Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وذكر العارف الرباني عبد الله بن أبي جمرة في كتابه ((بهجة النفوس))، ومن
قبله ابن سبع في ((شفاء الصدور)) عن كعب الأحبار،
وهو نقل رسالة السبكي برمتها، ومن جملتها أن الأنبياء نواب له بشرائعهم، وأنه شرعه
لأولئك القوم، وقد عاب عليه وشنع صاحب نسيم الرياض، بأن النصوص العقلية والنقلية ناطقان
بخلافه؛ كقوله: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيّين من بعده﴾ [النساء: ١٦٣]، وما
في معناها من الآيات، والأنبياء مع تعظيمهم له ومحبتهم غير مكلفين بأحكام شرعه، وإلا لم
يكونوا أصحاب شرع، فما تبجّح به السبكي واستحسنه هو ومن بعده لا وجه له عند من له أدنى
بصيرة، وكيف يتأتى قوله مع قوله تعالى: ﴿أن اتّبعِ ملّة إبراهيم حنيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، فإنه
عكسه، وقد طلب موسى أن يكون من أَمّته فأجابه اللَّه بقوله: استقدمت واستأخر ولكن سأجمع
بينك وبينه في دار الجلال، انتهى. وتعشّفه لا يخفى فإن قوله ذلك من جملة مدخول لو في
قوله: لو اتّفق مجيئه ... الخ؛ كما هو صريح رسالته فسقط جميع ما قاله. ومن أقوى تعسّفه قوله:
غير مكلفين بأحكام شرعه، فإنه لم يدع تكليفهم به، بل أن شرائعهم على تقدير وجوده في
أزمانهم شرع له فيهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
(وذكر) الإمام (العارف الرباني) بشدّ الموحدة، فألف فنون ينسب هذه النسبة من يوصف
بسعة العلم والديانة، قاله في التبصير (عبد الله بن أبي جمرة) المقري المالكي العالم البارع
الناسك، قال ابن كثير: كان قوّالاً بالحقّ، أمّارًا بالمعروف، مات بمصر في ذي القعدة سنة خمس
وتسعين وستمائة. وفي التبصير في تعداد من هو بجيم وراء ما لفظه والشيخ أبو محمد عبد الله بن
أبي جمرة المغربي نزيل مصر، كان عالمًا عابدًا خيّرًا شهير الذكر، شرح منتخبًا له من البخاري،
نفع الله بیر کته، وهو من بیت کبیر بالمغرب شھیر الذ کر، انتهى.
(في كتابه بهجة النفوس) وتحليها بمعرفة ما لها وعليها، وهو اسم شرحه على ما انتخبه
من البخاري، (ومن قبله) الإمام أبو الربيع (بن سبع) بإسكان الموحّدة وقد تضمّ؛ كما في
التبصير. (في شفاء الصدور) ورواه أبو سعد في شرف المصطفى وابن الجوزي في الوفاء، (عن
كعب الأحبار،) جمع حبر بفتح الحاء وكسرها، وإليه يضاف؛ كالأول لكثرة كتابته بالحبر،
حكاه أبو عبيد والأزهري عن الفراء.
وقال ابن قتيبة وغيره: كعب الأحبار العلماء واحدهم حبر، كما في مشارق القاضي
وتهذيب النووي ومثلثات ابن السيد والنور وغيرهم، وأغرب صاحب القاموس في قوله كعب
الحبر ولا تقل الأحبار، فإنها دعوى نفي غير مسموعة مع مزيد عدالة المثبتين، بل إضافته إلى
الجمع سواء قلنا أنه المداد، أو العلماء، أي: ملجؤهم أقوى في المدح، وهو كعب بن مانع

٨٢
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
قال: لما أراد الله تعالى أن يخلق محمدًا، أمر جبريل أن يأتيه بالطينه التي هي
قلب الأرض وبهاؤها ونورها، قال: فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة
الرقيع الأعلى، فقبض قبضة رسول الله عَّه من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء
منير، فعجنت بماء التسنيم في معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء، لها
شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي، وفي .
بالفوقية أبو إسحق الحميري التابعي المخضرم، أدرك المصطفى وما رآه؛ المتفق على علمه
وتوثيقه، سمع عمر وجماعة، وعنه العبادلة الأربعة، وأبو هريرة وأنس ومغوية، وهذا من رواية
الأكابر عن الأصاغر وكان يهوديًّا يسكن اليمن، وأسلم زمن الصديق، وقيل عمر، وشهر، وقيل:
زمن المصطفى على يد عليّ، حكاه المصنّف. وسكن الشام وتوفي فيما ذكره ابن الجوزي
والحفّاظ سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمن، وقد جاوز المائة، وما وقع في الكشاف وغيره من
أدرك زمن معوية فلا عبرة به، روى له السّة إلا البخاري، فإنما له فيه حكاية لمعوية عنه.
(قال: لما أراد الله أن يخلق محمّدًا عَّهِ أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض
وبهاؤها) هو الحسن؛ كما في القاموس. (ونورها، قال: فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة
الرقيع،) بالراء والقاف: السماء السابعة كما أشار إليه بقوله: (الأعلى؛) لأنها العليا وذكّر مع أن
السماء مؤنّثة لانتفاء علامة التأنيث في الرقيع فكأنه قال: الجرم أو المكان الأعلى، (فقبض قبضة
رسول اللَّه يٍَّ من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء منيرة فعجنت بماء التسنيم،) وهو أرفع شراب
الجنة، ويقال تسنيم: عين تجري من فوقهم تسنمهم في منازلهم، أي: تنزل عليهم من عال.
يقال: سنم الفحل الناقة إذا علاها، قاله العزيزي بضم العين المهملة وزاءين معجمتين
صاحب غريب القرءان، هكذا سار في الآفاق ومرّ الكلام فيه في الأسماء، قاله في التبصير.
وملخّص ما قاله في الأسماء عزيز بالضم، إلى أن قال: ومحمّد بن عزيز السجستاني المفسّر
صاحب الغريب المشهور، ضبطه الدارقطني وخلق بزاي مكررة، وتعقّبهم ابن ناصر وخلق بأنه
بزاي فراء مهملة، لكنهم لم يستندوا إلى ضبط بالحروف، وإنما عوّلوا على الخّط وضبط القلم
ولا يفيد القلم بأن آخره راء إذ الكاتب قد يذهل عن نقط الزاي فكيف يقطع بالوهم على
الدارقطني مع أنه لقيه وأخذ عنه، ثم قال: وبالفتح، فذكر جماعة فلا يتوهم أحد أنه لم يتعرض
لكونه مكبّرًا أو مصغّرًا، وإنما نشأ من عدم استيفاء الكلام. وفي القاموس: أن كونه بالراء
تصحيف. (في معين أنهار الجنة حتى صارت كالدرة) بضم الدال المهملة: اللؤلؤة العظيمة،
(البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش و)حول (الكرسي، وفي

٨٣
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
السموات والأرض والجبال والبحار، فعرفت الملائكة وجميع الخلق سيدنا محمدًا
وفضله قبل أن تعرف آدم عليه الصلاة والسلام.
وقيل: لما خاطب الله تعالى السموات والأرض بقوله: ﴿ائتيا طوعًا أو
كرهًا قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت/١١]. أجاب موضع الكعبة الشريفة، ومن السماء
ما يحاذيها. وقد قال ابن عباس: أصل طينة رسول الله عَّه من سرة الأرض بمكة.
فقال بعض العلماء: هذا يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا درة المصطفى
محمد عَّله، ومن موضع الكعبة دحيت الأرض فصار رسول الله عَّةٍ هو الأصل في
التکوین،
السموات والأرض والجبال والبحار،) التي في الأرض وغيرها. (فعرفت الملائكة وجميع
الخلق) عطف عام على خاص، (سيّدنا محمّدًا عَّه وفضله قبل أن تعرف آدم عليه الصلاة
والسّلام.) قال بعض العلماء: وهذا لا يقال من قبل الرأي، انتهى. يعني: فهو إما عن الكتب
القديمة لأنه حبرها، أو عن المصطفى بواسطة، فهو مرسل، وتضعيف بعض المتأخّرين جدًا له
باحتمال أنه من الكتب القديمة وقد بدّلت غير مسموع، فإن التضعيف إنما هو من جهة السند لأنه
المرقاة كما هو معلوم عند من له أدنى إلمام بالفن، وليس كل ما ينقل من الكتب القديمة مردودًا
بمثل هذا الاحتمال.
(وقيل: لما خاطب اللَّه تعالى السموات والأرض بقوله: ﴿آئتيا طوعًا أو كرهًا﴾
.[فصلّت: ١١])، إلى مرادي منكما (﴿قالتا أتينا﴾ [فصلت: ١١])، بمن فينا (طائعين، أجاب) أي:
كان المجيب من الأرض. (موضع الكعبة الشريفة ومن السماء ما يحاذيها) ووافقهما على
الجواب البقية، فلا ينافي أتينا طائعين.
وقال السهيلي: لم يجبه إلا أرض الحرم، أي: من الأرض، وهو أعمّ مما هنا، ووجه ذكره
لهذا قوله: (وقد قال ابن عباس) عبد اللَّه الحبر البحر ترجمان القرآن. كان الفاروق يجلّه ويدخله
مع أشياخ بدر، (أصل طينة رسول اللَّه عَّ من سرّة الأرض بمكّة،) وهذا حكمه الرفع إذ لا يقال
رأيًا، (فقال بعض العلماء:) هو السهروردي صاحب العوارف (هذا) الذي قاله ابن عباس مع ما
قبله، (يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا درّة) بضم الدال المهملة: اللؤلؤة العظيمة جمعها درّ
ودر ودرّات؛ كما في القاموس عبّر بها عن طينة (المصطفى محمد عَلَّه) لنفاستها وقراءته بذال
معجمة تصحيف غير لائق بالمقام، فإنها النملة الصغيرة جدًا، وقد مرّ قريبًا قوله: ((صارت كالدّة
البيضاء»، ويجيء التعبير عنها بجوهرة. (ومن موضع الكعبة دحيت) مدّت (الأرض، فصار رسول اللَّه
السَّ هو الأصل في التكوين)، أي: الأحداث القاموس، كونه أحدثه واللَّه الأشياء

٨٤
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
والكائنات تبع له. وقيل: لذلك سمي أميّا لأن مكة أم القرى، ودرته أم الخليفة.
فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون مدفنه عليه
الصلاة والسلام بمكة، حيث كانت تربته منها.
فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف - أفاض الله علينا من عوارفه، وتعطف
علينا بعواطفه - بأنه قيل: إن الماء لما تموج رمى الزبد إلى النواحي، فوقعت جوهرة
مَّ الله
النبي عليه.
أوجدها، (والكائنات تبع له) حذف من كلام السهروردي ما لفظه: واليه والإشارة بقوله: ((كنت
نبيًّا وآدم بين الماء والطين))، وفي رواية: ((بين الروح والجسد))، قال: (وقيل لذلك) الذي قاله ابن
عباس (سمّي أُميَّا؛ لأن مكة أُمّ القرى ودرّته أُمّ الخليفة،) وإنما حذف ذلك من كلامه؛ لأنه قدم
إنه لم يروِ اللفظ الأول، (فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون مدفنه عليه
الصّلاة والسّلام بمكة حيث كانت تربته منها،) فلا تقل ذلك وتذهل عن جوابه. (فقد أجاب عنه
صاحب عوارف المعارف،) هو العلاّمة عمر شهاب الدين بن محمد بن عمر السهروردي، بضم
السين المهملة وسكون الهاء وضمّ الراء وفتح الواو وسكون الراء الثانية فدال مهملة، نسبة إلى
سهرورد بلد عند زنجان كما في التبصير وغيره، الفقيه الشافعي الزاهد الإمام الورع الصوفي أخذ
عن الكيلاني وغيره، وسمع الحديث من جماعة، وقرأ الفقه والخلاف ثم انقطع ولازم الخلوة
والصوم والذكر، ثم تكلّم على الناس عند علوّ سنه ثم كفّ وأقعد، ومع ذلك ما أخلّ بذكر ولا
حضور جمع، ولازم الحج إلى أن دخل في عشر المائة ووصل إلى الله به خلق كثير، وتاب
على يديه كثيرون من العصاة، وكانت محفته تحمل على أعناق الرجال من العراق إلى البيت
الحرام، ورأى من الجاه عند الملوك ما لم يره أحد ولما حجّ آخر حجاته ورأى ازدحام الناس
عليه في المطاف واقتداءهم بأقواله وأفعاله، قال في سرّه: يا ترى أنا عند اللَّه كما يظنّ هؤلاء فيّ،
فکاشفه ابن الفارض وخاطبه بقوله:
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ذكرت ثم على ما فيك من عوج
فصرخ وخلع ما عليه وألقاه، فخلع المشايخ والفقراء ما عليهم وألقوه وكان أربعمائة خلعة،
ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وتوفي ببغداد مستهل محرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
(أفاض اللَّه علينا من عوارفه) أي: اللَّه أو السهروردي فهو من التوجيه، (وتعطّف علينا
بعواطفه بأنه قيل: إن الماء) الذي كان عليه العرش (لما تموج رمى الزبد إلى النواحي فوقعت
جوهرة،) واحدة جوهر معرب؛ كما في الصحاح. أي: طينة، (النبيّ عَّ) وفي القاموس الجوهر:
كل حجر يستخرج منه شىء ينتفع به، انتهى. وبه يعلم حسن تسميته الطينة الشريفة جوهرة، كما

٨٥
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
إلى ما يحاذي تربته بالمدينة، فكان معَّهِ مكيًا مدنيًا، حنينه إلى مكة وتربته
بالمدينة انتهى.
وفي ((المولد الشريف)) لابن طغر بك: ويرى أنه لما خلق الله تعالى آدم،
ألهمه أن قال: يا رب، لم كنيتني أبا محمد، قال الله تعالى: يا آدم ارفع رأسك،
فرفع رأسه فرأى نور محمد في سرادق العرش،
لا يخفى. (إلى ما يحاذي تربته بالمدينة،) أي: وبقي منها بمكة ما أخذه جبريل حين أراد الله
إبراز المصطفى، (فكان عَِّ مكيًّا) لأن طينته من مكّة، (مدنيًّا) لدفنه بالمدينة، كما أشار له
بقوله: (حنينه) أي: شوقه، (إلى مكة وتربته بالمدينة، انتهى).
ووقع لبعض بعد نحو هذا، فهبط جبريل في ملائكة الفردوس والرقيع الأعلى، فقبضها من
محل قبره الشريف وأصلها من مكّة موجهًا الطوفان إلى هناك، فعجنت بماء التسنيم، ويتعيّن أن
المراد بالطوفان الماء الكثير الذي كان عليه العرش، فإنه يطلق لغة على المطر الغالب والماء
الغالب يغشى كل شىء؛ كقوله تعالى في قوم موسى: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان﴾
[الأعراف: ١٣٣]، إلاّ الكائن في زمن نوح؛ لأن أمر جبريل كان قبل وجود آدم.
(وفي) كتاب (المولد الشريف) المسمّى بالدرّ النظيم في مولد النبي الكريم (لابن
طغربك) بطاء مهملة مضمومة وغين معجمة ساكنة وراء مضمومة وفتح الموحدة، وكأنه علم
مركب من طغر وبك، لقب للإمام العلاّمة المحدث سيف الدين أبي جعفر عمر بن أيوب بن عمر
الحميري التركماني الدمشقي الحنفي، لم أر له في ابن خلّكان ترجمة، إنما فيه آخر من الأمراء
بهذا الضبط وزيادة لام ساكنة بعد الراء.
(ويرى أنه لما خلق اللّه تعالى آدم ألهمه) قبل أن يناديه أحد من الملائكة به، فيكون
ألهمه القول والكنية معًا أو بعد علمه بأنه كني بذلك بطريق آخر على ما يشعر به ألهمه، (أن
قال) إذ معناه قول (يا رب لم كنيتني أبا محمّد؟) بالتشديد والتخفيف؛ كما في القاموس.
واقتصر المختار على أن الكنية بالتشديد لا غير وأن المخفّف إنما هو فيمن تكلّم بشىء مريدًا
غيره، (قال اللَّه تعالى: يا آدم ارفع رأسك فرفع رأسه فرأى نور محمّد،) أي: النور الذي هو
صورته، فالإضافة بيانية، لما مرّ من جعل نوره صورة روحانية (في سرادق العرش،) شبهه من
حيث الدلالة على كمال العظمة بسرادق حول الخباء مثلاً دلالة على عظمة صاحبه، فالمعنى:
رأى نوره في العرش الذي هو كالسرادق فهو من إضافة المشبّه به إلى المشبّه، أو هي بيانية، أو
المعنى رأى نوره حول العرش. وسمّي ما حوله سرادقًا على التشبيه، فشبّه المحيط به بمحيط
بخباء، فسمّاه باسمه؛ كما قال القاضي في أحاط بهم سرادقها فسطاطها، شبه به ما يحيط بهم

٨٦
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
فقال: يا رب، ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبي من ذريتك اسمه في السماء أحمد،
وفي الأرض محمد، لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماء ولا أرضًا.
ويشهد لهذا، ما رواه الحاكم في صحيحه أن آدم عليه الصلاة والسلام رأى
اسم محمد مكتوبًا على العرش، وأن الله تعالى قال لآدم لولا محمد ما خلقتك.
ولله در من قال:
وكان لدى الفردوس في زمن الصبا
من النار، قال شيخنا: والأول أقرب.
(فقال: يا ربّ ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبيّ من ذرّيتك اسمه) المشهور به (في
السماء) بين الملائكة (أحمدو) اسمه المشهور به (في الأرض) بين أهلها (محمد) فلا ينافي أن
كتابة محمّد على قوائم العرش واطّلاع الملائكة عليها، كما يجبىء صريح في تسميته في
السماء بمحمّد أيضًا، (لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماء ولا أرضًا ويشهد لهذا) المروي
المنقول من المولد من أوّله في الجملة، أي: يقوّيه، (ما رواه الحاكم في صحيحه) المستدرك
عن عمر رفعه، (أن آدم عليه الصلاة والسلام رأى اسم محمّد مكتوبًا على العرش، وأن اللَّه
تعالى قال لآدم: لولا محمّد ما خلقتك).
وروى أبو الشيخ في طبقات الأصفهانيّين والحاكم عن ابن عباس: أوحى اللَّه إلى عيسى
آمن بمحمّد ومر أمّتك أن يؤمنوا به، فلولا محمّد ما خلقت آدم ولا الجنّة ولا النار، ولقد خلقت
العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلا اللَّه محمّد رسول اللَّه، فسكن. صححه
الحاكم وأقرّه السبكي في شفاء السقام والبلقيني في فتاويه، ومثله لا يقال رأيًا فحكمه الرفع.
وقال الذهبي: في سنده عمرو بن أوس لا یدری من هو، وعند الديلمي: عن ابن عباس رفعه:
(أتاني جبريل، فقال: إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنّة ولولاك ما خلقت النار))، وذكر ابن سبع
والعزفي بمهملة وزاي مفتوحتين وفاء؛ عن عليّ: أن اللَّه قال لنبيّه: من أجلك أسطح البطحاء وأموج
الموج وأرفع السماء وأجعل الثواب والعقاب، قيل وهذا ليس لغيره من نبي ولا ملك:
وما عجب إكرام ألف لواحد لعين تفدى ألف عين وتكرم
(وللَّه در) أي: عمل مجازًا استعمل في المدح تعظيمًا، أي: أن اللبن الذي رُبِّي به لا
ينسب لغير اللَّه، لخروج كمال الممدوح به عن العادة، (من قال) مضمّنًا هذا الخبر وتوسّل آدم
بالمصطفى في قبول توبته، وهو صالح بن حسين الشاعر، قال بعض ما عمل مثلها في عصره.
(وكان) آدم (لدى الفردوس في زمن الصباء) أي: في أول أمره بعد ارتباط الروح بجسده

٨٧
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وأثواب شمل الأنس محكمة السدى
يزيد على الأنوار في الضوء والهدى
جنود السما تعشو إليه ترددا
يشاهد في عدن ضياء مشعشعا
فقال إلهي ما الضياء الذي أرى
فقال نبي خير من وطىء الثرى وأفضل من في الخير راح أو اغتدى
تخيرته من قبل خلقك سيدا وألبسته قبل النبيين سؤددا
لا المعنى اللغوي، وفي نسخ كالشامي الرضا، أي: زمن كونه في الجنّة قبل هبوطه، (وأثواب
شمل الأنس محكمة السدى) كناية عن قربه من اللَّه، والسدى وزان الحصى من الثوب خلاف
اللحمة، (يشاهد) آدم (في عدن) الجنَّة وعبَّر به، وفي سابقه بالفردوس إشارة لتعدّد أسمائها، والجار
والمجرور حال من فاعل يشاهد، أو من ضباء بناء على أنه في الأصل نعت له، ونعت المنكرة إذا قدم
عليها أعرب حالاً، (ضياء) أي: نورًا قويًّا، (مشعشعًا،) أي: منتشرًا؛ كما في الشامي.
(يزيد على الأنوار) المتعارفة (في الضوء والهدى،) أي: زيادة النور والاهتداء، فلا ينافي
أن الضوء من جملة النور؛ كما في الأنوار. (فقال) آدم (إلهي ما) هذا (الضياء) بالنسبة لبقية
الأضواء، (الذي أرى، جنود السما) بالقصر للوزن، (تعشو) بعين مهملة تقصده للاستضاءة به،
(إليه ترّددًا) متردّدين إليه مرة بعد أُخرى، (فقال) اللَّه تعالى هو (نبيّ) أي: ضياؤه (خير من
وطىء الثرى) بمثلثة التراب الندى، فإن لم يكن نديًّا فتراب لكن المراد هنا الأرض مطلقًا، وسمّاها
ثرى من إطلاق الجزء على الكل.
(وأفضل من في) طرق (الخير راح أو اغتدى) أي: أخذ فيه وحصله، أي وقت ليلاً أو
نهارًا لاستعمال العرب الغدوّ والرواح في السير مطلقًا على نقل الأزهري، أي: مجازًا. (تخيّرته
من قبل خلقك) يا آدم، (سيّدًا) حال من المفعول في تخيرته، (وألبسته قبل النبيّين سؤددًا)
بالضم سيادة فذكره بعد سيّدًا إطناب، إذ حيث ثبتت قبل آدم علم ثبوتها قبل الأنبياء، أو المراد
اخترته بتقديم السيادة له قبل خلقك، ثم ألبستها له بالفعل قبل النبيّين، فهو كما مرَّ في أن إفاضة
النبوّة عليه بعد النقل من التقدير إلى الكتابة ثم إلى النبوّة وبقي من القصيدة أبيات، وهي:
وأعددته يوم القيامة شافعًا مطاعًا إذا ما الغير حاد وحيدا
ويدخله جنَّات عدن مخلدا
فيشفع في إنقاذ كل موحد
ولكنني أحببت منها محمّدا
وإن له أسماء سميته بها
تكون على غسل الخطيئة مسعدا
خصصت بها دون الخليقة أحمدا
فقال إلهي امنن عليّ بتوبة
بحرمة هذا الاسم والزلفة التي

٨٨
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
فإن قلت: مذهب الأشاعرة: أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض،
فكيف تكون خلقة محمد علة في خلق آدم عليه السلام؟
أجيب: بأن الظاهر من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح التي هي
غايات ومنافع لأفعاله تعالى، لا بواعث على إقدامه، ولا علل مقتضية لفاعليته، لأن
ذلك محال في حقه تعالى، لما فيه من استكمال بغيره. والنصوص شاهدة بذلك،
كقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات/٥٦] أي:
قرنت الخلق بالعبادة، أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، فالتعليل لفظي لا حقيقي،
أقلني عثاري يا إلهي فإن لي عدوًّا لعينًا جار في القصد واعتدى
فتاب عليه ربّه وحماه من جناية ما أخطاه لا متعمدا
ذكرها بتمامها صاحب مصباح الظلام وغيره، ثم أورد على قوله: لولاه ما خلقتك، (فإن
قلت: مذهب الأشاعرة،) يعني أهل السنّة القائلين بما عليه إمامهم أبو الحسن الأشعري، من ذرّية
أبي موسي نسبة إلی أشعر، وهو نبت بن أدد بن زید بن یشجب بن عریب بن زيد بن کھلان بن
سبالان، أَمّه ولدته والشّعر على بدنه، (أن أفعال اللّه تعالى ليست معلّلة بالأغراض فكيف تكون
خلقة محمّد) اسم مصدر، أي: وجود.
وفي نسخة: خلقه محمّد، أي: إيجاده. (عّة في خلق آدم ◌َّ؟) إذ لولا حرف امتناع
لوجود، فتدلّ على امتناع جوابها لوجود شرطها، وجوابها هنا: وهو ما خلقتك نفي وامتناعه
ثبوت، فكأنه قال: خلقتك لأجل خلق محمّد، قلت: (أُجيب: بأن الظاهر من الأدلّة تعليل بعض
الأفعال بالحكم والمصالح التي هي غايات) أي: ثمرات، (ومنافع) عطف تفسير (لأفعاله
تعالى،) أي: تترتّب عليها، فاللام بمعنى على والغاية بمعنى الترتّب (لا بواعث على إقدامه،) أي:
أسباب حاملة على الفعل، (ولا علل مقتضية) مستلزمة (لفاعليته) بحيث يلزم من وجودها كونه
فاعلاً؛ (لأن ذلك محال في حقّه تعالى،) عّة لقوله: لا بواعث ... الخ، وعلل الاستحالة بقوله:
(لما فيه من استكماله،) أي: اللَّه، أي: التكمّل بمعنى صيرورته كاملاً أو طلب الكمال (بغيره)
وهو محال، (والنصوص شاهدة بذلك،) أي: بتعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح يعني على
سبيل الظهور، فلا يخالف قوله: بأن الظاهر، وذكره توطئة لقوله: (﴿وما خلقت الجنّ والإنس إلا
ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]٤) ولا ينافيه أن كثيراً لا يعبدون؛ لأنها عام خصّ بمؤمنيهم؛ كما قيل أو
لما ذكره بقوله: (أي: قرنت الخلق بالعبادة، أي: خلقتهم وفرضت عليهم العبادة،) ولا يلزم من
الفرض قيامهم بها، (فالتعليل لفظي لا حقيقي،) وحاصله تسليم كونها لا تعلّل بالمعنى السابق،

٨٩
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
لأن الله تعالى مستغن عن المنافع، فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره،
لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل.
وروى عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قلت يا
رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء.
قال عَ له: ((يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك ......
وما وقع من صورة تعليل ليس المراد به ذلك؛ (لأن اللَّه تعالى مستغن عن المنافع،) علّة لقوله: لا
حقيقي، (فلا يكون فعله) تعالى (لمنفعة راجعة) أي: واصلة، (إليه ولا إلى غيره؛ لأن اللَّه تعالى
قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل) فلا يتوقف عليه وصول المنفعة.
وفي نسخة؛ فلا يكون فعله لمنفعته؛ لأن اللَّه قادر بإسقاط راجعة إليه ولا إلى غيره،
والظاهر أن ضمير منفعته عائد للعبد المفهوم من ﴿وما خلقت الجن والإنس﴾ [الذاريات: ٥٦]،
كما يدلّ عليه؛ لأن الله قادر ... الخ.
(وروى عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم الحافظ أبو بكر الصنعاني، أحد
الأعلام روى عن معمر وابن جريج وملك والسفيانين والأوزاعي وخلق، وعنه أحمد وإسحق وغيرهما.
مات سنة إحدى عشرة ومائتين ببغداد عن خمس وثمانين سنة، (بسنده) إيضاح وإلا فهو مدلول.
روى (عن جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام، بمهملة وراء، الأنصاري الخزرجي السلمي
بفتحتين الصحابي ابن الصحابي غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين وهو ابن
إحدى وتسعين سنة.
(قال: قلت: يا رسول اللَّه))) أفديك (بأبي أنت وأُمّي،) كلمة تستعملها العرب لتعظيم
المفدى بهما، (أخبرني عن أوّل شيء خلقه اللَّه تعالى قبل الأشياء، قال:) عَّةِ ((يا جابر، إن
اللَّه تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيّك) لم يقل نوري، وإن كان مقتضى الظاهر للتفخيم، ولا
(١) حديث جابر هذا المنسوب إلى عبد الرزاق - موضوع لا أصل له، وقد عزاه غير واحد إلى عبد الرزاق خطأ فهو غير
موجود في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره. ومن الذين نسبوه إلى عبد الرزاق ابن العربي الحاتمي في ((تلقيح
الأذهان)) والديار بكري في كتاب ((الخميس في تاريخ أنفس نفيس)) والعجلوني في ((كشف الخفاء» وفي «الأوائل
العجلونية)). وقال السيوطي في الحاوي في الفتاوى ٣٢٥/١: أما حديث أولية النور المحمدي فلا يثبت. وقد
حكم الشيخ عبد الله بن الصديق في رسالة ((مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر) على هذا الحديث بالوضع وقد
سبقه إلى ذلك أخوه أحمد بن الصديق فليتنيه إلى ذلك، فقد ساق المؤلف هنا عدة روايات بأسانيدها كلها لا
تثبت والله سبحانه وتعالى أعلم.

٩٠
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت
لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء، ولا أرض ولا شمس ولا قمر،
ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة
أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم،
يشكل بأن النور عرض لا يقوم بذاته؛ لأن هذا من خرق العوائد. (من نوره) إضافة تشريف وإشعار
بأنه خلق عجيب، وأن له شأنًا له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية على حدّ قوله تعالى: ﴿ونفخ
فيه من روحه﴾ [السجدة: ٩]، وهي بيانية، أي: من نور هو ذاته، لا بمعنى إنها مادة خلق نوره
منها، بل بمعنى تعلّق الإرادة به بلا واسطة شىء في وجوده، وهذا أولى من احتمال أن المراد من
نور مخلوق له تعالى قبل خلق نور المصطفى، وأضافه إليه لتوليه خلقه وإيجاده لما يلزم عليه من
سبق مخلوق على نور المصطفى، وهو خلاف المنصوص.
والمراد ومن تجويز أنه معنى عبر عنه بالنور مشابهة، أي: خلق نور المصطفى من معنى
يشبه النور موجود أزلاً؛ كوجود الصفات القديمة القائمة به تعالى فإنها لا أوّل لوجودها لما فيه
من إثبات ما لم يرد والقلاقة بإيهامه تعدّد القدماء، وإن كان المراد التشبيه في مطلق الوجود.
(فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء اللَّه، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم
ولا جنّة ولا نار) وإنما خلقوا بعد وخلقت الجنة قبل النار؛ كما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس
موقوفًا، وحكمه الرفع (ولا ملك) بفتح اللام، (ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني
ولا إنسي،) ولم يقل: ولم يكن في ذلك الوقت شىء، وإن شمل المذكورات وغيرها، لئلا يتوهّم
اختصاصه ببعضها، فأدار النص على سبق وجوده على جميعها، ولأن الشىء يشمل صفاته تعالى
وهي موجودة قائمة بذاته، لا أوَّل لها (فلما أراد اللَّه أن يخلق الخلق، قسّم ذلك النور أربعة
أجزاء،) أي: زاد فيه؛ لا أنه قسم ذلك النور الذي هو نور المصطفى، إذ الظاهر أنه حيث صوّره
بصورة مماثلة لصورته التي سيصير عليها لا يقسمه إليه وإلى غيره.
(فخلق من الجزء الأول القلم،) فهو من نور وبه صرّح في غير ما حديث؛ کخبر ابن
عباس: ((قلمه نور))، وعند أبي الشيخ عن مجاهد: أوّل ما خلق الله اليراع القصب، ثم خلق من
ذلك اليراع القلم، فقال: اكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فإن صحَّ فلعل تجسمه من نور على
صفة اليراع، وإلا فما في المرفوع أولى بالقبول وطوله خمسمائة عام، رواه أبو الشيخ عن ابن
عمر، وعنده أيضًا بسند رواه أن عرضه كذلك وسنه مشقوقة ينبع منه المداد ولا يعارضه ما في
خبر مرسل أنه من لؤلؤ طوله سبعمائة عام؛ لأن الإخبار بالأقل لا ينفي الأكثر، وكونه من لؤلؤ لعله
علی التشبیه لشدّة بیاضه، إذ هو نور.

٩١
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من
الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم
الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث
الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن
الثاني نور قلوبهم - وهي المعرفة بالله - ومن الثالث نور أنسهم، وهو التوحيد، لا إله
إلا الله محمد رسول الله .. الحديث.
(ومن الثاني: اللوح، ومن الثالث: العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء،) مقتضى ثم
تأخّر خلق العرش عن اللوح والقلم. وفي المشكاة: تقديمه، ثم الكرسي عليهما فلعلّها بمعنى الواو،
(فخلق من الأول حملة العرش،) وهم ثمانية أملاك على صورة الأوعال، أخرجه أبو يعلى وابن
مردويه وابن خزيمة والحاكم وصححه وغيرهم، عن العباس موقوفًا. ورواه ابن المنذر وغيره عن
حسان بن عطية ولهرون بن رياب بلفظ: ((حملة العرش ثمانية))، وكذا رواه عبد بن حميد عن
الربيع وهو معضل عن الثلاثة، وقد روى ابن جرير عن ابن زيد رفعه مرسلاً: ((يحمله اليوم أربعة
ويوم القيامة ثمانية))، وأخرجه أبو الشيخ من طريقين عن وهب معضلاً، وعند ابن جرير وغيره، عن
ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة: ١٧]، قال: ثمانية
صفوف من الملائكة لا يعلم عدّتهم إلا اللَّه.
(ومن الثاني الكرسيّ،) فيه حجة للقول الصحيح أنه غير العرش، (ومن الثالث باقي
الملائكة،) وهم أكثر المخلوقات. وحديث عبد الرزاق هذا مفسّر لقوله لعلّه في مسلم: ((خلقت
الملائكة من نور)). وعند أبي الشيخ عن عكرمة، قال: ((خلقت الملائكة من نور العزة))، وعنده
عن يزيد بن رومان أنه بلغه أن الملائكة خلقت من روح الله.
(ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السموات) السبع، (ومن الثاني الأرضين)
السبع وهي سابقة على خلق السموات؛ كما فصل في فصّلت. وأمّا قوله: ﴿والأرض بعد ذلك
دحاها﴾ [النازعات: ٣٠]، فمعناه: بسطها؛ كما قال ابن عباس وغيره، وكانت مخلوقة قبلها من
غير دحو. (ومن الثالث الجنّة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار)
بمعنى بصائر (المؤمنين،) أو الأعمّ منها ومن الحسيّة ولم يعتبر أبصار الكفار؛ لأنهم لما فقدوا
نفعها كانت ضرورة عليهم لا منفعة لهم. (ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة باللّه، ومن
الثالث: نور أنسهم، وهو التوحيد) وبيّته بقوله: ((لا إله إلّ اللَّه محمد رسول اللَّه))، الحديث.)
ولم يذكر الرابع من هذا الجزء فليراجع من مصنف عبد الرزاق مع تمام الحديث، وقد رواه
البيهقي ببعض مخالفة.

٩٢
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وقد اختلف: هل القلم أول المخلوقات بعد النور المحمدي؟
فقال الحافظ أبو يعلى الهمدانى: الأصح أن العرش قبل القلم، لما ثبت في
الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: قدر الله مقادير الخلق قبل
أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء، فهذا
صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش. والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث
عبادة بن الصامت، مرفوعًا: أول ما خلق الله القلم قال له اكتب، قال:
(وقد اختلف) في جواب قول السائل (هل القلم أوّل المخلوقات بعد النور المحمدي؟
فقال الحافظ أبو يعلى الهمداني) بفتح الحاء وسكون الميم فمهملة العلاَّمة شيخ الإسلام
الحسن بن أحمد المتقن المتفنّن في عدّة علوم، البارع على حفاظ عصره، الذي لا يغشى
السلاطين ولا يقبل منهم شيئًا ولا مدرسة ولا رباطًا ولا تأخذه في الله لومة لائم، توفي سنة تسع
وستّين وخمسمائة. (الأصحّ) وهو مذهب الجمهور (أن العرش) خلق (قبل القلم، لما ثبت في
الصحيح) أي: صحيح مسلم، (عن عبد الله بن عمرو) بن العاصي، أنَّه (قال: قال
رسول اللَّه عَّه: ((إن اللَّه قدّر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض،) أي: شيئًا منهما
فلا يرد صدقه بخلقه بين خلقهما، (بخمسين ألف سنة))،) كناية عن الكثرة أو حقيقة، كما مر.
(وكان عرشه على الماء فهذا صريح) في (أن التقدير وقع بعد خلق العرش والتقدير)
للأشياء المذكورة في قوله: ((قدّر اللَّه)، (وقع عند أوّل خلق القلم لحديث عبادة) بضم العين،
(ابن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي أبي الوليد المدني النقيب البدري كان طويلاً
جسيمًا جميلاً فاضلاً خيّرًا، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار. وفي الاستيعاب: وجّهه
عمر إلى الشام قاضيًا ومعلّمًا، فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين وبها مات، وقيل: بالرملة سنة
أربع وثلاثين ودفن ببيت المقدس، وقبره به معروف.
(مرفوعًا) لفظة استعملها المحدثون بدل قال عَّ له، ((أول ما) أي: شىء، (خلق اللَّه
القلم) بالرفع كما أفاده كلام الحافظ وغيره على الخبرية والأوّلية نسبية، أي: أوّل ما خلق اللَّه
بعد العرش القلم، ويجوز نصبه مفعول خلق، فالخبر قوله: (قال له: اكتب) لكن قال السيوطي في
حواشي الترمذي عن ابن السيد البطليوسي: الوجه الرفع، وما أعلم أحدًا رواه بالنصب وهو خطأ؛
لأن المراد أن القلم أوّل مخلوق للَّه، كما دلّت عليه الأحاديث، فإن ثبت رواية صحيحة بنصبه
خرجت على لغة نصب أن الجزأين، يعني في رواية: ((إن أوّل، كما يجيء قريبًا على وجه أنه
مفعول خلق لفساده في المعنى والإعراب، انتهى.
(قال:) القلم بخلق اللَّه له قوّة النطق، كما خلقها في الأعضاء ومحبّة أحد وبغض غير

٩٣
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
رب، وما أكتب، قال: اكتب مقادير كل شىء رواه أحمد، والترمذي.
ورويا أيضًا من رواية أبي رزين العقيلي مرفوعًا: ((إن الماء خلق قبل العرش)).
وروى السدي
وغير ذلك، فاحتمال غيره خروج عن المتبادر بلا دليل ولا طائل، يا (ربّ، وما أكتب؟ قال: «اكتب
مقادير كلّ شيء))،) أسقط منه عند من عزاه لهما ما كان وما هو كائن إلى الأبد، أي: ما كان
قبل القلم؛ لأن أوليّته نسبية كما علم، فلا يرد تصريحه بأنه أوّل مخلوق. والمراد: ((بما هو
كائن))، انقضاء هذا العالم وما بعده مما يمكن تناهيه دون نعيم الآخرة وجحيمها، إذ لا نهاية له
فلا يدخل تحت الكتابة، وبه صرح في أبي داود بلفظ: اكتب مقادير كل شىء حتى تقوم
الساعة.
(رواه أحمد) بلفظه، (والترمذي) بلفظ: ((أن أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب، قال:
وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شىء حتى تقوم الساعة، من مات على غير هذا فليس مني))،
قال شيخنا: وفي الاستدلال به على أن التقدير وقع عند أوّل خلق القلم نظراً لجواز أنه إنما قال
له: اكتب مقادير كل شىء من الأشياء التي قدّرتها قبل، إلاّ أن يقال القرينة دالّة على أن المراد
اكتب مقادير الأشياء التي قد أبرزت تقديرها في الوجود الخارجي، وإن كانت مقدّة في علمه
في الأزل.
(ورويا أيضًا) وفي نسخ: وروى أحمد والترمذي، وصححه أيضًا (من رواية أبي رزين)
بفتح الراء وكسر الزاي وسكون التحتية وبنون لقيط بفتح اللام وكسر القاف بن عامر (العقيلي)
بضم العين وفتح القاف نسبة إلى عقيل بن كعب صحابي مشهور غير لقيط ابن صبرة عند
الأكثر؛ كما في التقريب، وعزاه في الإصابة لابن المديني وخليفة وابن أبي خيثمة وابن سعد
ومسلم والبغوي والدارمي والباوردي وابن قانع وغيرهم، وبه جزم المزي في الأطراف، وقيل: هو
لقيط بن صبرة بن عامر فنسب لجدّه، قاله ابن معين وأحمد. ومال إليه البخاري، وجزم به ابن
حبان وابن السكن، وعبد الغني وابن عبد التّر ضعفًا كونه غيره، وجزم به المزي في التهذيب،
ورجّح في الأصابة الأول بأن ابن عامر معروف بكنيته وابن صبرة لا كنية له إلا ما شذ به ابن
شاهين، فكتّاه أبا رزين أيضًا وبأن الرواة عن أبي رزين جماعة، وابن صبرة لا يعرف له راوٍ إلا
ابنه.
(مرفوعًا: ((إن الماء خلق قبل العرش))،) فهذا صريح أن القلم ليس أوّل المخلوقات إذ
الماء قبل العرش الذي هو قبل القلم، (وروى) إسماعيل بن عبد الرحمن (السديّ) الكبير المفسر
المشهور عن أنس وابن عباس وعنه شعبة والثوري وزائدة، ضعّفه ابن معين، ووثّقه أحمد، واحتج

٩٤
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
بأسانيد متعددة: أن الله تعالى لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء. فيجمع بينه
وبين ما قبله، بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا النور النبوي المحمدي والماء
والعرش، انتهى. وقيل: الأولية في كل بالإضافة إلى جنسه، أي أول ما خلق الله
من الأنوار نوري، وكذا في باقيها.
وفي أحكام ابن القطان، فيما ذكره ابن مرزوق،
به مسلم وفي التقريب أنه صدوق يهم ويتشيّع، مات سنة سبع وعشرين ومائة، روى له الجماعة
إلا البخاري، وهو بضم السين وشدّ الدال المهملتين، قال الذهبي: تبعًا لعبد الغني في الكمال
لقعوده في باب جامع الكوفة، وفي اللبّ كأصله لبيعه عند سدّته، أي: بابه. وفي صحاح
الجوهري، وسمّي إسمعيل السدي لأنه كان يبيع الخمر والمقانع في سدّة مسجد الكوفة، وهي
ما يبقى من الطاق المسدودة، وتبعه القاموس مقتصرًا على المقانع فقعوده عند السدّة كان للبيع.
وإغراب الحافظ أبو الفتح اليعمري، فقال: كان يجلس بالمدينة في مكان يقال له السدّ، فنسب
إليه.
(بأسانيد متعدّدة أن اللَّه لم يخلق شيئًا مما خلق،) أي: من جميع المخلوقات، (قبل
الماء، فيجمع بينه وبين ما قبله) من حديثي عابر وأبي رزين، (بأن أوليّة) خلقه (القلم بالنسبة
إلى ما عدا النور المحمديّ والماء والعرش، انتهى. وقيل:) في الجمع أيضًا (الأولية في كل)
من المذكورات (بالإضافة إلى جنسه، أي: أوّل ما خلق الله من الأنوار نوري) الضمير له عَّله،
(وكذا) يقال (في باقيها،) أي: وأوّل ما خلق مما يكتب القلم الذي كتب المقادير، وأوّل ما
خلق مما يصدق عليه العرش عرش اللَّه إذ العرش يطلق على معان، كما في القاموس وغيره.
وقيّد البيضاوي الأوليّة بأوليّة الأجرام لا مطلقًا، قال في قوله: ﴿ربّ العرش العظيم﴾
[التوبة: ١٢٩]، الذي هو أوّل الأجرام وأعظمها والمحيط بجملتها.
(وفي أحكام ابن القطان) الحافظ الناقد أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك
الحميري الكناني الفاسي، سمع أبا ذرّ الخشني وطبقته، وكان من أبصر الناس بصناعة الحديث
وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدّهم عناية في الرواية معروفًا بالحفظ والاتّقان، صنّف الوهم والإيهام
على الأحكام الكبرى لعبد الحقّ، ومات سنة ثمان عشرة وستمائة.
(فيما ذكره) أي: نقله عنه العلاّمة محمّد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر (بن
مرزوق) التلمساني، عرف بالخطيب ولد عام عشرة وسبعمائة ومهر وبرع وشرح العمدة والشفاء
والبردة والأحكام الصغرى لعبد الحقّ ومختصر ابن الحاجب الفرعي ومحلات من مختصر الشيخ
خليل، ومات في ربيع الأوّل سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بمصر، ودفن بين ابن القسم وأشهب.

٩٥
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
عن علي ابن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي عَّ الِ قال: ((كنت نورًا بين يدي
ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام)).
(عن عليّ بن الحسين) بن عليّ بن أبي طالب الملقَّب زين العابدين التابعي الوسط، قال الزهري:
ما رأيت قرشيًا أفضل منه ولا أفقه. وقال ابن المسيّب: ما رأيت أورع منه. وقال ابن سعد: كان
ثقة مأمونًا كثير الحديث عالمًا عابدًا، ولم يكن في أهل البيت مثله، وكان إذا توضّأ يصفر لونه
فإذا قام يصلّي أرعد من الخوف، فقيل له في ذلك: فقال: أتدرون بين يدي من أقوم ولمن
أناجي، وكان يصلّي كل يوم وليلة ألف ركعة، وكثير الصدقات سيّما ليلاً، وإذا خرج من منزله
قال: اللَّهمَّ إني أتصدق أو أهب عرضي اليوم لمن يغتابني، ولد سنة ثلاث وثلاثين، وتوفيّ أول
سنة أربع وتسعين عند الجمهور، أو سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو تسع وتسعين،
وأغرب المدائني، فقال سنة مائة ودفن في قبر عمّه بالبقيع ابن عساكر، ومسجده بدمشق
معروف، وهو الذي يقال له مشهد عليّ بجامع دمشق ابن تيمية كون قبره بمصر كذب، إنما مات
بالمدينة.
(عن أبيه) الحسين السبط أشبه الناس بجدّه، كما قال أنس عند البخاري المقتول ظلمًا
وعدوانًا يوم عاشوراء سنة إحدى وستّين بكربلاء، ودفن جسده حيث قتل، وأمّا رأسه ففي
المشهد الحسيني بالقاهرة عند بعض المصريين، ونفاه بعضهم، قاله الحافظ فيما نقله السخاوي.
وقال ابن تيمية: اتّفق العلماء كلّهم على أن المشهد الذي بقاهرة مصر المسمّى مشهد الحسين
باطل ليس فيه رأسه ولا شيء منه، وإنما حدث بمصر في دولة بني عبيد القداح ملوك مصر
المدّعين أنهم من ولد فاطمة، والعلماء يقولون: لا نسب لهم بها في أثناء المائة الخامسة بناه
طلائع ابن رزيك الرافضي، ونقل من عسقلان زعمًا أنه كان في مشهد بها وهو باطل، فإن بني
أَميّة مع ما أظهروه من القتل والعداوة لا يتصوّر أن يبنوا على الرأس مشهدًا للزيارة، وحجّة العلماء
ما ذكره عالم النسب الزبير بن بكار أن الرأس حمل إلى المدينة ودفن بها، قال ابن دحية: لم
يصح سواه، انتهى ملخّصًا.
(عن جده) عليّ كرّم اللَّه وجهه، (أن النبيّ ◌َِّ قال: ((كنت نورًا بين يديّ ربّي) أي؛ في
غاية القرب المعنوي منه، فاستعار لهذا اليدين؛ لأن من قرب من إنسان وقابله يكون بین یدیه،
(قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام)٤) لا ينافي ما مرّ أن نوره مخلوق قبل الأشياء، وأن اللَّه قدّر
مقادير الخلق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؛ لأن نوره خلق قبل الأشياء وجعل
يدور بالقدرة حيث شاء اللَّه، ثم كتب في اللوح، ثم جسّم صورته على شكل أخصّ من ذلك
النور؛ ولأن التعبير ببين اليدين إشارة لزيادة القرب، فالمقدّر بهذه المدّة مرتبة أظهرت له لم تكن

٩٦
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وفي الخبر: لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور في ظهره فكان يلمع
في جبينه، فيغلب على سائر نوره، ثم رفعه الله تعالى على سرير مملكته وحمله
على أكناف ملائكته وأمرهم فطافوا به في السموات ليرى عجائب ملكوته.
قال جعفر بن محمد: مكثت الروح في رأس آدم مائة عام، وفي .
قبل، وروى محمّد بن عمر العدني شيخ مسلم في مسنده عن ابن عباس أن قريشًا، أي: المسعدة
بالإسلام كانت نورًا بين يديّ اللَّه قبل أن يخلق آدم بألفي عام، يسبح ذلك النور وتسبّح الملائكة
بتسبيحه، قال ابن القطان: يجتمع من هذا مع ما في حديث عليّ، يعني المذكور في المصنّف
أن النور النبويّ جسم قبل خلقه باثني عشر ألف عام، وزيد فيه سائر قريش وأنطق بالتسبيح.
(وفي الخبر: لما خلق اللَّه تعالى آدم جعل) أودع (ذلك النور) نور المصطفى (في
ظهره فكان) لشدّته (يلمع في جبينه فيغلب على سائر) باقي (نوره،) أي: نور آدم الذي في
بدنه أو يغلب على بقيّة النور الذي خلقه في غير آدم؛ كأنوار الأنبياء. (ثم رفعه) أي آدم (اللّه
تعالى على سرير مملكته.) روى الحكيم الترمذي: لما أكمل اللّه خلق آدم رفعه على أكناف
جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل على سرير من ذهب أو ياقوت أحمر له تسعمائة قائمة، فقال:
طوفوا به في سلمواتي ليرى عجائبها، ثم أمرهم أن يحوّلوا وجوههم إلى العرش ليسجدوا قبالته
ففعلوا، ولذلك يحمل جنازة أولاده أربعة، انتهى. وكان هذا السرير مسمّى فيما بينهم سرير
المملكة، فقول الشارح أنه من باب التمثيل، أي: رفعه إلى مكان عال وعظمه فجعل حالته تلك
كحالة من مكن على سرير وطيف به في جهات غير ظاهرة، فالأصل الحقيقة.
(وحمله على أكناف ملائكته) بالنون، أي: أجنحتهم. وفي القاموس: الكنف من الطائر
جناحه، ويحتمل أنه بالفوقية جمع كتف؛ لأن لهم قوّة التشكّل. (وأمرهم) أي: أمر اللَّه ملائكته،
(فطافوا به في السموات ليرى) آدم (عجائب ملكوته) أي: ملكه العظيم، وتاؤه للمبالغة وسئل
كعب: كم طاف الملائكة بآدم في السموات مكرّمًا؟ قال: ثلاث مرّات، أوّلها على سرير الكرم،
والثاني: على أكناف الملائكة، والثالث: على الفرس الميمون وهو مخلوق من المسك الأذفر
وله جناحان من الدرّ والمرجان، وجبريل آخذ بلجامها وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره،
فطافوا به في السموات كلها، وهو يسلّم على الملائكة عن يمينه وشماله، فيقول: السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته فيردّون عليه كذلك، فقيل: هذه تحيتك وتحية ذرّيتك إلى يوم القيامة.
(قال جعفر بن محمد: مكثت الروح في رأس آدم مائة عام) من أعوام الدنيا، (وفي
صدره مائة عام، وفي ساقيه وقدميه مائة عام،) لعلّ المراد بالرأس ما فوق الصدر وبه ما فوق

٩٧
المقصد الأول فى تشريف اللّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
صدره مائة عام وفي ساقيه وقدميه مائة عام، ثم علمه الله تعالى أسماء جميع
المخلوقات، ثم أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس، فطرده الله تعالى
وأبعده وخزاه.
الساقين، أو المراد بالساقين ما تحت الصدر فيدخل البطن وما يتّصل به في الصدر على الأوّل،
وفي الساقين على الثاني. قال شيخنا: ولعل المراد بذا العدّ التكثير فلا ينافي أن المدّة من ابتداء
خلقه إلى نزوله إلى الدنيا ثلاث وثمانون سنة، انتهى.
قلت: هذا قول ابن جرير ونقص منه وأربعة أشهر، وقال غيره: إن المدة فوق ذلك بكثير،
وقد تكلّف الشيخ فيما يجيء للتوفيق بينه وبين ما هنا عن جعفر بأنه مبني على أن مدّة كونه
طينًا كانت قبل دخول الجنَّة، أو أنه إنما أُخرج منها بعد اليوم الذي ابتدأ خلقه فيه، وأن خلقه لم
يتم إلا بعد مدّة طويلة، وفيه أنه قد لا يقول جعفر بقول ابن جرير ولا يرضاه، فقد قال ابن عباس:
مكث في الجنّة خمسمائة عام، وقيل: مكثت الملائكة في سجودهم کذلك، وقیل أکثر، فهي
أقوال متباينة؛ فاللائق الترجيح لا تعشّف الجمع بتجويز عقلي.
(ثم علّمه اللّه تعالى) بإلهام أو بخلق علم ضروري فيه أو إلقاء في خاطره؛ أو على لسان
ملك، قال القرطبي: وهو جبريل، (أسماء جميع المخلوقات) كلها روى وكيع في تفسيره عن
ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وعلَّم آدم الأسماء كلّها﴾ [البقرة: ٣١]، قال: علّمه اسم كل شىء
حتى القصعة والقصيعة والفسوة والفسية، (ثم أمر) اللَّه (الملائكة بالسجود له،) أي: كلّهم لعموم
اللفظ وعدم المخصص أو ملائكة الأرض أو إبليس ومن كان معه في محاربة الجنّ، فإنه تعالى
أسكنهم الأرض أوّلاً فأفسدوا فيها فبعث لهم إبليس في جند من الملائكة فدمّرهم في الجزائر
والجبال، وظاهر إتيان المصنّف بثم اختيار القول بتراخي الأمر بالسجود عن التعليم وإنبائهم
بالأسماء وإظهار فضله عليهم وإيجاب خدمتهم له بسبب العلم، وظاهر نظم البقرة يدلّ عليه،
وقيل: سجدوا لما نفخ فيه الروح لقوله: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾
[الحجر: ٢٩]، والفاء للتعقيب، والأظهر كما قال ابن عقيل وصاحب الخميس الأول: والفاء
تكون للتعقيب مع التراخي؛ كقوله: ﴿فأزْلَّهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾
[البقرة: ٣٦]، وذلك بعد مدّة. والقول بأنهم سجدوا مرتين للآيتين ردّه النقاش بأنه لم يقل به أحد
وإنما سجدوا مرة واحدة.
(فسجدوا إلا إبليس) أبى (فطرده اللَّه تعالى) عن رحمته، (وأبعده) عن جنَّته (وخزاه) في
الدارين بعدما كان من الملائكة من طائفة يقال لهم الجنّ عند ابن عباس وابن مسعود وغيرهما،
وعزاه القرطبي للجمهور، وصحّحه النووي بأنه لم ينقل أن غيرهم أَمِر بالسجود، والأصل أن

٩٨
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وكان السجود لآدم سجود تعظيم وتحية، لا سجود عبادة، كسجود أخوة
يوسف له، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وآدم كالقبلة.
وروي عن جعفر الصادق
الاستثناء من الجنس ولكن ذهب الأكثرون؛ كما قال عياض: إلى أنه لم يكن منهم طرفة عين
وهو أصل الجنّ، كما أن آدم أصل الإنس وإنما كان من الجنّ الذين ظفر بهم الملائكة فأسره
بعضهم صغيراً، وذهب به إلى السماء؛ فالاستثناء منقطع عياض والاستثناء من غير الجنس شائع في
كلام العرب، قال تعالى: ﴿ما لهم به من علم إلا اتّباع الظنّ﴾ [النساء: ١٥٧]، ورجّحه السيوطي
بأنه الذي دلّت عليه الآثار.
وقول النووي: لم ينقل أمر غيرهم مردود بحكاية ابن عقيل في تفسيره والخميس قولاً بأن
الملائكة وجميع العالم حينئذ أمروا وخصوا بالخطاب دون غيرهم لكونهم الأشرف حينئذ، وكان
من عداهم تبعًا واختلف في كيفية السجود لآدم، فقال الجمهور: هو أمر للملائكة بوضع الجباه
على الأرض؛ كسجود الصلاة، لأنه الظاهر من السجود شرعًا وعرفاً ويدلّ له أية فقعوا له
ساجدين، وعن أَبيّ وابن عباس هو الانحناء لا الخرور على الأرض، أي: كما يفعل في لقاء
العظماء. وقال قوم: إنما هو اللغوي من التذّل والانقياد، فإن اللَّه سخّرهم لآدم وذريته في إنزال
المطر وحفظ آثارهم وكتب أعمالهم والعروج بها إلى السماء.
(وكان السجود لآدم سجود تعظيم وتحيّة) وإظهار الفضلة وطاعة للَّه (لا سجود عبادة؛)
لأنه لا عبادة إلاّ للَّه تعالى، (كسجود أخوة يوسف له))) فإنه ما كان سجود عبادة، (فالمسجود له
في الحقيقة هو اللَّه تعالى،) تفريع على المنفى (وآدم؛ كالقبلة) وهذا ظاهر في أن المراد
الشرعي، ففيه إشارة لمذهب الجمهور، وقال قتادة: كان خدمة للَّه وحرمة لآدم كصلاة الجنازة
عبادة لله ودعاء للميت، وقال الحسن: والأصح أنه كان تحيّة لآدم على الخصوص، ولو كان
عبادة لله وآدم قبله لما تكبر إبليس، انتهى.
وفيه نظر، فقد حكى القرطبي الاتفاق على أنه لم يكن سجود عبادة واللازم ممنوع؛ لأن تكبّره
من حيث أنه لم يكن هو قبله لظنّه فضله عليه وعلى غيره، قال الشعبي: ومعنى ﴿اسجدوا لآدم﴾
[البقرة: ٣٤]، إلى آدم، كما يقال: صلّى للقبلة وردّ بأنه يقال: صلّى إلى القبلة لا لها ودفع بقوله
في عليّ:
أليس أوّل من صلّى لقبلتكم وأعرف الناس بالقرءان والسنن
(وروي عن جعفر الصادق) لقّب به لصدقه في مقاله ابن محمّد الباقر بن عليّ بن
الحسين بن عليّ رضي اللَّه عنهم، كان من سادات أهل البيت ولد سنة ثمانين أو ثلاث وثمانين،

٩٩
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
أنه قال: كان أول من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم
الملائكة المقربون.
وعن أبي الحسن النقاش: أول من سجد إسرافيل، قال: ولذا جوزي بتولية
اللوح المحفوظ.
وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة، قال ابن خلكان وابن قتيبة في أدب الكاتب: وكتاب الجفر جلد
كتبه جعفر الصادق كتب فيه لآل البيت كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم
القيامة، قال الدميري ونسبة الجفر إلى عليّ وهم، والصواب لجعفر الصادق.
(أنه قال: كان أوّل) بالنصب خبر، (من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم
عزرائيل،) ملك الموت القابض لجميع أرواح الجنّ والإنس والبهائم والمخلوقات، خلافًا لقول
المبتدعة إنما يقبض أرواح الجنّ والإنس صرّح به الجزولي في شرح الرسالة، وكأنهم تمسكوا بما
أخرجه أبو الشيخ والعقيلي في الضعفاء، والديلمي عن أنس مرفوعًا: ((آجال البهائم وخشاش
الأرض والقمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلّها والبقر وغير ذلك في التسبيح،
فإذا انقضى تسبيحها قبض اللَّه أرواحها وليس إلى ملك الموت منها شىء))، وهو حديث ضعيف
جدًا، بل قال العقيلي: لا أصل له، وابن الجوزي موضوع ولا حجّة فيه إذ لا حجّة بضعيف، ولا
سيما مع معارضته لعموم القاطع وهو اللَّه يتوفّى الأنفس حين موتها، ولذا لم يلتفت الإمام لملك
إلى ذا الحديث بل احتجّ بالآية لما سأله رجل عن البراغيت: أملك الموت يقبض روحها؟ فأطرق
طويلاً، ثم قال: ألها نفس؟ قال: نعم، قال: فإن ملك الموت يقبض أرواحها، اللَّه يتوفّى الأنفس
حين موتها، أخرجه الخطيب وأيد بما أخرجه الطبراني وابن منده وأبو نعيم أن عزرائيل قال
للنبيّ عَّهِ: واللَّه لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت حتى يأذن اللَّه بقبضها.
(ثم الملائكة المقرّبون) أي: ثم بقية الملائكة ونحوه قول وهب بن منبه أول من سجد
لآدم جبريل، فأكرمه اللَّه بإنزال الوحي على النبيّين خصوصًا على سيّد المرسلين، ثم ميكائيل، ثم
إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم سائر الملائكة. (و)روي (عن أبي الحسن النقاش أن أول من سجد
إسرافيل.) وهذا رواه ابن أبي حاتم عن ضمرة والسلفي عن عمر بن عبد العزيز، (قال: ولذا) أي:
لكونه أول من سجد (جوزي) أي: جازاه الله، (بتولية اللوح المحفوظ،) بأن جعل مطلعًا عليه
ومتصرّفاً فيه بنقل ما فيه مثلاً إلى الملائكة، وقيل: رفع رأسه وقد ظهر القرءان كله مكتوبًا على
جبهته كرامة له على سبقه فهذا يعارض ما روي عن جعفر، وجمع شيخنا بأن أوّل من سجد
بالفعل إسرافيل، وأوّل من سجد بامتثال الأمر جبريل، قال: ولعلّ الحكمة في عدم سجودهم دفعة
واحدة أن الساجد أوّلاً فهم بالإشارة أنه المخاطب به أوّلاً، وفي الجمع وقفة.

١٠٠
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وعن ابن عباس: كان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر.
ثم خلق الله تعالى له حواء زوجته من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو نائم،
وسميت حواء لأنها خلقت من حى، فلما استيقظ ورآها سكن إليها،
(وعن ابن عباس: كان) زمن (السجود) لآدم (يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر،) لو
فرض من أيام الدنيا فلا يشكل بخبر أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة المقدّر بألف سنة،
(ثم خلق اللَّه تعالى له حوّاء) بفتح الحاء وشدّ الواو والمد (زوجته،) كذا في نسخ بالهاء على
لغة قليلة حكاها الفراء، وشاهدها قول عمار بن ياسر عند البخاري: والله إني لأعلم أنها زوجته
في الدنيا والآخرة - يعني عائشة -، وقول الفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
أي: يطلب بولها، وقيل: يأخذ أولادها، والكثير وهو لغة القرءان زوج بلا هاء، حتى قال
الأصمعي: لا تكاد العرب تقول زوجة. (من ضلع) بكسر المعجمة وفتح اللام وتسكن مذكر،
وقيل: مؤنث، وقيل: يذكّر ويؤنّث. (من أضلاعه اليسرى،) قال في الفتح: أي: أُخرجت منه
كما تخرج النخلة من النواة، وجعل مكانه لحم، وقاله القرطبي: يحتمل أن معناه أنها خلقت من
ضلع فهو كالضلع، أي: عوجاء، (وهو نائم) لم يشعر بذلك ولا تألم، والألم يعطف رجل على
امرأته، قال القرطبي وغيره. (وسمّيت حوّاء؛ لأنها خلقت من حيّء) وفي القرطبي: أوّل من
سمّاها آدم لما انتبه قيل: من هذه؟ قال: إمرأة، قيل: وما اسمها؟ قال: حواء، قيل: ولم سمّيت
امرأة؟ قال: لأنها من المرء أخذت، قيل: ولِمَ سمّيت حوّاء؟ قال: لأنها خلقت من حيّ. وروي:
أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرّب علمه.
وفي الفتح: قيل سمّيت حواء بالمد لأنها أُمّ كل شىء. (فلما استيقظ ورآها سكن)
اطمأنّ ومال (إليها،) بإلهام اللَّه تعالى، واختلف في أنها خلقت في الجنَّة، فقال ابن إسحق:
خلقت قبل دخول آدم الجنَّة لقوله تعالى: ﴿آسكن أنت وزوجك الجنَّة﴾ [البقرة: ٣٥]، روي عن
ابن عباس وقطع به السيوطي في التوشيح: وقيل: بل خلقت في الجنَّة بعد دخول آدم؛ لأنه لمّا
أسكن الجنَّة مشى فيها مستوحشًا، فلما نام خلقت من ضلعه القصرى من شقّه الأيسر ليسكن
إليها ويأنس بها، فلما انتبه رآها، قال: من أنت؟ قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إليّ
وأسكن إليك، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهم من الصحابة، واقتصر عليه القرطبي والخازن.
قال ابن عقيل: ونسب لأكثر المفسّرين، وعلى هذا قيل: قال اللَّه: ﴿أسكن أنت وزوجك
الجنَّة﴾ [البقرة: ٣٥]، بعد خلقها وهما في الجنَّة، وقيل: قبل خلقها وتوجّه الخطاب للمعدوم
لوجوده في علم الله، انتھی.