Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
١٤٥ - حدثنا عبدُ الله بنُ مُعاويَةَ الجُمَحِيُّ، حَدثنا ثَابتُ بنُ
يَزِيدَ، عنْ هِلَاَلِ بنِ خبَّبٍ، عَنْ عِكرمةَ، عن ابنِ عَبَّاس قَالَ: كانَ
رسولُ اللهِ وَّهِ يبيتُ اللَّيَالِيَ المُتَتَابِعَةَ طَاوِياً هوَ وَأَهْلُهُ، لا يَجِدُونَ
عَشَاءً، وكانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِم خُبزَ الشَّعِيرِ.
١٤٥ - قوله: (الجُمَحي) بضم الجيم وفتح الميم: نسبة لجُمَحٍ: جبل
لبني نمير. خرج له أبو داود، والنسائي.
وقوله: (ثابت بن يزيد) الأحول ثقة، ثبت.
وقوله: (عن هلال بن خباب) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الباء
الموحدة، بعدها ألف، وفي آخره باء موحدة. ثقة لكن تغير، خرّج له
الأربعة .
وقوله: (كان رسول الله وَله يبيت الليالي المتتابعة طاوياً هو وأهله لا
يجدون عَشاء) بالفتح والمد: وهو ما يؤكل آخرُ النهار الصادقُ بما بعد
الزوال، والمراد بأهله: عياله الذين في نفقته. وفي «المُغرِب)): أهلُ
الرجل: امرأته وولده، والذين في عياله ونفقته، وكذا كل أخ وأخت، وعم
وابن عم، وصبي يقوته في منزله. اهـ.
وكان وَلّ لشرف نفسه وفخامة منصبه يبالغ في ستر ذلك عن أصحابه،
وإلا فكيف يظن عاقل أنه يبلغهم أنه يبيت طاوياً هو وأهل بيته الليالي
المتتابعة، مع ما عليه طائفة منهم من الغنى، بل لو علم فقراؤهم فضلاً عن
أغنيائهم ذلك، لبذلوا الجهد في تقديمه هو وأهل بيته على أنفسهم،
واستبقوا على إيثاره. وهذا يدل على فضل الفقير، والتجنب عن السؤال مع
الجوع.
قوله: (وكان أكثر خبزهم خبز الشعير) أي: وقد يكون خبزهم خبز
البُرّ مثلاً .

٢٦٢
١٤٦ - حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمن، أَنْبَأنا عُبِيدُ الله بنُ
عبد المجيدِ الحَنَفِيُّ، حدثنا عبدُ الرحمن، وَهُوَ ابن عبدُ الله بنُ
دِينَارٍ، حدثنا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَكَلَ
رسولُ اللهِ بَّ النَّقِيَّ؟ - يعنِي الحُؤَّارَى - فقالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى
رسولُ اللهِ وَّهِ النَّقِيَّ
١٤٦ - قوله: (عبيد الله) بالتصغير .
وقوله: (ابن عبد المجيد الحنفي) نسبة لبني حنيفة: قبيلة من ربيعة.
ثقةٌ خرّج له الجماعة.
وقوله: (عن سهل بن سعد) له ولأبيه صحبة، وهو آخر من مات من
الصحب بالمدينة.
قوله: (أنه قيل له: أكل رسول الله وَّهِ النَّقِيّ) أي: أنه قال بعضهم
على وجه الاستفهام لكن بحذف الهمزة - وهي ثابتة في نسخة -: أكل
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النقيّ، بفتح النون، وكسر القاف،
وتشديد الياء » أي: الخبز المنقَّى من النخالة، أي: المنخول دقيقُهُ. وأما
النَّفِيّ - بالفاء - فهو ما ترامَتْ به الرحا، كما قاله الزمخشري.
وقوله: (يعني الحُوّارئ) تفسير من الراوي، أدرجه في الخبر، وهو
بضم الحاء المهملة وتشديد الواو، وفتح الراء، وفي آخره ألف تأنيث
مقصورة. ما حُوِّر من الدقيق بنخله مراراً، فهو خلاصة الدقيق وأبيضُه،
وكل ما بُيِّضَ من الطعام كالأرز، وقصرُه على الأول: تقصيرٌ.
وقوله: (فقال سهل: ما رأى رسول الله بَالهر النقيّ) أجابه بنفي الرؤية،
مع السؤال عن الأكل، لأنه يلزم من نفي رؤيته نفي أكله، وإنما عدل عن
نفي الأكل لأن نفي الرؤية أبلغ.

٢٦٣
حَتَّى لَقِي الله عزَّ وجَلَّ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَنَاخِلُ عَلَى
عَهْدِ رَسُولُ اللهِ وَّةَ؟ قَالَ: مَا كانتْ لِنَا مَنَاخِلُ، قِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ
تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ؟ قَال: كُنَّا نَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَ، ثم نَعجِنُهُ.
١٤٧ - حدثنا محمدُ بنُ بَشَّار، حدثنا مُعاذٌ بنُ هِشَام، أخبرني
وقوله: (حتى لقي الله عز وجل) أي: حتى فارق الدنيا، لأن الميت
بمجرد خروج روحه تأهل للقاء ربه، إذ الحائل بين الله وبين العبد هو
التعلقات الجسمانية .
قوله: (فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله وعليه؟)
أي: فقال بعضهم لسهل: هل كانت لكم معشرَ الصحابة من المهاجرين
والأنصار مناخلُ في زمن رسول الله بَّرَ؟ والمناخل: جمع مُنْخُل بضم الميم
والخاء، وهو اسم آلة على غير قياس، إذ القياس كسر الميم وفتح الخاء.
وقوله: (قال: ما كانت لنا مناخل) أي: قال سهل: ما كانت لنا مناخل
في عهده بَّه ليوافق الجواب السؤال.
وقوله: (قيل: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟) أي: قال السائل: كيف
كنتم تصنعون بدقيق الشعير، مع ما فيه من النخالة التي لا بد من نخلها
ليسهل بلعه؟.
وقوله: (قال: كنا ننفُخُه فيطيرُ منه ما طار ثم نعجنه) أي: كنا ننفُخُ
فيه - بضم الفاء - فيطير منه ما طار من القشر، ثم نعجن ما بقي. بكسر
الجيم من باب ضرب. فاتخاذ المناخل بدعة، لكنها مباحة، لأن القصد
منها تطييب الطعام وهو مباح مالم ينته إلى حد التنقُم المفرط.
١٤٧ - قوله: (ما أكل نبي الله وَّر على خِوان) أي: لما فيه من الترقُّه
والتكبر، والخِوَان: بكسر أوله المعجم ويضم، ويقال: إخوان بكسر
الهمزة: مرتفَع يُهيأ ليؤكل الطعامُ عليه كالكراسي المعتادة عند أهل =

٢٦٤
أبي، عَنْ يُونُسَ، عن قَتَادةَ، عن أَنَسِ بنِ مَالكِ قال: ما أَكَلَ
نَبِيُّ اللهِ عَلى خِوَانٍ، ولاَ فِي سُكُرُجَةٍ، ولَاَ خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ.
قال: فقلتُ لقتادةَ: فَعَلى ما كانوا يَأْكُلُون؟
= الأمصار، وهو فارسي معرَّب، يعتاد المتكبرون من العجم الأكل عليه كي
لا تنخفض رؤوسهم، فالأكل عليه بدعة، لكنه جائز إن خلا عن قصد
التكبر .
وقوله: (ولا في سُكُرُّجَة) - بضم السين المهملة والكاف والراء مع
التشديد - وهي كما قال ابن العربي: إناءِ صغير يوضع فيه الشيء القليل
المشهّي للطعام الهاضم له كالسلطة والمخلَّل، وإنما لم يأكل النبي ◌َّ في
السكرجة، لأنه لم يكن يأكل حتى يشبع، فيحتاج لاستعمال الهاضم،
والمشهّي، بل كان لا يأكل إلا بشدة الجوع، ولأنها أوعية الألوان، ولم
تكن الألوان من شأن العرب، إنما كان طعامهم الثريد عليه مقطعات
اللحم .
وقوله: (ولا خُبِزِ له مُرفَّق) ببناء خُبِز للمجهول، وبصيغة اسم المفعول
في المرقق. بتشديد القاف الأولى، وهو: ما رقَّقَه الصانع، ويسمى الرقّاق.
وإنما لم يخبز له ◌َّ المرقق لأن عامة خبزهم إنما كان الشعير، والرقاقُ
إنما يُتخذ من دقيق البر، وهذا إنما يفيد نفي خَبزه له، وفي ((البخاري)) نفي
رؤيته له، سواء خُبز له أو لغيره، لأنه رَوَى عن أنس رضي الله عنه: ما
أعلم أنه ◌َ رأى رغيفاً مرققاً حتى لحق بالله عز وجل، ولا رأى شاة
سَميطاً حتى لحق بالله تعالى. والسميط: ما أزيل شعره بماء مسخّن وشُوي
بجلده .
قوله: (قال) أي: يونس (فقلت لقتادة: فعلى ما كانوا يأكلون) هذا
السؤال ناشىء عن نفي الخِوان. والمعنى: فعلى أي شيء كانوا يأكلون؟
واعلم أن حرف الجر إذا دخل على ما الاستفهامية، حُذِفتْ ألفها لكثرة =
1

٢٦٥
قال: على هذِهِ السُّفَرِ .
قال محمَّد بنُ بَشَارٍ: يُونُسُ هذا الذي رَوَى عن قتادةَ، هُو
يُونُسُ الإِسْكَافُ.
١٤٨ - حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيع، حدثنا عَبَّادُ بنُ عَبَّاد
= الاستعمال، لكن قد ترد في الاستعمالات القليلة على الأصل، وهو كذلك
في نسخ الشمائل، وكذا هو عند رواة البخاري، وعند أكثرهم: فعلى مَ،
بميم مفردة.
وقوله: (قال: على هذه السُّفَر) أي: كانوا يأكلون على هذه السُّفَر -
بضم السين المشددة، وفتح الفاء - جمع سفرة وهي: ما يتخذ من جلد
مستدير، وله معاليق تضم وتنفرج، فتسفر عما فيها، فلذلك سميت سُفْرة،
كما سُمّي السَّفَرٌ سَفَراً: الإسفاره عن أخلاق الرجال. والسُّفْرة أخص من
المائدة، وهي: ما يُمَد ويُبْسَط ليؤكل عليه، سواء كان من الجلد، أو من
الثياب. ومما يحقق أن المائدة ما يمد ويبسط، ما جاء في تفسير ((المائدة))
حيث قالوا: نزلت سُفْرةٌ حمراءُ مدورة.
وقال ابن العربي: رَفْع الطعام على الخِوان من الترفه، ووضْعُه على
الأرض إفسادٌ له، فتوسّط الشارع حيث طلب أن يكون على السفرة
والمائدة. وقال الحسن البصري: الأكل على الخِوان فعل الملوك، وعلى
المنديل فعل العجم، وعلى السفرة فعل العرب، وهو سنة.
قوله: (یونس هذا الذي روی عن قتادة) لو قال: یونس الذي روی عن
قتادة بإسقاط اسم الإشارة لكان أوضح وأخصَر.
وقوله: (هو يونس الإسكاف) - بكسر الهمزة وسكون السين - قد وثّقه
ابن معينٍ وغيره، وليس له عند المؤلف إلا هذا الحديث الواحد.
١٤٨ - قوله: (عَبّاد بن عَبّاد) بالتشديد فيهما.

٢٦٦
المُهَلَّبِيُّ، عَنْ مُجالِدٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن مَسْرُوقٍ قال: دَخَلْتُ عَلَى
عَائشَةَ فَدَعتْ لي بِطَعَامِ، وقَالَتْ: ما أَشْبَعُ مِنْ طَعَامِ فَأَشَاءُ أنْ
أَبَكِيَ إلَّ بَكَيْتُ. قال: قُلْتُ: لِمَ؟ قَالتْ: أَذْكُرُ الحالَ الَّتِي فَارَقَ
عَليْها رَسولُ الله صلى الله عليه وآلِهِ وسَلَّم الدُّنْيَا، واللهِ ما شَبعَ من
خُبْزٍ ولاَ لَحْمٍ مَرَّتَيْن في يَوْمٍ .
وقوله: (المهلّبي) نسبة إلى المُهَلَّب. بصيغة اسم المفعول - ثقةٌ، لكن
ربما وَهِمَ، خرّج له الجماعة.
وقوله: (عن مجالد) بالجيم بصيغة اسم الفاعل. ليس بالقوي تَغَيَّر
آخراً، خرّج له الجماعة إلا البخاري.
قوله: (فدعت لي بطعام) أي: طلبت من خادمها طعاماً لأجلي.
وقوله: (وقالت: ما أشبَعُ من طعام، فأشاء أن أبكيَ إلا بَكَيْتُ) أي:
ما أشبع من مطلق الطعام، فأريد البكاء إلا بكيت تأسفاً وحزناً على
فوات تلك الحالة العليَّة، والمرتبة المَرْضية(١)، وهي ما كان عليها
رسول الله للتو .
وقوله: (قلت) أي: قال مسروق: قلت: لِمَ تبكين؟.
وقوله: (ما شبع مِن خبز ولا لحم مرتين في يوم) أي: ما شبع منهما
ولا من أحدهما في يوم من أيام عمره. فالاتساع في الشهوات من
المكروهات، والتقلل هو المحمود والمحبوب، والتواضع والتخشع هو
المطلوب.
(١) بل جواب السيدة عائشة المسروق يدل على خلاف هذا التعليل. والله أعلم.

٢٦٧
١٤٩ - حدثنا محمودُ بنُ غَيْلانَ، حدثنا أَبُو دَاودَ، حدثنا شُعْبَة،
عن أَبي إسحاقَ قال: سَمِعْتُ عبد الرحمن بنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنِ
الأَسْوَدِ بنِ يَزِيدَ، عَن عائشَةَ قالَتْ: ما شَبعَ رَسُولُ الله ◌ِهِ مِنْ خُبْزِ
الشَّعِيرِ يَومَيْن مُتَتَابعينِ حَتَّى قُبِضَ.
١٥٠ - حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمنِ، أَنْبَأنا عبدُ الله بنُ عَمْرو
أَبُو مَعْمَرٍ، حدثنا عبدُ الوارِثِ، عن سَعِيد بنِ أبي عَرُوبَةَ، عن
قَتَادَةَ، عَن أنَسِ قال: ما أَكَلَ رسولُ الله ◌َّهِ عَلَى خِوانٍ، ولاَ أَكَل
خُبْزاً مُرَفَّقاً حَتَّى مات.
١٤٩ - قوله: (ما شبع رسول الله وَّلة) الخ أي: لاجتنابه الشبع وإيثار
الجوع.
١٥٠ - قوله: (عبد الله بن عَمْرو أبو مَعْمَر) كذا في نسخ بواو واحدة،
وهي واو عمرو، وهذا هو الصواب، ووقع في بعض النسخ: بواوين:
إحداهما واو عمرو، والأخرى واو العطف. و((قالا)) بصيغة التثنية، وهو
سهو من الناسخ، لأن قوله: ((أبو معمر)): كنية عبد الله بن عمرو، كما يعلم
من ((الكاشف)) من كتب أسماء الرجال. فهو عطف بيان لعبد الله بن عمرو.
قوله: (ما أكل رسول الله وَّل على خِوان) أي: على الشيء المرتفع
كالكراسي.
وقوله: (ولا أكل خبزاً مرققاً) ظاهره: حتى ما خُبز لغيره، بخلاف
ظاهر الرواية السابقة.
وقوله: (حتى مات) إشارة إلى أنه استمر على ذلك حتى فارق الدنيا.

٢٦٨
٢٦ - باب ما جاء في صفة إدام رسول الله وَله
١٥١ - حدثنا محمَّد بنُ سهلٍ بنِ عَسْكَرٍ وعبدُ الله بن عبدِ الرَّحمن
قالا: حدثنا يحيى بنُ حَسَّانَ، حدثنا سُليمانُ بنُ بِلالٍ، عَن هِشَام بنِ
عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: أن رسولَ الله وَّه قال: ((نِعْمَ الإِدَامُ
الخَلُّ)). قال عبدُ الله في حدِيثِهِ: ((نِعْمَ الأُدْمُ)) أو: ((الإدَامُ الخَلُّ)).
٢٦ - باب ما جاء في صفة إدام رسول الله وكليهم
وفي بعض النسخ: ((وما أكل من الألوان)). والإدامُ - بكسر الهمزة -:
ما يساغ به الخبز، ويصلح به الطعام، فيشمل الجامد كاللحم. ومنه قوله
وَالله: ((سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة
الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية)) أي: ثَمَر الحِناء. وكون
اللحم إداماً إنما هو بحسب اللغة، أما بحسب العرف، فلا يُسمى إداماً.
ولهذا لو حلف لا يأكل إداماً، لم يحنَثْ بأكل اللحم. والمراد بالألوان:
أنواع الأطعمة. ولم تكن عادته وَلّ حبس نفسه على نوع من الأغذية، فإنه
ضار بالطبيعة، بل كان يأكل ما تيسر من لحم وفاكهة وتمر وغيرها.
وأحاديثه نیف وثلاثون.
١٥١ - قوله: (قالا) أي: شيخاه محمد بن سهل وعبد الله بن
عبد الرحمن.
قوله: (قال: نعم الإدام الخل) هذه رواية محمد بن سهل وهي خالية
من الشك، وأما رواية عبد الله بن عبد الرحمن، ففيها الشك، كما يصرح به.
قوله: (قال عبد الله في حديثه: نعم الأُدم) بضم فسكون أو الإدام
الخل. والشك من عبد الله، أو من غيره من الرواة. وهذا مدح له بحسب
الوقت، كما قاله ابن القيم، لا لتفضيله على غيره، لأن سبب ذلك أن أهله
قدَّموا خبزاً فقال: ((هل من أُدْم؟» قالوا: ما عندنا إلا خل، فقال ذلك =

٢٦٩
١٥٢ - حدثنا قُتَيَبةُ، حدثنا أبو الأَخْوَصِ، عن سِماكِ بنِ حَرْبٍ
قال: سَمِعْتُ الثَّعْمَانَ بن بشير يَقُولُ: أَلَسْتُم فِي طَعَامِ وَشَرَابٍ ما
شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِّكُمْ وَهُ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بَطْنَهُ.
= الحديث جبراً لقلب مَنْ قدَّمَه له وتطييباً لنفسه، لا تفضيلاً له على غيره، إذ
لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن، لكان أحق بالمدح، وبهذا عُلم أنه لا
تنافي بين هذا، وبين قوله: ((بئس الإدام الخل)).
وقال الحكيم الترمذي: في الخل منافع الدين والدنيا. وذكر أنه يقطع
حرارة السموم. وفي قوله وَّهُ: ((هل من أَدْم؟)) إشارةٌ إلى أن أكل الخبز مع
الأدم: من أسباب حفظ الصحة.
١٥٢ - قوله: (النعمان بن بشير) بفتح الباء الموحدة، وكسر الشين
المعجمة، وبالتحتية، آخره راء. الصحابي ابن الصحابي ابن الصحابية.
أسلم قديماً، وشهد فتح مكة (١).
قوله: (يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم) أي: ألستم متنعمين
في طعام وشراب بالمقدار الذي شئتم من السعة والإفراط؟ والخطاب
للتابعين، أو للصحابة بعده وَّر. والاستفهام للإنكار والتوبيخ.
والقصد به: الحث على الاقتصار في الطعام والشراب على أقل ما
يكفي، كما كان ذلك شعار المصطفى وَله .
وقوله: (لقد رأيت نبيكم بَ له) أي: والله لقد رأيت نبيكم. فهو جواب
قسم مقدّر. وإنما أضاف النبيَّ لهم، ولم يقل: النبي مثلاً: إلزاماً لهم
وتبكيتاً وحثاً على التأسي به في الإعراض عن الدنيا ولذاتها ما أمكن.
وقوله: (وما يجد من الدَّقَل ما يملأ بطنه) أي: والحال أنه لا يجد من
الدَقَل ـ بفتحتين: وهو أردأ التمر -، ما يملأ بطنه، فقد كان كثيراً ما يجد
(١) هذا لا ينطبق على النعمان، ولا على أبيه بَشير.
=

٢٧٠
١٥٣ - حدثنا عبدَةُ بنُ عبدِ الله الخُزاعيُّ، حدثنا مُعَاويةُ بْنُ
هِشَام، عن سُفْيانَ، عن مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله
قال: قال رَسُول الله وَّ هِ: ((نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ)).
١٥٤ - حدثنا هَنَّاد، حدثنا وَكيعٌ، عَن سُفيانَ، عن أَيُوبَ، عَنْ
أَبِي قِلاَبَةَ، عن زَهْدَمِ الجَرْمِيِّ قال: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ
= كفاً من حَشَف، فيكتفي به ويطوي.
١٥٣ - قوله: (الخزاعي) بضم أوله: نسبة إلى خزاعة، قبيلة معروفة.
وقوله: (عن سفيان) أي: الثوري.
وقوله: (عن مُحارِب) بصيغة اسم الفاعل.
وقوله: (ابن دِثَار) بكسر الدال وتخفيف المثلثة.
قوله: (نعم الإدام الخل) قد تقدم أن هذا مدح له بحسب الوقت لا
مطلقاً، وهذا الحديث مشهور كاد أن يكون متواتراً.
١٥٤ - قوله: (هناد) بالتشديد. وقوله: (عن سفيان) أي: الثوري.
وقوله: (عن أبي قلابة) بكسر القاف. واسمه: عبد الله بن زيد.
وقوله: (عن زَهْدَمِ) بفتح الزاي، وسكون الهاء، كجعفر.
وقوله: (الجَرْمي) بفتح الجيم نسبة لقبيلة جَرْم.
قوله: (قال) أي: زهدم الجرمي.
وقوله: (كنا عند أبي موسى الأشعري) نسبة إلى أشعر: قبيلة باليمن،
واسمه عبدالله بن قيس. وهذا يدل على مشروعية اجتماع القوم عند
صدیقهم .

٢٧١
فَأُتِيَ بِلَحْمٍ دَجَاجٍ فَتَنَّى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقَالٍ: مَالَكَ؟ فَقَال: إِنِّي
رَأَيْتُها تَأْكُلُ شَيئاً، فَحَلِفْتُ أنْ لاَ آكُلَهَا، قالَ: أُدْنُ،
وقوله: (فأُتي بلحم دجاج) أي: فأتاه خادمه بطعام فيه لحم دجاج.
وهو اسم جنس مثلث الدال، واحده دجاجة مثلثة الدال أيضاً. سُمّي به
لإسراعه. مِنْ: دَجَّ يدِجُّ: إذا أسرع.
وقوله: (فتنحى رجل من القوم) أي: تباعد رجل من القوم عن الأكل.
بمعنى أنه لم يتقدم له. وهذا الرجل مِن تيم الله كما سيأتي، ولم يُصِب مَن
زعم: أنه زهدم، وأنه عبر عن نفسه بـ: رجل، لأن زهدماً بيّن ذلك الرجلَ
بصفته ونسبه .
وقوله: (فقال: مالَكَ؟) أي: فقال أبو موسى: مالَكَ تنحيت عن
الأكل؟ أيّ شيء باعثٌ لك على هذا؟ أو: أيُّ شيء مانع لك من التقدم؟
وهذا يدل على أنه ينبغي لصاحب الطعام أن يسأل عن سبب امتناع مَن
حَضَره من الأكل.
وقوله: (فقال: إني رأيتها تأكل شيئاً) أي: فقال الرجل لأبي موسى:
إني أبصرت الدجاجة حال كونها تأكل شيئاً - أي قذراً - وأبهمه، لئلا يعافَ
الحاضرون أكله عند التصريح به. وفي رواية: ((نتناً)) - بنونين بينهما مثناة
فوقية - وهنا كلمة محذوفة، وسيأتي التصريح بها في الرواية الآتية، وهي:
((فَقَذِرْتُها)» أي: کَرِمَتْها نفسي.
وقوله: (فحلفت أن لا آكلها) أي: أقسمت على عدم أكلها. ولعل
حَلِفِه لئلا يُكلفه أحدٌ أكلَه فيَعذُرَه بالحلف.
وقوله: (قال: أُدْنُ) أي: اقرب، من الدنو، وهو القرب. وأمَرَه
بالقرب لیأکل من الدجاج.

٢٧٢
فَإِنِّي رَأَيْتُ رسولَ اللهِوَّهِ يَأْكُلُ لَحْمَ الدَّجَاجِ.
١٥٥ - حدثنا الفضلُ بنُ سَهْلِ الأَعرَجُ البَغْدَادِيُّ، حدثنا إبراهيمُ
ابنُ عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيّ، عن إبراهيمَ بنِ عُمَرَ بنِ سَفِينَةَ، عَن
أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ، قال: أَكَلْتُ معَ رسولِ اللهِ وَلـ
وقوله: (فإني رأيت رسول الله وَل﴿ يأكل لحم الدجاج) أي: فينبغي أن
يأكلَ هذا الرجل منه اقتداء به وَ له، ويكفَر عن يمينه، فإنه خير له من بقائه
على يمينه. لخبر: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به))
وهذا يدل على أنه ينبغي لصاحب الطعام أن يسعى في حنث مَن حلَف على
ترك شيء لأمر غير مكروه شرعاً، إلا إذا كان الحلف بالطلاق، فلا ينبغي له
أن يسعى في حنثه فيه، وكذا لو حلف بالعتق وهو محتاج لِقِنَّه لنحو خدمة
أو منصب.
ويؤخذ منه جواز أكل الدجاج، وهو إجماع، إلا ما شذ به بعض
المتعمقين على سبيل الورع. لكن استثنى بعضهم الجلالة، فتحرم أو تكره
على الخلاف المشهور فيها، وما ورد من أنه وس * كان إذا أراد أن يأكل
دجاجة، أمر بها فربطت أياماً ثم يأكلها بعد ذلك: إنما هو في الجلّلة.
فكان يَقْصُرها حتى يذهب اسم الجلالة عنها.
قال ابن القيم: ولحم الدجاج حار رطب خفيف على المعدة سريع
الهضم جيد الخلط، يزيد في الدماغ والمني، ويصفي الصوت، ويُحسن
اللون، ويقوي العقل. وما قيل: من أن المداومة عليه تورث النِّقْرِس -
بِكسرٍ النون والراء بينهما قاف ساكنة وآخره سين مهملة وهو: ورم يَحدث
في مفاصل القدمين -: لم يثبت. ولحم الديوك أسخن مزاجاً وأقل رطوبة.
١٥٥ - قوله: (عن أبيه) أي: عمر.
وقوله: (عن جده) أي: سفينة. وإنما لقِّب بسفينة: لأنه حمل شيئاً =

٢٧٣
لَخمَحُبَارَی.
١٥٦ - حدثنا عَلِيُّ بن حُجْرٍ، حدثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن
أَيُّوبَ، عن القاسِمِ التَّميميِّ، عَنْ زَهْدَمِ الجَرْمِيِّ قال: كُنَّا عندَ أبي
مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: فَقُدِّمَ طَعَامُهُ وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دجاجٍ،
وفي القَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ الله أَحْمَرُ، كَأَنَّهُ مَوْلى، قال: فَلَمْ
يَدْنُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أُدْنُ فَإِنِّي رَأَيتُ رسولَ اللهِ وَ أَكَلَ منهُ،
فقال: إنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ
= كثيراً في السفر، فأشبه السفينة. وهو مولى المصطفى بَلّة، واخْتُلف في
اسمه. فقيل: مهران، وقيل غيره.
قوله: (لحم حُبارى) بحاء مهملة مضمومة، فموحدة مخففة، ثم راء،
وفي آخره ألف التأنيث: طائر طويل العنق في منقاره طول، رماديُّ اللون،
شديد الطيران، ولحمه بين لحم الدجاج والبط. قال ابن القيم: لحم
الحُبارى حارٌّ يابس بطيء الانهضام، نافع لأصحاب الرياضة والتعب. وهذا
الحديث يدل على جواز أكل الحُبارى. وبه صرح أصحابنا. وفي ذلك
الحديث وغيره ردّ على مَن حرّم أكل اللحم مِن الفرق الزائغة والأقوام
الضالة .
١٥٦ - قوله: (التميمي) بميمين، وفي نسخ: التيمي، بميم واحدة.
قوله: (فقُدِّم طعامه) بالبناء للمجهول أي: قدمه بعض خدَمِه.
وقوله: (من بني تيم الله) حيٍّ من بكر. ومعنى تيم الله: عبد الله.
وقوله: (أحمر كأنه مولى) أي: أحمر اللون كأنه عبد. يعني من
الروم. كذا في ((التنقيح)) للزركشي.
وقوله: (قال: فلم يدن) أي: قال زهدم: فلم يقرُب من الطعام.

٢٧٤
شَيئاً فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أَنْ لا أَطْعَمَهُ أَبَداً.
١٥٧ - حدثنا محمودُ بنُ غَيْلانَ، حدثنا أَبُو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ،
وقوله: (شيئاً) وفي رواية ((نتناً)) كما تقدم.
وقوله: (فقذِرته) بكسر الذال المعجمة أي: كرهته.
وقوله: (فحلفت أن لا أَطْعَمَه أبداً) أي: أن لا آكله أبداً. يقال: طعِم
يَطَعَم من باب سمع، قال تعالى: ﴿ومن لم يَطْعَمْه فإنه مني﴾ وقد وقع بين
هذه الرواية والرواية السابقة تفاوت، فإنه ذكر في الرواية السابقة امتناع
الرجل وتعليله قبل كلام أبي موسى، وهنا بالعكس. وكأن الراوي لم يضبط
الترتيب المسموع من زهْدمٍ.
وفي الحديث قصة طويلة حذفها المصنف اختصاراً، وحاصلها: أن أبا
موسى قال عقب ما ذكر: ادنُ أخبرك عن ذلك: أتينا رسول الله وله
نستحملُه، فقلت: يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملَهم، فقال:
((والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه)) فرجعت حزيناً فلم ألبث إلا
سُوَيَعةٍ فَأَتَيَ رسول الله وَّه بنَهْب [غنيمة] من إبل، فقال: ((أين هؤلاء
الأشعريون؟)) فسمعت صوت بلال ينادي: أين عبد الله بنُ قيس؟ فأجبته،
فقال: أجب رسول الله ◌َل﴾ يدعوك.
فلما أتيته، أعطاني ستة أبعرة، وقال: ((انطلقْ بها إلى أصحابك فقل:
إن الله وإن رسول الله ◌َ و يحملكم على هؤلاء فاركبوهن)) ففعلت إلى أن
قال: فقلت لأصحابي أتينا رسول الله و ◌َل﴿ نستحملُه فحلف لا يحملنا، ثم
حملَنا، فنسي يمينه، والله لا نفلح أبداً! ارجعوا بنا إلى رسول الله وَله
فلنذكُر له يمينه، فرجعنا، فذكرنا ذلك، فقال: ((انطلقوا فإنما حملكم الله.
إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً إلا فعلت الذي هو خير، وكفَّرتُ
عن يميني)). انتهى مع اختصار وزيادة تُعلم من البخاري.
١٥٧ - قوله: (أبو أحمد الزُّبيريُّ) بضم الزاي. قيل: اسمه محمد بن =

٢٧٥
وأَبو نُعَيْمِ قالا: حدثنا سُفْيَانُ، عَن عَبْدِ الله بنِ عيسى، عن رَجُلٍ
مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقالُ لهُ عَطَاءٌ، عن أَبِي أَسِيدٍ قال: قال رسول الله
وَه: ( كُلُوا الزَّيتَ وادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)).
١٥٨ - حدثنا يحيى بنُ مُوسَى، حدثنا عبدُ الرزّاق، أَنْبَأنا
= عبد الله .
وقوله: (عن أبي أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة، كما ذكره
الدارقطني، لا بضم ففتح، خلافاً لمن زعمه.
قوله: (كلوا الزيت) أي: مع الخبز. فلا يَرِد أن الزيت مائع فلا يكون
تناوله أكلاً. ووجه مناسبة هذا الخبر للترجمة: أن الأمر بأكله يقتضي محبته
له، فكأنه تأدم به .
وقوله: (واذَّهنوا به) أي: غِبّاً فلا يطلب الإكثار منه جداً. قال ابن
القيم: الدهن في البلاد الحارة كالحجاز من أسباب حفظ الصحة. وأما في
البلاد الباردة فضارّ، وكثرة دَهن الرأس به فيها خطر بالبصر.
وقوله: (فإنه من شجرة مباركة) أي: فإنه يخرج من شجرة مباركة،
وهي شجرة الزيتون. وإنما كانت شجرة مباركة: لكثرة ما فيها من المنافع.
فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: في الزيتون منافع كثيرة: يُسرج بزيته،
وهو إدام، ودهان، ودباغ، ويوقد بحطبه، وتُفْله، وليس شيء إلا وفيه
منفعة، حتى الرماد يغسل به الإبريسم، وهي أول شجرة نبتت في الدنيا،
وأول شجرة نبتت بعد الطوفان، ونبتت في منازل الأنبياء والأرضٍ
المقدسة، ودعا لها سبعون نبياً بالبركة. منهم إبراهيم ومنهم سيدنا محمد
وَ له فإنه قال: ((اللهم بارك في الزيت والزيتون)) مرتين، كذا في تفسير
القرطبي من سورة النور.
١٥٨ - قوله: (عن أبيه) أي: أسلم مولى عمر بن الخطاب.

٢٧٦
مُعَمَرٌ، عن زَيْدِ بنِ أَسلَمَ، عَن أَبِهِ، عن عُمَرَ بن الخَطَّابِ
رضي الله تعالَى عَنْهُ قال: قال رسول الله وَ له: ((كُلُوا الزَّيتَ وادَّهِنُوا
بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)).
قال أَبُو عِيسى: وعبدُ الرزَّاقِ كانَ يَضْطَرَبُ في هذا الحَدِيثِ،
فَرَّبَّمَا أَسْنَدَهُ، وَرَبَّمَا أَرْسَلَهُ.
١٥٩ - حدثنا السِّنْجِيُّ،
وقوله: (عن عمر بن الخطاب) وهو أول من سمي أمير المؤمنين.
قوله: (كلوا الزيت) أي: مع الخبز كما تقدم.
وقوله: (واذّهنوا به) أي: في سائر البدن. وأمثال هذا الأمر للإباحة،
أو الندب لمن وافق مزاجه وعادته وقدر على استعماله، كما قاله ابن حجر.
وقوله: (فإنها من شجر مباركة) أي: لكثرة منافعها كما مر.
قوله: (قال أبو عيسى) يعني: نفسه، كما تقدم غير مرة.
وقوله: (وعبد الرزاق كان يضطرب في هذا الحديث) الاضطراب:
تخالف روايتين أو أكثر إسناداً ومتناً، بحيث لا يمكن الجمع بينهما، لكن
المصنف بيّن المراد بالاضطراب هنا بقوله: (فربما أسنده وربما أرسله) فقد
أسنده في الطريق السابق حيث ذكر فيه عمر بن الخطاب، وأرسله في
الطريق الآتي حيث أسقطه فيه، كما سيأتي. والمضطرب ضعيف لإنبائه عن
عدم إتقان ضبطه. فهذا الحديث ضعيف للاضطراب في إسناده، لكن رجّح
بعضُهم عدم ضعفه، لأن طريق الإسناد فيها زيادةُ علم، خصوصاً وقد وافق
إسنادَ غيره، وهو أبو أَسِيد في الرواية السابقة.
١٥٩ - قوله: (السِنجي) بكسر السين المهملة وسكون النون. نسبة إلى
سِنج، قرية من قرى مرو.

٢٧٧
وهُوَ أَبُو داودَ سُلَيْمَانُ بنُ مَعْبَدِ المَروَزِيُّ السِّنْجِيُّ، حدثنا عبدُ الرزاقِ،
عن مَعْمَرٍ، عَن زَيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن أبيه، عن النبي ◌َّةِ، نَحْوَه،
وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: عَنْ عُمَرَ.
١٦٠ - حدثنا محمّد بنُ بَشَارِ، حدثنا محمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ،
وعبدُ الرحمن بنُ مَهْدِيّ قالا: حَدَّثنا شُعبةُ، عن قتادةَ، عَنْ أَنَس
وقوله: (ابن معبد) بفتح فسکون.
وقوله: (السنجي) ذكره أولاً وثانياً إشارة إلى أنه قد يقع في كلام
المحدثين ذكر نسبه فقط، وقد يقع في كلامهم ذكر كنيتهِ واسمه ونسبه
ونسبته إلى مكانه.
قوله: (ولم يذكر فيه: عن عمر) أي: فقد أرسله في هذا الطريق.
١٦٠ - قوله: (كان النبي بَله يعجبه الدُّبّاء) أي: يوقعه في التعجب:
وهو انفعال النفس لزيادة وصف في المتعجَّب منه. والمراد بالتعجب هنا:
الاستحسان والإخبار عن رضاه به. والدُّبّاء - بضم الدال وتشديد الموحدة
وبالمد على الأشهر - القرع، وهو شجر اليقطين المذكور في القرآن. قال
تعالى: ﴿وأنبتْنا عليه شجرةً من يَقْطِين﴾، لكن اليقطين أعم فإنه في اللغة:
كل شجرة لا تقوم على ساق كالبطيخ والقثاء والخيار. فإن قيل: ما لا يقوم
على ساق يسمى نَجَا لا شجراً - كما قاله أهل اللغة - فكيف قال تعالى:
﴿شجرة من يقطين﴾؟ أجيب: بأن محل تخصيص الشجر بما له ساق عند
الإطلاق، وأما عند التقييد كما في الآية: فلا يختص به.
وسبب كون النبي ◌َ﴿ يعجبه الدباء: ما فيه من زيادة العقل،
والرطوبة، وكونه سريع الانحدار، وكونه ينفع المحرور، ويلائم المبرود،
ويقطع العطش، ويُذهب الصداع الحار إذا شُرب، أو غُسل به الرأس، إلى
غير ذلك.

٢٧٨
ابن مالكِ قالَ: كان النبيُّ بَّهِ يُعجِبُهُ الدَُّّاءُ، فَأَتِيَ بِطَعَامٍ أَو دُعِيَ
لَهُ، فَجَعَلْتُ أَتَبَّعُهُ فَأَضِعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِمَا أَعْلَمُ أَنَّه يُحِبُّه.
١٦١ - حدثنا قُتَيبَةُ بنُ سَعيدٍ، حدثنا حَفْصُ بنُ غياثٍ، عَن
إِسْمَاعيلَ بنِ أَبِي خَالِدٍ، عن حَكِيمٍ بن جَابِرٍ، عن أبيه، قال:
دَخَلتُ على النبي بَّهِ فَأَيْتُ عِنْدَهُ دُبَّاءَ يُقَطَّعُ، فَقُلْتُ: مَا
قوله: (فأتي بطعام أو دُعي له) أي: فأتي للنبي بَّرِ بطعام، أو دعي
النبي ◌َّ﴿ للطعام. وهذا شك من أنس، أو ممن دونه، وقَصْرُه على أنسٍ لا
دلیل علیه .
وقوله: (فجعلت أتتبعه) أي: فشرعت أتطلبه من حوالي القصعة .
وقوله: (فأضعه بین یدیه) أي: أجعله قدامه.
وقوله: (لما أعلم أنه يحبه) في بعض الروايات: تخفيف الميم، وفي
بعض الروايات: تشديدها. وهي على الأول مصدرية أو موصولة. والمعنى
على ذلك: لعلمي أنه يحبه، أو للذي أعلمه من أنه يحبه. والمعنى على
الثاني: حين أعلم أنه يحبه. وهذا الحديث يدل على ندب إيثار المرء على
نفسه بما يحب من الطعام، وجواز تقديم بعضهم لبعض من الطعام
المتقدم، لكن بشرط رضا المُضِيف.
١٦١ - قوله: (ابن غياث) بكسر الغين المعجمة وتخفيف التحتية وفي
آخره مثلثة .
وقوله: (عن أبيه) أي: جابر وهو صحابي.
قوله: (قال: دخلت على النبي وَّر) أي: في بيته.
وقوله: (فرأيت عنده دباء يُقَطَّع) في أكثر الأصول بصيغة المعلوم،
فيكون بكسر الطاء، وفي بعض النسخ بصيغة المجهول، فيكون بفتح الطاء، =

٢٧٩
هَذا؟ قَالَ: ((نُكَثِّرُ بِهِ طَعَامَنَا)).
قال أَبُو عِيسَى : وجابِرٌ هذا: هو جَابِرُ بنُ طَارِقٍ، وَيُقَالُ: ابنُ
أبي طارق، وَهُو رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسولُ اللهِ وَّهِ، ولا نَعْرِفُ لَهُ
إلَّ هذَا الحَدِيثَ الْوَاحِدَ،
- وعلى كلٍ: فهو بضم الياء، وفتح القاف، مع تشديد الطاء، مِن التقطيع:
وهو جعل الشيء قطعاً.
وقوله: (فقلت: ما هذا؟) أي: ما فائدة هذا التقطيع؟ فليس المراد
السؤال عن حقيقته.
وقوله: (قال: نُكثّر به طعامنا) أي: نجعله كثيراً به. وهو بنون
مضمومة، وكاف مفتوحة، ومثلثة مشددة مكسورة، من التكثير. ويجوز أن
يكون بسكون الكاف، وتخفيف المثلثة، من الإكثار. لكن الأصول على
الأول. وهذا يدل على أن الاعتناء بأمر الطبخ: لا ينافي الزهد والتوكل، بل
يلائم الاقتصاد في المعيشة المؤدي إلى القناعة.
قوله: (قال أبو عيسى: وجابر هذا) الخ، لما كان جابر عند الإطلاق
ينصرف عند المحدثين إلى جابر بن عبد الله، لكونه هو المشهور من
الصحابة رضي الله عنهم بكثرة الرواية، وليس مراداً هنا: احتاج المصنف
إلى بيان المراد هنا.
وقوله: (هو جابر بن طارق ويقال: ابن أبي طارق) أي: تارة يُنسب
إلى أبيه: وهو طارق، وتارة يُنسب إلى جده وهو أبو طارق، كما ذكره
الحافظ ابن حجر في الإصابة. وقد غفل عن هذا العِصامُ حيث قال: إما
إشارة إلى الخلاف في أن أباه طارق، أو بيان لكنيته.
وقوله: (ولا نعرف له إلا هذا الحديث الواحد) روي معلوماً، على
صيغة المتكلم مع غيره، وروي مجهولاً، على صيغة المذكر الغائب. فعلى =

٢٨٠
وأَبُو خَالد اسْمُهُ سَعْدٌ.
١٦٢ - حدثنا قُتَيَِّةُ بنُ سَعِيدٍ، عنْ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ، عن إسْحاقَ
ابن عبدِ الله بنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بَنَ مالِكِ يَقُولُ: إنَّ
خَيَّاطاً دَعَا رسولَ اللهِ نَّهِ لِطَعَامِ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسٌ: فَذْهَبْتُ معَ
رسولِ الله وَ ﴿ إلى ذلكَ الطَّعَام، فُقَرَّبَ إلى رسولِ الله وَل خبزاً من
شَعِيرٍ، وَمَرَقاً فيهِ دُبَّاءٌ، وقَدِيدٌ. قال أَنَسٌ: فَرَأيْتُ النبيَّ وَّهِ يَتَتَبَّعُ
الدُّبَّاءَ حَوَالَيِ القَصْعَةِ،
= الأول: يُنْصَبُ قولُه ((الحديثَ الواحد)) وعلى الثاني: يُرفع. وتُعُقِّب بأنه
ليس الأمر كذلك، بل عُرف له ثانٍ أخرجه ابن السكن في المعرفة،
والشيرازي في الألقاب.
وقوله: (وأبو خالد اسمه سعد) يوجد ذلك في بعض النسخ. وقيل:
اسمه هرمز، وقیل کثیر.
١٦٢ - قوله: (أنه سمع أنس بن مالك يقول: إن خياطاً) قال
العسقلاني: لم أقف على اسمه، لكن في رواية: أنه مولى المصطفى وَله .
وقوله: (قال أنس: فذهبت مع رسول الله وَ ﴾﴾ أي: تبعاً له وَلهو لكونه
خادمه، أو بطلب مخصوص.
وقوله: (فقرَّب) بتشديد الراء المفتوحة، فهو مبني للفاعل الذي هو
الخياط .
وقوله: (وقديد) أي: لحم مُقدَّد. فهو فعيلٌ بمعنى مفعول، فيكون
مُملَّحاً مُجفَّفاً في الشمس أو غيرها.
وقوله: (يَتَبَّع الدباء حوالي القصعة) وفي بعض النسخ. ((حوالي
الصَّحْفة)) أي: يتطلب القرع من جوانب القصعة، أو الصَّحفة. والقَصعة - =