Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
محتوی الکتاب/المقصد الاول
ونشره منشور رسالته في مجلس مؤانسته، وكتبه توقیع عنايته في حظائر قدس
كرامته، وطهارة نسبه وبراهين أعلام آيات حمله وولادته ورضاعه وحضانته، ودقائق
حقائق بعثته وهجرته، ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه وسيرته، مرتبًا على
السنين من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته عليه وعلى آله
أبدي وهو الحق سبحانه وتعالى، ولا أزلي ولا أبدي وهو الدنيا، وأبدي غير أزلي وهو الآخرة،
وعكسه محال، إذ ما ثبت قدمه استحال عدمه، انتھی.
(ونشره) بوزن نصر مصدر نشر، أي: إظهاره (منشور رسالته،) أي: أثرها من الأحكام التي
هي حياة للعالم، وبهذا التفسير لا يرد أن نشر المنشور من تحصيل الحاصل أو يراد بالمنشور ما من
شأنه أن ينشر، فنشره عبارة عن إخراجه من القوّة إلى الفعل، (في مجلس مؤانسته،) أي: مقام رحمته
لعباده في الملأ الأعلى، بجعلهم آمنين غير مستوحشين، فالمراد لازم المؤانسة وبالمجلس أيضًا
لازمه، وهو مطلق الوجود لتعاليه سبحانه عن الحسي وهو موضع الجلوس، جمعه مجالس ويطلق
على أهله مجازًا تسمية للحال باسم المحل، (وكتبه) أي: إثباته، (توقيع) تعلّق (عنايته،) ومنه
قولهم مواقع الغيث مساقطه (في حظائر قدس كرامته،) أي: مواضع طهارته، (وطهارة نسبه) عمّا
كان في الجاهلية من نحو السفاح (وبراهين) حجج (أعلام آيات) إضافة بيانية (حمله وولادته)
وضعه (ورضاعه) بفتح الراء كرضاعة مصدر أرضع يرضع بفتحتين لغة، كما في المصباح. قال:
ولغة نجد رضع رضعًا من باب تعب، ولغة تهامة من باب ضرب، وأهل مكة يتكلّمون بها.
(وحضانته ودقائق حقائق بعثته وهجرته) من مكّة إلى طابة بكسر الهاء لغة، مفارقة بلد إلى
غيره فإن كانت قربة للَّه فهي الشرعية، كما وقع لكثير من الأنبياء. (ولطائف معارف مغازيه) جمع
مغزاة (وسراياه) جمع سرية وتجمع أيضًا على سريّات؛ كعطية وعطايا وعطيات، وهي قطعة من
الجيش تخرج منه وتعود إليه. (وبعوثه) جمع بعث تسمية بالمصدر، وهو الجيش، كما في
القاموس وغيره. وفي كلام المصنّف الآتي أنه ما افترق من السرية.
(وسيرته،) أي: طريقته وهيئته لا ما اصطلح عليه لكونه قدمه حال كوني. (مرتبًا) بالكسر
اسم فاعل أو حال كونه مرتّبًا بالفتح اسم مفعول أو هو مفعول ثان لجعل مقدرة، أي: وجعلته
مرتّبًا (على السنين،) فيقدّم ما وقع في الأولى ثم الثانية وهكذا، وإن كان الأنسب ذكره من
حيث ما ينضم إليه في غيره - وهذا أغلبي - لذكره كفاية المستهزئين بعد الأمر بالصدع، لمناسبة
كون آيته بعد تلك الآية، وإن كان غيره إنما ذكره قبل انشقاق القمر وكذكره بعض ما وقع
للمسلمين من أذى الكفار بعد إسلام حمزة وبعث المشركين إلى اليهود، (من حين نشأته) أي:
وجوده، (إلى وقت) زمن (وفاته))) أي: موته، (ونقلته) تحوّله (لرياض روضته عَّ وعلى آله

٤٢
محتوى الكتاب/المقصد الثاني
وأزواجه وأصحابه.
المقصد الثاني:
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال أخلاقه المنيفة، وأولاده الكرام
الطاهرين وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وأعمامه وعماته، واخوته من
الرضاعة، وجداته ومخدمه ومواليه وحرسه، وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في
الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام،
وأزواجه) جمع زوج على اللغة العالية التي جاء بها القرءان، نحو: ﴿اسكن أنت وزوجك الجنَّة﴾
[البقرة: ٣٥ الأعراف: ١٩]، وبالهاء لغة نجدية تكلّم بها أهل الحرم، قاله أبو حاتم وغيره، وجمعها
زوجات، وقول ابن السكيت: أهل الحجاز بلا هاء، وباقي العرب بالهاء فيه نظر، فقد قال
الأصمعي: لا تكاد العرب تقول زوجة. (وأصحابه) كذا في النسخ، والمناسب للسجع وصحابته.
(المقصد الثاني: في ذكر أسمائه،) في الفصل الأول منه (الشريفة) مع شرح بعضها
(المنبئة) صفة لازمة بين بها دلالة جميعها (على) وفي نسخة عن (كمال أخلاقه:) سجاياه،
(المنيفة:) الزائدة في الكمال على غيرها من قولهم أنافت الدراهم على المائة زادت، ووجه
إثباتها من الأسماء التي هي صفات أن أريد بها معنى الوصفية، كالمزمل والمتوكّل ظاهر، وأما
الأعلام المنقولة كمحمّد فباعتبار المعنى اللغوي لا سيّما وقد لوحظ ذلك في الوضع، إذ جعل
سبب التسمية أو باعتبار أنه يفهم ذلك المعنى منها عند الاستعمال، بالنظر لخصوص أسماء
المصطفى، وإن كانت الأعلام بحسب الوضع إنما تدلّ على مجرد الذات.
(و)الفصل الثاني في ذكر (أولاده الكرام الطاهرين) صفتان كاشفتان (وأزواجه الطاهرات
أُمّهات المؤمنين) مع بيان هل يقال لهنّ أَمّهات المؤمنات وهو الفصل الثالث، وفيه ذكر سراريه
أيضًا، (وأعمامه) جمع عمّ (وعمّاته) جمع عمّة (وإخوته) آثر جمع المذكر تغليبًا؛ كما في قوله:
وإن كان له أخوة، إذ المراد ما يشمل الإناث، كما يأتي في كلامه. (من الرضاعة) قيد لبيان
الواقع إذ ليس له أخ ولا أخت من النسب، وقد قال الواقدي: المعروف عندنا وعند أهل العلم أن
آمنة وعبد اللَّه لم يلدا غير رسول اللَّه عَل، انتهى.
(وجدّاته) وهو الفصل الرابع، (وخدمه:) جمع خادم، غلامًا كان أو جارية وبالهاء فيها
قليل، (ومواليه وحرسه) وهو الفصل الخامس، (وكتابه:) جمع كاتب، (وكتبه إلى أهل الإسلام
في الشرائع) ، جمع شريعة سمّيت باسم الشريعة، وهي مورد الناس للإستقاء لوضوحها
وظهورها، (والأحكام ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام) وهو الفصل السادس وفيه ذكر

٤٣
محتوى الكتاب/المقصد الثالث
ومؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه، وآلات حروبه، ودوابه، والوافدين إليه عَ لّه وفيه
عشرة فصول.
المقصد الثالث:
فيما فضله الله تعالى به من كمال خلقته، وجمال صورته، وكرمه به من
الأخلاق الزكية وشرفه به من الأوصاف المرضية، وما تدعو ضرورة حياته إليه عَيْهِ،
وفيه ثلاثة فصول.
أمرائه ورسله. (و)في ذكر (مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه) وهو الفصل السابع، (وآلات حروبه)
جمع آلة وهو الفصل الثامن. (و)في ذكر (دوابه) وهو التاسع، (والوافدين إليه عَّدٍ) وهو الفصل
العاشر، (وفيه عشرة فصول) قد علمتها واسترحت من الكشف.
(المقصد الثالث: فيما فضّله اللَّه تعالى به)، أي: في صفات صيّره بها أفضل من غيره،
من فضل مخفّفًا على غيره زاد. (من كمال خلقته) ، إيجاد أجزاء بدنه تامّة معتدلة المقادير،
(وجمال صورته) أي: حسنها الظاهر في جسده بتناسب أعضائه وصفاء لونه واعتدال قدّه، وقيل:
المراد حسن وجهه وحسن الصورة أمر محمود يدلّ على حسن السريرة ويمدح به كمل الرجال،
ولذا خطأ الآمدي من اعترض على أبي تمام في وصف ممدوحه بالجمال؛ لأنه يليق بالغزل لما
ذكر، فقال في كتاب الموازنة: جمال الوجه وحسنه مما يتمدح به، لأنه يتميّز به ويدلّ على
الخصال الممدوحة ويزيد في الهيبة، والدمامة يذم بها لعكس ذلك، وقد غلط فيه من توهم أنه
لا يدخل في مدح العظماء، انتهى. وهذا هو الفصل الأول.
(و) الثاني: فيما (كرمه) أي: عظمه وميزه على غيره، (سبحانه به من الأخلاق الزكية) جمع
خلق وهو الوصف الذي طبع عليه واكتسبه وجمعه بناء على تعدّده، كما صار إليه كثيرون، أو
باعتبار ما ينشأ عنه من حميد الأوصاف، (وشرفه) أعلاه، (به) على غيره في الكتاب العزيز وغيره،
(من الأوصاف المرضيّة) القائمة به مساوٍ في المعنى لما قبله.
(و) الفصل الثالث في (ما تدعو ضرورة حياته إليه) متعلّق بتدعو أو بضرورة أو بهما على
التنازع، والضرورة شدّة الاحتياج باعتبار العادة البشرية، وفي عبارة لطف لإيمائه إلى أنه ليس
مضطرًّا إليه كغيره، وإنما الضرورة هي التي دعته وطلبته، كما قال البوصيري:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
(ُّ، وفيه ثلاثة فصول:) علمت.

٤٤
محتوى الكتاب/المقصد الرابع والخامس
المقصد الرابع:
في معجزاته الدالة على ثبوت نبوته وصدق رسالته وما خص به من
خصائص آياته وبدائع كراماته. وفيه فصلان.
المقصد الخامس:
في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بلطائف المعراج والإسراء، وتعميما
بعموم لطائف التكريم في حضرة التقريب
(المقدمة الرابعة في معجزاته الدالّة على ثبوت نبوّته،) صفة لازمة لا مخصصة؛ لأن
معجزاته كلها دالَّة على الثبوت، (وصدق رسالته) أي: قوتها، في القاموس الصدق بالكسر -
الشدّة فهو مساوٍ للثبوت فغاير تفننا، أو المراد صدقه في ادّعاء الرسالة وهذا الفصل الأول،
(و)الثاني في (ما خصّ به) أي: ثبت له دون غيره من الأنبياء أو أُممهم وهو عطف على معجزاته
عطف عام على خاص، (من خصائص آياته) من إضافة الصفة للموصوف، أي: آياته الخاصة به
أي: الفاضلة في الشرف على غيرها فلا يرد أن شرط المبين أن يزيد على المبين اسم مفعول،
(وبدائع كراماته) أي: كراماته البديعة التي تفرّد بها من بين المكرمات فالصفة مضافة لموصوفها،
والمكرمات أمر أكرم اللَّه به من اصطفاه من عباده المتقين بدون تخدّ ودعوى نبوّة، فتكون للنبيّ
والولي، وأعمّ من المعجزة لاشتراط مقارنة النبوة والتحدي بالقوة أو بالفعل، فخرج بقولهم أكرم
الخ السحر وما يصدر عن الكهنة والشياطين. (وفيه فصلان،) علما.
(المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بلطائف،) وفي نسخة بخصائص
والتخصيص، قال الراغب: تفرد بعض الشىء بما لا تشاركه فيه الجملة. والأصوليون، قصر العام
على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن به وحمله عليه شيخنا، فقال: أي قصره عليها يعني قصرًا
إضافيًّا دون غيره من الأنبياء فلا يشكل عليه بكثرة المعجزات، فالصواب التعبير بقصرها عليه لأن
يجعله إضافةً، بساوي ذلك (المعراج) بكسر الميم وتفتح، المصعد مفعال من العروج، (والإسراء،)
قال الحافظ الدمياطي الإسراء عبارة عن سيره علّ له من مكة للمسجد الأقصى، والمعراج سلم من
نور أو من جوهر تصعد فيه الأرواح إلى السماء ويطلق كل منهما على ما يشمل الآخر (وتعميمه)
تسويده من عمم الرجل بالبناء للمفعول سود، أي: جعل سيّدًا لأن العمائم تيجان العرب، كما
في الصحاح، وهو ظ حديث مرفوع أخرجه الديلمي عن ابن عباس، والقضاعي عن علي
بزيادة: والاحتباء حيطانها، وجلوس المؤمن في المسجد رباطه، وهو ضعيف.
وفي نسخة: تكريمه، (بعموم) أي: كثرة (لطائف الكريم في حضرة التقريب) هي عند

٤٥
محتوى الكتاب/المقصد السادس
بالمكالمة والمشاهدة والآيات الكبرى.
المقصد السادس:
فيما ورد في آي التنزيل من عظم قدره، ورفعة ذكره، وشهادته تعالى له
بصدق نبوته، وثبوت بعثته، وقَسمه تعالى على تحقيق رسالته، وعلو منصبه الجليل
ومکانته، ووجوب طاعته واتباع سنته،
الصوفية مقام للكامل المكمل بغير واسطة بشر، وهو النبيّ يأخذ عن الحق ما به يحصل كمال
الحق المخلوق، كما في لطائف الكاشي. (بالمكالمة والمشاهدة) للَّه سبحانه على القول بأنه
رآه وهما من أعظم الآيات، فعطفه (والآيات الكبرى) عام على خاص، وأتى بهذا لئلا يتوهم غبي
أن المراد القرب المكاني.
(المقصد السادس: فيما ورد في آي التنزيل) القرءان، جمع آية، وهي ألفاظ منه ذات
مقطع ومبدأ مندرجة في سورة، (من عظم قدره) أي: مقداره وشرف رتبته وتكون بمعنى التعظيم،
كما في قوله: ﴿وما قدَروا اللَّه حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١]، أي: عظّموه حق تعظيمه في أحد
الوجوه فيه (ورفعة) بكسر الراء آخره تاء تأنيث مضاف إلى (ذكره) وإن قرىء رفع بفتح الراء،
والضمير للتنزيل فذكره بالنصب (وشهادته تعالى) عمّا لا يليق بعلى كماله (له بصدق نبوّته)
والشهادة خبر قاطع، كما في القاموس.
(وثبوت بعثته. وقسمه) بفتحتين (تعالى على تحقيق رسالته وعلوّ منصبه) بفتح الميم
وكسر الصاد المهملة في كلام العرب، بمعنى: الحسب والشرف، كما ذكره اللغويون واستفاض
في كلام الفصحاء، وفي المصباح يقال له منصب وزان مسجد، أي: علوّ ورفعة، وفلان له
منصب صدق يراد به المنبت والمّخْتِد، وامرأة ذات منصب، انتهى. وأمّا المنصب بمعنى
الولايات ففي النسيم أنه مولد لم يرد في كلامهم أصلاً؛ كقوله:
نصب المنصب أوهى جلدي وعنائي من مداراة السفل
فكأنه للنصب فيه للنظر في الأمور، أو هو من النصب والحيلة وكذا إطلاقه على ما يوضع
عليه القدر مولد. (الجليل) العظيم (ومكانته) عظمته عنده من قولهم كما في المصباح: مكن
فلان عند السلطان مكانة، وزان ضخم ضخامة، عظم عنده وارتفع فهو مكين، انتهى. أو استقامته،
يقال الناس على مكانتهم، أي: على استقامتهم كما في المختار، وفي النسيم: المكان معروف،
فإذا زيد فيه الهاء أريد به المرتبة المعنوية؛ كالمنزل والمنزلة. (ووجوب طاعته واتّباع سنّته)

٤٦
محتوى الكتاب/المقصد السابع
وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلاً ومنة إن أدركوه ليؤمنن به
ولينصرنه، والتنويه به في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل، بأنه صاحب الرسالة
والتبجيل. وفيه عشرة أنواع.
المقصد السابع:
في وجوب محبته واتباع سنته، والاهتداء بهديه وطريقته، وفرض محبة آله
وأصحابه، وقرابته وعترته،
طريقته (وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيّين فضلاً منه إن أدركوه ليؤمنن به ولينصرنه
والتنويه به) بالجرّ، أي: بذكره، يقال: ناه بالشىء نوهًا من باب قال ونوّه به تنويهًا رفع ذكره
وعظمه، وفي حديث عمر: أنا أوّل من نوّه بالعرب، أي: رفع ذكرهم بالديوان والإعطاء، كما في
المصباح. (في الكتب السالفة) الماضية؛ (كالتوراة والإنجيل.) قيل: مشتقّان من الورى والنجل،
ووزنهما تفعلة وأفعيل ورد بأنه تعسّف لأنهما أعجميّان، ويؤيّده أنه قريء الإنجيل بفتح الهمزة،
وهو ليس من أبنية العرب.
(بأنه صاحب الرسالة) العامة على وجه لم يوجد لغيره، (والتبجيل) التعظيم والتوقير، (وفيه
عشرة أنواع) الأول: في آيات تتضمن عظم قدره إلى آخره، والثاني: في أخذ اللَّه له الميثاق
على النبيّين فضلاً، والثالث: في وصفه له بالشهادة، وشهادته له بالرسالة، والرابع: في التنويه به
في الكتب السالفة، والخامس: في أقسامه على تحقيق رسالته وفيه خمسة فصول، والسادس:
في وصفه له بالنور والسراج المنير، والسابع: في وجوب طاعته، والثامن: فيما يتضمّن الأدب
معه، والتاسع: في ردّه تعالى على عدوّه، والعاشر: في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
متشابهات. وهذا وإن لم يكن شيئًا، ففيه إراحة للخاطر ولئلا يتوهم أنه على نسق ما قبله وعبر
هنا، وفي التاسع بأنواع تفتنا إذ المراد من الأنواع والفصول واحد.
(المقصد السابع: في وجوب محبته، و)وجوب (اتّباع سنّته، و) وجوب (الاهتداء بهديه)
ومعنى الوجوب اعتقاد حقيّة ما أمر به عن اللَّه تعالى، وأمّا مباشرة الفعل فتختلف في الوجوب
والندب والإباحة، ولا يشكل بأن المندوب يجب بالنذر لأمره عَّ له بالوفاء بالنذر؛ كالقرءان فهو
من سنّته وهديه، (وطريقته) وهذا هو الفصل الأول (وفرض محبّة آله وأصحابه وقرابته وعترته)
بكسر العين وسكون الفوقية، أي: نسله.
قال الأزهري: وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن العترة ولد الرجل وذريّته وعقبه من صلبه.
ولا تعرف العرب من العترة غير ذلك، ويقال: رهطه الأدنون، ويقال: أقرباؤه، ومنه قول أبي بكر:

٤٧
محتوى الكتاب/المقصد الثامن والتاسع
وحكم الصلاة والتسليم عليه، زاده الله فضلاً وشرفًا لديه. وفيه ثلاثة فصول.
المقصد الثامن:
في طبه عَُّلِّ لذوي الأمراض والعاهات، وتعبيره الرؤيا، وإنبائه بالأنباء
المغيبات. وفيه ثلاثة فصول.
المقصد التاسع:
في لطيفة من حقائق عباداته، ويشتمل على سبعة أنواع.
نحن عترة رسول اللَّه التي خرج منها، وبيضته التي تفقأت عنه.
وعليه قول ابن السكيت: العترة والرهط بمعنى، ورهط الرجل قومه وقبيلته الأقربون، وكأنه
ذكر فرض للاهتمام بطول الفصل، وغاير في التعبير فلم يقل وجوب تفننًا؛ لأنهما بمعنى عند
الأكثرين، ولا يصح حمله هنا على مذهب الفارقين، لأن المقام يأباه، إذ يصير معناه محبة
المصطفى بدليل ظنّي، وآله وما عطف عليه بدليل قطعي وهذا الفصل الثالث باللام، (و)الفصل
الثاني بالنون في (حكم الصلاة والتسليم عليه) فرضية وسنية وفضيلة وصفة ومحلاً (زاده اللَّه
فضلاً وشرفًا لديه) عنده، (وفيه ثلاثة فصول).
(المقصد الثامن: في طبّه عَّ لذوي الأمراض،) جمع مرض، وهو كما في المصباح
حالة خارجة عن الطبع، ضارّة بالفعل، ويعلم من هذا أن الآلام والأورام أعراض عن المرض. وقال
ابن فارس: المرض كل ما خرج به الإنسان عن حدّ الصحة من عّة أو نفاق أو تقصير في أمر.
(والعاهات،) جمع عاهة في تقدير فعلة - بفتح العين - أو الآفات، وهذا الفصل الأول.
(و)الثاني في (تعبيره) تفعيل من عبرت الرؤيا مشدّدًا للمبالغة وأنكرها الأكثرون، وقالوا الوارد
التخفيف؛ كما في قوله: ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ [يوسف: ٤٣]، لكن أثبتها الزمخشري اعتمادًا
على بيت أنشده المبرد في الكامل، حيث قال:
رأيت رؤيا ثم عبرتها وكنت للأحلام عبارا
أي: تفسيره (الرؤيا) بوزن فعلى، وقد تسهّل الهمزة، ما يراه الشخص في منامه، (و)الفصل
الثالث في (إنبائه بالأنباء) إخبار الأخبار (المغيبات) يإلهام أو وحي، (وفيه ثلاثة فصول).
(المقصد التاسع: في لطيفة) من لطف بالضم صغر جسمه لا بالفتح إذا رفق (من حقائق
عباداته ويشتمل على سبعة أنواع) الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والاعتكاف والحجّ، والسابع
نبذة من أدعيته وذكره وقراءته.

٤٨
محتوى الكتاب/المقصد العاشر
المقصد العاشر:
في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إليه، وزيارة قبره الشريف، ومسجده
المنيف، وتفضيله في الآخرة بفضائل الأوليات الجامعة المزايا التكريم، والدرجات
العليات، وتشريفه بخصائص الزلفى في مشاهد الأنبياء والمرسلين، وتحميده
بالشفاعة والمقام المحمود، وانفراده السؤود في مجمع مجامع الأولين والآخرين،
وترقيه في جنة عدن أرقى معارج السعادة، وتعاليه في يوم المزيد أعلى معالي
(المقصد العاشر: في إتمامه تعالى نعمته عليه،) قال الإمام الرازي: النعمة - المنفعة على
جهة الإحسان إلى الغير، فخرج بالمنفعة المضرّة المحضة والمنفعة المفعولة لا على جهة
الإِحسان إلى الغير، كأن قصد الفاعل نفسه كمن أحسن إلى جاريته ليربح فيها، أو أراد استدراجه
بمحبوب إلى ألم أو أطعم غيره نحو سكر أو خبيص مسموم ليهلك فليس بنعمة. وقال الراغب:
النعمة ما قصد به الإحسان والنفع، (بوفاته) موته وأصله من توفيت الشىء إذا أخذته كله، قاله أبو
البقاء.
(ونقلته إليه) وهو الفصل الأول (و)الثاني في (زيارة قبره،) هو مقرّ الميت، وهو في
الأصل مصدر قبرته إذا دفنته، وهو هنا بمعنى المقبور فيه، كما في التوقيف. (الشريف) شرفًا ما
ناله غيره بحيث صار أفضل البقاع إجماعًا، (ومسجده المنيف) المرتفع في الشرف على غيره،
حتى المسجد الحرام أو إلا المسجد الحرام على القولين، (و)الفصل الثالث في (تفضيله في
الآخرة بفضائل الأوليات،) أي: بالأمور التي يتقدم وصفه بها على جميع الخلق، ككونه أول من
تنشق عنه الأرض، وأوّل شافع، وأول من يقرع باب الجنّة (الجامعة لمزايا) فضائل (التكريم
والدرجات) جمع درجة، أي: المراتب، (العليات وتشريفه بخصائص الزلفى) فعلى من أزلف،
أي: القربى، (في مشاهد الأنبياء والمرسلين وتحميده بالشفاعة) العظمى العامة، (والمقام
المحمود) وهو مقام يقوم فيه الشفاعة العظمى فيحمده فيه الأولون والآخرون، ولا شكّ أنه
مغاير للشفاعة وإن احتوى عليها على كلام فيه مبين.
(وانفراده بالسؤدد) بالضم المجد والشرف (في مجمع) بكسر الميم وفتحها، وجمعه
(مجامع) يطلق على الجمع وعلى موضع الاجتماع، كما في المصباح. (الأولين والآخرين
وترقيه في جنة عدن،) إقامة (أرقى معارج) جمع معرج ومعراج، كما مرّ. (السعادة) وهي كما
في التوقيف معاونة الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخير ويضادّها الشقاوة، (وتعاليه في يوم المزيد)
وهو يوم الجمعة في الجنة، كما في مسند الشافعي عن المصطفى عن جبريل (أعلى معالي

٤٩
محتوى الكتاب/المقصد العاشر
الحسنى وزيادة. وفيه ثلاثة فصول.
والله تعالى جل جده وعز مجده أسأل بوجاهة وجهه الوجيه ونبيه النبيه أن
يمدني في هذا الكتاب بمدد الإقبال والقبول، وينيلني ومن كتبه أو قرأه أو سمعه
والمسلمين من لطائف العواطف المحمدية لطائف السؤل، ونهاية المأمول، وعلى
الله قصد السبيل وهو حسبنا.
(الحسنى وزيادة).
قال الراغب: الزيادة أن ينضم إلى ما عليه الشىء في نفسه شىء آخر، وقد تكون زيادة
مذمومة كالزيادة على الكفاية، كزائد الأصابع، أو قوائم الدابة، وقد تكون محمودة نحو للذين
أحسنوا الحسنى وزيادة وهي النظر إلى وجه الله.
(وفيه ثلاثة فصول) قد علمتها (واللَّه تعالى جلّ جده) بفتح الجيم وشدّ الدال تكون
بمعنى الحظ والغنى ومنه، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، يقال جد بمعنى عظم، وإسناد التعالي
للمبالغة، كجد جده فهو إسناد مجازي أو استعارة مكنية. (وعزّ) غلب (مجده) المجد: العزّ
والشرف، ففي إسناد العز له المبالغة واللَّه بالنصب قدم على عامله للتخصيص عند البيانيين،
والحصر عند النحاة، أي: واللَّه لا غيره.
(أسأل بوجاهة) هي الحظّ والرتبة (وجهه الوجيه))) قال بعض العلماء: وجه اللَّه مجاز عن ذاته
عزّ وجلّ. تقول العرب: أكرم الله وجهك بمعنى. وفي التوقيف: الوجيه من فيه خصال حميدة من شأنه
أن يعرف ولا ينكر، (ونبيه النبيه) الشريف في المصباح، نبه بالضم نباهة شرف، فهو نبيه، (أن
يمدني) يعينني (في هذا الكتاب بمدد) بزيادة (الإقبال والقبول) بفتح القاف وضتها لغة حكاها
ابن الأعرابي، وهو كما في التوقيف ترتب الغرض المطلوب من الشىء على الشىء.
(وينيلني) يبلغني، (ومن كتبه أو قرأه أو سمعه والمسلمين) وإن لم يقع منهم ذلك (من
لطائف العواطف المحمديّة لطائف السول ونهاية المأمول،) قال أبو البقاء: النهاية ما به يصير
الشىء ذا كمية، أي: حيث لا يوجد وراءه شىء منه. وقيل: نهاية الشىء آخره أصلاً من النهي
وهو المنع، والشىء إن بلغ آخره امتنع من الزيادة، فإن قيل: قد قال عَِّ: ((لا يسئل بوجه اللّه إلا
الجنّة)) رواه أبو داود، وقال: ((ملعون من سأل بوجه اللَّه))، رواه الطبراني.
قلت: لما كان ما سأله يرجع إلى سؤال الجنّة ساغ له ذلك، وقد استظهر أن النهي للتنزيه
(وعلى اللَّه قصد السبيل) بيان مستقيم الطريق الموصل إلى الحقّ، أو إقامة السبيل وتعديلها
رحمةً وفضلاً، (وهو حسبنا) محسبنا وكافينا من أحسبه إذا كفاه، ويدلّ على أنه بمعنى المحسب

٥٠
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ونعم الوكيل.
المقصد الأول
في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام بسبق نبوته في سابق أزليته،
أنه لا يستفيد بالإضافة تعريفًا في قولك هذا رجل حسبك، (ونعم الوكيل) ونعم الموكول إليه
هو، ذكره في الأنوار، وهذا اقتباس، وهو جائز عند المالكية والشافعية باتّفاق، غير أنهم كرهوه
في الشعر خاصة هكذا.
حكى اتفاق المذهبين الشيخ داود الشاذلي الباهلي وقد نصّ على جواز القاضي عياض
وابن عبد البرّ وابن رشيق والباقلاني وهم من أجلّة المالكية، والنووي شيخ الشافعية، ورواه
الخطيب البغدادي وغيره بالإسناد إلى الإمام لملك أنه كان يستعمله.
قال السيوطي: وهذه أكبر حجة على من يزعم أن مذهب لملك تحريمه، وقد نفى الخلاف
في مذهبه الشيخ داود وهو أعرف بمذهبه، وأمّا مذهبنا فأنا أعرف أن أئمّته مجمعون على جوازه
والأحاديث الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تشهد لهم، فمن نسب إلى مذهبنا تحريمه
فقد فسر وأبان عن أنه أجهل الجاهلين، انتهى. وهذا منه يقضى بغلطه فيما أورده في عقود
الجمان.
المقصد الأول
اعلم: أن في أسماء الكتب وألفاظ التراجم احتمالات أقربها أن المراد بها الألفاظ
والمعروف أنها ظروف وقوالب للمعاني، فإذا عكس كما هنا فهو بتقدير مضاف، أي: (في)
بيان (تشريف اللّه تعالى له عليه الصلاة والسلام،) وبيان بمعنى مبين، أي: ما من شأنه أن يبين
به، ولا شكّ أن ما ذكره بعض ما يمكن به البيان، فهو من ظرفية الكل لجزئه ويجوز أنه استعارة
أو تشبيه للمعاني بالظروف، بجامع أن الألفاظ لا تزيد المظروف على ظرفه المشتمل عليه، أو -
في - بمعنى على والتقدير هذه ألفاظ مخصوصة دالّة على تشريف، أو بمعنى اللام والمراد بكونه
فيه: أنه مقصود منه فلا ينافي ذكر غيره بطريق التبع، (بسبق) تقدّم (نبوّته) وذلك السبق موجود
(في سابق أزليته،) أي: ما هو عليه قبل خلق الأشياء، فلا يقال السبق لا يكون مظروفًا في
السبق، أو جعل الأزلية ظرفًا يستدعي عدم مسبوق تقدم نبوّته بالأولية. فيلزم أن لا أول لتقدم
نبوّته، كما أنه لا أول للأزلي، كذا قال شيخنا قال في المجمل: الأزل: القدم، يقال: هو أزلي،
والكلمة ليست بمشهورة في كلام العرب، وأحسب أنهم قالوا في القديم: لم يزل ثم نسب إليه،
فلم يستقم إلا باختصار، فقالوا: يزلي ثم أبدلوا الياء ألفًا، وقيل: الأزل اسم لما يضيق القلب عن

٥١
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ونشره منشور رسالته في مجلس مؤانسته، وكتبه توقيع عنايته في حظائر قدس
كرامته.
وطهارة نسبه. وبراهين أعلام آيات حمله وولادته. ورضاعه وحضانته. ودقائق
حقائق بعثته. وهجرته. ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه. وسيرته.
مرتبًا على السنين من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته.
اعلم ياذا العقل
بدايته من الأزل وهو الضيق فهمزته أصلية.
(ونشره:) إظهاره وإذاعته (منشور رسالته في مجلس مؤانسته)،) أي اللّه سبحانه أو
النبيّ علَّةٍ (وكتبه) اثباته (توقيع) تعلق (عنايته في حظائر قدس كرامته) أي: في المواضع التي
تظهر فيها كرامته المنزهة عن النقائص، ككتبها على كل موضع في الجنَّة وعلى نحور العين، وساق
العرش كما يجىء، (وطهارة نسبه) نزاهته عن دنس الجاهلية وسفاف الأمور تعاطيه الهمم العلية
(وبراهين:) جمع برهان وهو الدليل القوي الذي يحصل به اليقين لا المنطقى لمياوانيا، وإن شمله
(أعلام آيات) إضافة بيانية، أي: براهين الأعلام التي هي آيات دالَّة على (حمله))) وإضافة براهين
إلى أعلام حقيقة، أي: البراهين الدالّة على أن ما أدركته أمة من الآيات، هي أمارات على الحمل
حقيقة (وولادته ورضاعه وحضانته ودقائق حقائق بعثته،) أراد بها ما لا يفهم أنه من آثار الرسالة إلا
بعد النظر الدقيق كرؤية الملك في ابتداء الوحي، فإنه إنما يدلّ على ذلك بعد التأمل وإمعان النظر فيه.
(وهجرته) هي في اللغة: الترك، ثم خصّت بترك مكان لا آخر، وغالب الأنبياء وقع لهم
الهجرة لعداوة الناس لهم، (ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه وسيرته) هيئته وحالته وطريقته،
لا ما غلب في لسان الفقهاء من أنها المغازي لكونه قدمها (مرتّبًا على السنين) غالبًا، (من حين
نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته).
(اعلم) أمر من العلم يصدر به ما يعتني به من الكلام تقوية وتأكيدًا وحثًّا على إلقاء البال
لما بعده، تنبيهًا على أنه مما ينبغي أن يعلم ولا يترك. وقد ورد في القرءان وكلام العرب كقوله:
﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩]، اعلموا ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ [محمد: ٣٦]،
ولذا التزم بعده في الغالب أن المؤكدة؛ كقوله:
فاعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا
(يا ذا العقل) ، مشتقٌ من العقل بمعنى المنع، ومنه العقال لمنعه الإنسان عما لا يليق. ولذا
تطرّف في التلميح لأصله القائل:

٥٢
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
السليم، والمتصف بأوصاف الكمال والتتميم - وفقني الله وإياك بالهداية إلى
الصراط المستقيم -
قد عقلنا والعقل أي وثاق وصبرنا والصبر مر المذاق
(السليم) من شوائب الكدورات، وإنما خصّ ذوي العقول بالنداء، لأن شرف الإِنسان إِنما
هو بالعقل، وبه يميّز الحسن من القبيح. قال أبو الطيب:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان
وفي حقيقته ومحله كلام ألمّ المصنف فيما يأتي بشىء منه، (والمتّصف) بالنصب؛ لأن
تابع المناوي المعرب منصوب لا غير، سواء كان التابع معرفة أم نكرة، محلّى باللام أم لا، وأجاز
الأخفش رفعه (بأوصاف الكمال) لنفسه، (والتتميم) لغيره وغاير تفنّنًا ورعاية للسجع وإلا فهما
بمعنى، كما في الصحاح والقاموس وغيرهما.
وقال الزركشي: تفسير الكمال بالتمام خطأ؛ لقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم
وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة: ٣]، وقد فرّق بينهما الشيخ عبد القاهر: بأن الإتمام لإزالة
نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل، وأيضًا التمام يشعر بحصول
نقص قبل ذلك والكمال لا يشعر به.
وتعقّب بأن الإكمال في الآية للدين، والإتمام للنعمة التي من جملتها ذلك الإكمال والنصر
العام على كل معاند؛ فلم يتعاورا على شىءٍ واحدٍ، ووظيفة اللغوي بيان أصل اللغة، وأهل التفسير
والمعاني النظر إلى كل مقام بحسبه ولو معنى مجازيًّا. وقد جزم ابن أبي الأصبع بأنه قد يطلق
كل منهما على الآخر، ومنه ﴿اليوم أكملت لكم﴾ الآية.
(وفّقني اللَّه وإيّاك،) جملة دعائية والتوفيق الهداية إلى وفق الشىء وقدره وما يوافقه، قاله
أبو البقاء. وفيه تفاسير معلومة (بالهداية) الثبات عليها أو زيادتها أو حصول المراتب المرتّبة
عليها، إذ المسلم مهتد، والمراد خلق الاهتداء لا الدلالة هنا، والباء للتصوير والتحقيق، أي:
وفّقنا بهدايتنا أو السببية، أي: رزقنا مباشرة الطاعات بسبب هدايته لنا (إلى الصراط المستقيم)
المستوي، يعني: طريق الخير أو دين الإسلام. قال صاحب الأنوار: والهداية دلالة بلطف ولذلك
تستعمل في الخير، وقوله تعالى ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ [الصّافات: ٢٣]، وارد على
التهكم ومنه الهدية، وهو أدى الوحش مقدّماتها والفعل منه هدى، وهداية اللَّه تعالى تتنوع أنواعًا
لا يحصيها عدّ لكنها تنحصر في أجناس مترتّبة:
الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكّن المرء من الاهتداء إلى مصالحه؛ كالقوة العقلية
والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.

٥٣
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
أنه لما تعلقت إرادة الحق پإیجاد خلقه، وتقدیر رزقه،
والثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار، حيث قال:
﴿وهديناه النجدين﴾ [البلد: ١٠]، وقال: فهديناه فاستحبوا العمى على الهدى.
والثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياها عنى بقوله: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون
بأمرنا﴾، وقوله ﴿إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم﴾ [الإسراء: ٩].
والرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي، بالوحي أو الإلهام
والمنامات الصادقة، وهذا قسم يختصّ بنيله الأنبياء والأولياء، وإيّاه عنى بقوله: ﴿أولئك الذين
هدى اللَّه فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾
[العنكبوت: ٦٩]، فالمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب
المترتّبة عليه، فإذا قاله العارف الواصل عنى به أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنّا ظلمات
أحوالنا، وتميط به غواشي أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك، انتهى.
وفي الأساس يقال: هداه للسبيل وإلى السبيل هداية وهدى، وظاهره عدم الفرق بين
المتعدّى بنفسه والمتعدّى بالحرف، قال ابن كمال: ومنهم من فرّق بينهما بأن هداه لكذا أو إلى
كذا، إنما يقال إذا لم يكن في ذلك فيصل بالهداية إليه، وهداه كذا لمن يكون فيه فيزداد
ويثبت، ولمن لا يكون فيصل.
والقول بأن ما تعدّى بنفسه معناه الإيصال إلى المطلوب ولا يكون إلا فعل اللَّه تعالى فلا
يسند إلاّ إليه؛ كقوله: ﴿النهدينّهم﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وما تعدى بالحرف، معناه الدلالة على ما
توصل إليه، فيسند تارة إلى القرءان؛ كقوله تعالى: ﴿إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم﴾
[الإسراء: ٩]، وتارة للنبيّ؛ كقوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢]،
ليس بتامّ لمجيء المتعدّى بنفسه في القرءان كثيراً مستندًا إلى غيرِ اللَّه تعالى؛ كقوله: ﴿يا قوم
اتّبعونِ أهدكم سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وما أهديكم إلاّ سبيل الرّشاد﴾
[غافر: ٢٩]، انتهى.
وفي البيضاوي: وأصله أن يعدّى باللام أو إلى فعومل في اهدنا الصّراط، معاملة اختار في
قوله: ﴿واختار موسى قومه﴾ [الأعراف: ١٥٥]، انتهى. والخلاف في أنها الدلالة على ما يوصل
إلى المطلوب، وإن لم يصل، وهو مذهب أهل السنّة أو الموصلة عند المعتزلة مشهور كأدلّتهم،
(أنه لما تعلّقت إرادة الحقّ) الثابت الوجود على وجه لا يقبل الزوال ولا العدم، ولم يقل: لما
أراد؛ لأن الإرادة أزليّة والحادث إنما هو التعلّق، (بإيجاد خلقه،) أي: مخلوقه؛ لأنه الذي يتعلق به
الإيجاد نحو: هذا خلق اللَّه، أي: مخلوقه (وتقدير رزقه) أي: اللَّه أو الخلق، فالمصدر مضاف

٥٤
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية، في الحضرة الأحدية، ثم سلخ منها
العوالم كلها، علوها وسفلها، على صورة حكمه، كما سبق في سابق إرادته
وعلمه، ثم أعلمه بنبوته، وبشره برسالته، هذا وآدم لم يكن إلا - كما قال - بين
الروح والجسد، ثم انبجست منه معد في عيون الأرواح،
للفاعل أو المفعول، قال السمين: والرزق لغة العطاء وهو مصدر، قال تعالى: ﴿ومن رزقناه منّا
رزقًا حسنًا﴾ [النحل: ٧٥]، وقيل: يجوز أنه فعل بمعنى مفعول كذبح بمعنى مذبوح، وقيل: الرزق
بالفتح مصدر وبالكسر اسم للمرزوق، واقتصر على الثاني في المختار والمصباح.
(أبرز الحقيقة المحمديّة) هي الذات مع النعت الأول، كما في التوقيف؛ وفي لطائف
الكاشي يشيرون بالحقيقة المحمدية إلى الحقيقة المسماة بحقيقة الحقائق الشاملة لها، أي:
للحقائق والسارية بكليتها في كلها سريان الكلي في جزئياته، قال: وإنما كانت الحقيقة
المحمديّة هي صورة لحقيقة الحقائق؛ لأجل ثبوت الحقيقة المحمديّة في خلق الوسيطة
والبرزخية والعدالة، بحيث لم يغلب عليه عَّ له حكم اسمه أو وصفه أصلاً، فكانت هذه البرزخية
الوسطية هي عين النور الأحمدي المشار إليه بقوله عليه الصّلاة والسّلام: «أول ما خلق اللَّه
نوري))، أي: قدّر على أصل الوضع اللغوي، وبهذا الاعتبار سمّي المصطفى بنور الأنوار، وبأبي
الأرواح ثم إنه آخر كل كامل إذ لا يخلق اللَّه بعده مثله، انتهى.
(من الأنوار الصمدية،) المنسوبة للصمد والإضافة للتشريف، كما في حديث جابر عند
عبد الرزّاق مرفوعًا: يا جابر إِنَّ اللَّه قد خلق قبل الأشياء نور نبيّك من نوره، (في الحضرة
الأحديّة) هي أول تعيّنات الذات وأوّل رتبها، الذي لا اعتبار فيه لغير الذات، كما هو المشار إليه
بقوله عليه الصّلاة والسلام: ((كان اللَّه ولا شىء معه))، ذكره الكاشي (ثم سلخ) أخرج (منها
العوالم كلّها) بكسر اللام جمع عالم، بفتحها سماعًا وقياسًا (علوّها) بضم العين وكسرها
وسكون اللام، (وسفلها) بضم السين وكسرها وسكون الفاء، أي: عاليها وسافلها، يشير إلى العالم
العلويّ والسفليّ، فهو مجاز من إطلاق اسم الكل وإرادة اسم الجزء (على صورة حكمه،) أي:
التي تعلق بها خطابه الأزلي لا صورة نفس الحكم؛ لأنه قديم.
وفي نسخ حكمته، أي: على الصورة التي اقتضتها حكمته وإرادته والأولى أنسب بالسجعة
في قوله: (كما سبق في سابق إرادته وعلمه،) على ما سيجيء بيانه في حديث عبد الرزاق،
(ثم أعلمه بنبوّته وبشّره برسالته هذا وآدم) الواو للحال (لم يكن إلاّ كما قال) عَّةٍ، (بين الروح
والجسد، ثم انبجست) تفّرت (منه ◌َّ عيون الأرواح،) أي: خالصها؛ كأرواح الأنبياء والمراد
بالعيون الكمالات المفرغة من نوره على أرواح الأنبياء، عبّر عنها بالعيون مجازًا لمشابهتها بعيون

٥٥
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
فظهر بالملأ الأعلى، وهو بالمنظر الأجلى، وكان له المورد الأحلى، فهو معَ اله
الجنس العالي على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس.
ولما انتهى الزمان بالاسم الباطن في حقه عٍَّ إلى وجود جسمه، وارتباط
الروح به، انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر، فظهر محمد عَّه بكليته جسمًا
وروحًا ،
الإنسان للكمال، فلا يرد تأخّر الاعلام والبشارة عن سلخ العوالم منه، (فظهر) عليه السلام، أي:
حقيقته (بالملأ) أي: الخلق (الأعلى) وصفهم به إشارة إلى أن المراد المقرّبون (وهو بالمنظر
الأجلى) بالجيم، أي: الأتم في الظهور (وكان له المورد) وزن مسجد تشبيه بليغ، أي:
كالمورد الذي يرده الناس ليرتووا منه (الأحلى) بالحاء، الأعذب.
(فهو عَِّ الجنس) أي: كالجنس (العالي) المرتفع (على جميع الأجناس) لتقدمه خلقاً
على غيره، (والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس،) من حيث أن الجميع خلقوا من نوره،
على ما يأتي في حديث عبد الرزّاق، وأمّا ما ذكر أن اللَّه قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها
فعرقت وذلقت، فخلق اللَّه من كل نقطة نبيًّا، وأن القبضة كانت هي النبيّ عٍَّ وأنه كان كوكباً
درّيًّا، وأن العالم كله خلق منه، وأنه كان موجودًا قبل أن يخلق أبواه، وأنه كان يحفظ القرءان
قبل أن يأتيه جبريل وأمثال هذه الأمور. فقال الحافظ أبو العباس أحمد بن تيمية في فتاويه، ونقله
الحافظ ابن كثير في تاريخه وأقرّه: كل ذلك كذب مفترى باتّفاق أهل العلم بحديثه، والأنبياء
كلّهم لم يخلقوا من النبيّ عَّله، بل خلق كل واحد من أبويه، انتهى.
(ولما انتهى) أي: بلغ النهاية، (الزمان) الحال التي كان عليها قبل خلق السموات
والأرض، (بالاسم) متعلّق بانتهى، (الباطن) أي: عالم الملكوت المشار إليه بقوله: إبراز
الحقيقة ... الخ، (في حقه عَّة) متعلق بباطن (إلى وجود جسمه وارتباط الروح به) متعلق
بانتهى أيضًا. (انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر،) يعني: عالم الملك وهو الموجود في
العناصر، والباطن والظاهر وصفان للمصطفى، ويجوز - وهو المناسب هنا - أنهما وصفان للَّه، أي:
الظاهر وجوده لكثرة دلائله، أو الغالب على كل شىء من ظهر إذا غلب.
والباطن حقيقة ذاته فلا يعرف أصلاً؛ كما قال الصدّيق: غاية معرفته القصور عن وصفه أو
العالم بالخفيّات، والمعنى: أنه تعالى تصرّف فيه بمقتضى علمه الخفيّ على جميع الكائنات،
الذي هو صفة الباطن إلى تعلّق الإرادة بظهوره إلى عالم العناصر فربط روحه الشريفة بجسمه،
فأظهره (فظهر محمّد عَِّ بكليته،) أي: بجملته (جسمًا وروحًا) تمييز أو حال، قال شيخنا: ولو

٥٦
المقصد الأول فى تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام
فهو عَّلَّه وإن تأخرت طينته، فقد عرفت قيمته، فهو خزانة السر، وموضع نفوذ
الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خير إلا عنه.
ألا بأبي من كان مَلْكا وسيدا وآدم بين الماء والطين واقف
فذاك الرسول الأبطحي
قال بكلّه كان أوضح، فإن الكل هو الذات المجتمعة من الأجزاء، والكلية إمكان الاشتراك وهي
صفة الكليّ، وهو ما لا يمنع تصوّر مفهومه من وقوع الشركة فيه، ويمكن توجيهه بأنه من نسبة
الفرد إلى كلّه من جهة تحقّق الكل، من حيث هو كل في الواحد للشخص من حيث تشخصه
فيساوي التعبير به التعبير بالكلّ.
(فهو عَّه وإن تأخّرت طينته،) أي: خلقته (فقد عرفت قيمته،) أي: اعتداله وحسن قوامه
وطوله حسًّا ومعنى في الجميع، ففي القاموس القيمة الشطاط، وفيه أيضًا الشطاط كسحاب
وكتاب الطول وحسن القوام أو اعتداله، (فهو خزانة) بكسر الخاء، (السرّ،) أي: محلّ لأسراره
تعالى وكمالاته، حيث أفاض اللَّه عليه ما لا يوجد في غيره من الخلق (وموضع نفوذ الأمر،)
أي: الموضع الذي يظهر منه الكمالات التي تفاض على خاصّة خلقه، (فلا ينفذ أمر) شىء،
جمعه أمور (إلاّ منه، ولا ينقل خير) مفرد خيور وخيار، أو هو بموحّدة مفرد أخبار (إلاّ عنه) إذ هو
واسطة العقد، وأنشد المؤلف لغيره (ألا) بفتح الهمزة والتخفيف حرف استفتاح يؤتى به للتنبيه
والدلالة على تحقّق ما بعده: (بأبي) بكسر الباءين بينهما همزة مفتوحة.
قال ابن الأنباري: معناها بأبي هو فحذف هو لكثرة الاستعمال، وأصله أفديه بأبي، (من
كان ملكًا) بفتح الميم وسكون اللام تخفيفًا؛ لأن البيت لا يتزن إلا به. في المصباح: ملك على
الناس أمرهم، إذا تولّى السلطنة فهو ملك بكسر اللام وتخفّف بالسكون، انتهى وكذا كل ما كان
على وزن فعل، وتوهم إنها لغة قرىء بها غلط؛ لأن ذاك في مصدر ملك، ﴿قالوا ما أخلفنا
موعدك ◌ِمَلْكِنَا﴾ [طه: ٨٧]، قرىء بتثليث الميم، وهي في الأصل لغات في مصدر ملكت
الشىء، (وسيّدًا وآدم بين الماء والطين) أي: بين العلم والجسم، كذا في أنوار المشكاة.
(واقف،) ولما لم يستقم للناظم لفظ الوارد بتمامه عدل إلى معناه الذي اشتهر، فإن
معناهما واحد؛ كما جزم به صاحب النسيم. فلا يقال: لو قال بين الروح والجسم طابقه، (فذاك
الرسول) فعول بمعنى مفعل وهو المرسل، أي: المبعوث إلى غيره وقد يأتي بمعنى الرسالة؛ كقوله:
ألا أبلغ أبا عمرو رسولاً ندى لك من أخي ثقة إزاري
(الأبطحي) المنسوب إلى بطحاء مكّة على ما يفيده الجوهري، أو إلى أبطح مكّة، وهو
مسيل واد بها وهو ما بين مكة ومنى ومبتدؤه المحصب، كما صرّح به غيره، وهو القياس.

٥٧
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
محمد له في العلا مجد تليد وطارف
أتى بزمان السعد في آخر المدى وكان له في كل عصر مواقف
أتى الانكسار الدهر يجبر صدعه فأثنت عليه ألسن وعوارف
إذا رام أمرًا لا يكون خلافه وليس لذاك الأمر في الكون صارف
أسبقية نبوته عليه:
خرج مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي،
(محمّد له في العلا) الارتفاع (مجد) عزّ وشرف (تليد) قديم (وطارف) حادث، (أتى بزمان
السعد) الباء للآلة، (في آخر المدى) بفتحتين، يعني: الزمان الأخير من أزمنة الأنبياء، وهو زمن
عيسى وبعثة المصطفى في آخر زمان عيسى، فالإضافة حقيقية فلا يشكل إضافة آخر المدى مع
أنه الغاية أو مطلق الزمان، مجازًا من تسمية الكل باسم الجزء، (وكان له في كل عصر مواقف)
أحوال لتقدم خلقه، (أتى لانكسار الدهر) وفي نسخة: الدين من إضافة الصفة للموصوف، أي:
الدين أو الدهر المنكسر بعبادة غير اللَّه، (يجبر صدعه) شقه، أي: يصلحه ويزيل فساده، (فأثنت
عليه ألسن) جمع لسان مذكر وهو الأكثر لغة وبه جاء القرءان، قاله أبو حاتم.
(وعوارف) جمع عارفة، ومعناه: أن الأمور المعروفة في الشرع أثنت عليه لإظهاره لها وذّه
عن معارضتها، وهو استعارة مكنية، شبه أمور الشرع في دلالتها على صدقه وكماله بنفوس
ناطقة، وأثبت لها ما هو من لوازم النفوس الناطقة إذا فعل معهم الجميل وهو الثناء تخييلاً (إذا رام
أمرًا لا يكون) يوجد (خلافه وليس لذاك الأمر في الكون) أراد الوجود وله تعاريف معلومة
(صارف) مانع، ثم شرع في المقصود وحسن معه تصديره بحديث صحيح، فقال: ( خرّج مسلم)
بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأعلام مناقبه شهيرة، أخذ عن البخاري وشاركه
في كثير من شيوخه، وأحمد وخلق وروى عنه كثيرون، روى له الترمذي حديثًا واحدًا، مات
سنة إحدى وستّين ومائتين في رجب، (في صحيحه) الذي صنّفه من ثلاثمائة ألف حديث كما
نقلوه عنه وهو يلي صحيح البخاري، وتفضيله عليه مردود؛ وفي ألفية السيوطي:
ومن يفضل مسلمًا فإنما ترتيبه وصنعه قد أحكما
(من حديث) أحد العبادلة (عبد الله بن عمرو بن العاصي) بن وائل السهمي الصحابي ابن
الصحابي أبي محمد عند الأكثر، أو أبي عبد الرحمن الزاهد العابد أحد المكثرين الفقهاء، أسلم
قبل أبيه، قيل: بين مولدهما اثنتا عشرة سنة، ويقال: عشرون سنة.
روى ابن سبع والعسكري عنه، أنه قال: حفظت من رسول اللَّه عَّ ألف مثل. ومن ثم

٥٨
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
عن النبي عَِّ أنه قال: إن الله عز وجل كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق
السموات والأرض بخمسين ألف سنة،
ذكر العسكري في كتاب الأمثال ألف مثل عن المصطفى، وحسبك أن أحفظ الصحابة أبا هريرة
شهد له بأنه أكثر حديثًا منه؛ لأنه كان يكتب وأبا هريرة لا يكتب، ولا يشكل أن المروي عنه
دون المروي عن أبي هريرة بكثير، لأنه سكن مصر والواردون إليها قليل، وأبو هريرة سكن
المدينة والمسلمون يقصدونها من كل وجهة. وفي أنه مات بالشام أو مكة أو الطائف أو بمصر
أقوال، وهل عام خمس وستّين أو ثمان وستّين أو تسع وستّين أو ثنتين وسبعين أو تسع وسبعين
خلاف بسطه في الإصابة.
وقال في تقريبه: مات في ذي الحجة ليالي الحرّة على الأصح بالطائف على الراجح،
والعاصي بالياء وحذفها، والصحيح الأول عند أهل العربية وهو قول الجمهور كما قال النووي
وغيره. وفي تبصير المنتبه، قال النحاس: سمعت الأخفش يقول: سمعت المبرد يقول: هو بالياء
لا يجوز حذفها وقد لهجت العامة بحذفها.
قال النحاس: هذا مخالف لجميع النحاة، يعني: أنه من الأسماء المنقوصة فيجوز فيه
إثبات الياء وحذفها، والمبرد لم يخالف النحويين في هذا وإنما زعم أنه ستّي العاصي لأنه أعيص
بالسيف، أي: أقام السيف مقام العصا، وليس هو من العصيان؛ كذا حكاه الآمدي، عنه قلت:
وهذا إن مشى في العاصي بن وائل لكنه لا يطرد؛ لأن النبيّ عَّه غير اسم العاصي بن الأسود
والد عبد اللَّه فستّاه مطيعًا، فهذا يدلّ على أنه من العصيان، وقال جماعة: لم يسلم من عصاة
قريش غيره، فهذا يدلّ لذلك أيضًا، انتهى.
(عن النبيّ ◌َِّ أنه قال: ((إن اللَّه عزّ وجلّ كتب مقادير الخلق)))) قال البيضاوي في
شرح المصابيح، أي: أجرى القلم على اللوح المحفوظ، وأثبت فيه مقادير الخلائق ما كان وما
يكون وما هو كائن إلى الأبد، وعلى وفق ما تعلّقت به إرادته أزلاً، وقال الأبي: المقادير بمعنى
القدر وهو عبارة عن تعلّق علم اللَّه وإرادته أزلاً بالكائنات قبل وجودها، وهو سبحانه وتعالى
بجميع صفاته أزلي لا يتقيّد وجوده بزمان، (قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف
سنة،) قال القاضي عياض: حدّ لكتب ذلك في اللوح المحفوظ، أو فيما شاء اللَّه لا للمقادير فإن
ذلك أزليّ لا أوّل له وهي كناية عن الكثرة؛ كقوله: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾
[الصافات: ١٤٧]، قال: ويحتمل أنها حقيقة، وردّه القرطبي وتبعه الأبيّ بأنه لا يتقرر كونها
حقيقة بوجه؛ لأن السنين يقدر بها الزمان، والزمان تابع لخلق السمّوات لأنه عبارة عن حركات
الأفلاك وسير الشمس فيها، فقيل: خلق الزمان لا سموات، فالخمسون ألف سنة تقديرية، أي:

٥٩
المقصد الأول في تشريف اللّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وكان عرشه على الماء.
بمدّة في علم اللَّه لو كانت السموات موجودة فيها لعدّت بذلك العدد، انتهى.
وهو متعقّب بقول البيضاوي وغيره في شرح المصابيح، معناه: أن طول الأمد وتمادي
الأزمان بين التقدير والخلق من المدّة خمسون ألف سنة مما تعدون، فإن قيل: كيف يحمل على
الزمان وهو مقدار حركة الفلك الذي لم يخلق حينئذ؟ أجيب بأنه إن سلم أن الزمان ذلك، فإن
مقدار حركة الفلك الأعظم الذي هو العرش موجود حينئذ، بدليل قوله: ﴿وكان عرشه على.
الماء﴾ [هود: ٧]، أي: ما كان تحته قبل خلق السموات والأرض إلا الماء، والماء على متن
الريح، كما روي عن ابن عباس، وهو يدلّ على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق
السموات والأرض، انتهى.
وفي حديث أبي رزين الآتي: أن الماء قبل خلق العرش، وروى أحمد والترمذي وحسّنه،
وابن ماجه عن أبي رزين العقيلي، أنه قال: يا رسول اللّه، أين كان ربّنا قبل أن يخلق السموات
والأرض؟ قال: (([كان] في ماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء))،
وحكى في المفهم أن أوّل ما خلق اللَّه ياقوتة حمراء ونظر إليها بالهيبة فصارت ماء، فوضع عرشه
على الماء. وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعد الطائي، قال: ((العرش ياقوتة حمراء)).
وأخرج أبو الشيخ عن حامد، قال: ((خلق اللَّه العرش من زمردة خضراء، وخلق له أربع
قوائم من ياقوتة حمراء، وخلق له ألف لسان وخلق في الأرض ألف أُمّة، كل أُمّة تسبّح بلسان من
ألسن العرش»، وذكر الحافظ محمّد بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، عن بعض السلف: أن
العرش مخلوق من ياقوتة حمراء، بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، واتّساعه خمسون
ألف سنة، وبعد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، وبعد ما بين العرش
إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة. وذهبت طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك
مستدير من جميع جوانبه، محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه الفلك التاسع والفلك
الأطلس.
قال ابن كثير: وليس بجيّد؛ لأنه قد ثبت في الشرع، أن له قوائم تحمله الملائكة،
والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل، وأيضًا فالعرش في اللغة سرير الملك وليس هو فلكًا،
والقرءان إنما نزل بلغة العرب فهو سرير، وقوائم تحمله الملائكة كالقبّة على العالم وهو سقف
المخلوقات، انتهى. والصحيح كما قال النعماني: أنه غير الكرسي، وما روي عن الحسن أنه عينه
فضعيف، بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره، انتهى.
كيف! وقد روى ابن جرير، وابن مردويه، وأبو الشيخ، عن أبي ذرّ قال: قال عَّ: ((يا أبا

٦٠
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ومن جملة ما كتب في الذكر أن محمدًا خاتم النبيين.
ذرّ، ما السموات السبع في الكرسي، إلاّ كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي
كفضل الفلاة على تلك الحلقة)).
(ومن جملة ما كتب في الذكر) وبيته بقوله: وهو ﴿أَمّ الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩، آل
عمران: ٧]، أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ، إذ ما من كائن إلاّ وهو مكتوب
فيه وفي أنه حقيقي أو تمثيل، والمراد علم اللَّه، قولان، الأكثر أنه حقيقي وهو الأسعد بصريح
الأحاديث والآثار، فقد أخرج الطبراني بطريقين رجال إحداهما ثقات والحاكم والحكيم الترمذي
عن ابن عباس، عنه مَّه: ((أن اللَّه خلق لوحًا محفوظًا من درّة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة
حمراء، قلمه نور وكتابه نور)). وفي الطبراني أيضًا: أن عرضه ما بين السماء والأرض. وفي كنز
الأسرار: أن طوله كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ بسند جيّد عن ابن عباس، قال: خلق
اللَّه اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام. وأخرج أبو الشيخ عن أنس ((رفعه: أن للَّه لوحًا أحد وجهيه
من ياقوتة، والوجه الثاني من زمرّدة خضراء». وأخرج أيضًا عن ابن عباس رفعه: ((خلق اللَّه لوحًا
من درّة بيضاء وقفاه من زبرجدة خضراء كتابه نور، يلحظ إليه في كل يوم ثلاثمائة وستّين لحظة
يحيي ويميت ويخلق ويرزق ويفعل ما يشاء)).
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الشعب،
عن أنس قال: قال رسول اللَّه عٍَّ: ((إن للَّه لومحا من زبرجدة خضراء تحت العرش، يكتب فيه
إني أنا اللَّه لا إله إلاّ أنا أرحم وأترخم، جعلت بضعة عشر وثلاثمائة خلق، من جاء بخلق منها مع
شهادة أن لا إله إلاّ اللَّه دخل الجنَّة). وقد جمع بين هذا الاختلاف في لونه بجواز أنه يتلوّن
والبياض لونه الأصليّ.
(أنّ محمّدًا خاتم النبيّين) في الوجود، فإن قيل: الحديث يفيد، سبق العرش على التقدير،
وعلى كتابة محمّد خاتم النبيّين فيشكل بأن نوره عَّلّه خلق قبل العرش وغيره. أجاب شيخنا
بجواز أن نوره خلق قبل العرش وكتابته لذلك، وإظهاره كان وقت التقدير وهو بعد خلق العرش
وقبل خلق السموات، انتهى.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الماء والعرش مبتدأ العالم لكونهما خلقا قبل كل شىء.
وعند أحمد وابن حبان والحاكم وصحّحاه، عن أبي هريرة: قلت: يا رسول اللَّه! إني إذا رأيتك
طابت نفسي وقرّت عيني، أنبئني عن أصل كل شىء، قال: ((كل شىء خلق من الماء))، وهذا
يدلّ على أن الماء أصل لجميع المخلوقات ومادتها، وأنها كلّها خلقت منه، وقال اللَّه تعالى:
﴿واللَّه خلق كل داّة من ماء﴾ [النور: ٤٥]، قال في اللطائف: والقول بأن المراد النطفة التي