Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
ثمَّ صلَّى العصرَ، ولم يَتَوضَّأْ.
١٨١ - حدثنا العبَّاسُ بنُ محمَّد الدُّوْرِيُّ، حدَّثنا يونُسُ بنُ
محمَّدٍ، حذَّثنا فُلِيحُ بنُ سُليمانَ، عنْ عُثمانَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ، عن
يَعقوبَ بِن أبي يَعقوبَ، عن أمِّ المُنذِرِ قالتْ: دَخَلَ عليَّ رسول الله
وَّر، ومعهُ عليٌّ، ولنَا دَوالِي مُعلَّقَةٌ، قالت: فجعلَ رسُولُ اللهِ وَيه
يأكُلُ، وعليٌّ معهُ يأْكُلُ، فقالَ بِّهَ لعليٍّ: ((مَهْ يا علىُّ فإنَّكَ نَاقِهُ! »
= ولم يتخلل بينهما شرب، لأنه حينئذ أَكْلٌ واحد، وإلا فهو مُضِرٍّ طِبّاً.
وقوله: (ثم صلى العصر ولم يتوضأ) أي: لكونه لم يحدث. ويُعلم
منه أن الوضوء لا يجب مما مسته النار.
١٨١ - قوله: (عن أم المنذر) هي إحدى خالات النبي ◌َّر من جهة
أبيه. بايعتْ، وصَلَّتْ إلى القبلتين.
قوله: (قالت: دخل عليَّ) بتشديد الياء.
وقوله: (ولنا دوالي معلقة) الدَّوالي : - بفتح الدال ـ جمع دالية: وهي
العِذْق من النخلة، يُقْطَع ذا بُسْر، ثم يُعلَّق فإذا أَرْطَبَ أُكِل. وقال ابن
العربي: الدوالي: العنب المعلَّق في شجره.
وقوله: (فجعل رسول الله وَ ﴿ يأكل) أي: فشرع رسول الله وَلير يأكل.
وقوله: (فقال ◌َِّ لعليٍّ: مَهْ) أي: اكفُفْ.
وقوله: (فإنك ناقِهٌ) أي: قريبُ بُرْءٍ من المرض، فإن طبيعته لم ترجع
بعدُ إلى قوَّها، فتخليطه يوجب انتكاساً أصعبَ من ابتداءٍ مرضه. وقد اشتهر
على الألسنة: الحِمْيَة رأسُ الدواء، والمعِدةُ بيتُ الداء، وعوّدوا كلَّ جسد
ما اعتاد. وهو ليس بحديث، وإنما هو من كلام الحارث بن كَلَدة، طبيبٍ
العرب.

٣٠٢
قالتْ: فَجَلَسَ عِلِيٍّ، والنبيُّ وَّهِ يأكُلُ، قالت: فجَعَلتُ لهُمْ سِلْقاً
وشَعيراً، فقالَ النَّبِيُّ وَهَ لعليٍّ: ((مِنْ هذا فَأَصِبْ، فإنَّ هذا أوفقُ
لَكَ)).
ولا ينافي نهيَه لعلي خبرُ ابن ماجه: أنه وَلِّ عاد رجلاً فقال له: ((ما
=
تشتهي؟)) قال: كعكاً، وفي لفظ: خبزَ بّرِ فقال: ((مَنْ عنده خبْزُ بر، فليبعث
إلى أخيه، وإذا اشتهى مريضُ أحدِكم شيئاً، فليُطعمْه)) لأن العليل إذا
اشتدت شهوته لشيء ومالت إليه طبيعته، فتناول منه القليل، لا يحصل له
منه ضرر، لأن المعدة، والطبيعة، يتلقيانه بالقبول، فيندفع عنه ضرره، بل
ربما كان ذلك أكثر نفعاً من كثير من الأدوية التي تنفِر منها الطبيعة. وهذا
سرٌّ طبي لطيف.
قوله: (فجلس عليٌّ، والنبي ◌َّ يأكل) فيه جواز الأكل قائماً بلا
كراهة، لكن تركه أفضلُ، كما في الأنوار.
وقوله: (قالت: فجعلتُ لهم سلقاً وشعيراً) فبسبب أمره وَّ عليّاً
بالترك لكونه ناقِهاً، جَعَلَتْ لهم سِلقاً - بكسر المهملة وسكون اللام، وهو
النبت المشهور - وشعيراً لأنه نافع. والمراد بضمير الجمع ما فوق الواحد.
وقيل كان معهما ثالث. واقتصر على ذكر عليٍّ فيما سبق: لداعي بيان ما
جرى بينه وبين النبي ◌َّهِ. وفي بعض النسخ ((فجعلتُ له)) بضمير المفرد،
وهو راجع للنبي وَّرَ. واقتَصَرتْ عليه: لأنه المتبوع. وزَعْمُ أنه لعليٍّ وَهْمٌ.
وقوله: (فقال النبي ◌َّ لعلي: من هذا فأصِبْ) أي: إذا حصل هذا،
فكل منه معنا. فالفاء في جواب شرط محذوف. وفي التعبير بأصِبْ: إشارةٌ
إلى أن أكله منه هو الصواب. وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر. أي:
فخُصَّه بالإصابة ولا تتجاوزه.
وقوله: (فإن هذا أوفق لك) أي: موافق لك. فأفْعلُ التفضيلِ ليس
على بابه، وإنما كان موافقاً له. لأن ماء الشعير نافع للناقِهِ جداً، لا سيما =

٣٠٣
١٨٢ - حدثنا محمُودُ بنُ غيلانَ، حدَّثنا بِشرُ بنُ السَّريِّ، عنْ
سُفيانَ، عنْ طلحةَ بنِ يحيى، عن عائِشَةَ بنتِ طَلْحَةَ، عنْ عَائِشَةَ
أمِّ المُؤمنينَ رضي الله عنها قالتْ: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم
يأتيني فَيَقُولُ: ((أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ؟)) فأقُولُ: لا،
= إذا طُبِخ بأصول السِلق، فإنه من أوفق الأغذية. بخلاف الرُّطَبِ والعِنَبِ فإن
الفاكهة تضر بالناقِهِ، لضعف المعدة عن دفعها، مع سرعة استحالتها.
ويؤخذ من هذا: أن التداوي مشروع، ولا ينافي التوكل.
١٨٢ - قوله: (بشر) بكسر الباء الموحدة، وسكون الشين المعجمة.
وقوله: (ابن السَّريِّ) بفتح المهملة، وكسر الراء، وتشديد الياء
التحتية، كان صاحب مواعظ، فلُقِّبَ بالأَفْوَه.
وقوله: (عن عائشةَ) بنتِ طلحة كانت فائقةً في الجمال، تزوجها
مصعب بن الزبير، وأصدقها ألف ألف درهم، فلما قُتِل تزوجها عمر بن
عبد الله التيمي بمئة ألف دينار، ثم تزوجها بعده ابن عمها عمر بن عبيد الله
على مئة ألف دينار.
وقوله: (عن عائشة أم المؤمنين) إنما سميت زوجات النبي أمهاتٍ
المؤمنين: لحرمتهن عليهم. وقيل: لوجوب رعايتهن، واحترامهن. وعلى
الأول: فلا يقال أمهات المؤمنات. وعلى الثاني: يقال ذلك.
قوله: (أعندكِ غَداء؟) بفتح الغين المعجمة وبالدال المهملة مع المد:
وهو الطعام الذي يؤكل أول النهار، وأما بكسر الغين المعجمة وبالذال
المعجمة أيضاً، فهو ما يؤكل على وجه التغذي مطلقاً. فيشمل العَشاء كما
يشمل الغَداء.
و قوله: (فأقول: لا) أي: ليس عندي غداء.

٣٠٤
فيقُولُ: ((إنِّي صائِمٌ)) قالتْ: فأَتَانِي يوماً فقلتُ: يا رسُولَ اللهِ إِنَّه
أُهْدِيَتْ لِنَا هَدِيَّةٌ، قالَ: ((وما هِي؟)) قُلتُ: حَيْسٌ، قال: ((أمَا إِنِّي
أَصْبَحْتُ صَائِماً)»، قالتْ: ثمَّ أكلَ.
١٨٣ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ
ابنِ غِیاتٍ، حدّثنا أبي،
وقوله: (فيقول: إني صائم) أي: ينوي الصوم بهذه العبارة. وهو
صريح في جواز نية صوم النفل نهاراً، لكن إلى الزوال عند الشافعي. وفي
قوله: ((إني صائم)) إيماءٌ إلى أنه لا بأس بإظهار النفل لقصد التعليم.
وقوله: (قلت: حَيْسٌ) بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتية، وفي
آخره سين مهملة، وهو التمر مع السمن والأَقِطِ، وقد يُجعل عوضَ الأقط
الدقيقُ أو الفَتِيتُ، فيُذْلَكُ الجميعُ حتى يختلط. قال الشاعر:
وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدعى جندبُ
وإذا تكون كريهة أُدعى لها
لا أُمَ لي - إن كان ذاك - ولا أبُ
هذا - وجدِّكم - الصَّغارُ بعينه
فيكم على تلك القضية أَعْجَبُ
عجبٌ لتلك قضية، وإقامتي
وقوله: (قال: أَمَا) بالتخفيف للتنبيه.
وقوله: (إني أصبحت صائماً) إخبار عن كونه صائماً، فيكون قد نوى
من الليل.
وقوله: (قالت: ثم أكل) هذا صريح في حلّ قطع النفل. وهو مذهب
الشافعي كالأكثر. ويوافقه خبر: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام،
وإن شاء أفطر)) وأما قوله تعالى: ﴿ولا تُبطلوا أعمالكم﴾ فهو في الفرض
وجوباً، والنفلِ ندباً، جمعاً بين الأدلة.
١٨٣ - قوله: (أبي) أي: حفص بن غياث.

٣٠٥
عن محمَّدٍ بنِ أبي يحيى الأسلميِّ، عن يَزِيدَ بنِ أبي أُميَّةَ الأعورِ،
عن يُوسُفَ بن عبدِ الله بن سلام قالَ: رأيتُ النَّبيَّ بَّهِ أَخَذَ كِسرةً
من خُبِزِ الشَّعيرِ فَوضعَ عليهَا تَمرَةً وقال: ((هذِهِ إِدَامُ هذِهِ)) وَأَكَلَ.
١٨٤ - حدثنا عَبدُ الله بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بنُ سُليمانَ،
وقوله: (الأسلمي) نسبة إلى أسلم: قبيلة.
وقوله: (عن يوسف بن عبد الله بن سلام) كلٌّ من يوسفَ وأبيه عبدِ الله
صحابيٌّ. روى يوسفُ عن رسول اللهِ وَِّ ثلاثةَ أحاديثَ، وُلد في حياة
رسول الله وَّرُ وحُمِل إليه، وأقعده في حِجره، وسماه يوسف، ومسح
رأسه. وفي نسخة صحيحة ((عن عبد الله بن سلام)) وعلى هذه النسخة:
فيوسف روى هذا الحديثَ عن أبيه، عن رسول الله بَّهِ، بخلافه على
النسخة الأولى: فيكون يوسف رواه عن رسول الله ێ.
قوله: (أخذ كِسْرة) بكسر الكاف وسكون السين، أي: قطعة.
وقوله: (من خبز الشعير) وفي نسخة: ((من خبز شعيرٍ)) بالتنكير.
وقوله: (وقال: هذه إدام هذه) أي: هذه التمرةُ إدامُ هذه الكِسْرة.
وقوله: (وأكل) في نسخة: ((فأكل)). ويؤخذ من هذا: أنه رَُّ كان يُدَبّر
الغذاء، فإن الشعير بارد يابس، والتمرَ حارٌّ رطب، فكان وَّ لا يجمع بين
حارَّيْنٍ، ولا باردَيْنٍ، ولا مُسْهِلَيْنٍ، ولا قابضَيْنٍ، ولا غليظَيْنٍ، ولا بَيْنَ
مختلفَيْنِ كقابِضٍ ومَسهل، ولم يأكل طعاماً قط في حال شدة حرارته، ولا
طبيخاً بَائتاً مَسخَّناً، ولا شيئاً من الأطعمة العفِنة، والمالحة. فإن ذلك كله
ضار مولِّدٌ للخروج عن الصحة. وبالجملة: فكان ◌َّهُ يُصْلِحِ ضررَ بعض
الأغذية ببعض، إذا وجد إليه سبيلاً، ولم يَشْرَبْ على طعامه لئلا يَفْسُد.
ذكره ابن القيم.
١٨٤ - قوله: (سعید) بالياء.

٣٠٦
عن عبَّادِ بن العوَّام، عن حُميدٍ، عنْ أَنَسِ: أنَّ رَسُول الله وَّ كان
يُعجِبُهُ الثُفْلُ. قالَ عبدُ الله: يعني ما بَقَىٍ مَّنَ الطَّعامِ.
٢٧ - باب ما جاء في صفة وضوء رسول الله وَاللّه عند الطعام
١٨٥ - حدثنا أحمدُ بنُ منيع، حذَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن
وقوله: (عن عَبّاد بن العوَّام) بالتشديد فيهما.
و قوله: (عن حُمَید) بالتصغير .
قوله: (كان يعجبه الثُّفْل) بضم المثلثة وكسرها، وبسكون الفاء. ولعل
وجهَ إعجابه: أنه منضوجٌ غايةَ النُّضج القريب إلى الهضم. فهو أَهْناً،
وأَمْرَأُ، وأَلَذُّ. وفيه إشارة إلى التواضع والقناعةِ باليسير. وكثيرٌ من الأغنياء
يتكبّون، ويأنفون من أكل الثُّفْل. واللهُ جعَل جميل حكمته في أقواله
وأفعاله وأحواله وَهُ فطوبى لمَنْ عرف قدْرَهُ واقتفى أَثَرَهُ وَّهِ.
وقوله: (قال عبد الله) أي: شيخ المصنف .
وقوله: (يعني ما بقي من الطعام) أي: يقصد أنس بالثُفْل: ما بقي من
الطعام في أسافل القِدْر والظروف، كالقَصعة والصَّخْفة. وإنما فسره الراوي حذراً
من توهُّم خلاف المراد، وقيل: الثُّفْل هو الثريد. وهو مختار صاحب النهاية.
٢٧ - باب ما جاء في صفة وضوء رسول الله وَل عند الطعام
أي: باب بيان الأخبار الواردة في صفة وضوء رسول الله وص له عند
الطعام. والمراد بالوضوء: ما يشمل الشرعي واللغوي بدليل الأخبار الآتية.
فإرادة الشرعي من حيثُ بيانُ عدم طلبه الطعام لا وجوباً ولا ندباً، وإرادة
اللغوي من حيثُ بيانُ ندبه عند الطعام قبله وبعده. والطعام - بفتح الطاء -:
اسم لكل ما طُعِم، كالشراب: اسم لكل ما يُشْرَب.
١٨٥ - قوله: (عن ابن أبي مُلَيْكة) بالتصغير: واسمه(١) زهير بن عبد الله.
(١) أي: اسم أبي مليكة.

٣٠٧
أيُّوبَ، عنِ ابن أبي مُليكَةً، عنِ ابنِ عبَّاسِ: أنَّ رسُولَ الله
صَلَ اللَّه
خَرَج منَ الخَلاءِ، فَقُرِّبَ إليهِ الطَّعامُ، فقالوا: لا نأتِيكَ بِوَضُوءٍ؟
وسـ
قالَ: ((إنَّما أُمِرتُ بالوُضُوءِ إِذَا قُمتُ إلى الصَّلاَةِ)).
١٨٦ - حدثنا سَعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المخزوميُّ، حدثنا سفيانُ
ابنُ عيينةَ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ الحُويرثِ، عن ابنِ
عَبَّاسٍ، قالَ: خَرجَ رسولُ اللهِ بَّهِ مِنَ الغَائِطِ، فَأُنِّي بطعامٍ،
قوله: (فقالوا: لا نأتيك بوضوء؟) بحذف همزة الاستفهام، وفي نسخ
إثباتها. والوضوء هنا بالفتح: ما يُتوضأ به. وكان سبب قولهم ذلك:
اعتقادهم طلب الوضوء عند الطعام.
وقوله: (قال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة) أي: في قوله
تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية. قال الولي
العراقي: يستدل بالحديث: على أنه كان يحب الوضوء لكل صلاة، متطهراً
كان أو محدِثاً، وكان يفعل ذلك ثم تركه يوم الفتح، وصلى الصلوات
الخمس بوُضوء واحد، فقال له عمر: رأيتك فعلتَ شيئاً ما فعلته! فقال له:
((عمداً صنعته يا عمر)). والحصر إضافي. أي: لا عند الطعام. فليس مأموراً
به عنده لا وجوباً ولا ندباً. وحاصل الجواب: أن الأمر بالوُضوء منحصر
أصالة في القيام إلى الصلاة، لا عند الطعام. والوُضوء هنا بالضم: وهو
الفعل.
١٨٦ - قوله: (ابن الحُوَيَرث) تصغير الحارث.
قوله: (من الغائط) يصح حمل الغائط على المحل الذي تُقُضى فيه
الحاجة، وعلى الخارج نفسه، لكن بتقدير مضاف، أي: من مكان الغائط.
والأول أولى، لعدم احتياجه إلى تقدير.

٣٠٨
فقيلَ لهُ: أَلا تَوَضَّأُ؟ فقالَ: (أَأُصلِّي فأَتَوضَّأُ؟!».
١٨٧ - حدّثنا يحيى بنُ موسى، حَدَّثنا عبدُ الله بنُ نُميرٍ، حَدَّثنا
قيسُ بنُ الرَّبیعِ.
ح، وحدثنا قتيبَةُ، حدَّثَنَا عبدُ الكريم الجُرجَانيُّ، عن قيس بنِ
الربيع، عن أبي هاشم، عن زاذانَ، عن سلمانَ قالَ: قرأتُ في
الثَّوراةِ: إنَّ بركَةَ الطَّعام الوُضوءُ بعدهُ، فذكرتُ ذلك للنَّبِيِّ وَِّ،
وقوله: (فقيل له: ألا تَوَضأ؟) بحذف إحدى التاءين. والأصل: تتوضأ
كما في نسخة.
وقوله: (فقال: أأصلي) بهمزتين: الأولى للاستفهام إنكاراً لما توهموه
مِن طلب الوضوء عند الطعام.
٩
وقوله: (فأتوضأَ) بالنصب على قصد السببية، وبالرفع على عدم
قصدها .
١٨٧ - قوله: (ح) إشارة للتحويل.
قوله: (الجُزْجاني) بضم الجيم الأولى: نسبة إلى مدينة جرجان.
وقوله: (عن زاذان) بزاي، وذال معجمة بين الألفين، آخره نون.
قوله: (قال: قرأتُ في التوراة) وهي أعظم الكتب بعد القرآن.
وقوله: (إن بركة الطعام الوضوء بعده) يصح قراءته بكسر الهمزة، على
أن المعنى إن هذه الجملة في التوراة، ويصح الفتح أيضاً. ولم يتعرض
للوضوء قبله، وسيأتي ذكره في الحديث.
وقوله: (فذكرت ذلك للنبي وَّ﴾﴾ أي: فذكرت له أن في التوراة ذلك.

٣٠٩
وأَخبرتُهُ بما قرأتُ في التَّوراةِ فقالَ رسولُ اللهِ وَهِ: (بَركَةُ الطَّعام:
الوضوءُ قبلَهُ والوضُوءُ بعدَهُ)).
وقوله: (وأخبرته بما قرأت في التوراة) أي: بقراءتي في التوراة. فما
مصدرية. وحينئذ فلا يغني عنه ما قبله.
وقوله: (بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده) أي: بركة الطعام
تحصل بالوضوء قبله، أي: عند إرادته، بحيث ينسب إليه، والوضوء
بعده، أي: عقب فراغه، فيحصل بالأول: استمراؤه على الأكل، وحصول
نفعه، وزوال ضرره، وترتب الأخلاقِ الكريمة، والعزائم الجميلة عليه.
ويحصل بالثاني: زوال نحو الغَمْر المستلزِم لبعد الشيطان وَدحضه. والمراد
بالوضوء هنا المعنى اللغوي وهو: غسل الكفين. وقول بعض الشافعية:
أراد الوضوءَ الشرعيَّ: يدفعه تصريحهم بأن الوضوء الشرعي ليس سنةً عند
الأكل.
ويسن تقديم الصبيان على المشايخ في الغَسْلِ قبل الطعام، لأن أيدي
الصبيان أقرب إلى الوسخ، وقد يفقد الماء لو قُدّم المشايخ. وأما بعد
الطعام فبالعكس إكراماً للشيوخ. وهذا كله في غيرَ صاحب الطعام، أما
هو: فيتقدمُ بالغَسل قبل الطعام، ويتأخر به بعده. ويسن تنشيف اليدين من
الغَسل بعد الطعام لا قبلَه، لأنه ربما كان بالمنديل وسخ يَعْلَقُ باليد، ولأن
بقاء أثر الماء يمنع شدة التصاق الدهنية باليدين.

٣١٠
٢٨ - باب ما جاء في قول رسول الله
قبل الطعام وبعد ما يفرغ منه
١٨٨ - حدّثنا قُتِبَةُ، حدَّثَنا ابنُ لَهِيعةَ، عن يزيدَ بنِ أَبِي حَبيبٍ،
عن راشدٍ اليافعيِّ، عن حَبيبٍ بن أَوسٍ، عن أَبي أيُوبَ الأنصاريِّ
قالَ: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ ◌َلُ ول يوماً،
٢٨ - باب ما جاء في قول رسول الله وَل
قبل الطعام وبعد ما يفرغ منه
أي: باب بيان الأخبار الواردة في قول رسول الله وَل قبل الطعام،
وهو التسمية - وبعد ما يفرغ منه - وهو الحمدلة - وينبغي أن مثلَ الطعام
الشرابُ، بل هو منه، كما يؤخذ من قوله تعالى - فيما حكاه في القرآن -:
﴿ومن لم يَطْعَمْه فإنه منّ﴾ .
١٨٨ - قوله: (ابن لهيعة) بوزن صَحيفة، فهو بفتح اللام، وكسر
الهاء، بعدها ياء، وفتح العين المهملة، بعدها هاء التأنيث. واسمه: عبد الله.
وقوله: (عن يزيد بن أبي حبيب) اسمه سُوَيَد: بالتصغير.
وقوله: (عن راشد اليافعي) أي: ابن جندل المصري. ثقة.
وقوله: (عن أبي أيوب الأنصاري) أي: الخزرجي. مات بالقُسطنطينية
سنة إحدى وخمسين، وذلك أنه خرج مع يزيد بن معاوية، لما أعطاه أبوه
القُسطنطينية، فمرض، فلما ثقل عليه المرض، قال لأصحابه: إذا أنا مُتّ،
فاحملوني، فإذا صاففتم العدو، فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا، ودفنوه
قريباً من سُورها، وهو معروف إلى اليوم، والناس يعظمونه، ويستشفون
به، فيشْفَون. وهذا مصداق حديث: ((من تواضع لله رفعه الله)) فلما قصد
التواضع بدفنه تحت الأقدام: رفعه الله بتعظيمهم له. وكان مع [عليّ] بن
أبي طالب في حروبه كلها. قوله: (فقُرّب) أي: إليه، كما في نسخة.

٣١١
فقُرَّبَ طعامٌ، فَلَمْ أَرَ طعاماً كانَ أعظَمَ بركَةً مِنْهُ أَوَّلَ ما أَكَلْنَا، ولا
أَقَلَّ بَرِكَةً فِي آخرِهِ، فقلنا: يا رسُولَ اللهِ كَيفَ هذَا؟ قالَ: ((إِنَّا
ذَكَرَنَا اسمَ اللهِ حِينَ أَكلنَا، ثُمَّ قَعدَ مَنْ أَكل ولمْ يُسَمِّ اللهَ تعالى،
فأَكَلَ معهُ الشَّيطانُ)).
قوله: (أول ما أكلنا) أي: أول أكلنا. فما مصدرية، وهو منصوب
على الظرفية مع تقدير مضاف. أي: في أول وقت أكلنا. ويدل عليه قوله:
(ولا أقلَّ بَرَكة في آخره) أي: في وقت آخرِ أكلنا إياه.
قوله: (فقلنا: يا رسول الله، كيف هذا؟) أي: يا رسول الله، بيِّن لنا
السببَ في كثرة البركة في أول أكلِنا، وفي قلتها في آخره.
قوله: (قال: إنا ذكرنا اسم الله حين أكلنا) أي: فبسبب ذلك كثُرتِ
البركة في أول أكلنا. وفيه إشارة إلى حصول سُنّة التسمية ببسم الله. وأما
زيادة ((الرحمن الرحيم)) فهي أكمل، كما قاله الغزالي والنووي وغيرهما.
فتندب التسمية على الطعام حتى للجنب والحائض والنفساء، لكن لا
يقصدون بها قرآناً، وإلا حرُمَتْ، ولا تندب في مكروه، ولا حرامٍ لذاتهما.
بخلاف المحرَّم والمكروه لعارض(١) .
قوله: (ثم قعد مَنْ أَكَل، ولم يسم الله تعالى، فأكل معه الشيطان) أي:
فبسبب ذلك قَلَّتِ البركةُ في آخره. وأكلُ الشيطان محمول على حقيقته عند
جمهور العلماء سلفاً وخلفاً، لإمكانه شرعاً وعقلاً. ولا يُشكل على ذلك ما
نقله الطيبي عن النووي: أن الشافعي قال: لو سمى واحد في جماعة
يأكلون كفى، وسقط الطلب عن الكل، لأنا نقول: كلام الشافعي رضي الله
(١) تكره التسمية مع المكروه لذاته، وتحرم مع المحرَّم لذاته، ولا تحرم مع المحرَّم
لعارض، ولا تكره مع المكروه لعارض. أفاده الشارح أولَ شرحه على ((الجوهرة)).

٣١٢
١٨٩ - حدّثنا يحيى بنُ مُوسى، حدَّثَنا أَبُو دَاودَ، حدَّثنا هِشامٌ
الدَّسْتَوائِيُّ، عَن بُديلِ العُقيليِّ، عن عبدِ الله بنِ عُبيدِ بنِ عُميرٍ، عَن
أُمّ كُلُثُوم، عن عائشةَ قالت: قَالَ رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((إذا أكلَ أحدُكمْ
فَنسيَ أَنْ يذكُر اللهَ تعالى على طَعامِهِ، فَلِيقُل: بسمِ اللهِ أوَّلَه
وآخِرَه)).
= عنه مخصوص بما إذا اشتغل جماعة بالأكل معاً، وسمى واحدٌ منهم.
فتسْميةُ هذا الواحد تجزىء عن الحاضرين معه وقت التسمية، والحديث
محمول على أن هذا الرجل حضر بعد التسمية، فلم تكن تلك التسميةُ مؤثرةً
في عدم تمكن الشيطان من الأكل معه. وأما حمْلُه على أن هذا الرجل
حضر بعد فراغهم من الطعام، ففيه بُعْدٌ، لأنه خلاف ظاهر الحديث. وكلمة
((ثم)) لا تدل إلا على تراخي قعود الرجل عن أول اشتغالهم بالأكل، لا عن
فراغهم منه، كما ادعاه مَنْ حَمَله على هذا.
١٨٩ - قوله: (الدَّستوائي) نسبة إلى دَستواء: بلدة من الأهواز. وإنما
نُسِب إليها لبيعه الثياب التي تجلب منها.
وقوله: (عن بُديل العُقَيلي) بالتصغير فيهما.
وقوله: (ابن عُبيد بن عُمير) بالتصغير فيهما أيضاً.
وقوله: (عن أم كلثوم) أي: بنت محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله
عنه. وقيل: بنت عقبة بن أبي معيط، صحابيةٌ هاجرت سنة سبع. وهي
أخت عثمان لأمه.
قوله: (فنسي أن يذكر الله تعالى على طعامه) أي: نسي التسمية حين
الشروع في الأكل، ثم تذكَّر في أثنائه. وفي نسخة: ((على الطعام)) وهي
بمعنی الأولى.
وقوله: (فليقل: بسم الله أوله وآخره) أي: ندباً. لا يقال ذِكْر الأولِ =

٣١٣
١٩٠ - حدّثنا عبدُ الله بنُ الصَّبَّاحِ الهاشِميُّ البصريُّ، حَدَّثَنَا
عبدُ الأعلى، عن مَعمرٍ، عَن هشامٍ بنِ عروةَ، عَن أَبيه، عَن عمرَ
ابنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّه دخَلَ على رسول اللهِ بَّهُ وعِندهُ طعامٌ فقالَ:
((أُدْنُ يا بُنيَّ فسمِّ اللهَ تعالى،
= والآخرِ يُخرِج الوسط، لأنا نقول: المرادُ بذلك التعميمُ. فالمعنى: بسم الله
على جميع أجزائه. فهو كقوله تعالى: ﴿ولهم رزقُهم فيها بكرةً وعشياً﴾ فإن
المراد به التعميم، بدليل قوله تعالى: ﴿أَكُلُها دائمٌ﴾ على أنه يمكن أن
يقال: المراد بأوله النصفُ الأول، وبآخره النصفُ الثاني، فلا واسطة .
١٩٠ - قوله: (عن عمر) بضم العين.
وقوله: (ابن أبي سَلَمة) بفتحات، واسمه عبد الله بن عبد الأسد،
ويُكنى [عُمر] بأبي حفص، وكان ربيبَ المصطفى بَّرَ من أم سلمة، ووُلد
بالحبشة حين هاجر أبوه إليها، ومات بالمدينة.
قوله: (أنه) أي: عمر.
وقوله: (وعنده طعام) أي: والحال أن عنده وَلّ طعاماً.
قوله: (أُدن) بضم همزة الوصل عند الابتداء بها، أي: أُقْرُب إلى
الطعام. يُقال: دنا منه وإليه: قَرُبَ.
وقوله: (يا بُنيّ) بصيغة التصغير، شفقةً منه وَّر. وهو بفتح التحتية
و کسرها.
قوله: (فَسَمِّ الله تعالى) أي: ندباً. فالأمر فيه الندب، وكذا ما بعده.
وفيه إشارة إلى حصول السنة: ببسم الله، والأكمل كمالها كما تقدم التنبيه
عليه. وقال حجة الإسلام: يقول مع اللقمة الأولى بسم الله، ومع الثانية
بسم الله الرحمن، ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم. فإن سمّى مع كل =

٣١٤
وكُلْ بيمينِكَ، وكُلْ مِمَّا يَليك)).
= لقمة، فهو أحسن، حتى لا يَشْغَلَه الشَّرَهُ عن ذِكر الله، وزِيد مع التسمية:
اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار. واستحب العبادي الشافعي أن
يقول: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء. ويسن للمُبَسْمِل الجهر ليَسمَعه
غيرُه فيقتدي به.
وقوله: (وكُل بيمينك) أي: ندباً، كما مر. وقيل وجوباً. وانتصر له
السبكي. ويؤيده ورود الوعيد في الأكل بالشمال. وورد: ((إذا أكل أحدكم،
فليأكل بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله)) وفي مسلم: أن المصطفى وَلالهول
رأى رجلاً يأكل بشماله، فقال له: ((كل بيمينك)) فقال: لا أستطيع. فقال
له: ((لا استطعتَ)) فما رفعها بعدُ إلى فيه. فلما لم يكن له في ترك الأكل
باليمين عُذْرٌ، بل قصد المخالفة، دعا عليه النبي وَّر، فشُلَّت يدُه.
واليمينُ مشتقة من اليمن، وهو البركة. وقد شرَّف الله أهل الجنة
بنسبتهم إلى اليمين، كما ذم أهل النار بنسبتهم إلى الشمال فقال: ﴿وأما إن
كان من أصحاب اليمين﴾ الآية. فاليمين وما نُسب إليها محمود لساناً
وشرعاً. وإذا كان كذلك فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق اختصاص
اليمين بالأعمال الشريفة، وإن احتيج في شيء منها إلى الاستعانة بالشمال،
يكون بحكم التبعية. وأما الأعمال الخسيسة فبالشمال.
قوله: (وكُلْ مما يليك) أي: ندباً كما مرَّ. وقيل: وجوباً، وانتصر له
السبكي. ومحل ذلك في غير الفاكهة. أمّا هي: فله أن يُجيل يده فيها كما -
في الإحياء - إن كانت ذاتَ أنواع، فإن كانت نوعاً واحداً، فهي كغيرها في
ندب الأكل مما يليه. ولا ينافي ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يتتبع
الدباء من حوالي القصعة، لأن علة النهي التقذّر والإيذاء وذلك مُنْتَفٍ في
حقه عليه الصلاة والسلام. وأما الجواب: بأنه يأكل وحده، فمردودٌ بأن
أنساً كان يأكل معه، على أن قضية كلام أصحابنا: أن الأكل مما يليه سُنّةٌ،
وإن كان وحده. قال القاري: وفي خبر ضعيف: التفصيلُ بين ما إذا كان =

٣١٥
١٩١ - حدّثنا مَحمودُ بنُ غيلانَ، حدَّثَنا أَبُو أحمدَ الزُّبيريُّ،
حَدَّثنا سفيانُ، عن أَبي هَاشمٍ، عن إسماعيلَ بنِ رِیاحٍ، عن أبيهِ
رِيَاحِ بنِ عَبيدَةَ، عن أبي سعيد الخُدريِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَله
إذا فرَغَ مِن طَعامهِ قالَ: ((الحمدُ لله الَّذِي أطعَمَنا وسَقاناً وجعلَنا
= الطعام لوناً واحداً فلا يتعدى الأكلَ مما يليه، وما إذا كان أكثر، فيتعداه.
ومع هذا لا يخفى ما فيه من الشَّرهِ والتطلُّع لما عند غيره، وترك الإيثارِ
الذي هو اختيار الأبرار. ويؤخذ من هذا الحديث: أنه يندب على الطعام
تعليمُ مَنْ أَخَلَّ بشيء من آدابه.
١٩١ - قوله: (أبو أحمد) اسمه محمد بن عبد الله بن الزبير.
وقوله: (الزُبيري) بالتصغير.
وقوله: (سفيان) أي: الثوري على ما في الأصل المصحّح.
وقوله: (ابن رياح) بكسر الراء وتحتية.
وقوله: (ابن عَبِیدة) بفتح فکسر.
قوله: (إذا فرغ من طعامه) أي: من أكله سواء كان في بيته مع أهله،
أو مع أضيافه، أو في منزل المُضيف. ولذلك جمع في قوله: (الحمد لله
الذي أطعمنا) الخ، وفائدةُ إيراد الحمدِ بعد الطعام: أداء شكر المنعم،
وطلب المزید. قال تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنکم﴾. ولما كان الباعث هنا
على الحمد: هو الطعام، ذكره أولاً، وأردفه بالسَّقي لكونه من تتمته، فإنه
يقارنه في الأغلب. إذ الأكل لا يخلو غالباً عن الشرب في أثنائه. وختم
ذلك بقوله: (وجعلنا مسلمين) أي: منقادين لجميع أمور الدين. للجمع بين
الحمد على النعمة الدنيوية، وعلى النعمة الأخروية، وإشارة إلى أن الأولى
للحامد أن لا يقصر حمده على الأولى، بل يحمد على الثانية أيضاً، ولأن
الإتيان بالحمد من نتائج الإسلام.

٣١٦
مُسلمينَ)).
١٩٢ - حدّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارِ، حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثَنَا
ثَورُ بن يزيد، عن خالدٍ بن مَعْدانَ، عن أبي أمامةَ قال: كانَ
رسولُ اللهِ وَ ﴿ إذا رُفعتِ المائدةُ من بين يديهِ يقولُ: ((الحمد لله
حمداً كثيراً طَيِّياً مباركاً فيه، غيرَ مُوَذَّع ولا مُسْتَغْنىَ عنه رِبُّنا)).
١٩٢ - قوله: (عن خالد بن معدان) أي: الحمصي الكَلاعي - بفتح
الكاف وتخفيف اللام - قيل: كان يُسَبّح في كل يوم أربعين ألف تسبيحة،
حتى إنه جعل يُحرّك مُسَبِّحَتَه بالتسبيح بعد موته عند وضعه للغسل.
قوله: (إذا رفعت المائدة) أي: إذا رُفِع الطعام.
وقوله: (يقول: الحمد لله) أي: على هذه النعمة التي بها قوام البدن.
قال ابن العربي: سمعت بعض العلماء يقول: لا توضع اللقمة في الفم حتى
تَمُنَّ على أيدي ثلاث مئة وستين ملكاً، فكيف لا يُحمَد عليها؟ وأما كثرة
المتَوَلِّين لذلك من الآدميين، فمعلوم قطعاً.
وقوله: (حمداً) مفعول مطلق.
وقوله: (طيباً) أي: لأنه تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً. ومعنى كونه طيّباً:
كونه خالصاً من الرياء والسُّمعة، والأوصافِ التي لا تليق بجنابه تعالى.
قوله: (غير مُوَذَّع) بتشديد الدال المفتوحة، أي: حال كونه غير متروك
لنا، بل نعود إليه كَرَّةً بعد كرة. أو المكسورةِ، أي: حال كوني غيرَ تارك
له. فمؤدّى الروايتين واحدٌ، وهو دوام الحمد واستمراره.
وقوله: (ولا مُستغنيّ عنه) أي: لا يستغني عنه أحدٌ، بل يَحتاج إليه
كل أحد، لبقاء نعمته واستمرارها. وهو في مقابلة النعمة واجب، بمعنى:
أن الآتي به في مقابلتها يثاب عليه ثوابَ الواجبٍ.
وقوله: (رِبَُّا) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت ربُّنا، أو مبتدأ =

٣١٧
١٩٣ - حدّثنا أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ أبانَ، حذَّثنا وكيعٌ، عن هشامٍ
الدَّسْتَوائِيِّ، عن بُدَيلِ بنِ مَيسرةَ العُقيليِّ، عن عبدِ الله بنِ عبيدِ بنِ
عُميرٍ، عن أمِّ كُلثومٍ، عن عائشةَ قالتْ: كانَ النبيُّ نَّهِ يَأْكلُ الطَّعامَ
في ستةٍ من أصحابِهِ، فجاءَ
= خبره محذوف، أي: ربنا أنت. وبالنصب على المدح أو الاختصاص،
وبالجر بدل من لفظ الجلالة. ومَنْ جعله منادى: فقد أبعد. ومن جعلَه بدلاً
من الضمير في ((عنه)): فقد أفسدَ. إذ الضمير في ((عنه): عائدٌ للحَمد، فكيف
يُبْدَل منه ((ربنا))؟! وبعضهم صححه بجعل الضمير لله، فلا فساد أصلاً.
وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم - كما قاله ابن حجر - أنه كان
يقول: ((اللهم أطعمتَ وسقيتَ، وأغنيتَ وقضيتَ، وهديتَ وأحييتَ، فَلَكَ
الحمدُ على ما أعطيت)). وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أكل عند قوم،
لم يخرج حتى يدعوَ لهم، فكان يقول: ((اللهم بارك لهم، وارحمهم)) وكان
يقول: ((أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصَلّتْ عليكم
الملائكةُ)). وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أكل مع قوم كان آخرهم
أكلاً.
ورُوي مرفوعاً: ((إذا وضعتِ المائدةُ، فلا يقوم الرجل، وإن شبع،
حتى يُفْرَغَ، فإن ذلك يُخجل جليسه، وعسى أن يكون له في الطعام
حاجة)) .
١٩٣ - قوله: (ابن أبان) بفتح الهمزة، وتخفيف الموحدة، وبالنون:
كـ: غَزَال مصروفاً، وبعضهم منعه من الصرف للعلمية ووزْنِ الفعل، لأنه
جعله أفعلَ تفضیلٍ.
قوله: (يأكل الطعام) وفي نسخةٍ ((طعاماً)).
وقوله: (في ستة) أي: مع ستة .

٣١٨
أعرابيٌّ، فأكلهُ بلُقمتين! فقالَ رسولُ اللهِ وَلِّ: ((لو سمَّى لكفاكم)).
١٩٤ - حدّثنا هَنَّادٌ ومحمودُ بنُ غيلانَ، قالا: حدَّثنا أَبو أسامةَ،
عن زكريّا بن أبي زائدةَ، عن سعيدِ بنِ أبي بُردةَ، عن أنس بن مالكِ،
قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّه :
وقوله: (فجاء أعرابي) بفتح الهمزة نسبة إلى الأعراب، وهم سكان
البوادي، سواء كانوا من العرب، أم من غيرهم.
وقوله: (فأكله بلقمتين) أي: فأكل الأعرابي ذلك الطعامَ في لقمتين.
وهذا يدل على أن الطعام كان قليلاً في حدّ ذاته.
وقوله: (لو سمّى) وفي لفظ: ((أما إنه لو سمى)) وفي لفظ: ((لو سمّى الله)).
وقوله: (لكفاكم) أي: وإياه. وفي نسخة: ((كفانا)) وفي نسخة:
((لكفاهم)) وفي نسخة ((كفاكم)). والمعنى: أن هذا الطعام وإن كان قليلاً،
لكن لو سمّى: لبارك الله فيه، وكفاكم، لكنْ لمّا ترَك ذلك الأعرابيُّ
التسميةَ، انتفتِ البركةُ، لأن الشيطان ينتهز الفرصة وقت الغفلة عن ذكر الله.
وفي هذا كمال المبالغة في زجر تارك التسمية على الطعام، لأن تَركها
يَمحقه. وإخبار السيدة عائشة بذلك إن كان عن رؤيتها قبل الحجاب:
فظاهر، وكذلك إن كان عن إخباره صلى الله عليه وآله وسلم. وأما إن كان
عن إخبار غيره لها: فالحديث مرسل(١).
١٩٤ - قوله: (قالا) أي: شيخا المصنفِ: هنّادٌ ومحمودٌ.
وقوله: (عن سعيد بن أبي بُردة) بضم الموحدة، وسكون الراء. اسمه
عامر بن أبي موسى.
(١) ولا يضرُّ ذلك، لأنه مرسل صحابي.

٣١٩
((إِنَّ اللّهَ لَيَرضى عن العبدِ أنْ يأكلَ الأُكلة، فيَحمَدُه عليها، أو
يشربَ الشُّرْبة، فيحمدَّهُ عليها)).
٢٩ - باب ما جاء في قَدَح رسول الله وَلِلّه
١٩٥ - حدّثنا الحسينُ بنُ الأسودِ البغداديُّ، حَدَّثنا عمرو بنُ
محمَّد، حدَّثَنا عيسى بن طَهْمانَ، عن ثابتٍ قالَ: أخرجَ إلينا أَنْسُ
قوله: (إن الله ليرضى عن العبد) أي: یثیبه ويرحمه.
وقوله: (أن يأكل) أي: بسبب أن يأكل، أو وقت أن يأكل.
وقوله: (الأكلة) بضم الهمزة: اللقمة، أو بفتحها: المَرَّة.
وقوله: (فَيَحْمَدُّه عليها) بالنصب كما هو الظاهر، وفاقاً لابن حجر، لكن
رواية ((الشمائل)) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. أي: فهو يحمده عليها.
وقوله: (أو يشرب) الخ، كلمة ((أو)) للتنويع، وليست للشك خلافاً لمن
زعمه. وأصل السنة يحصل بأي لفظ مشتقٍّ مِن مادة الحمدِ، وما سبق مِن
حَمِدِه صلى الله عليه وآله وسلم: فهو بيان للأكمل.
٢٩ - باب ما جاء في قَدَح رسول الله وَه
أي: باب بيان الأخبار الواردة في قدح رسول الله وَالله. والقدَح
- بالتحريك -: ما يُشْرَب فيه. وهو إناء لا صغيرٌ ولا كبيرٌ، وجمْعُهُ أقداحٌ،
كسبب وأسباب. وكان له صلى الله عليه وآله وسلم قَدح يسمى الريانَ،
وآخرُ يسمى مغيثاً، وقدحٌ مضبب بسلسلة من فضة في ثلاثة مواضع، وآخرُ
من زُجاج، وآخرُ مِن عَيدان - بفتح العين المهملة -. والعَيدانة: النخلةُ
السّحوق، وهو الذي کان یوضع تحت سريره ليبول فيه بالليل.
١٩٥ - قوله: (الحسين بن الأسود) المشهور نسبته لجده هكذا، وإلا:
فهو الحسين بن علي بن الأسود.

٣٢٠
ابن مالكِ قَدَحَ خشبٍ غليظاً مُضيَّباً بحديدٍ فقالَ: یا ثابتُ هذا قدحُ
رسولِ اللهِ ێ .
١٩٦ - حدّثنا عبد اللهِ بنُ عبدِ الرحمن، أنبأنَا عَمرُو بنُ عَاصمٍ،
أنبأنَا حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، أَنْبَنَا حُميدٌ وثابتٌ، عَن أَنْسٍ قَالَ: لَقَّد
سَقَيتُ رسولَ الله وَّهِ بِهذا القدح الشَّرابَ كُلَّه: الماءَ
قوله: (قدح خشب) أي: قدحاً من خشب. فالإضافة بمعنى ((مِن)).
وقوله: (غليظاً مضيَباً) بالنصب على أنه صفة قدَح. ورواه في جامع
الأصول: ((غليظ مضبب)) بالجر. وهو كذلك في بعض النسخ، وهو من
قبيل: هذا جُحْرُ ضبٍّ خربٍ.
وقوله: (بحديد) متعلق بـ: مضيباً، أي: مشعَّباً بحديد.
وقوله: (هذا قدح رسول الله وَّ) المشارُ إليه هو القدح بحالته التي هو
عليها. فالمتبادر من ذلك أن التضبيب كان في زمنه صلى الله عليه وآله
وسلم، وتجويزُ كون التضبيب مِن فعل أنسٍ، حفظاً للقدح: غيرُ مَرْضيّ.
ويؤخذ من الحديث: أن حِفظَ ما يَنفع، وإصلاحه مستحبٌ، وإضاعته
مكروهٌ. واشتُريَ هذا القدحُ من ميراث النضر بن أنس بثمان مئة ألف
درهم. وعن البخاري: أنه رآه بالبصرة، وشرب منه، هكذا في شرح
المناوي. والذي في شرح القاري أن الذي اشتُرِي من ميراث النضر وشَرِب
منه البخاريُّ: كان مضبباً بفضة. ويمكن الجمع بأنه كان مضبباً بكل من
الفضة والحدید.
١٩٦ - قوله: (بهذا القدح) أي: الذي هو قدح الخشب الغليظ
المضبَّب بالحدید.
وقوله: (الشراب كلَّه) أي: أنواعه كلها. وأبدلَ منه الأربعةَ المذكورةَ بدلَ
مفضَّلٍ من مُجْمَل، أو بدلَ بعضٍ مِن كلِّ، اهتماماً بشأنها، لكونها أشهرَ الأنواع.