Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
باب مبعث النبي عَ اليه
ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك
نصرا مؤزرًا.
ثم لم ينشب ورقة أن توفي،
على النفس شديدة لإظهاره الإنزعاج لذلك، بخلاف ما سمعه من ورقة من إيذائهم وتكذيبهم له،
ففي مرسل عبيد بن عميران ورقة قال له: لتكذبنه ولتؤذيّه ولتقاتلته، بهاء السكت.
(فقال ورقة: نعم لم يأتِ رجل قطّ) بفتح القاف وشدّ الطاء مضمومة في أفصح اللغات
ظرف الاستغراق الماضي، فتختصّ بالنفي (بما) وللكشميهني في التعبير كبدء الوحي: بمثل ما
(جئت به إلا عُودِيَ) وفي التفسير: إلا أَوذي، ذكر ورقة أن عّة ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن
مألوفهم، ولأنه علم من الكتب أنهم لا يجيبونه وأنه يلزم ذلك منابذتهم فتنشأ العداوة، وفيه دليل
على أنه يلزم المجيب إقامة الدليل على جوابه إذا اقتضاه المقام.
(وإن يدركني) بالجزم بإن الشرطيّة، (يومك) فاعل يدرك، أي: يوم انتشار نبوّتك، زاد في
التفسير: حيًّا، (أنصرك) بالجزم جواب الشرط (نصرًا) بالنصب على المصدريّة، ووصفه بقوله:
(مؤزرًا) بضم الميم وفتح الزاي المشدّدة آخره راء مهموز من الأزر، أي: قويًّا بليغًا وإنكار القزاز
الهمز لغة ردّ بقول الجوهري: أزرت فلانًا عاونته، والعامّة تقول: وأزرته، وقال أبو شامة: يحتمل
أنه من الإزار إشارة إلى تشميره في نصرته، قال الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم
البيت. وفي رواية ابن إسحق من مرسل عبيد بن عميران: أدرك ذلك اليوم. قال السهيلي:
والقياس رواية الصحيح؛ لأن ورقة سابق بالوجود والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده، كما
جاء: أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حيّ، قال: ولرواية ابن إسحق وجه؛ لأن المعنى إن أُرّ
ذلك اليوم فسمى روايته إدراكًا، وفي التنزيل: لا تدركه الأبصار رأى لا تراه على أحد القولين،
انتھی.
(ثم لم ينشب) بفتح التحتية والمعجمة، أي: لم يلبث (ورقة) بالرفع فاعل ينشب، (أن
توفي) بفتح الهمزة وخفّة النون بدل اشتمال من ورقة، أي: لم تتأخّر وفاته، وتجويز أن محله جرّ
بجار مقدّر، أي: عن الوفاة أو نصب بنزع الخافض لا يلتفت إليه إذ الأوّل شاذّ، والثاني مقصور
على السماع، فلا يخرج عليه كلام الفصحاء، قال الحافظ: وأصل النشوب التعلّق، أي: لم يتعلّق
بشىء من الأمور حتى مات، وهذا يخالف ما في سيرة ابن إسحق: إن ورقة كان يمرّ ببلال وهو
يعذّب ذلك يقتضي تأخيره إلى زمن الدعوة ودخول بعض الناس في الإسلام، فإن تمكّنا بالترجيح

٤٠٢
باب مبعث النبي عَّة.
ة حتى حزن النبي ◌َّلَِّ فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من
رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدى له
جبريل فقال: ((يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه
فما في الصحيح أصحّ، وأن لحظنا الجمع أمكن أن الواو في: وفتر الوحي، ليست للترتيب ولعلّ
الراوي لم يحفظ لورقة ذكرًا بعد ذلك في أمر من الأمور فجعل هذه القصّة انتهاء أمره بالنسبة
إلى علمه لا إلى ما هو الواقع، انتهى.
واعتمد هذا في الإصابة، وأوّل قوله: أن توفي بأن معناه قبل اشتهار الإسلام والأمر
بالجهاد، انتهى. وقد أرّخ الخميس موت ورقة في السنة الثالثة من النبوّة، وقيل: الرابعة. وأمّا قول
الواقدي إنه قتل ببلاد لخم وجذام بعد الهجرة فغلط بيّ، فإنه دفن مكّة؛ كما نقله البلاذري
وغيره.
(وفتر الوحي) أي: احتبس جبريل عنه بعد أن بلغه النبوّة، (فترة) سيذكر المصنّف قدرها،
حتى حزن) بكسر الزاي (النبيّ عّلّ فيما بلغنا) جزم عياض بأن هذا قول معمر وخالفه السيوطي
والمصنّف تبعًا للحافظ، وقالوا: هو شيخه الزهري، (حزنًا غدا) بغين معجمة من الذهاب، وبمهملة
من الغدوّ وهو الذهاب بسرعة (منه) أي: الحزن (مرارًا كي يتردّى) يسقط (من رؤوس شواهق
الجبال) أي: طوالها جمع شاهق وهو العالي الممتنع.
وعند ابن سعد من حديث ابن عباس: مكث أيّامًا بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل فحزن
حزنًا شديدًا حتى كان يغدو إلى ثبير مرّة وإلى حراء أُخرى يريد أن يلقي نفسه، (فكلّما أوفى)
بفتح الهمزة وسكون الواو: أشرف، (بذروة) بكسر الذال المعجمة وتفتح وتضمّ: أعلى، (جبل
لكي يلقي نفسه) إشفاقًا أن تكون الفترة لأمر أو سبب (منه) فخشي أن تكون عقوبة من ربّه، ففعل
ذلك بنفسه ولم يرد بعد شرع بالنهى عنه فيعترض به أو لما أخرجه من تكذيب من بلغه؛ كما
قال تعالى: ﴿فلعلّك باخع نفسك﴾ [الكهف: ٦] الآية، ذكرهما عیاض.
وقول المصنّف: أو حزن على ما فاته من بشارة ورقة، ولم يخاطب عن اللَّه بأنه
رسول اللَّه ومبعوث إلى عباده فيه أن في مرسل عبيد بن عمير عند ابن إسحق: إنه ناداه:
أنت رسول اللَّه وأنا جبريل بعد الغط، وقبل أن يأتي إلى خديجة (تبدّى له جبريل، فقال:
يا محمّد، إنك رسول اللَّه حقًّا) وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد: فبينما هو عامد لبعض
تلك الجبال إذ سمع صوتًا فوقف فزعًا ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض
متربّعًا، يقول: يا محمّد، أنت رسول اللَّه حقًّا وأنا جبريل، (فيسكن لذلك جأشه) بجيم فهمزة
ساكنة، ويجوز تسهيلها فشين معجمة، أي: اضطراب قلبه، (وتقرّ) بفتح الفوقية والقاف، (نفسه)

٤٠٣
باب مبعث النبي علَيـ
فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى
له جبريل، فقال له مثل ذلك)).
وقد تكلم العلماء في معنى قوله عليه السلام لخديجة: ((قد خشيت علي))
فذهب الإسمعيلي إلى أن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلم
الضروري بأن الذي جاءه ملك من عند الله. وكان أشق شىء عليه أن يقال عليه
مجنون.
والعطف تفسيري (فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل
تبدّى).
وفي رواية: بدا في الموضعين بدل تبدّى (له جبريل، فقال له مثل ذلك) يا محمّد، إنك
رسول اللَّه حقًّا، وهذا البلاغ ليس بضعيف؛ كما ادّعى عياض متمسكًا بأنه لم يسنده؛ لأن عدم
إسناده لا يقدح في صحته بل الغالب على الظنّ أنه بلغه من الثقات؛ لأنه ثقة ثم إن معمرًا لم
ينفرد به عن الزهري بل تابعه عليه يونس بن يزيد عند الدولابي، ورواه ابن سعد من حديث ابن
عباس بنحوه، وفي بعض النسخ السقيمة هنا، وفي رواية أبي داود سليمن بن الأشعث
السجستاني، قال: جاورت بحراء شهرًا، فذكر حديث جابر الآتي إلى قوله: ولم تكن الرجفة
وهي خطأ محض لتكوّرها مع الآتي وقصر عزوها لأبي داود مع أنه أخرجه الشيخان والترمذي
والنسائي، والذي في النسخ الصحيحة المقروءة: إنما هو ما يأتي لا ما هنا ولم يتعرّض شيخنا
لهذا إنما كتب على الآتي وأيضًا فالمناسب ذكره، ثم لأنه شرع هنا يتكلّم على بعض حديث
البخاري، فقال: (وقد تكلّم العلماء في معنى قوله عليه السلام لخديجة: ((قد خشيت على)))
لأن ظاهره مشكل لاقتضائه الشكّ في أن ما أتاه من اللَّه ولا يجوز بمقامه عَ لّه فهو محتاج للتكلّم
في معناه، فاختلفوا فيه على اثني عشر قولاً، (فذهب) الإمام الحافظ الثبت، أبو بكر أحمد بن
إبراهيم بن إسماعيل بن العبّاس (الإسمعيلي) الجرجاني، قال الحاكم: كان واحد عصره وشيخ
المحدثين والفقهاء وأجلّهم رئاسة ومروءة وسخاء، علا إسناده وتفرّد ببلاد العجم، ومات في
رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.
(إلى) حمله على ظاهره ولا ضير فيه لجواز (إن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل
له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملك من عند اللَّه)،) وأما بعد وصوله فلا (وكان أشقّ) بالنصب
خبر (شىء عليه) والاسم (أن يقال) أي: قولهم، (عليه مجنون،) فكان يكره ذلك في نفسه،
وإن لم يقل عليه حينئذ، فإنهم إنما قالوه بعد دعائهم إلى الإيمان تنفيرًا للناس عنه، أو علم بنور
أودعه اللَّه في قلبه، أنه يقال عليه.

٤٠٤
باب مبعث النبي علم.
وقيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه، ولا غرو، فإنه بشر يخشى من
القتل والأذية، كما يخشى البشر.
وقوله: (ما أنا بقارىء)) أي: أنا أمي فلا أقرأ الكتب.
وحاصل هذا القول ما لخّصه الحافظ، بقوله: أوّلها أنه خشي الجنون وأن يكون ما جاءه
من جنس الكهانة جاء مصرّحًا به في عدّة طرق، وأبطله أبو بكر بن العربي وحقّ له أن يبطل،
لکن حمله الإسمعیلي علی ذلك، انتھی.
قال السهيلي: ولم يرَ الإسمعيلي أن هذا محال في مبدأ الأمر؛ لأن العلم الضروري
لا يحصل دفعة واحدة وضرب مثلاً بالبيت من الشعر تسمع أوّله فلا تدري أنظم هو أم نثر، فإذا
استمرّ الإنشاد علمت قطعًا أنه قصد به الشعر، كذلك لمّا استمر الوحي واقترنت به القرائن
المقتضية للعلم القطعي، وقد أثنى اللَّه عليه بهذا العلم، فقال: ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: ٢٨٥]
إلى قوله: ﴿ورسله﴾ [البقرة: ٢٨٥].
(وقيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه) وإن كان عالمًا بأن ما جاءه من ربّه، (ولا
غرو) بغين معجمة مفتوحة فراء فواو: ولا عجب في خشيته ذلك، وإن كان سيّد أهل اليقين؛ لأن
ذلك مما يرجع للطبع. (فإنه بشر يخشى من القتل والأذية كما يخشى البشر،) ثم يهون عليه
الصبر في ذات الله كل خشية ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوّة، قاله في الروض.
ثالثها: خشي الموت من شدّة الرعب. رابعها: تعبيرهم إياه، قال الحافظ: وهذان أُولى
الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب وما عداهما معترض؛ خامسها خشي المرض، وبه جزم
ابن أبي جمرة. سادسها: دوامه. سابعها: العجز عن رؤية الملك من الرعب. ثامنها: مفارقة
الوطن. تاسعها: عدم الصبر على أذى قومه. عاشرها: تكذيبهم إياه. حادي عشرها: مقاومة هذا
الأمر وحمل أعباء النبوّة، فتزهق نفسه أو ينخلع قلبه لشدّة ما لقيه أوّلاً عند لقاء الملك. ثاني
عشرها: إنه هاجس، قال الحافظ: وهو باطل؛ لأنه لا يستقرّ وهذا استقرّ وحصلت بينهما
المراجعة. وأمَّا قول عياض: هذا أوّل ما رأى التباشير في النوم واليقظة وسمع الصوت قبل لقاء
الملك وتحقّق رسالة ربّه، أمَّا بعد أن جاءه بالرسالة، فلا يجوز عليه الشكّ فضّفه النووي بأنه
خلاف تصريح الحديث، بأن هذا بعد الغطّ وإتيانه: ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١]، وأجاب العيني: بأن
مراده إخبارها بما حصل له؛ لأنه خاف حال الإخبار فلا يكون ضعيفًا.
(وقوله: ما أنا بقارىء، أي: إني أُميّ، فلا أقرأ الكتب) فما نافية لا استفهامية لوجود الباء
في الخبر، وإن جوّزه الأخفش فهو شاذّ والباء زائدة لتأكيد النفيّ، أي: ما أُحسن القراءة. قال
السهيلي: فلما قال ذلك ثلاثًا، قيل له: ﴿اقرأ باسم ربّك﴾ [العلق: ١]، أي: لا بقوّتك ولا

٤٠٥
باب مبعث النبي عَّه.
وقال القاضي عياض: إنما ابتدىء عليه السلام بالرؤيا، لئلا يفجأه الملك
ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها قوى البشر، فبدىء بأوائل خصال النبوة
وتباشير الکرامة. انتھی.
فإن قلت: فلم كرر قوله: ((ما أنا بقارىء)) ثلاثًا؟
فأجاب أبو شامة كما في فتح الباري: بأن يحمل قوله أولاً على الامتناع،
وثانيًا: على
بمعرفتك لكن بحول ربّك وإعانته، فهو يعلّمك كما خلقك وكما نزع علق الدم ومغمز الشيطان
منكٍ في الصغر بعدما خلقه فيك كما خلقه في كل إنسان؛ فالآيتان المتقدّمتان لمحمّد عَّ
والأخريان لأَمّته، وهما: ﴿الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥،٤]؛ لأنها
كانت أُمَّة أُميّة لا تكتب، فصاروا أهل كتاب وأصحاب قلم، فتعلّموا القرءان بالقلم وتعلّمه نبيّهم
تلقيًّا من جبريل عليهما السلام.
(وقال القاضي عياض وغيره: إنما ابتدىء عليه السّلام بالرؤيا لئلاّ يفجأه الملك ويأتيه
صريح النبوّة بغتة، فلا تحتملها قوى البشر، فبدىء بأوائل خصال النبوّة وتباشير الكرامة) مره
المرائي الصادقة الصالحة الدالّة على ما يؤول إليه أمره.
وقد روى ابن إسحق في مرسل عبيد بن عمير: ((جاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج
فيه كتاب، قال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ، فغتني حتى ظننت أنه الموت))، وذكر أنه فعل به ذلك
ثلاث مرّات، وهو يقول: ((ما أقرأ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع، فقال:
﴿اقرأ باسم ربّك﴾ [العلق: ١] إلى قوله: ﴿ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥]، فقرأتها ثم انصرف عني،
وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتابًا)) فذكر الحديث. وذكر السهيلي عن بعض
المفسّرين: أن الإشارة في قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ٢]، للذي جاء ىه جبريل حينئذٍ،
(انتهى).
واعترض على المصنّف بأن الأولى تقديم هذا على قوله تكلّم العلماء، وردّه شيخنا بأن
الغرض منه بيان ما يوهم خلاف المراد، فكان الاعتناء ببيانه أهمّ. (فإن قلت: فلم كرّر قوله:
((ما أنا بقارىء) ثلاثاً، فأجاب ) الأولى حذف الفاء؛ كما في الفتح.
(أبو شامة) الإمام الحافظ العلامة أبو القسم عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمن
المقدسي ثم الدمشقي، الشافعي المقرىء النحوي المتوفى تاسع عشر رمضان سنة خمس وستّين
وستمائة، ومولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
(كما في فتح الباري) بأن ذلك لحكمة (بأن يحمل قوله أوّلاً على الامتناع، وثانيًا: على

٤٠٦
باب مبعث النبي ◌ُ
الإخبار بالنفي المحض، وثالثًا: على الاستفهام.
والحكمة من الغط ثلاثًا، شغله عن الالتفات لشىء آخر، وإظهاره الشدة
والجد في الأمر، تنبيهًا على ثقل القول الذي سيلقى إليه.
وقيل: إبعادًا لظن التخيل والوسوسة، لأنهما ليسا من صفات الجسم، فلما
وقع ذلك بجسمه علم أنه من أمر الله.
فإن قلت: من أين عرف عَِّ أن جبريل ملك من عند الله، وليس من الجن؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى أظهر على يدي جبريل عليه السلام معجزات عرفه
بها.
الإخبار بالنفي المحض، وثالثاً: على الاستفهام) بدليل روايتي: كيف أقرأ؟ وماذا أقرأ؟ كما مرّ،
فهو حجّة للأخفش في جواز دخول الباء في الخبر المثبت، وبه جزم بعض الشراح ومرّت حكمة
تكرير اقرأ، (والحكمة من الغطّ ثلاثًا شغله عن الالتفات لشيء آخر، وإظهاره الشدّة والجدّ في
الأمر،) وأن يأخذ الكتاب بقوّة (تنبيهًا على ثقل القول) القرءان (الذي سيلقى إليه ) فإنه لما فيه
من التكاليف ثقيل على المكلّفين، سيّما النبيّ عَّه فإنه كان يتحمّلها ويحمّلها أُمته، قاله
البيضاوي.
(وقيل: إبعادًا لظن التخيّل والوسوسة) اللذين ظنّهما عليه الصّلاة والسلام قبل؛ كما في
رواية يونس عن ابن إسحق بسنده إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: أنه عَّهِ قال لخديجة: ((إني
إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت واللَّه أن يكون لهذا أمر))، قالت: معاذ اللَّه، ما كان
اللَّه ليفعل بك ذلك، إنك لتؤدّي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث. (لأنهما ليسا من
صفات الأجسام، فلمَّا وقع ذلك) الغطّ ثلاثًا (بجسمه علم أنه من أمر اللَّه،) فاطمأنّ، وقيل:
الغطّة الأولى للتخلّي عن الدنيا، والثانية: لما يوحى إليه، والثالثة: للمؤانسة.
وقيل: إشارة إلى الشدائد الثلاث التي وقعت له وهي الحصر في الشعب وخروجه إلى
الهجرة وما وقع يوم أحد، وفي الإرسالات الثلاث إشارة إلى حصول الفرج والتيسير له عقب
الثلاث أو في الدنيا والبرزخ والآخرة. وقيل: للمبالغة في التنبيه، ففيه أنه ينبغي للمعلم الاحتياط
في تنبيه المتعلّم وأمره بإحضار قلبه. (فإن قلت: من أين عرف عَِّ أن جبريل ملك من عند اللَّه،
وليس من الجن) وتمّ عرف أنه حق لا باطل؟ (فالجواب من وجهين أحدهما) يجوز (أن الَّله
تعالى أظهر على يدي جبريل عليه السلام معجزات عرفه بها ) ولم تذكر لأنها مما لا تحيط

٤٠٧
باب مبعث النبي ◌َّ﴾.
كما أظهر الله تعالى على يدي محمد عليله معجزات عرفناه بها.
وثانيهما: أن الله خلق في محمد عَّ علمًا ضروريًا بأن جبريل من عند الله
ملك لا جني ولا شيطان، كما أن الله تعالى خلق في جبريل علمًا ضروريًا بأن
المتكلم معه هو الله تعالى، وأن المرسل له ربه تعالى لا غيره.
وقول ورقة: يا ليتني فيها جذعًا. الضمير للنبوة، أي: ليتني كنت شابًا عند
ظهورها حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها. وأصل الجذع:
بها عقولنا أو لا يتعلق لنا بها غرض.
(كما أظهر اللَّه تعالى على يديّ محمّد عَ لِه معجزات عرفناه بها) وعلى هذا اقتصر في
الكوكب وعمدة القارىء (وثانيهما: أن اللَّه خلق في محمّد عَّ علمًا ضروريًّا بأن جبريل من
عند اللَّه ملك لا جنيّ ولا شيطان) عطف مباين بالصفة على ما ذكر الحافظ: أن من كان كافرًا
سمّي شيطانًا وإلا فهو جنيّ أو بالذات على ما في المقاصد أن الغالب على الجنّ عنصر الهواء
وعلى الشياطين عنصر النار، (كما أن اللَّه تعالى خلق في جبريل علمًا ضروريًا بأن المتكلّم
معه هو اللَّه تعالى، وأن المرسل له ربّه تعالى لا غيره،) ولعلّ الثاني أولى (وقول ورقة: يا ليتني
فيها جذعًا الضمير للنبوّة) أي: مدّة النبوّة، زاد الحافظ: أو الدعوة والعيني أو الدولة، واستشكل
هذا النداء بأن لا منادى ثم يطلب إقباله بيا وبأن ليت حرف النداء، لا يدخل على، فجعل أبو
البقاء والأكثر المنادى محذوفًا، أي: يا محمّد! وضعّفه ابن لملك بأن قائل ليتني قد يكون وحده،
فلا يكون معه منادى؛ كقوله: مريم يا ليتني متُّ، وأجيب بأنه يجوز أن يجرّد من نفسه نفسًا
يخاطبها كأن مريم قالت: يا نفسي ليتني، فكذا يقدّر هنا.
وضعف ابن لملك دعوى الحذف أيضًا؛ بأنه إنما يجوز إذا كان الموضع الذي ادعى فيه
حذفه مستعملاً فيه ثبوته كحذف المنادى قبل أمر، نحو: ألا يا اسجدوا في قراءة الكسائي، أي:
يا قوم أو دعاء، نحو: ألا يا سلمى، أي: ألا يا دار فحسن حذف المنادى قبلها اعتياد ثبوته، نحو:
﴿يا يحيى خذ الكتاب﴾، ﴿يا موسى ادع لنا ربك﴾، بخلاف ليت فلم تستعمله العرب ثابتًا قبلها، فادّعاء
حذفه باطل وردّه العيني بأنه لا ملازمة بين جواز الحذف وبين ثبوت استعماله، قلت: وهو ردّ ليّ
والذي اختاره ابن لملك أن يا هذه لمجرّد التنبيه مثل: ألا في: ألا ليت شعري، هو الوجيه.
وفتر جذعًا بقوله: (أي: ليتني كنت شابًّا عند ظهورها حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها)
بنصرك وحمايتك، وفي مرسل عبيد بن عمير: لئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرنّ اللَّه نصرًا
يعلمه، (وأصل الجذع) قال ابن سيّده: مفرد جذعان وجذاع بالكسر والضمّ وأجذاع، قال

٤٠٨
باب مبعث النبي عَّ
من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شابًا فتيًا.
وأخرج البيهقي من طريق العلاء بن جارية الثقفي عن بعض أهل رسول الله عليه.
حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع
منه، فيلتفت رسول الله عَّه خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يرى إلا الشجر وما حوله
من الحجارة. وهي تحية بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله. الحديث.
الأزهري: ويسمّى الدهر جذعًا؛ لأنه شاب لا يهرم. (من أسنان الدواب) واستعير للإنسان، ومعناه
على التشبيه حيث أُطلق الجذع الذي هو الحيوان المنتهي إلى القوّة، وأراد به الشابّ الذي فيه
قوّة الرجل وتمكّنه من الأمور، (وهو ما كان منها شابًّا فتيًّا) قال ابن سيّده: قيل الجذع من المعز
الداخل في السنة الثانية، ومن الإبل فوق الحق، وقيل: منها لأربع، ومن الخيل لسنتين، ومن
الغنم لسنة، وقيل معناه: يا ليتني أدرك أمرك فأكون أوّل من يقوم بنصرك؛ كالجذع الذي هو أوّل
الأسنان، قال صاحب المطالع: والقول الأوّل أبين.
(وأخرج البيهقي من طريق العلاء بن جارية) بجيم وراء وتحتية (الثقفي) صح بي؛ كما
في الإصابة وغيرها، لكن الراوي هنا إنما هو حفيده فالذي عند البيهقي من طريق ابن إسحق،
قال: حدّثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفين العلاء بن جارية الثقفي وكان واعية، أي: للعلم
فسقط على المصنّف اسمه واسم أبيه وكنية جدّه المسمّى بالعلاء وأتى باسمه وليس هو الراوي؛
لأن ابن إسحق ليس تابعيًّا بل من صغار الخامسة، وقد قال: حدّثني، فإنما الراوي حفيد العلاء
وهو عبد الملك.
(عن بعض أهل رسول اللَّه عَّ حين أراد اللَّه كرامته وابتداءه) عطف تفسير (بالنبوة كان
لا يمرّ بحجر ولا شجر إلا سلّم عليه وسمع منه) ذكره لأنه لا يلزم من السلام أن يسمعه وكان
ابتداء ذلك قبل النبوّة بسنتين على ما روى ابن الجوزي، عن ابن عباس، قال: أقام عَِّ بمكّة
خمس عشرة سنة سبعًا يرى الضوء والنور ويسمع الصوت، وثمان وستّين يوحى إليه، قال
الخازن: وهذا إن صحّ يحمل على سنتين قبل النبوّة فيما كان يراه من تباشيرها وثلاث سنين
بعدها قبل إظهار الدعوة، وعشر سنين معلن بالدعوة بمكّة، انتهى. وهو حمل مناف لقوله ثمانية،
اللهم إلا أن يقال الحقّ سنتين من ابتداء العشر بما قبلها؛ لعدم ظهور الدعوة فيهما كل الظهور.
(فيلتفت رسول اللَّه عَِّ خلفه وعن يمينه وعن شماله، فلا يرى إلا الشجر وما حوله من
الحجارة، وهي تحيّة بتحيّة النبوّة) التي لم تكن معروفة قبلها إكرامًا وإعلامًا بأنه سيوحى إليه
بالرسالة، تقول: (السلام عليك يا رسول الله ... الحديث) وأفاد المصنّف فيما يأتي استمرار

٤٠٩
باب مبعث النبي عَـ
وعن جابر: أن رسول الله عَّه قال: جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت
جواري هبطت، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا ونظرت عن شمالي فلم أر
شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا فلم أثبت له، فأتيت
خديجة فقلت: دثروني دثروني وصبوا على ماء باردًا فنزلت: ﴿يا أيها المدثر قم
السلام بعد النبوّة، قال السهيلي: الأظهر أنهما نطقا بذلك حقيقة وليست الحياة والعلم والإرادة
شرطًا له؛ لأنه صوت وهو عرض عند الأكثر لا جسم؛ كما زعم النظام، وإن قدر الكلام صفة
قائمة بنفس الشجر والحجر فلا بدّ من شرط الحياة والعلم مع الكلام فيكونان مؤمنين به،
ويحتمل أنه مضاف في الحقيقة إلى ملائكة يسكنون تلك الأماكن، فهو مجاز؛ كاسأل القرية،
وفي كلها علم على النبوّة لكن لا يسمّى معجزة إلا ما تحدّى به الخلق، فعجزوا عن معارضته،
انتهى ملخّصًا.
(وعن جابر) بن عبد الله الأنصاري الخزرجي الصحابي ابن الصحابي، (أن
رسول اللَّه عَلَه، قال: ((جاورت بحراء) أقمت فيه، والفرق بينه وبين الاعتكاف أنه لا يكون إلا
داخل المسجد، والجوار قد يكون خارجه، قاله ابن عبد البرّ وغيره ولذا لم يسمه اعتكافًا؛ لأن
حراء ليس من المسجد. (شهرًا) في مدّة الفترة غير الشهر الذي نزل عليه فيه جبريل بسورة
﴿اقرأ﴾ [العلق: ١]، ففي مرسل عبيد بن عمير عند البيهقي أنه كان يجاور في كل سنة شهرًا
وهو رمضان، فلا حجة في الحديث على أن أول ما نزل المدثر ..
(فلما قضيت جواري) بكسر الجيم وخفّة الواو، أي: مجاورتي، (هبطت) وفي مسلم:
نزلت، فاستبطنت بطن الوادي، أي: صرت في باطنه، (فنوديت فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا،
ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا) هو
جبريل؛ كما قال في بدء الوحي. والتفسير: فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس
على كرسي بين السماء والأرض، وهو معنى رواية التفسير أيضًا: وهو جالس على عرش بين
السماء والأرض، (فلم أثبت له) وفي بدء الوحي: فرعبت منه، قال الحافظ: فدلّ على بقية بقيت
معه من الفزع الأوّل، ثم زالت بالتدريج، (فأتيت خديجة، فقلت: دّروني دقّروني،) مرّتين هكذا
في الصحيحين في التفسير. وفي البخاري في بدء الوحي: ((زمّلوني زمّلوني)) والأوّل أولى؛
لاتفاقهما عليه ولأنها، كما قال الزركشي: أنسب بتزول المدثر.
(وصبّوا عليّ ماءً باردًا») أي: على جميع يدني على ظاهره (فنزلت) أيّنا سأله وإعلامًا
بعظيم قدره وتلطّفًا، ﴿يا أيّها المدّثر﴾ [المدثر: ١]، بثيابه، قاله الجمهور. وعن عكرمة: بالنبوّة
وأعبائها، ﴿قم﴾ [المدثر: ٢] من مضجعك أو هو مجاز، أي: قم مقام تصميم،

٤١٠
باب مبعث النبي عَيُّ
فأنذر وربك فكبر﴾ الآية وذلك قبل أن تفرض الصلاة رواه البخاري ومسلم
والترمذي.
ولم يكن جواره عليه الصلاة والسلام لطلب النبوة، لأنها أجل من أن تنال
بالطلب أو الاكتساب، وإنما هي موهبة من الله، وخصوصية يخص بها من يشاء من
عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
﴿فأنذر﴾ [المدثر: ٢]، حذر من العذاب من لم يؤمن بك، وحذف المفعول تفخيمًا، وفيه: أنه
أمر بالإنذار عقب نزول الوحي للإتيان بفاء التعقيب، واقتصر على الإنذار وإن كان بشيرًا ونذيرًا؛
لأن التبشير إنما يكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن حينئذ من دخل فيه.
﴿وربّك فكبر﴾ [المدثر: ٣]، عظمه ونزهه عمّا لا يليق به، وقيل: المراد تكبير الصلاة
واعترض. (الآية) أل للجنس، بدليل رواية بدء الوحي: فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يا أيها المدثر قم
فأنذر﴾ [المدثر: ١، ٢] إلى قوله: ﴿والرجز فاهجر﴾ [المدثر: ٥] يعني: ﴿وثيابك فطهر﴾ من النجاسة أو
قصرها أو طهر نفسك من كل نقص، أي: اجتنب النقائص، ﴿والرجز فاهجر﴾، الرجز:
لغة العذاب وفتر في الحديث بالأوثان؛ لأنها سبب العذاب، وقيل: الشرك، وقيل: الظلم، وكلّها
أفراد، فالمراد ما ينافي التوحيد ويؤول إلى العذاب.
(وذلك قبل أن تفرض الصلاة) التي هي ركعتان بالغداة وركعتان بالعشيّ؛ لأنها المحتاجة
للتنبيه عليها، وأمَّا الخمس فمتأخّرة عن ذلك؛ لكونها ليلة الإسراء. (رواه البخاري) في التفسير
والأدب وبدء الوحي، (ومسلم) في التفسير (والترمذي والنسائي ولم يكن جواره عليه الصلاة
والسلام لطلب النبوّة،) لأنه ولو علم بالبشارات الحاصلة قبل ولادته، وإخبار الكهنة وبحيرا
وغيرهم بأنه نبيّ آخر الزمان لكن صانه اللَّه سبحانه عن اعتقاد ما يخالف ما عنده تعالى من أنها
لا تنال بطلب فإنه عَّة قبل النبوّة منشرح الصدر بالتوحيد والإيمان وكذلك الأنبياء فإنهم، كما
قال عياض: معصومون قبلها من الشك في ذلك والجهل به اتّفاقًا، فإنما كان جواره مجرّد عبادة
وانعزال عن الناس واقتفاء لآثار جدّه، فإنه كما مرّ أوّل من تحنّث بحراء لا للنبوّة؛ (لأنها أجل من
أن تنال بالطلب والاكتساب) عطف تفسير (وإنما هي موهبة) بكسر الهاء (من اللَّه وخصوصية
يخصّ بها من يشاء من عباده) ولو كانت تنال بذلك لنالها كثير من العباد سنين كثيرة.
(و) قد قال سبحانه: (اللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته) أي: المكان الذي يضعها فيه،
وغرض المصنف دفع ما يتوهّم أن الجواز للنبوّة التي الكلام فيها: فأين إشعاره بأن الولاية مكتسبة
حتى يعترض عليه بنصّ بعض المحقّقين على امتناع اكتساب الولاية أيضًا، لكنّ لا يكفر إلا

٤١١
باب مبعث النبي عَ ليه
ولم تكن الرجفة المذكورة خوفًا من جبريل عليه السلام، فإنه عَّهِ أجل من
ذلك وأثبت جنانًا، وإنما رجف غبطة بحاله وإقباله على الله عز وجل، فخشي أن
يشغل بغير الله عن الله.
وقيل: خاف من ثقل أعباء النبوة.
وفي رواية البيهقي في الدلائل: أن خديجة قالت لأبي بكر: يا عتيق اذهب
به إلى ورقة، فأخذه أبو بكر، فقص عليه ما رأى، فقال عليه الصلاة والسلام إذا
خلوت وحدي سمعت نداء: يا محمد، فانطلق هاربًا .. فقال: لا تفعل إذا قال، فاثبت
مجوّزًا اكتساب النبوة، نعم لا يقصر كما قال بعض المتأخّرين شأن مجوّز اكتساب الولاية عن
التبديع، (ولم تكن الرجفة المذكورة) في قوله: فلم أثبت له، وفي رواية: فرعبت منه، وفي
أخرى: فجئثت بضم الجيم وكسر الهمزة وسكون المثلثة ففوقية، وفي أخرى: فجثثت بمثلثتين
من جثى كعنى، وفيه روايات أخر والكل في الصحيح. (خوفًا من جبريل عليه السلام، فإنه عَّه.
أجلّ من ذلك وأثبت جنانًا) بفتح الجيم، أي: قلبًا، (وإنما رجف) بفتحتين (غبطة) بكسر الغين:
فرحًا، (بحاله) وهي في الأصل حسن الحال؛ كما في القاموس. (وإقباله على اللَّه عزّ وجلّ
فخشى أن يشغل بغير اللَّه عن اللَّه) وقد أمن اللَّه خوفه فلم يكن يشغله عن اللَّه شيء، (وقيل:)
لم يخشَ ذلك بل (خاف من ثقل أعباء النبوّة) أثقالها جمع عبء مهموز، فالإضافة بيانيّة.
(وفي رواية البيهقي في الدلائل أن خديجة قالت لأبي بكر) الصدّيق، قال الزمخشري:
لعلّه كني بذلك لابتكاره الخصال الحميدة، (يا عتيق) ظاهر في القبول بأنه اسمه الأصلي؛ لأن
أُمّه استقبلت به الكعبة لما ولد وقالت: اللَّهمّ هذا عتيقك من الموت؛ لأنه كان لا يعيش لها ولد،
وقيل: سمي به لقول المصطفى: ((من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى أبي بكر)،
وبينهما تنافٍ، فإن قول خديجة قبل ظهور النبوّة وقد يتعسّف التوفيق بأنه اسمه ابتداء لكن لم
يشتهر به إلاّ بعد قول المصطفى، والصحيح ما جزم به البخاري وغيره أن اسمه عبد الله بن
عثمن. (اذهب به إلى ورقة، فأخذه أبو بكر فقصّ عليه ما رأى) ووفق العيني بين هذا ونحوه
وبين ما في الصحاح: أنها ذهبت معه إلى ورقة بأنها أرسلته مع الصدّيق مرة وذهبت به أخرى،
وسألت عداسًا بمكّة وسافرت إلى بحيرا؛ كما رواه التيمي كل ذلك من شدّة اعتنائها به معَّه.
ورضي عنها، انتهى.
وبيّ ما قصّه بقوله: (فقال عليه الصّلاة والسّلام: إذا خلوت وحدي سمعت نداء:
يا محمّد فانطلق هاربًا) خوفًا أن يكون من الجنّ، (فقال: لا تفعل، إذا قال) المنادي ذلك (فاثبت

٤١٢
باب مبعث النبي عَّ
حتى تسمع، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه يا محمد فثبت فقال: قل ﴿بسم
الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العاليمن﴾ [الفاتحة: ١، ٢]. إلى آخرها. ثم
قال: قل لا إله إلا الله. الحديث.
واحتج بذلك من قال بأولية نزول الفاتحة.
والصحيح أن أول ما نزل عليه مَّه من القرءان ﴿اقرأ﴾ كما صح ذلك عن
عائشة، وروي عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير.
قال النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف.
وأما ما روي عن جابر وغيره: أن أوّل ما نزل ﴿يا أيها المدثر﴾ فقال
النووي: ضعيف، بل باطل، وإنما نزلت بعد فترة الوحي.
حتى تسمع) ما بعد يا محمد، (ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه) على عادته التي كان
يفعلها معه، (يا محمد، فثبت فقال: قل: ﴿بسم الله الرحمن الرَّحيم، الحمد لله ربّ العالمين﴾
[الفاتحة: ١، ٢] إلى آخرها) أي: الفاتحة، (ثم قال: قل: لا إله إلاَّ اللَّه ... الحديث) وغرضه من
سياقه أنه معارض بحديث الصحيح في أن أوّل ما نزل اقرأ، كما أرشد إلى ذلك قوله الآتي، فقال
البيهقي: هذا منقطع ... الخ، وكذا قوله: (واحتجّ بذلك من قال بأوليّة نزول الفاتحة) أوّلية
مطلقة، (والصحيح أن أوّل ما نزل عليه عَّهِ من القرءان) أوّل سورة ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١]، إلى
قوله: ﴿ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥]، (كما صحّ ذلك عن عائشة) مرفوعًا.
(وروي عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير) بن قتادة بن سعد، أبي عاصم الليثي
المكي قاضيها الثقة الحافظ أحد كبار التابعين، (قال النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير
من السلف والخلف، وأمَّا ما روي عن جابر وغيره أنّ أوّل ما نزل) مطلقًا أوّل سورة ﴿يا أيّها
المدّثر﴾ [المدثر: ١]، إلى قوله: ﴿والرجز فاهجر﴾ [المدثر: ٥]، (فقال النووي: ضعيف بل
باطل) بطلانًا ظاهرًا ولا تغير بجلالة من نقل عنه فإن المخالفين له هم الجماهير ثم ليس إبطالنا قوله
تقليد للجماهير بل تمسّكًا بالدلائل الظاهرة، ومن أصرحها حديث عائشة. (وإنما نزلت) ﴿يا أيّها
المدّثر﴾ [المدثر: ١]، (بعد فترة الوحي) بعد نزول ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١]؛ كما صرّح
به في مواضع من حديث جابر نفسه؛ كقوله وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال: ((فأنزل اللَّه
﴿يا أيّها المدّثر﴾ [المدثر: ١]، وقوله: ((فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّه بين
السماء والأرض»، وقوله: ((فحمى الوحي وتتابع))، أي: بعد فتراته، انتهى كلام النووي كله في
شرحه للبخاري، وهو قطعة من أوّله فلا حجّة في حديث جابر على الأوّليّة المطلقة، وإن استدل

٤١٣
باب مبعث النبي عێ.
وأما حديث البيهقي أنه الفاتحة- كقول بعض المفسرين - فقال البيهقي:
هذا منقطع، فإن كان محفوظًا فيحتمل أن يكون خبرًا عن نزولها بعدما نزلت عليه
﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] و﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١].
وقال النووي - بعد ذكر هذا القول- بطلانه أظهر من أن يذكر. انتهى.
به جابر عليه. ففي البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة ابن
عبد الرحمن: أيّ القرءان أُنزل أوّل؟ فقال: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١]، فقلت: أنبئت أنه ﴿اقرأ
باسم ربّك﴾ [العلق: ١]، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد اللَّه أي القرءان أنزل أوّل فقال:
﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١]، فقلت: أَنبئت أنه ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١]، قال: لا أُخبرك
إلا بما قال رسول اللَّه عَّ له، قال: ((جاورت بحراء)) الحديث المتقدّم في المصنّف، ولذا قال
الكرماني: استخرج جابر أن أوّل ما نزل ﴿يا أيّها المدّثر﴾ [المدثر: ١] باجتهاده، وليس هو من
روايته؛ فالصحيح ما في حديث عائشة: من أن أوّل ما نزل ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١]، انتهى.
لأنها رفعته والمرفوع مقدّم على الاستنباط ولا سيّما مع قبوله للتأويل، بل هو الظاهر منه
وبهذا علمت صعوبة قول السيوطي والمصنّف مراد جابر أوليّة مخصوصة بما بعد فترة الوحي، أو
بالأمر بالإنذار، أو بقيد السبب، وهو ما وقع من التشديد. وأمَّا ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١] فنزلت ابتداء
بغير سبب، انتهى. لأن هذا إنما يصحّ لو لم يقل له السائل أَنبئت أن أوّله: ﴿اقرأْ﴾ [العلق: ١]،
نعم هي أجوبة عن دلیله.
فإن قلت: كيف حكم النووي وغيره بالضعف بل بالبطلان على المروي عن جابر مع
صحّة الطريق إليه، كيف وهو أرفع الصحيح مروي الشيخين؟
قلت: حكمه إنما هو على نفس القول الذي صحّت نسبته لقائله بصحّة إسناده، ونظير هذا
في القرءان كثير، وقالوا: يا أيّها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون، فلا شكّ أن قولهم باطل،
ولا في القطع بأنهم قالوه.
(وأمَّا حديث البيهقي) المارّ (أنه الفاتحة؛ كقول بعض المفسّرين، فقال البيهقي: هذا
منقطع) فلا حجّة فيه؛ لأنه من أقسام الضعيف، (فإن كان محفوظًا) من غير هذا الوجه،
(فيحتمل أن يكون خبرًا عن نزولها بعد ما نزلت عليه: ﴿اقرأ باسم ربّك﴾ [العلق: ١] و﴿يا أيّها
المدّثر﴾ [المدثر: ١]، فلا حجّة فيه للأوّلية المطلقة، وبهذا يسقط زعم أن رواية البيهقي قبل
أن يرى المصطفى جبريل بالمرّة. (وقال النووي، بعد ذكر هذا القول: بطلانه أظهر من أن يذكر)
لمخالفته للمرفوع مع صحّته وعدم تطرّق الاحتمال إليه لصراحته، ولذا جزم به الجمهور، (انتهى.)
فتحصّل ثلاثة أقوال في أوّل ما نزل: ﴿اقرأ﴾، ﴿المدّثر﴾، ﴿الفاتحة﴾، وقيل:

٤١٤
باب مبعث النبي طيـ
وقد روي أن جبريل عليه السلام أول ما نزل على النبي عَِّ بالقرءان أمره
بالاستعاذة، كما رواه الإمام أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس قال: أول ما نزل
جبريل على محمد عَّ له قال: يا محمد، استعذ، قال: استعيذ بالسميع العليم من
الشيطان الرجيم، قال: قل ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قال: ﴿اقرأ باسم
ربك الذي خلق﴾ [العلق: ١]. قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها على محمد عَ لَّه
قال الحافظ عماد الدين بن كثير بعد أن ذكره: وهذا الأثر غريب، وإنما
ذكرناه ليعرف، فإن في اسناده ضعفًا وانقطاعًا، والله أعلم.
وقد أورد ابن أبي جمرة سؤالاً، وهو أنه: لم اختص عَِّ بغار حراء، فكان
يخلو فيه ويتحنث دون غيره من الواضح؟
وأجاب: بأن هذا الغار له فضل زائد على غيره من جهة أنه منزوٍ مجموع
﴿المزمل﴾، وقيل: ﴿ن والقلم﴾، وهما ضعيفان أيضًا.
(وقد روي أن جبريل عليه السّلام أوّل ما نزل على النبيّ ◌َّله بالقرءان أمره بالاستعاذة؛
كما رواه الإمام) المجتهد المطلق (أبو جعفر) محمّد (بن جرير) الطبري البغدادي الحافظ، (عن
ابن عباس، قال: أوّل ما نزل جبريل على محمّد عَّهِ، قال: يا محمّد، استعذ، قال: أستعيد
بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ) يحتمل أنه فهم منه هذا اللفظ أو قال له: قل ذلك، كما
(قال) له (قل: بسم الله الرحمن الرحيم،) فقالها: (ثم قال: ﴿اقرأ باسم ربّك الذي خلق﴾
[العلق: ١]، (قال عبد اللَّه) بن عباس: (وهي أوّل سورة أنزلها على محمّد عَّه)، ولو صحّ لكان
حكمه الرفع، إذ لا مجال للرأي فيه، لكن (قال الحافظ عماد الدين بن كثير، بعد أن ذكره:
وهذا الأثر غريب، وأنما ذكرناه ليعرف فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا،) ولا يقدح ذلك في
جلالة مخرجه ابن جرير؛ لأن المحدثين إذا أُوردوا الحديث بسنده برئوا من عهدته، (والله أعلم)
بصحّته في نفس الأمر وضعفه.
(وقد أورد) الإمام (ابن أبي جمرة) بجيم وراء (سؤالاً وهو أنه: لمَ اختصّ عَّ بغار حراء)
الباء داخلة على المقصور عليه، أي: لم قصر نفسه على الخلوة به دون غيره؟ وفي نسخة: لم
خصّ غار حراء؟، أي: لمَ ميّزه؟ والمعنى واحد. (فكان يخلو فيه ويتحنّث دون غيره من
الواضع، وأجاب بأن) المصطفى خصّه لأن (هذا الغار له فضل زائد على غيره من جهة أنه منزو
مجموع) صفة كاشفة، ففي المختار: زوى الشيء جمعه، ولعلّ المعنى هنا منعطف مائل عن

٤١٥
مَالـ
باب مبعث النبي :
لتحنثه وهو يبصر بيت ربه، والنظر إلى البيت عبادة، فكان له فيه اجتماع ثلاث
عبادات: الخلوة والتحنث والنظر إلى البيت. وغيره ليس فيه هذه الثلاث.
ولله در المرجاني حيث قال في فضائل حراء وما اختص به:
تأمل حراء في جمال محياه فكم من أناس من حلا حسنه تاهوا
فمما حوى من جالعلياه زائرًا
مرور الناس عليه فيتمكن من عدم مخالطتهم، فيتخلى للعبادة صالح (لتحنثه) فهو متعلق
بمحذوف أو بمجموع على أنه نعت سببي، أي: مجموع حواس من يختلى به، (وهو يبصر) فيه
(بيت ربّه) الكعبة (والنظر إلى البيت عبادة؛) كما في الخبر: ((إن اللَّه ينزل عليه عشرين رحمة)،
(فكان له فيه اجتماع ثلاث عبادات: الخلوة،) هي أن يخلو عن غيره بل وعن نفسه بربّه، وعند
ذلك يكون خليقًا بأن يكون قالبه ممرّ الواردات من علوم الغيب وقلبه مقرًّا لها، قاله المصنّف.
(والتحقّث والنظر إلى البيت، وغيره ليس فيه هذه الثلاث) وناهيك بالخلوة من عبادة؛
لأنها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق والراحة من أشغال الدنيا والتفرّغ للَّه فيجد الوحي فيه
متمكّنًا؛ كما قيل:
وصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا ولذا حببت للمصطفى
ثم هذا الجواب أولى من قول المصنّف في شرح البخاري، إنما كان يخلو بحراء دون
غيره؛ لأن جده عبد المطّلب أوّل من كان يخلو فيه من قريش وكانوا يعظّمونه لجلالته وسنّه،
فتبعه على ذلك فكان يخلو بمكان جدّه وكان الزمن الذي يخلو فيه شهر رمضان فإن قريشًا
کانت تعظمه، کما کانت تصوم شهر عاشوراء، انتھی.
(وللَّه درّ المرجاني) عبد الله بن محمّد القرشي الإمام القدوة الواعظ المفسّر أحد الأعلام
في الفقه والتصوّف، قدم مصر ووعظ بها واشتهر في البلاد وامتحن وأفتى العلماء بتكفيره ولم
يؤثروا فيه، فعملوا عليه الحيلة فقتل بتونس سنة تسع وستمائة، ذكره في اللواقح (حيث قال في
فضائل حراء وما اختصّ به) أبياتًا، هي: (تأمّل حراء) بالمدّ على اللغة الفصحى فيه، ولا يقصر
هنا للوزن، (في جمال محياه) هو الوجه، (فكم من أناس من حلى) بضم الحاء، (حسنه تاهوا)
پاشباع الهاء للروي.
(فمما حوى) الظاهر: أن مبتدأ بمعنى بعض على حدّ ما قيل في نحو قوله تعالى: ﴿ومن
الناس من يقول آمنا بالله﴾ [البقرة: ٨]، وما موصول وصلته جملة حوى والعائد محذوف، أي:
فبعض الذي حواه، (من) فاعل حوى (جا) صلته (لعلياه) متعلّق به (زائرًا) حال من الفاعل للتبرك

٤١٦
باب مبعث النبي
يفرج عنه الهم في حال مرقاه
به خلوة الهادي الشفيع محمد وفيه له غار له كان يرقاه
وقبلته للقدس كانت بغاره وفيه أتاه الوحي في حال صبراه
وفيه تجلى الروح بالموقف الذي به الله في وقت البداءة سواه
وتحت تخوم الأرض في السبع أصله
ومن بعد هذا اهتز بالسفل أعلاه
ولما تجلى الله قدس ذكره لطور تشظى فهو إحدى شظاياه
ومنها ثبير
بحلول المصطفى وجبريل فيه؛ كما نزل عَّه في أماكن حلّ بها أنبياء ليلة الإسراء، والخبر هو
قوله: (يفرج عنه الهمّ في حال مرقاه) بالبناء للمفعول، أي: يفرج الله كل همه في حال صعوده
ذلك الجبل الذي أجلّ فضائله أنه كانت (به خلوة الهادي الشفيع محمّد) قبل النبوّة وبعدها في
مدّة الفترة، (وفيه له غار له) كرّرها للتقوية والإشارة إلى اختصاصه به حتى كأنه ملكه (كان
يرقاه) فجاءه فيه جبريل (وقبلته للقدس كانت بغاره) فيه نظر، فإنه إنما صلّى للقدس بعد الإسراء
وفرض الصلاة، وأوّل ما صلّى إلى الكعبة؛ كما يجيء مبيّنًا في تحويل القبلة، ويحتمل أنه بناه
على أنه عَّ هِ كان متعبّدًا قبل النبوّة بشرع موسى وكانت قبلته للقدس.
(وفيه أتاه الوحي في حال صبراه) من الصبر حبس النفس على الخلوة به والتعبّد فيه،
وفي نسخ: مبدأه، والأولى أحسن؛ لعدم الإيطاء فإنه سيقول مبدأه رابع بيت بعد هذا: (وفيه
تجلّى الروح بالموقف الذي به اللَّه في وقت البداءة سواه وتحت تخوم الأرض) جمع تخم
كفلس وفلوس، وهو منتهى كل قرية أو أرض أو حدودها، وقال ابن السكيت: تخوم مفرد،
وجمعه: تخم، مثل صبور وصبر؛ كما في الصحاح وغيره.
(في السبع أصله) أي: أن أصله تحت الأرض السابعة، (ومن بعد هذا اهتزّ) تحرّك طربًا
بمن علاه (بالسفل) أي: بسبب تحرّك أسفله وفاعل اهتزّ (أعلاه) معجزة، روى مسلم عن أبي
هريرة: أنه مَُّلِّ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمن وعليّ وطلحة والزبير فتحرّكِت
الصخرة، فقال ◌َ له: ((اسكن حراء، فما عليك إلاَّ نبيّ أو صدّيق أو شهيد))، ووقع ذلك لأحد
وثبير أيضًا، ويأتي إن شاء اللَّه تفصيله في المعجزات.
(ولما تجلّى اللَّه قدّس ذكره) أي: أظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر؛ كما في
حديث صححه الحاكم. (لطور تشفى) أي: تفلق وتطاير منه قطع فصارت جبالاً، (فهو إحدى
شظاياه) جمع شفى وهو كل فلقة من شيء، وتشظى العود: تطاير شظًا؛ كما في القاموس.
(ومنها) أي: شظاياه، (ثبير) بمثلثة فموحدة فتحتية فراء بوزن أمير، جبل مقابل حراء، وبينهما

٤١٧
باب مبعث النبي عَّ.
ثم ثور بمكة كذا قد أتى في نقل تاريخ مبدأه
وفي طيبة أيضًا ثلاث فعدها فعيرًا وورقانّا وأحدا رؤيناه
ويقبل في ساعة الظهر من دعا به وينادي من دعانا أجبناه
وفي أحد الأقوال في عقبة مرا أتى ثم قابيل لهابيل غشاه
الوادي وهما على يسار السالك إلى منى، حراء قبلى ثبير مما يلي شمال الشمس. (ثم ثور) بمثلثة
جبل (بمكّة) به الغار المذكور في التنزيل دخله عَّ ل في الهجرة (كذا قد أتى في نقل تاريخ
مبداه) أي: حراء، والله أعلم بصحته.
(وفي طيبة أيضًا) تشفى الطور، (ثلاث فعدّها فعَيْرا) أي: فتشظى عيرًا بفتح العين وسكون
التحتية وراء مهملة بلفظ مرادف الحمار جبلي قبلي المدينة قرب ذي الحليفة، قال فيه عَ له:
(وغير يبغضئا ونبغضه، وإنه على باب من أبواب النار))، رواه البرار وغيره ولكن الناظم في عهدة:
إن عيرًا منها، فالذي رواه الواحدي مرفوعًا كما يأتي، وحكاه البغوي عن بعض التفاسير بدل عير
رضوى وهو بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة جبل بالمدينة على ما في الصحاح.
وفي حديث رضوى رضي اللَّه عنه: وقدس، فهذا المناسب؛ لكونه من شظايا الطور مع إنه
الوارد، لا غير المبغوض. (وورڤانا) بفتح الواو وكسر الراء وسكنها للنظم فقاف، قال في
القاموس: ورقان بكسر الراء جبل أسوذ بين العرج والرويثة بيمين المصعد من المدينة إلى مكة
حرسهما اللَّه تعالى، (وأحدًا) بضم الهمزة والخاء وسكنها للوزن، الجبل المشهور الذي قال فيه
المصطفی: «أُحد جبل يحبنا ونخبه).
(رويناه) أخرج الواحدفي عن أنس رفعه: «لا تجلّى ربه للجبل جعله ذًا طار لعظمته ستّة
أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان ورضوى، ووقع بمكّة؛ ثور وثبير وحراء». وقال البغوي:
وفي بعض التفاسير فذكره، ولم يرفعه في فتح الباري. أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي ملك رفعه»
وهو غريب مع إرسالة.
(ويقبل فيه) في حراء (ساعة الظهر) دعاء (من دعا به ويعادي من دعانا أجبناه وفي أحد
الأقوال في عقبة خرام بالقصر والصرف وسكون قاف عقبة للشعر، قال القاموس: العقبة
بالتحريك)) أي: بفتح العين والقافى مرقى صعب من الجبال والجمع عقاب، (أننى ثم) جاء هناك
(قابيل) بن آدم (لهابيل) أخيه (غشاه) أي: قتله، قال الثعلبي: كان لها بيل يؤم قتل عشرون مننة؛
واختلفوا في مصرغة وموضع قتله، فقال ابن عباس: على جبل ثور، وقال بعضهم: على عقبة
حراء، وقال جعفر الصادق؛ بالبصرة في المسعنه الأعظم، اثثهى:

٤١٨
باب مبعث النبي عَّ
ومما حوى سرًا حوته صخوره من التبر إكسيرًا يقام سمعناه
سمعت به تسبيحها غير مرة وأسمعته جمعًا فقالوا سمعناه
به مركز موضع النور الإلهي مثبتًا فللَّه ما أحلى مقامًا بأعلاه
وروى أبو نعيم أن جبريل وميكائيل شقا صدره وغسلاه ثم قال: ﴿اقرأ باسم
وذكر السدّي بأسانيده أن سبب قتله أن آدم كان يزوّج ذكر كل بطن من ولده بأُنثى
الآخر، وكانت أُخت قابيل أحسن من أُخت هابيل، فأراد قابيل أن يستأثر بأخته فمنعه آدم فلمًا
ألح عليه به أمرهما أن يقربا قربانًا، فقرب قابيل حزمة من زرع، وكان صاحب زرع؛ وقرب هابيل
جذعة سمينة و کان صاحب مواش، فنزلت نار فأكلت قربان هابیل دون قابیل، فكان ذلك سبب
الشرّ بينهما، قال في فتح الباري: هذا هو المشهور.
ونقل الثعلبي بسنده عن جعفر الصادق أنه أنكر أن يكون آدم زوّج ابنًا له بابنة له، وإنما
زوّج قابيل جنية وزوّج هابيل حورية، فغضب قابيل، وقال له: يا بني ما فعلته إلاَّ بأمر الله، فقربا
قربانًا وهذا لا يثبت عن جعفر ولا عن غيره ويلزم منه أن بني آدم من ذريّة إبليس؛ لأنه أبو الجنّ
كلّهم أو من ذرّية الحور العين وليس لذلك أصل ولا شاهد، انتهى.
(ومما حوى) حراء (سرًّا) هو لغة ما يكتم ويستعار للشيء النفيس، (حوته صخوره) أي:
حراء، (من التبر) بالكسر: الذهب والفضّة أو فتاتهما قبل أن يصاغا فإذا صيغا فهما ذهب وفضّة،
أو ما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ، قاله القاموس.
(إكسيراً) بالكسر: الكيمياء؛ كما في القاموس. (يقام) يصاغ، ومعنى البيت (سمعناه) أي:
روينا عن غيرنا تسبيحًا ويصدقه أنني (سمعت به) بحراء (تسبيحها) أي: صخوره (غيرة مرة
وأسمعته جمعًا فقالوا سمعناه) أي: نفس التسبيح بآذاننا فاندفع الإيطاء بوجه بديعي، (به مركز
موضع النور الإلهي مثبتً) ثابتًا (فللَّه ما أحلى) أعذب (مقامًا) بضمّ الميم وفتحها على ما في
القاموس، أي: إقامة، (بأعلاه) وجعل الجوهري الضم للإقامة من أقام يقيم، والفتح للموضع، قال:
وقوله تعالى: ﴿لا مقام لكم﴾ [الأحزاب: ١٣]، أي: لا موضع لكم وقرىء بالضم، أي: لا إقامة
لکم، انتھی.
واعلم: أن قوله: ولله درّ المرجاني إلى هنا ساقط في أكثر النسخ؛ لكنه ثابت في بعض
النسخ القديمة المقروءة.
(وروى أبو نعيم) أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني في دلائل النبوة من حديث عائشة، (أن
جبريل وميكائيل شقًا صدره وغسلاه، ثم قال:) جبريل ﴿اقرأ باسم ربّك﴾ [العلق: ١].

٤١٩
باب مبعث النبي عَ ليه
ربك﴾، الآيات، الحديث، وفيه: فقال ورقة: أبشر، أشهد بأنك الذي بشر بك
المسيح ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل.
وكذا روى شق صدره الشريف هنا أيضًا الطيالسي والحرث في مسنديهما.
والحكمة فيه: ليتلقى النبي عَ له ما يوحى
وفي نسخة: قالا: فإن كان محفوظًا فلعلّه نسبة لهما وإن كان القائل جبريل لإقرار ميكائيل
مقالة جبريل ورضاه بها، (الآيات) إلى قوله: ﴿ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥]، (الحديث، وفيه: فقال
ورقة: أبشر أشهد بأنك الذي بشّر بك المسيح ابن مريم) في قوله: ومبشّرًا برسول يأتي من
بعدي اسمه أحمد، (وأنك على مثل) أي: صفة مماثلة لصفة (ناموس موسى) من مجيء الوحي
لك كما جاء له، (وأنك نبيّ مرسل) وفيه دلالة ظاهرة على إيمانه.
(وكذا روى شقّ صدره الشريف هنا) عند مجيء الوحي، (أيضًا) وفاعل روى (الطيالسي)
أبو داود سليمن بن الجارود البصري الحافظ الثقة كثير الحديث، روى عن ابن عون وشعبة
وخلق، وعنه أحمد وابن المديني وغيرهما، علّق له البخاري، وأخرج له مسلم والأربعة توفي سنة
ثلاث أو أربع ومائتين عن اثنتين وسبعين سنة، (والحرث) بن محمّد بن أبي أسامة واسمه داهر
الحافظ أبو محمّد التميمي البغدادي ولد سنة ستّ وثمانين ومائة، وسمع يزيد بن لهرون وغيره
وعنه ابن جرير الطبري وعدّة، وثّقه ابن حبان والحربي مع علمه بأنه يأخذ على الرواية، وضعفه
الأزدي وابن حزم، وقال الدارقطني: صدوق، وأما أخذه على الرواية فكان فقيرًا كثير البنات،
توفي يوم عرفة سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
(في مسنديهما) والبيهقي وأبو نعيم في دلائلهما كلهم عن عائشة: (أنه عَِّ نذر أن
يعتكف شهرًا هو وخديجة فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج ذات ليلة، فقال: ((السلام عليك،
قال: فظننت أنها فجأة الجنّ، فجئت مسرعًا حتى دخلت على خديجة، فقالت: ما شأنك؟
فأخبرتها فقالت: أبشر فإن السلام خير، ثم خرجت مرة أُخرى فإذا أنا بجبريل على الشمس جناح
له بالمشرق وجناح له بالمغرب، فهلت منه فجئت مسرعًا، فإذا هو بيني وبين الباب، فكلّمني
حتى أنستِ منه، ثم وعدني مواعداً فجئت له فأبطأ عليّ، فأردت أن أرجع فإذا أنا به وبميكائيل
قد سدّ الأفق، فهبط جبريل وبقي ميكائيل بين السماء والأرض فأخذني جبريل فألقاني لحلاوة
القفا، ثم شقّ عن قلبي فاستخرجه ثم استخرج منه ما شاء اللَّه أن يستخرج، ثم غسله في طست
من ماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه ثم كفأني كما يكفأ الإناء، ثم ختم في ظهري حتى
وجدت مسّ الخاتم في قلبي)).
(والحكمة فيه:) أي: الشقّ، حينئذ هي كما قال في الفتح (ليتلقى النبيّ عَّ له ما يوحى

٤٢٠
مراتب الوحي
إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير.
قال ابن القيم وغيره: وكمل الله تعالى له من الوحي مراتب عديدة:
إحداها: الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه،
إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير.) وهذا الشقّ ثالث مرة، والأولى: عند حليمة،
والثانية: وهو ابن عشر سنين، والرابعة: ليلة الإسراء، ولم تثبت الخامسة؛ كما مرّ ذلك مبسوطًا.
مراتب الوحي
(قال ابن القيم وغيره: وكمّل اللّه تعالى له) أي: أعطاه (من الوحي مراتب) جمع مرتبة،
أي: منازل، أي: أنواعًا انحصرت في مراتب (عديدة) هي هذه المراتب لا ما يتبادر من لفظ
كمل وهو حصول وحي قبلها لعدم وجود شيء من الوحي قبل نزوله، وعبّر بمراتب دون أنواع وإن
عبر به الشامي إشارة لشرفها، وتعبير الحافظ كاليعمري بحالات يوهم أنها غير الوحي ضرورة أن
المضاف غير المضاف إليه، إلا أن تكون الإضافة بيانية، ومن في الوحي ابتدائية أو بيانية فلا
وحي غير المراتب أو تبعيضيّة؛ لأنه عليه السّلام لم يقع له مما يروى أن من الأنبياء من يسمع
صوتًا ولا يراه فيكون نبيًّا، ففي أنه صوت ليس بحرف يخلق في الجو ويخلق في سامعه علم
ضروري يعلم به المراد أو بحرف يسمعه من قصدت نبوّته مع خلق علم ضروري أنه من اللَّه
احتمالان وأيضًا فهو لم يستوف المراتب لقوله الآتي: ويزاد ... الخ.
(إحداها) أي: المراتب، وفي نسخة: أحدها بالتذكير نظرًا إلى أن المراد بالمراتب الأنواع
والتأنيث فيما بعدها نظراً للفظ، والأولى أنسب. (الرؤيا الصادقة) بعد النبوّة أو قبلها لأنها مقرّرة
لما بعدها. نعم، المختصّ بما بعدها الوحي بالأحكام التي يعمل بها، (فكان لا يرى رؤيا إلا
جاءت مثل فلق الصبح) كما مرّ عن عائشة واستدلّ السهيلي وغيره على أنها من الوحي، بقول
إبراهيم: ﴿يا بنيّ أني أرى في المنام أني أُذبحك﴾ [الصافات: ١٠٢]، فدلّ على أن الوحي
يأتيهم منامًا كما يأتيهم يقظة، وبرواية ابن اسحق: أن جبريل أتاه ليلة النبوّة وغطّه ثلاثًا وقرأ عليه
أول سورة ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١]، ثم أتاه وفعل ذلك معه يقظة، وفي الصحيح عن عبيد بن عمير:
رؤيا الأنبياء وحي، وقرأ ﴿يا بنيّ﴾ الآية.
(الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه) وإطلاق الوحي على ذلك مجاز من إطلاق
المصدر بمعنى اسم المفعول وحقيقة الوحي هنا الإعلام في خفاء أو الإعلام بسرعة، وشرعًا
الإعلام بالشرع، قاله الشامي. (من غير أن يراه) وعلم أنه وحي دون الإلهام الذي لا يستلزم