Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
اللَّةِ وَالشُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ، عَارِي الثَّدْبَيْنِ وَالْبَطْنِ مَا سِوَى
ذلِكَ، أَشْعَرُ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ،
= والمعنى: أنه نيِّر العضو المتجرد عن الشعر، أو عن الثوب، فهو على غاية
من الحسن ونصاعة اللون. وعلم من ذلك أنه وضع ((أفعل)) موضع ((فعيل))
كما قاله جمع.
قوله: (موصول ما بين اللبة والسرة) الخ: ((ما)) موصولة، أو
موصوفة، واللبة : - بفتح اللام وتشديد الباء - النقرة التي فوق الصدر، أو
موضع القلادة منه، والسرة بضم أوله المهمل ـ: ما بقي بعد القطع، وأما
السُرُّ فهو ما يقطع.
وقوله: (بشعر يجري) أي: يمتد. فشبه امتداده بجريان الماء. والجار
والمجرور متعلق بموصول.
وقوله: (كالخط) أي: خط الكتابة، وروي ((كالخيط)) والتشبيه بالخط :
أبلغ، لإشعاره بأن الشعرات مشبهة بالحروف، وهذا معنى: ((دقيق المسربة))
الذي مر الكلام عليه. وفي رواية لابن سعد ((له شعر من لَبته إلى سرته
يجري كالقضيب ليس في بطنه ولا صدره)) - أي: ما عدا أعاليه، أخذاً مما
يأتي - ((شعرٌ غيره)) .
قوله: (عاري الثديين والبطن) أي: خالي الثديين والبطن من الشعر.
وقوله: (ما سوى ذلك) وفي رواية ((مما سوى ذلك)) وهي أنسب وأقربُ.
أي: سوى محل الشعر المذكور، أما هو: ففيه الشعر الذي هو المسربة.
وقال بعضهم: ولا شعرَ تحت إبطيه، ولعله أخذه مِنْ ذِكر أنسٍ وغيره
بياضَ إبطيه، وردّه المحقق أبو زرعة: بأنه لا يلزم من البياض فَقْدُ الشعر،
على أنه ثبت أنه وَ لو كان ينتفه. كما في القاري.
قوله: (أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر) أي: كثير شعر هذه =

٦٢
طويلُ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبُ الرَّاحِ، شَفْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْن، سَائِلُ
الأَطْرَافِ - أَوْ قَالَ: شَائِلُ الأَطْرَافِ - خُمْصَانُ الأَخْمَصَيْنِ،
= الثلاثة، فشعرها غزير كثير، وفي ((القاموس)): والأشعري: كثيرُ الشعر
وطويلُه. اهـ.
قوله: (طويل الزندين) تثنية زَند وهو - كما قاله الزمخشري -: ما
انحسر عنه اللحم من الذراع. قال الأصمعي: لم يُرَ أحدٌ أعرضَ زنداً من
الحسن البصري، كان عرضه شِبراً.
قوله: (رخب الراحة) أي: واسع الكف، وهو دليل الجود. وصغرُه
دليلُ البخل. والراحة: بطن الكف مع بطون الأصابع. وأصلها: من الرَّوح
وهو: الاتساع.
قوله: (شئن الكفين والقدمين) سبق معناه.
قوله: (سائل الأطراف) أي: طويلها طولاً معتدلاً بين الإفراط
والتفريط. فكانت مستوية مستقيمة، وذلك مما يمدح به. قال ابن الأنباري:
((سائلُ)) باللام، وروي (سائن)) بالنون، وهما بمعنى، وفي نسخ ((سائر))
بمعنى باقي، وفي نسخ ((وسائر)) بواو العطف، وهو إشارة إلى فخامة سائر
أطرافه وَلاد .
قوله: (أو قال شائل الأطراف) شكّ من الراوي. وشائل ـ بالشين
المعجمة -: قريبٌ من سائل - بالسين المهملة - مِنْ شالتِ الميزانُ: ارتفعت
إحدى كِفتيه. والمعنى: كان مرتفعَ الأطراف بلا احديداب، ولا انقباض،
وحاصل ما وقع الشك فيه: سائل، سائن، سائر، شائل، ومقصود الكل
أنها ليست متعقدة كما قاله الزمخشري .
قوله: (خمصان الأخمصين) أي: شديد تجافيهما عن الأرض، لكنْ
شدةً لا تخرجه عن حد الاعتدال، ولذلك قال ابن الأعرابي: كان معتدل =

٦٣
مسِيحُ الْقَدَمَيْنِ يَتْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ، إذَا زَالَ زَالَ فُلَّعاً، يَخْطُو تَكَفِّياً،
= الأخمص لا مرتفعه جداً ولا منخفضه كذلك، وفي ((النهاية)): وأخمص
القدم: هو الموضع الذي لا يمس الأرض عند الوطء من وسط القدم،
مأخوذ من الخَمَصِ - بفتحتين - وهو: ارتفاع وسط القدم عن الأرض،
والخُمْصان كعثمان - وبضمتين وبفتح فسكون - المبالغ فيه، وذلك ممدوح
بخلاف القدم الرَّحّاءِ - بمد والتشديد - وهي: التي لا أخمص لها، بحيث
يمس جميعهاَ الأرض، فإنه مذموم. ونفيُ الأخمص في خبر أبي هريرة ((إذا
وطىء بقدمه وطىء بكلِّها ليس له أخمص)): محمولٌ على نفي عدم
الاعتدال.
قوله: (مسيح القدمين) أي: أملسهما ومستويهما بلا تكسر، ولا
تشقق، ولذلك قال: (ينبو عنهما الماء) أي: يتجافى ويتباعد عنهما الماء لو
صب عليهما. يقال: نبا الشيء: تجافى وتباعد، وبابُه سما، كما في
((المختار)) وروى أحمد وغيرهُ: أن سبابتي قدميه بَّه كانتا أطول من بقية
أصابعهما، وما اشتهر من إطلاق: أن سبابتيه كانتا أطول من وُسْطاه، غلط .
بل ذلك خاص بأصابع رجليه، كما قاله بعض الحفاظ.
قوله: (إذا زال زال قلعاً) أي: إذا مشى رفع رجليه بقوة، كأنه يقلع
شيئاً من الأرض، لا كمشي المختال، و((قِلَعاً) حال أو مصدر، على تقدير
مضاف، أي: زوال قلع. وفيه خمسة أوجه: فتح أوله مع تثليث ثانيه، أي:
فتحه وكسره وسكونه، وضم أوله مع سكون ثانيه وفتحه. والقلع في
الأصل: انتزاعُ الشيء من أصله، أو تحويلُه عن محله، وكلاهما صالح لأن
يراد هنا، لأنه يرفع رجله بقوة ويحولها كذلك.
قوله: (يخطو تكفِّياً) وفي نسخة ((تكفؤاً)) وسبق تحقيقها. وهذه الجملة
مؤكدة لقوله: ((زال قلعاً)).

٦٤
وَيَمْشِي هَوْناً، ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ، إِذَا مَشَى كَأَنَمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَإِذَا
الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعاً، خَافِضُ الطَّرْفِ،
قوله: (ويمشي هوناً) هذا تتميم لكيفية مشيه وَله. فقوله ((إذا زال
زال قلعاً) إشارةٌ إلى كيفية رفع رجليه عن الأرض. وقوله: ((ويمشي
هوناً) إشارة إلى كيفية وضعهما على الأرض. وبهذا عُرف أنه لا تدافع
بين الهون والتقلع والانحدار. والهون: الرفق واللين. فكان وَالر يمشي
برفق ولين، وتثبت ووقار، وحلم وأناة، وعفاف وتواضع. فلا يضرب
برجله، ولا يخفق بنعله. وقد قال الزهري: إن سرعة المشي تُذهب بهاء
الوجه .
وهذه الصفة قد وصف الله بها عباده الصالحين بقوله ﴿وعبادُ الرحمن
الذين يمشون على الأرض هَوْناً﴾ ولا يخفى أنه ◌َّ أثبت منهم في ذلك،
لأن كل كمال في غيره فهو فيه أكمل.
قوله: (ذريع المِشية) بكسر الميم، أي: واسع الخطوة خِلْقةً لا تكلفاً.
قال الراغبُ: الذريعُ: الواسع، يقال: فرس ذريعٌ أي: واسع الخطوِ، فمع
كونه ◌ّليو كان يمشي بسكينة، كان يمد خطوه حتى كأن الأرض تُطوى له.
قوله: (إذا مشى) يصح أن يكون ظرفاً لقوله ((ذريع المشية)) ولقوله
((كأنما ينحط من صبب)) والثاني: هو المتبادر، وتقدم الكلام عن ذلك.
قوله: (وإذا التفت التفت جميعاً) أي: بجميع أجزائه كما تقدم.
قوله: (خافض الطرف) أي: خافض البصر، لأن هذا شأن المتأمل
المشتغل بربه، فلم يزل مطرقاً متوجهاً إلى عالم الغيب، مشغولاً بحاله،
متفكراً في أمور الآخرة، متواضعاً بطبعه. والطرف - بفتح فسكون -:
العَيْن، كما في ((المختار)) وأما الطرَف - بالتحريك -: فهو آخر الشيء،
فطرفُ الحبل آخره. وهكذا.

٦٥
نَظَرُهُ إلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، جُلُّ نَظَرِهِ
الْمُلَاحَظَةُ، يَسُوقُ أَصْحَابَهُ،
قوله: (نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء) أي: لأنه أجمع
للفكرة، وأوسع للاعتبار، ولأنه بُعث لتربية أهل الأرض، لا لتربية أهل
السماء. والنظر كما في ((المصباح)): تأمل الشيء بالعين. والأرض كما قاله
الراغب: الجِزْم المقابل للسماء، ويعبر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر
بالسماء عن أعلى الشيء، والطول الامتداد، يقال: طال الشيء: امتد،
وأطال الله بقاءك: مَدّه ووسّعه، ولعل ذلك كان حال السكوت والسكون،
فلا ينافي خبر أبي داود: ((كان إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى
السماء)). وقيل: إن الأكثر لا ينافي الكثرة.
قوله: (جل نظره الملاحظة) بضم الجيم وتشديد اللام، أي: معظم
نظره إلى الأشياء - لا سيما إلى الدنيا وزخرفتها - الملاحظة. أي: النظر
باللحاظ بفتح اللام، وهو: شَق العين مما يلي الصدغ، وأما الذي يلي
الأنف: فالمُوق، ويقال له: الماق. فلم يكن نظره إلى الأشياء، كنظر أهل
الحرص والشرّه، بل كان يلاحظها في الجملة، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿لا
تمدنَّ عينيك﴾ الآية.
قوله: (يسوق أصحابه) وفي بعض الروايات: يَنُسُّ أصحابه، أي:
يسوقهم فإن الشََّّ - بنون فمهملة مشددة -: السَّوْقُ، كما في ((القاموس))
فكان وَيقر يقدمهم بين يديه، ويمشي خلفهم، كأنه يسوقهم، لأن الملائكة
كانت تمشي خلف ظهره، فكان يقول: ((اتركوا خلف ظهري لهم)) ولأن هذا
شأن الولي مع المُولى عليهم، ليختبر حالهم وينظر إليهم فيربي من يستحق
التربية، ويعاتب من تليق به المعاتبة، ويؤدب من يناسبه التأديب، ويكمل
من يحتاج إلى التكميل. وإنما تقدمهم في قصة جابر - كما قال النووي -:
لأنه دعاهم إليه فكان كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي أمامهم.

٦٦
وَيَبْدُرُ مَنْ لَقِيَ بِالسَّلاَمِ.
٩ - حدّثنا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ،
قوله: (ويبدر من لقي بالسلام) أي: حتى الصبيان كما صرح به جمع
في الرواية عن أنس. ويبدُر بضم الدال من باب نصر، وفي نسخة: يبدأ،
والمعنى متقارب، وفي نسخة: من لقيه، بهاء الضمير، والمعنى: أنه كان
يبادر ويسبق من لقيه من أمته بتسليم التحية، لأنه من كمال شيم
المتواضعين، وهو سيدهم، وليست بداءته بالسلام لأجل إيثار الغير
بالجواب الذي هو فرض وثوابه أجزل من ثواب السنة - كما قاله العصام -
لأن الإيثار في القُرَب مكروه كما بيّنه في ((المجموع)) أتم بيان، على أنه
ناظرٌ في ذلك إلى أن الفرض أفضل من النفل، وما درى أنها قاعدة أغلبية،
فقد استثنوا منها مسائل.
منها: إبراء المعسر فإنه سنة، وهو أفضل من إنظاره، وهو واجب،
ومنها: الوضوء قبل الوقت، فإنه سنة، وهو أفضل من الوضوء في الوقت،
وهو واجب، ومنها: ابتداء السلام فإنه سنة، وهو أفضل من جوابه، وهو
واجب، كما أفتى به القاضي حسین .
وفي هذه الأفعال السابقة من تعليم أمته كيفية المشي، وعدم
الالتفات، وتقديم الصحب، والمبادرة بالسلام: مالا يخفى على الموفقين
لفهم أسرار أحواله وَلتر، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه.
٩ - قوله: (حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى) - بالمثلثة - اسم مفعول
من التثنية، وهو المعروف بالزَّمِنِ، ثقة ورع، مات بعد بُندار بأربعة أشهر.
روى عن ابن عيينة وغُندر. خرج له الجماعة.
قوله: (حدثنا محمد بن جعفر) أي المعروف بغندر، وقد تقدم الكلام =

٦٧
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ
يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ضَلِيعَ الْفَمِ،
أَشْكَلَ الْعَيْنِ، مَنْهُوسَ الْعَقِبِ.
قَالَ شُعْبَةُ:
= عليه. قال ابن معين: أراد بعضهم أن يخطئه فلم يقدر، وكان من أصح
الناس كتاباً، لكن صار فيه غفلة.
قوله: (حدثنا شعبة) كان متزوجاً بأم محمد بن جعفر، ولذلك جالسه
عشرين سنة .
وقوله (عن سماك) بكسر أوله مخففاً كـ: حساب.
وقوله: (ابن حرب) بفتح فسكون. واحترز بابن حرب: عن سماك بن
الوليد. وهو ثقة ثبت أخرج له مسلم والأربعة، أحد علماء التابعين، لكن
قال ابن المبارك: ضعيف الحديث، وكان شعبة يضعفه.
قوله: (قال: سمعت جابر بن سمرة) صحابيان. خرج لأبيه البخاري
ومسلم وأبو داود والنسائي، وله الجماعة كلهم. وسمرة: بفتح السين
المهملة وضم الميم، وأهل الحجاز يسكنونها تخفيفاً.
قوله: (يقول) حال من المفعول.
قوله: (كان رسول الله ◌َ لاير ضليع الفم) بتخفيف المیم، وقد تشدد.
وقوله (أشكل العين) وفي نسخ ((العينين)) بالتثنية والمراد بالعين : -
على النسخ الأولى - الجنس. فتشمل العينين.
وقوله: (منهوس العقب) بسين مهملة أو شين معجمة، والعقب - بفتح
فكسر -: مؤخر القدم.
قوله: (قال شعبة) أي: المذكور في السند.

٦٨
قُلْتُ لِسِمَاكٍ: مَا ضَلِيعُ الْفَمِ؟ قَالَ: عَظِيمُ الْفَمِ. قُلْتُ: مَا أَشْكَلُ
الْعَيْنِ؟ قَالَ: طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنِ. قُلْتُ: مَا مَنْهُوسُ الْعَقِبِ؟ قَالَ:
قَلِيلُ لَحْمِ الْعَقِبِ .
١٠ - حدّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ،
وقوله: (قلت: لسماك) أي: شيخه.
قوله: (ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم) هذا هو الأشهر الأكثر،
وبعضهم فسره: بعظيم الأسنان. وتقدم ما فيه.
قوله: (قلت) أي: لسماك، وإنما لم يصرّح به لعلمه مما تقدم. وكذا
يقال فيما بعد.
قوله: (ما أشكل العين؟ قال: طويل شَق العين) هذا التفسير خلت عنه
كتب اللغة المتداولة، ومن ثَمَّ جعله القاضي عياض وهْماً من سماك،
والصواب: ما اتفق عليه العلماء، وجميع أصحاب الغريب: أن الشُّكْلة
حمرة في بياض العين، وأما الشُّهْلة: فهي حمرة في سوادها، والشكلة
إحدى علامات النبوة. كما قاله الحافظ العراقي. والأشكل محمود
محبوب، قال الشاعر:
ولا عيبَ فيها غيرَ شُكْلةٍ عينها كذاك عِتاقُ الخيلِ شُكْلٌ عيونُها
قوله: (قلت: ما منهوس العقب؟ قال: قليل لحم العقب) كذا في
((جامع الأصول)) ونصه: ((رجل منهوس القدمين - بسين وشين - خفيف
لحمها)) ويطلق المنهوس أيضاً على قليل اللحم مطلقاً كما في ((القاموس))
لكن هذا في المنهوس مطلقاً لا في المنهوس المضاف للعقب كما هنا.
١٠ - قوله: (حدثنا هناد بن السريّ) أي: الكوفي التميمي الدارمي
الزاهد الحافظ وكان يقال له: راهب الكوفة لتعبده. خرج له مسلم،
والأربعة. وهناد: بتشديد النون وبمهملة في آخره. والسري: بفتح السين =

٦٩
حَدَّثَنَا عَبْثَرَّ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَشْعَثَ - يَعْنِي ابْنَ سَوَّارٍ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ فِي لَيْلَةِ إِضْحِيَانٍ،
= المهملة المشددة وكسر الراء المهملة بعدها ياء مشددة. مات سنة ثلاث
وعشرين ومئتين.
قوله: (حدثنا عبثر بن القاسم) أي: الزُبيدي نسبة إلى زبيد بالتصغير،
وعبثر: كجعفر: بمهملة وموحدة ومثلثة ومهملة، كوفي ثقة خرَّج له الجماعة.
قوله: (عن أشعث) كأربع، بمثلثة في آخره. روى له البخاري في
تاريخه(١) ومسلم والترمذي والنسائي. قال أبو زرعة: لين، وقال بعضهم:
ضعيف، كما في المناوي.
قوله: (يعني ابن سوار) العناية مدرجة من كلام المصنف، أو هناد، أو
عبثر، ولم يقل: أشعث بن سوار - من غير لفظ العناية - محافظةً على لفظ
الراوي. وسَوّار: ضبطه الذهبي في الكاشف بخطه والحافظ مغلطاي في
عدة نسخ: بفتح السين وتشديد الواو، وهو الذي عليه المعول، وضبطه
بعض الشراح بكسر السين وتخفيف الواو كغفار.
قوله: (عن أبي إسحاق) أي: السَّبيعي.
وقوله: (عن جابر بن سمرة) قال النسائي: إسناده إلى جابر خطأ،
وإنما هو مسند إلى البراء فقط. ورُدَّ بقول البخاري: الحديث صحيح عن
جابر وعن البراء، كما في المناوي.
قوله: (في ليلة إضحيان) بكسر الهمزة، وسكون الضاد المعجمة،
وكسر الحاء المهملة، وتخفيف التحتية، وفي آخره نون منونة، أي: ليلة
مقمرة من أولها إلى آخرها. قال في الفائق: يقال ليلة ضَحْيا وإضحيان
(١) بل في ((الأدب المفرد)). وروى له ابن ماجه أيضاً.
=

٧٠
وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْقَمَرِ، فَلَهُوَ عِنْدِي
أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ .
١١ - حدّثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِالرَّحمنِ الرُّؤَاسِيُّ،
= وإضحيانة، وهي: المقمرة من أولها إلى آخرها. اهـ قال الزمخشري:
وإفعلان في كلامهم قليل جداً.
قوله: (وعليه حلة حمراء) أي: والحال أن عليه حلة حمراء. فالجملة
حالية. والقصد بها: بيانُ ما أوجب التأملَ وإمعانَ النظر فيه، مِن ظهور
مزيد حسنه ﴾ حينئذ.
قوله: (فجعلت أنظر إليه وإلى القمر) أي: فصرت أنظر إليه تارة وإلى
القمر أخرى.
وقوله: (فلهو عندي أحسن من القمر) أي: فوالله لهو عندي أحسن من
القمر. فـ((هو)) جواب قسم مقدر، وفي رواية ((في عيني)) بدل ((عندي))
والتقييد بالعندية في الرواية الأولى: ليس للتخصيص، فإن ذلك عند كل
أحد رآه كذلك.
وإنما كان ◌َلّ أحسنَ لأن ضوءه يغلب على ضوء القمر، بل وعلى
ضوء الشمس، ففي رواية لابن المبارك وابن الجوزي ((لم يكن له ظل، ولم
يقم مع شمس قط إلا غلب ضوؤه على ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج
قط إلا غلب ضوؤه على ضوء السراج)).
١١ - قوله: (الرُّؤَاسي) بضم الراء وفتح الهمزة وآخره سين مهملة
بعدها ياء، وهو منسوب لجده رؤاس، وهو الحارث بن كلاب بن ربيعة بن
عامر بن صعصعة بن قيس بن عَيلان(١) .
(١) كذا، وصوابه: قيس عيلان، كما سيأتي قريباً ص ٧٣.

٧١
عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ: أَكَانَ .
وَجْهُ رَسُولِ اللهِوَّهِ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: لاَ، بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ .
١٢ - حدّثنا أَبُو دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ
ابْنُ شُمَيْلٍ،
قوله: (عن زهير) أي: ابن [معاوية بن] حُديج بالتصغير فيهما، وهو
ثقة، حافظ. خرج له الستة. مات سنة ثلاث وسبعين ومئة.
قوله: (أكان وجه رسول الله وَ﴿ مثل السيف) أي: في الاستنارة
والاستطالة، فالسؤال عنهما معاً.
قوله: (قال: لا، بل مثل القمر) أي: ليس مثل السيف في الاستنارة
والاستطالة، بل مثل القمر المستدير، الذي هو أنور من السيف، لكنه لم
يكن مستديراً جداً، بل كان بين الاستدارة والاستطالة. كما مر. وكونه وَلآت
أحسن من القمر: لا ينافي صحة تشبيهه به في ذلك، لأن جهات الحسن لا
تنحصر، على أن التشبيه بالقمر أو بالشمس أو بهما إنما هو على سبيل
التقريب كما تقدم.
١٢ - قوله: (حدثنا أبو داود المصاحفي) بفتح الميم وكسر الحاء،
نسبة إلى المصاحف، لعله لكتابته لها، أو بيعه لها، وكان القياس: أن
ینسب إلى المفرد، وهو مصحف، بتثليث ميمه.
وقوله: (ابن سَلْم) بفتح السين المهملة وسكون اللام.
قوله: (حدثنا النضر) بسكون الضاد المعجمة، وقد التزم المحدثون
إثبات اللام في النضر - بالضاد المعجمة - وحذفها في: نصر - بالصاد
المهملة - للفرق بينهما .
وقوله: (ابن شميل) بضم المعجمة وفتح الميم وسكون التحتية.

٧٢
عَنْ صَالِحِ بْنِ أبِي الأَخْضَرِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِلّهِ أَبْيَضَ كَأنمَا صِيغَ مِنْ فِضَّةٍ،
رَجِلَ الشَّعْرِ.
١٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ
قوله: (عن صالح بن أبي الأخضر) أي: مولى هشام بن عبد الملك.
كان خادماً للزهري، لينه البخاري، وضعفه المصنف، لكن قال الذهبي:
صالح الحديث. خرّج له الأربعة، كما في المناوي.
قوله: (عن ابن شهاب) أي: الزهري الفقيه الكبير أحد الأعلام الحافظ
المتقن، تابعي جليل، سمع عشرة من الصحابة أو أكثر، له نحو ألفي
حديث. قال الليث: ما رأيت أجمع ولا أكثر علماً منه، وقيل لمكحول:
من أعلم من رأيتَ؟ قال: ابن شهاب. خرج له الجماعة.
قوله: (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو تابعي
قرشي وزُهْري ومدني، واختلف في اسمه، فقيل: عبد الله، وقيل:
إسماعيل، وقيل: إبراهيم.
قوله: (عن أبي هريرة) أي: ابن صخر الدوسي - بفتح الدال ـ وكان
اسمه في الجاهلية عبد شمس فغيَّرَه النبي ◌َّ إلى عبد الرحمن، على الأصح
من أربعين قولاً .
قوله: (كان رسول الله وَ لهو أبيض كأنما صيغ من فضة) أي: لأنه كان
يعلو بياضه النور والإشراق. وفي ((القاموس)) و((الصحاح)) صاغ الله فلاناً:
حسّن خَلْقه. وفيه إيماء إلى نورانية وجهه وتناسب أعضائه بَّر، وعلم من
ذلك: أن المراد أنه كان نيِّر البياض. وهذا معنى ما ورد في رواية: ((أنه
كان شديد البياض)) وفي أخرى: (أنه كان شديد الوَضَح)).
قوله: (رجل الشعر) تقدم الكلام علیه.
١٣ - قوله: (حدثنا قتيبة بن سعيد) أي: أبو رجاء البلخي.

٧٣
قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ فَإِذَا مُوسَى
قوله: (قال) وفي نسخة إسقاط قال.
قوله: (أخبرنا الليث بن سعد) أي: الفهمي، نسبة إلى فَهْم: بطن من
قيسٍ عَيلان. كان عالم أهل مصر، وكان نظير مالك في العلم، لكن ضيع
أصحابُه مذهبَه. قال الشافعي: وما فاتني أحد فأسفت عليه مثله. كان دخله
في كل سنة ثمانين ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة. مات يوم الجمعة في
نصف شعبان سنة خمس وسبعين ومئة.
قوله: (عن أبي الزبير) أي محمد بن مسلم المكي الأسدي. خرج له
الجماعة، وهو حافظ، ثقة، لكن قال أبو حاتم: لا يحتج به وأقره الذهبي.
قوله: (عن جابر بن عبد الله) أي الأنصاري الصحابي ابن الصحابي غزا
مع النبي ◌َّ سبع عشرة غزوة.
قوله: (عُرِض عليّ الأنبياء) بالبناء للمجهول، أي: عُرضوا علي في
النوم، بدليل رواية البخاري: ((أُراني الليلة عند الكعبة في المنام)) الحديث.
أو في اليقظة بدليل رواية البخاري أيضاً: ((ليلة أسري بي رأيت موسى)) إلى
آخره، ولعل وجه الاقتصار على الثلاثة المذكورين بعدُ من بين الأنبياء: لأن
سيدنا إبراهيم جد العرب، وهو مقبول عند جميع الطوائف، وسيدنا موسى
وعيسى رسولا بني إسرائيل، والترتيب بين هؤلاء الثلاثة وقع تدلياً ثم ترقياً،
فإنه ابتدأ بموسى وهو أفضل من عيسى، ثم ذكر إبراهيم، وهو أفضل
منهما، فهو بالنسبة إلى الأَوّل تدلِّ، وبالنسبة إلى الأخير ترقُّ.
قوله: (فإذا موسى) إلخ أي: فرأيت موسى، فإذا موسى إلى آخره.
فهو عطف على محذوف. وموسى: مُعَرّبُ موشى. سمَّتْه به آسية بنت
مزاحم، لما وجد بالتابوت بين ماء وشجر، لمناسبته لحاله، فإن ((مو)) في
لغة القبط: الماء، ((وشى)) في تلك اللغة: الشجر، فعرِّب إلى موسى.

٧٤
عَلَيْهِ السَّلاَمُ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، كَأنهُ مِنْ رِجَالِ شَئُوءَةَ، وَرَأَيْتُ
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَإِذَا أَفْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بْنُ
مَسْعُودٍ،
وقوله: (ضرب من الرجال) أي: نوع منهم، وهو الخفيف اللحم
المستَدَقّ، بحيث يكون جسماً بين جسمين، لا ناحل ولا مطهّم.
وقوله: (كأنه من رجال شنوءة) أي: التي هي قبيلة من اليمن، أو من
قحطان. وهي على وزن فَعولة تهمز وتسهَّل.
قال ابن السِّكِّيت: ربما قالوا: شُئُوة كثُبُوّة. ورجال هذه القبيلة:
متوسطون بين الخفة والسمن. والشنوءة في الأصل: التباعد، كما في كلام
((الصحاح)) ومِن ثَم قيل: لُقّبوا به: لطهارة نسبهم، وجميل حسبهم.
والمتبادر: أن التشبيه بهم في خفة اللحم، فيكون تأكيداً لما قبله، وبياناً
له. وقيل: المراد تشبيه صورته بصورتهم، لا تأكيد خفة اللحم، إذ
التأسيس خير من التأكيد. وقال بعضهم: الأولى أن يكون التشبيه باعتبار
أصل معنى ((شنوءة))، فلا يكون تأكيداً لما قبله، ولا بياناً له، بل خبراً
مستقلاً بالفائدة. وإنما لم يشبهه وَ ر بفرد معين كسيدنا إبراهيم وعيسى:
لعدم تَشَخُّص فرد معين في خاطره، كما قاله العصام وغيره، وإن تعقبوه.
قوله: (ورأيت عيسى ابن مريم) أي: بنت عمران، من ذرية سليمان،
بينها وبينه أربعة وعشرون أباً. ورفع عيسى عليه السلام وستُّها ثلاث
وخمسون سنة، وبقيت بعده خمس سنين.
قوله: (فإذا أقرب من رأيت به شبهاً: عروة بن مسعود) أي: الثقفي،
لا الهذلي كما وُهم، وهو الذي أرسلته قريش للنبي ◌ّ # يوم الحديبية، فعقد
معه الصلح وهو كافر، ثم أسلم سنة تسع من الهجرة، بعد رجوع المصطفى
وَّر من الطائف، واستأذن النبي وَلّ في الرجوع لأهله، فرجع، ودعا قومه
إلى الإسلام، فرماه واحد منهم بسهم وهو يؤذن للصلاة، فمات، فقال =

٧٥
ورَأَيْتُ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً
صَاحِبُّكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ
رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً دِحْيَةُ)).
= رسول الله وَ لَ لما بلغه ذلك: ((مَثَلُ عروة، مَثَلُ صاحب يسَ، دعا قومه إلى
الله فقتلوه)) ولا يخفى أن أقرب: مبتدأ، خبره: عروةُ بنُ مسعود، ومَن:
موصولة، وعائدها: محذوف. أي: أقرب الذي رأيته، و ((به)): متعلق بـ
((شبهاً)) المنصوب على أنه تمييز للنسبة، وصِلة القرب: محذوفة. أي: إليه
أو منه .
قوله: (ورأيت إبراهيم) أي: الخليل. قال الماوردي في ((الحاوي)):
معناه بالسريانية: أبٌ رحيم. وفيه خمس لغات، بل أكثر: إبراهيم،
وإبراهام، وهما أشهر لغاته وبهما قرىء في السبع، وإبراهِّم بضم الهاء
و کسرها وفتحها.
وقوله: (فإذا أقرب مَن رأيت به شبهاً صاحبكم) ولذلك ورد: ((أنا
أشبه ولد إبراهیم به)).
وقوله: (يعني نفسه) أي: يقصد النبي بَّ بقوله ((صاحبكم)) نفسه
الشريفة ومدير وهذا من كلام جابر رضي الله عنه.
قوله: (ورأيت جبريل) إلخ: معطوف على قوله: ((عُرض عليَّ الأنبياء))
عطفَ قصة على قصة، فليس داخلاً في عَرْض الأنبياء، حتى نحتاج إلى
جعله منهم تغليباً، غاية الأمر: أنه ذكر مع الأنبياء، لكثرة مخالطته لهم،
وتبليغ الوحي إليهم. نظير ما قيل في قوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم
أجمعون إلا إبليس﴾. وجبريل: بوزن فِعليل سرياني معناه: عبد الله، أو
عبد الرحمن، أو عبد العزيز.
قوله: (فإذا أقرب من رأيت به شبهاً دِحية) أي: الكلبي الصحابي =

٧٦
١٤ - حدّثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار - الْمَعْنَى وَاحِدٌ -
قَالَا: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ الْجُرَيْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
الطُّفَيْلِ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَّةِ، وَمَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ
= المشهور، شهد مع رسول الله مَ المشاهد كلها بعد بدر، وبايع تحت
الشجرة. ودحية بوزن ((سِدْرة)) وقد يفتح أوله، ومعناه في الأصل: رئيس
الجند، وبه سمي دحية هذا، وكان جبريل يأتي المصطفى وز غالباً على
صورته، لأن عادة العرب قبل الإسلام إذا أرسلوا رسولاً إلى ملك، لا
يرسلونه إلا مثل دحية، في الجمال والفصاحة، فإنه كان بارعاً في الجمال،
بحيث تضرب به الأمثال، ولا شك أنه ود هو أعظم من الملوك فكان يأتيه في
غالب أحیانه بصورته.
١٤ - قوله: (حدثنا سفيان بن وكيع) أي: ابن الجراح.
وقوله: (ومحمد بن بشار) أي: أبو بكر العبدي.
قوله: (المعنى واحد) جملة معترضة، ويَضعف جعلها حالاً، لعدم
قَرْنها بالواو.
قوله: (قالا) أي: سفيان، ومحمد.
وقوله: (أخبرنا) وفي بعض النسخ: حدثنا.
قوله: (يزيد بن هارون) أي: أبو خالد السُّلَمي الواسطي الحافظ أحد
الأعلام. قيل: كان يحضر مجلسه ببغداد نحوُ سبعين ألفاً. خرّج له
الجماعة .
قوله: (عن سعيد الجُرَيري) بضم الجيم وفتح الراء، نسبة إلى جده
جُرير مصغراً وهو ثقة ثبت. خرّج له الجماعة.
قوله: (قال: سمعت أبا الطُفَيل) - بالتصغير - وهو عامر بن واثلة
بمثلثة مكسورة، ويقال: عمرو الليثي الكناني، كان من شيعة علي ومحبيه، =

٧٧
رَآهُ غَيْرِي. قُلْتُ: صِفْهُ لِي، قَالَ: كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحاً مُقَصَّداً.
= ولد عام الهجرة، أو عام أُحُد، ومات سنة عشر ومئة على الصحيح. وبه
ختم الصَّخْب على ما يأتي.
قوله: (يقول: رأيت النبي بَّ وما بقي على وجه الأرض أحد رآه
غيري) أي: من البشر، فخرج الملك والجن، وخرج بقوله: ((على وجه
الأرض)) عيسى فإنه لم يكن على وجه الأرض، وخرج الخضر أيضاً فإنه لم
يكن ممن خالطه، كما هو المراد، وحينئذ فهو أحق بأن يُسأل، لانحصار
الأمر فيه إذ ذاك، فقصْدُه بذلك الحثُّ على طلب وصف المصطفى ێ منه،
وقضية هذا: أنه آخر الصحب موتاً، وزعمُ أن معمراً المغربي وركَن الهندي
صحابيان عاشا إلى قريب القرن السابع: ليس بصحيح، خلافاً لمن انتصر
له. وجملة قوله: ((وما بقي)) إلخ عطفٌ على: رأيت، لا حالٌ لفساد
المعنى، لأنه يقتضي أنه رآه في حال كونه لم يبق على وجه الأرض أحد من
الصحابة وليس كذلك.
قوله: (قلت: صفه لي) أي: اذكر لي شيئاً من أوصافه، وقائل ذلك:
سعيدٌ الجريري الراوي عن أبي الطفيل.
قوله: (قال كان أبيض مليحاً) أي: لأنه كان أبيض مشرباً بحمرة،
وكان أزهر اللون، وهذا غاية الملاحة، وهي الحسن، فمعنى مليحاً:
حسَناً. قال في المختار: ملُح الشيء - بالضم - من باب ظرُف وسهُل، أي
حسُن، فهو ملیح. اهـ.
قوله: (مقصَّداً) بتشديد الصاد المفتوحة على أنه اسم مفعول، من باب
التفعيل، أي: متوسطاً. يقال: رجل مُقصَّد أي: متوسط، كما يقال: رجل
قَصْد أي: وسط. قال تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ أي: وسطه.
والمراد أنه وَلّ متوسط بين الطول القصر، وبين الجسامة والنحافة، بل
جميع صفاته على غاية من الأمر الوسط، فكان في لونه وهيكله وشعره =

٧٨
١٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِر
الحِزَامِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ ثَابِتِ الزُّهْرِيُّ، حدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ
ابْنُ إِبْرَاهِیمَ
= وشرعه مائلاً عن طرفي الإفراط والتفريط، وكان في قواه كذلك، فحفظ وعليه
في ذلك كله من محذوريْ الإفراط والتفريط .
١٥ - قوله: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) أي: الدارمي التميمي
السمرقندي لا الطائفي الثقفي - كما وهم فيه بعض الشراح - وكان عالمَ
سمرقند إمامَ أهل زمانه. وهو حافظ كبير ثقة ثبت. مات سنة خمس
وخمسین ومئتين .
قوله: (أخبرنا إبراهيم بن المنذر الحِزامي) بحاء مهملة مكسورة وزاى
بعدها ألف فميم: نسبه إلى جده حزام فإنه إبراهيم بن المنذر بن المغيرة بن
عبد الله بن خالد بن حزام القرشي المدني. وقال العصام: نسبة لبني حزام،
وليس بصواب. وكان من كبار العلماء، صدوقاً، خرّج له البخاري والترمذي
وابن ماجه .
قوله: (أخبرني عبد العزيز بن ثابت) كذا في كثير من النسخ
والصواب: ابن أبي ثابت، كما حرره الثقات. واسم أبي ثابت هو: عمران
ابن عبد العزيز.
وقوله: (الزهري) نسبة لبني زهرة - بضم الزاي وسكون الهاء - وهو
متروك الحديث لكثرة غلطه، فإنه حدث من حفظه لاحتراق كتبه، فكثر
غلطه، ولهذا قال الذهبي: لا يتابَع في الحديث، لكن خرج له المصنف.
قوله: (حدثني) وفي نسخة: قال حدثني.
قوله: (إسماعيل بن إبراهيم) أي: الأسدي. ثقة ثبت سني، تكلم فيه
ابن معين بلا حجة، خرّج له البخاري والنسائي.

٧٩
ابْنُ أَخِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ
وَسَلَّمَ أَفْلِجَ الشَّيََّيْنِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُبِيَ كالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ.
وقوله: (ابن أخي موسى بن عقبة) نعت آخر لإسماعيل، أو بدل منه،
أو عطف بيان له، وليس صفة لإبراهيم، فإنه أخو موسى، فكيف يوصف
بأنه ابن أخي موسى؟ وبيَّن نسبَ موسى بأنه: ابن عُقبة - بضم العين
وسكون القاف ــ مع أن المقام يدعو لبيان نسب إبراهيم، لأن بيانه كبيانه،
فإنه أخوه كما علمت.
قوله: (عن موسى بن عقبة) أي: مولى آل الزبير، أحد علماء المدينة،
كان إماماً في المغازي، روى عنه السفيانان، وخرج له الجماعة.
قوله: (عن كريب) بالتصغير، ابن أبي مسلم المدني مولى ابن عباس.
روى عن مولاه ابن عباس وجماعة، وعنه ابناه وخلقٌ. خرّج له الجماعة.
ثقة ثبت .
قوله: (عن ابن عباس) أي: حِبر الأمة عبد الله المشهور بالفضل
والعلم، مات بالطائف وقد كفَّ بصره، وصلى عليه ابن الحنفية وقال: مات
رباني هذه الأمة. وهو أحد العبادلة الأربعة، ومناقبه أكثر من أن تذكر.
قوله: (كان رسول الله وَ ل﴿ أفلج الثنيتين) تثنية ثنية بتشديد الياء، وفي
نسخ ((الثنايا)) بصيغة الجمع. قال الطيبي: الفَلَج هنا: الفرق، بقرينة إضافته
إلى الثنايا، إذِ الفلج: فرجة بين الثنايا والرَّباعِيَات، والفرق: فرجة بين
الثنايا. اهـ. لكن ظاهر كلام ((الصحاح)) أن الفلج مشترك بينهما، وعليه فلا
حاجة إلى ما قاله الطيبي. وفي الفم أربع ثنايا معروفة.
قوله: (إذا تكلم رُكِيَ كالنور يخرج من بين ثناياه) أي: رُئي شيء له
صفاء، يلمع كالنور، يخرج من بين ثناياه. ويحتمل أن الكاف زائدة =

٨٠
٢ - باب ما جاء في خاتم النبوة
١٦ - حدّثنا أَبُو رَجَاءٍ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ
إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْجَعْدِ بْنِ
= للتفخيم ويكون الخارج حينئذ نوراً حسياً معجزة له وَله. ورئي: بضم الراء
وكسر الهمزة. وقال التلمساني: بكسر الراء على وزن: قيل وبيع. وظاهر
قوله من بين ثناياه أنه من داخل الفم الشريف وطريقه من بين ثناياه،
ويحتمل أن أصله من الثنايا نفسها، ومَن صار إلى أنه معنوي، زاعماً أن
المراد به لفظه الشريف على طريق التشبيه: فقد وهم وما فهم قولَه رئي،
وهذا الحديث وإن كان في سنده مقال إلا أنه خرجه الدارمي والطبراني
وغيرهما.
٢ - قوله باب ما جاء في خاتم النبوة
أي: باب بيان ما ورد في شأنه من الأخبار، وهو بفتح التاء وكسرها،
والكسر أشهر وأفصح، وإضافته للنبوة لكونه من آياتها، كما تقدم، وإنما
أفرده بباب مع أنه من جملة الخَلْق: اهتماماً بشأنه، لتميزه عن غيره بكونه
معجزة، وكونه علامة على أنه النبي الموعود به في آخر الزمان.
وفي الباب ثمانية أحاديث.
١٦ - قوله: (قتيبة) إلخ وفي بعض النسخ: ((أبو رجاء قتيبة)) إلخ.
وقوله: (حاتم) بكسر التاء كقائم.
وقوله: (ابن إسماعيل) أي: الحارثي. أخرج حديثه أصحاب الكتب
الستة(١).
وقوله: (عن الجَعْد) كسعد فهو بالتكبير، وفي نسخة بالتصغير.
(١) كان في المطبوعة السابقة: ((أصحاب السنن الستة))، ولا يصح اصطلاحاً.