Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
عام الفيل وقصة أبرهة
وروي: أنه لما حضر عبد المطلب عند أبرهة أمر سائس فيله الأكبر الأبيض
العظيم الذي كان لا يسجد للملك أبرهة كما تسجد سائر الفيلة
بعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكّة، وقال له: اسأل عن سيّد أهل البلد وشريفهم، ثم قل له: إن
الملك يقول: لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة
لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربًا فائتني به، فدخل فسأل، فقيل له: عبد المطّلب، فقال ما أمره
به أبرهة، فقال عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام
وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه، قال
حناطة: فأنطلق إليه، فإنه أمرنى أن آتيه بك، فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه فتكلّم
أنيس سائس فيل أبرهة، فقال: أيها الملك، هذا سيّد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب
عزّة مكّةٍ ويطعم الناس في السهل والوحوش والطير في رؤوس الجبال، فأذن له أبرهة وكان
عبد المطّلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم فعظم في عين أبرهة فأجلّه وأكرمه عن أن يجلس
تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل عن سريره فجلس على بساطه
وأجلسه معه إلى جنبه، ثمّ قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال له: حاجتي أن يرد الملك
عليّ مائتي بعير أصابها، فقال لترجمانه: قل له: كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك
أتكلمني في مائتي بعير وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه لا تكلّمني فيه، فقال
عبد المطّلب: أني أنا ربّ الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت
وذاك، فردّ عليه إبله، زاد ابن الكلبي: فقلّدها وأشعرها وجلّلها وجعلها هديًا للبيت وبثها في
الحرم، انتهى. وانصرف إلى قريش وأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرّز في شعف
الجبال والشعاب تخوّفًا عليهم من معرة الحبشة، انتهى.
فظاهر هذا السياق: أن حناطة لم يأت لهزم جيش؛ كما ساق المصنف، بل مخبرًا بمراد
أبرهة وطريق الجمع حمله على التسبب، كما مرّ. وأنه لما شاهد شيبة الحمد حصل له ما ذكر
المؤلف، ثم لما أفاق أخبره بمراد أبرهة، قال ابن هشام: وكان فيما يزعم بعض أهل العلم قد
ذهب مع عبد المطّلب إلى أبرهة حناطة بن عمرو بن نباتة بن عدي بن الديل بن بكر بن كنانة،
وهو يومئذ سيّد بني بكر وخويلد بن واثلة الهزلي وهو يومئذ سيّد هزيل، فعرضوا على أبرهة ثلث
أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى؛ فالله أعلم كان ذلك أم لا.
(وروي أنه لما حضر عبد المطّلب عند أبرهة أمر سائس فيله) هو أنيس بضم الهمزة
وفتح النون وسكون المثناة التحتية، (الأكبر الأبيض العظيم) بالجرّ صفات فيله، (الذي كان لا
يسجد للملك أبرهة، كما تسجد سائر) أي: باقي (الفيلة) جمع فيل، ويجمع أيضًا على أفيال

١٦٢
عام الفيل وقصة أبرهة
أن يحضره بين يديه، فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطلب، برك كما يبرك البعير،
وخر ساجدًا، وأنطق الله تعالى الفيل، فقال: السلام على النور الذي في ظهرك يا
عبد المطلب، كذا في النطق المفهوم.
ولما دخل جيش أبرهة
وفيول؛ كما في القاموس. (أن يحضره بين يديه) ليرهب به شيبة الحمد أو لعلمه من أخبارهم أو
كهانهم أن الفيل يهابه وينطق له، فأحضره، (فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطّلب برك، كما
يبرك البعير) قال السهيلي: فيه نظر؛ لأن الفيل لا يبرك، فيحتمل أن بروكه سقوطه إلى الأرض،
ويحتمل أنه فعل فعل البارك الذي يلزم موضعه ولا يبرح، فعبّر بالبارك عن ذلك، وسمعت من
يقول في الفيل صنف يبرك، كما يبرك الجمل، فإن صحّ وإلا فتأويله ما قدمناه، انتهى.
(وخرّ ساجدًا،) وفي الدرّ المنظم: فتعجّب أبرهة من ذلك، ودعا بالسّحرة والكهّان فسألهم
عن ذلك، فقالوا: إنه لم يسجد له وإنما سجد للنور الذي بين عينيه، (وأنطق اللَّه تعالى الفيل
فقال: السّلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطّلب،) أَلهم الفيل أن أصله في ظهره فلم
يقل بين عينيك؛ لأنه فاض مما في ظهره، فنوره عَِّ حين صار إلى جدّه فاض حتى ظهر في
جبهته مع بقائه في ظهره. وأمّا السّحرة والكهّان فنظروا للمشاهد إذ لم يلهموا، وهذا والله أعلم إنما
يأتي على القول المردود الموهن: أن ولادته عَُّلِّ بعد الفيل بأربعين أو بخمسين سنة، ولذا ساقه
المصنّف بصيغة التمريض وتبرّأ منه، بقوله: (كذا في) كتاب (النطق المفهوم) لابن طغربك.
وقول الخميس: كان عبد اللَّه موجودًا؛ فالنور منتقل إليه مبنيّ على أن ولادة المصطفى
بعد الفيل بسنتين، فأمّا على المشهور من أنه كان حملاً في بطن أُمّه فشكل؛ لأن النور انتقل إلى
آمنة وأُجيب بأن اللَّه أحدث في عبد المطّلب نورًا يحاكي ذلك النور المستقرّ في آمنة مع زيادة
حتى صار في جبهته؛ كالشمس، وبنور آخر وجده في صلبه وأطلع عليه الفيل فسجد إكرامًا له؛
كما يدلّ عليه سياق القصّة حين احتاج إلى كرامة تخلّصه وماله من الجبابرة، وبأن النور لم
ينتقل كله بل انتقل ما هو مادة المصطفى وبقي أثره في صلب أصوله تشريفًا لهم، وما رآه أبرهة
والفيل منه غايته أنه زاد إشراقه علامة على ظفرهم وذلك من إرهاصاته عَّةِ إعزازًا لقومه.
قلت: الأوّل أظهر، فإن ظاهر كلامهم أن النور ينتقل كله، ألا ترى قصّة التي عرضت
نفسها على الأبّ الشريف:
(ولما دخل جيش أبرهة) المغمس بضم الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الميم الثانية
مشدّدة وبكسرها، قال في الروض عن ابن دريد وغيره، وهو أصحّ، وهو على ثلثي فرسخ من
مكة، انتهى. وفي القاموس: المغمس كمعظم ومحدث: موضع بطريق الطائف، فظاهره تساوي

١٦٣
عام الفيل وقصة أبرهة
ومعهم الفيل لهدم الكعبة الشريفة برك الفيل، فضربوه في رأسه ضربًا شديدًا ليقوم
فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام.
اللغتين، فاقتصار الشامي على الثاني مراعاة لمن صحّحه، (ومعهم الفيل) محمود وكنيته أبو
العباس، حكاه السمرقندي، وقيل: أبو الحجاج، وقدمه الدميري في منظومته؛ فقال:
وفيلهم محمود دليل داجى وكان يكنى بأبي الحجاج
وقال قوم بأبي العباس وكان معروفًا بعظم الباس
وظاهره: أنهم لم يكن معهم سواه، وهو ما نقله الماوردي عن الأكثر، ويقال: كان معهم
ثلاثة عشر فيلاً هلكت كلها، حكاه ابن جرير، وجزم به في الروض. وعن الضحاك: ثمانية أفيلة،
حكاهما البغوي وقال: إنما وجد في الآية؛ لأنه نسبهم إلى الفيل الأعظم، وقيل: لو فاق رؤوس
الآي ونقل، أعني البغوي عن الواقدي أن محمودًا نجا لكونه ربض ولم يتجرّأ على الحرم،
انتهى. فقول ابن جرير: هلكت كلها يريد إلا محمودًا، وقيل: كان معهم ألف فیل، حكاهما
الخميس.
(لهدم الكعبة الشريفة) قال بعضهم: بأن تجعل السلاسل في أركان البيت وتوضع في عنق
الفيل ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة، وقال مقاتل: كان القصد أن يجعل الفيل مكان
الكعبة ليعبد ويعظّم كتعظيمها، وهو بعيد من السّياق. (برك) بفتح الراء (الفيل) وعند ابن إسحق
فأصبح أبرهة متهيئًا لدخول مكّة وهيّأ فيله محمودًا وعبأ جيشه وأجمع على هدم البيت، ثم
الانصراف إلى اليمن، فلمّا وجهوا الفيل إلى مكّة أقبل نفيل بن حبيب، كذا عند ابن هشام.
وقال السهيلي: عن البرقي كيونس عن ابن إسحق: نفيل بن عبد الله بن جزي بن عامر بن
ملك حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه، فقال له: ابرك محمودًا وارجع راشدًا من حيث
جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل إذنه فبرك الفيل فضربوه ليقوم، فأبى (فضربوه في
رأسه ضربًا شديدًا ليقوم، فأبى) نحوه قول ابن إسحق: فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى،
فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم، فأبى الطبرزين، بفتح الطاء المهملة والباء
الموحدة وسكونها: آلة عوجاء من حديد - والمحاجن جمع محجن: عصا معوجة وقد يجعل في
طرفها حديد. والمراق: أسفل البطن. وبزغوه، بفتح الموحدة وزاي مشدّدة فغين معجمة: شرطوه
بحديد المحاجن (فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام.) قال ابن إسحق: يهرول ووجّهوه إلى الشام
ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكّة فبرك، قال أَميّة بن أبي
الصّلت:
إن آيات ربّنا بينات ما يمارى بهن إلا الكفور

١٦٤
عام الفيل وقصة أبرهة
ثم أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل من البحر، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار،
حجر في منقره وحجران في رجليه كأمثال العدس، لا تصيب أحدًا منهم إلا
أهلكته، فخرجوا هاربين
جلس الفيل بالمغمس حتى ظلّ يحبو كأنه معقور
وفي معاني القرءان للزجاج: لم تسر دوابّهم نحو البيت، فإذا عطفوها راجعين سارت.
وفي رواية يونس عن ابن إسحق، كما في الروض: أن الفيل ربض، فجعلوا يقسمون باللّه أنهم
رادوه إلى اليمن فيحرك لهم أُذنيه، كأنه يأخذ عليهم عهدًا، فإذا أقسموا له قام يهرول فيردّونه إلى
مكّة فيربض فيحلفون له فيحرّك أذنيه كالمؤكّد عليهم القسم، ففعلوا ذلك مرارًا. (ثم) بعد بروك
الفيل (أرسل اللَّه عليهم طيرًا أبابيل).
قال الشامي: أي: جماعات أمام كل جماعة طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل
العنق، قيل لا واحد له، وقيل: واحدة أبول كعجول - بكسر العين والتشديد مع الفتح أو إبال؛
كمفتاح أو أبيل كسكين البيضاوي، جمع إبالة وهي الحزمة الكبيرة شبّهت بها الجماعة من الطير
في تضامّها. (من البحر) قال ابن إسحق: أمثال الخطاطيف والميلسان، وعن عبد المطّلب: أمثال
اليعاسيب، ابن عباس: لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكفّ كأكف الكلاب. عكرمة: لها رؤوس
السباع، واختلفوا في ألوانها، فقال عكرمة وسعيد بن جبير: كانت خضراء، وقال عبيد بن عمير:
سوداء، وقال قتادة: بيضاء، حكاه ابن الجوزي في زاد المسير.
وروى سعيد بن منصور عن عبيد بن عمير: أنها بلق، والجمع بينها إنها كانت مختلفة
فأخبر كل بحسب ما رأى أو سمع، وفي الشرح جمع آخر فيه تكلّف. (مع كل طائر منها ثلاثة
أحجار، حجر في منقره، وحجران في رجليه،) وعلى كل حجر اسم من يقع عليه واسم أبيه؟
كما جاء عن أَمّ هانىء. (كأمثال العدس) تقريبًا، فلا ينافي قول الشامي: أكثر الأحاديث تدلّ على
أنها كانت أكبر من العدسة ودون الحمّصة، وفي بعضها: كانت أكبر وكأنها كان فيها الكبير
والصغير، فحدّث كلّ بما رأى أو سمع.
وعن ابن عباس: أنه رأى منها عند أُمّ هانىء نحو قفيز حمر مخططة كالجزع الظفاري،
بفتح الجيم وتكسر وسكون الزاي، خرز يمان فيه سواد وبياض؛ كما في القاموس، فأراد بالتشبيه
أن حمرتها غير صافية، أو في المقدار والشكل فلا يشكل التشبيه مع قوله: حمر والظفاري، قال
في الفتح: نسبة إلى ظفار مدينة بسواحل اليمن، وحكى ابن التين في ضبط ظفار: كسر أوّله
وصرفه أو فتحه، والبناء بوزن قطام، انتهى. (لا تصيب أحدًا منهم إلا أهلكته) وكان الحجر يقع
على رأس الرجل فيخرج من دبره، فإن كان راكبًا خرج من أسفل مركبه، (فخرجوا هاربين

١٦٥
عام الفيل وقصة أبرهة
يتساقطون بكل طريق.
وأصيب أبرهة فى جسده بداء، وتساقطت أنامله أنملة أنملة، وسال منه
الصديد والقيح والدم، وما مات حتى انصدع قلبه.
يتساقطون بكل طريق،) ويهلكون على كل منهل وليس كلهم أصيب، ووجهوا هاربين يبتدرون
الطريق الذي جاؤوا منه يسألون عن نفيل ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل:
أين المفرّ والإله الطّالب والأشرم المغلوب ليس الغالب
قاله ابن إسحق: وروى أبو نعيم عن عطاء بن يسار، قال: حدّثني من كلّم قائد الفيل
وسائسه، أنه قال لهما: هل نجا أحد غير كما، قالا: نعم، ليس كلهم أصابه العذاب، وقالت
عائشة: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس بمكّة، رواه ابن إسحق
مسندًا، وإنما بقي منهم بقيّة على حالة غير مرضية تذكيرًا لمن رأى، وإعلامًا لمن لم ير فيزداد
البيت تعظيمًا ويكون سببًا في تصديقه عَّهِ، والعلم بمنزلته عند اللّه.
وفي زاد المسير: بعث عبد المطّلب ابنه عبد اللَّه على فرس ينظر إلى القوم فجعل يركض
ويقول: هلك القوم، فخرج عبد المطّلب وأصحابه فغنموا أموالهم. وفي الروض عن تفسير النقاش:°
أن السيل احتمل جثثهم وألقاها في البحر. (وأصيب أبرهة في جسده بداء) هو الجدري، وهو
أوّل جدري ظهر، قاله عكرمة، أي: بأرض العرب، فلا ينافي ما قيل أوّل من عذّب بالجدري قوم
فرعون. وقال ابن إسحق: حدّثني يعقوب بن عتبة أنه حدّث: أنَّ أوَّل ما رؤيت الحصباء
والجدري بأرض العرب ذلك العام، انتهى. وبهذا القيد لا يرد قوم فرعون؛ لأنهم لم يكونوا بها.
(وتساقطت أنامله أنملة أنملة) أي: انتثر جسمه والأنملة طرف الإصبع لكن قد يعبّر بها عن
طرف غيره وعن الجزء الصغير، ففي مسند الحرث بن أبي أسامة مرفوعًا: ((أن في الشجر شجرة
هي مثل المؤمن لا يسقط لها أنملة))، ثم قال: ((هي النخلة، وكذلك المؤمن لا يسقط له دعوة))،
قاله السهيلي. (وسال منه الصديد) القيح وهو المدّة الرقيقة، (والقيح) يعني به المدّة الغليظة،
(والدم) وعند ابن إسحق كلما سقطت منه أنملة تبعها مدّة تمصي قيحًا ودمًا، وظاهر المصنف
كغيره أنه لم يصب بحجر، والظاهر: أن الداء الذي أصابه بعد وقوع حجر عليه ولم يعجل
هلاكه به زيادة في عقوبته والمثلة به، ويؤيّده أن الذين أصيبوا بالحجارة لم يموتوا كلهم سريعًا بل
تأخّر موت جمع منهم.
(وما مات حتى انصدع) أي: انشقّ (قلبه،) وفي ابن إسحق وغيره: حتى انصدع صدره
فرقتين عن قلبه بصنعاء، وفي رواية: كلما دخل أرضًا وقع منه عضو حتى انتهى إلى بلاد خثعم

١٦٦
عام الفيل وقصة أبرهة
إلى هذه القصة أشار سبحانه وتعالى بقوله لنبيه عَ لِ: ﴿ألم تر كيف فعل
ربك بأصحاب الفيل﴾ [الفيل: ١] السورة إلى آخرها.
فإن قلت: لم قال تعالى له عليه الصلاة والسلام: ﴿ألم تر .. ﴾ مع أن هذه
القصة كانت قبل البعث بزمان طويل؟
فالجواب أن المراد من الرؤية هنا: العلم والتذكر، وهو إشارة إلى أن الخبر
به متواتر، فكأن العلم الحاصل به ضروري، مساوٍ في القوة للرؤية.
وليس عليه غير رأسه فمات فيجوز أنه مات بها وحمل إلى صنعاء ميتًا، أو عبر بذلك مجاز القربة
منه أو لظن المخبر موته لرؤيته وصل لهذه الحالة لا سيّما وهم مشغولون بأنفسهم وانفلت وزيره
أبو يكسوم وطائره يحلق فوق رأسه، وهو لا يشعر به حتى بلغ النجاشي فأخبره بما أصابهم، فلما
أتمّ كلامه رماه الطائر فوقع عليه الحجر فخرّ ميتًا، فرأى النجاشي كيف كان هلاك أصحابه.
(وإلى هذه القصة أشار سبحانه وتعالى بقوله لنبيّه عَ لَّهِ) مما عدّ على قريش من نعمة
عليهم وفضله لبقاء أمرهم ومدّتهم، قاله ابن إسحق. ((ألم تر﴾) [الفيل: ١]، استفهام تقرير،
أي: ألم تعلم قرّره على وجود علمه بما ذكر، وبه جزم في النهر، وقيل: تعجب لنقله نقل
المتواتر، وبه جزم الجلال؛ أي: قد علمت أو تعجّب (﴿كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾)
[الفيل: ١]، عبّر بكيف دون ما؛ لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه للدلالة على كمال علم اللَّه
وقدرته وعزّة بيته وشرف رسوله، اقرأ (السورة إلى آخرها) وقد تلاها والتي بعدها معًا ابن إسحق
وجعلها متعلّقة بها، كما هو أحد الأوجة. وفي الكشاف وحياة الحيوان: وإلى هذه القصة
أشار علّ في الصحيح، بقوله: إن اللَّه حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين،
انتهى. وهو بيان لحالهم إذ خالفوا اللَّه ورسوله والسورة أنسب في تعظيم جدّ المصطفى وقومه
لأجله عَّهِ، فلذا اقتصر عليها المصنّف.
(فإن قلت: لم قال تعالى له عليه الصلاة والسلام: (ألم تر﴾ مع أن هذه القصة كانت قبل
البعث بزمان طويل،) إذ هي عام ولادته على أصحّ الأقوال وهو قول الأكثر، وقال مقاتل: قبل
مولده بأربعين سنة، وقال الكلبي؛ بثلاث وعشرين سنة، وقيل: بثلاثين، وقيل: بخمسين، وقيل:
بسبعین، وقيل غير ذلك.
(فالجواب: أن المراد من الرؤية هنا العلم والتذكر،) أي: قد علمت فهو تقريري. (وهو
إشارة إلى أن الخبر به) أي: بالواقع لأصحاب الفيل، (متواتر، فكان العلم الحاصل به ضروري
مساوٍ في القوة للرؤية،) كما هو شأن المتواتر.

١٦٧
عام الفيل وقصة أبرهة
وقد كانت هذه القصة دالة على شرف سيدنا محمد ع طيه وتأسيسًا لنبوته
وإرهاصًا لها، وإعزازًا لقومه بما ظهر عليهم من الاعتناء حتى دانت لهم العرب،
واعتقدت شرفهم وفضلهم على سائر الناس، بحماية الله لهم، ودفعه عنهم مكر
أبرهة، الذي لم يكن لسائر العرب يقتاله قدرته، وكان ذلك كله إرهاصًا لنبوته عليه
الصلاة والسلام.
قال الرازي: ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيساً، قال:
ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته.
(وقد كانت هذه القصّة دالّة على شرف سيّدنا محمّد عَّ وتأسيسًا لنبوّته وإرهاصًا لها،)
هما متساويان، والمراد: أنها توطئة وتقوية لنبوته، (وإعزازًا لقومه) أي: تقوية لهم بعد الذل بما
أصابهم من أبرهة واستعمال العزّ فيمن لم يسبق له ذلّ مجاز؛ كقوله: ﴿إِن العزّة للَّه جميعًا﴾
[يونس: ٢٥]، (بما ظهر عليهم من الاعتناء) أي: اعتناء الناس (حتى دانت) أي: خضعت وذلّت
(لهم العرب واعتقدت شرفهم وفضلهم على سائر الناس) بقيتهم، (بحماية اللَّه لهم ودفعه عنهم)
عطف تفسير، فالحماية الدفع فقالت العرب، كما في ابن إسحق: أهل اللّه قاتل عنهم وكفاهم
مؤنة عدوّهم، وقالوا في ذلك أشعاراً كثيرة.
(مكر أبرهة) أي: إرادته السوء بهم سمّاه مكرّا مع أنه الاحتيال من حيث لا يعلم الممكور
به، وأبرهة جاء مجاهرًا لحربهم نظرًا لعزمه على تخريب الكعبة وهم لا يشعرون، (الذي لم يكن
للعرب جميعًا،) وفي نسخة لسائر العرب، وهي أيضًا بمعنى الجميع عند الجوهري في جماعة،
وإن خطّؤوه فيها؛ لأنها لغة قليلة حكاها القاموس وغيره، وقد مرّ بسطه في الديباجة.
(بقتاله) أي: عليه متعلّق بقوله: (قدرته) قدّم عليه لأنه ظرف، (وكان ذلك كله إرهاصًا
لنبّته عليه الصّلاة والسّلام) وهو فائدة ذكر القصّة هنا، لا لتعظيم ما كانت عليه قريش، فإن
أصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم حينئذ أقرب حالاً مما كان عليه أهل
مكّة؛ لأنهم كانوا عباد أوثان فنصرهم اللَّه نصرًا لا صنع لبشر فيه، فكأنه يقول: لم أنصركم لخير
بكم ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سيشرّفه خير الأنبياء عَّهِ.
(قال) الإمام العلاَّمة فخر الدين محمّد بن عمر بن الحسين البكري الطبرستاني الأصل
(الرازي) المولد المعروف بابن الخطيب، فاق أهل زمانه في علم الكلام والأوائل، وتوفي سنة
ستّ وستّمائة بمدينة هراة، (ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيسًا) تقوية
لها، قال: (ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظلّه عليه الصّلاة والسّلام، يعني قبل بعثته،) وأنت خبير

١٦٨
عام الفيل وقصة أبرهة
وخالفه العلامة السيد في شرح المواقف - تبعًا لغيره - فاشترط في المعجزات
أن لا تتقدم على الدعوة بل تكون مقارنة لها. كما سيأتي إن شاء الله في المقصد
الرابع.
فإن قلت: إن الحجاج خرب الكعبة ولم يحدث شىء من ذلك !!
فالجواب: أن ذلك وقع إرهاصًا لأمر نبينا عَّهِ، والإرهاص إنما يحتاج إليه
قبل قدومه، فلما ظهر عليه
بأن قولهم ذلك لا يلزم منه أنهم سموها معجزة الذي هو محل النزاع. (وخالفه العلاَّمة السيّد)
المحقّق على الجرجاني، (في شرح المواقف تبعًا لغيره،) وهم الجمهور (فاشترط في
المعجزات أن لا تتقدّم على الدعوة) إلى كلمة الإسلام؛ (بل تكون مقارنة لها،) فالخوارق
الواقعة قبل الرسالة إنما هي كرامات، والأنبياء قبل النبوّة لا يقصرون عن درجة الأولياء، فيجوز
ظهورها عليهم أيضًا، فتسمى إرهاصًا، صرّح به السيد وهو مذهب جمهور أئمّة الأصول وغيرهم،
(كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في المقصد الرابع).
(فإن قلت) إهلاك اللَّه أصحاب الفيل إعزازًا لنبيّه وحرمه، و(إن الحجاج) بن يوسف
الثقفي الظلوم المختلف في كفره، واختار الإمام أبو عبد الله بن عرفة أنه كافر، قال الأبي رحمه
اللَّه: فأوردت عليه صلاة الحسن البصري، فأجاب بأنها تتوقف على صحة الإسناد إليه، انتهى.
وفي الكامل للمبرد: مما كفر به الفقهاء الحجاج أنه رأى الناس يطوفون حول
حجرته عَّله، فقال: إنما يطوفون بأعواد برمة، قال الدميري: كفروه بهذا لأنه تكذيب لقوله
(إن اللَّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء))، رواه أبو داود.
(خرّب الكعبة) لما أرسله عبد الملك بن مروان إلى قتال عبد اللَّه بن الزبير رضي اللَّه عنهما
لينزع منه الخلافة فتحصّن عبد الله منه في البيت، فرمى الكعبة بالمنجنيق ثم ظفر به فقتله سنة
ثلاث وسبعين، ووقع قبله في زمن يزيد بن معاوية حين أرسل الحصين بن نمير السكوني لقتال ابن
الزبير لامتناعه من مبايعة يزيد فنصب المنجنيق على أبي قبيس وغيره من جبال مكة، ورمى
الكعبة وكسر الحجر الأسود واحترقت الكعبة حتى انهدم جدارها وسقط سقفها، ثم ورد لهم
الخبر بموت يزيد عامله اللَّه بعدله، فرجعوا إلى الشام. (ولم يحدث شىء من ذلك) الذي وقع
أصحاب الفيل، فما الفرق؟ (فالجواب: أن ذلك وقع إرهاصًا) أي: تأسيسًا (لأمر نبيّا مٍَّ،
إرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه،) أي: ظهوره وثبوت نبوّته، (فلمّا) أي: حيث (ظهر عليه

١٦٩
ذكر حفر زمزم الذبیحین
الصلاة والسلام، وتأكدت نبوته بالدلائل القطعية فلا حاجة إلى شىء من ذلك،
ذكر حفر زمزم والذبيحين ولما فرج الله عن عبد المطلب، ورجع أبرهة خائبًا،
فبينما هو نائم يومًا في الحجر، إذ رأى منامًا عظيمًا،
الصّلاة والسلام وتأكّدت نبوّته بالدلائل القطعية، فلا حاجة إلى شىء من ذلك) جواب لما
ودخلته الفاء على قبله، وإيضاح هذا جواب الشامي بأنه إنما لم يمنعوا؛ لأن الدعوة قد تّت
والكلمة قد بلغت والحجّة قد ثبتت، فأخّر اللَّه أمرهم إلى الدار الآخرة، وقد أخبر عَّله بوقوع
الفتن وأن الكعبة ستهدم، اهـ. أي: فكان عدم منعهم مظهراً لمعجزته من الإخبار بالغيب.
وأجاب النجم: بأن أبرهة قصد التخريب بالكلية وعدم عودها، فلذا عوجل بالعقوبة،
والحجاج إنما قصد بالتخريب إذهاب صورة بناء ابن الزبير وإعادتها على حالتها الأولى، فلم
يحدث له شىء وفيه نظر، فإنه حين قتاله لابن الزبير لم يكن قصده إذهاب صورة بنائه وإنما أراد
ذلك بعد قتله، فكتب إلى عبد الملك مستشيره، كما قالوه في بناء الكعبة، ولك أن تقول: لا يرد
الإشكال من أصله؛ لأن جيش يزيد والحجاج إنما قاتلوا على الملك، ولم يقصدوا هدم الكعبة
ولم يسيروا إليه كأبرهة، وما وقع من التخريب أدّى إليه القتال، ثم أعاده ابن الزبير بعد ذهاب
جيش يزيد واستقراره في الخلافة بمكة وبعض البلاد على قواعد إبراهيم على ما حدّثته به خالته
عائشة، ثمّ لما غزاه الحجاج وتهدّم البيت أعاده الحجاج بأمر عبد الملك على ما كان عليه في
الجاهلية وهو صفته اليوم.
(ذكر حفر زمزم والذبيحين، ولما فرّج اللَّه تعالى عن عبد المطّلب ورجع أبرهة خائبًا،
فبينما هو نائم يومًا) أراد به مطلق الزمان، فلا ينافي قول عبد المطّلب: رأيت الليلة؛ كقوله
تعالى: ﴿من يولهم يومئذ دبره﴾ [الأنفال: ١٦] ﴿وَآتو حقه يوم حصاده﴾ ﴿إلى ربك يومئذٍ المساق﴾
[الأنعام: ١٤١]، لا مقابل الليلة، نحو: ﴿سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام﴾ [الحاقة: ٧]، ولا
مدّة القتال، نحو: ﴿يوم حنين﴾ [التوبة: ٢٥]، ولا الدولة، كقوله: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾
[آل عمران: ١٤٠]، ﴿في الحجر إذ رأى منامًا عظيمًا﴾، هو كما رواه أبو نعيم من طريق أبي
بكر بن عبد الله بن أبي الخيثم، عن أبيه عن جدّه، قال: سمعت أبا طالب يحدّث عن عبد
المطّلب، قال: بينما أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعًا شديدًا، فأتيت كاهنة
قريش، فقلت لها: إني رأيت الليلة كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق
والمغرب، وما رأيت نورًا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفًا، ورأيت العرب والعجم لها
ساجدين، وهي تزداد كل ساعة عظمًا ونورًا وارتفاعًا ساعة تخفى وساعة تظهر، ورأيت رهطًا من قريش
قد تعلّقوا بأغصانها، ورأيت قوماً من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها

١٧٠
ذكر حفر زمزم الذبيحين
فانتبه فزعًا مرعوبًا، وأتى كهنة قريش، وقص عليهم رؤياه، فقالت له الكهنة: إن
صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك من يؤمن به أهل السموات والأرض وليكونن
في الناس علمًا مبينًا. فتزوج فاطمة، وحملت في ذلك الوقت بعبد الله الذبيح
أخذهم شاب لم أرَ قط أحسن منه وجهًا ولا أطيب ريحًا، فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم فرفعت
يدي لأتناول منها نصيبًا، فلم أزل؛ فقلت: لمن النصيب؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين تعلّقوا بها
وسبقوك، فانتبهت مذعورًا فرأيت وجه الكاهنة قد تغيّر، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من
صلبك رجل يملك المشرق والمغرب وتدين له الناس، فقال عبد المطّلب لأبي طالب: لعلّك أن
تكون هو المولود، فكان أبو طالب يحدّث بهذا الحديث والنبيّ عَّ. قد خرج، أي: بُعِثَ،
ويقول: كانت الشجرة واللَّه أبا القسم الأمين، فيقال له: ألا تؤمن به؟ فيقول: السبّة والعار، أي:
أخشى أو يمنعني فهما منصوبان أو مرفوعان، أو المراد بالمنام ما في الروض في سبب تسميته
محمّدًا عن عليّ القيرواني العابر في كتابه البستان، قال: زعموا أن عبد المطّلب رأى في منامه
كأن سلسلة من فضّة خرجت من ظهره لها طرف في السماء، وطرف في الأرض، وطرف في
المشرق، وطرف في المغرب، ثمّ عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق
والمغرب كأنهم يتعلّقون بها، فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق
والمغرب ويحمده أهل السماء وأهل الأرض.
(فانتبه) حال كونه (فزعًا مرعوبًا) والمراد بهما واحد، فالفزع والرعب: الخوف، (وأتى
كهنة قريش وقصّ عليهم رؤياه،) وهذا مخالف لقوله في رواية أبي نعيم: فأتيت كاهنة قريش
فقلت لها، إلا أن يقال اللام في الكهنة للجنس، والمعنى: أنه لما خرج قصد جملة الكهنة، فاتّفق
أنه اختار هذه للسؤال.
(فقالت له الكهنة:) اللام للجنس، أو اشتهر قولها وبلغهم وأقرّوه فنسب لهم (إن صدقت
رؤياك ليخرجنّ من ظهرك من يؤمن به أهل السموات والأرض، وليكوننّ في الناس علمًا
مبينًا،) أي: كالراية الظاهرة، فالعلم بفتحتين: الراية؛ كما في المختار. (فتزوّج فاطمة) بنت عمرو
ابن عائذ بن عمرو بن مخزوم، (وحملت في ذلك الوقت بعبد الله الذبيح) فيه نظر؛ لأن عبد اللَّه
أصغر أولاد فاطمة، وقد ذكر اليعمري وغيره أن أبا طالب والزبير وعبد الكعبة أشقاء لعبد الله،
اللَّهمّ إلا أن يكون تجوّز في قوله في ذلك الوقت مبالغة في قرب حملها به، ثم هذا الذي ذكره
المصنّف من أن الرؤيا وحفر زمزم كانا بعد الفيل، إنما يأتي على أنه قبل المولد النبوي بأربعين أو
سبعين سنة.
أمّا على المشهور أنها كانت عامة فلا يتصور أصلاً إلاَّ أن يكون مراده مجرد الإخبار

١٧١
ذكر حفر زمزم الذبیحین
وقصته في ذلك مشهورة مخرجة عند الرواة مسطورة.
وكان سببها حفر أبيه عبد المطلب زمزم، لأن الجرهمي
بقصّة بعد أخرى، والمعنى: بعدما ذكرنا أن اللَّه فرّج عن عبد المطّلب، نقول: بينما هو نائم
والتزامه الترتيب على السنين إنما هو من حين نشأة المصطفى؛ كما قال في الديباجة، فلا يرد هذا
عليه لكن هذا في غاية التعشّف بل لا يصحّ مع قوله: لما خرج وخاب أبرهة نام فرأى فتزوّج،
فجعله جواب لمّا. (وقصّته) أي: وصفه بالذبيح (في ذلك مشهورة مخرجة عند الرواة مسطورة،
وكان سببها حفر أبيه عبد المطلب زمزم) أي: إظهارها وتجديدها، كما يعلم من قوله بعد وبالغ
في طمها.
ذكر البرقي عن ابن عباس: سمّيت زمزم؛ لأنها زمت بالتراب لئلا تأخذ يمينًا وشمالاً، ولو
تركت لساحت على الأرض حتى تملأ كل شىء، وقال الحربي: لزمزمة الماء، وهي صوته. وقال
أبو عبيد: لكثرة مائها، وقيل غير ذلك، وليس بخلاف حقيقي فقد تكون التسمية لجميع ذلك،
وحكى المطرزي أن اسمها زمازم وزمزم. قال السهيلي: وتسمّى أيضًا همزة جبريل بتقديم الميم
على الزاي، ويقال أيضًا: هزمة جبريل، أي: بتقديم الزاي؛ لأنها هزمته في الأرض، وتسمّى أيضًا:
طعام طعم وشفاء سقم، اهـ.
والأخير لفظ حديث مرفوع عند الطيالسي عن أبي ذرّ وأصله في مسلم، كما ذكره
السخاوي. وروى الدارقطني والحاكم عن ابن عباس رفعه: ((ماء زمزم لما شرب له، إن شربته
لتستشفى شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك اللَّه، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه اللَّه، هي
هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل)). وفي سيرة ابن هشام: ((هي بين صنمي قريش، أساف ونائلة عند
منحر قريش، كان جرهم دفنها حين ظعن من مكة، وهي بثر إسمعيل التي سقاه حين ظمىء، وهو
صغير، فالتمست له أمه ماء فلم تجده فقامت على الصفا تدعو اللَّه وتستسقيه لإسماعيل، ثم أتت
المروة ففعلت مثل ذلك فبعث اللَّه جبريل فهمزها بعقبه في الأرض، وظهر الماء وسمعت أُمّه
أصوات السباع فخافت عليه، فأقبلت نحوه فوجدته يفحص بيده عن الماء تحت خده ويشرب)).
قال السهيلي: حكمة همز جبريل بعقبه دون يده أو غيرها الإشارة إلى أنها لعقبه، أي:
إسمعيل ووارثه وهو محمّد عَّ وأَمّته؛ كما قال تعالى: ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه﴾
[الزخرف: ٢٨]، اهـ. وإنما حفرها عبد المطلب؛ (لأن الجرهمي) بضم الجيم وسكون الراء وضم
الهاء نسبة إلى جرهم حيّ من اليمن سمّوا باسم جرهم بن قحطان ابن نبيّ اللَّه هود؛ كما في
التيجان.

١٧٢
ذكر حفر زمزم الذبيحين
عمرو بن الحرث لما أحدث قومه يحرم الله الحوادث، وقيض الله لهم من أخرجهم
من مكة، فعمد عمرو إلى نفائس فجعلها في زمزم وبالغ في طمها، وفر إلى اليمين
بقومه، فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة .
(عمرو بن الحرث) بن مضماض بكسر الميم وضمها، (لما أحدث قومه) جرهم وكانوا
ولاة البيت والحاكم بمكة لا ينازعهم بنو إسمعيل لخؤلتهم وقرابتهم وإكرامًا لمكة، أي: يكون
بها بغي أو قتال، (يحرّم اللَّه الحوادث،) فبغوا بمكة وظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا مال
الكعبة الذي يهدى لها فساءت حالهم، (وقيّض اللَّه لهم من أخرجهم من مكّة)
قال القاضي تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام: اختلف أهل الأخبار فيمن أخرج جرهمًا
من مكة اختلافًا يعسر معه التوفيق، فقيل: بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة، وغبشان بن خزاعة
لمنعهم بني عمرو بن عامر الإقامة بمكة حتى يصل إليهم رواؤهم، وقيل: عمرو بن ربيعة بن لحرثة
لطلبهم حجابة البيت.
وقيل: بنو إسمعيل بعد أن سلّط اللَّه على جرهم آفات من رعاف ونمل حتى فني به من
أصابهم بمكّة، وقيل: سلّط على ولاة البيت منهم دواب، فهلك منهم في ليلة واحدة ثمانون
كهلاً سوى الشبان حتى رحلوا من مكّة، والقول الأول ذكره ابن إسحق، فقال: إن بني بكر
وغيشان لما رأوا بغيهم، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة فأذنوا بالحرب، فاقتتلوا فغلبهم بنو
بكر وغبشان فنفوهم من مكّة، وكانت مكّة في الجاهلية لا تقرّ فيها بغيًا ولا ظلمًا لا يبغي
فيها أحد إلا أخرجته فكانت تسمّى الناشة ولا يريدها ملك يستحل حرمتها، إلاّ هلك مكانه،
فيقال: ستيت بكّة لأنها تبك أعناق الجبابرة.
(فعمد) بفتح الميم ومضارعه بكسرها، كذا المنقول، ورأيت في بعض الحواشي أن في
بعض شروح الفصيح وأظنه عزاه للسبكي أنه يجوز فيه العكس، قاله في النور، أي: قصد (عمرو
إلى نفائس) هي غزالان من ذهب وسيوف وأدراع وحجر الركن كما عند ابن هشام وغيره،
(فجعلها في ( مزم) بمنع الصرف للتأنيث والعلمية، قاله المصباح. (وبالغ في طمها) بفتح الطاء
المهملة وكسر الميم المشدّدة بعدها هاء، قال القاموس: طم الركية دفنها وسواها، وفيه أيضًا
الركية البئر. (وفرّ إلى اليمن بقومه) فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكّة وملكها حزنًا شديدًا، وقال
عمرو:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
الأبيات بتمامها في ابن إسحق، قيل: كانت ولاية جرهم مكة ثلاثمائة سنة وقيل:
خمسمائة، وقيل: ستّمائة سنة. (فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة،) وفي رواية: بقيت

١٧٣
ذكر حفر زمزم الذبيحين
إلى أن رفعت عنها الحجب برؤيا منام رآها عبد المطلب، دلته على حفرها
بأمارات عليها.
فمنعته قریش من ذلك،
مطمومة بعد جرهم زهاء خمسمائة سنة لا يعرف مكانها، (إلى أن رفعت:) أُزيلت (عنها
الحجب) الموانع التي منعت من معرفتها، (برؤيا منام رآها عبد المطّلب دلّته على حفرها
بأمارات عليها،) روى ابن إسحق بسنده عن عليّ، قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر
إذ أناني آتٍ، فقال: احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟ فذهب عني؛ فلمّا كان الغد رجعت إلى
مضجعي فنمت فيه فجاءني، فقال: احفر برّة، فقلت: وما برّة؟ فذهب عني؛ فلما كان الغد
رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني، فقال: احفر المضنونة، فقلت: وما المضنونة؟ فذهب
عني؛ فلمَّا كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني وقال: احفر زمزم، قلت: وما
زمزم؟ قال: لا تنزف أبدًا ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم بين الفرث والدم عند نقرة الغراب
الأعصم عند قرية النمل.
برّة بفتح الموحدة وشدّ المهملة سميت بذلك لكثرة منافعها وسعة مائها، قال في الروض،
هو اسم صادق عليها؛ لأنها فاضت للأبرار وغاضت عن الفجّار. والمضنونة بضاد معجمة
ونونين: لأنها ضنّ بها على غير المؤمن فلا يتضلع منها منافق، قاله وهب ابن منبه. وروى
الدارقطني مرفوعًا: ((من شرب زمزم فليتضلع، فإنه فرق ما بيننا وبين المنافقين لا يستطيعون أن
يتضلّعوا منها))، وفي رواية الزبير بن بكار: أن عبد المطّلب قيل له: احفر المضنونة ضننت بها
على الناس إلاَّ عليك. ولا ينزف، بكسر الزاي: لا يفرغ ماؤها ولا يلحق قعرها. ولا تذمّ بمعجمة
لا توجد قليلة الماء من قول العرب: بثر ذمّة، أي: قليل ماؤها وهذا لأنه نفي مطلق وخبر صادق
أولى من الحمل على نفي ضد المدح؛ لأنها مذمومة عند المنافقين، قاله السهيلي. قال: والغراب
الأعصم فسره عَّله: ((بأنه الذي إحدى رجليه بيضاء))، رواه ابن شيبة وأطال في الروض في وجه
تأويل هذه الرؤيا بما يحسن كتبه بالعسجد، لكن الرهبة من التطويل تمنع من جلبه.
(فمنعته قريش من ذلك) ظاهره: أنها منعته من أصل الحفر ونازعته ابتداء، والذي رواه ابن
إسحق عن عليّ عقب ما مرّ: فلمَّا بيّ له شأنها ودلّ على موضعها وعرف أنه صدق، غدا بمعوله
ومعه ولده الحرث ليس له يومئذ ولد غيره فجعل يحفر ثلاثة أيّام، فلمّا بدا له الطي كبّر، وقال:
هذا طيّ إسمعيل، فقاموا إليه فقالوا: إنها بتر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقًّا، فأشركنا معك فيها،
قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم، قالوا له: فانصفنا، فإنا
غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا:

١٧٤
ذكر حفر زمزم الذبيحين
ثم آذاه من السفهاء من آذاه، واشتد بذلك بلواه، ومعه ولده الحرث ولم يكن له
ولد سواه، فنذر لئن جاءه عشرة بنين وصاروا له أعوانًا ليذبحن أحدهم لله قربانًا.
ثم احتفر عبد المطلب زمزم
كاهنة سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأشراف الشام بالفاء، فركب عبد المطّلب ومعه نفر من
بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر فخرجوا حتى إذا كانوا بمفازة بين الحجاز
والشام ظمىء عبد المطّلب وأصحابه، وغيره حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل
قريش فأبوا، وقالوا: إنا بمفازة نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى ما صنع القوم وما
يتخوّف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت،
فأمرهم فحفروا قبورهم، وقال: من مات وأراه أصحابه حتى يكون الآخر فضيعته أيسر من ركب؛
وقعدوا ينتظرون الموت عطشًا، ثم قال: واللَّه إن إلقاءنا بأيدينا للموت عجز، لنضربنّ في الأرض
عسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، وركب راحته فلمّا انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين
ماء عذب، فكبّر عبد المطّلب وأصحابه ثم نزل فشربوا واستقوا حتى ملؤوا أسقيتهم، ثم دعا قبائل
قريش، فقال لهم: هلمّ إلى الماء فقد سقانا اللَّه، فاستقوا وشربوا، ثم قالوا: قد واللَّه قضى لك علينا
يا عبد المطّلب، واللَّه لا نخاصمك في زمزم أبدًا إن الذي أسقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو أسقاك
زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبينها.
(ثم آذاه من السفهاء من آذاه،) هو عدي بن نوفل بن عبد مناف قال له: يا عبد المطّلب
تستطيل علينا وأنت فذّ، لا ولذلك! فقال: أبا القلة تعيّرني، فوالله لئن آتاني اللَّه عشرة من الولد
ذكور لأنحرنّ أحدهم عند الكعبة، رواه ابن سعد والبلاذري. وفي الخميس: سفّه عليه وعلى ابنه
ناس من قريش ونازعوهما وقاتلوهما، (واشتد بذلك بلواه، وكان معه ولده الحرث ولم يكن له
ولد سواه، فنذر) مرّ أنه حلف، فيحتمل أنه المراد بالنذر، أو أن صورة الالتزام تكرّرت مرة بالنذر،
وأخرى بالحلف. (لئن جاء له عشر بنين وصاروا له أعواناً،) أي: بلغوا أن يمنعوه، وبه عبّر ابن
إسحق وأتباعه (ليذبحنّ أحدهم قرباناً) للَّه عند الكعبة، (واحتفر عبد المطلب زمزم) في عامه
ذلك هو وابنه الحرث فقط، فعند ابن إسحق: فغدا عبد المطّلب ومعه الحرث فوجد قرية النمل
ووجد الغراب ينقر عندها بين إساف ونائلة الذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحھا، فجاء
بالمعول وقام يحفر حيث أُمر، فقامت إليه قريش، فقالوا: واللَّه ما نتركك تحفر بين وثنينا اللذين
ننحر عندهما، فقال لابنه: ردّ عني حتى أحفر، فوالله لأمضينّ لما أُمرت به؛ فلمَّا عرفوا أنه غير
تارك خلّوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرًا حتى بدا له الطير، فكبّر وعرف أنه قد
صدق، فلمَّا تمادى به الحفر وجد الغزالين والأسياف والأدراع التي دفنتها جرهم، فقالت قريش:

١٧٥
ذكر حفر زمزم الذبيحين
فکانت له فخرًا وعزًا.
فلما تكامل بنوه عشرة وهم: الحرث والزبير وحجل وضرار والمقوم
إنا معك في هذا شرك، قال: لا، ولكن هلمّ إلى أمر نصف بيني وبينكم نضرب عليها القداح،
قالوا: كيف نصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين ولي قدحين ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على
شىء كان له، ومن تخلّف قدحاه فلا شىء له، قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة،
وأسودين له وأبيضين لقريش، فخرج الأصفرين على الغزالين للكعبة، والأسودين على الأسياف
والأدراع له، وتخلف قدحا قريش فضرب الأسياف بابًا للكعبة وضرب بالباب الغزالين من ذهب،
فكان أوّل ذهب حليته الكعبة فيما يزعمون، ثم أتّ حفر زمزم وأقام سقايتها للحاج، (فكانت له
فخرًا وعزًّا) على قريش وعلى سائر العرب، ذكر الزهري في سيرته: أنه اتّخذ عليها حوضًا يستقى
منه، فكان يخرب بالليل حسدًا له، فلما أهمّه ذلك قيل له في النوم قل: لا أُحلّها لمغتسل، وهي
للشارب حلّ وبلّ، فلما أصبح قالها فكان من أرادها بمكروه رمي بداء في جسده، حتى انتهوا عنه.
حلّ بكسر الحاء، أي: من الحرام. وبلّ، بكسر الموحدة: مباح، وقيل: شفاء. وعند ابن
إسحق: فعفت زمزم على آبار كانت قبلها وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام
وفضلها على ما سواها؛ ولأنها بثر إسماعيل وافتخر بها بنو عبد مناف على قريش كلّها وعلى سائر
العرب، وعند غيره: فكان منها شرب الحاجّ، وكان لعبد المطّلب إبل كثيرة يجمعها في الموسم
ويسقي لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم، ويشتري الزبيب فينبذه بماء زمزم ويسقيه
الحاج ليكسر غلظها وكانت إذ ذاك غليظة، فلما توفي قام بالسقاية العباس وكان له كرم
بالطائف؛ فكان يحمل زبيبه إليها ويسقيه الحاج أيام الموسم، فلما دخل عَّ له مكّة يوم الفتح
قبض السقاية منه، ثمّ ردّها إليه.
(فلمَّا تكامل بنوه عشرة) بعد حفره زمزم بثلاثين سنة، كما عند ابن سعد والبلاذري، زاد
في نسخ (وهم الحرث) وأَمّه صفية بنت جندب (والزبير،) بفتح الزاي عند البلاذري، وأبي
القسم الوزير وضمها عند غيرهما، وهو مفاد التبصير وأمّه فاطمة بنت عمرو، (وحجل،) بفتح
المهملة فجيم ساكنة عند الدارقطني، وتبعه النووي والذهبي والعسقلاني، وهو في الأصل القيد
والخلخال، وضبطه اليعمري تبعًا لابن إسحق بتقديم الجيم على الحاء الساكنة، وصدر به
المصنّف فيما يأتي وهو السقاء الضخم، وذكر المصنّف: ثم إنَّ اسمه المغيرة وتبع فيه الذهبي،
ووهمه الحافظ، وقال: الذي اسمه مغيرة ابن أخيه حجل بن الزبير بن عبد المطّلب، انتهى. وأَمّه
هالة بنت وهيب. (وضرار،) بضاد معجمة وراءين بينهما ألف، وهو شقيق العباس، (والمقوّم)
بفتح الواو مشدّدة اسم مفعول وكسرها مشددة اسم فاعل، كذا بخطّي ولا أدري الآن من أين

١٧٦
ذكر حفر زمزم الذبيحين
وأبو لهب والعباس وحمزة وأبو طالب وعبد الله، وقر الله عينه بهم، نام ليلة عند
الكعبة المطهرة فرأى في المنام قائلاً يقول: يا عبد المطلب: أوف بنذرك لرب هذا
البيت، فاستيقظ فزعًا مرعوبًا، وأمر بذبح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين. ثم نام
فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فاستيقظ من نومه وقرب ثورًا، ثم نام فرأى:
أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه وقرب جملاً، وأطعمه للمساكين، ثم نام
فنودي: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فقال: ما أكبر من ذلك وقال: قرب أحد
أولادك الذي نذرته.
فاغتم غمًا شديدًا، وجمع أولاده، وأخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء، فقالوا:
إنا نطيعك، فمن تذبح منا؟ قال: ليأخذ
هو، قاله في النور، وأُمّه هالة. (وأبو لهب،) عبد العزّى وأُّه آمنة بنت هاجر، (والعبّاس) رضي اللَّه
عنه، وأُّه نتلة بفتح النون وسكون الفوقية، ويقال: نتيلة بضم النون وفتح الفوقية مصغّرًا، واقتصر
عليه التبصير. (وحمزة،) سيّد الشهداء رضي اللَّه عنه، وأَمّه هالة بنت وهيب. (وأبو طالب
وعبد اللَّه) والده مَِّ وأَمَّهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمر بن مخزوم، قال شيخنا: وهذه
النسخة لا تناسب ما يأتي أنَّ حمزة والعباس إنما ولدا بعد الوفاء بالنذر، فلعلّها غير صحيحة،
انتهى. أمّا الأول: فواضح، وأمَّا ترجى عدم صحتها فلا إذ من المعلوم القول بأن أولاده عشرة
فقط فيحتمل أن المراد بحمزة والعباس هنا اثنان من ولد ولده موافقًا اسم ابنيه. (وقرّ اللَّه عينه
بهم،) كذا في نسخ وسقطت الجلالة من أخرى، وهي التي عند شيخنا، فقال: العين حاسّة الرؤية
مؤنّثة ذكر الفعل؛ لأن تأنيثها غير حقيقي.
(نام ليلة عند الكعبة المطهّرة، فرأى في المنام قائلاً يقول) له: (يا عبد المطّلب، أوفٍ)
بهمزة قطع (بنذرك لربّ هذا البيت، فاستيقظ) حال كونه (فزعًا مرعوبًا،) أي: خائفًا وهما بمعنى
كما مرّ، (وأمر بذبح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين، ثم نام فرأى: أن قرّب ما هو أكبر من
ذلك، فاستيقظ من نومه وقرّب ثوراً،) ذكّرُ البقر ستي ثورًا؛ لأنه يثير الأرض، كما سمّيت البقرة
بقرة؛ لأنها تبقرها، (ثم نام، فرأى: أن قرّب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه وقرّب جملاً) نحره،
(وأطعمه للمساكين) والفقراء؛ لأنهما إذا افترقا اجتمعا، (ثم نام، فنودي: أن قرّب ما هو أكبر من
ذلك، فقال: وما هو أكبر من ذلك؟ وقال: قرّب أحد أولادك الذي نذرته،) أي: نذرت ذبحه،
(فاغتمّ غمًّا شديدًا،) أي: أصابه كرب وحزن، (وجمع أولاده وأخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء،)
بالنذر (فقالوا: إنا نطيعك، فمن تذبح منّا؟) أي: فأي واحد تريد ذبحه لنعينك عليه، (قال: ليأخذ

١٧٧
ذكر حفر زمزم الذبیحین
كل واحد منكم قدحًا - والقدح: سهم بغير نصل - ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوا
به، ففعلوا، وأخذوا قداحهم ودخلوا على هبل - [اسم صنم عظيم] وكان في جوف
الكعبة، وكانوا يعظمونه، ويضربون بالقداح عنه، ويستقسمون بها، أي يرتضون بما
يقسم لهم، ثم يضرب بها القيم الذي لها - قال: فدفع عبد المطلب إلى ذلك
القيم القداح وقام يدعو الله تعالى، فخرج على عبد الله، وكان أحب ولده إليه.
فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله،
كل واحد منكم قدحًا،) قال المصنّف: (والقدح) بكسر القاف وسكون الدال وحاء مهملة، (سهم
بغير نصل) ولفظ القاموس القدح بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل، (ثم ليكتب فيه اسمه، ثم
ائتوا به، ففعلوا وأخذوا قداحهم) بكسر القاف جمع قدح ويجمع أيضًا على أقداح أقاديح؛ كما
في القاموس.
(ودخلوا على هبل) بضم الهاء وفتح الموحدة فلام، (اسم صنم عظيم) من عقيق أحمر
على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدًا من ذهب كذا ذكر
ابن الكلبي في كتاب الأصنام: أنه بلغه (وكان في جوف الكعبة) وكان تحته بثر يجمع فيها ما
يهدى للكعبة، قاله ابن إسحق وغيره. (وكانوا يعظّمونه ويضربون بالقداح عنده،) قال ابن إسحق:
كان عنده قداح سبعة كل قدح فيه كتاب قدح العقل، إذا اختلفوا من يحمله، وقدح فيه نعم
للأمر إذا أرادوه، وقدح فیه لا، وقدح فيه منکم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه من غير كم، وقدح
فيه المياه إذا أرادوا حفرها، فكانوا إذا أرادوا الختان أو النكاح أو دفن ميت أو شكّوا في نسب،
ذهبوا إلى هبل بمائة درهم وجزور فأعطوها الذي يضرب بها ثم ما خرج عملوا به، انتهى ملخّصًا،
ففسرها كلها وأقرّه عبد الملك بن هشام.
وأمّا ابن الكلبي، فقال: مكتوب في أوّلها صريح والآخر ملصق، وإذا شكّوا في مولود
أهدوا له هدية ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج صريح ألحقوه وإن كان ملصقًا دفعوه، وقدح على
الميتة، وقدح على النكاح، وثلاثة لم تفسّر لي على ما كانت، فإذا اختصموا في أمر أو أرادوا
سفرًا أو عملاً أتوه، فاستقسموا بالقداح عنده، فما خرج عملوا به، وانتهوا إليه. وفسّر ضرب
القداح، بقوله: (ويستقسمون بها، أي: يرتضون بما يقسم لهم، ثم يضرب بها القيّم الذي لها)
والمعنى: كانوا يتّفقون عند القيّم بالرضا بما خرج، فكل من خرج اسمه على شىء رضيَ به،
(قال: فدفع عبد المطّلب إلى ذلك القيّمِ القداح، وقام) عبد المطّلب (يدعو اللَّه تعالى) ويقول:
اللَّهمّ إني نذرت لك نحر أحدهم وإني أَقرع بينهم، فأصب بذلك من شئت، ثم ضرب السادن
القدح (فخرج على عبد اللَّه، وكان أحبّ ولده إليه، فقبض عبد المطّلب على يد ولده عبد الله

١٧٨
ذكر حفر زمزم الذبيحين
وأخذ الشفرة ثم أقبل إلى إساف ونائلة - صنمين عند الكعبة تذبح وتنحر عندهما
النسائك - فقام إليه سادة قريش فقالوا: ما تريد أن تصنع؟ فقال: أوفي بنذري،
فقالوا: لا ندعك أن تذبحه حتى تعذر فيه إلى ربك، ولئن فعلت هذا لا يزال
الرجل يأتي بابنه فيذبحه وتكون سنة. وقالوا: له: انطلق إلى فلانة الكاهنة - قلت:
وأخذ الشفرة،) بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء، وهي السكين العظيم؛ كما في القاموس. أو
العريض؛ كما في المصباح. ولا خلف (ثم أقبل إلى أساف) بكسر الهمزة وفتح المهملة
مخفّفة، (ونائلة) بنون فألف فتحتية، (صنمين عند الكعبة)) قال هشام الكلبي في كتاب الأصنام:
إساف رجل من جرهم، يقال له: أساف بن يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها في
أرض اليمن فحّا فدخلا الكعبة فوجدا غفلة من الناس وخلوة من البيت ففجر بها فيه فمسخا
فأصبحوا فوجدوهما ممسوخين فوضعوهما ليتّعظ بهما الناس، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام
عبدًا معها، (تذبح وتنحر عندهما النسائك، فقام إليه سادة قريش) وعند ابن إسحق وغيره:
« مت إليه قريش في أنديتها، (فقالوا: ما تريد أن تصنع؟) فلعلّ السادة هم الذين بدؤوا بالقيام
والقول فتبعوهم، وفي ابن إسحق: فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر، ولا
يشكل بقوله قبله: فأطاعوه؛ كقول المصنّف: إنا نطيعك فمن تذبح منّا؛ لأنهم وافقوه أوّلاً ثم
وافقوا قريشًا في طلب الأعذار، ووقع في الشامية أن العباس جذب عبد اللَّه من تحت رجل
أبيه حين وضعها عليه ليذبحه، فيقال: إنه شبح وجهه شبحة لم تزل فيه حتى مات، اهـ. ولا
يصحّ؛ لأن العباس إنما ولد بعد هذه القصة، إلا أن يقال على بعد شاركه في اسمه غيره من
بني أخوته.
(فقال: أُوفي بنذري) بضم الهمزة وسكون الواو ففاء خفيفة، أو بفتح الواو وشدّة الفاء،
يقال: أوفى روفى بمعنى، (فقالوا: لا ندعك تذبحه حتى تعذر،) بضم فسكون من الأعذار، يقال:
أعذر إذا أبدى العذر، والمراد حتى تطلب عذرًا (فيه) في ذبحه (إلى ربّك) بأن تسأل الكاهنة،
فإنها إن ذكرت أنه يذبح كان عذرًا عندهم، (ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه،)
فما بقاء الناس على هذا، وقال المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم: وكان عبد الله بن أخت
القوم، واللَّه لا تذبحه أبدًا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، هكذا في ابن إسحق.
(وتكون سنة) أي: طريقة مستمرة في قومك؛ لأنك رئيسهم فيقتدون بك (وقالوا له: انطلق إلى
فلانة الكاهنة،) وعند ابن إسحق وأتباعه: وانطلق إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع من الجنّ وهو
بتقدير مضاف، أي: أحد أرض الحجاز، فلا يخالفه قول القاموس الحجاز مكّة والمدينة
والطائف.

١٧٩
ذكر حفر زمزم الذبيحين
قيل اسمها: قطبة، كما ذكره الحافظ عبد الغني في كتاب المبهمات، وذكر ابن
إسحق أن اسمها: سبجاج - فلعلها أن تأمرك فيه فرج لك.
فانطلقوا حتى أتوها بخيبر، فقص عليها عبد المطلب القصة، فقالت: كم
الدية عندكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم
ثم قربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها القداح، فإن خرجت القداح على
صاحبكم فزيدوا في الإبل ثم اضربوا أيضًا، هكذا حتى يرضى ربكم. ويخلص
صاحبكم فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.
فرجع القوم إلى مكة، وقربوا عبد الله، وقربوا عشرة .
(قيل: كان اسمها قطبة، كما ذكره الحافظ عبد الغني) بن سعيد بن علي الأزدي الإمام
المتقن النسابة إمام زمانه في علم الحديث وحفظه، قال البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ
منه له مؤلفات منها المبهمات، ولد سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ومات في سابع صفر سنة تسع
وأربعمائة، (في كتاب) الغوامض و(المبهمات، وذكر ابن إسحق) في رواية يونس عنه (أن
اسمها سبجاج) .
كذا في النسخ، والذي في الروض: سجساج، (فلعلّها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك) لفظ
رواية ابن إسحق: إن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته، (فانطلقوا
حتى) قدموا المدينة فوجدوها بخيبر، فركبوا حتى (أتوها بخيبر، فقصّ عليها عبد المطّلب
القصّة) فقالت لهم، كما في ابن إسحق: ارجعوا عني حتى تأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا من
عندها؛ فلما خرجوا عنها قام عبد المطّلب يدعو اللَّه، ثم غدوا عليها (فقالت) لهم: قد جاءني
الخبر (كم الديّة عندكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: ارجعوا إلى بلادكم ثمّ قرّبوا
صاحبكم،) أي: أحضروه إلى موضع ضرب القداح (ثم قرّبوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه
وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الإبل) عشرة أخرى، وهكذا على
ما يظهر من أن الزيادة بإشارتها أو أطلقت.
وزاد عبد المطّلب اجتهادًا نظرًا لأن الديّة عشرة فأُريد تضعيفها، (ثم اضربوا أيضًا هكذا
حتى يرضى ربكم ويخلص صاحبكم، فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربّكم
ونجّا صاحبكم،) وكأنه غلب على ظنها أن القداح لا محالة تخرج على الإبل مرّة، فسكتت عن
حكم ما لو لم تخرج عليها لعلمه عندهم، (فرجع القوم إلى مكة وقرّبوا عبد اللَّه وقرّبوا عشرة

١٨٠
ذكر حفر زمزم الذبيحين
من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو، فخرجت القداح على ولده، فلم يزل يزيد
عشرًا عشرًا حتى بلغت مائة فخرجت القداح على الإبل. فنحرت وتركت، لا
يصد عنها إنسان ولا طائر ولا سبع.
ولهذا روى - على ما عند الزمخشري في الكشاف - أنه عَِّ قال: أنا ابن
الذبیحین.
وعند الحاكم في المستدرك، عن مطوية بن أبي سفين قال: كنا عند
رسول الله له
من الإبل، وقام عبد المطّلب يدعو) اللَّه تعالى (فخرجت القداح،) أي: جنسها إذ الخارج في
كل مرّة قدح أحد (على ولده، فلم يزل يزيدا عشرًا عشرًا حتى بلغت الإبل مائة، فخرجت
القداح على الإبل) زاد ابن إسحق: فقالت وقريش ومن حضر: قد انتهى رضا ربّك
يا عبد المطلب، فزعموا أنه قال: لا واللَّه حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات، فضربوا على
عبد اللَّه وعلى الإبل فقام عبد المطّلب يدعو فخرجت على الإبل، ثم عادوا الثانية وهو قائم يدعو
فضربوا فخرجت على الإبل، ثم الثالثة وهو قائم يدعو فخرجت على الإبل، (فنحرت وتركت لا
يصدّ عنها إنسان) ذكر أو أنثى، قال لمجد المرأة إنسان وبالهاء عامية، وسمع في شعر كأنه مولد:
لقد كستني في الهوى ملابس الصبّ الغزل
إنسانـة فـــانــة بدر الدجى منها خجل
إذا زنت بها عيني من الدموع تغتسل
(ولا طائر ولا سبع،) بضم الموحدة وفتحها وسكونها: المفترس من الحيوان، قاله
القاموس. وعند مغلطاي: أوّل من سنّ الدية مائة عبد المطلب، وقيل: العلمس أو سيارة اهـ.
(ولهذا) الواقع في قصّة عبد اللَّه (روى على ما عند الزمخشري في الكشاف) في سورة:
﴿والصافّات﴾ [الصافات: ١]، استدلالاً على أن الذبيح إسمعيل، (أنه عَّةِ، قال: «أنا ابن
الذبيحين) قال الزيلعي في تخريج أحاديثه: غريب، ثم ساق حديث الأعرابي المذكور في المتن
ونحوه للحافظ، فحاصل كلامهما أنهما لم يجداه بهذا اللفظ؛ كما عزاه لهما الشامي.
(وعند الحاكم في المستدرك) وابن جرير وابن مردويه والثعلبي في تفاسيرهم، (عن
مطوية بن أبي سفين،) صخر ابن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أمير
المؤمنين أسلم هو وأبواه وأخوه يزيد في فتح مكّة وكان هو وأبوه من المؤلّفة قلوبهم، ثم حسّن
إسلامهما ومغوية من الموصوفين بالحلم توفي بدمشق سنة ستّين، (قال: كنّا عند رسول الله