Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ يُعطِي كُلَّ جُلَسائِهِ بِنَصِيبهِ، لا يَحْسَبُ جليسُهُ أنَّ أحداً أکرمُ علیهِ منْهُ. مَن جالسهُ أو فاوضهُ في حاجةٍ صابرهُ حتَّى يكُونَ هُو المُنصَرِفَ عنه، ومنْ سألهُ حاجةً لمْ يَرُدَّهُ إلَّ بها، أو بمَيْسُورٍ منَ القَوْلِ. قوله: (يعطي كل جلسائه بنصيبه) أي: يعطي كل واحد من جلسائه نصيبه وحظه، من البشر والطلاقة، والتعليم والتفهيم، بحسب ما يليق به، فالباء زائدة في المفعول الثاني للتأكيد، وقيل: إن المفعول الثاني مقدَّر أي: شيئاً بقدر نصيبه. قوله: (لا يحسَب جليسه أن أحداً أكرمُ عليه منه) أي: لا يظن مُجالسه - والإضافة للجنس، فيشمل كل واحد من مجالسيه - أنَّ أحداً مِنْ أمثاله وأقرانه أكرم عنده وَّر من نفسه، وذلك لكمال خلقه وحسن معاشرته لأصحابه، فكان يظن كل واحد منهم أنه أقرب من غيره إليه، وأحب الناس عنده، لاندفاع التحاسد والتباغض المنهي عنهما في قوله: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا ـ عبادَ الله - إخواناً)). قوله: (مَنْ جالسه) وفي نسخة: (فمن جالسه) بالفاء. وقوله: (أو فاوضه) أي: شرع معه في الكلام في مشاورة، أو مراجعة في حاجة له، و((أو)) للتنويع، خلافاً لمن جعلها للشك. وقوله: (صابره) أي: غلبه في الصبر على المجالسة أو المكالمة، فلا يبادر بالقيام من المجلس، ولا يقطع الكلام، ولا يُظهر الملل والسآمة. وقوله: (حتى يكون هو المنصرف عنه) أي: ويستمُّ معه كذلك حتى يكون المُجالس أو المُفاوض هو المنصرفَ عنه، لا الرسول عليه الصلاة والسلام، لمبالغته في الصبر معه. قوله: (ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول) أي: مَن= ٥٦٢ قَدْ وسعَ النَّاسَ بِسْطُهُ وخُلقُهُ، فصارَ لهُمْ أباً، وصارُوا عِنْدَهُ في الحقِّ سواءً. = سأله ﴿ - أيَّ إنسان كان - حاجةً - أيةَ حاجةٍ كانت - لم يردّ السائل إلا بها إن تيسرت عنده، أو بميسور حسن من القول، لا بميسور خشن منه إن لم تتيسر: لفقد أو مانع، لکمال سخائه، وحيائه ومروءته. وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وإما تُعرضنَّ عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً﴾ ومن ذلك الميسورِ أن يَعِدَ السائل بعطاء إذا جاءه شيء، كما وقع له مع كثيرين، ولذلك قال الصديق رضي الله عنه بعد استخلافه وقد جاءه مال: من كان له عند رسول الله وَل عِدَةٌ فليأتنا، فأتوه فوفّاهم. قوله: (قد وَسِع) بكسر السين أي: عمَّ. وقوله: (الناس) أي: كلهم، حتى المنافقين. وقوله: (بَسْطه) أي: بِشْره وطلاقةُ وجهه. وقوله: (وخلقه) أي: حسن خلقه الكريم، لكونه ◌َ ر يُلاطف كل واحد بما يناسبه. وقوله: (فصار لهم أباً) أي: كالأب في الشفقة، بل هو أشفق، إذ غاية الأب أنْ يَسعى في صلاح الظاهر، وهو رَّ يسعى في صلاح الظاهر والباطن. وقوله: (وصاروا عنده في الحق سواء) أي: مُستوين في الحق، فيوصل لكل واحد منهم ما يستحقه ويليق به، ولا يطمع أحد منهم أن يتميز عنده على أحد، لكمال عدله، وسلامته من الأغراض النفسانية . ٥٦٣ مجلسُهُ: مجلسُ حلمٍ وحياءٍ، وأمانةٍ وصبرٍ، لا تُرفعُ فيه الأصواتُ، ولا تُؤْبَنُ فيهِ الحُرَمُ، قوله: (مجلسه مجلس حلم) أي: منه، فيحلم عليهم، وفي نسخة : (علم) أي: يفيدهم إياه، كما قال تعالى: ﴿ويُعلمهم الكتاب والحكمة﴾. وقوله: (وحياء) أي: منهم، فكانوا يجلسون معه على غاية من الأدب، فكأنما على رؤوسهم الطير. وقوله: (وصبر) أي: منه وَلّر على جفوتهم، لقوله تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظَ القلب لانفضُوا من حولك﴾. وقوله: (وأمانة) أي: منهم، على ما يقع في المجلس من الأسرار، والمراد: أنَّ مجلسه مجلس كمال هذه الأمور، لأنَّه مجلس تذكير بالله تعالى، وترغيب فيما عنده من الثواب، وترهيب مما عنده من العقاب، فترِقُّ قلوبهم، فيزهدون في الدنيا، ويرغبون في الآخرة. قوله: (لا ترفع فيه الأصوات) أي: لا يرفع أحد من أصحابه صوته في مجلسه وَّة، إلا لمجادلةِ معاند، أو إرهاب عدو، وما أشبه ذلك، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾، فكانوا رضي الله عنهم على غاية من الأدب في مجلسه، بخلاف كثير من طلبة العلم، فإنهم يرفعون أصواتهم في الدروس: إما لرياء، أو لبُعْدِ فهم. قوله: (ولا تُؤْبَنُ) أي: لا تُعاب، من الأَبْنِ بفتح الهمزة وهو: العيب، يقال: أبَنه يأبِنُه بكسر الباء وضمها أَبْناً: إذا عابه. وقوله: (فيه) أي: في مجلسه وَله . وقوله: (الحُرَمُ) بضم الحاء وفتح الراء وبضمها جمع حرمة، وهي: ما يحترم ويُحمى من أهل الرجل، فالمعنى: لا تعاب فيه حرم الناس بقذف ولا غيبة ونحوهما، بل مجلسه مصون عن كل قول قبيح. ٥٦٤ ولا تُنْثَى فَلَتَاتُهُ. مُتعادِلِينَ، بَلْ كَانُوا يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى، مُتَوَاضِعِيَن، يُوقِّرُونَ فيهِ الكَبِيرَ، وَيَرَحَمُونَ فيهِ الصَّغيرَ، قوله: (ولا تُنْثَى) أي: لا تُشاع ولا تذاع، قال في ((القاموس)): ثَنَا الحديثَ: حدَّث به وأشاعه . وقوله: (فَلَتاته) أي: هفوات مجلسه وَّل، فالضمير للمجلس. والفلتات جمع: فَلْتة وهي: الهفوة، فإذا حصل من بعض حاضريه هفوة لا تشاع ولا تذاع، ولا تنقل عن المجلس، بل تُستر على صاحبها إذا صدرت منه على خلاف عادته وطبعه، هذا ما يُعطيه ظاهر العبارة، والأولى جَعل النفي منصباً على الفلتات نفسها، لا وصفها من الإشاعة والإذاعة، فالمعنى: لا فلتات فيه أصلاً، فلم يكن شيءٌ منها في مجلسه ◌َّر، وليس منها ما يصدر من أجلاف العرب، كقول بعضهم: أعطني من مال الله لا مِنْ مال أبيك وجدِّك، بل ذاك دأبهم وعادتهم. قوله: (متعادلين) أي: كانوا متعادلين، فهو خبر لـ: كان مقدرة، والمعنى: أنهم كانوا متساوين، فلا يتكبر بعضهم على بعض، ولا يفتخر عليه بحسب أو نسب. وقوله: (بل كانوا يتفاضلون فيه بالتقوى) أي: بل كانوا يفضل بعضهم على بعض في مجلسه بَّر بالتقوى، علماً وعملاً. وفي نسخة: (يتعاطفون) بدل: يتفاضلون، أي: يعطف بعضهم على بعض، ويرقَّ له، ويرحمه، لما بينهم من المحبة والألفة. وقوله: (متواضعين) حال من الواو في: يتفاضلون أو يتعاطفون. أي: حال كونهم متواضعين. قوله: (يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير) أي: يعظمون في = ٥٦٥ ويُؤْثِرُونَ ذا الحاجَةِ، ويحَفَظُونَ الغَربِبَ. ٣٣٧ - حدّثنا مُحمَّد بنُ عبدِ الله بن بَزِيع، حدَّثنا بِشرُ بنُ المُفَضَّل، حدَّثنا سعيدٌ، عنْ قتادَةَ، عنْ أنَس بن مالكِ رضي الله عنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لو أُهديَ إليَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ، = مجلسه وَّيه الكبير، بفتح الكاف فقط، ويُشفقون فيه على الصَّغير بفتح الصاد وكسرها، لما ورد: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقّر کبیرنا». قوله: (ويؤثِرون ذا الحاجة) أي: يقدمونه على أنفسهم في تقريبه للنبي ۵﴾ ليقضي حاجته منه. وقوله: (ويحفظون الغريب) يحتمل أن المراد الغريب من الناس، كما هو المتبادر، فالمعنى: يحفظون حقه وإكرامه لغربته، ويحتمل أنَّ المراد الغريب من المسائل، فالمعنى: يحفظونه بالضبط والإتقان خوفاً من الضياع. ٣٣٧ - قوله: (ابن بزيع) بفتح الموحدة، وكسر الزاي، فتحتية، فعين مهملة . وقوله: (ابن المفضل) بفتح الضاد المعجمة المشددة. قوله: (لو أَهْدِيَ إليَّ) أي: لو أرسل على سبيل الهدية. وقوله: (كُراع) بضم الكاف كغراب: ما دون الكعب من الدواب، وقيل: مستدَقّ الساق من الغنم والبقر، يذكر ويؤنث، والجمع: أَكْرُع، ثم أكارع، وفي المثل: أُعطيَ العبد كراعاً فطلب ذراعاً، لأن الذراع في اليد، والكراع في الرِّجل، والأول خير من الثاني. وقوله: (لقبِلتُ) أي: ليحصل التحابب والتآلف، فإن الرد يُحدث = ٥٦٦ ولوْ دُعِيتُ عَلَيْهِ لأَجَبْتُ)). ٣٣٨ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بشَّارِ، حدّثنا عبدُ الرَّحمنِ، حدَّثنا سُفيانُ، عن محمّد بن المُنكَدِرِ، عنْ جابرٍ رضي الله عنهُ قالَ: جاءني رسُولُ اللهِ وَّهِ لَيْسَ بِرَاكِبٍ بَغْلٍ ولاَ بِرْذَوْنٍ . ٣٣٩ - حدّثنا عبدُ الله بن عبدِ الرَّحمنِ، حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ، أَنْبَأَنَا يَحْيَى بنُ أبي الهَيْثَمِ العَطَّارُ قالَ: سمعْتُ يُوسُفَ بْنِ عبدِ الله بنِ = النفور والعداوة، فيندب قبول الهدية ولو لشيء قليل. قوله: (ولو دعيت عليه) أي: إليه، كما في نسخة. وقوله: (لأجبت) أي لتأليف الداعي، وزيادة المحبة، فإن عدم الإجابة يقتضي النفرة وعدم المحبة، فيندب إجابة الدعوة ولو لشيء قليل. ٣٣٨ - قوله: (ليس براكب بغل) إلخ أي: بل كان على رجليه ماشياً، كما صرحت به رواية البخاري، عن جابر رضي الله عنه: أتاني رسول الله وَالر يعودني وأبو بكر وهما ماشيان، فكان ◌َّ لتواضعه يدور على أصحابه ماشياً، والمراد أنّ الركوب ليس عادة مستمرة له، فلا يُنافي أنه ركب في بعض المرات. وقوله: (ولا برذون) بكسر فسكون، وهو الفرس العجمي، وفي ((المُغْرِب)) هو: التركي من الخيل، ولعله أراد ما يتناول البرذونة تغليباً. ٣٣٩ - قوله: (أبو نعيم) بالتصغير. قوله: (أنبأنا) وفي نسخة: حدثنا. قوله: (أبي الهيثم) بالمثلثة. ٥٦٧ سلاَمِ قالَ: سَمَّانِي رَسُولُ اللهِِّ يُوسُفَ، وأَقْعَدَنِي فِي حَجْرِهِ، وَمَسَحَ علَى رأسي. قوله: (يوسف بن عبد الله بن سَلَام) بفتح السين المهملة، وتخفيف اللام، ويوسف هذا صحابي صغير كما يؤخذ من قوله: (قال) أي: يوسف. قوله: (في حجره) بفتح الحاء وكسرها، والمراد به حجر الثوب وهو: طرفه المقدَّم منه، لأن الصغير يُوضع فيه عادة، ويُطلق على المنع من التصرف، وعلى الأنثى من الخيل، وحِجر ثمود، وحِجر إسماعيل، وغير ذلك، کما في قول بعضهم: ركبت حجراً وطُفت البيتَ خلف الحِجْرِ وحُزت حجراً عظيماً ما دخلت الحجر(١) لله حجر منعني من دخول الحجر ماقلت حجراً ولو أعطيت ملء الحِجْر(٢) قوله: (ومسح على رأسي)، أي: مسح النبي بَل بيده على رأسي تبريكاً عليه، زاد الطبراني: (ودعا لي بالبركة) فيسن لمن يُبرك به تسمية أولاد أصحابه، وتحسين أسمائهم، ووضع الصغير في الحجر، كما فعل المصطفى (124 من كمال تواضعه، وحسن خلقه. (١) الحجر الأول: هو الأنثى من الخيل. والثاني: حجر إسماعيل عليه الصلاة والسلام. والثالث: الذهب أو الفضة. والرابع: الأمر المحرَّم. (٢) الحجر الأول: هو المنع من التصرّف. والثاني: حجر ثمود. والثالث: الذهب أو الفضة. والرابع: الحِضْن، وهو الذي عبّر عنه الشارح: حجر الثوب: طرفه المقدَّم منه. والله أعلم. ٥٦٨ ٣٤٠ - حدّثنا إسحاقُ بنُ منصُورٍ، حدَّثنا أبو داوُدَ الطَّيالسِيُّ، حدَّثَنَا الرَّبيعُ - وهُوَ ابنُ صَبيح -، حدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عنْ أَنَس ابن مالكٍ رضي الله عنهُ: أنَّ رَسُولَ الله ◌َِّرِ حِجَّ علَى رَحْلِ رَثِّ، وَقَطيفةٍ كُنَّا نُرِى ثَمَنَها أربَعَةَ دَراهِمَ، فلمَّا اسْتَوَتْ بِهِ راحلتُهُ قالَ: ((لبَيْكَ ٣٤٠ - قوله: (الرَّقاشي) بفتح الراء وتخفيف القاف. قوله: (حج) أي: حجة الوداع. وقوله: (على رَحْل) أي: حال كونه كائناً على رَحْل بفتح الراء وسکون الحاء أي: قتب. وقوله: (رَثِّ) بفتح الراء وتشديد المثلثة أي: خَلَقٍ بفتحتين أي: عتيق . وقوله: (قطيفة) أي: وعَلَى قطيفة، فيفيد أنها كانت فوق الرحل، وكان ٣ راكباً عليها لا لابساً لها. وقوله: (كنا نَّرَى) بالبناء للمفعول أي: نظن، وللمعلوم أي: نعلم. وقوله: (ثمنها أربعة دراهم) بل كانت لا تساويها كما سبق، وَزَعْم أنها متعددة: ممنوع، لأنه لم يحج بعد الهجرة إلا مرة واحدة. وقوله: (فلما استوت به راحلته) أي: ارتفعت، حال لكونها متلبسة به، لكونها حاملة له، والراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال، يطلق على الذكر والأنثى، فالتاء فيها للمبالغة لا للتأنيث. وقوله: (قال) أي: النبي ◌َّد . وقوله: (لبيك) أي: لَبَّيْنِ لك أي: إقامتين على إجابتك، من: لَبَّ بالمكان إذا أقام به، والمراد من ذلك: التكرار لا خصوص التثنية . = ٥٦٩ بِحجَّةٍ لا سُمعَةً فيها ولاَ رِیاءَ)). ٣٤١ - حدّثنا إسحاقُ بنُ منصُورٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، حدَّثَنَا معمرٌ، عن ثابتِ البُنانيِّ وعاصمِ الأحْوَلِ، عنْ أَنَسِ بن مالكِ، أنَّ رجُلاً خيَّاطاً دعا رسُول الله وَّهِ، فقرَّبَ منهُ ثَريداً عَلَيْه دُبَّاءٌ قالَ: فكانَ رسُولُ اللهِ وَيِّ يأْخُذُ الدُّبَّاءِ، وكانَ يحُبُّ الدُّبَّاءَ. قالَ ثابتٌ: فَسَمِعْتُ أنساً يقُولُ: فَما صُنِعِ لي طعامٌ أقْدِرُ على = والمعنى: أنا مقيم على إجابتك إقامة بعد إقامة، وإجابة بعد إجابة. وقوله: (بحجة) أي: حال كوني متلبساً بحجة . وقوله: (لا سمعة فيها ولا رياء) أي: بل هي خالصة لوجهك، وإنما نفى الرياء والسمعة - مع كونه معصوماً منهما - تواضعاً منه وَله، وتعليماً لأمته. ٣٤١ - قوله: (أنَّ رجلاً خياطاً) قيل: هو من مَواليه، وقد مر حديثه في باب الإدام، لكنه ذُكر هنا لدلالته على تواضعه وَله. وقوله: (فقرَّب منه) أي: إليه، كما في نسخة. وقوله: (ثريد) أي: خُبزاً مثروداً بمرق اللحم. وقوله: (عليه دباء) أي: على الثريد دباء بالقصر والمد، وهو: القرع. وقوله: (قال) أي: أنس. وقوله: (فكان) وفي نسخة: (وكان). وقوله: (أخذ الدباء) أي: يلتقطها من القصعة. وقوله: (وكان يحب الدباء) كالتعليل لما قبله، فكأنه قال: لأنه كان يحب الدباء. وقوله: (فما صُنع) الخ، أي: اقتداء به وَّر في اختيار الدباء ومحبتها. ٥٧٠ أن يُصْنَعَ فيهِ دُبَّاءٌ إلَّ صُنِعَ. ٣٤٢ - حدّثْنا مُحمَّدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، حدَّثْنا مُعاويةُ بنُ صالح، عن يحيى بن سَعِيدٍ، عن عَمْرَةَ قالتْ: قيلَ لعَائِشَةَ رضي الله عنها: ماذا كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ الله ◌ََّ في بيتِهِ؟ قالتْ: كانَ بَشَراً منَ البَشَرِ، يَقْلِي ثَوْبَهُ، ويَحْلُبُ وقوله: (إلا صنع) بالبناء للمجهول فيه وفي الذي قبله. ٣٤٢ - قوله: (محمد بن إسماعيل) أي: البخاري. قوله: (عن عَمْرة) بفتح العين وسكون الميم، وهي في الرواة ستة، والمراد بها هنا: عَمْرة بنت عبد الرحمن بن سَعْد بن زرارة، كانت في حَجر عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وروت عنها كثيراً. قوله: (قالت) أي: عمرة. وقوله: (قيل لعائشة) أي: قال لها بعضهم، ولم يُعين القائل. وقوله: (قالت) أي: عائشة. قوله: (كان بشراً من البشر) إنما ذكرت ذلك تمهيداً لما تذكره بعدُ الذي هو محطّ الجواب، ودفعت بذلك ما رأته من اعتقاد الكفار أنه لا يليق بمنصبه أن يفعل ما يفعله غيره من العامة، وإنما يليق أن يكون كالملوك الذين يترفعون عن الأفعال العادية تكبراً. قوله: (يَفْلي ثوبه) بفتح الياء كيرمي أي: يُفتشه ليلتقط ما فيه، مما علق فيهٍ من نحو شوك، أو ليرقع ما فيه من نحو خرق، لا نحو قمل لأن أصل القمل من العفونة، ولا عفونة فيه، وأكثره من العرق، وعرقه طيِّب، ولذلك ذكر ابن سبع - وتبعه بعض شراح الشفا - أنه لم يكن فيه قمل لأنه نور، ومنْ قال إن فيه قملاً فهو كمن نقصه، وقيل إنه كان في ثوبه قمل ولا = ١ ٥٧١ شَاتَهُ، ويَخْدِمُ نَفْسَهُ. ٤٨- باب ما جاء في خُلُق رسول الله وَلّ ٣٤٣ - حدّثنا عبَّاسُ بنُ مُحمَّدٍ الدُّوريُّ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ المُقرىءُ، حذَّثنا ليثُ بنُ سعدٍ، حدَّثنا أبُو عُثمانَ الوَليدُ بنُ أَبِي = يؤذيه، وإنما كان يلتقطه استقذاراً له. قوله: (ويحلُب شاته) بضم اللام ويجوز كسرها. وقوله: (ويخدم نفسه) وفي رواية: (يخيط ثوبه، ويخصف نعله). وفي رواية أخرى: (يرقع ثوبه، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم). وفي رواية أخرى أيضاً: يعمل عمل البيت، وأكثر ما يعمل الخياطة. فيسنُّ للرجل خدمة نفسه وأهله، لما في ذلك من التواضع وترك التكبر. ٤٨ - باب ما جاء في خُلُق رسول الله وَل بضم الخاء واللام وقد تسكن، وهو: الطبع والسجية من الأوصاف الباطنية، بخلاف الخَلْقِ بفتح الخاء وسكون اللام فإنه: اسم للصفات الظاهرية، وتعلق الكمال بالأول أكثر منه بالثاني، وعَرّف حجة الإسلام الغزالي الخُلق: بأنه هيئة للنفس يصدر عنه الأفعال بسهولة، فإن كانت تلك الأفعال جميلة سميت الهيئة خلقاً حسناً، وإلا سميت خلقاً سيئاً. فقول الشيخ ابن حجر: الخلق ملكة نفسانية ينشأ عنها جميل الأفعال: إنما هو تعريف للخلق الحسن لا لمطلق الخلق، وقد بلغ المصطفى من حسن الخلق ما لم يصل إليه أحد، وناهيك بقوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. ٣٤٣ - قوله: (المقرىء) بالهمز على صيغة اسم الفاعل من الإقراء وهو تعليم القرآن. قوله: (ليث بن سعد) أي الفَهْمي عالم أهل مصر كان نظير مالك في = ٥٧٢ الوَلِيد، عن سُلَيْمانَ بنِ خَارجَةَ، عن خَارِجَةَ بنِ زَيْدِ بنِ ثَابِت قال: دَخَلَ نَفَرٌ عَلى زَيْد بنِ ثَابتٍ فَقَالوا له: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ الله وَّهِ، قَال: ماذَا أُحَدِّئُكُم؟ كُنْتُ جَارَهُ، فَكَان إِذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بَعَثَ إليَّ فَكَتَبْتُهُ لَه، فَكُنَّا إذا ذَكَرْنَا الدُّنْيا = العلم، وكان في الكرم غايةً، حتى قيل: إنه كان دخله كل سنة ثمانين ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة قط. قوله: (نفر) بفتحتين: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، بل من معناه، وهو رجل. قوله: (على زيد بن ثابت) أي: ابن الضحاك، وهو صحابي مشهور كاتب الوحي والمراسلات. قوله: (حدِّثْنا أحاديث رسول الله وَ ر) كأنهم سألوه أن يحدثهم أحاديث الشمائل فاستعظم التحديث فيها فلذلك قال: ماذا أحدثكم؟! استفهام تعجب أيْ: أيَّ شيء أحدثكم مع كون شمائله وَّ لا يحاط بها كلها، بل ولا ببعضها من حيث الحقيقة والكمال، وغرضه بذلك رد ما وقع في أنفسهم من إمكان الإحاطة بها أو ببعضها على الحقيقة. قوله: (كنت جاره) أي فأنا أعرف بأحواله من غيري، وأراد بذلك أنه يفيدهم بعض أحواله ◌َّ ر على وجه الضبط والإتقان. قوله: (بعث إلي) أي لكتابة الوحي غالباً كما يدل عليه قوله: فكتبته له. فهو من جملة كَتَبة الوحي، بل هو أجلهم، وهم تسعة: زيد المذكور، وعثمان، وعلي، وأُبيّ، ومعاوية، وخالد بن سعيد، وحنظلة بن الربيع، والعلاء بن الحضرمي، وأبان بن سعيد. قوله: (فكنا) أي معاشر الصحابة. ٥٧٣ ذكَرَهَا مَعَنَا، وإذا ذَكَرْنا الْآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وإذا ذَكَرْنا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُلُّ هَذا أُحَدِّئُكُمْ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. ٣٤٤ - حدثنا إِسْحَاقُ بنُ موسَى، حَدَّثَنَا يُونُس بنُ بُكَيْرِ، عن مُحَمّدِ بنِ إِسْحَاقَ، عَن زِيادِ بنِ أبي زِيادٍ، عَن مُحَمَّدِ بنِ کَعْبٍ القُرَظِيِّ، عَن عَمْرِو بنِ العاصي قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَديثِهِ عَلَى أَشَرِّ قوله: (إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا) أي ذكر الأمور المتعلقة بالدنيا المعينة على أمور الآخرة كالجهاد وما يتعلق به من المشاورة في أموره. وقوله: (إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا) أي ذكر تفاصيل أحوالها. وقوله: (وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا) أي ذكر أنواعه من المأكولات والمشروبات والفواكه، وأفاد ما في كل واحد من الحكم المتعلقة به، وما يتعلق به من منفعة ومضرة، كما يعرف من الطب النبوي، وإنما ذكر معهم الدنيا والطعام لأنه قد يقترن به فوائد علمية وآدابية، على أن فيه بيان جواز تحدث الكبير مع أصحابه في المباحات. قوله: (فكل هذا أحدثكم) أي لتتفقهوا في الدين، وإنما ذكر هذا ليؤكد به اهتمامه بالحديث، والروايةُ برفع ((كلُّ))، وإن كان الأولى من حيثُ العربية النصب، على أنه مفعول مقدم لأحدثكم لاستغنائه عن الحذف. ٣٤٤ - قوله: (القُرظي) نسبة إلى قريظة قبيلة معروفة من يهود المدينة. قوله: (عمرو بن العاصي) بالياء، وحذفها لغة، أسلمَ وهاجرَ في صَفَر سنة ثمان، وأُمّر على غزوة ذات السلاسل. قوله: (يقبل بوجهه وحديثه) أما الإقبال بالوجه فظاهر، وأما الإقبال بالحديث فمعناه جعل الكلام مع المخاطب وقصده به، فهو معنوي، = ٥٧٤ القَوْم يَتَألَّفُهُم بِذلِكَ، فَكَانَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَديثِهِ عَلَيَّ حَتَّى ظَنَنْتُ أنِّي خيرُ القَوْمِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أَنَا خَيْرٌ أو أَبُو بَكْرٍ؟ قال: ((أَبُو بَكْرِ))، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله أنا خَيْرٌ أَمْ عُمَرُ؟ فقالَ: ((عُمَرُ))، فقُلْتُ: يا رَسُولَ الله أنا خَيْرٌ أَم عُثْمانُ؟ فقالَ: ((عُثْمَانُ))، فلمّا = والأول: حسي. وقوله: (على أشر القوم) الكثيرُ حذفُ الهمزة واستعمالُه بها لغة رديئة أو قليلة. قوله: (يتألفهم) أي الأشر، وإنما أتى بضمير الجمع لأنه جمع في المعنى . وقوله: (بذلك) أي الإقبال المفهوم من الفعل، وإنما كان يتألفهم بذلك ليثبتوا على الإسلام أو لاتقاء شرهم، فاتقاء الشر بالإقبال على أهله والتبسم في وجههم جائز، وأما الثناء عليهم فلا يجوز لأنه كذب صريح، ولا ينافي هذا استواء صَحْبه في الإقبال عليهم، على ما سبق لأن ذلك حيث لا ضرورة تُحوج إلى التخصيص، وتخصيص الأشر بالإقبال عليه لضرورة تأليفه، ومن فوائده أيضاً حفظ من هو خير عن العجب والكبر. قوله: (حتى ظننت أني خير القوم) أي لأنه كان لا يعرف أن شيمته وخلقه بَّر في التألف، فظن أن إقباله عليه لكونه خير القوم، وهو في الحقيقة لكونه شرَّ القوم(١). قوله: (فقلت: يا رسول الله) الخ أي: بناء على ظنه وتردده في بعض أكابر الصحب. (١) لفظ المناوي: ((من شرّ القوم))، والمراد: من أقلُّهم في المحبة، وهو رضي الله عنه ممن أسلم وحسن إسلامه، وأمَّرَه ◌َّر على غزوة ذات السلاسل، كما تقدم، وثبت ثناء النبي ◌َّد عليه في غير حديث. ٥٧٥ سأَلْتُ رَسُولَ اللهِ فَصَدَقَنِي فَلَوَدِدْتُ أَنِّي لَم أَكُنْ سَأَلَتُه. ٣٤٥ - حدثنا قُتَنِيَةُ بنُ سَعِيدٍ، أَنْبَنَا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمانَ الضُّبَعِيُّ، عَن ثابتٍ، عن أَنَسِ بنِ مَالِكِ رضيَ الله عَنْهُ قال: خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِّهِ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قوله: (فصدقني) بتخفيف الدال أي أجابني بالصدق من غير مراعاة ومداراة، وفي بعض النسخ: صدقني بدون فاء، وهو الأولى لأن الغالب والمشهور عدم دخول الفاء في جواب لما، لكنه شائع كما صرح به بعض أئمة النحو. قوله: (فلودِدت) بكسر الدال، واللام للقسم. وقوله: (أني لم أكن سألته) أي لأنه تبين له أنه شر القوم (١)، وأنه أخطأ في ظنه، فينبغي للشخص أن لا يسأل عن شيء إلا بعد التثبت لأنه ربما ظهر خطؤه فینفضح حاله. ٣٤٥ - قوله: (الضبعي) بضم الضاد وفتح الباء. قوله: (قال) أي أنس. وقوله: (خدمت رسول الله وَّ ر عشر سنين) أي في السفر والحضر، وكان عمره حينئذ عشر سنين أيضاً، وهذا الحديث رواه أبو نعيم عن أنس أيضاً بلفظ: خدمت رسول الله وَ﴿ عشر سنين فما سبَّني قط، وما ضربني ضربة، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي، ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني عليه، فإنْ عاتبني أحد قال: ((دعوه، ولو قُدِّر شيء كان)). قوله: (فما قال لي أف) بضم الهمزة وتشديد الفاء مكسورة بلا تنوين، وبه، ومفتوحة بلا تنوين، فهذه ثلاث لغات قرىء بها في السبع، وذكر فيها (١) دونهم وأقلهم، كما تقدم. = ٥٧٦ قطُّ، ومَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُه: لمَ صَنَعْتَهُ، ولا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ، وَكَانَ رَسُولُ الله ◌ِلَهُ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقاً، = بعضهم عشر لغات، وقد ذكر أبو الحسن الكرماني فيها تسعاً وثلاثين لغة، وزاد ابن عطية واحدة فأكملها أربعين، ونظمها السيوطي في أبيات فأجاد، وهي كلمة تَبَزُّم ومَلال، تقال لكل ما يتضجَّر منه، ويستوي فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾. وقوله: (قطُّ) بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أشهر لغاتها، وهي ظرف بمعنى الزمن الماضي، فالمعنى: فيما مضى من عمري، وربما يستعمل بمعنى: دائماً. وقوله: (ما قال لي لشيء صنعتُه: لمَ صنعتَه، ولا لشيء تركته: لم تركته) أي: لشدة وثوقه ويقينه بالقضاء والقدر، ولذلك زاد في رواية: ولكن يقول: ((قدَّر الله وما شاء فعل، ولو قدر الله كان، ولو شاء الله لكان))، فكان يشهد أن الفعل من الله ولا فعل لأَنَسِ في الحقيقة، فلا فاعل إلا الله، والخلق الآن وسائط، فالغضب على المخلوق في شيء فَعَله أو تركه ينافي كمال التوحيد، كما هو مقرر في علمه من وحدة الأفعال، وفي ذلك بيان كمال خُلُقه، وصبره، وحسن عشرته، وعظيم حلمه، وصفحه، وترك العقاب على ما فات، وصون اللسان عن الزجر والذم للمخلوقات، وتأليف خاطر الخادم بترك معاتبته على كلا الحالات، وهذا كله في الأمور المتعلقة بحظ الإنسان، وأما ما يتعلق بالله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يتسامح فيه، لأنه إذا انتُهك شيء من محارم الله اشتد غضبه، وهذا يقتضي أن أنساً لم ينتهك شيئاً من محارم الله، ولم يرتكب ما يوجب المؤاخذة شرعاً في مدة خدمته له وَلهر، ففي ذلك منقبة عظيمة له وفضيلة تامة . قوله: (وكان رسول الله ◌َله من أحسن الناس خُلُقاً) ينبغي إسقاط = ٥٧٧ ولاَ مَسِسْتُ خزًّا ولاَ حريراً قطَّ، ولا شيئاً كان ألينَ منْ كفِّ رسُولِ الله ◌َِّةِ، وَلاَ شَمِمْتُ = (مِن) لأنه وَ ل أحسن الناس خلقاً إجماعاً، فكان الأولى تركها لإيهامها خلاف ذلك، وإن كانت لا تنافيه لأن الأحسنَ المتعدِّدَ بعضه أحسنُ من بعضٍ، وقد يقال: أتى بها دفعاً لما عساه يُتوهم من عدم مشاركة بقية الأنبياء له في أحسنية الخلق، والحال أنَّه أحسنهم. وَعَزَّفوا حُسن الخلق بأنه: مخالطة الناس بالجميل، والبِشر، واللطافة، وتحمل الأذى، والإشفاق عليهم، والحلم، والصبر، وترك الترفع والاستطالة عليهم، وتجنب الغلظةِ، والغضب، والمؤاخذة. واستفيد من قوله: (وكان رسول الله من أحسن الناس خُلُقَاً) أنَّ هذا شأنه مع عموم الناس لا مع خصوص أنس. قال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وقال: ﴿ولو كنت فظاً غليظَ القلب لانفضُوا من حولك﴾. قوله: (ولا مَسِسْتُ) بكسر السين الأولى على الأفصح، وقد تُفتح. وقوله: (خَزَّا) أي: ثوباً مُركباً من حرير وغيره، ففي ((النهاية)) الخز: ثياب تُعمل من صوف وإبريسم، وهو مباح إن لم يَزِدْ وزن الحرير على غيره، ولا عبرة بزيادة الظهور فقط، وفي بعض النسخ: ((قط)). وقوله: (ولا حريراً) أي: خالصاً، ليغاير ما قبله. وقوله: (ولا شيئاً) أي: حريراً أو غيره، فهو تعميم بعد تخصيص. وقوله: (كان أَلْيَنَ مِنْ كف رسول الله وَّ﴾ أي: بل كفه الشريفة كانت ألين من كل شيء، ولا يُنافيه ما مر ((أنه شئن الكف)) لأن معناه كما تقدم أنه غليظها، فمع كونه غليظَ الكف كان ناعمها. قوله: (ولا شَمِمْت) بكسر الميم الأولى وبفتحها مِن باب: تعب ونصر . ٥٧٨ مِسْكاً قطُّ، ولا عِطراً كانَ أطيبَ منْ عَرقِ النَّبِيِّ وَّل ـ ٣٤٦ - حدّثنا قُتيبةُ بنْ سعيدٍ وأحمدُ بنُ عبدةَ - هُو الضَّبِّيُّ - والمعنىَ واحدٌ قالا: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عنْ سَلْمِ العَلَويِّ، عنْ وقوله: (مسكاً) بكسر الميم وهو: طِيْبٌ معروف، وأصله: دَمٌّ يتجمد في خارج سُرَّة الظبية، ثم ينقلبُ طِيْباً، وهو طاهر إجماعاً - ولا يعتد بخلاف الشيعة - وإنما خصه لأنه أطيب الطيب وأشهره. وقوله: (ولا عطراً) في رواية: (ولا شيئاً) وعلى كل فهو تعميم بعد تخصیص . وقوله: (كان أطيب من عَرَق)، بالقاف مع فتح الراء. وفي نسخة: (عَرْف) بالفاء مع سكون الراء، وهو: الريح الطيب، وكلاهما صحيح، لكن الأول هو الثابت في معظم الطرق، والمقصود أنَّ عرقه بَّ أو عَرْفه أطيب مما شمّه من أنواع الطيب، وإن كان لا يلزم من نفي الشم الأطيبيةُ، مع أنها المقصودة، والمراد: بيان رائحته الذاتية لا المكتسبة، لأنَّ لو أُريد المكتسبة لم يكن فيه كمال مدح، بل لا تصح إرادتها وحدها، ومع كونه كان كذلك - وإنْ لم يمسَّ طيباً - كان يستعمل الطيب في كثير من الأوقات، مبالغة في طيب ريحه: لملاقاة الملائكة، ومجالسته المسلمين، وللاقتداء به في التطيب، فإنه سنة أكيدة. ٣٤٦ - قوله: (وأحمد بن عَبْدة) بفتح العين وسكون الباء. وقوله: (والمعنى واحد) أي: وإن اختلف اللفظ، فمؤدى حديثهما واحد، لاتحادهما في المعنى. قوله: (قالا) أي: الشيخان المذكوران. وقوله: (عن سَلْم) بفتح السين وسكون اللام. وقوله: (العلوي) بفتح اللام نسبة إلى: بني علي بن ثوبان، قبيلة = ٥٧٩ أنسِ بنِ مالكِ رضيَ الله عنهُ، عنْ رَسُول اللهِ وَِّ أنَّهُ كانَ عندهُ رجُلٌ بهِ أثرُ صُفْرةٍ، قالَ: وكانَ رسُولُ اللهِ وَ لا يكادُ يُواجِهُ أحداً بشيءٍ يكرهُهُ، فلمَّا قامَ قالَ للقَومِ: ((لو قُلْتُمْ لَهُ يَدَعُ هذه الصُّفرةَ». = معروفة. قوله: (أنَّه) أي: الحال والشأن. وقوله: (كان عنده) أي: عند رسول الله وَ له . وقوله: (رجل به أَثَر صفرة) أي: عليه بقية صفرة من زعفران. وقوله: (قال) أي: أنس. وقوله: (وكان رسول الله وَل﴿ لا يكاد يواجه) إلخ. أي: لا يقرب من المواجهة بذلك، والمقابلة، فإن المواجهة بالكلام: المقابلة، وإنما لم يواجههم بذلك خشيةً من كُفرهم، فإنَّ مَنْ ترك امتثاله عناداً كَفَر، ولا يخفى أنَّ نفى القرب من الشيء أبلغ من نفي ذلك الشيء، فقوله: ((لا يكاد يواجه)). أبلغ من قوله: ((لا يواجه)). وقوله: (أحداً) أي: من المسلمين، بخلاف الكفار فكان يُغلظ عليهم باللسان والسِّنان، امتثالاً لأمر الرحمن. وقوله: (بشيء يكرهه) أي: من أمر أو نهى يكرهه ذلك الأحد، فالضمير المستتر في يكره لـ: لأحد، والبارز لـ: لشيء. وقوله: (فلما قام) أي: الرجل من المجلس. وقوله: (قال للقوم) أي: أصحابه الحاضرين بالمجلس. وقوله: (لو قلتم له يَدَعُ هذه الصفرة). أي: لو قلتم له يترك هذه الصفرة لكان أحسن، فجواب لو محذوف بناء على أنها شرطية، ويحتمل أنّها للتمني فلا جواب لها. والمراد أنه لا يكاد يواجه أحداً بمكروه غالباً، فلا ينافي فيما ثبت عن = ٥٨٠ ٣٤٧ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بشَارِ، حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الله الجَدَلِيِّ، عنْ عائشةَ رضي الله عنها أنَّها قالتْ: لمْ يكُن رسُول الله وَلِّ فاحشاً، ولا مُتَفَخِّشاً، ولاَ صَخَّاباً في الأسواقِ، = عبد الله بن عَمْرو بن العاص أنه قال: رأى رسول الله وَّهُ عَلَيَّ ثوبين معصفرين فقال: ((إن هذين من ثياب الكفار فلا تلبسهما))، وفي رواية: قلت: أغسلُهما؟ قال: ((بل أَحرِقْهما)) ولعل الأمر بالإحراق محمول على الزجر، وهذا يدل على ما عليه بعض العلماء من تحريم المعصفر، والجمهور على كراهته. ٣٤٧ - قوله: (عن أبي عبد الله الجَدَلِي) بفتح الجيم والدال نسبة إلى قبيلة جديلة، واسمه: عبد بن عبد. قوله: (لم يكن رسول الله (وَلّ فاحشاً) أي: ذا فُحش طبعاً في أقواله وأفعاله وصفاته، وإن كان استعماله في القول أكثر، وهو: ما خرج عن مقداره حتى يُستقبح. وقوله: (ولا متفحشاً) أي: متكلفاً للفحش في أقواله وأفعاله وصفاته، فالمقصود نفي الفحش عنه وَ ل﴿ طبعاً وتَكَلُّفَاً، إذ لا يلزم من نفى الفحش من جهة الطبع نفيه من جهة التطبع، وكذا عكسه، فمنْ ثَمَّ تسلط النفي على كل منهما، فهذا منْ بديع الكلام. قوله: (ولا صخاباً في الأسواق) أي: لم يكن ذا صخب في الأسواق فصيغة فَعَّال هنا للَّسَب، كَتَمار ولبّان، فيفيد التركيب حينئذ نفي الصَّخَبِ من أصله، على حد: ((وما ربك بظلام للعبيد))، أي: بذي ظلم، وليست للمبالغة، لئلا يفيد التركيب حينئذ نفي كثرة الصخب فقط، والصَّخَب محركاً: شدة الصوت يقال: صَخِبَ كفرح، فهو: صَخَّاب، وهي صحابة، =