Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ بنيان قريش الكعبة وصانع المنبر الشريف، بأن يبني الكعبة المعظمة. لاود بن سام بن نوح، انتھی. فيحتمل أنه كان يستخرج الماء فنسب إليه وإن كان روميًّا، ويؤيّده قول بعضهم وكان نجّارًا بناء فإن من جملة حرف البناء معرفة استخراج الماء من المواضع بأن يقول: الماء يوجد هنا أقرب من هنا فليست بتحريف. (وصانع المنبر الشريف) النبوي المدني في أحد الأقوال كما يجيء إن شاء اللّه تعالى، وأخرج أبو نعيم بسند ضعيف عن صالح مولى التومة: حدّثني باقوم مولى سعيد بن العاص، قال: صنعت لرسول اللَّه عَّاللّه منبرًا من طرفاء الغابة ثلاث درجات المقعد ودرجتين. (بأن يبني الكعبة المعظمة) وذلك أنه كان بسفينة ألقاها الريح بجدة فتحطمت فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إليها، فابتاعوا خشبها وأعدّوه لتسقيف الكعبة وكلّموا باقوم الرومي في بنائها فقدم معهم. قال ابن إسحق: وكان بمكّة رجل قبطي نجّار فهيّأ لهم بعض ما يصلحها، قال: فهاب الناس هدمها وفرّقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام وهو يقول: اللَّهمّ لم ترع، بفوقية مضمومة فراء مفتوحة، أي: لم تفزع الكعبة فأضمرها التقدّم ذكرها، وهذا أولى من إعادة السهيلي الضمير للَّه قائلاً: لا روع هنا، فينبغي لكن الكلمة تقتضي إظهار قصد البرّ فيجوز التكلّم بها في الإسلام، واستشهد بحديث: (فاغفر فدا لك ما أبقينا))، قال: وفي رواية: لم نزغ، أي: بفتح النون وكسر الزاي وغين معجمة، قالَ: وهو جليّ لا يشكل، أي: لم نمل عن دينك ولا خرجنا عنه، اللّهمّ لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين الأسود واليماني وتربّص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شىء هدمنا فقد رضي اللَّه ما صنعنا فأصبح الوليد من ليلته عائدًا إلى عمله فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم أفضوا إلى حجارة خضر كالأسمنة جمع سنام، وهو أعلى الظهر للبعير، ومن رواه كالأسمنة جمع سنان شبهها بالأسنة في الخضرة أخذ بعضها ببعض فأدخل رجل ممن كان يهدم عتلته بين حجرين منها ليقلع بها بعضها، فلما تحرّك الحجر تنغّصت مكة بأسرها وأبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل، فانتهوا عن ذلك الأساس وبنوا عليه. وفي رواية: لما شرعوا في نقض البناء خرجت عليهم الحيّة التي كانت في بطنها تحرسها سوداء البطن، فمنعتهم من ذلك فاعتزلوا عند مقام إبراهيم فتشاوروا، فقال لهم الوليد: ألستم تريدون بها الإصلاح؟ قالوا: بلى، قال: فإن اللَّه لا يهلك المصلحين ولكن لا تدخلوا في ٣٨٢ بنيان قريش الكعبة وحضر عَّهِ وكان ينقل معهم الحجارة، وكانوا يضعون أزرهم . بيت ربكم إلا طيب أموالكم، وتجنّبوا الخبيث فإن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبًا. وعند موسى بن عقبة، أنه قال: لا تجعلوا فيها مالاً أخذه غصبًا ولا قطعت فيه رحم، ولا انتهکت فيه حرمة. وعند ابن إسحق: أن الذي أشار عليهم بذلك هو أبو وهب بن عمر بن عامر بن عمران بن مخزوم ففعلوا ودعوا، وقالوا: اللَّهمّ إن كان لك في هدمها رضَى فأتّه وآشغل عنّا هذا الثعبان، فأقبل طائر من جوّ السماء كهيئة العقاب ظهره أسود وبطنه أبيض ورجلاه صفراوان والحيّة على جدار البيت فأخذها ثم طار بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن اللَّه قبل عملكم ونفقتكم. وفي التمهيد عن عمرو بن دينار: لما أرادت قريش بناء الكعبة خرجت منها حيّة فحالت بينهم وبينها فجاء عقاب أبیض، فأخذها ورمی بها نحو أجیاد، انتهى. وعن ابن عباس: أنها الدابّة التي تخرج في آخر الزمان تكلّم الناس اختطفها العقاب، فألقاها الحجون فابتلعتها الأرض، وقيل: الخارجية فصيل ناقة صالح وهما غريبان. وروى ابن راهويه في حديث عن عليّ: فلمَّا أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه، فقالوا: نحكم بيننا أوّل من يخرج من هذه السكة، فكان عَّ أوّل من خرج فحكم بينهم أن يجعلوه في ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل. وذكر الطيالسي، أنهم قالوا: نحكّم أوّل من يدخل من باب بني شيبة، فكان عَّهِ أوّل من دخل منه، فأخبروه فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه ثم أخذه فوضعه بيده. وذكر الفاكهي وابن إسحق: إن الذي أشار عليهم أن يحكّموا أوّل داخل أبو أُميّة المخزومي أخو الوليد، وعند موسى بن عقبة أن المشير أخوه الوليد. قال السهيلي: وذكر أن إبليس كان معهم في صورة شيخ نجدي، فصاح بأعلى صوته: يا معشر قريش، أقد رضيتم أن يضع هذا الركن وهو شرفكم غلام يتيم دون ذوي أسنانكم، فكاد یثیر شگًّا بینھم، ثم سكتوا. وحكى في الروض: أنها كانت تسعة أذرع من عهد إسماعيل، يعني طولاً، ولم يكن لها سقف فلما بنتها قريش زادوا فيها تسعة أذرع ورفعوا بابها على الأرض، فكان لا يصعد إليها إلا في درج أو سلّم. وقال الأزرقي: كان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر، ونقصوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في الحجر. (وحضر عَّة) بناءها (وكان ينقل معهم الحجارة) من أجياد (وكانوا يضعون أزرهم) جمع ٣٨٣ بنيان قريش الكعبة على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل ذلك معَّ له فلبط به - بالموحدة، كعنى أي سقط من قيامه كما في القاموس - ونودي: عورتك، فكان ذلك أوّل ما نودي. إزار، يذكّر ويؤنّث، (على عواتقهم ويحملون الحجارة، ففعل ذلك عَّله) بأمر العباس، فروى الشيخان عن جابر، قال: لمّا بنيت الكعبة ذهب النبيّ عَّه والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبيّ عَّله: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، ففعل فخرّ إلى الإرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال: ((إزاري إزاري))، فشدّ عليه إزاره، فما رؤي بعد ذلك عريانًا. (فلبط به بالموحّدة، كعنى) فهو من الأفعال التي جاءت بصيغة المبني للمفعول، وهي بمعنى المبني للفاعل، (أي: سقط من قيامه؛ كما في القاموس، ونودي) يا محمّد، غطّ (عورتك) روى عبد الرزاق والطبراني والحاكم عن أبي الطفيل، قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنيّة بالرضم ليس فيها مدور وكانت ذات ركنين، فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبًا من جدّة انكسرت فخرجت قريش ليأخذوا خشبها فوجدوا الرومي الذي فيها نجّارًا فقدموا به وبالخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كلّما أرادوا القرب لهدمه بدت لهم حيّة فاتحة فاهًا، فبعث اللَّه طيرًا أعظم من النسر فغرز مخاليبه فيها، فألقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبيّ عَّهِ يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صغرها، فنودي: يا محمّد خمّر عورتك، فلم يُرَ عريانًا بعد ذلك. ففي قول السراج بن الملقن في شرح البخاري: لعلّ جزعه لانكشاف جسده، وليس في الحديث، يعني حديث جابر المتقدّم أنه انكشف شىء من عورته تقصير؛ لأنه وإن لم يكن فيه فقد ورد في غيره، وخير ما فسّرته بالوارد نعم ليس المراد العورة المغلظة. (فكان ذلك أوّل ما نودي) زاد في رواية أبي الطفيل: فما رأيت له عورة قبل ولا بعد، وذكر ابن إسحق في المبعث: وكان عٍَّ يحدث عمّا كان اللَّه يحفظه فى صغره أنه قال: ((لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلّنا قد تعرّى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم لذلك وأُدبر، إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال: شدّ عليك إزارك، فشددته عليّ، ثم جعلت أحمل وإزاري عليّ من بين أصحابي)). قال السهيلي: إنما وردت هذه القصّة في بنيان الكعبة، فإن صحّ أن ذلك كان في صغره فهي قصّة أُخرى، مرة في الصغر، ومرّة بعد ذلك، قلت: قد يطلق على الكبير غلام إذا فعل فعل الغلمان فلا يستحيل اتّحاد القصة اعتمادًا على التصريح بالأوليّة في حديث أبي الطفيل، كذا في ٣٨٤ بنيان قريش الكعبة فقال له أبو طالب أو العباس: يا ابن أخي اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابتي ما أصابني إلا من التعري. خاتمة. فتح الباري. وجمع في كتاب الصلاة بحمل ما عند ابن إسحق على غير الضرورة العادية، وما في حديث جابر على الضرورة العادية، والنفي فيها على الإطلاق، أو يتقيّد بالضرورة الشرعية؛ کحالة النوم مع الأهل أحیانا، انتهى. (فقال له أبو طالب أو العبّاس) شكٌّ من الراوي (يا ابن أخي، اجعل إزارك على رأسك) وكأنه توهّم أن سقوطه من جعله على رقبته، لا من كشف عورته ولا يشكل أنه نودي عورتك؛ لجواز أنه لم يسمع النداء وإنما سمعه المصطفى، (فقال: ما) نافية (أصابني ما) الذي (أصابني) من السقوط (إلاَّ من التعرّي). خاتمة اختلف في أوّل من بنى الكعبة، فذكر المحبّ الطبري في منسكه قولاً: أن اللَّه وضعه أوّلاً لا ببناء أحد، وروى الأزرقي عن علي بن الحسين: أن الملائكة بنته قبل آدم. وروى عبد الرزاق عن عطاء، قال: أوّل من بنى البيت آدم. وعن وهب بن منبه: أوّل من بناه شيث بن آدم. وفي الكشاف: أوّل من بناه إبراهيم، وجزم به ابن كثير، زاعمًا أنه أوّل من بناه مطلقًا إذ لم يثبت عن معصوم أنه كان مبنيًّا قبله. قلت: ولم يثبت عن معصوم أنه أوّل من بناه. وقد روى البيهقي في الدلائل عن ابن عمر، عن النبيّ عَّهِ قصّة بناء آدم لها، ورواه الأزرقي وأبو الشيخ وابن عساكر، عن ابن عباس موقوفًا وحكمه الرفع، إذ لا يقال رأيًا، وأخرج الشافعي عن محمّد بن كعب القرظي، قال: حجّ آدم فلقيته الملائكة، فقالوا: بر نسكك يا آدم. وقد روى ابن أبي حاتم، من حديث ابن عمر: أن البيت رفع في الطوفان فكان الأنبياء بعد ذلك يحجّونه ولا يعلمون مكانه حتى بوَّه اللَّه لإبراهيم ڤبناه على أساس آدم وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعهم، وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعا بذرعهم، وأدخل الحجر في البيت ولم يجعل له سقفًا وجعل له بابًا وحفر له بئرًا عند بابه يلقى فيها ما يهدى للبيت؛ فهذه الأخبار وإن كانت مفرداتها ضعيفة، لكن يقوّي بعضها بعضًا ثم العمالقة ثم جرهم، رواه ابن أبي شيبة وابن راهويه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن عليّ؛ أن بناء إبراهيم لبث ما شاء اللَّه أن يلبث ثم انهدم فبنته العمالقة ثم انهدم، فبنته جرهم ثم قصي بن كلاب نقله الزبير بن بكّار وجزم به الماوردي، ثم قريش فجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعاً وفي رواية: عشرين، ولعلّ راويها جبر بالكسر ونقصوا من طولها ومن عرضها أذرعًا أدخلوها ٣٨٥ باب مبعث النبي عێ. [بسم الله الرحمن الرحيم] [باب مبعث النبي عَّه] ولما بلغ عَّ أربعين سنة وقيل: أربعين يومًا، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرین، في الحجر لضيق النفقة بهم، ثم لما حوصر ابن الزبير من جهة يزيد تضعضعت من الرمي بالمنجنيق فهدمها في خلافته وبناها على قواعد إبراهيم، فأعاد طولها على ما هو عليه الآن، وأدخل من الحجر الأذرع المذكورة، وجعل له بابًا آخر، فلما قتل ابن الزبير شاور الحجاج عبد الملك في نقض ما فعله ابن الزبير فكتب إليه: أمَّا ما زاده في طولها فأقرّه، وأمَّا ما زاده في الحجر فردّه إلى بنائه وسدّ بابه الذي فتحه، ففعل ذلك؛ كما في مسلم عن عطاء. وذكر الفاكهي: أن عبد الملك ندم على إذنه للحجاج في هدمها، ولعن الحجاج. وفي مسلم نحوه من وجه آخر: واستمرّ بناء الحجاج إلى الآن وقد أراد الرشيد أو أبوه أو جده أن يعيده على ما فعله ابن الزبير فناشده لملك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه ولم يتّفق لأحد من الخلفاء ولا غيرهم تغيير شىء مما صنعه الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب وعتبته: وكذا وقع الترميم في الجدار والسقف وسلم السطح غير مرّة، وجدّد فيها الرخام. قال ابن جريج: أوّل من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، فالمتحصّل من الآثار؛ كما أفاده الفتح والإرشاد والسبل وشفاء الغرام: أنها بنيت عشر مرات وقد علمتها وذكر بعضهم أن عبد المطلب بناها بعد قصي وقبل بناء قريش، قال الفاسي: ولم أرَ ذلك لغيره وأخشى أن يكون وهمّا، قال: واستمرّ بناء الحجاج إلى يومنا هذا وسيبقى على ذلك إلى أن تخرّ بها الحبشة وتقلعها حجرًا حجرًّا؛ كما في الحديث، وقد قال العلماء: إن هذا البنيان لا يغيّر، انتهى. والله أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم باب مبعث النبيّ ێ. (ولما بلغ عَِّ أربعين سنة) قاله جمهور العلماء السهيلي: هو الصحيح عند أهل السير والعلم بالأثر النووي هو الصواب وهو المرويّ في الصحيحين عن ابن عباس وأنس، وروى أيضًا عن عطاء وابن المسيّب وجبير بن مطعم، وقباث بن أشيم الصحابي. (وقيل: أربعين يومًا، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين،) حكاه في الروض ممرضًا بلفظ: روى، وقيل: ويومٍ واحد، حكاه المنتقى. ٣٨٦ باب مبعث النبي عَّة. يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان - وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة -. وقال ابن عبد البر: يوم الإثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل. وقيل: في أول ربيع: بعثه الله رحمة للعالمين، وفي تاريخ يعقوب بن سفين وغيره عن مكحول: أنه بعث بعد اثنتين وأربعين سنة. وقال الواقدي وابن عاصم والدولابي: وهو ابن ثلاث وأربعين. وفي كتاب العتقي: ابن خمس وأربعين، قال مغلطاي: وجمع بأن ذلك حين حمى الوحي وتتابع. وقال البرهان: هما شاذّان، والثاني أشدّ شذوذًا. وفي الفتح حديث ابن عباس: فمكث بمكّة ثلاث عشرة أصحّ مما عند أحمد من وجه آخر عنه أنزل على النبيّ عَُّله وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكّة عشرًا، وأصحّ مما أخرجه مسلم من وجه آخر عنه: أنه أقام بمكّة خمس عشرة سنة. (يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان) رواه ابن سعد واقتصر عليه المصنّف في إرشاده، (وقيل: لسبع) منه، (وقيل: لأربع وعشرين ليلة) من رمضان على ما في حديث واثلة الآتي، ثم كون البعث فيه هو قول الأكثر والمشهور عند الجمهور، قاله الحافظان ابنا كثير وحجر وصححه الحافظ العلائي، قال في الفتح: فعلى الصحيح المشهور أن مولده في ربيع الأوّل يكون حين أنزل عليه ابن أربعين سنة وستة أشهر، وكلام ابن الكلبي يؤذن بأنه ولد في رمضان، وبه جزم الزبير بن بكّار وهو شاذ، انتهى. (وقال ابن عبد البرّ) والمسعودي بعث (يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، من) عام (الفيل) وبه صدر ابن القيّم، وعزاه للأكثرين، ثم حكى أنه كان في رمضان عكس النقل الأوّل، فعلى هذا يكون له أربعون سنة سواء، قاله الفتح. وجمع بين النقلين بما في حديث عائشة: أوّل ما بدىء به من الوحي الرؤيا الصالحة. وحكى البيهقي: إن مدّتها ستّة أشهر فيكون نتىء بالرؤيا في ربيع الأوّل ثم أتاه جبريل في رمضان وحمل عليه بعضهم الرؤيا جزء من ستّة وأربعين جزءًا من النبوة؛ لأن مدّة الوحي كانت ثلاثًا وعشرين سنة فيها ستّة أشهر منام وذلك جزء من ستّة وأربعين. وأمَّا الجمع بأن نزول ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١] في رمضان، وأوّل المدّثر في ربيع، فاعترض بأن نزول المدثر بعد ثلاث سنین. (وقيل: في أوّل ربيع بعثه الله رحمة للعالمين) أوحى إليه وأمره بتبليغ ما أوحاه فنزل ذلك ٣٨٧ باب مبعث النبي عَّ ورسولاً إلى كافة الثقلين أجمعين. ويشهد لبعثه يوم الإثنين ما رواه مسلم عن أبي قتادة أنه معَّ سئل عن صوم الإثنين فقال: ((فيه ولدت وفيه أنزل علي)). وقال ابن القيم في ((الهدي النبوي)): واحتج القائلون بأنه كان في رمضان بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان﴾ [البقرة/١٨٥]. قالوا: أول ما أكرمه الله تعالى بنبوته أنزل عليه القرءان. منزلة الإرسال، فعبّر عنه بالبعث مجازًا وإلا فحقيقة إرسال شخص من مكان لآخر يتعدّى إليه الفعل بنفسه وإن وصل بنفسه كما هنا، وإلا فبالباء كبعثت بالكتاب عند أكثر اللغويين، وبه قطع المصباح. (ورسولاً إلى كافّة الثقلينِ) الإنس والجنّ (أجمعين) وكأنه اقتصر عليهما؛ لأن آثار الإرسال إنما يتعلق بهما، والملائكة وإن كان مرسلاً إليهم في الراجح غير مكلّفين بشرعة وأشعر المصنّف بتقارن الرسالة والنبوّة، قال شيخنا: وهو الصحيح كما قال بعض مشايخنا، وقيل: النبوّة متقدّمة على الرسالة، وعليه ابن عبد البرّ وغيره، واقتصر عليه المصنف فيما يجيء. (ويشهد لبعثه يوم الاثنين، ما رواه مسلم) مختصرًا من طريق مهدي بن ميمون عن غيلان عن عبد اللَّه بن معبد، (عن أبي قتادة) الخزرجي السلمي الحرث بن ربعي بكسر الراء، شهد المشاهد إلا بدرًا ففيها خلف ((أنه عَّ سئل عن صوم) يوم (الاثنين، فقال: فيه ولدت، وفيه أُنزل عليّ)))) ورواه مسلم قبل ذلك في حديث طويل من طريق شعبة عن غيلان عن ابن معبد عن أبي قتادة، بلفظ: وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: ((ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه)، أو قال: ((أنزل عليّ فيه))، فصدق كل من المصنف والشامي في العزو لمسلم؛ لأنهما روايتان فیه. (وقال ابن القيم في الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال، (النبويّ) يعني: كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد؛ لأن تراجمه كلّها يقول: هديه عليه السلام في كذا (واحتجّ القائلون بأنه كان في رمضان) وإن اختلفوا في تعيين، أي: يوم منه على ما مرّ. وأمّا حديث واثلة: وأنزل اللَّه القرءان الأربع وعشرين خلت من رمضان على تسليم أن المراد على المصطفى، فإنما هو دليل للقائلٍ به إذ المعنى: احتجّ المتّفقون على أنه كان في رمضان، (بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان﴾،) [البقرة: ١٨٥]، أي: ابتدىء فيه إنزاله، (قالوا: أوّل ما أكرمه اللَّه تعالى بنبوّته أنزل عليه القرءان) وهو إنما أُنزل في رمضان ٣٨٨ باب مبعث النبي عَّ وقال آخرون: إنما نزل القرءان جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة، ثم نزل نجومًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. فيكون ابتداء نزوله فيه، (وقال آخرون: إنما أُنزل القرءان جملة واحدة) من اللوح المحفوظ، (في ليلة القدر إلى بيت العزّة) في سماء الدنيا؛ كما جاء عن ابن عباس، فلا دلالة في الآية على أن ابتداء نزوله علی المصطفی في رمضان ولا أن ابتداء نبوته فیه، لکن روی أحمد وابن جرير والطبراني والبيهقي عن واثلة مرفوعًا: (أَنزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستّ مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأُنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرءان الأربع وعشرين خلت من رمضان))، قال الحافظ في الفتح: هذا الحديث مطابق لقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرءان﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولقوله: ﴿إنا أنزلنا في ليلة القدر﴾ [القدر: ١]، فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين، أي: صبيحتها إلى الأرض أوّل ﴿اقرأ باسم ربّك﴾ [العلق: ١]، انتهى. قال في الإتقان: لكن يشكل على ذا الحديث ما عند ابن أبي شيبة عن أبي قلابة، قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان، انتهى. ولا إشكال فالمقطوع لا يعارض المرفوع. (ثم نزل نجومًا) قطعًا متفرّقة؛ لأن كل جزء منه يسمى نجمًا، (بحسب الوقائع) خمس آيات وعشر أو أكثر وأقلّ، وصحّ نزول عشر آيات في قصة الإفك جملة، وصحّ نزول عشر آيات من أوّل المؤمنين جملة، وصحّ نزول ﴿غير أولي الضرر﴾ [النساء: ٩٥]، وحدها وهي بعض آية، وكذا: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ [التوبة: ٢٨] إلى آخر الآية، نزول بعد نزول أوّل الآية وذلك بعض آية، وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة: أنزل اللَّه القرءان نجومًا ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات. وما عند البيهقي عن عمر: تعلّموا القرءان خمس آيات، خمس آيات؛ فإن جبريل كان ينزل بالقرءان على النبيّ عَّه خمسًا خمسًا. ومن طريق ضعيف عن عليّ: أنزل القرءان خمسًا خمسًا إلاَّ سورة الأنعام، فمعناه: إن صحّ إلقاؤه إلى النبيّ عَةٍ هذا القدر حتى يحفظه ثم يلقي الباقي لا إنزاله بهذا القدر خاصة، ويوضح ذلك ما عند البيهقي عن أبي العالية: كان عَّ يأخذ القرءان من جبريل خمسًا خمسًا، قاله في الإتقان. (في ثلاث وعشرين سنة) على قول الجمهور: أنه عَِّ بعث لأربعين وعاش ثلاثًا وستّين، ولا ينافيه أن الفترة التي لم ينزل فيها القرءان بعد نزول ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١] ثلاث سنين؛ لأنه نزل قبلها أوّل اقرأ فصدق أنه نزل ثلاث وعشرين سنة؛ لأنه لم يقل كان ينزل عليه كل يوم ولا كل ٣٨٩ باب مبعث النبي ◌ّ. شهر، وقيل: نزل في عشرين بناء على أنه عاش ستّين أو على إلغاء الفترة. قال الأصفهاني: اتّفق أهل السنة والجماعة على أن كلام اللّه منزّل، واختلفوا في معنى الإنزال، فقيل: إظهار القراءة، وقيل: ألهم اللَّه تعالى كلامه جبريل وهو في السماء وهو عال من المكان وعلّمة قراءته، ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان. وقال القطب الرازي: المراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقّفها الملك من اللَّه تلقّفًا روحانيًّا أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم، وقال غيره في المنزّل على النبيّ عَّه ثلاثة أقوال: أحدها: اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرءان من اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف، وتحت كل حرف منها معان لا يحيط بها إلا اللَّه. الثاني: أن جبريل نزل بالمعاني خاصة وعلم عَّة تلك المعاني، وعبّر عنها بلغة العرب لظاهر قوله: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]. الثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى وعبّر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرؤونه بالعربية، ثم نزل به كذلك بعد. ويؤيّد الأوّل ما رواه الطبراني عن النواس بن سمعان مرفوعًا إذا تكلّم اللَّه بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف اللَّه فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخرّوا سجّدًا فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلّمه الله من وحيه بما أرادوا، وينتهي به على الملائكة كلّما مرّ بسماء سأله أهلها: ماذا قال ربّنا؟ قال: الحقّ، فينتهي به حيث أمر. وقال البيهقي: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١]، يريد والله أعلم إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع فيكون الملك منتقلاً من علوّ إلى سفل، قال أبو ثمامة: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرءان أو إلى شىء منه يحتاج إليه أهل السنّة المعتقدون قدم القرءان وأنه صفة قائمة بذاته تعالى. وقال العلاَّمة الخوي، بضم الخاء المعجمة: كلام اللَّه المنزل قسمان، قسم قال الله لجبريل: قل للنبيّ الذي أنت مرسل إليه إن اللَّه يقول لك كذا وكذا، وأمر بكذا وكذا، ففهم جبريل ما قاله ربّه ثم نزل على ذلك النبيّ، وقال له ما قال ربّه ولم تكن العبارة تلك العبارة؛ كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال، فإن قال الرسول: يقول لك الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند يتفرّق وحثّهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب وتقصير في أداء الرسالة. وقسم آخر، قال اللَّه لجبريل: اقرأ على النبيّ هذا الكتاب، فنزل بكلام اللَّه من غير تغيير كما يكتب الملك كتابًا ويسلّمه إلى أمين، ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغيّر منه كلمة ولا حرفًا، انتهى. ٣٩٠ باب مبعث النبي عَ﴾. وقيل: كان ابتداء المبعث في رجب. وروى البخاري في ((التعبير)) من حديث عائشة: ((أول ما بدىء به رسولاً ێ من الوحي والقرءان هو القسم الثاني، والأوّل هو السنة، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنّة؛ كما ينزل بالقرءان. وقد رأيت ما يعضد كلامه، فروى ابن أبي حاتم عن الزهري أنه سئل عن الوحي، فقال: الوحي ما يوحي اللَّه إلى نبيّ من أنبيائه فيثبته في قلبه فيتكلّم به ويكتبه، وهو كلام اللّه ومنه ما لا يتكلّم به ولا يكتبه لأحد ولا يأمر بكتابته ولكنه يحدث به الناس حديثًا ويبين لهم أن اللَّه أمره أن يبيّته للناس ويبلغهم إياه، قاله في الإتقان ببعض اختصار. وذكر في فتاويه عن شيخه الكافيجي أن التلقف الروحاني لا يكتف. (وقيل: كان ابتداء المبعث في رجب) حكى مغلطاي وغيره من العتقي أنه بعث وهو ابن خمس وأربعين سنة لسبع وعشرين من رجب، قال شيخنا: فيحتمل أن هذا اليوم هو المراد لصاحب هذا القول وهو واضح وإن ثبت أنه يقول: سنة خمس وأربعون سنة. (وروى البخاري في) كتاب (التعبير) من صحيحه، وفي التفسير، وفي بدء الوحي والإيمان لكنه اختار ما في التعبير؛ لأن سياقه فيه أتمّ فذكر الحزن والتردّي إلى آخر الحديث إنما هو فيه دون تلك المواضع ودون كتاب مسلم ولذا لم يعزه لهما. وأمّا جعل نكتة ذلك أنه كان بصدد ما وقع له يقظة والآن بصدده أوقع له قبل ذلك فناسب نقله من التعبير، فبادرة لا محصّل لها. والتعبير تفعيل من عبّرت مشدّدًا، قال المصنّف: وعبّرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات وأنكروا التشديد لكن أثبته الزمخشري اعتمادًا على بيت أنشده المبرد في الكامل لبعض الأعراب: رأيت رؤيا ثم عيرتها وكنت للأحلام عبارًا وقال غيره: يقال عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها وعبّرتها بالتشديد للمبالغة، انتهى. وهو تفسير الرؤيا؛ لأنه يعبّر من ظاهرها إلى باطنها والعبر والعبور الدخول والتجاوز، وقيل: لأنه ينظر فيها، ويعتبر بعضها ببعض حتى تفهم فهو من الاعتبار وسيأتي بسط القول فيه إن شاء اللّه تعالى في مقصد الرؤيا بحول اللَّه وقوّته. (من حديث عائشة) مرسلاً؛ لأنها لم تدرك ذلك الوقت فإنما سمعته من النبيّ عَ ليه أو صحابي آخر عنه، قال الحافظ تبعًا للطيبي: ويؤيّد سماعها له منه قولها في أثناء الحديث، قال: فأخذني فغطّني. ((أوّل ما بدىء) بضم الموحدة وكسر المهملة فهمزة، (به رسولاً عَلَّ من الوحي) أي: من أقسامه فمِن للتبعيض، وقول القزاز لبيان الجنس: كأنها قالت: من جنس الوحي ٣٩١ باب مبعث النبي عَليه. الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. وكان يأتي حراء وليست منه، أي: فهي مجاز علاقته المشابهة للوحي في أنه لا دخل للشيطان فيها ردّه عياض بحديث: «إنها جزء من النبوّة)). (الرؤيا الصادقة) هكذا في التعبير والتفسير، أي: لا كذب فيها أو لا تحتاح لتعبير، أو ما يقع بعينه، أو ما يعبّر في المنام، أو يخبر به صادق، وفي بدء الوحي ومسلم الصالحة، قال المصنّف: وهما بمعنى بالنسبة إلى الآخرة في حقّ الأنبياء. وأمَّا بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخصٍّ فرؤيا الأنبياء كلّها صادقة، وقد تكون صالحة وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنیا کرؤیا یوم أحد، انتهى. (في النوم) زيادة للإيضاح أو لتخرج رؤية العين يقظة مجازًا، قاله الحافظ وغيره ويأتي إن شاء اللّه تعالى. الخلاف فيه في الإسراء حيث تكلّم فيه المصنّف، ثم فلا نطيل به هنا. قال الحافظ: وبدء بذلك ليكون توطئة وتمهيدًا لليقظة، ثم مهّد له في اليقظة أيضًا رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر، انتهى. (فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت) في بياتها، وللحموي والمستملي: إلا جاءته مجيئًا (مثل) فنصب نعت مصدر محذوف، (فلق) بفتحتين (الصبح) أي: شبيهة له في الضياء والوضوح أو التقدير مشبّهة ضياء الصبح، فالنصب على الحال، وقدّمه الفتح واقتصر عليه النور، وأكثر الشراح. وقال العينيّ: الأوّل أولى؛ لأنه مطلق والحال مقيّد. قال الحافظ: وخصّ بالشبه لظهوره الواضح الذي لا يشكّ فيه، أو للتنبيه على أنه لم يكن في باعث البشر أو كون ذلك من باعث الأفهام. وقال المصنّف: لأن شمس النبوّة كانت مبادىء أنوارها الرؤيا إلى ظهور أشعتها وتمام نورها. وقال البيضاوي: شبّه ما جاء في اليقظة ووجده في الخارج طبقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه، والفلق: الصبح، لكنه لما استعمل في ذا المعنى وغيره أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام للخاص. (وكان يأتي حراء) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء والمدّ والتذكير والصرف على الصحيح، وحكى الفتح والقصر، وهي لغة مصروف على إرادة المكان ممنوع على إرادة البقعة، فيذكّر ويؤنّث جبل بينه وبين مكّة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى، وزعم الخطابي خطأ المحدثين في قصره وفتح حائه والأربعة في قباء أيضًا، وجمعهما القائل: حرا وقبا ذكر وأنّثهما معًا ومدّ أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا ٣٩٢ باب مبعث النبي علێ فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها، حتى فاجأه (فيتحنّث فيه) بحاء مهملة آخره مثلثة، أي: يتجنّب الحنث، أي: الإثم فهو من الأفعال التي معناها السلب، وهو اجتناب فاعلها لمصدرها مثل تأثّم وتحوب إذا اجتنب الإثم والحوب بضم المهملة، أي: الذنب العظيم أو هو بمعنى رواية ابن هشام في السيرة يتحتّف بفاء خفيفة، أي: يتبع الحنيفية دين إبراهيم والفاء تبدّل ثاء في كثير من كلامهم، وقدّمه الفتح. وفي كتاب الأضداد للصغاني: تحنّث إذا أتى الحنث وإذا تجنّبه. (وهو التعبّد) من تسمية المسبب باسم السبب على التفسير الأوّل؛ لأن التعبّد سبب لإزالة الإثم وليس نفسه. وعلى الثان ظاهر (الليالي) نصب على الظرفية متعلّق بيتحنّث لا بالتعبّد؛ لأنه لا يشترط فيه الليالي بل مطلق التعبّد، (ذوات العدد) مع أيامهن واقتصر عليهن تغليبًا؛ لأنهنّ أنسب للخلوة ووصفها بذلك للتقليل كما في دراهم معدودة أو للتكثير لاحتياجها إلى العدد، وهو المناسب للمقام والتفسير الزهري أدرجه في الخبر؛ كما جزم به الطيبي. قال الحافظ: ورواية البخاري في التفسير تدلّ عليه وأبهم العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدد التي يتخلّلها مجيئه إلى أهله، وللبخاري ومسلم جاورت بحراء شهرًا، ولابن إسحق: أنه شهر رمضان، ولم يصحّ عنه أكثر منه. وروى سوار بن معصب: أربعين يومًا لكنّه متروك الحديث، قاله الحاكم وغيره. وفي تعبّده قبل البعثة بشريعة أم لا قولان، الجمهور على الثاني. واختار ابن الحاجب والبيضاوي الأوّل ففي أنه بشريعة إبراهيم أو موسى أو عيسى أو نوح أو آدم أو بشريعة من قبله دون تعيين، أو بجميع الشرائع. ونسب للمالكية أو الوقف أقوال، ولم يأتٍ تصريح بصفة تعبّده بحراء، فيحتمل أنه أطلق على الخلوة بمجرّدها تعبّد، فإن الإنعزال عن الناس، ولا سيّما من كان على باطل عبادة، وعن ابن المرابط وغيره كان يتعبّد بالفكر، وهذا على قول الجمهور. (ويتزوّد) بالرفع عطفًا على يتحنّث، أي: يتّخذ الزاد، (لذلك) أي: للتعبّد، (ثم يرجع إلى خديجة، فتزوّده لمثلها) أي: الليالي؛ كما اقتصر عليه الفتح في بدء الوحي ورجّحه في التعبير وإن رجح غيره في التفسير لأن مدة الخلوة كانت شهرًا، فكان يتزوّد لبعض ليالي الشهر، فإذا نفد رجع إلى أهله فيتزوّد قدر ذلك، ولم يكونوا في سعة بالغة من العيش وكان غالب أدمهم اللبن واللحم ولا يدخّر منه كفاية شهر لسرعة فساده، لا سيّما وقد وصف بأنه كان يطعم من يرد عليه، وفيه أن الانقطاع الدائم عن الأهل ليس من السنّة؛ لأنه عَّله لم ينقطع بالغار بالكلية بل ؛ان يرجع إلى أهله لضروراتهم، ثم يرجع لتحنّثه. (حتى) على بابها من انتهاء الغاية، أي: واستمر بفعل ذلك حتى (فجئه) بفتح الفاء وكسر ٣٩٣ باب مبعث النبي عليه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارىء، الجيم وتفتح؛ كما في الديباج فهمزة، أي: جاءه؛ كما في رواية بدء الوحي بغتة، فإنه لم يكن متوقّعًا له (الحق) بالرفع صفة لمحذوف، أي: الأمر حقّ، وهو الوحي سمّي حقًّا لمجيئه من عند اللَّه أو رسول الحقّ وهو جبريل فأصله الجر بتقدير مضاف لكنه حذف وأقيم مقامه، فأعطى في الإعراب، (وهو في غار حراء) فترك ذلك التحّث والجملة حالية، (فجاءه الملك) جبريل اتّفاقًا، (فيه) واللام لتعريف الماهية لا العهد، إلا أن يكون المراد: ما عهده عليه السلام لما كلّمه في صباه أو اللفظ لعائشة وقصدت به ما يعهده من تخاطبه به. قال الإسلمعيلي: هي عبارة عما يعرف بعد أنه ملك وإنما الأصل فجاءه جاء وكان الجائي ملكًا فأخبر عنه المصطفى علّ له يوم أخبر بحقيقة جنسه، والحامل عليه أنه لم يتقدّم له معرفة به، انتهى. وهو ظاهر ولا ينافيه أن اللفظ لعائشة؛ لأنها حكت ما سمعته وفاء، فجاءه تفسيرية؛ كقوله: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤]، لا تعقيبيّة، قال الحافظ: لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى يعقب به بل هو نفسه ولا يلزم منه تفسير الشىء بنفسه بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال وغيره من جهة التفصيل، انتهى. ولا سببيّة؛ لأن المسبّب غير المسبّب. (فقال) له: (اقرأ)) أمر لمجرّد التنبيه والتيقّظ لما سيلقى إليه أو على بابه من الطلب، فهو دليل على تكليف ما لا يطاق في الحال وإن قدر عليه بعد. قال الحافظ: وهل سلم قبل قوله اقرأ، أم لا؟ وهو الظاهر؛ لأن المقصود حينئذ تفخيم الأمر وتهويله وابتداء السّلام متعلّق بالبشر لا الملائكة، وتسليمهم على إبراهيم؛ لأنهم كانوا في صورة البشر، فلا يرد هنا ولا سلامهم على أهل الجنّة؛ لأن أمور الآخرة مغايرة لأمور الدنيا غالبًا نعم. في رواية الطيالسي: إن جبريل سلّم أوّلاً لكن لم يرد أنه سلم عند الأمر بالقراءة، انتهى. (فقلت:) هذه رواية الأكثر في البخاري في التعبير. وفي رواية أبي ذرّ فيه، فقال له النبيّ عَـ وفي بدء الوحي قال بدون فاء. وفي رواية: فيه، أي: بدء الوحي، قلت: بلا فاء أيضًا. (ما أنا بقارىء») وجعل المصنّف في التعبير متنه الأحمر رواية أبي ذرّ، وعقبها بقوله: ولغير أبي ذرّ، فقلت: ما أنا بقارىء، ما أحسن أن أقرأ، انتهى. فلم ينتبه لذلك الشارح فوهم حيث أشار للاعتراض على المصنّف هنا، بما حاصله: أن لفظ فقلت لم يقع في التعبير ولا بدء الوحي مع أنك قد علمت أنه رواية الأكثر، وما نافية، وقيل: استفهامية وضعّفه عياض وابن قرقول بدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل على ما الاستفهامية، وأَجيب: بأن رواية أبي الأسود عن ٣٩٤ باب مبعث النبي فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق/١] - حتى. عروة: كيف أقرأ. وابن إسحق عن عبيد بن عمير: ماذا أقرأ؟، دلّتا على أنها استفهامية وقد جوّز الأخفش دخول الباء على الخبر المثبت، وجزم به ابن لملك في: بحسبك زيد، فجعل الخبر حسبك، والباء زائدة. (فأخذني فغطّني) بغين معجمة فطاء مهملة مشدّدة، أي: ضمّني وعصرني. وفي رواية الطبري وابن إسحق: فغتني بالتاء الفوقية، وهو حبس النفس، وللطيالسي بسند جيّد، فأخذ بحلقي (حتى بلغ مني الجهد) قال الحافظ: روي بالفتح والنصب، أي: بلغ الغط مني غاية وسعى، وروي بالضم والرفع، أي: بلغ مني الجهد مبلغه، (ثم أرسلني) أي: أطلقني (فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء) أي: حكمي كسائر الناس من أن حصول القراءة إنما هو بالتعلّم وعدمه بعدمه فلذا كرّر عظمه ليخرجه عن حكم سائر الناس، ويستفرغ منه البشرية ويفرغ فيه من صفات الملكية، قاله شارح المشكاة الطيبي. (فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطّيٍ،) كذا رواه الكشميهني ولغيره بحذف: فأخذني، (الثالثة، حتى بلغ مني الجهد،) كذا ثبت الغلط ثلاثًا في التعبير والتفسير، وسقطت في بدء الوحي الثالثة، قال الحافظ: ولعلّ الحكمة في تكرير اقرأ، الإشارة إلى انحصار الإيمان الذي ينشأ عنه الوحي بسببه في ثلاث: القول والعمل والنيّة، وأن الوحي يشتمل على ثلاث التوحيد والأحكام والقصص، ويأتي حكمة الغط في كلام المصنّف. قال في الروض: وانتزع شريح القاضي التابعي أن لا يضرب الصبي إلا ثلاثًا على القرءان؛ كما غطّ جبريل محمّدًا عَّله ثلاثًا، (ثم أرسلني، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك﴾﴾ [العلق: ١]، استدلّ به القائل بأن البسملة ليست آية من كل سورة، فهذه أوّل سورة نزلت وليست فيها. وقال السهيلي: نزلت بعد ذلك مع كل سورة لا منها، وقد ثبتت في المصحف بإجماع الصحابة وما ذكره البخاري عن مصحف الحسن البصري شذوذ ولا نلتزم قول الشافعي: أنها آية من كل سورة، ولا أنها آية من الفاتحة بل آية من القرءان مقترنة مع السورة، وهو قول داود وأبي حنيفة، وهو قول بين لمن أنصف، انتهى. وهو اختيار له مخالف للمعتمد من مذهب لملك. (﴿الذي خلق﴾) وصف مناسب مشعر بعليّة الحكم بالقراءة، (حتى) هي رواية أبي ذرّ ولغيره، ٣٩٥ باب مبعث النبي عَّة بلغ - ﴿ما لم يعلم﴾ [العلق/٥]. فرجع بها ترجف بوارده فؤاده، حتى دخل على خديجة، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروح، فقال: يا خديجة، ما لي؟ وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت على نفسي. فقالت له: كلا، ثم (بلغ ﴿ما لم يعلم﴾ فرجع بها) قال الحافظ: أي: بالآيات أو بالقصة، (ترجف) بضم الجيم تضطرب (بوارده) بفتح الموحّدة وخفّة الواو فألف فدال مهملة قراء، قال المصنّف: جمع باردة وهي اللحمة بين العنق والمنكبين، وقال ابن بري: ما بين المنكب والعنق، أي: لا تختصّ بعضو واحد وذلك لما فجأه من الأمر المخالف للعادة إذ النبوّة لا تزيل طباع البشرية كلّها وفي بدء الوحي يرجف (فؤاده)، قال المصنّف: أي قلبه أو باطنه أو غشاؤه، انتهى. فعلى الثالث عدل عن القلب؛ لأن الغشاء إذا حصل له الرجفان حصل للقلب، ففي ذكره من تعظيم الأمر ما ليس في ذكر القلب. (حتى دخل على خديجة) التي ألف تأنيسها له فأعلمها بما وقع له، (فقال: ((زمّلوني زملوني)،) بكسر الميم مع التكرار مرّتين من التزميل، وهو التلفيف، أي: غطّوني بالثياب ولفّوني بها، قال ذلك لشدّة ما لحقه من هول الأمر والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفيف، (فزّلوه) بفتح الميم، أي: لفّوه، أي: خديجة ومن معها فلذا لم يؤنّث أو خديجة وحدها وعبّر بجمع الذكور للتعظيم؛ کقوله: وإن شئت حرمت النساء سواكم و قوله: وكم ذكرتك لو أجزى بذكركم يا أشبه الناس كل الناس بالقمر (حتى ذهب عنه الروع) بفتح الراء: الفزع، (فقال: يا خديجة ما) استفهام تعجّب، أي: أي شىء ثبت (لي) حتى حصل لي ما حصل (وأخبرها الخبر) جملة حاليّة، (وقال: قد خشيت علىٍ) بتشديد الياء في رواية الحموي والمستملي للصحيح في التعبير ولغيرهما كالتفسير وبدء الوحي على (نفسي، فقالت له) وفي بدء الوحي، فقالت خديجة: (كلاّ) نفي وإبعاد، أي: لا تقل ذلك أو لا خوف عليك بدليل رواية: فقالت: معاذ اللَّه، قال الشامي: ومن اللطائف أن هذه الكلمة التي ابتدأت خديجة النطق بها عقب ما ذكر لها من القصّة هي التي وقعت عقب الآيات، ٣٩٦ باب مبعث النبي عدم أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فجرت على لسانها اتّفاقًا؛ لأنها لم تنزل إلا بعد في قصّة أبي جهل على المشهور. (أبشر) بقطع الهمزة أمر أُريد به الخبر، والمقصود منه: تعجيل المسرّة بالبشرى، أي: إني مبشّرة لك بخير أو بأنك رسول اللَّه، (فوالله لا يخزيك اللَّه أبدًا) بضمّ أوّله وسكون المعجمة وكسر الزاي فتحتيّة ساكنة، أي: لا يفضحك. وللكشميهني: يحزنك، بفتح أوّله وسكون الحاء وضمّ الزاي؛ كما اقتصر عليك الحافظ، زاد المصنف وغيره: أو بضمّ أوّله مع كسر الزاي وبالنون، يقال: حزنه وأحزنه أوقعه في بليّة. (إنك) بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء، قال الدماميني: فصلت هذه الجملة عن الأولى؛ لكونها جوابًا عن سؤال اقتضته، وهو عن سبب خاص، فحسن التأكيد وذلك أنها لما أثبتت القول بانتفاء الخزي عنه وأقسمت عليه، انطوى ذلك على اعتقادها أن ذلك بسبب عظيم فيقدّر السؤال عن خصوصه حتى كأنه قيل هل سبب ذلك الاتصاف بمكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف؛ كما يشير إليه كلامك؟ فقالت: إنك (لتصل الرحم) أي: القرابة بالإحسان إليهم على حسب حال الواصل والموصول إليه، فتارة بالمال والخدمة وبالزيارة وبالسلام وغير ذلك، (وتصدّق الحديث) فما كذب قطّ ولا اّهم به قبل النبوّة؛ كما اعترف به أبو سفين عند هرقل وكان حينئذ عدوّه وثبتت هذه الخصلة في التعبير والتفسير وسقطت في بدء الوحي، وهي من أشرف الخصال. (وتحمل الكلّ) بفتح الكاف وشدّ اللام من لا يستقلّ بأمره؛ كما قال تعالى: ﴿وهو كل على مولاه﴾ [النحل: ٧٦]، أو الثقل بكسر المثلثة وسكون القاف. وقال الداودي: الكل المنقطع ويدخل فيه الاتّفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك من الكلال وهو الإعياء، زاد هنا في بدء الوحي؛ كمسلم وتكسب المعدوم بفتح التاء في الأشهر، وروي بضمها، أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، فحذف أحد المفعولين، يقال: كسبت الرجل مالاً وأكسبته بمعنى، أو ما يعجز عنه غيرك تصيبه وتكسبه ثم تجود به في الوجود التي ذكرت، وعلى رواية ضم التاء، قال الخطابي: الصواب المعدم بلا واو، وردّه الحافظ بأنه لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالميّت الذي لا تصرّف له، فكأنها قالت: إذا رغب غيرك أن يستفيد مالاً موجودًا رغبتٍ أنت أن تستفيد رجلاً عاجزًا فتعاونه، (وتقري الضيف) بفتح الفوقية من غير همز ثلاثيًّا، قال الأبي: وسمع بضمها رباعيًّا، أي: تهيّىء له طعامه وتنزله، قاله المصنّف في بدء الوحي، وفيه إفادة أن الرواية الأوّل ولذا اقتصر عليه في التعبير. (وتعين على نوائب الحق،) جمع نائبة، أي: حوادثه، وهذه جامعة لإفراد ما سبق ولغيره وقيّدت بالحقّ؛ ٣٩٧ باب مبعث النبي عدَّة ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخو أبيها - وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، لأنّها تکون فیه، وفي الباطل قال لبید: نوائب من خير وشرّ كلاهما فلا الخير ممدود ولا الشرّ لازب أي: فلا يصيبك مكروه، لما جمع اللَّه فيك من مكارم الأخلاق ومحاسن الشمائل، وفيه دلالة على أن ذلك سبب للسلامة من مصارع السوء ومدح الإنسان في وجهه لمصلحة تطرأ، وأما خبر: ((احثوا في وجوه المدّاحين التراب))، ففي مدح بباطل أو يؤدي إلى باطل وتأنيس من حصلت له مخافة وتبشيره وذكر أسباب السلامة له، وكمال خديجة وجزالة رأيها وعظم فقهها فقد جمعت كل أنواع المحاسن وأمّهاتها فيه عليه السلام؛ لأن الإحسان إمّا إلى الأقارب، وإمّا إلى الأجانب، وإمّا بالمال أو البدن، وإمّا لمن يستقلّ بأمره أو غيره، وإجابته بجواب فيه قسم وتأكيد بأن، واللام لتذهب حيرته ودهشته، واستدلّت على ذلك بأمر استقرائي جامع الأصول المكارم. (ثم) قبل أن تأتي به ورقة، انطلقت خديجة على ما عند سليمن التيمي وموسى بن عقبة حتى أتت غلامًا لعتبة بن ربيعة نصرانيًّا من أهل نينوى بكسر النون وفتحها وتحتيّة ساكنة فنون، يقال عداس بفتح العين وشدّ الدال وبسين مهملات، فقالت له: أذكرك اللَّه! إلا ما أخبرتني هل عندكم علم من جبريل؟ فقال عداس: قدّوس قدّوس يا سيّدة نساء قريش، ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان؟ فقالت: أخبرني بعلمك فيه، قال: هو أمين اللَّه بينه وبين النبيّين وهو صاحب موسى وعيسى، فرجعت من عنده، ثم (انطلقت به) أي: مضت معه فالباء للمصاحبة، قاله الحافظ، وسارت به (خديجة) مصاحبة له (حتى أتت به ورقة) بفتح الواو والراء والقاف. (ابن نوفل) بفتح النون والغاء (ابن أسد بن عبد العزّى) تأنيث الأعزّ، وهو الصنم (ابن قصيّ) بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي، وأنهى الحديث نسبة إلى قصي؛ لأنه الذي يشترك فيه مع المصطفى عليه السلام توفي ولم يعقب، ويأتي قريبًا الكلام في أنه صحابي عند قول المتن، وقيل: أوّل من أسلم ورقة. (وهو ابن عمّ خديجة) لأنها بنت خويلد بن أسد، وهو (أخو أبيها) بالرفع خبر مبتدأ محذوف ولابن عساكر أخي بالجرّ صفة لعمّ. وفائدته: رفع المجاز في إطلاق العمّ. (وكان امرأً) ترك عبادة الأوثان و(تنصّر) قال الحافظ: أي صار نصرانيًّا، (في الجاهلية) وذلك أنه خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل لما كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين، فأعجب ورقة النصرانية وكأنه لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ولذا أخبر ٣٩٨ باب مبعث النبي عدّة وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب - وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة ابن أخي: ماذا ترى؟ فأخبره النبي عَّهِ ما رأى، فقال له ورقة: هذا بشأنه عَبِ والبشارة به إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل، انتهى. وذكر ابن عبد البرّ أنه تهوّد، ثم تنصّر (وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية) أي: باللغة العربية، (من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب) أي: الذي شاء اللَّه كتابته، فحذف العائد هكذا في التعبير؛ كمسلم. وفي بدء الوحي العبراني وبالعبرانيّة، فرجّح الزركشي الرواية الأولى؛ لاتفاقهما. وجمع النووي وتبعه الحافظ بأنه تمكّن من دين النصارى وكتابهم بحيث صار يتصرّف في الإنجيل، فيكتب إن شاء بالعربية وإن شاء بالعبرانيّة، انتهى. فعلم أن الإنجيل ليس عبرانيًّا، قال الكراماني: وهو المشهور خلافًا للتيمي، انتهى. وإنما هو سرياني والتوراة عبرانيّة بكسر العين، قال الحافظ: وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه؛ لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيشًّا كتيسّر حفظ القرءان الذي خصّت به هذه الأمّة فلهذا جاء في صفتها أناجيلها في صدورها، انتھی. (وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عمّ!) نداء على حقيقته، ووقع في مسلم: أي عمّ، قال الحافظ: وهو وهم؛ لأنه وإن صحّ بجواز إرادة التوقير لكن القصّة لم تتعدّد ومخرجها متّحد فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرّتين فتعيّن الحمل على الحقيقة، وإنما جوّزنا ذلك في العبراني والعربي؛ لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة، انتهى. وفي الديباج: وعندي أنّها قالت: ابن عم على حذف حرف النداء، فتصحّفت ابن بأي، انتهى. (أسمع) بهمزة وصل (من ابن أخيك) تعني النبيّ عَّ؛ لأن الأب الثالث لورقة وهو عبد العزّى، هو الأخ للأب الرابع للمصطفى، وهو عبد مناف، كأنها قالت: من ابن أخي جدّك، فهو مجاز بالحذف، قال الحافظ: أو لأن والده عبد اللَّه في عدد النسب إلى قصي الذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة أخوّته، أو قالته على سبيل التوقير لسنّه، قال: وفيه إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه من يعرف بقدره ممن يكون أقرب منه إلى المسؤول، وذلك مستفاد من قولها: أرادت أن يتأهّب لسماع كلامه، وذلك أبلغ في التعظيم. (فقال ورقة: ابن أخي) بالنصب منادى مضاف، (ماذا ترى) قال الحافظ: فيه حذف دلّ عليه السياق، وصرّح به في دلائل أبي نعيم بسند حسن بلفظ: فأتت به ورقة ابن عمها، فأخبرته بالذي رأى، فقال: ماذا ترى؟ (فأخبره النبيّ عَِّ ما رأى) وفي بدء الوحي خبر ما رأى، فهنا مضاف مقدّر (فقال ورقة: هذا) أي: الملك الذي ذكره عليه السلام نزله منزلة القريب لقرب ٣٩٩ باب مبعث النبي عَبه الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ذكره؛ كما في الفتح. (الناموس) بنون وسين مهملة وهو صاحب السر؛ كما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء، أي: مطلقًا عند الجمهور وهو الصحيح خلافًا لمن زعم أن صاحب سر الشرّ، يقال له الجاسوس، وقال ابن دريد: وهو صاحب سرّ الوحي، والمراد جبريل وأهل الكتاب يسمونه الناموس الأكبر (الذي أنزل) بالبناء للمفعول في التعبير والتفسير، وفي بدء الوحي: نزل اللَّه، وللكشميهني: أنزل اللَّه، (على موسى) لم يقل عيسى مع أنه كان نصرانيًّا تحقيقًا للرسالة؛ لأن نزول جبريل على موسى متّفق عليه بين أهل الكتاب بخلاف عيسى، فكثير من اليهود ينكر نبوته أو لاشتمال كتاب موسى على أكثر الأحكام؛ ككتاب نبيّنا بخلاف الإنجيل فأمثال ومواعظ، أو لأن النصارى يتبعون أحكام التوراة ويرجعون إليها. قال الحافظ: أو لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون وأتباعه بخلاف عيسى وكذلك وقعت النقمة على يده عَ لِّ لفرعون هذه الأمّة ومن معه بيدر، قال: وأمَّا ما تمحل به السهيلي من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم نبوّة عيسى، ودعواهم أنه أحد الأقانيم فهو محال لا يعرج عليه في حق ورقة وأشباهه ممن لم يدخل في التبديل، أو أخذ عمّن لم يبدّل على أنه قد ورد عند الزبير بن بكار بلفظ عيسى، ولا يصحّ نعم لأبي نعيم في الدلائل بسند حسن: أن خديجة أنت ابن عمها ورقة فأخبرته الخبر، فقال: إن كنت صدقتني، إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة ناموس موسى، فعند إخبار خديجة له بالقصّة، قال لها: ناموس عيسى، بحسب ما هو فيه من النصرانيّة، وعند إخبار النبيّ عنێے، قال له ناموس موسى، والكل صحيح، انتهى. (يا ليتني) أكون (فيها) أي: مدّة النبوّة أو الدّعوة، (جذعًا) بفتح الجيم والمعجمة شابًّا، فالنصب وهو المشهور في الصحيحين خبر أكون المقدّرة، كذا أعربه الخطابي والمازري وابن الجوزي على رأي الكوفيين في نحو: انتهوا خيرًا لكم وضعف بأن كان لا تضمر إلا إذا كان في الكلام لفظ يقتضيها، نحو: إن خيرًا فخير، أو على الحال من الضمير المستكن في خبر ليت، وهو فيها، أي: كائن فيها حال الشبيبة والقوة لأبالغ في نصرك، ورجّحه عياض ثم النووي وعزاه للمحققين. قال السهيلي: والعامل في الحال ما يتعلّق به الخبر من معنى الاستقرار أو على أن ليت تنصب الجزأين؛ كقوله: يا ليت أيام الصّبا رواجعًا ٤٠٠ باب مبعث النبي عَّ ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله عَّه: أو مخرجي هم؟ فقال وقال ابن بري: بفعل محذوف، والتقدير: يا ليتني جعلت، ورواه الأصيلي في البخاري وابن ماهان في مسلم بالرفع خبر ليت. قال ابن بري: المشهور عند أهل اللغة: والحديث جذع بسكون العين، قال السيوطي: هو رجز مشهور عندهم يقولون: يا ليتني فيها جذع أخبّ فيها واضع (ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك) هكذا هو في التعبير بلفظ: حين، وفي بدء الوحي: إذ بدلها باستعمال إذ في المستقبل تنزيلاً له منزلة الماضي؛ لتحقق وقوعه، كقوله: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر﴾ [مريم: ٣٩]، قال الحافظ: فيه دليل على جواز تمنّي المستحيل إذا كان في خير؛ لأن ورقة تمنّى أن يعود شابًّا وهو مستحيل عادة ويظهر لي أن التمنّي ليس على بابه بل المراد التنبيه على صحة ما أُخبر به، والتنويه بقوّة تصديقه فيما يجيء به، انتھی. وقيل: هو تحسّر لتحققه عدم عود الشباب، (فقال رسول اللَّه عَظله: ((أو) بفتح الواو (مخرجي) بشدّ الياء مفتوحة خبر مقدّم لقوله (هم) جمع مخرج، قاله ابن ملك، وأصله مخرجون لي حذفت اللام تخفيفًا ونون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلّم، فصار: أو مخرجوي اجتمعت الواو والياء وسبقت الواو بالسكون، فقلبت ياء، ثم أدغمت في ياء المتكلّم وقلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء والهمزة للاستفهام، ولم يقل: أوَ مخرجي مع أن الأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف، نحو: فأين تذهبون لاختصاص الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أصالتها، نحو: أو لم يسيروا، هذا مذهب سيبويه والجمهور. وقال الزمخشري وجماعة: الهمزة في محلّها الأصلي والعطف على جملة مقدّرة بينها وبين العاطف، والتقدير: أمعادي هم ومخرجي هم، وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التقدير فلا يستنكر وعطفه مع أنه إنشاء على قول ورقة: حين يخرجك قومك، وهو خبر؛ لأن الأصح كما قال المصنّف: جوازه عند النحويّين وإنما منعه البيانيّون، فاحتاجوا للتقدير المذكور فالتركيب سائغ عند الجميع. وأمَّا كونه عطف جملة على جملة والمتكلّم مختلف، فسائغ معروف في القرءان والكلام الفصيح: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهنّ قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذرّيتي﴾ [البقرة: ١٢٤]، ثم الاستفهام إنكاري؛ لأنه استبعد عَلّ إخراجه من الوطن لا سيّما حرم اللَّه وبلد أبيه إسمعيل من غير سبب يقتضيه، فإنه كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه وإنزاله منهم منزلة الروح من الجسد ويؤخذ منه؛ كما قال السهيلي: إن مفارقة الوطن