Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ الفصل الثالث في إنبائه معَّةٍ بالأنباء المغيبات ((المنهج السالك إلى معرفة قدر الإمام مالك». وإخباره بعالم قريش؛ عن ابن مسعود قال قال رسول الله عليه الصلاة جزم تلميذ تلاميذه عياض؛ بأنه رواه عنه، وزاد في تزيين الممالك ثالثًا عن أبي حنيفة، عن لملك، عن نافع، عن ابن عمر قال: ((إذا صليت الفجر والمغرب ثم أدركتهما)»، فلا تعدهما، وقد أورد في الشفاء فيما أخبر به عٍَّ من الغيب حديث ابن مسعود، رفعه: ((لو كان العلم معلقًا بالثريا لتناوله رجال من فارس»، وفي لفظ لتناوله رجل بالإفراد، فجزم السيوطي؛ بأنه أبو حنيفة، لأنه لم يبلغ من أبناء فارس في العلم مبلغه أحد، ولا مبلغ أصحابه، والمراد بفارس الفرس جنس من العجم، كان جد (الإمام) منهم لا البلد المعروف، لكن هذا على أنه منهم، أما على أنه مولى تيم، فلا يفسر به، وهما قولان، حكاهما الحافظ في تقريبه، (وصاحباه أبو يوسف) يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، الكوفي، ثقة حافظ، كثير الحديث، صدوق، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة وله تسع وسبعون، (ومحمد بن الحسن) الشيباني أقام عند لملك مدة، وكان يحبه، فأسمعه ثلاثمائة حديث من لفظه، (وعبد الرحمن بن مهدي) بن حسان العنبري، أحد الحفاظ الثقات، الأثبات، (شيخ الإمام أحمد،) وشيخ غيره، وخصه لشهرته وجلالته، (ويحيى بن يحيى) بن بكير بن عبد الرحمن التميمي أبو زكريا النيسابوري، (شيخ البخاري ومسلم،) ثقة، ثبت، إمام، وهو غير يحيى بن يحيى بن كثير الليثي، الأندلسي، وقد يلتبسان على من لم يعلم، وهما معًا كابن مهدي وابن الحسن من رواة الموطأ، أما أبو يوسف، فإنما روى الموطأ عن لملك بواسطة؛ (وأبو رجاء قتيبة بن سعيد) بن جميل (بفتح الجيم) ابن طريف الثقفي، البغلاني (بفتح الموحدة وسكون المعجمة) اسمه يحيى، وقيل: على ثقة، ثبت، مات سنة أربعين ومائتين عن تسعين سنة، (شيخ البخاري ومسلم،) وشيخ باقي الأئمة الستة، وهو من رواة الموطأ، (وذو النون المصري) ثوبان بن إبراهيم أبو الفيض النوبي، أوحد وقته علمًا وورعًا وأدبًا، ولد بإخميم، وهو أول من عبر عن علوم النازلات، وأنكر عليه أهل مصر، وقالوا: أحدث علمًا، لم تتكلم فيه الصحابة، وسعوا به إلى الخليفة المتوكل، ورموه عنده بالزندقة، فأحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكل ورده مكرمًا، مات سنة خمس وأربعين ومائتين، وقد قارب سبعين. قال ابن السبكي: كان أهل مصر يسمونه الزنديق، فلما مات أظلت الطير الخضر جنازته، ترفرف عليه إلى أن وصل إلى قبره، فلما دفن غابت، فاحترم أهل مصر قبره انتهى. وعده بعض الحفاظ من رواة الموطأ، (والفضيل بن عياض) ابن مسعود التميمي، أبو علي الزاهد المشهور، العابد، الثقة، الإمام، أصله من خراسان، وسكن مكة ومات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل: قبلها، (وعبد الله بن المبارك) المروزي، الحنظلي، مولاهم، ثقة، ثبت، فقيه. عالم، جواد، مجاهد جمعت فيه خصال الخير، مات سنة إحدى وثمانين ومائة وله ثلاث وستون ١٦٢ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات والسلام: لا تسبوا قريشًا فإن عالمها يملأً طباق الأرض علمًا، رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، وفيه الجارود مجهول، لكن له شواهد عن أبي هريرة في تاريخ بغداد للخطيب وعن علي وابن عباس في المدخل للبيهقي. قال الإمام أحمد وغيره: هذا العالم هو الشافعي، لأنه لم ينتشر في طباق الأرض من علم عالم قريش من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الشافعي، وما كان الإمام أحمد ليذكر حديثًا موضوعًا يحتج أو يستأنس به في أمر شيخه الشافعي. وأما قوله: سنة، (وإبراهيم بن أدهم) بن منصور العجلي، وقيل: التميمي أبو إسحق البلخي، الزاهد، صدوق، مات سنة اثنتين وستين ومائة قبل لملك بمدة، وهو من أقرانه، (كما نقله العلامة عيسى بن مسعود) بن منصور بن يحيى بن يونس (الزواوي،) الفقيه، العالم، المتفنن، انتفع به الناس، وانتهت إليه رئاسة المالكية بالديار المصرية. وشرح المدونة وصحيح مسلم في اثني عشر مجلدًا وتاريخ نحو عشر مجلدات، ورد على ابن تيمية في مسألة الطلاق وابن الحاجب سبع مجلدات إلى كتاب الصيد وغير ذلك، ولد بالمغرب سنة أربع وستين وستمائة، ومات بالقاهرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. (في كتاب المنهج السالك إلى معرفة قدر الإمام ملك،) قال ابن عبد البر: ألف الناس في فضائل لملك كتبًا كثيرة انتهى. والرواة عنه كثيرون جدًا، بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته، ذكر عياض أنه ألف فيهم كتابًا، ذكر فيه نيفًا على ألف وثلاثمائة، وعد في مداركه نيفًا على ألف، ثم قال: إنما ذكرنا المشاهير وتر کنا کثیرًا. وقال الدارقطني: لا نعلم أحدًا ممن تقدم أو تأخر اجتمع له ما اجتمع للملك، عنه رجلان حديثًا واحدًا بين وفاتيهما، نحو من مائة وثلاثين سنة الزهري، عن شيخه، توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وأبو حذافة السهمي توفي بعد الخمسين ومائتين، رويا عنه الحديث الفريعة بنت ملك في سكنى المعتدة. (و) من ذلك (إخباره بعالم قريش، عن ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه عَ له: لا تسبوا قريشًا، فإن عالمها يملأ طباق:) (بكسر الطاء جمع طبق)، أي نواحي (الأرض،) كأنه غطاها من جميع جوانبها (علمًا،) اللهم إنك أذقت أولها نكالاً ووبالاً، فأذق آخرها نولاً، هذا بقية الحديث الذي (رواه أبو داود) سليمن بن داود بن الجارود (الطيالسي،) الحافظ (في مسنده، وفيه الجارود) (بالجيم) راويه عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود (مجهول،) والراوي عنه مختلف فيه كما في المقاصد، (لكن له شواهد) تقوّيه، (عن أبي هريرة في تاريخ بغداد للخطيب) من ١٦٣ الفصل الثالث في إنبائه علّ بالأنباء المغيبات وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((عالم قريش يملأ الأرض علمًا) أتى بصيغة التمريض احتياطًا للشك في ضعفه، فإن إسناده لا يخلو من الضعف. قاله العراقي ردًا على الصغاني في زعمه أنه حديث موضوع، وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه في كتاب سماه: لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش، كما أفاده شيخنا. وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن طائفة من أمته لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله. رواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة وبأن الله يبعث إلى حديث وهب بن كيسان عنه، رفعه: ((اللهم اهد قريشًا، فإن عالمها يملأ طباق الأرض علمًا، اللهم كما أُذقتهم عذابًا، فأذقهم نوالاً))، دعا بها ثلاث مرات، وراويه عن وهب فيه ضعف كما في المقاصد. (وعن علي وابن عباس في) كتاب (المدخل للبيهقي،) وثانيهما، أي حديث ابن عباس عند أحمد والترمذي، وقال: حسن بلفظ ((اللهم اهد قريشًا))، فإن علم العالم يسع طباق الأرض. (قال الإمام أحمد وغيره: هذا العالم هو الشافعي) الإمام، (لأنه لم ينتشر في طباق الأرض من علم عالم قرشي من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الشافعي) التعليل بهذا الغير أحمد. قال السخاوي: الحديث منطبق على الشافعي، ويؤيده قول أحمد كما في المدخل، إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرًا أخذت فيها بقول الشافعي، لأنه إمام عالم من قريش، قال: وروي عن النبي عَّ أنه قال: ((عالم قريش يملأ الأرض علمًا))، (وما كان الإمام أحمد ليذكر حديثًا موضوعًا يحتج به أو يستأنس به في أمر شيخه الشافعي،) لفظ السخاوي به للأخذ في الأحكام بقول شيخه الشافعي. (وأما قوله: وروي عن النبي عَّ أنه قال: ((عالم قريش يملأ الأرض علمًا)). أتى) أي فأتى، وعبارة شيخه: وإنما أورده (بصيغة التمريض،) المقتضية للضعف (احتياطًا للشك في ضعفه، فإن إسناده لا يخلو من الضعف، قاله العراقي) الحافظ زين الدين (ردًا على الصغاني في زعمه أنه حديث موضوع،) ولا وجه له، فغاية ما فيه أن مفرداته ضعيفة، وبتعددها وبالشواهد يرتقي إلى درجة الحسن لغيره. (وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه في كتاب سماه لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش، كما أفاده شيخنا) السخاوي في المقاصد الحسنة، فكيف يتصور وضعه، ولا ١٦٤ الفصل الثالث في إنبائه معَّ بالأنباء المغيبات هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. رواه الحاكم وصححه عن أبي هريرة. وبذهاب الأمثل فالأمثل رواه الحاكم وصححه قال: تذهبون الخير فالخير. کذاب فيه ولا متھم؟ (وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن طائفة من أمته لا يزالون ظاهرين على الحق) أي غالبين من خالفهم، وفي رواية لمسلم: يقاتلون على الحق ظاهرين (حتى يأتي أمر الله،) وفي رواية: حتى تأتيهم الساعة، وقال النووي: أمر الله هو الريح الذي يأتي، فيأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، واستدل به أكثر الحنابلة وبعض من غيرهم على أنه لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد، وعورض بحديث ابن عمر، مرفوعًا عند البخاري وغيره: أن اللَّه لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه، ولكن ينزعه منه بقبض العلماء بعلمهم، فتبقى ناس جهال يستفتون، فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون، وفيه دلالة على جواز خلو الزمان عن مجتهد، وهو قول الجمهور، لأنه صرح في رفع العلم بقبض العلماء وترئيس الجهال وإذا انتفى العلم ومن يحكم به، استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد. (رواه الشيخان) البخاري في آخر العلامات والاعتصام والتوحيد ومسلم في الجهاد (من حديث المغيرة بن شعبة،) عن النبي عٍَّ قال: لا يزال ناس، وفي رواية: طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر اللَّه وهم ظاهرون؛ قال البخاري: هم أهل العلم. وفي الترمذي، عن البخاري، عن شيخه علي بن المديني: هم أصحاب الحديث، وقال النووي: يجوز أن الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، قال: ولا يلزم اجتماعهم ببلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وتفرقهم في الأقطار، وأن يكونوا في بعض دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولاً فأولاً إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا أتى أمر اللَّه انتهى. وفي مسلم عن سعد بن أبي وقاص، مرفوعًا: ((لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة))، قال علي بن المديني: هم العرب، لأنهم المخصوصون بالسقي بالغرب، وهي الدلو العظيمة، وقال غيره: هم أهل المغرب (بالميم) لوروده بميم في بعض الطرق. وفي حديث أبي أمامة عند الطيراني: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، قاهرين لعدوهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، قيل: يا رسول اللَّه وأين هم؟، قال: ببيت المقدس، والمراد بهم الذين يحصرهم الدجال فينزل عيسى إليهم فيقتله. ١٦٥ الفصل الثالث في إنبائه عَّه بالأنباء المغيبات وبالخوارج: رواه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: بينما نحن عند رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يقسم قسمًا إذ أتاه ذو الخويصرة، فقال: يا وفي البخاري عن معاذ وهم بالشام، وفي المفهم رواية أهل المغرب (بالميم)، تدل على إبطال التأويلات فيه، قال: والمراد بالمغرب جهة المغرب، من المدينة إلى أقصى بلاد المغرب فيدخل فيه الشام وبيت المقدس، فلا منافاة بين الروايات. وأرسل الطرطوسي رسالة لأهل المغرب، ذكر فيها هذا الحديث، وقال: هل أرادكم معَّه. إلا لما أنتم عليه من التمسك بالسنة وطهارتكم من البدع واقتفاء أثر السلف، وقد جمع بين هذا وبين حديث مسلم، عن عبد الله بن عمر، مرفوعًا: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)) ... الحديث، بأن المراد بهم قوم يكونون بموضع مخصوص، ويكون بموضع آخر طائفة ظاهرون على الحق، وبأن ذلك بعد هبوب الريح بعد موت عيسى، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ويبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، وهناك يتحقق خلو الأرض عن مسلم، فضلاً عن هذه الطائفة الكريمة، قال الحافظ: وهذا أولى ما يتمسك به في الجمع بين الحديثين. انتهى. ومر في الخصائص شىء من هذا، (و) أخبر (بأن اللَّه يبعث:) يفيض (إلى هذه الأمة على رأس) أي أول (كل مائة سنة) من الهجرة، كما صرح به السبكي وغيره، وتجويز أن المراد من المولد النبوي، أو البعثة، أو الوفاة بعيد، إذ التاريخ من الهجرة (من يجدد لها دينها،) أي يبين السنة من البدعة، ويكثر العلم وينصر أهله، ويكسر أهل البدع ويذلهم، قالوا: ولا يكون إلا عالمًا بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة. قال ابن كثير: وقد ادعى كل قوم في إمامهم، أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر أنه يعم حملة العلم من كل طائفة، وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم. وفي الفتح: نبه بعض الأئمة على أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل قرن واحد فقط، بل الأمر فيه، كما ذكر النووي في حديث: ((لا تزال طائفة))، وسبق كلامه: ولا يشترط أن يكون المجدد مجتهدًا، واشترطه بعضهم: ولا أن يكون هاشميًا، وأما خبر أبي داود: ((المجدد منا أهل البيت))، فذاك لما ورد مرفوعًا: ((آل محمد كل تقي))، وأسانيده وإن كانت ضعيفة، لكنها تعددت وشواهده كثيرة، (رواه الحاكم) في الفتن (وصححه،) لأن رجاله كلهم ثقات، وقد رواه أبو داود في الملاحم من سننه، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في المعرفة، كلهم (عن أبي هريرة) عن رسول اللَّه عَ له، قال: ((إن اللَّه تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)). (و) من ذلك إخباره مَّ (بذهاب) أي موت (الأمثل، فالأمثل) أي الأفضل فالأفضل، (رواه الحاكم وصححه،) والطبراني والبخاري في التاريخ، كلهم عن رويفع بن ثابت أنه معدّل. ١٦٦ الفصل الثالث في إنبائه عَ ل بالأنباء المغيبات رسول الله، اعدل، فقال: ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل، خبت وخسرت إن لم أعدل، فقال: عمر يا رسول الله دعني أضرب عنقه، فقال عليه الصلاة والسلام: دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرءان لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على (قال: تذهبون) (بفوقية أوله) (الخير فالخير) بالتشديد، حتى لا يبقى منكم إلا مثل هذه، وأخذ حشفة من تمر، وأشار بها، هذا بقية الحديث. (و) أخبر (بالخوارج، رواه الشيخان من حديث أبي سعيد) سعد بن ملك بن سنان (الخدري،) الصحابي ابن الصحابي، (بلفظ: بينما) (بالميم) (نحن عند رسول اللَّه عٍَّ وهو يقسم قسمًا) (بفتح القاف، مصدر قسمت الشىء فانقسم، سمى الشىء المقسوم بالمصدر، والواو للحال) زاد في رواية: يوم حنين، وفي أخرى للبخاري: أن المقسوم كان تبرّا، بعثه علي بن أبي طالب من اليمن، قسمه بين عيينة وأقرع بن حابس وزيد الخيل، والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، وبين الحافظ أن الشك في عامر، وهم من بعض رواته، لأنه مات قبل ذلك كافرًا، فالصواب أنه علقمة بن علاثة (بضم المهملة وخفة اللام ومثلثة)، (إذ أتاه ذو الخويصرة) (بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر الصاد المهملة، بعدها راء واسمه نافع)، كما عند أبي داود، ورجحه السهيلي، وقيل: اسمه حرقوص بن زهير، وفي الرواية: وهو رجل من بني تميم، (فقال: يا رسول اللَّه اعدل) في القسمة، (فقال) عَّ: (ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل). وفي رواية للبخاري، فقال: يا رسول اللَّه اتق اللَّه، قال: ((ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله، (خبت وخسرت إن لم أعدل))). قال المصنف: لم يضبط في اليونينية، تاءي خبت وخسرت هنا، وضبطهما في غيرهما (الضم والفتح)، على المتكلم والمخاطب والفتح أشهر وأوجه. قال التوربتشي: هو على ضمير المخاطب، لا على ضمير المتكلم، وإنما رد الخيبة والخسران إلى المخاطب على تقدير عدم العدل منه، لأن الله تعالى بعثه رحمة للعالمين، وليقوم بالعدل فيهم، فإذا قدر أنه لم يعدل، فقد خاب المعترف، بأنه مبعوث إليهم، وخسر لأن اللَّه لا يحب الخائنين، فضلاً أن يرسلهم إلى عباده. وقال الكرماني: أي خبت أنت وخسرت لكونك تابعًا ومقتديًا لمن لا يعدل، (فقال عمر: يا رسول اللَّه دعني،) وفي رواية: ائذن لي فيه (أضرب) بالجزم جواب الأمر، وفي رواية. ١٦٧ الفصل الثالث في إنباته عَِّ بالأنباء المغيبات حين فرقة من الناس)). قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فأضرب (بالنصب) بقاء الجواب (عنقه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((دعه) لا تضرب عنقه؛ فإن قلت: كيف منع من قتله مع أنه قال: ((لئن أدركتهم لأقتلنهم)). أجاب في شرح السنة بأنه إنما أباح قتلهم إذا كثروا وامتنعوا بالسلاح واستعرضوا للناس، ولم تكن هذه المعاني موجودة حين منع من قتلهم، وأول ما نجم ذلك في زمان علي رضي اللَّه عنه، فقاتلهم حتى قتل کثیرًا منهم. انتهى. ولمسلم عن جابر: فقال عمر: دعني يا رسول اللَّه فأقتل هذا المنافق، فقال: ((معاذ اللَّه أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي))، وقال الإسمعيلي: إنما ترك قتله لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه، فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام الإسلام ورسوخه في القلوب، نفرهم عن الدخول في الإسلام، وأما بعده عَّهِ، فلا يجوز ترك قتالهم أذا أظهروا رأيهم وخرجوا عن الجماعة، وخالفوا الأئمة مع القدرة على قتالهم. وفي رواية للبخاري: فسأله رجل أظنه خالد بن الوليد قتله، ولمسلم: فقال خالد بن الوليد بالجزم، وجمع بينهما؛ بأن كلّ منهما سأل ذلك، ويؤيده ما في مسلم، فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول اللَّه ألا أضرب عنقه، قال: لا، ثم أدبر، فقال إليه خالد بن الوليد سيف اللَّه، فقال: يا رسول اللَّه ألا أضرب عنقه، قال: لا. قال في فتح الباري: فهذا نص في أن كلاً منهما سأل، وقد استشكل سؤال خالد في ذلك، لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد إليها، والذهب المقسوم كان أرسله علي من اليمن، وأجيب بأن عليًا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة، فأرسل علي بالذهب، فحضر خالد قسمته، (فإن له أصحابًا) ليست الفاء للتعليل، بل لتعقيب الأخبار، أي قال: دعه، ثم عقب مقالته بقصتهم، فقال: (يحقر) (بكسر القاف) يستقل (أحدكم صلاته مع صلاتهم) لما يراه عليهم من إظهار الخشوع ونحوه، (وصيامه مع صيامهم). وعند الطبري من رواية عاصم بن شمخ، عن أبي سعيد: «تحقرون أعمالكم مع أعمالهم»، ووصف عاصم أصحاب نجدة الحروي؛ بأنهم يصومون النهار ويقومون الليل. وللطبراني عن ابن عباس في قصة مناظرته للخوارج، قال: فأتيتهم، فلم أر أشد اجتهادًا منهم. (يقرأون القرآن، لا يجاوز تراقيهم) (بفوقية وقاف جمع ترقوة، بفتح فسكون وضم القاف) قال في القاموس: ولا تضم تاؤه العظيم ما بين ثغرة النحر والعائق، يريد أن قراءتهم، لا يرفعها اللَّه ولا يقبلها لعلمه باعتقادهم، أو لأنهم لا يفقهونها، ويحملونها على غير المراد بها، فلا يثابون عليها، أو ليس لهم حظ إلا مروره على لسانهم، فلا يصل إلى حلوقهم، فضلاً عن أن ١٦٨ الفصل الثالث في إنبائه عَّله بالأنباء المغيبات فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يصل إلى قلوبهم، لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب، (يمرقون) يخرجون سريعًا (من الإسلام) هكذا رواه البخاري في التوحيد، ورواء في العلامات وغيره ((يمرقون من الدين)). قال الحافظ في المغازي، في قوله: من الإسلام رد على من أَوَّلّ الدين هنا بالطاعة، وقال: المراد أنهم يخرجون من طاعة الإمام، وهي صفة الخوارج، الذين كانوا لا يطيعون الخلفاء، والذي يظهر أن المراد بالدين الإسلام، كما فسرته الرواية الأخرى، وخرج الكلام مخرج الزجر، وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من الإسلام الكامل، (كما يخرج السهم من الرمية) (بفتح الراء وكسر الميم وشد التحتية، فعلية بمعنى مفعولة) وهو الصيد المرمي شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه، ومن شدة سرعة خروجه لقوة الرامي لا يعلق من جسد الصيد بشىء. زاد في التوحيد: يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان: ((لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد))، وحذف المصنف من رواية الشيخين عقب قوله ((الرمية))، ((ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شىء، ثم ينظر إلى رصافة، فلا يوجد فيه شىء، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه، فلا يوجد فيه شىء، ثم ينظر إلى قذذه، فلا يوجد فيه شىء قد سبق للفرث والدم» وينظر بالبناء للمجهول في الجميع، والنصل حديدة السهم، ورصافة (براء مكسورة فمهملة ففاء)، أي عصبته التي تكون فوق مدخل النصل، جمع رصفة بحركات، ونضيه (بفتح النون) وحكي ضمها، وكسر الضاد المعجمة، فتحتية ثقيلة، فسره في الحديث بالقدح (بكسر القاف وسكون الدال)، أي عود السهم قبل أن يراش وينصل، وقيل: هو ما بين الريش والنصل، قاله الخطابي. قال ابن فارس: سمي بذلك، لأنه بري حتى عاد نضوًا، أي هزيلاً. وحكى الجوهري عن بعض أهل اللغة: أن النضي النصل، والأول أولى وقدذه (بضم القاف ومعجمتين، الأولى مفتوحة: جمع قذه)، وهي ريش السهم، يقال لكل واحدة قذه، ويقال هو أشبه بالقذة، لأنها تجعل على مثال واحد، والفرث: (بفاء ومثلثه) ما يجتمع في الكرش والدم، يعني لم يظهر أثرهما فيه، وكذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشىء من الإسلام، (آيتهم) (بالمد)، أي علامتهم (رجل أسود) اسمه نافع، كما عند ابن أبي شيبة. وقال ابن هشام ذو الخويصرة: (إحدى عضديه) ما بين المرفق والكتف، (مثل ثدي المرأة) (بفتح المثلثة وسكون الدال المهملة)، (أو) قال: (مثل البضعة:) (بفتح الموحدة وسكون المعجمة) القطعة من اللحم (تدردر) (بفتح الفوقية والدالين المهملتين، بينهما راء ساكنة، وآخره راء أخرى، وأصله تتدردر، حذفت إحدى التاءين تخفيفًا، أي تتحرك وتذهب ١٦٩ الفصل الثالث في إنبائه علّ بالأنباء المغيبات الذي نعته. وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضًا بالرافضة، أخرجه البيهقي عن علي قال قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: يكون في أمتي قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام)). وتجيء، وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع، (يخرجون على حين) (بكسر المهملة وسكون الياء ونون) أي زمان (فرقة) (بضم الفاء، أي افتراق) وفي رواية الكشميهني، وهي رواية الإسمعيلي: على خير (بخاء معجمة وراء)، أي أفضل، وفرقة (بكسر الفاء)، أي أفضل طائفة (من الناس) علي وأصحابه، ولأحمد: غيره على حين فترة (بفتح الفاء وسكون الفوقية). قال الحافظ: رواية فرقة (بضم الفاء)، هي المعتمدة، وهي التي عند مسلم وغيره، ويؤيدها ما في مسلم أيضًا: تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، تقتلها أولى الطائفتين بالحق، أخرجه هكذا مختصرًا من وجهين، وفي هذا وفي قوله عَّةِ ((يقتل عمارًا الفئة الباغية)) دلالة واضحة على أن عليًا ومن معه كانوا على الحق، وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم. (قال أبو سعيد) الخدري: (فأشهد أني سمعت هذا) الحديث (من رسول اللَّه، عَّات. وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه) بالنهروان. وفي رواية للبخاري: وأشهد أن عليًا قتلهم، ونسبة قتلهم له لأنه القائم بذلك (فأمر بذلك، الرجل) الذي قال عَّه: ((آيتهم) ... الخ، (فالتمس) (بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول)، أي طلب في القتلى، (فوجد). وفي مسلم: فلما قتلهم علي قال: أنظروا، فلم ينظروا شيئًا، فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثًا، ثم وجدوه في خربة، (فأتي به). وعند الطبري: فقال علي: أطلبوا إذا الثدية، فطلبوه فلم يجدوه، فقال: ما كذبت ولا كذبت، فوجدوه في وهدة من الأرض عليه ناس من القتلى، فإذا رجل على يديه مثل سلاسل السد نور، فكبر علي والناس (حتى نظرت إليه على نعت رسول اللَّه عَ لِّ الذي نعته) يريد ما تقدم من كونه أسود ... إلخ. قال بعض أهل اللغة: النعت يختص بالمعاني، كالطول والقصر، والعمي والخرس، والصفة بالفعل كالضرب والجرح، وقال غيره: النعت للشىء الخاص والصفة أعم. وعند أحمد والطبراني والحاكم، عن عبد الله بن شداد أنه دخل على عائشة مرجعه من العراق، فقالت: حدثني عن أمر هؤلاء الذين قتلهم علي، قال: إن عليًا لما كاتب مطوية، وحكما الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء بجانب الكوفة، ١٧٠ الفصل الثالث في إنبائه عَّ. بالأنباء المغيبات وأخبر أيضًا بالقدرية والمرجئة وقال: ((هم مجوس هذه الأمة))، رواه الطبراني في الأوسط عن أنس. وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أصحابه بأشياء بين موته وبين الساعة، وحذر من مفاجأتها، كما يحذر من حاد عن الطاعة، وأن الساعة لا تقوم حتى تظهر وعتبوا عليه، فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه اللَّه، ومن اسم سماك اللَّه به، ثم حكمت الرجال في دين اللَّه، ولا حكم إلا للَّه، فبلغ ذلك عليًا، فجمع الناس، فدعا بمصحف عظيم، فجعل يقول: أيها المصحف حدث الناس، فقالوا: ما ذا إنسان، إنما هو مداد وورق ونحن نتكلم بما روينا منه، فقال: كتاب اللّه بيني وبين هؤلاء، يقول اللَّه في امرأة ورجل: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ [النساء/ ٣٥]، وأمة محمد عَّله أعظم من امرأة ورجل، ونقموا على أن كاتبت معنوية، وقد كاتب عَّ سهيل بن عمر، و﴿لقد كان لكم في رسول اللَّه عَّ﴾ أسوة حسنة﴾، ثم بعث إليهم ابن عباس، فناظرهم، فرجع منهم أربعة آلاف، منهم: عبد اللَّه بن الكواء، فبعث علي إلى الآخرين أن يرجعوا، فأبوا، فأرسل إليهم: كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دمّا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلاً ولا تظلموا، أحدًا فإن فعلتم تندب إليكم الحرب. قال عبد اللَّه بن شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم الحرام. (وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضًا بالرافضة) فرقة من الشيعة تابعوا زيد بن علي بن الحسین، ثم قالوا له: تبرأ من الشیخین، فأبی وقال: کانا وزيري جدي، فتر کوه ورفضوه، فأرفضوا، والروافض كل جند تركوا قائدهم، والرافضة فرقة منهم. (أخرجه البيهقي عن علي، قال: قال رسول اللَّه عَله: ((يكون في أمتي قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام))) (بكسر الفاء وضمها)، يتركونه بالخروج عن الطاعة والاعتقاد الفاسد، (وأخبر أيضًا بالقدرية،) سموا بذلك لإنكارهم القدر، وإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم. وفي الحديث: القدر سر الله، فلا تفشوا سر اللَّه، رواه أبو نعيم عن ابن عمر، وابن عدي عن عائشة، مرفوعًا بإسنادين ضعيفين، ورواه الديلمي، بلفظ: فلا تتكلفوا علمه (والمرجئة) القائلين بالإرجاء وهو تأخير العمل عن النية والاعتقاد، أو بأنه لا يضر مع الايمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وعند البيهقي عن ابن عباس، رفعه: صنفان من أمتي لا سهم لهم في الإسلام المرجئة والقدرية، قيل: وما المرجئة، قال: الذين يقولون الإيمان قول ولا عمل، قيل: وما القدرية، قال: الذين يقولون لم يقدر اللَّه الشر، (وقال: هم مجوس هذه الأمة) لأن إضافة القدرية الخير إلى اللَّه والشر لغيره تشبه إضافة المجوس الكوائن إلى خالقين: خالق الخير وخالق الشر، لكن يقولون ١٧١ الفصل الثالث في إنبائه عَِّ بالأنباء المغيبات جملة من الأمارات في العالم، فإذا جاءت الطامة الكبرى، يطيش منها الجاهل والعالم. كما روي من رفع الأمانة والقرءان، واشتهار الخيانة وحسد الأقران وقلة الرجال، وكثرة النسوان، إلى غير ذلك مما شهدت بصحته الأخبار، وقضى بحقيقة وقوعه الاعتبار. وقد تعين أن نلمّ بطرف من الآثار الصحاح والحسان. فروى البخاري من حديث أبي هريرة: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما ذلك في الأعيان والأحداث، والقدرية يقولونه في الأحداث دون الأعيان، وتركيب الحديث من قبيل القلم أحد اللسانين، ولفظه: هذه إشارة إلى تعظيم المشار إليه وإلى النعي على القدرية والتعجب منهم، أي انظروا إلى هؤلاء كيف امتازوا من هذه الأمة المكرمة بهذه الهيئة الشنيعة، حيث نزلوا من أوج المنازل الرفيعة إلى حضيض السفالة والرذيلة، قاله الطيبي. (رواه الطبراني في الأوسط عن أنس) وأخرجه بدون ذكر المرجئة أبو داود والحاكم من حديث أبي حازم، عن ابن عمر، رفعه: ((القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم))، ورواته ثقات لكنه منقطع، لأن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، وإليه أشار الحاكم، فقال: على شرطهما إن صح أن أبا حازم سمع من ابن عمر. قال بعضهم: استأثر اللَّه بسر القدر ونهى عن طلبه، ولو كشف لهم عنه وعن عاقبته لما صح التكليف، كما لا يصح عند كشف الغطاء يوم القيامة، فالسعادة فضله والشقاوة عدله، وإنما ينكشف سر اللَّه للخلائق إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها. (وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أصحابه بأشياء بين موته وبين) قيام (الساعة، وحذر من مفاجأتها:) إتيانها بغتة، بمعنى أنه حذر الإنسان من الغفلة، بحيث تفجؤه على غير تأهب، وإلا ففجأتها لا يمكن التحذير منها، (كما يحذر من حاد عن الطاعة، وإن الساعة لا تقوم حتى تظهر جملة من الإمارات) العلامات الدالة على دنوها (في العالم، فإذا جاءت الطامة) الداهية التي تطم، أي تعلو على سائر الدواهي (الكبرى:) أكبر الدواهي، (يطيش منها الجاهل والعالم، كما روي من رفع الأمانة والقرآن) من الصدور والمصاحف، (واشتهار الخيانة وحسد الأقران) بعضهم لبعض، (وقلة الرجال وكثرة النسوان،) بحيث يكون الخمسين امرأة قيم واحد، (إلى غير ذلك مما شهدت بصحته الأخبار، وقضى بحقيقة وقوعه الاعتبار) وظاهر هذا أنه بيان للطامة، فالمراد بها غير المراد بها في الآية، فهي هنا المصيبة التي تعم الناس من الأشياء المذكورة، أما في الآية، فقال البيضاوي: القيامة أو النفخة الثانية أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إليها وأهل النار إليها، ويحتمل أن يقدر في المصنف مضاف نحو، فإذا جاءت مقدمات ١٧٢ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريبًا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج - وهو القتل - وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم الرجل من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في الطامة، (وقد تعين أن للم) أن نذكر من ألم بالشىء إذا فعله (بطرف من الآثار الصحاح والحسان، فروى البخاري) من أفراده، عن مسلم (من حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه عزّم. قال: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فتتان) (بكسر الفاء بعدها همزة مفتوحة تثنية فئة)، أي جماعتان (عظيمتان،) أي كثيرتان، والمراد علي ومن معه ومعوية ومن معه لما تحاربا بصفين، (يكون بينهما مقتلة) (بفتح الميم مصدر ميمي) (عظيمة،) أي قتل عظيم، فقتل من الفريقين سبعون ألفًا، وقيل: أكثر، (دعواهما واحدة،) أي دينهما، لأن كلاً منهما كان يتسمى بالإسلام، أو المراد أن كلاً منهما يدعي أنه المحق، وقد كان علي هو الإمام والأفضل يومئذ باتفاق أهل السنة، ولأن أهل الحل والعقد بايعوه بعد عثمن فهو المصيب، فله أجران، ومخالفه مخطىء معذور بالاجتهاد، فله أجر واحد، (و) لا تقوم الساعة (حتى يبعث) (بضم أوله)، أي يخرج، وليس المراد البعث بمعنى الإرسال المقارن للنبوة، بل هو كقوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين﴾ [مريم: ٨٣]، (دجالون:) جمع دجال، يقال: دجل فلان الحق بالباطل، أي غطاه، ومنه الدجال ودجله سحره، ويقال: سمي بذلك لتمويهه وتخليطه على الناس، ويطلق أيضًا على الكذب، فقوله: (كذابون) تأكيد، ولا يجمع ما كان على فعال جمع تكسير عند الجمهور لئلا تذهب المبالغة منه وإن كان قد جاء مكسرًا فهو شاذ كما قال لملك في محمد بن إسحق، إنما هو دجال من الدجاجلة، قال عبد الله بن إدريس الأودي: ما علمت أن دجالاً يجمع على دجاجلة حتى سمعتها من ملك بن أنس، (قريبًا) بالنصب حال من النكرة الموصوفة. وفي رواية أحمد: قريب، بالرفع على الصفة (من ثلاثين). وفي مسلم عن جابر بن سمرة أن بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا دجالاً، كلهم يزعم أنه نبي، فجزم بالثلاثین، ولأبي داود والترمذي، وصححه ابن حبان عن ثوبان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، (كلهم يزعم أنه رسول اللَّه،) زاد في حديث ثوبان: وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي. وروى أبو يعلى بإسناد حسن عن ابن الزبير: لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، منهم: مسيلمة والعنسي والمختار، فعين بعضهم، وجمع بينهما بأنه جبر الكسر، وقد ظهر ١٧٣ الفصل الثالث في إلبائه معَّ بالأنباء المغيبات البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس مصداق ذلك في آخر زمنه عَّ له، فخرج مسيلمة باليمامة والأسود باليمن، ثم خرج في خلافة الصديق طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة وسجاح التميمية في بني تميم، وفيها يقول شبیب بن رہمي: أضحت نبيتنا انثى نطيف بها وأصبت أنبياء الناس ذكرانا فقتل الأسود قبل موته عَّه، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر، وتاب طليحة ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، وقيل: أن سجاح تابت، ثم كان أول من خرج بعدهم المختار بن أبي عبيد الثقفي، غلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، فأظهر محبة أهل البيت، ودعاء الناس إلى طلب قتلة الحسين، فتتبعهم، فقتل كثيرًا ممن باشر ذلك، أو أعان عليه، فأحبه الناس، ثم زين له الشيطان، فادعى النبوة، وزعم أن جبريل يأتيه، فروى أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح عن رفاعة بن عبد الله، قال: كنت أبطن شىء بالمختار، فدخلت عليه يومًا، فقال: دخلت وقد قام جبريل قبلك من هذا الكرسي. وروى يعقوب بن سفين بإسناد حسن، عن الشعبي أن الأحنف بن قيس أراه كتاب المختار إليه يذكر أنه نبي، وروى أبو داود في السير عن إبراهيم النخعي، قال: قلت لعبيدة بن عمرو: أترى المختار، منهم قال: أما أنه من الرؤوس، ومنهم: الحرث الكذاب، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان، فقتل، وخرج في خلافة بني العباس جماعة، وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقًا، فإنهم لا يحصون كثرة، لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك من جنون أو سوداء وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة، كمن وصفنا. وقد أهلك اللَّه تعالى من وقع له ذلك منهم وبقي منهم، من يلحقه بأصحابه، وآخرهم الدجال الأكبر، قاله في فتح الباري (و) لا تقوم الساعة (حتى يقبض العلم) بقبض العلماء، وقد وقع ذلك، فلم يبق إلا رسمه، (وتكثر الزلازل) وقد كثر ذلك في البلاد الشمالية والشرقية والغربية، حتى قيل إنها استمرت في بلدة من بلاد الروم التي للمسلمين ثلاثة عشر شهرًا. وفي حديث سلمة بن نفيل عند أحمد: وبين يدي الساعة سنوات الزلازل، (ويتقارب الزمان) عند زمان المهدي، لوقوع الأمن في الأرض، فيستلذ العيش عند ذلك لانبساط عدله، فتقصر مدته، لأنهم يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت، ويستطيلون أيام الشدة وإن قصرت، أو المراد يتقارب أهل الزمان في الجهل، فيكونون كلهم جهلاء، أو المراد الحقيقة؛ بأن يعتدل الليل والنهار دائمًا بأن تنطبق منطقة البروج على معدل الليل والنهار. وروى أحمد والترمذي عن أنس، مرفوعًا: لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة ١٧٤ الفصل الثالث في إنبائه عَّة بالأنباء المغيبات من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولتقومن الساعة وقد نشر كالضرمة بالنار، (وتظهر الفتن،) أي تكثر وتشتهر فلا تكتم، (ويكثر الهرج) (بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم)، (وهو القتل). وعند ابن أبي شيبة: قالوا: يا رسول اللَّه وما الهرج؟، قال القتل، وهو صريح في أن تفسير الهرج مرفوع، ولا يعارضه كونه جاء موقوفًا في غير هذه الرواية، ولا كونه بلسان الحبشة، (وحتى يكثر فيكم المال فيفيض) (بفتح الياء والنصب عطفًا على سابقه)، أي يكثر حتى يسيل: (حتى يهم) (بضم التحتية وكسر الهاء وشد الميم): يحزن (الرجل) الذي في البخاري رب المال (مفعول) (من يقبل صدقته) (فاعل). وفي رواية: (بفتح الياء وصم الهاء)، ورب المال (فاعل، ومن مفعوله)، كما في الفتح وغيره، (وحتى يعرضه:) (بفتح الياء) يظهره. قال الطيبي: معطوف على مقدر، المعنى: حتى يهم طلب من يقبل الصدقة صاحب المال، فيطلبه حتى يجده وحتى يعرضه، (فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب) (بفتحتين) لا حاجة (لي به) لاستغنائي عنه. قال القرطبي في التذكرة: هذا مما لم يقع، بل يكون فيما يأتي، وقال الحافظ: التقييد بقوله: فيكم يشعر بأنه في زمن الصحابة، وأما قوله: ((فيفيض)) ... إلخ، فهو إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز؛ أن الرجل كان لا يجد من يقبل صدقته لبسط عدله وإيصال الحقوق لأهلها حتى استغنوا، وقوله: حتى يعرضه ... الخ إشارة إلى ما سيقع زمن عيسى، فيكون فيه إشارة إلى ثلاثة أحوال: الأولى كثرة المال فقط في زمن الصحابة الثانية: فيضه بحيث يكثر ويحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره، ووقع ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز. أخرج يعقوب ابن سفين في تاريخه بسند جيد، عن يحيى بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، قال: والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، فيتذكر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع به قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، وسبب ذلك بسطه العدل وإيصال الحقوق لأهلها حتى استغنوا الثالثة: كثرته وحصول الاستغناء عنه حتى يهم صاحب المال، لكونه لا يجد من يقبل صدقته، ويزداد بأن يعرضه على غيره، ولو كان يستحق الصدقة فيأبى أخذه، وهذا في زمن عيسى عليه السلام، ويحتمل أن يكون هذا الأخير عند خروج النار واشتغال الناس بالمحشر، فلا يلتفت أحد إلى شىء، بل يقصد نجاة نفسه ومن استطاع من أهله وولده، (وحتى يتطاول الناس في البنيان) بأن يكون كل ممن يبني، يريد ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، أو ١٧٥ الفصل الثالث في إنبائه عَّله بالأنباء المغيبات الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها)). المراد المباهاة به في الزينة والزخرفة، أو أعم من ذلك، وقد وجد ذلك وهو في ازدياد، (وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه) لما يرى من عظم البلاء ورئاسة الجهلاء وخمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم واستحلال الحرام، والتحكم بغير حق في الأموال والأعراض والأبدان، كما في هذه الأزمان، فقد علا الباطل على الحق، وتغلب العبيد على الأحرار من سادات الخلق، فباعوا الأحكام، ورضي بذلك منهم الحكام، فلا حول ولا قوة إلا باللّه، ولا ملجأ ولا منجا من اللَّه إلا إليه. وقيل: ذلك لما يقع لبعضهم من مصيبة في نفسه، أو أهله أو ماله، وإن لم يكن في ذلك شىء يتعلق بدينه. وفي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعًا: لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر، فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء، وسبب ذلك أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على الرجل، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده، وذكر الرجل للغالب، وإلا فالمرأة يمكن أن تتمنى الموت لذلك أيضًا، إلا أنه لما كان الغالب أن الرجال هم المبتلون بالشدائد، والنساء محجبات لا يصلين نار الفتنة، خصهم، ثم لا يلزم كونه في جميع الناس والبلاد والأزمان، بل يصدق باتفاقه لبعض الناس في بعض البلاد في بعض الأزمان، وهو إخبار عما يكون لا تعرض لحكم شرعي، فلا ينافي النهي عن تمني الموت، وعلى التفسير الأول: بفساد الدين، فيجوز تمنيه ليسلم دينه، لحديث: ((وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون))، كما قال ابن عبد البر: (و) لا تقوم الساعة (حتى تطلع الشمس من مغربها) غاية لعدم قيامها. قال الكرماني: فإن قيل بين أهل الهيئة؛ أن الفلكيات بسيطة، لا تختلف مقتضياتها، ولا يتطرق إليها خلاف ما هي عليه، قلت: قواعدهم منقوضة، ومقدماتهم ممنوعة، ولئن سلمنا صحتها، فلا امتناع في انطباق منطقة البروج على معدل الليل، بحيث يصير المشرق مغربًا والمغرب مشرقًا. انتهى. وآية ذلك أن يطول الليل حتى يكون قدر ليلتين، رواه ابن مردويه عن حذيفة، رفعه: (فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) صفة نفسًا، (أو كسبت في إيمانها خيرًا) (عطف على آمنت)، والمعنى لا ينفع الإيمان حينئذ ١٧٦ الفصل الثالث في إنبائه عّلّ بالأنباء المغيبات فهذه ثلاثة عشر علامة جمعها أبو هريرة في حديث واحد، ولم يبق بعد نفسًا غير مقدمة إيمانها، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرًا. قال الناصر بن المنير رام الزمخشري: الاستدلال بالآية على مذهبه أن الكافر والعاصي في الخلود سواء، لأنه سوى بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركان بعد ظهور الآيات ولا يتم ذلك، فإن هذا الكلام في البلاغة يلقب باللف، وأصله يوم يأتي بعض آيات ربك، لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد، ولا نفسًا لم تكسب خيرًا قبل ما تكسبه من الخير بعد، فلف الكلامين، فجعلهما كلامًا واحدًا مجازًا وبلاغة، ويظهر بذلك أنها لا تخالف مذهب أهل الحق، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدم من الخلود، فهي بالرد علی مذهبه أولی من أن تدل له. انتهى. وفي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعًا: ((ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسًا ايمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشمس من مغربها، والدجال والدابة)). قال الحافظ: والذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغيير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى عليه السلام، وأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة. وفي مسلم عن عبد الله بن عمر، ورفعه: أول الآيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، فأيهما خرجت قبل الأخرى، فالأخرى منها قريب. وقال أبو عبد اللَّه الحاكم: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه. قال الحافظ: والحكمة في ذلك أن عند طلوعها من مغربها يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر، تكميلاً للمقصود من إغلاق باب التوبة؛ وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس، كما سبق في بدء الخلق من حديث أنس. وروى عبد بن حميد والطبراني بسند صحيح عن عائشة: إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام وطويت الصحف وخلصت الحفظة وشهدت الأجسام على الأعمال، وهذا موقوف وحكمه الرفع، (ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما) بغير تحتية بعد الموحدة ليتبايعانه، (فلا يتبايعانه ولا يطويانه) وللحاكم عن عقبة بن عامر، رفعه: تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناد: يا أيها الناس ثلاثًا، يقول في الثالثة: أتى أمر اللَّه، قال: والذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب بينهما ١٧٧ الفصل الثالث في إنبائه عليه بالأنباء المغيبات هذا ما ينظر من صحيح العلامات والأشراط. وقد ظهر أكثر هذه العلامات: فأما قوله: ((حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة) فيريد فتنة معوية وعلي بصفين. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا أول خطب طرق الإسلام. وتعقبه القرطبي بأن أول أمر دهم الإسلام موت النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعده موت عمر، لأن بموته عليه الصلاة والسلام انقطع الوحي وكان أول ظهور الشر ارتداد العرب وغير ذلك، وبموت عمر سل سيف الفتنة فقتل عثمن. وكان من قضاء الله وقدره ما كان وما يكون. فلا يطويانه، (ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته) (بكسر اللام وسكون القاف فحاء مهملة)، أي ناقته اللبون (فلا يطعمه) أي فلا يشربه، (ولتقومن الساعة وهو يليط) (بضم التحتية وكسر اللام وسكون التحتية فطاء مهملة)، أي يصلح بالطين (حوضه) فيسد شقوقه ليملأه ويسقي منه دوابه، (فلا يسقي فيه،) أي تقوم القيامة قبل أن يسقي فيه، (ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته:) (بضم الهمزة) لقمته (إلى فيه) فمه (فلا يطعمها))) أي تقوم الساعة قبل أن يضع لقمته في فيه، أو قبل أن يمضغها، أو يبتلعها. وعند البيهقي عن أبي هريرة، رفعه: تقوم الساعة على رجل أكلته في فيه، يلوكها فلا يسيغها ولا يلفظها، وهذا كله إشارة إلى أنها تقوم بغتة، وأسرعها رفع اللقمة إلى الفم. (فهذه ثلاثة عشر علامة، جمعها أبو هريرة في حديث واحد،) كما سمعها من النبي عَّه، (ولم يبق بعد هذا ما ينظر من صحيح العلامات والأشراط) لقيام الساعة، (وقد ظهر أكثر هذه العلامات؛ فأما قوله: حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة) الإسلام، أو أن كلاً على الحق، (فيريد فتنة معوية وعلي بصفين). (قال القاضي أبو بكر) محمد (بن العربي) الحافظ الفقيه: (وهذا أول خطب طرق الإسلام، وتعقبه القرطبي بأن أول أمر دهم،) أي فجأ (الإسلام موت النبي عَّة) لانقطاع خبر السماء مع ما آذن به من إقبال الفتن والحوادث والكرب، فهو الخطب الكالح والرزء لأهل الإسلام الفادح، وقد سمع أبو ذؤيب الهذلي في نومه الهاتف يقول: خطب أجل أناخ بالإسلام بين النخيل ومعقد الآطام قبض النبي محمد محبوبنا تهمي الدموع عليه بالنسجام وهو المصيبة العامة كما قال ◌َ: ((لتعز المسلمين في مصائبهم، المصيبة بي)، يعني لأن ١٧٨ الفصل الثالث في إلبائه عَّ بالأنباء المغيبات وأما قوله: ((دجالون كذابون قريب من ثلاثين)) فقد جاء عددهم معينًا من حديث حذيفة قال: قال رسول الله عَّله: يكون في أمتي دجالون كذابون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة منهن سجاح وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي. أخرجه الحافظ أبو نعيم وقال: هذا حديث غريب. قال القاضي عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عدَّ من تنبأ من زمن النبي عليه الصلاة والسلام إلى الآن ممن اشتهر بذلك لوجد هذا العدد، ومن طالع كتب التواريخ عرف صحة هذا. وقوله: ((حتى يقبض العلم)) فقد قبض العلم ولم يبقى إلا رسمه. وأما: ((الزلازل)) فوقع منها شىء كثير، وقد شاهدنا بعضها. وأما قوله: ((حتى يكثر فيكم المال أو حتى يهمّ رب المال)) فهذا مما لم كل مصاب به دونها، إذ كل مصاب به عنه عوض ولا عوض عنه عَّةٍ، (ثم بعده موت عمر) أن الخطاب (لأن بموته عَّة انقطع الوحي). وقال جمع من الصحابة: أنكرنا قلوبنا، أي لم يشاهدوا فيها تلك الأنوار التي كانت في حياته، (وكان أول ظهور الشر ارتداد العرب وغير ذلك،) كرفع المنافقين رؤوسهم، (وبموت عمر، سل سيف الفتنة،) لأنه كان قفلها، وصح أنه عَّهِ أخبر أن الفتن لا تظهر ما دام عمر حیًا، (فقتل عثمن، وكان من قضاء الله وقدره ما كان) من الحروب الكثيرة وغيرها، (وما يكون) من ذلك إلى قيام الساعة. (وأما قوله: ((دجالون كذابون قريب من ثلاثين))، فقد جاء عددهم معينا من حديث حذيفة) بن اليمان الذي أعلمه عَّهُ بما كان وما يكون إلى قيام، (قال: قال رسول اللّه عَلـ: ((يكون في أمتي دجالون كذابون سبعة) (بسين فموحدة) (وعشرون، منهم أربع نسوة، منهن: سجاح) التميمية (وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي))). (أخرجه الحافظ أبو نعيم) أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، (وقال: هذا حديث غريب) تفرد به معوية بن هشام، لكن أخرجه أحمد بسند جيد، وسبق الجمع بینه وبین حديث جابر بن سمرة وثوبان وابن الزبير من الجزم بالثلاثين؛ بأنه على طريق جبر الكسر، وأما ما رواه أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر: ثلاثون كذابون أو أكثر، للطبراني عنه: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابًا))، فسندهما ضعيف، وعلى تقدير الثبوت فيحمل على المبالغة في الكثرة لا التحديد. (قال القاضي عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عد من تنبأ من زمن النبي عَّةٍ إلى الآن ممن اشتهر بذلك، لوجد هذا العدد، ومن طالع كتب التواريخ عرف صحة هذا،) قال: ١٧٩ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات يقع. وقوله: ((حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه) لما يرى من عظيم البلاء ورياسة الجهلاء وخمول العلماء وغير ذلك، مما ظهر كثير منه. وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: ((لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز يضيء لها أعناق الإبل ببصرى)). وقد خرجت نار عظيمة على قرب مرحلة من المدينة، وكان بدؤها زلزلة ولولا الإطالة لنقلنا ذلك، والفرق بين هؤلاء وبين الدجال الأكبر أنهم يدعون النبوة، وذاك يدعي الألوهية مع اشتراك الكل في التمويه والادعاء الباطل. قال الأبي: دعوى النبوة لفظ أو معنى حتى يدخل فيه ما يقع لكثير، أن يقول: قيل لي أو أذن لي، وقد كان الشيخ ينكر هذه المقالة ويقول: لا أقبلها ولا من المرجاني الذي صحت ولايته قال: وقد اختلف مم يعرف النبي أن الذي يخاطبه ملك، فكيف يصح لغيره أن يأتي بكلام فيه تعمية توهم أن الذي يقول له ذلك ملك، كذا قال وفيه نظر، لأن المراد كما مر عن الحافظ من قامت له شكوة، لا مطلق من ادعى النبوة، إذ لا يحصون كثرة، وغالبهم ينشأ له ذلك من جنون أو سوداء، وليس قول من قال من الأولياء: قيل لي أو أذن لي من دعوى النبوة في شىء، إنما هو من باب الإلهام والإلقاء في القلب المشار إليه بحديث: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))، ثم قرأ: ﴿إن في ذلك لآيات للمؤمنين﴾ [الحجر: ٧٥]. أخرجه الترمذي مرفوعًا، (وقوله: حتى يقبض العلم، فقد قبض العلم ولم يبق إلا رسمه) أثره الدال عليه، (وأما الزلازل فوقع منها شىء كثير، وقد شاهدنا بعضها). (وأما قوله: حتى يكثر فيكم المال، أو حتى يهم رب المال،) كذا في نسخ، وفي بعضها: الرجل موافقة لما قدم، لكن الذي في البخاري رب المال كما مر، (فهذا مما لم يقع) وقدمت تقصیله. (وقوله: حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه،) ذلك (لما يرى من عظيم البلاء ورياسة الجهلاء وخمول) (بضمتين) (العلماء:) سقوطهم وعدم حظهم، مأخوذ من خمل المنزل خمولاً إذا عفا ودرس (وغير ذلك مما ظهر كثير منه). زاد عياض: أو لما يرى من البلاء والمحن والفتنة، كما قال في الحديث الآخر: ((والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شىء قتل، ولا المقتول على أي شىء قتل))، رواه مسلم، وعلى الوجهين: فقد وقع ما أخبره به عَـ ١٨٠ الفصل الثالث في إنبائه ◌َ بالأنباء المغيبات عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العشاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، وفي يوم الثلاثاء اشتدت حركتها، وعظمت رجفتها، وتتابعت حطمتها، واترجت الأرض بمن عليها، وعجت الأصوات لبارئها، ودامت الحركة إثر الحركة، حتى أيقن أهل المدينة بوقوع الهلكة، وزلزلوا زلزالاً شديدًا، من جملة ثمانية عشر حركة في يوم واحد دون ليلته. قال القرطبي: وكان يأتي المدينة ببركته عليه الصلاة والسلام نسيم بارد. وشوهد من هذه النار غليان كغليان البحر، وانتهت إلى قرية من قرى اليمن (وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين،) كليهما في الفتن؛ (أن رسول اللَّه عَّه قال: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار) أي تنفجر (من أرض الحجاز، يضيء لها أعناق الإبل ببصرى))) (بضم الموحدة وفتح الراء) مقصور، ونصب أعناق مفعول يضيء على أنه متعد والفاعل النار، أي تجعل على أعناق الابل ضوءًا، وبصرى مدينة معروفة بالشام، وهي مدينة حوران، بينها وبين دمشق نحو ثلاثة مراحل، وفي كامل ابن عدي عن عمر، رفعه: ((لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار، يضيء له أعناق الإبل ببصرى»، وفي إسناده عمر بن سعيد التنوخي. قال الحافظ: ذكره ابن حبان، ولينه ابن عدي والدارقطني، وهذا ينطبق على النار المذكورة، (وقد خرجت نار عظيمة على قرب مرحلة من المدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العشاء، ثالث جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة،) لا خلاف في السنة، وأما اليوم، فجزم القرطبي في التذكرة بما قال المصنف، وقال في جمل الايجاز: اضطرب الناقلون في تحقيق اليوم الذي ابتدأت فيه، فالأكثر أن ابتداءها كان يوم الأحد، مستهل جمادى الآخرة. وقيل: ابتدأت ثالث الشهر، وجمع بأن القائل بالأول، لأنها كانت خفيفة إلى ليلة الثلاثاء بيومها، ثم ظهرت ظهورًا اشترك فيه الخاص والعام، (وفي يوم الثلاثاء اشتدت حركتها، وعظمت رجفتها، وتتابعت حطمتها،) كسرها كلما أتت عليه، (وارتجت) اضطربت (الأرض بمن عليها وعجت) ارتفعت (الأصوات لبارئها،) خالقها، (ودامت الحركة أثر الحركة حتى أيقن أهل المدينة بوقوع الهلكة) (بفتحتين)، بمعنى الهلاك، (وزلزلوا) حركوا (زلزالاً شديدًا) من شدة الفزع، وهذا إنما نقله المصنف في شرح البخاري، عن القطب القسطلاني في جمل الإيجاز بعد يوم الثلاثاء، ولفظه، وجمع بأن القائل بالأول بأنها كانت خفيفة إلى ليلة الثلاثاء بيومها، ثم ظهرت ظهورًا شديدًا، واشتدت حركتها إلى آخر ما هنا، وقال عقب قوله: زلزلوا زلزالاً