Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وما خلقت خلقا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك
ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا وما أحسن قول سيدي علي وَفَى في
قصيدته الدالية التي أولها:
سكن الفؤاد فعش هنيئا يا جسد هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد
روح الوجود حياة من هو واجد لولاه ما تم الوجود لمن وجد
عيسى وآدم والصدور جميعهم
إن بمعنى إذ، فلا يرد أن استعمال إن إنما هو في المشكوك فيه، ولا شكّ هنا.
(وما خلقت خلقًا أكرم عليّ منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك
عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا، وما أحسن قول) وفي نسخة: ولله درّ، (سيدي علي وفى)
الشاذلي العارف الكبير أبي الحسن ابن العارف الكبير، ولد بالقاهرة سنة تسع وخمسين
وسبعمائة، وكان يقظًا حادّ الذهن، ومالكي المذهب وله نظم كثير، وكان أبوه معجبًا به، وأذن له
في الكلام على الناس وهو دون العشرين، مات في ذي الحجّة سنة سبع وثمانمائة، كذا ترجمه
الحافظ ابن حجر، وتبعه السخاوي والسيوطي، ولا يشكل بأن أباه مات وهو ابن سنة، وقيل: ابن
ستّ سنين، كما ادّعى النجم ابن فهد؛ لجواز أن أباه أذن له حال الطفولية في ذلك إذا بلغ هذا
السن لما اطّلع عليه فيه من الأسرار الربّانية (في قصيدته الداليّة) نسبة إلى الدال؛ لوقوعها آخر
كل بيت، كما هو اصطلاح العروضين (التي أوّلها):
(سكن الفؤاد فعش هنيًّا يا جسد هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد)
وبعد هذا البيت:
أصبحت في كنف الحبيب ومن يكن جار الكريم فعيشه العيش الرغد
عش في أمان اللّه تحت لوائه لا خوف في هذا الجناب ولا نكد
لا تختشي فقرًا وعندك بيت من كل المنى لك من أياديه مدد
هو في المحاسن كلّها فرد أحد
ربّ الجمال ومرسل الجدوى ومن
قطب النهى غوث العالم كلّها أعلى على سار أحمد من حمد
,ومقول قوله: ما أحسن قول هو قوله: (روح الوجود حياة من هو واجد) بالجيم، أي:
هو عَّهُ سبب لحياة من وجدهم من الخلق، أي: علمهم موجودين منهم؛ لأنه (لولاه ما تمّ
الوجود لمن وجد) فهو كالعلّة لما قبله ( عيسى وآدم) خصّهما؛ لأن عيسى آخر الرسل قبله وآدم
أوّلهم (والصدور جميعهم،) أي: العظماء الذين يصدرون ويعظمون في المجالس من صدره في

١٢٢
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
هم أعين هو نورها لما ورد
لو أبصر الشيطان طلعة نوره
في وجه آدم كان أول من سجد
عبد الجليل مع الخليل ولا عند
أو لو رأى النمرود نور جماله
لكن جمال الله جل فلا يرى إلا بتخصيص من الله الصمد
ولما خلق الله تعالى حواء لتسكن إلى آدم ويسكن إليها، فحين وصل إليها
فاضت بركاته عليها، فولدت له في تلك الأعوام الحسناء
المجلس فتصدر (هم أعين) و(هو) عَّ (نورها، لما ورد) أتى (لو أبصر الشيطان) نظر بعين
البصيرة، لما روي عن ابن عباس أنه لما نفخ في آدم الروح صار نور محمّد عَّ يلمع من
جبهته؛ كالشمس المشرقة، ويحتمل الحقيقة بأن يكون حجب اللَّه بصره مع شدّة ظهوره عن أن
يرى (طلعة نوره، في وجه آدم كان أول من سجد) له، لكنه لم يبصر ذلك الخذلان اللَّه عزّ وجلّ
له، (أو لو رأى النمرود) بضم النون آخره دال مهملة، كما في القاموس وبالمعجمة نقله ثعلب
عن أهل البصرة وهو الموافق للضابط الذي نظمه الفارابي فرقًا بينهما في لغة الفرس، حيث قال:
احفظ الفرق بين دال وال فهو ركن في الفارسية معظّم
كل ما قبله سكون بلا واي فدال وما سواه فمعجم
واختصره القائل:
إن تلت الدال صحيحًا ساكنًا أهملها الفرس وإلا أعجموا
(نور جماله) في وجه إبراهيم عليهما السلام، (عبد الجليل) بالجيم (مع الخليل) إبراهيم
(ولا عند) بفتح العين والنون، أي: خالف ورد الحقّ مع معرفته به، وأما عند الطريق بمعنى عدل
عنها فمثلث النون، كما في الراموز. (لكن جمال اللَّه) كماله ونوره الحامل على الطاعة، (جلَّ)
عن الأبصار والبصائر (فلا يرى) بالبصائر (إلا بتخصيص) بإعطاء (من اللَّه الصمد،) لمن شاء فلذا
لم يره إبليس، وبقي من القصيدة ثلاثة أبيات:
فابشر بمن سكن الجوانح منك يا أنا قد ملأت من المنى عينًا ويد
عين الوفا معنى الصفا سر الندى نور الهدى روح النهي جسد الرشد
هو للصلاة من السلام المرتضى الجامع المخصوص ما دام الأبد
(ولما خلق اللَّه تعالى حوّاء لتسكن إلى آدم ويسكن إليها، فحين وصل) وفي نسخة
صار (إليها) أي: واقعًا وكان ذلك بعد هبوطهما بمائة سنة، وقيل: مائة وعشرين حكاهما
الخميس، (فاضت بركاته عليها فولدت له في تلك الأعوام الحسناء،) قد بيّنا لك عدّة الأعوام
فإنه عاش ألف سنة، فأسقط منها مقدار مكثه في الجنَّة الذي تقدم الخلاف فيه، وهذه المائة أو

١٢٣
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
أربعين ولدا في عشرين بطنا، ووضعت شيئا وحده، كرامة لمن أطلع الله بالنبوة
سعده.
ولما توفي آدم،
وعشرين بعد الهبوط تعرف عدّة هذه الأعوام.
(أربعين ولدًا في عشرين بطنًا) كما اقتصر عليه البغوي، قائلاً: وكان أوّلهم قابيل وتوأمته
إقليميًّا، ونقل ابن إسحق عن بعض أهل الكتاب أنهما ولدا في الجنّة وآخرهم عبد المغيث وتوأمته
أمة الغيث اهـ. وفي النسفي: أوّلهم الحرث (ووضعت شيئًا) بكسر المعجمة فتحتية ساكنة فمثلثة
مصروف، وفي سيرة مغلطاي ويقال: شاث، ومعناه هبة اللَّه، ويقال: عطية اللَّه، وقال السهيلي:
وهو بالسريانية: شاث، وبالعبرانية: شيث، وقال ابن كثير وغيره: سناه هبة اللَّه؛ لأنهما رزقاه بعد
قتل هابيل بخمس سنين ووضعته على شكل هابيل لا يغادر منه شيئًا، وقيل: ولد بعده بأربعين
سنة، وقيل غير ذلك هذا ووقع في الشامية يقال: شاث، بإمالة الشين وردّه شيخنا: بأن الشين
مكسورة فلا تمال، وقيل: لا يصرف بناء على أن الثلاثي الأعجمي الساكن الوسط يجوز صرفه
وعدمه، قال في الهمع وهو فاسد إذ لم يحفظ. (وحده) ولا أُخت معه على المشهور، وقيل:
كان معه أُخته؛ كما في الخميس.
وفي بحر النسفي: أوّل ولد آدم الحرث ولا أخت معه، ثم قابيل وأُخته، ثم هابيل وأُخته،
ثم أُسّت وأخته، ثم شيث وحده، ثم أثنى بعده في بطن فزوجها منه، ثم كذا وكذا إلى تمام
الأربعين بطنًا عند ابن إسحق. وقال وهب بن منبه: مائة وعشرين بطنًا، وقيل: خمسمائة بطن
لتمام ألف ولد اهـ
(كرامة لمن اطّلع اللَّه بالنبوّة سعده))) وهو المصطفى فكان في وجه شيث نور نبيّنا عَّه
وجاءت الملائكة مبشّرة لآدم به، (ولما توفّي آدم) عليه الصلاة والسلام وسنّه ألف سنة؛ كما
في حديث أبي هريرة وابن عباس مرفوعًا، وقيل: إلاَّ سبعين، وقيل: إلاّ ستّين، وقيل: إلاَّ أربعين
بمگّة يوم الجمعة، وصلّی علیه جبريل، واقتدى به الملائكة وبنو آدم. وفي رواية صلّى عليه شيئ
بأمر جبريل ودفن بمكّة في قبر بغار أبي قبيس، ذكرهما الثعلبي وغيره. وعن ابن عباس: لما فرغ
آدم من الحجّ رجع إلى الهند، فمات.
وعن ثابت البناني حفروا لآدم ودفنوه بسرنديب في الموضع الذي أُهبط فيه وصححه
الحافظ ابن كثير، وقيل: دفن بين بيت المقدس ومسجد إبراهيم، رأسه عند الصخرة ورجلاه عند
مسجد الخليل، وقيل: دفن عند مسجد الخيف.
وقال ابن إسحق وغيره: دفنته الملائكة وشيث وأخوته في مشارق الفردوس عند قرية هي
.

١٢٤
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
كان شيث - عليه الصلاة والسلام - وصيا لآدم على ولده، ثم أوصى شيث ولده
بوصية آدم: أن لا يضع هذا النور إلا في المطهرات من النساء، ولم تزل هذه
الوصية جارية، تنتقل من قرن إلی قرن،
أول قرية كانت في الأرض وكسفت الشمس والقمر عليه أسبوعًا وعاشت حوّاء بعده سنة، وقيل:
ثلاثة أيام ودفنت بجنبه. (كان شيث عليه الصّلاة والسّلام وصيًّا لآدم على ولده،) أي: أولاده
ومرّ أنه يكون واحدًا وجمعًا، وأطاعه أولاد أبيه، وروي عن ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ
أولاده وأحفاده أربعين ألفًا الصلبية منهم أربعون.
وفي مسند الفردوس عن أنس، قال: قال رسول اللَّه عَ لّهِ: ((إن آدم عليه الصّلاة والسلام قام
خطيبًا في أربعين ألفًا من ولده وولد ولده، وقال: إن ربيّ عهد إليّ، فقال: يا آدم أقلل كلامك
ترجع إلى جواري، وكان شيث أجمل أولاده وأشبههم به وأحبهم إليه وأفضلهم، وعلّمه الله
الساعات والعبادة في كل ساعة منها، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وزوّجه اللَّه أخته التي ولدت
بعده وكانت جميلة كأمّها حواء، وخطب جبريل وشهدت الملائكة، وكان آدم وليّها ورزقه اللَّه
أولادًا في حياة أبيه وعمر تسعمائة واثنتي عشرة سنة، وقيل: عشرين ومات لمضي ألف واثنتين
وأربعين سنة من هبوط آدم، ودفن في غار أبي قبيس))، (ثم) بعد ما أوحى اللَّه إلى شيث أن اتّخذ
ابنك أنوش صفيًّا وصيًّا علم أنه نعيت إليه نفسه، (أوصى شيث) واستخلف (ولده) هو أنوش
بفتح الهمزة فنون مضمومة آخره شين معجمة، ويقال: يانش بتحتية فنون مفتوحة فمعجمة، وقيل:
أنش.
قال السهيلي: ومعنى أنوش الصادق وهو بالعربية أنش. وقال مغلطاي: يانش ومعناه
الصادق، ذكره النور وانتقلت إليه رئاسة الخلق بعد أبيه وقام مقامه، وكان على طوله وبياضه
وجماله وعاش تسعمائة وخمسين أو وعشرين أو خمسًا وستين سنة.
(بوصية آدم) وهي (أن لا يضع هذا النور) الذي كان في وجه آدم كالشمس (إلا في
المطهرات من النساء، ولم تزل هذه الوصية جارية تنتقل من قرن إلى قرن،) أي: من طائفة إلى
أخرى، فإن النور إذا كان في شيث مثلاً كان موجودًا في مجموع من عاصره، فإذا مات وانتقل
لولده انتقل النور من مجموع تلك الطائفة إلى مجموع طائفة ابنه وهكذا، أو المراد من واحد
إلى واحد وسماه قرنًا تجوّزًا، قال الحافظ: والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من
الأمور المقصودة، ويقال: ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبيّ أو رئيس يجمعهم على
ملّة أو مذهب أو عمل، قال: ويطلق القرن على مدّة من الزمان اختلف في تحديدها من عشرة
أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أرَ من صرّح بالتسعين ولا بمائة وعشرة وما عدا ذلك فقد قال به

١٢٥
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
إلى أن أدى الله النور إلى عبد المطلب وولده عبد الله، فطهر الله تعالى هذا النسب
الشريف من سفاح الجاهلية، كما ورد عنه عَّه في الأحاديث المرضية.
قال ابن عباس - فيما رواه البيهقي في سننه - قال رسول الله عَ ليه ما ولدني
من سفاح الجاهلية شىء، ما ولدني
قائل. وفي حديث عبد اللَّه بن بسر عند مسلم ما يدلّ على أن القرن مائة وهو المشهور، وفي
المحكم: هو القدر المتوسط من أعمال أهل كل زمن وهذا أعدل الأقوال، وبه صرّح ابن
الأعرابي، وقال: إنه مأخوذ من الأقران، ويمكن حمل المختلف عليه من الأقوال ممن قال: القرن
أربعون فصاعدًا. أمّا من قال: إنه دون ذلك، فلا يلتئم على هذا القول، اهـ.
(إلى أن أدّى) أوصل (اللَّه النور إلى عبد المطّلب وولده عبد اللَّه))) أي: ثم وعبّر بالواو
لظهوره إذ الاشتراك في وقت واحد لم يقع، أي: ثم أسعد اللَّه آمنة بذلك النور ولم يوصٍ
عبد المطلب ولده بذلك لتعاطيه تزويجه من آمنة مع علمه بمكانها من النسب، وإن نكاحه لها
لا أثر فيه من الجاهلية فكفاه ذلك عن الوصية هذا، وزعم أن هذا ظاهر فيمن ظهر فيه النور، أمّا
من لم يظهر فيه فمن أين وصلت إليه الوصية؟ فيه نظر، ففي الخميس كغيره: وذلك النور كان
ينتقل من جبهة إلى جبهة، وكان يؤخذ في كل مرتبة عهد وميثاق، أنه لا يوضع إلا في
المطهرات، فأول من أخذه آدم من شيث وهو من ابنه وهكذا، اهـ. فلو لم يظهر في الجميع لما
قالوا: كان ينتقل من جبهة إلى جبهة، وبفرض تسليمه فقد أجاب عنه شيخنا: بأن ذلك إما بعلم
ضروري أودعه اللَّه في الموصي أو بأن عدم ظهوره فيمن كان من أصوله ليس نفيًّا للنور من
أصله بل يجوز تفاوته فيهم في ذاته، فمنهم من يظهر فيه تامًّا بحيث يدركه من رآه بلا مزيد
تأمل، ومنهم من يوجد فيه أصل النور فلا يدرك إلا بمزيد تأمل. (فطهّر اللَّه تعالى هذا النسب
الشريف من سفاح الجاهلية،) هي ما قبل البعثة سمّوا بذلك لكثرة جهالاتهم، ويقال: هي ما قبل
الفتح وهو الظاهر، فقد خطب عَّ بهدم أمر الجاهلية وما كانت عليه في الفتح. وقد قال ابن
عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسًا دهاقًا، وابن عباس ولد في الشعب بعد
المبعث، قاله في النور.
(كما ورد عنه عٍَّ في الأحاديث المرضية) عند العلماء وهي الصحيحة والحسنة،
كالضعيفة المعتضدة، وفيه أشعار بوجه اقتصاره على ما ذكر من الأحاديث والإعراض عن غيرها
مع كثرته، فكأنه قال: اقتصرت عليها لثبوتها على غيرها.
(قال ابن عباس فيما رواه البيهقي في سنته) قال السبكي: لم يصنّف أُحد مثله تهذيبًا
وجودة، (قال رسول اللَّه مَّ: ((ما ولدني) أي: مسّني، (من سفاح الجاهلية، شىء ما ولدني

١٢٦
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
إلا نكاح الإسلام.
والسفاح - بكسر السين المهملة -: الزنا، والمراد به هنا: أن المرأة تسافح
رجلا مدة، ثم يتزوجها بعد ذلك.
وروى ابن سعد وابن عساكر، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن
أبيه محمد قال: كتبت للنبي عليه خمسمائة أم،
إلاّ نكاح الإسلام))) أي: نكاح كنكاحه في كونه بعقد صحيح يبيح الوطء، وإن لم يجمع
شرائط الإسلام الآن فلا يرد أن نكاح الأخت كما وقع لشيث ليس من نكاح الإسلام الآن إذ
المقصود نفي الفجور، فشمل الزواج وغيره، ودخل فيه أم إسماعيل، فإنها كانت ملكًا لإبراهيم
باتّفاق المؤرّخين وهبتها لها سارة، (والسفاح، بكسر السين المهملة،) والفاء فألف فحاء مهملة،
(الزنا) من سفحت الماء إذا صببته، فكأنه أراق ماءه وأضاعه وسواء كان جهرا أو سرّا، كما هو
ظاهر إطلاقه؛ كالقاموس والنور والمصباح. وفي الأنوار تفسيره بالمجاهرات.
(والمراد به هنا) في الحديث: (أن المرأة تسافح رجلاً مدّة، ثم) إذا أعجبته وأعجبها
(يتزوجها بعد ذلك،) والأولى كما قال شيخنا: أن يراد به ما هو أعمّ من الزّنا، فإن جملة
الأحاديث دلّتٍ على نفي جميع نكاح الجاهلية عن نسبه من نكاح زوجة الأب لأكبر بنيه،
والجمع بين الأختين، ونكاح البغايا وهو أن يطأ البغي جماعة متفرّقون فإذا ولدت أُلحق بمن غلب
عليه شبهه منهم. ونكاح الاستبضاع وهو أن المرأة إذا طهرت من الحيض قال لها زوجها: أرسلي
لفلان استبضعي منه ويعتزلها زوجها حتى يبين حملها منه، فإن بان أصابها زوجها إن أحبّ. ومن
نكاح الجمع وهو أن يجتمع رجال دون عشرة ويدخلو على بغي ذات راية كلهم يطؤها، فإذا
وضعت ومر لها ليال بعده أرسلت لهم فلا يتخلّف رجل منهم، فتقول: قد عرفتم الذي كان من
أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمّي من أحبّت فيلحق به لا يستطيع نفيه وإن لم
یشبهه، اهـ. ملخّصًا.
(وروى ابن سعد وابن عساكر، عن هشام بن محمّد بن السائب الكلبي،) أبي المنذر
المتوفى سنة أربع وثمانين ومائة؛ كما قاله المسعودي. قال الدارقطني: هشام رافضي ليس بثقة،
وذكره ابن حبان في الثقات. (عن أبيه محمّد) بن السائب بن بشر الكلبي، أبي النضر الكوفي
المفسّر النشابة الأخباري، روى عن الشعبي وعنه ابنه وأبو مطوية متروك متهم بالكذب، مات سنة
ستّ وأربعين ومائة، (قال: كتبت للنبيّ عَِّ خمسمائة أُمّ) استشكل بأن أُمّهاته لا تبلغ هذا العدد،
فقال الشامي: يريد الجدّات وجدّات الجدّات من قبل أبيه وأمه، اهـ. وفي نسيم الرياض ما
محصله: إذا تأمّلت قولهم لم يكن قبيلة من العرب إلاَّ ولها على رسول اللَّه عٍَّ ولادة أو قرابة

١٢٧
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئًا مما كان في أمر الجاهلية.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي عَّ قال: خرجت من
نكاح، ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من
نكاح أهل الجاهلية شىء رواه الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم وابن عساكر.
وروى أبو نعيم، عن ابن عباس، مرفوعًا: لم يلتق أبواي قط على سفاح، لم
يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، مصفى مهذبا، لا تتشعب
شعبتان
عرفت المراد، فإنك إذا نظرت لقبيلة، فجميع ذكورهم آباء له، وجميع نسائهم جدّات أو عمات
أو خالات، فعمد قرابتهم ولادة له، والمراد أن نسبة بحواشيه وأطرافه جميل لم يمسّه دنس.
(فما وجدت فيهن سفاحًا) زنا، (ولا شيئًا مما كان في أمر الجاهلية،) عطف خاص
على عام لا عكسه، كما زعم فإنهم كانت لهم أنكحة لا يعونها سفاحًا فحرمها الشارع؛ كنكاح
المصافحة ونكاح المقت وهو نكاح زوجة الأب، وانتقد بأن النضر خلف على زوج أبيه وردّ بأن
هذا على تسليمه لم يكن محرّمًا في شرع من قبلنا، كما سيأتي إيضاحه في النسب الشريف.
(و) ورد (عن عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه: أن النبيّ حَ لّه قال: ((خرجت من نكاح
ولم أخرج من سفاح) وذلك (من لدن آدم،) أي: من عند أوّل وَلَد وُلِد له هو في أصوله عليه
السّلام، واستمر ذلك ممتدًّا (إلى أن ولدني أبي وأمي،) فهو متعلّق بمحذوف، (لم يصبني من
نكاح أهل الجاهلية،) أي: ما كانوا عليه من زنا وغيره، (شىء)، رواه الطبراني).
قال الهيثمي الحافظ: بسند رجاله ثقات إلاَّ محمّد بن جعفر تكلّم فيه وصحّح له الحاكم
(في) معجمه (الأوسط) الذي ألّفه في غرائب شيوخه، يقال: ضمّنه ثلاثين ألف حديث، وفي
تاريخ ابن عساكر وغيره: أن الطبراني كان يقول: هذا الكتاب روحي؛ لأنه تعب عليه. (وابن
عساكر) وكذا ابن عدي. (وروى أبو نعيم) أحمد بن عبد اللَّه الحافظ (عن ابن عباس مرفوعًا)
له مَُّ أنّه قال: (لم يلتق أبواي قطّ على سفاح،) أي: أحد من آبائي مع واحدة من أَمّهاتي، لا
خصوص أبيه وأُمّه الدآل عليهما لفظ التثنية، بدليل أنه رتّب على ذلك قوله: (لم يزل اللَّه ينقلني
من الأصلاب الطيّبة إلى الأرحام الطاهرة،) حال كونه (مصفى مهذّبًا) صفة لازمة لتقارب
التصفية والتهذيب.
ففي القاموس: هذبه يهذبه هذباً، قطعه ونقاه وأصلحه وأخلصه؛ كهذبه والهذب محركة
الصفاء والخلوص. وفي نسخة: مصطفى مهذبًا بزيادة طاء من الاصطفاء، ((لا تتشعب شعبتان)،

١٢٨
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
إلا كنت في خيرهما.
وعنه، في قوله تعالى: ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ [الشعراء/٢١٩]. من نبي
إلى نبي حتى أخرجتك نبيا. رواه البزار.
وعنه أيضًا في الآية قال: ما زال النبي عَّه يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى
ولدته أمه. رواه أبو نعيم.
وعن جعفربن محمد عن أبيه، في قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من
أنفسكم﴾ [التوبة/١٢٨] قال: لم يصبه شىء من ولادة الجاهلية، قال: وقال
النبي عَّله: خرجت من نكاح غير سفاح.
وعن أنس قال: قرأ النبي عَ له: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ - بفتح
الفاء- وقال: أنا أنفسكم نسبا وصهرا
أي: لا تتفرع)، أي: لا يولد من أصل طائفتان، (إلا كنت في خيرهما))، و) ورد (عنه) أي: عن ابن
عباس (في) تفسير (قوله تعالى: ﴿وتقلّبك﴾ تفعل، أي: انتقالك ﴿في الساجدين﴾ [الشعراء/
١٢٩]) أن المراد بهم (من) صلب (نبيّ إلى نبيّ) ولو مع الوسائط وفعلت ذلك معك، (حتى
أخرجتك نبيًّا) فلا يرد أن المطابق للآية حتى أخرجك، وهذا أحد تفاسير في الآية يأتي الكلام
عليها إن شاء اللّه تعالى في ذكر الأبوين حيث تعرض المصنّف لذلك.
(رواه البزار) الحافظ العلاّمة الشهير أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري،
صاحب المسند الكبير المعلل، مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وكذا رواه ابن سعد وأبو
نعيم في الدلائل بسند صحيح، والطبراني ورجاله ثقات. (و)ورد (عنه) أي: عن ابن عباس (أيضًا
في) تفسير (الآية، قال: ما زال النبيّ عَّه يتقلّب) ينتقل (في أصلاب الأنبياء حتى) إلى أن
(ولدته أُقْه) آمنة (رواه أبو نعيم. و) ورد (عن جعفر) الصادق بن محمّد عن أبيه) محمد الباقر
(في) تفسير (قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨]، قال: لم يصبه شيء
من ولادة الجاهلية، قال) محمّد (وقال النبيّ عَّ: ((خرجت من نكاح غير سفاح))،) وهذا
مرسل؛ لأن محمدًا تابعي.
(و) ورد (عن أنس) بن لملك بن النضر الأنصاري الخزرجي الصحابي الشهير خادم
المصطفى مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، (قال: قرأ النبيّ عَ له) قوله تعالى: (﴿لقد
جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨]، بفتح الفاء، وقال: أنا أنفسكم نسباً) مصدر مطلق
الوصلة بالقرابة، (وصهرًا) أي من جهة الآباء والأمهات. قال ابن السّكيت: كل من كان من قبل

١٢٩
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وحسبا بفتحتین لیس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا نكاح. رواه ابن مردويه.
وفي الدلائل لأبي نعيم، عن عائشة عنه عَّ له عن جبريل قال:
الزوج من أبيه أو أخيه أو عمّه فهو أحماء، ومن قبل المرأة أختان ويجمع الصنفين الأصهار، وفي
الأنوار في قوله تعالى: ﴿فجعله نسبًا وصهرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، أي: قسمه قسمين ذوي نسب،
أي: ذكورًا ينسب إليه وذوات صهر، أي: إناثًا يصاهر بهنّ؛ كقوله: وجعل منه الزوجين الذَّكر
والأنثى. (وحسبًا - بفتحتين -) أي: شرفًا ثابتًا لي ولآبائي؛ كما قال الأزهري.
وقال ابن السكيت: الحسب يكون في الإنسان وإن لم يكن في آبائه اهـ. والواقع هنا أنه
فيه وفي آبائه، وفي الصحاح: الحسب ما يعدّه الإنسان من مفاخر آبائه، أي: أنا أنفسكم آباء
وأَمَّهات ومفاخر آباء، ((ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلّنا) أي: أنا وآبائي (نكاح)))، إسناده
إليهم بتأويل، أي: ذوو نكاح)، أو على التجوّز في الإسناد كأنهم تجسّموا من النكاح، كقوله:
فإنما هي إقبال وإدبار
وفي رواية: کلها نکاح بالتأنيث باعتبار الجماعة، أي: کل جماعة آبائي نکاح فلا يرد
أنهم عقلاء، فكان يقال كلّهم، أو الضمير للوطآت، وقضية ذا الحديث أنه: لا سفاح في آبائهم
مطلقًا، واستظهر محقق أن المراد طهارة سلسلته فقط، واستشهد بالخبر المار: ((لم يلتق أبواي
قطّ على سفاح))، وعندي أن الصواب: خلاف هذا التحقيق العقلي؛ لظهور إطلاق نفي السفاح
عنهم في هذا الحديث، ويؤيّده استقراء الكلبي المحمول على الحواشي؛ كما مرّ، فإذا أنتفى
عن حواشيه فكيف يحتمل وقوعه في نفس الآباء والأمهات في غير السلسلة الشريفة، وأمَّا
الاستشهاد بالخبر المارّ فضعيف، كما لا يخفى.
(رواه) أبو بكر الحافظ أحمد بن موسى (بن مردويه) الأصبهاني اللبيب العلاَّمة، ولد سنة
ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وصنّف التاريخ والتفسير المسند والمستخرج على البخاري، وكان
فهمًا بهذا الشأن بصيرًا بالرجال طويل الباع مليح التصنيف، مات لستِّ بقين من رمضان سنة
عشر وأربعمائة، قال الحافظ ابن ناصر في مشتبه النسبة: مردويه بفتح الميم، وحكى ابن نقطة
كسرها عن بعض الأصبهانيين، والراء ساكنة، والدال المهملة مضمومة، والواو ساكنة، والمثناة
تحت مفتوحة تليها هاء اهـ.
(وفي الدلائل لأبي نعيم) أحمخد بن عبد اللَّه الحافظ، (عن عائشة) الصدّيقة بنت الصدّيقِ.
المكثرة ذات المناقب الجمة، يأتي ذكرها في الزوجات إن شاء اللّه تعالى. قال المصنّف:
وعائشة بالهمزة وعوام المحدثين يبدلونها ياء» (عنه عَّ له، عن جبريل) بلفظ: (قال:) لي جبريل

١٣٠
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
قلبت مشارق الأرض ومغاربها، فلم أر رجلاً أفضل من محمد عليه الصلاة
والسلام، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم. وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط.
قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا
المتن.
وفي البخاري عن أبي هريرة، عنه عَّه بعثت من خير قرون بني آدم قرنا
فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه.
وفي مسلم عن واثلة بن الأسقع
(قلبت مشارق الأرض ومغاربها،) أي: فتشتهم وبحثت عن أحوالهم، سمّاه تقليبًا تشبيهًا له
بتحريك الشىء ظهر البطن وعكسه، وفي القاموس: قلب الشىء حوله ظهر البطن؛ كقلبه
والتحريك يلزمه الإحاطة بالشىء ومعرفة أحواله عرفًا، فأطلق التقليب وأراد لازمه. (فلم أر رجلاً
أفضل من محمّد عليه الصّلاة والسلام، ولم أُرَ بني أبّ أفضل من بني هاشم)
قال الحكيم الترمذي: إنما طاف الأرض ليطلب النفوس الطاهرة الصافية المتزكيّة بمحاسن
الأخلاق، ولم ينظر للأعمال؛ لأنهم كانوا أهل جاهلية، إنما نظر إلى أخلاقهم فوجد الخير في
هؤلاء، وجواهر النفوس متفاوتة بعيدة التفاوت ، اهـ. (وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط،)
والإمام أحمد والبيهقي والديلمي وابن لال وغيرهم. (قال الحافظ) أبو الفضل أحمد بن عليّ بن
محمّد بن محمّد بن عليّ (بن حجر) الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي، ولد سنة ثلاث
وسبعين وسبعمائة، وعانى أوّلاً الأدب وتعلّم الشعر فبلغ الغاية، ثم طلب الحديث فسمع الكثير
ورحل وبرع فيه وتقدم في جميع فنونه وأنتهت إليه الرحلة والرئاسة في الحديث في الدنيا
بأسرها، فلم يكن في عصرها حافظ سواه وألّف كتبًا كثيرة، وأملى أكثر من ألف مجلس، وتوفّي
في ذي القعدة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، قال السيوطي: وختم به الفن (لوائح الصحّة لائحة)
ظاهرة (على صفحات هذا المتن) الحديث والصفحة لغة من كل شىء: جانبه، ففيه استعارة
بالكناية شبّه المتن بمكان له جوانب وأثبت له الصفحات تخييلاً .
(وفي) صحيح (البخاري) في صفة النبيّ معَةُ (عن أبي هريرة، عنه عَادٍ: ((بعثت من خير
قرون بني آدم قرنًا فقرنًا،) حال تفصيل والفاء للترتيب في الوجود أو الفضل نحو الأكمل
فالأكمل، ومنه: ﴿والصافّات صفًّا، فالزاجرات زجرًا﴾ [الصافات: ١ - ٢]، (حتى كنت
من القرن الذي كنت) أي: وجدت (منه). وفي مسلم عن واثلة) بمثلثة (ابن الأسقع) بالقاف ابن
عبد العزّى الكناني الليثي من أهل الصفة غزا تبوكًا، وعنه مكحول ويونس بن ميسرة عاش ثمانيًا

١٣١
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
قال ◌َّهِ: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة
واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم رواه الترمذي.
وعن العباس قال: قال رسول الله عَ ليه: إن الله خلق الخلق، فجعلني في خير
فرقهم، وخير الفریقین،
وتسعين سنة، ومات سنة خمس وثمانين وأبوه صحابي أيضًا؛ كما في الإصابة.
(قال عَُّ: ((إن الله اصطفى،) اختار (كنانة) عدّة قبائل أبوهم كنانة ابن خزيمة (من ولد
إسمعيل،) وفي رواية الترمذي: ((إن اللَّه اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد
إسمعيل بني كنانة))، فكان في رواية مسلم اختصارًا. (واصطفى قريشًا من كنانة،) ورواية
الترمذي: ((واصطفى من بني كنانة قريشًا))، وهو قريب وفيه إبطال للقول بأن جماع قريش مضر
وللآخر أنه الياس، (واصطفى من قريش بني هاشم،) غاير أسلوب ما قبله للتعظيم. (واصطفاني
من بني هاشم)») زاد ابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم
اختار ابن عبد المطّلب من بني هاشم، قال الحليمي: أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم؛
كرجل يقول: كان أبي فقيهًا، لا يريد الفخر؛ بل تعريف حاله دون ما عداه، وقد يكون أراد به
الإشارة بنعمة اللّه عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر، وليس ذلك من الاستطالة والفخر في
شىء، اهـ. ونقله عنه البيهقي في الشعب وأقرّه، وقال الحافظ: ذكره لإفادة الكفاءة والقيام بشكر
النعم والنهي عن التفاخر بالآباء، موضعه مفاخرة تفضي إلى تكبّر أو احتقار مسلم.
(رواه) أي: حديث واثلة (الترمذي) أتمّ منه، كما علم، وقال: حديث حسن صحيح
غريب، اهــ. وفيه فضّل إسمعيل على جميع ولد إبراهيم حتى إسحق، وفضّل العرب على العجم.
قال ابن تيمية: وليس فضّل العرب فقريش فبني هاشم، بمجرد كون النبيّ عَّه منهم وإن كان
هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، أي: باعتبار الأخلاق الكرام والخصال الحميدة
واللسان العربي، قال: وبذلك يثبت للنبيّ عَّهِ أنه أفضل نفسًا ونسبًا، وإلاَّ لزم الدور.
(و) روى الترمذي (عن العباس) بن عبد المطّلب عمّ المصطفى وصنو أبيه، كان يجلّه
ويعظّمه ويأتي إن شاء اللَّه تعالى في الأعمام، (قال:) قلت يا رسول اللَّه! إن قريشًا تذاكروا
أحسابهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة، أي: كناسة، فـ (قال رسول اللَّه عَلَّه: ((إن اللَّه خلق
الخلق،) أي: المخلوقات وأل للاستغراق فتدخل الملائكة فهو نصّ في أفضلية جنس البشر
على جنس الملك، أو المراد الثقلان، أو المراد بنو آدم فرقًا، (فجعلني) صيّرني (في خير فرقهم)
جمع فرقة، أي: أشرفها.
وفي نسخة: فرقتهم، أي: فرقة منهم. (و) جعلني (خير الفريقين) فهو بالنصب عطف على

١٣٢
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ثم تخير القبائل فجعلني في خير القبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني في خير بيوتهم،
فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا أي أصلا.
وفي حديث رواه الطبراني عن ابن عمر قال: إن الله اختار خلقه
٠
محل في خير، كذا أعربه الواعظ، فإن كان رواية وإلا فيجوز جرّه عطفًا على مجرور في عطف
تفسير، واقتصر عليه شيخنا. والمراد بالفرق الذين هو خيرهم العرب. (ثم تخيّر القبائل) من
العرب، أي: اختار خيارهم فضلاً، (فجعلني في خير القبيلة) منهم وهي قريش، أي: قدر إيجادي
في خير قبيلة، (ثم تخيّر البيوت،) أي: اختارهم شرفًا، (فجعلني في خير بيوتهم،) أي: أشرفها
وهم بنو هاشم وإذا كان كذلك، (فأنا خيرهم نفسًا،) أي: روحًا وذاًا، (وخيرهم بيتًا))،) وفسره
بقوله: (أي: أصلاً) إذ جئت من طيب إلى طيب إلى صلب أبي بفضل اللَّه عليّ ولطفه في سابق
علمه، ولم يقل: ولا فخر، كما في خبر: ((أنا سيّد ولد آدم))؛ لأن هذا بحسب حال المخاطبين
في صفاء قلوبهم بما يعلمه من حالهم أو هذا بعد ذاك.
وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: (إن اللَّه حين خلق الخلق بعث جبريل، فقسم الناس
قسمين، فقسم العرب قسمًا وقسم العجل قسمًا، وكان خيرة اللَّه في العرب، ثم قسم العرب
قسمين، فقسّم اليمن قسمًا، وقسّم مضر قسمًا، وقريشًا قسمًا، وكانت خيرة اللَّه في قريش، ثم
أخرجني من خير من أنا منهم))، رواه الطبراني وحسن العراقي إسناده، وهو شاهد الخبر المصنّف
وكالشرح له الجنَّة قال بعض العلماء: والتفاضل في الأنساب والقبائل والبيوت باعتبار حسن
خلقه الذات، والتفاضل فيما قام بها من الصفات حتى في الأقوات واللّه فضل بعضكم على
بعض في الرزق، وهذا جار في سائر المخلوقات فضل الله يؤتيه من يشاء، فلا اتّجاه لما عساه
يقال: الإنسان كلّه نوع، فما معنى التفاضل في الأنساب اهـ
(و)قال عَّ (في حديث رواه الطبراني) في الأوسط، (عن) عبد اللَّه (بن عمر) الخطاب
أبي عبد الرحمن العالم المجتهد العابد: ((لزوم السنّة الفرور من البدعة الناصح للأمة))، روى ابن
وهب عن لملك: بلغ ابن عمر ستًّا وثمانين سنة وأفتى ستّين سنة، وقال نافع: ما مات حتى أعتق
أكثر من ألف وشهد الخندق وما بعدها، قال الحافظ ولد في السنة الثانية أو الثالثة من المبعث؛
لأنه ثبت أن كان يوم بدر ابن ثلاث عشرة سنة، وهي بعد المبعث بخمس عشرة، ومات في
أوائل سنة ثلاث وسبعين
(قال) أي: المصطفى كما علم لا ابن عمر؛ لأنه مرفوع عند الطبراني لا موقوف. ((إن
اللَّه اختار) أي: اصطفى (خلقه،) مميّزًا لهم على غيرهم ممن لو تعلّقت بهم الإرادة ووجدوا

١٣٣
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
فاختار منهم بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب، ثم اختارني من العرب، فلم
أزل خيارًا من خيار، ألا من أحب العرب فبحبي أسبه، ومن أبغض العرب
فبغضي أبغضهم.
ثم اعلم أنه عليه الصلاة والسلام لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا
أخت، لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه، ليكون مختصًا بنسب جعله الله
تعالى للنبوة غاية،
كانوا دونهم في الفضل لكونهم لم يختاروا، فلا يرد أن الاختيار إنما يكون فيما يختار من شىء،
ولا يقال اختار شيئًا، إذ لا بدّ من مختار ومختار منه، ومحصل الجواب اختيارهم ممن يقدر
وجودهم، (فاختار منهم بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب،) كذا في نسخ وهي ظاهرة، وفي
أخرى: ((ثم اختار بني آدم، فاختار منهم العرب))، والمراد: نظر إليهم فاختار ... الخ. فلا يقال: لا
حاجة له بل لا يصحّ؛ لأنه عيّ ما قبله. (((ثم اختارني من العرب، فلم أزل خيارًا من خيار، ألا
من أحب العرب، فبحبّي) أي: فبسبب حبّه لي (أحبّهم، ومن أبغض العرب) أظهر للتعليم
(فيبغضي) بسبب بغضه لي (أبغضهم)).) وقد روى الترمذي، وقال: حسن غريب عن سلطن رفعه:
(يا سللمن لا تبغضني، فتفارق دينك))، قلت: يا رسول اللَّه كيف أبغضك وبك هداني اللَّه؟ قال:
(تبغض العرب فتبغضني)، وروى الطبراني عن عليّ رفعه: ((لا يبغض العرب إلاَّ منافق)).
(ثم اعلم أنه عليه الصّلاة والسلام لم يشركه) بفتح الياء والراء بينهما شين ساكنة،
(في ولادته من أبويه أخ ولا أخت،) المراد أنهما لم يلدا غيره؛ كما قال الواقدي: أنه المعروف
عند العلماء. قال سبط ابن الجوزي: لم يتزوج عبد اللَّه قطّ غير آمنة ولم تتزوج آمنة غيره. قال:
وأجمع العلماء على أن آمنة لم تحمل بغيره عَّه، قال: وقولها: لم أحمل حملاً أخفّ منه،
المفيد حملها بغيره خرج على وجه المبالغة.
وقال الحافظ ابن حجر: جازف سبط ابن الجوزي كعادته في نقل الإجماع ولا يمتنع أن
تكون أسقطت من عبد اللَّه سقطًا، فأشارت بقولها المذكور إليه اهـ. وما ردّه بنقل كما ترى، بل
بتجويز إنما يصحّ على ضعيف، وهو تأخّر موت والده بعد ولادته؛ لأنها حملت بالمصطفى عقب
التزوّج؛ كما هو صريح في الأخبار الآتية. ولم تسقط قبله شيئًا ولم يتفوّه به متفوّه، فأين
المجازفة؟ وإنما لم يلدا غيره.
(لانتهاء صفوتهما) أي: خالصهما (إليه وقصور نسبهما عليه؛) أي: عدم مجاوزته إلى
غيره تكريمًا، (ليكون مختصًّا بنسب جعله اللَّه للنبوة غاية،) أي: خاتمًا للنبوّة بحيث لا يولد بعده

١٣٤
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ولتمام الشرف نهاية، وأنت إذا اختبرت حال نسبه، وعلمت طهارة مولده تيقنت
أنها سلالة آباء كرام.
فهو عَّ النبي العربي الأبطحي الحرمي الهاشمي القرشى، نخبة بني هاشم،
المختار المنتخب من خير بطون العرب وأشرفها في الحسب وأعرقها في النسب،
وأنضرها عوداً، وأطولها عموداً، وأطيبها أرومة، وأعزها جرثومة، وأفصحها لساناً،
وأوضحها بياناً، وأرجحها.
نبي، (ولتمام الشرف نهاية) لا غاية بعدها (وأنت إذا اختبرت حال نسبه وعلمت طهارة مولده
تيقنت أنها) أي: ذاته الشريفة (سلالة آباء كرام، فهو عَّ النبيّ) بالهمز وتركه وهو لغته عَّله
وفي المستدرك: عن أبي ذرّ أن رجلاً قال: يا نبيء اللَّه، بالهمز، فقال عَّهِ: ((لست
نبيء الله)، قال الزركشي: أنكر الهمز لأنه لم يكن لغته. وقال الجوهري والصغاني: إنما أنكره لأن
الرجل أراد يا من خرج من مكّة إلى المدينة، يقال: نبأت من أرض إلى أرض إذا خرجت منها
إلى أخرى اهــ وهذا هو الأحسن؛ لأن المصطفى يخاطب كل إنسان بلغته، ألا ترى إلى خبر
ليس من أمبر امصيام في امسفر.
(العربي) نسبة إلى العرب خلاف العجم، وهم عاربة وهم الخلص وهم سبع قبائل
ومتعربة، وهم بنو قحطان وليسوا بخلص ومستعربة وليسوا بخلص أيضًا، قال ابن دحية: وهم بنو
إسمعيل، قاله الشامي ملخّصًا. (الأبطحي) نسبة إلى أبطح مكّة وهو مسيل واديها، وهو ما بين
مكّة ومنى ومبتدؤه لمحصب، قاله الشامي. وفي المختار البطحاء كالأبطح ومنه بطحاء مكّة
وعليه فهو نسبة إلى بطحاء مكّة، ولكن القياس الأول.
(الحرمي) إلى الحرمين (الهاشمي القرشي) عام بعد خاص، (نخبة) بالرفع نعت النبيّ
(بني هاشم) وفي القاموس: النخبة بالضم وكهمزة المختار وانتخبه اختاره، فقوله: (المختار
المنتخب) لعلّ مراده من جميع الخلق، وفي الكلام حذف هو ومعلوم أنهم خير العرب، فهو
المختار من جميع الناس، (من خير بطون العرب، وأشرفها في الحسب) أي: المفاخر،
(وأعرقها) بالقاف: أثبتها وأقواها (في النسب، وأنضرها) أحسنها (عودًا،) أي: طيبًا وأصلاً، كأنه
مأخوذ من عهود البخور شبّه أصله في ظهوره بالعود واستعار له اسمه، (وأطولها عمودًا،) أعظمها
أصلاً يستند إليه ويتقوّى به، (وأطيبها أرومة) بفتح الهمزة وتضم، أي: أصلاً؛ كما في القاموس ..
(وأعزّها جرثومة،) بضم الجيم أصلاً؛ كما في القاموس، فالجمع بين هذا وما قبله للاطناب
إذ المراد منهما واحد، (وأفصحها لسانًا) لغة، (وأوضحها بيانًا) تبيينًا وإظهارًا للمراد، (وأرجحها

١٣٥
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ميزانا، وأصحها إيمانا، وأعزها نفرا، وأكرمها معشرا، من قبل أبيه وأمه، ومن أكرم
بلاد الله على الله وعباده.
فهو محمد بن عبد الله، الذبيح،
ابن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، في قول محمد بن إسحق، وهو
الصحیح، وقيل
ميزانًا،) عملاً يفتخر به عبّر عنه بميزان؛ لأنه آلة يميّز بها الوافي من غيره، (وأُصحّها إيمانًا) تصديقًا
بما يوافق الحق في كل زمن، (وأعزّها نفرًا) بفتحتين حشمًا وأعوانًا تمييز محول عن المضاف،
والأصل نفره أعزّ، فحذف المضاف وأضيف أعزّ إلى الضمير فحصل الإبهام، فبيّ بذلك
المضاف، (وأكرمها معشرًا) طائفة وجماعة ينسب إليهم، (و)أكرمها (من قبل) جهة (أبيه وأُمه،
و)أكرمها من قبل كونه (من أكرم بلاد اللَّه على اللَّه) يعني مكة، (و)من أكرم (عباده) عليه وهم
العرب، (فهو محمّد) اسم مفعول على الصفة للتفاؤل بأنه يكثر حمده، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى
ما يتعلّق به في المقصد الثاني. قال في الفتح: المحمد الذي حمد مرة بعد أخرى أو الذي
تكاملت فيه الخصال المحمودة، قال الأعشى:
إليك أبيت اللعن كان وجيفها إلى الماجد القرم الجواد المحمّد
(ابن عبد اللَّه) قال الحافظ: لم يختلف في اسمه اهـ. قال ابن الأثير: وكنيته أبو قثم
بقاف فمثلثة، وهو من أسمائه عَّ مأخوذ من القثم وهو الإعطاء، أو من الجمع، يقال للرجل
الجموع للخير قئوم وقثم، وقيل أبو محمّد، وقيل: أبو أحمد، اهـ. فإن قلنا بالمشهور من وفاته
والمصطفى حمل فلعله كني بالإلهام، وإن قلنا بعد ولادته، فظاهر.
(الذبيح) بالجر نعت لعبد الله (ابن) شيخ البطحاء، (عبد المطلب) مجاب الدعوة محرّم
الخمر على نفسه، قال ابن الأثير: وهو أوّل من تحنّث بحراء كان إذا دخل شهر رمضان صعده
وأطعم المساكين، وقال ابن قتيبة: كان يرفع من مائدته للطير، والوحوش في رؤوس الجبال،
فكان يقال له الفياض لجوده ومطعم طير السماء؛ لأنه كان يرفع من مائدته للطير (واسمه شيبة
الحمد) مركب إضافي، قال:
على شيبة الحمد الذي كان وجهه يضيء ظلام الليل كالقمر البدري
(في قول محمّد بن إسحق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، الحافظ إمام
المغازي صدوق، لكنه يدلس ورمي بالتشيّع والقدر توفي سنة خمسين ومائة، (وهو) كما قال
السهيلي (الصحيح،) وعزاه في النور والفتح للجمهور، (وقيل) في سبب تسميته بشيبة الحمد،

١٣٦
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
سمي به لأنه ولد في رأسه شيبة.
وقيل: اسمه عامر، وهو قول ابن قتيبة، وتابعه على ذلك المجد الشيرازي،
وكنيته أبو الحرث، بابن له أكبر ولده،
قيل: وإنما قيل له عبد المطلب، لأن أباه هاشما قال لأخيه المطلب، وهو
بمكة، حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك بيثرب، فمن ثم سمي عبد المطلب،
(سمّي به لأنه ولد في رأسه شيبة) واحدة الشيب، وأقلّ ما تصدّق به شعرة؛ لأنها أقل ما يتحقّق
فيه البياض.
وفي رواية: وكانت ظاهرة في ذوائبه وأخرى وكان وسط رأسه أبيض، وقيل: لأن أباه
أوصى أُمّه بذلك، وبالأول جزم المصنّف في شرح البخاري وسوّى بينهما الشامي، ولعلَّ وجه
إضافته إلى الحمد رجاء أنه يكبر ويشيخ ويكثر حمد الناس له وقد حقّق اللَّه ذلك فكثر حمدهم
له؛ لأنه كان مفزع قريش في النوائب، وملجأهم في الأمور، وشريفهم وسيدهم كمالاً وفعالاً.
(وقيل: اسمه عامر وهو قول) أبي محمّد عبد اللَّه بن مسلم (بن قتيبة) بقاف مصغر
الدينوري بفتح الدال وتكسر النحوي اللغوي مؤلف أدب الكاتب وغيره، ولد سنة ثلاث عشرة
ومائتين ومات سنة سبع وستّين، وهذا حكاه في الفتح بلفظ زعم ابن قتيبة، وقد قال أبو عمر: إنه
لا يصحّ، (وتابعه) أي: تبعه (على ذلك المجد) مجد الدين محمد بن يعقوب (الشيرازي) بكسر
الشين المعجمة وفتح الراء وزاي نسبة إلى شيراز قرية بنواحي سرخس، مؤلّف القاموس وغيره،
مجدّد اللغة على رأس المائة الثامنة ومهر فيها وهو شابّ وتفّقه وطلب الحديث وجال في
البلدان، وكان له فيها الحظوة التامّة حتى عند الملوك وفي شيوخه كثرة وأخذ عنه الحافظ
وغيره، ومات سنة سبع عشرة وثمانمائة وقد جاوز التسعين ممتّعًا بحواسه.
(وكنيته) أي: عبد المطّلب (أبو الحرث بابن) لفظ مختصّ بالذكر إجماعًا حكاه
الفكهاني في شرح العمدة، (له أكبرٍ ولده) أي: أولاده وهو يكون واحد وجمعًا، وقيل: أبو
البطحاء، (قيل: وإنما قيل له عبد المطّلب؛ لأن أباه هاشمًا قال لأخيه المطلب) بن عبد مناف
(وهو بمكّة حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك) استعطافًا أو على عادة العرب في قولهم لليتيم
المربّى في حجر شخص عبده فسمّاه عبدًا باعتبار الأول؛ لأنه رأى نفسه محتضرًا وأنه لا يقوم
على ابنه غيره، (بيثرب) اسم المدينة المنوّرة قبل الإسلام، وقد غيّره النبيّ عَّ له إلى طيبة وسمّاها
١ ) طابة، رواه مسلم في آخر الحجّ. (فمن ثم) أي: من هنا، أي: من أجل قول هاشم لأخيه
ك عبدك (سمّي عبد المطلب،) ولا شكّ أن هذا قول غير القول بأنه مات بغزّة، فلا وجه

١٣٧
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وقيل: إن عمه المطلب جاء به إلى مكة رديفه - وهو بهيئة بذة - فكان يُسأل عنه
فيقول: هو عبدي، حياء أن يقول: ابن أخي، فلما أدخله وأحسن من حاله، أظهر
أنه ابن أخيه، فلذلك قيل له: عبد المطلب.
وهو أول من خضب بالسواد من العرب، وعاش مائة وأربعين سنة.
لإيراده عليه، (وقيل: إن عمه المطّلب جاء به إلى مكة رديفه وهو بهيئة بذّة،) بفتح الموحّدة
والذال المعجمة المشدّدة، أي: رثة، وفي المنتقى: كان عليه أخلاف ثياب وأثّرت فيه الشمس،
(فكان يسأل عنه فيقول: هو عبدي،) يقول ذلك (حياء من أن يقول ابن أخي،) فيعترض عليه
بكونه على تلك الهيئة، وكان بها مع أنه كان عند أُمّه بالمدينة؛ لأنه أخذه بغير علمها وهو
يلعب، وقيل: إنما أخذه بعلمها فلعلّه استعجل لئلا تمنعه أُمّه بعد، (فلمّا أدخله) مكّة (وأحسن من
حاله أظهر أنه ابن أخيه، فلذلك) أي: قول المطلب هو عبدي، (قيل له) لشيبة الحمد (عبد
المطلب،) وبهذا القول جزم في شرح البخاري وجزم الحافظ بما نصّه: ستي عبد المطّلب
واشتهر بها لأن أباه لما مات بغزة، وكان خرج إليها تاجرًا، ترك أُمّه بالمدينة، فأقامت عند أهلها
من الخزرج فكبر عبد المطلب فجاء عمّه المطلب فأخذه ودخل به مكة، فرآه الناس مردفه،
فقالوا: هذا عبد المطّلب؛ فغلبت عليه في قصة طويلة ذكرها ابن إسحق وغيره، أهـ.
وقيل: سمّي به على عادة العرب في قولهم لليتيم المربّى في حجر إنسان عبده، وأتى
بقوله: (وهو) كما قال السهيلي (أوّل من خضب) بابه ضرب (بالسواد من العرب) للإشعار
باستمراره على إظهار الصفات الدالّة على قوّته وشجاعته إلى وفاته. روى ابن سعد عن المسور بن
مخرمة، قال: أوّل من خضب بالوسمة من قريش بمكّة عبد المطّلب، كان إذا ورد اليمن ورد على
عظيم من حمير، فقال: هل لك من تغيير هذا البياض فتعود شابًّا، فقال: ذلك إليك، فأمره به
فخضب بحنَاء ثم علا بالوسمة، فقال له عبد المطّلب: زوّدنا من هذا، فزوّده فأكثر فدخل مكة
بليل ثم خرج عليهم بالغد، كان شعره حلك الغراب، فقالت له نثيلة: لو دام لك هذا لكان
حسنًا، فقال عبد المطّلب:
لو دام لي هذا السواد حمدته وكان بديلاً من شباب قد انصرم
تمتّعت منه والحياة قصيرة ولا بد من موت نثيلة أو هرم
وما ذا الذي يجدي عليّ بحفظه ونعمته يومًا إذا عرشه انهدم
فموت جهير عاجلاً لا سوى له أحبّ إليّ من مقالهم حكم
قال: فخضب أهل مكة بالسواد، (وعاش مائة وأربعين سنة) فيما قاله عالم النسب الزبير بن
بكّار، كما حكاه سيّد الناس عن أبي الربيع بن سالم عنه، قائلاً: إنها أعلى ما قيل في سنه،

١٣٨
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ابن هاشم، واسمه عمرو، وإنما قيل له هاشم لأنه كان يهشم الثريد لقومه في
الجدب.
وحكاه مغلطاي، وجزم به السهيلي، وتبعه المصنّف في شرح البخاري؛ فالتوقّف فيه بأن الشامي
لم يذكره عجيب، فلا يلزم من ترك مكثر الانقال لشىء عدم وجود ما لم يحكه في غيره، فمن
حفظ حجّة بل أخشى أن زيادة أربعة في قول الشامي، يقال: بلغ مائة وأربعة وأربعين من تحريف
النساخ لقولهم أعلى ما قيل مائة وأربعين، وقيل: عاش مائة وعشرين سنة، صدر به مغلطاي
والمصنف فيما يأتي في وفاة عبد المطّلب، ويأتي له مزيد ثم (ابن هاشم واسمه عمرو) قاله
مالك والشافعي منقول من العمر الذي هو العمر، أو العمر الذي هو من عمور الأسنان، أو العمر
الذي هو طرف الكم، يقال: سجد على عمريه، أي: كتّيه، أو العمر الذي هو القرط؛ كما قال:
وعمر هند كان اللَّه صوّره عمرو بن هند يسوم الناس تعنيتا
وزاد أبو حنيفة وجهاً خامسًا، فقال: من العمر الذي هو اسم لنحل السكر، ويقال فيه عمر
أيضًا، انتهى من الروض.
(وإنما قيل له) لعمرو (هاشم؛ لأنه كان يهشم الثريد) بمثلثة: ما اتّخذ من لحم وخبز، قال:
إذا ما الخبر تأدمه بلحم فذاك أمانة اللَّه الثريد
(لقومه في الجدب) بجيم مفتوحة ودال مهملة ساكنة خلاف الخصب، وفي فتح الباري؛
لأنه أوّل من هشم الثريد بمكّة لأهل الموسم ولقومه أوّلاً في سنة المجاعة، وفيه يقول الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف
وأشعر إتيان المصنف بحرف المضارعة مع كان المفيد للتكرار بتکرر ذلك منه، وهو
كذلك. ففي السبل: لما أصاب أهل مكة جهد وشدّة، رحل إلى فلسطين، فاشترى منها دقيقًا
كثيرًا وكعكًا، وقدم به مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورًا، وجعلها ثريدًا عمّ به أهل مكة ولا يزال
يفعل ذلك بهم، حتى استقلّوا اهـ
وفي المنتقى كان هاشم أفخر قومه وأعلاهم وكانت مائدته منصوبة لا ترفع لا في السراء
ولا في الضرّاء، وكان يحمل ابن السبيل ويؤدّي الحقائق، وكان نور رسول اللَّه عَ له في وجههه
يتوقّد شعاعه ويتلألأ ضياؤه، ولا يراه حبر إلا قبّل يده، ولا يمرّ بشىء إلاّ سجد إليه، تغدو إليه
قبائل العرب ووفود الأحبار، يحملون بناتهم يعرضون عليه أن يتزوّج بهنّ، حتى بعث إليه هرقل
ملك الروم، وقال: إن لي ابنة لم تلد النساء أجمل منها، ولا أبهى وجهًا، فاقدم عليّ حتى
أُزوّجكها، فقد بلغني جودك وكرمك، وإنما أراد بذلك نور المصطفى الموصوف عندهم في
الإنجيل، فأبى هاشم. قال ابن إسحق: وهو أوّل من مات من بني عبد مناف. واختلف في سنه،

١٣٩
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ابن عبد مناف، واسمه المغيرة،
ابن قصي تصغير قصي، أي بعيد، لأنه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة،
حين احتملته أمه فاطمة، واسمه مجمع، قال الشاعر:
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا به جمع الله القبائل من فهر
وقیل زيد،
فقيل: عشرون، وقيل: خمس وعشرون سنة.
(ابن عبد مناف) بفتح الميم وخفّة النون من أناف ينيف إنافة إذا ارتفع، وقيل: الإنافة
الأشراف والزيادة لقب بذلك؛ لأن أمّه حُبّى بضم الحاء المهملة وموحدة مشدّدة ممالة أُخدمته
صنمًا عظيمًا لهم يسمّى مناة، ثم نظر أبوه فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة فحواه عبد مناف،
(واسمه) كما قال الشافعي (المغيرة) منقول من الوصف والهاء للمبالغة سمّي به تفاؤلاً أنه يغير
على الأعداء وساد في حياة أبيه، وكان مطاعًا في قريش ويدعى القمر لجماله، قال الواقدي:
وكان فيه نور رسول اللَّه عَ لّه وفي يده لواء نزار وقوس إسماعيل. وذكر الزبير عن موسى بن عقبة
أنه وجد كتابة في حجر: أنا المغيرة بن قصي آمُرُ بتقوى اللَّه وصلة الرحم، وإياه عنى القائل:
كانت قريش بيضة فتغلقت فالمح خالصة لعبد مناف
قال ابن هشام: ومات بغزّة. (ابن قصي) بضم القاف، (تصغير قصي) بفتح فكسر فياء
ساكنة من قصا يقصو إذا بعد، قال المصنّف تبعًا للسهيلي: وصغر على فعيل؛ لأنهم كرهوا اجتماع
يا آت فحذفوا الثالثة التي تكون في فعيل، فبقى على وزن فعيل مثل فليس اهـ. وفسر المصغر بقوله:
(أي: بعيد؛ لأنه بعد عن عشيرته) أي: قبيلته. وفي القاموس: عشيرة الرجل بنو أبيه الأُدنون، أو
قبيلة جمعه عشائر. (في بلاد قضاعة) بضم ففتح (حين احتملته أمه فاطمة) بنت سعد العذري
في قصة طويلة ذكرها ابن إسحق. (واسمه مجمع) اسم فاعل من جمع (قال الشاعر:
أبوكم قصيّ كان يدعى مجمعا
ذكر ثعلب في أماليه أنه كان يجمع قومه يوم العروبة، فذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم
ويخبرهم أنه سيبعث فيهم نبيّ، (به جمع) بالتثقيل للمبالغة، (اللَّه القبائل من) بني (فهر) في مكّة
بعد تفرّقهم في البلدان، فجمعهم وأدخلهم مكّة في قصة طويلة عند ابن إسحق، (وقيل:) اسمه
(زيد) وجزم به في السبل والتوشيح والعيون والعراقي، واقتصر عليه في الفتح، فقال: روى السراج
في تاريخه من طريق أحمد بن حنبل: سمعت الشافعي يقول: اسم المطلب شيبة الحمد، واسم
هاشم عمرو، واسم عبد مناف المغيرة، واسم قصي زید.

١٤٠
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وقال الشافعي، کما حكاه عنه الحاکم أبو أحمد یزید.
ابن كلاب، وهو إما منقول من المصدر الذي في معنى المكالبة، نحو:
كالبت العدو مكالبة، وإما من الكلاب: جمع كلب، كأنهم يريدون الكثرة، كما
يسمون بسباع.
(وقال:) الإمام (الشافعي) محمّد بن إدريس المطلبي المكي، نزيل مصر، عالم قريش،
مجدّد الدين على رأس المائتين، حفظ القرءان ابن سبع، والموطأ ابن عشر، وأفتى وهو ابن
خمس عشرة، وكان يحيي الليل إلى أن مات في رجب سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين
سنة، مناقبه جمّة أفردها العلماء بالتصانيف.
(كما حكاه عنه الحاكم) الكبير (أبو أحمد،) كنية الحاكم محمّد بن محمّد بن إسحق
النيسابوري الإمام الحافظ الجهبذ محدث خراسان، سمع ابن خزيمة والباغندي والسراج، وسمع
منه السلمي والحاكم أبو عبد اللَّه، المشهور الموافق له في الاسم واللقب والنسبة، وإنما افترقا في
الكنية ووصفه بأنه إمام عصره في الحديث، كثير التصانيف، مقدّم في معرفة شروط الصحيح
والأسامي والكنى، وكان صالحًا ماشيًا على سنن السلف، مات في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين
وثلاثمائة عن ثلاث وتسعين سنة.
(يزيد) بزيادة ياء أوّله، وهذا مقول قول الشافعي، قول ثان له، لكنه لا يساوي ما حكاه
أحمد عنه؛ لأنه أجلّ تلامذته، ثم اقتصار المذكورين عليه يفيد أنه الأصح، فكان حقّ المصنّف
تقديمه وفي الخميس قصيّ هو الذي جمع اللَّه به قريشًا، وكان اسمه زيد فسمي مجمعًا لما
جمع من أمرها، وأنشد بيت المصنف فعليه مؤاخذة في مقابلته بزيد؛ لأن مجمعًا ليس اسمه
الأصلي ولا هو مقابل لكونه زيدًا، كيف وبعد هذا البيت كما حكاه الماوردي وغيره:
وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم به زيدت البطحاء فخرًا على فخر
وكان «صي أوّل بني كعب أصاب ملكًا طاع له به قومه، وكانت إليه الحجابة
والسقاية والرفادة والندوة واللواء، وحاز شرف مكة جميعًا وكان رجلاً جلدًا وعالم قريش
وأقومها بالحقّ.
(ابن كلاب) بكسر الكاف وتخفيف اللام، (وهو) كما قال السهيلي (إما منقول من
المصدر الذي في معنى المكالبة، نحو: كالبت العدو مكالبة) وكلاباً القاموس المكالبة المشارة
والمضايقة والتكالب التواثب، (وإما من الكلاب، جمع كلب) الحيوان المعروف، (كأنهم) أي:
العرب (يريدون الكثرة كما يسمون بسباع) وأنمار وغير ذلك.