تجد الماء، وللنسائي نحوه، وهذا مذهب مشهور عن
عمر، وافقه عليه ابن مسعود، ووقعت فيه مناظرة بين ابن مسعود وأبي موسى، وقيل: إن ابن
مسعود رجع عن ذلك، (فقال عمار) بن ياسر أحد السابقين الأولين، هو وأبوه شهد المشاها
كلها (لعمر: أما) (بفتح الهمزة والميم المخففة) (تذكر) زاد في رواية: يا أمير المؤمنين (أنا)

٢٥٨
الفصل الخامس في تيممه ﴾
تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي عَ ◌ّه فقال: إنما كان يكفيك
هكذا، وضرب النبي عَّ بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه
إلى كوعيه. رواه البخاري ومسلم.
واستدل بالنفخ على استحباب تخفيف التراب، وسقوط استحاب التكرار
وفي رواية: إذ (كنا في سفر،) وفي رواية للشيخين: في سرية، وزاد: فأجنبنا (أنا وأنت) تفسير
بضمير الجمع في كنا، (فأما أنت فلم تصل،) لأنه كان يعتقد أن التيمم عن الحدث الأصغر
لا الأكبر، بدليل قوله للسائل: لا تصل حتى تجد الماء، (وأما أنا فتمعكت) في رواية: فتمرغت
في الصعيد كما تمرغ الدابة (بغين معجمة) أي: تقلبت، كأنه استعمل القياس، لأنه رأى أن التيمم
إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء، فرأى أنه إذا وقع عن الغسل يقع على صفة الغسل،
(فصليت، فذكرت ذلك للنبي عٌَّ) لما عدت من السرية، (فقال: إنما كان يكفيك هكذا)
(بكاف بعد الهاء)، (وضرب النبي عَّ بكفيه الأرض ونفخ فيهما،) وفي رواية: ثم أدناهما من
فيه، وهي كناية عن النفخ، وفيها إشارة إلى أنه نفخ نفخًا خفيفًا، (ثم مسح بهما وجهه وكفيه
إلى كوعيه) ففيه دلالة على أن هذه الصفة هي الواجبة في التيمم، والزيادة عليها لو ثبتت بالأمر
دلت على النسخ ولزم قبولها، لكن إنما وردت بالفعل، فتحمل على الأكمل، وهذا هو الأظهر من
حيث الدليل.
قال النووي في شرح المهذب: هذا القول وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب، فهو القوي
في الدليل، وأجاب في شرح مسلم؛ بأن المراد بيان صورة الضرب للتعليم، وليس المراد بيان
جميع ما يحصل به التيمم، وتعقب بأن سياق القصة يدل على أن المراد جميع ذلك، لأن ذلك
هو الظاهر من قوله: إنما كان يكفيك، وقياسه على الوضوء قياس في مقابلة النص، فهو فاسد
الاعتبار، وقد عارضه من لم يشترط ذلك بقياس آخر، وهو الإطلاق في آية السرقة، ولا حاجة
لذلك مع وجود النص، ثم سياق هؤلاء، يعني: الستة الذين رووه عن شعبة عن البخاري، يدل
على أن التعليم وقع بالفعل.
ولمسلم من طريق يحيى بن سعيد، والإسمعيلي من طريق يزيد بن هرون وغيره، كلهم عن
شعبة؛ أن التعليم وقع بالقول، ولفظهم: إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، زاد يحيى:
ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، قاله كله الحافظ، يعني: فجمع له عَّه بين التعليم
بالقول والفعل، غايته أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، أو تركه اكتفاء بالفعل، لأنه أبلغ.
(رواه البخاري ومسلم) بطرق متعددة، (واستدل بالنفخ على استحباب تخفيف
التراب و)على (سقوط استحاب التكرار التيمم، لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف).

٢٥٩
الفصل الخامس في تيممه معَاية
التيمم لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف.
وعن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة قال: مررت على النبي ◌َّهُ وهو
يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي، حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم
وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد علي، رواه البغوي في شرح
زاد في الفتح: وعلى أن من غسل رأسه بدل المسح أجزأه أخذا من كون عمار تمرغ في
التراب للتيمم وأجزأه ذلك، ويستفاد من الحديث وقوع اجتهاد الصحابة في زمنه عَّ له، وأن
المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه وإن لم يصب الحق، وإنه إذا عمل بالاجتهاد لا يجب عليه
الإعادة، وفي تركه أمر عمر بقضائها متمسك لمن قال: إن فاقد الطهورين لا يصلي ولا قضاء
عليه. انتهى.
(وعن أبي الجهيم) (بضم الجيم وفتح الهاء مصغر): قال الحافظ، قيل اسمه عبد الله،
وحكى ابن أبي حاتم، عن أبيه، قال: يقال هو الحرث بن الصمة، فعلى هذا لفظ ابن في قوله:
(ابن الحرث) زائد (ابن الصمة) (بكسر المهملة وشد الميم) ابن عمرو بن عتيك الخزرجي،
لكن صحح أبو حاتم ان الحرث اسم أبيه لا اسمه، أي: فليست ابن زائدة.
وقال ابن منده عبد اللَّه بن جهيم بن الحراث بن الصمة: فجعل الحرث اسم جده ولم
يوافق عليه، وكأنه أراد أن يجمع الأقوال المختلفة فيه.
وفي مسلم أبي الجهم (بإسكان الهاء)، والصواب أنه بالتصغير، وفي الصحابة شخص
آخر، يقال له أبو الجهم، وهو صاحب الانبجانية، وهو غير هذا، لأنه قرشي وهذا أنصاري، ويقال
في كل منهما بحذف الألف واللام ويإثباتها اهـ. من فتح الباري، (قال: مررت على النبي عَّه
وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد) بالحركات الثلاث في الدال: الكسر لأنه الأصل والفتح:
لأنه أخف وهو الذي في الفرع وغيره، والضم لاتباع الراء، قاله المصنف (علي حتى قام إلى
جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه،) كذا في
هذه الرواية: والذي في الصحيحين ويديه، قال الحافظ والدارقطني والشافعي: وذراعيه، وله شاهد
من حديث ابن عمر، أخرجه أبو داود، لكن خطأ الحافظ رواية في رفعه، وصوّبوا وقفه، وأخرجه
لملك موقوفًا بمعناه، وهو الصحيح، والثابت في حديث أبي جهيم، بلفظ: يديه لا ذراعيه، فإنها
رواية شاذة مع ما في أبي الحويرث راويها عند الشافعي، وأبي صالح عن الليث راويها عند
الدارقطني من الضعف. انتهى.
(ثم رد علي) السلام، زاد في راوية الطبراني في الأوسط، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد
عليك إلا اني كنت على غير طهر، أي: انه كره أن يذكر اللَّه على غير طهارة.

٢٦٠
الفصل السادس في غسله
السنة وقال: حديث حسن.
وهذا محمول على أن الجدار كان مباحًا، أو كان مملوكًا الإنسان
يعلم رضاه.
الفصل السادس
صِّلى الله
في غسله عينة.
والغُسل - بضم الغين - اسم للاغتسال
قال ابن الجوزي: لأن السلام من أسماء اللَّه، لكنه منسوخ بآية الوضوء، أو بحديث عائشة:
كان مَّمِ يذكر اللَّه على كل أحيانه، قال النووي: والحديث محمول على أنه كان عادمًا للماء
حال التيمم لامتناعه حال القدرة، سواء كان لفرض أو لنفل.
قال الحافظ: وهو مقتضى صنيع البخاري، يعني: ترجمته بقوله: التيمم في الحضر إذا
لم يجد الماء، لكن تعقب استدلاله به على جواز التيمم في الحضر بأنه ورد على سبب، وهو
ذكر اللَّه، فلم يرد به استباحة الصلاة.
وأجيب بأنه لما تيمم في الحضر، لرد السلام مع جوازه بدون الطهارة، فمن خشي فوات
الصلاة في الحضر جاز له التيمم بطريق الأول، وقيل: يحتمل انه لم يرد بذلك التيمم رفع
حدث ولا استباحة محظور، وإنما أراد التشبه بالمتطهرين، كما يشرع الإمساك في رمضان لمن
يباح له الفطر، أو أراد تخفيف الحدث بالتيمم، كما يشرع تخفيف الجنب بالوضوء، وهذا
الاحتمال بعيد.
(رواه البغوي في شرح السنة، وقال: حديث حسن) ورواه أيضًا الشافعي والدارقطني
والطبراني، وأصله في الصحيحين وأبي داود والنسائي، عن أبي الجهيم قال: أقبل النبي ◌َّه من
نحو بئر جمل، فلقيه رجل، يعني: نفسه، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار
فمسح بوجهه ویدیه، ثم رد السلام.
وفي مسلم عن ابن عمر أن رجلاً مر ورسول اللَّه مَِّ يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه،
(وهذا) أي: حته للجدار (محمول على أن الجدار كان مباحًا، أو كان مملوكًا لإنسان يعلم
رضاه) بحته كما قاله التوري، وتبعه الحافظ وغيره، قال بعض شراح البخاري: وهو تكلف بلا
فائدة لما تقرر أنه معَّة إذا احتاج إلى شىء وجب على مالكه بذله له، وإنه أولى بالمؤمنين من
أنفسهم، کذا قال.
الفصل السادس في غسله
(والغسل بضم الغين اسم للاغتسال) أي: فهو اسم مصدر (وقيل: إذا أريد به الماء فهو