Indexed OCR Text

Pages 141-160

سنة إحدى وعشرين وتسعمائة
· في حدودها توفي الشيخ شِهَاب الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن حسين بن
محمد العليني المكي(١) نزيل المدينة الشافعي.
ولد سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وسمع على جماعة، وأجازه آخرون.
قال ابن طولون: أجازني في استدعاء بخطّ شيخنا النُّعيمي مؤرَّخ في سنة
عشرين وتسعمائة. قال: وربما اجتمعت به. انتهى
• وفيها بدر الدِّين حسن بن ثابت بن إسماعيل الزَّمْزَميّ المكّي(٢) خادم بئر
زَمْزَم، وسقاية العبّاس، نزيل دمشق، الشافعي الإِمام الحيسوب المفيد.
قال في ((الكواكب)): أخذ العلم عن قريبه الشيخ إبراهيم الزَّمْزَمي وغيره، ثم
اعتنى بعلم الزيارج، وبتصانيف الشيخ جلال الدِّين السُّيوطي، رحمه الله تعالى .
وتوفي بالمدرسة البادرائية داخل دمشق في سابع عشر ربيع الأول تقريباً سنة
إحدى وعشرين وتسعمائة تحقيقاً ودفن بمقبرة باب الصغير. انتهى
• وفيها قاضي القضاة سري الدِّين أبو البركات عبد البرّبن قاضي القضاة
محبّ الدِّين أبي الفضل محمد بن قاضي القضاة محبّ الدِّين أيضاً أبي الوليد
محمد بن الشّحنة (٣) الحنفي .
(١) ترجمته في ((متعة الأذهان)) (ق ٤)، و((الكواكب السائرة)) (١٣٤).
(٢) ترجمته في ((متعة الأذهان)) (ق ٧٩)، و((الكواكب السائرة)) (١٧٧).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع))، و((متعة الأذهان)) (ق ٤٤)، و((درّ الحبب)) (٧٤٣/٢/١ - ٧٤٧)
و ((الكواكب السائرة)» (٢١٩).
١٤١

ولد بحلب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، ورحل إلى القاهرة، فاشتغل في
علوم شتّى على شيوخ متعددة ذكرهم السخاوي في ترجمته في ((الضوء اللامع))
منهم والده وجَدّه، ودرّس وأفتى، وتولى قضاء حلب ثم قضاء القاهرة، وصار
جليس السلطان الغُوري وسميره.
قال الحمصي: كان عالماً متقناً(١) للعلوم الشرعية والعقلية.
وقال ابن طولون: ولم يُثن الناس عليه خيراً.
وذكر الحمصي أن عبيد السّلموني شاعر القاهرة هجاه بقصيدة قال في أولها:
فَشّا الزُّورُ فِي مِصْرٍ وفي جَنَبَاتِها وَلِمْ لا وعَبْدُ الْبَرِّ قاضي قُضَاتِها (٢)
وعقد على السّلموني بسبب ذلك مجلس في مستهل محرم سنة ثلاث عشرة
بحضرة السلطان الغُوري، وأحضر في الحديد، فأنكر، ثم عُزِّر بسببه بعد أن قرئت
القصيدة بحضرة السلطان وأكابر الناس وهي في غاية البَشَاعَة والشَّنَّاعَة،
والسّلموني المذكور كان هجاءً خبيثَ الهجوما سلم منه أحد من أكابر مصر فلا يعدُّ
هجوه جرحاً في مثل القاضي عبد البرّ، وقد كان له في ذلك العصر حشمة،
وفضل، وكان تلميذه القطب بن سلطان مفتي دمشق يثني عليه خيراً ويحتج بكلامه
في مؤلفاته، وكان ينقل عنه أنه أفتى بتحريم قهوة البن، وله رحمه الله تعالى
مؤلّفات كثيرةً منها («شرح منظومة ابن وهبان)) في فقه أبي حنيفة النُّعمان، ومنها
(شرح الوهبانية))(٣) في فقه الحنفية، و((شرح منظومة جدّه أبي الوليد بن الشحنة))
التي نظمها في عشرة علوم، وكتاب لطيف في حوض دون ثلاثة أذرع هل يجوز فيه
الوضوء أولاً وهل يصير مستعملاً بالتوضي فيه أولاً، ومنها ((الذخائر الأشرفية في
ألغاز الحنفية)). وله شعر لطيف منه(٤):
(١) في (أ)): (متفناً) وهو تحريف.
(٢) في ((ط)): (قضلتها) وهو تصحيف.
(٣) في ((أ)): (شرح الوجانية).
(٤) الأبيات في ((الكواكب)) (٢٢٠/١) و((درّ الحبب)) (٧٤٧/٢/١).
١٤٢

وبي واللَّهِ للدنيا الفَخَارُ
أُضَارُ وَهَا مناقبِيَ الكبار (١)
لها في سائرِ الدنيا انتشارُ
بفضلٍ شائعٍ وعلومِ شرعٍ
مفاخرُهم بها الركبانُ ساروا
ومجدٍ شامخٍ في بيتِ علمٍ
وفوقَ الفَرْقَدَيْن لها قرارُ
وهمةٍ لوذْعٍ منهم تَسَامَى
إلى تحقيقِهِ أبدأ يُصارُ
وفكرٍ صائبٍ في كلِّ فنٍ
وقال ناظماً لأسماء البكّائين في غزوة تبوك(٢) وهم الذين نزلت فيهم ﴿وَلاَ عَلَى
الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ
الدَّمعِ ﴾ [التوبة: ٩٤].
لِكَوْنِهِمُ قَدْ فَارَقُوا خَيْرَ مُرْسَلِ
ألا إنّ بَكَّاءَ الصَّحَابَةِ سَبْعَةٌ
كذا سَلْمَةٌ عِرباضُ وابنُ مُغفل
فَعَمْرو أَبُو لَيْلَى وَعلية سالِمٌ
وذَيَّل عليه البدر الغَزِّي، فقال(٣):
كَتَعْلَبةٍ عمرٌو وصخرٌ وديعةٌ وعبدٌ بن عمرٍو وابنُ أَزْرقَ مَعْقِلُ
قال البدر المذكور: وكنت قبل أن أقف على بيتي القاضي عبد البرّ المذكور
قد استوفيت أسماءهم ونظمتها في هذه الأبيات (٤):
بَكَوْا حَزَناً إذ فارقوا خَيْرَ مُرْسَلٍ
وفي الصُّحْب بَكَّاؤُونَ بِضْعَةً عَشْرَ قَدْ
وصخرُ بن سَلْماٍ وَرَبِّعْ بمعقلِ
فمنهم أبو ليلى وعمرُو بن عَتْمةٍ
كذاك ابنُ عَمْرو ثم نَجْلُ مغفلٍ
كذلك عبدُاللَّهِ وهو ابن أزْرَقٍ
هو ابن عُمَيْرٍ في مقالٍ لهم جَلي
وثعلبةٌ وهو ابن زَيْدٍ وسالمٌ
أبو عَلْيَة أو علية ووديعة
وبالأَمْجَدِ العِرْباضِ للعدِّ أَكْمَلِ
(١) في ((أ)): (الفحار).
(٢) البيتان في ((الكواكب)) (٢٢٠/١).
(٣) البيت في ((الكواكب)) (٢٢٠/١).
(٤) الأبيات في ((الكواكب)) (٢٢١/١).
١٤٣

وذكر ابن الحنبلي في ((تاريخه)) أن القاضي عبد البرّ نظم أبياتاً في أسماء
البكّائين المذكورين، وبيَّن فيها اختلاف المُفَسِّرين وأهل السير فيهم، وشرحها في
رسالة لطيفة .
ومن لطائفه قوله(١) :
فَتَبَسَّمَتْ عَنْ دُرِّ ثَغْرٍ جَوْهَري
حَبَشِيَّةٌ سَاءَلْتُهَا عَنْ جِنْسِها
قالت فما تَبغيهِ جنسي امحري
وَطَفِقْتُ أَسْأَلُ عن نُعومة ما طفا
وتوفي يوم الخميس خامس شعبان بحلب.
· وفيها تقريباً عزّ الدِّين عبد العزيز بن عبد اللطيف بن أحمد بن جار الله بن
زايد بن يحيى بن محيا بن سالم المكي الشافعي، المعروف کسلفه بابن زايد(٢).
ولد سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بمكة، وحفظ القرآن العظيم، وسافر مع أبيه
في التجارة إلى الهند واليمن، وسواكن، وغيرها، وسمع على أبي الفتح المَرَاغي
جميع ((البخاري)) خلا أبواب، وبعض ((مسلم)) وكتباً كثيرة، منها ((السنن الأربعة))
وسمع على الحافظ تقي الدِّين بن فهد، ومنه أشياء كثيرة، وعلى الشِّهَاب الزّفتاوي
((المسلسل بالأولية)) و((جزء أيوب السختياني)) و((البُردة)) للبوصيري، وغير ذلك،
وأجاز له جماعة منهم الحافظ ابن حجر، وأحمد بن محمد بن أبي بكر الدّماميني،
والعزّ عبد الرحيم بن الفُرات، والسعد الدّيري، وجماعة آخر.
• وفيها - تقريباً - أيضاً الحافظ عزّ الدّين أبو الخير وأبو فارس عبد العزيز بن
العمدة المؤرخ الرحّال نجم الدِّين(٣) أبي القاسم، وأبي حفص عمر بن العَلَّمة
الرِّحلة الحافظ تقي الدِّين أبي الفضل محمد بن محمد بن محمد (٤بن محمد٤)
(١) البيتان في ((الكواكب)) (٢٢١/١).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٣٧/١ - ٢٣٨).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٤ / ٢٢٤ - ٢٢٦) و(١٢٩/٦) و((الكواكب السائرة)) (٢٣٨/١ -
٢٣٩) و ((فهرس الفهارس)) (٧٥٤/٢ - ٧٥٦).
(٤ - ٤) ما بينهما لم يرد في (ط)).
١٤٤

الشريف العَلَوي الشهير كسلفه بابن فهد المكِّي الشافعي.
ولد في الثلث الأخير من ليلة السبت سادس عشري شوال سنة خمسين
وثمانمائة بمكّة المُشَرَّفة، وحفظ القرآن العظيم، و((الأربعين النووية)) و((الإِرشاد))
لابن المقري، و((ألفية ابن مالك)) و((النَّخبة)) لابن حجر، و((التحفة الوردية))
و((الجرومية)) وعرضها جميعها على والده وجدّه والثلاثة الأولى على جماعة
غيرهما، واستجاز له والده جماعة منهم ابن حجر، وأسمعه على المَرَاغي، والزَّين
الأسيوطي، والبرهان الزَّمْزَمي وغيرهم، ثم رحل بنفسه إلى المدينة المنورة، ثم
إلى الدِّيار المصرية، وسمع بهما، وبالقدس، وغزَّة، ونابلس، ودمشق،
وصالحيتها، وبعلبك، وحماة، وحلب، وغيرها ممن لا يحصى، وجَدَّ واجتهد
وتميَّز، ثم عاد إلى بلده، ثم رجع إلى مصر بعد نحو أربع سنوات(١) وذلك في سنة
خمس وسبعين، وقرأ على شيخ الإِسلام زكريا، والشَّرَف عبد الحق السّنباطي في
((الإِرشاد)) وعلى السخاوي ((ألفية الحديث)) وغيرها، ورجع إلى بلده، ثم سافر في
موسم السنة التي تليها إلى دمشق، وقرأ بها على الزَّين خطّاب، والمحبّ
الْبُصْرَوي، وكان قد أخذ عنه بمكة أيضاً، وحضر دروس التّقوي بن قاضي
عَجْلُون، وسافر إلى حلب، ثم رجع، وسافر إلى القاهرة، ثم عاد إلى بلده، ثم
عاد إلى القاهرة، ولازم السَّخَاوي، وحضر دروس إمام الكاملية، والسّراج
العبادي، ثم رجع إلى بلده، وأقام بها ملازماً للاشتغال والإِشغال، ولازم فيها عالم
الحجاز البرهان ابن ظهيرة في الفقه والتفسير، وأخاه الفخر، والنَّور الفاكهي في
الفقه وأصوله، وأخذ النحو عن أبي الوقت المُرشدي، والسيد السّنْهُوري مؤرخ
المدينة، والنحو والمنطق عن العَلامة يحيى المالكي، وبَرَعَ في علم الحديث،
وتميَّز فيه بالحجاز، مع المشاركة في الفضائل وعلو الهمّة والتخلق بالأخلاق
الجميلة، وصنَّف عدة كتب، منها ((معجم شيوخه)) نحو ألف شيخ، و ((فهرست
مروياته)) و((جزء في المسلسل بالأولية)) وكتاب فيه المسلسلات التي وقعت له،
و((رحلة)) في مجلد، وكتاب ((الترغيب والاجتهاد في الباعث لذوي الهمم العلية
(١) في ((أ)): (سنين).
١٤٥

على الجهاد)) و((ترتيب طبقات القُرَّاء)) للذهبي، و((تاريخ)) على السنين ابتدأ فيه
من سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة .
وذكر ابن طولون أنه أجازه مراراً، وسمع منه الحديث المسلسل بالأولية، ثم
المسلسل بالمحمدين، ثم المسلسل بحرف(١) العين، وذلك يوم الاثنين سادس
ذي الحجة سنة عشرين وتسعمائة بزيارة دار الندوة. انتهى
• وفيها جمال الدِّين محمد بن محمد النَّظاري(٢).
قال في ((النُّور)): كان نِعْمَ الرَّجُل، فقهاً، وعقلًا، وصيانة، وديناً، وأمانة،
وبذلاً للمعروف، كافاً للأذى، معيناً للملهوف، له صدقات جليلة سِرَّاً وعلانية،
وكان قطب رحى المملكة السلطانية الظّافرية وعين الأعيان في الجهة اليمانية.
ومن آثاره بناء المسجد ببيت الفقيه عجيل، عمره عمارة متقنة إلى الغاية،
وبنى مدرسة بمدينة أب، ووقف عليها وقفاً جليلاً، وجملة من الكتب النَّفيسة، وله
من الآثار الحسنة ما يجُلُّ عن الوصف.
وتوفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى بمدينة أب بعد أن
طلع إليها متوعكاً من نحو شهر، وترك ولده الفقيه عبد الحق(٣) عوضاً عنه بزَبيد.
انتھی
(١) في ((أ)): (بحروف).
(٢) ترجمته في ((النور السافر)) (١٠٤ - ١٠٥).
(٣) في ((ط)): ((المحق)) وهو خطأ.
١٤٦

سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة
· فيها زالت دولة الجَرَاكِسة بملوك بني عثمان خلَّد الله دولتهم وأَبَّد
سيادتهم .
· وفيها توفي القاضي بُرهان الدِّين إبراهيم السّمديسي المصري
الحنفي (١) .
قال في ((الكواكب)): ولي نيابة القضاء والوظائف الدينية بالقاهرة، وناب عن
عَمِّه القاضي شمس الدِّين السّمديسي في إمامة الغورية.
وتوفي يوم الاثنين سادس عشر جمادى الأولى وصُلَّي عليه في الجامع(٢)
الأزهر. انتهى
• وفيها بُرِهَان الدِّين أبو الوفا إبراهيم بن زين الدِّين أبي هريرة
عبد الرحمن بن شمس الدِّين محمد بن مجد الدِّين إسماعيل الكركي الأصل
القاهري(٣) المولد والدار والوفاة، الحنفي إمام السلطان، ويعرف بابن الكركي.
قال في ((النُّور السافر)): ولد وقت الزوال من يوم الجمعة تاسع شهر رمضان
سنة خمس وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة، وأمه أم ولد جركسية، وحفظ القرآن،
و ((أربعين النَّووي)) و((الشاطبية)) و((مختصر القدوري)) و((ألفية ابن مالك)) وغيرها.
وعرض محفوظاته على أئمة عصره، كالشهاب ابن حجر، والعلم البُلقيني،
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١١٢/١).
(٢) في ((أ)): (بالجامع).
(٣) ترجمته في ((النور السافر)) ص (١٠٨).
١٤٧

والقلقشندي، واللولوي السقطي، وابن الدّيري، وابن الهُمَام، وجماعة آخرين،
وكتبوا كُلّهم له، وسمع ((صحيح مسلم)) أو أكثره على الزّين الزَّركشي، وأقبل على
العلم وتحصيله، فأخذ الفقه والعربية عن الشمس إمام الشيخونية، وكذا أخذ عن
النجم الغَزِّي، والعزّ عبد السلام البغدادي، وسمع عليه ((الشفا)) وقرأ ((الصحيحين))
على الشِّهاب بن العطّار، وحضر دروس الكمال بن الهُمَام، ولازم التَّقِي
الحصني، والتَّقي الشَّمُنِّي، والكافيجي، وعظم اختصاصه بهم، وأخذ عن الشَّمُنِّي
التفسير، وعلوم الحديث، والفقه، والأصلين، والعربية، والمعاني، والبيان،
ورتّبت له الوظائف الكثيرة، من جملتها دينار كل يوم، ونوه به في قضاء الحنفية،
وكان شأنه أعلى من ذلك إذ كان القضاة وغيرهم يترددون إليه، ومال الأفاضل من
الغرباء وغيرهم من الاستفادة منه والمباحثة معه، ولم يزل يزيد اختصاصه بالسلطان
قايتباي بحيث لم يتخلف عنه في سفر ولا غيره.
قال السخاوي: إنه تمنى بحضرته الموت فانزعج من ذلك وقال: بل أنا
أتمناه لتقرأ عند قبري وتزورني، وصنَّف، وأفتى، وحدَّث، وروى، ونظم، ونثر،
ونقَّب، وتعقب، وخطب، ووعظ، وقطع، ووصل، وقدَّم، وأخر.
ومن تصانيفه فتاوى في الفقه مبوبة في مجلدين، و ((حاشية على توضيح ابن
هشام)) هذا كله مع الفصاحة، والبلاغة، وحُسن العبارة، والضبط، وجودة الخط،
ولطف العِشْرَة، والميل إلى النَّادرة، واللطف، ومزيد الذكاء، وسرعة البديهة،
والاعتراف بالنّعمة، والطبع المستقيم، إلى أن تنكد خاطر السلطان من جهته في
سنة ست وثمانين فمنعه من الحضور في حضرته، فتوجه للإِقراء في بيته فنون العلم
والفُتيا، وحجَّ ثلاث حَجَّات، وأخذ عن أهل الحرمين، وأخذوا عنه. انتهى كلام
صاحب ((النور)).
وقال ابن فهد: إنه تولى قضاء الحنفية بالقاهرة في زمن الأشرف بن قايتباي
في سنة ثلاث وتسعمائة، ثم عزل سنة ست، واستمرَّ معزولاً إلى أن مات.
وقال في ((الكواكب السائرة)): كانت وفاته يوم الثلاثاء خامس شعبان غريقاً
تجاه منزله من بركة الفيل بسبب أنه كان توضأ بسلالم قيطونه فانفرك به القُبقاب
١٤٨

فانكفأ في البركة ولم يتفق أحد يسعفه فاستبطأوه وطلبوه فوجدوا عمامته عائمة وفردة
القبقاب على السُّلَّم فعلموا سقوطه في البركة فوجدوه ميتاً، ونال الشهادة، ودفن
من الغد بفسقيته(١) التي أنشأها بتربة الأتابك يشبك بقرب السلطان قايتباي، وتردد
الأمير طومان باي الذي صار سلطاناً بعد موت الغُوري إلى بيته وذهب ماشياً إلى
جنازته هو ومن بمصر من الأعيان. انتهى
● وفيها بُرهان الدِّين أبو الفتح إبراهيم بن علي بن أحمد القَلْقَشَنْدي(٢)
الشيخ الإِمام العَلامة المُحَدِّث الحافظ الرّحلة القُدوة الشافعي القاهري.
أخذ عن جماعة، منهم الحافظ ابن حجر، والمسند عزّ الدِّين بن الفُرات
الحنفي، وغيرهما، وخرَّج لنفسه ((أربعين حديثاً)).
قال البدر العلائي: إنه آخر من يروي عن الشِّهاب الواسطي، وأصحاب
الميدومي، والتَّاجِ الشّرابشي، والتّقي الغَزْنَوي، وعائشة الكنانية، وغيرهم، وقال
الشعراوي .
كان عالماً صالحاً زاهداً، قليل اللهو والمزاح(٣)، مقبلاً على أعمال الآخرة،
حتى ربما يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل، انتهت إليه الرئاسة وعلو السّند في
الكتب الستة والمسانيد والإِقراء. قال: وكان لا يخرج من داره إلّ لضرورة شرعية،
وليس له تردد إلى أحد من الأكابر، وكان إذا ركب بغلته وتطيلس يصير الناس كُلّهم
ينظرون إليه من شدّة الهيبة والخفر الذي عليه.
وتوفي فقيراً بحصر البول يوم الثلاثاء عاشر جمادى الآخرة عن إحدى
وتسعين سنة لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً وصلي عليه بالجامع الأزهر، ودفن بتربة
الطويل خارج باب الحديد من صحراء القاهرة.
قال الشعراوي: وكأن الشمس كانت في مصر فغربت أي عند موته.
(١) في (أ): (بفسيقيته).
(٢) ترجمته في ((متعة الأذهان)) (ق ٢٤)، و((الكواكب السائرة)) (١٠٨/١)، و((النور السافر)) (١١٠).
(٣) في ((أ)): (والمزح).
١٤٩

· وفيها بُرهان الدِّين إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي
الطَّرابلسي ثم الدمشقي(١) نزيل القاهرة الحنفي الإِمام العَلامة.
أخذ عن السَّخَاوي، والديمي، وغيرهما، وكان منقطعاً في خلوة بالمؤيدية
عند الشيخ صلاح الدِّين الطّرابلسي، ثم طلب العلم واشتغل، وترقى مقامه عند
الأتراك بواسطة اللّسان، ثم صار شيخ القجماسية.
وتوفي في آخر هذه السنة وصُلّ عليه وعلى البرهانين ابن الكركي المتقدم،
وابن أبي شريف الآتي في السنة التي بعد هذه غائبة بجامع دمشق.
● وفيها أحمد بن أبي بكر العيدروس(٢) الشيخ الصَّالح الولي العجيب.
قال في ((النُّور): أمه بهية بنت الشيخ علي بن أبي بكر بن الشيخ
عبد الرحمن الشقّاف، وأمها فاطمة بنت الشيخ عمر المحضار بن الشيخ
عبد الرحمن الشقّاف فولده الشيخ عمر من الجهتين كما ولده أيضاً الشيخ أبو
بكر بن عبد الرحمن مرتين وقد تميَّز بهذا عن غيره من بني عمه كما أشار إليه
العَلامة بَحْرَق حيث يقول فيه(٣):
إلى جدّ(٥) إلّ هُوَ السَّيِّدُ
أَصيلُ(٤) السّيّادةِ لا يَنْتَمي
بفخرٍ هو الشمسُ لا يُجْحَدُ
لئن شاركَتْهُ بنو العَيْدَروسِ
بِآياتِ مَجْدٍ له تَشْهَدُ
فقد خَصَّهُ اللَّهُ من بينهم
فطابَ له الفرعُ والمَحْتِدُ
حَوَى سِرّ جَدَّيهِ من أمه
فهو الوارث لأبيه وجدّه وحامل الراية من بعده، وولي عهده، فقد قام بالمقام
أتمّ قيام، ونهض بما نهض به آباؤه الكرام فساد وجاد وبنى معاقل المجد، وشاد
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١١٢/١)، و((النور السافر)) (١١١).
(٢) ترجمته في ((النور السافر)) (١٠٥).
(٣) الأبيات في ((النور السافر)) (١٠٥).
(٤) في ((النور)): (أصل) ولا يستقيم بها الوزن.
(٥) في ((النور)): (حدّ) ولا يستقيم بها المعنى.
١٥٠

وأحيا الرواتب التي أسسها أبوه والأوراد، وواظب(١) على إطعام الطعام وصلة
الأرحام والإِحسان إلى الفقراء والأيتام باذلاً جاهه وماله في إيصال النَّفع إلى أهل
الإِسلام، واتفق أن ثمن الكسوة التي اشتراها في آخر ختمة لرمضان صَلّها بلغ
خمسة آلاف دينار أو أكثر وحكى أن خبز مطبخه كان إذا ركموه يبلغ إلى سطح
الدار، ودور عدن عالية جداً بحيث أنها تكون على ثلاثة قصور غالباً. قال الراوي :
فعجبت وقُلت: ما كان بعدن إذ ذاك سائل. قالوا: لا ما كان في زمنه وزمن والده
في عدن سائل أصلاً.
ومحاسنه ۔ رحمه الله تعالی ۔ أکثر من أن تحصر وأشهر من أن تذکر، ورثاه
العَلَّمة بحرق بمرثية حسنة منها(٢):
لمنْ تُبْنَى مَشيداتُ القُصورِ
وأيامُ الحياةِ إلى قصورِ
إلى أن قال:
وروّعتِ الأنامُ(٣) بفقد شخصٍ رزئت به على بشرٍ كثيرٍ
تَبقَّى من شموسٍ من بدورِ
شِهابٌ ثاقبٌ من نورِ بدٍ
وهي طويلة .
وتوفي في سلخ المحرم بعدن ودفن بها في قبة أبيه وعمره يومئذ أربعون سنة
تقريباً. انتهى ملخصاً.
● وفيها السيد أحمد البخاري (٤) العارف بالله تعالى الشريف الحسيني.
قال في ((الكواكب)): صحب في بدايته الشيخ العارف بالله تعالى خواجه
عبيد الله السَّمَرقّنْدي، ثم صحب بأمره الشيخ الإِلَهي، وسار معه إلى بلاد الرُّوم،
وترك أهله وعياله ببخارى، وكان الشيخ الإِلَهي يُعَظّمه غاية التعظيم، وعيَّن له
(١) في ((أ)): (ووظب) وهو خطأ .
(٢) القصيدة بكاملها في ((النور السافر)) (١٠٦ - ١٠٧).
(٣) في ((أ)): (الأيام).
(٤) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٥٢/١ - ١٥٣).
١٥١

جانب يمينه، وكان يقول: إن السيد أحمد البخاري صلّى بنا الفجر بوضوء العشاء
ست سنين .
وسئل السيد أحمد عن نومه في تلك المدة. قال: كنت آخذ بغلة الشيخ
وحماره في صبيحة كل يوم وأصعد الجبل لنقل الحطب إلى مطبخ الشيخ،
وكنت أرسلهما ليرتعا في الجبل واستند إلى جبل(١) وأنام ساعة، وذهب بإذن شيخه
إلى الحجاز على التجريد والتوكل، وأعطاه الشيخ حماراً وعشرة دراهم، وأخذ من
سفرة الشيخ خبزة واحدة، ولم يصحب سوى ذلك إلا مصحفاً ونسخة من
((المثنوي)) فسرق المصحف، وباع ((المثنوي)) بمائة درهم، وكان مع ذلك على
حسن حال وسَعَة نفقة. وجاور بمكَّة المُشَرَّفة قريباً من سنة، ونذر أن يطوف بالكعبة
کل یوم سبعاً ويسعى بين المروتين سبعاً، وكان كل ليلة يطوف تارة ويجتهد أخرى،
وتارة يستريح، ولا ينام ساعة مع ضعف بنيته، وزار القدس الشريف وسكنه مدة،
ثم رجع إلى شيخه وخدمته ببلدة سيما، ثم وقع في نفسه زيارة مشايخ القسطنطينية
فاستأذن من شيخه فأذن له، فذهب إليها، ثم كتب إلى شيخه يُرَغبه في سُكناها،
فرحل إليه شيخه، ثم لما مات شيخه كان خليفته في مقامه ورغب الناس في خدمته
حتّى تركوا المناصب واختاروا خدمته، وكان على مجلسه الهيبة والوقار، وكان له
أشراف على الخواطر، ولا يجري في مجلسه ذكر الدنيا أصلاً، وكانت طريقته
الأخذ بالعزيمة، والعمل بالسُّنَّة، والتجنب عن البدعة، والعزلة، والجوع،
والصَّمت، وإحياء الليل، وصوم النهار، والمحافظة على الذكر الخفي.
وتوفي بقسطنطينية ودفن عند مسجده وقبره يُزار ويُتَبَّرَّك به، قيل: ولما وضع
في قبره توجه هو بنفسه إلى القِبْلَة وصلى على النّبِيِّ وَِّ. انتهى
● وفيها أحمد الزواوي(٢)، الشيخ الصَّالح العابد.
أخذ الطريق عن الشيخ شعبان البلقطري، وكان ورده في اليوم والليلة
عشرين ألف تسبيحة وأربعين ألف صلاة على النّبِي وَلِهِ .
قال المُناوي في ((طبقات الأولياء)): كان عابداً، زاهداً، جزل الألفاظ،
(١) في ((أ)): (شجرة).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٥٢/١).
١٥٢

لطيف المعاني، يفعل قوله في النّفوس ما لا تفعله المثالث والمثاني، ولما سافر
الغُوري إلى قتال ابن عثمان جاء إلى مصر ليرد ابن عثمان عنها، فعارضه بعض
أوليائها فلحقه داء البطن، فتوجه إلى دَمَنْهُور الوحش فمات في الطريق ودفن
بدَمَنْهُور. انتهى
● وفيها بدر الدِّين حسن بن عطية بن محمد بن فَهد العَلَوي الهاشمي
المكِّي الشافعي(١) الإِمام المُسْند.
ولد يوم الأربعاء تاسع المحرم سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، وأخذ عن والده
وعمِّه الحافظ تقي الدِّين وأبي الفتح المَرَاغي، وعبد الرحيم الأسيوطي، وابن حجر
العسقلاني، واجتمع به ابن طولون في سنة عشرين وأجازه ولم يسمع منه، وتوفي
في هذه السنة .
· وفيها حُسام الدِّين حسين بن حسن بن عمر البيري ثم الحلبي الشافعي
الصُّوفي(٢) .
قال في ((الكواكب)): وصفه شيخ الإِسلام الوالد في رحلته وغيرها بالشيخ
الإِمام الكبير العَلَّامة المفتي العارف بالله تعالى.
ولد ببيرة الفُرات، ثم انتقل إلى حلب، وجاور بجامع الطواشي، ثم
بالألجيهية، ثم ولي في سنة أربع وتسعمائة النظر والمشيخة بمقام سيدي
إبراهيم بن أدهم، وكان له ذوق، ونظم، ونثر بالعربية والفارسية والتركية، وله
رسالة في القطب والإِمام، وعَرَّب شيئاً من ((المثنوي)) من الفارسية وشيئاً من ((منطق
الطير)) من التركية منه:
اِسْمَعُوا يا سادتي صوتَ اليراعِ
كيف يحكي عن شكاياتِ الوداعِ
ومنه :
ما تَرَى قَطُّ حريصاً قد شَبِعِ
ما حوى الدُّرُّ الصدف حتى قنع
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٧٧/١).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٨٤/١).
١٥٣

ومن شعره رضي الله عنه:
كذلك أوصافُ الأُمورِ الذَّمِيمَةِ
بقايا حظوظِ النّفسِ في الطبعِ أُحْكِمَتْ
إلَهي فعاملنا بحسنِ المَشيئةِ
تحيّرت في هذينِ والعمرُ قد مَضَى
انتهى ملخصاً.
● وفيها المولى سعدي بن ناجي (١) بيك أخو المولى جعفر جلبي بن ناجي
بيك الرُّومي الحنفي العالم الفاضل.
قرأ على جماعة من الموالي، منهم المولى قاسم الشهير بقاضي زاده،
والمولى محمد بن الحاج حسين، وبَرَعَ، واشتهرت فضائله، ودرَّس في مدرسة
السلطان مُراد خان الغازي ببروسا، ثم أعطي مدرسة الوزير علي باشا بقسطنطينية،
ثم إحدى الثمانية، ثم حجَّ وعاد فأعطي تقاعداً بثمانين عثمانياً.
وكان فاضلاً في سائر الفنون، خصوصاً العربية، وله باللسان العربي إنشاء
وشعر في غاية الجودة، وله حواش على ((شرح المفتاح)) للسيد الشريف، وحاشية
على (باب الشهيد من شرح الوقاية)) لصدر الشريعة ونظم ((عقائد النسفي)) بالعربية،
وله رسائل(٢) أخرى. قاله في ((الكواكب)).
• وفيها المولى عبد الرحمن(٣) بن علي، المعروف بابن المؤيد الأماسي
الرُّومي (٤) الحنفي العالم العَلَّمة المُحقّق الفهامة.
ولد بأماسية في صفر سنة ستين وثمانمائة، واشتغل بالعلم(٥) ببلده، ولما بلغ
سنَّ الشباب صحب السلطان أبا يزيد خان حين كان أميراً بأماسية، فوشى به
المفسدون إلى السلطان محمد خان والد السلطان أبي يزيد، فأمر بقتله، فبلغ
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٠٨/١) و((الشقائق النعمانية)) (١٩٧).
(٢) في ((أ)): ((رسالة)).
(٣) في ((أ)): ((عبد الرحيم)) وما جاء في ((ط)) هو الصواب.
(٤) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) (١٧٦)، و((الطبقات السنية)) (٢٩٢/٤)، و((الكواكب السائرة))
(٢٣٢/١).
(٥) في ((أ)): ((في العلم)).
١٥٤

السلطان أبا يزيد ذلك قبل وصول أمر والده فأعطاه عشرة آلاف درهم وخيلاً وسائر
أهبة السفر، وأخرجه ليلاً من أماسية ووجهه إلى بلاد حلب، وكانت إذ ذاك في
أيدي الجراكسة فدخلها سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، فأقام هناك مدة، واشتغل بها
في النحو، فقرأ في ((المُفَصَّل))(١)، ثم أشار عليه بعض تُجَّار العجم أن يذهب إلى
المولى جلال الدِّين الدّواني ببلدة شيراز، ووصف له بعض فضائله، فخرج مع
تُجَّار العجم، وقصد المنلا المذكور، فقرأ عليه زمانً كثيراً، وحصَّل عنده من
العلوم العقلية، والعربية، والتفسير، والحديث، كثيراً، وأجازه، وشهد له بالفضل
التَّام بعد أن أقام عنده سبع سنين، فلما بلغه جلوس السلطان أبي يزيد على تخت
السلطنة، سافر إلى الرُّوم، فصحب موالي الرُّوم، وتكلّم معهم فشهدوا بفضله
وعرضوه على السلطان فأعطاه مدرسة قلندرخانه بالقسطنطينية، ثم إحدى(٢)
الثمانية، ثم قضاء القسطنطينية، ثم أدرنه، ثم قضاء العسكر بولاية أناضولي (٣)،
ثم بولاية روم إيلي، ثم عزل، وجرت له محنة، ثم لما (٤) تولى السلطان سليم خان
أعاده إلى قضاء العسكر في سنة تسع عشرة، وسافر معه إلى بلاد العجم لمحاربة
الشاه إسماعيل، ثم عزل عن قضاء العسكر بسبب اختلال حصل في عقله في
شعبان سنة عشرين، وعيّن له كل يوم مائتي درهم، ورجع إلى القسطنطينية
معزولاً، وكان قبل اختلاله بالغاً الغاية القصوى في العلوم العقلية والعربية، ماهراً
في التفسير، مهيباً، حسن الخطّ جداً، ينظم الشِّعر بالفارسية والعربية، وله مؤلفات
بقي أكثرها في المسودات، منها رسالة لطيفة في المواضع المشكلة من علم
الكلام، ورسالة في تحقيق الكُرة المدحرجة.
وتوفي بالقسطنطينية ليلة الجمعة خامس عشر شعبان، وقيل: في تاريخ
وفاته(٥) :
(١) في ((ط)): ((الفصل)) وهو تحريف.
(٢) في ((أ)): ((أحد)).
(٣) في ((أ)): ((أناظولا)).
(٤) ليست اللفظة في (أ)).
(٥) الأبيات في (الشقائق والكواكب)).
١٥٥

في روضةٍ وهو في الجَنّاتِ مَحْبورُ
نَفْسي الفِداءُ لحبرٍ حل حينَ قَضَى
أَنيسُه في الثَّرى الوُلدانُ والحُورُ
مقامُهُ في عُلا الفردوسِ مَسْكَنُهُ
(نجلُ المُؤيِّدِ مَرْحُومٌ وَمَغْفُورُ) (١)
قُلْ للَّذي يبتغي تاريخَ رِحْلَتِهِ
· وفيها قاضي القضاة محيي الدِّين عبد القادر، المعروف بابن النَّقيب
القَاهري (٢) الشافعي الإِمام العَلامة.
قرأ على جماعة من الأعلام، منهم الكمال بن أبي شريف، وزكريا
الأنصاري، وتولى قضاء مصر مراراً(٣)، وكان لا يُصلي الصّبح صيفاً ولا شتاءً إلّ
في الجامع الأزهر، يمشي كل يوم من المدرسة الناصرية إليه، وكان متواضعاً،
سريع الدَّمعة، وكان بيده مشيخة الخانقاة الصَّلاحية سعيد السعداء، وتدريس
الظّاهرية الجديدة، بَرْقُوق بين القصرين، وكان مارًّاً بالقصبة ليلة الاثنين حادى
عشر ربيع الأول فرفسه بغلٌ فانكسر ضلعه أو فخذه ومات في اليوم الثاني.
● وفيها تاج الدِّين عبد الوهاب الذاكر المصري(٤) الشيخ الصَّالح المسلك
المربي المجد الدَّاعي إلى الله تعالى.
ربي يتيماً بمكتب مدرسة الحسامي، فلما ترعرع تعلّق على صنعة البناء، ثم
وفقه الله تعالى للاجتماع على الشيخ نور الدِّين بن خليل عرف بابن عين الغزال،
فلازمه وصار يحضر المحافل، ويتردَّد إلى الشيخ تقي الدِّين الأوجاقي، حتّى
اشتهر، فجمع الناس، ولازم الذكر والخير، وأقرأ ((البخاري)) و((الشفا))
و ((العوارف)) بروايته لها عن العزّ بن الفُرات، وعن التّقي الأوجاقي، ونازع العلائي
أن يكون سمع من العزّ بن الفُرات، وكان نَيِّر الوجه، حسن السَّمت، كثير
(١) كذا في ((آ)) و((ط)) و((الكواكب السائرة)): ((ومغفور)) ولا يصح العدد فيها على حساب الجمّل، وفي
((الشقائق)) وهو الصواب:
المؤيد مرحوم ومبرور
نجل
٨٣ + ٩١ + ٢٩٤ + ٤٥٤ = ٩٢٢
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٥٣/١).
(٣) في ط: ((مرات)).
(٤) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٥٨/١ - ٢٥٩).
١٥٦

الشفاعات، شديد الاهتمام بقضاء حوائج الناس، مجداً في العبادة، دائم الطَّهارة،
لا يتوضأ عن حدثٍ إلا كل سبعة أيام، وسائر طهاراته تجديد، وانتهى أمره آخراً
إلى أنه كان يمكث اثني عشر يوماً لا يتوضأ عن حدث، ولم يعرض ذلك لأحد في
عصره إلَّ الشيخ أبي السعود الجارحي، وامتحنه قوم دعوه وجعلوا يطعمونه سبعة
أيام ولم يحدث، ثم عَلِمَ أنهم امتحنوه فدعا عليهم فانقلبت بهم المركب، فقيل له
في ذلك، فقال: لا غرق وإنما هو تأديب وينجون، فكان كذلك ثم ندم على
الدعاء عليهم، وقال: لا بد لي من المؤاخذة، فمرض أكثر من أربعين يوماً،
ومكث خمساً وعشرين سنة لم يضع(١) جنبه على الأرض إنما ينام جالساً على
حصير، وقال عند موته: لي أربعون سنة أصلي الصبح بوضوء العشاء، وقد طَوَيتُ
سجادتي من بعدي .
وتوفي يوم الخميس ثالث عشري جمادى الآخرة، ودفن بزاويته قريباً من
حَمَّام الدودحين. قاله في ((الكواكب)).
· وفيها عزّ الدِّين الصَّابوني الحلبي (٢) الحنفي، المعروف بابن عبد الغني
ابن عمّ أبي بكر بن الموازيني .
كان خطيباً جيد الخطبة، ولي خطابة جامع الأطروش بحلب، فلما دخل
السلطان سليم خان حلب في هذه السنة صلى الجمعة بالجامع المذكور خلف
المذكور فحظي بسبب ذلك، ولم يلبث أن توفي في هذه السنة، وكان في قدميه
اعوجاج بحيث لا يتردّد في الشوارع إلّ راكباً.
• وفيها عائشة بنت يوسف بن أحمد(٣) بن ناصر بنت البَاعُوني المعروفة
بالبَاعُونية الشيخة الصَّالحة الأريبة العالمة العاملة أم عبد الوهاب الدمشقية أحد
أفراد الدّهر(٤) ونوادر الزَّمان فضلاً وأدباً وعلماً وشعراً وديانة وصيانة.
(١) في ((أ)): ((يضجع)) وما هنا يوافق ما في الكواكب.
(٢) ترجمته في ((در الحبب)) (٨٩٤/٢/١ - ٨٩٥)، و((الكواكب السائرة)) (٢٦٠/١).
(٣) ترجمتها في ((در الحبب)) (١٠٦٠/٢/١ - ١٠٦٩)، و((متعة الأذهان)) (١١٢ - ١١٣)، و((الكواكب
السائرة)) (٢٨٧/١ - ٢٩٢).
(٤) في ((ط)): ((الدهور)).
١٥٧

تنسكت على يد السيد الجليل إسماعيل الخوارزمي، ثم على خليفة
المحيوي يحيى الأرموي، ثم حُملت إلى القاهرة، ونالت من العلوم حظاً وافراً،
وأجيزت بالإِفتاء والتدريس، وألّفت عدة مؤلفات، منها ((الفتح الحنفي)) يشتمل
على كلمات لَدُنّة ومعارف سنية، وكتاب ((الملامح الشريفة والآثار المنيفة)) يشتمل
على إنشادات صوفية ومعارف ذوقية، وكتاب ((درر(١) الغائص في بحر المعجزات
والخصائص)) وهو قصيدة رائية، وكتاب ((الإشارات الخفية في المنازل العلية)) وهي
أرجوزة اختصرت فيها ((منازل السائرين)) للهَرَوي، وأرجوزة أخرى لخصت فيها
((القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع)) للسخاوي، و («بديعية)) وشرحتها،
وغير ذلك. ومن كلامها: وكان مما أنعم الله به عليَّ أنني بحمده لم أزل أتقلب في
أطوار الإِيجاد في رفاهية (٢) لطائف البرِّ الجواد إلى أن خرجت إلى هذا العالم
المشحون بمظاهر تجلياته الطافح بعجائب قدرته، وبدائع إرادته، المشوب موارده
بالأقدار والأكدار الموضوع بكمال القدرة والحكمة للابتلاء والاختبار دار ممر لا
بقاء لها إلى دار القرار فربّاني اللطف الرَّبَّاني في مشهد النّعمة والسَّلامة، وغَذَّاني
بلبان مدد(٣) التوفيق لسلوك سبيل الاستقامة، وفي بلوغ درجة التمييز أهّلني الحقُّ
لقراءة كتابه العزيز، ومَنَّ عليَّ بحفظه على التمام ولي من العمر حينئذ ثمانية
أعوام، ثم لم أزل في كنف ملاطفات اللطيف حتى بلغت درجة التكليف في كلام آخر.
ولما دخلت القاهرة نُدبت لقضاء مآرب لها تتعلق بولد لها كان في صحبتها
المقر أبو(٤) الثنا محمود بن أجا الحلبي صاحب دواوين الإنشاء بالديار المصرية
فأكرمها وولدها وأنزلها في حريمه، وكانت قد مدحته بقصيدة أولها(٥) :
رَوَى البحرُ أَصْبابَ(٦) العَطا عن نَداكُمُ ونَشْرَ الصّبا عن مستطابِ ثناكُمُ
(١) في (ط)): (در).
(٢) ليست اللفظة في ((أ)).
(٣) في ((ط)): (مداد) وهو خطأ.
(٤) في ((أ)): (أبا) وهو خطأ .
(٥) البيت في ((در الحبب)) (١٠٦٤/٢/١) و((الكواكب)) (٢٨٨/١).
(٦) جاء في حاشية ((الكواكب)) ما يلي: في الهامش بخط متأخر ما يلي: ((لعل صوابه أخبار)).
١٥٨

فعرضها على شيخ الأدباء السيد عبد الرحيم العَبَّسي القاهري فأعجب بها،
وبعث إليها بقصيدة من بديع نظمه فأجابت عنها بقصيدة مطلعها(١):
بديعة زانَها مع حُسْنِها الخَفَرُ
وافَتْ تُتَرْجِمُ عن حَبْرٍ هو البَحْرُ
ومن شعرها(٢) :
كُلُّ ما تَشْتَهي وما تَخْتَارُ
نَزِّهِ الطَّرْفَ في دمشقَ ففيها
كيفَ تَجْري من تَحْتِها الأَنْهارُ
هي في الأرْض جنةٌ فَتَأْمَّلْ
أشرقَتْ من وجوهِهَا الأَقْمارُ
كم سما في ربوعِها كلُّ قَصْرٍ
خَرسَت(٤) عند نُطْقِها الأَوْتارُ
وتُناغِيكَ بينها صارخات(٣)
وقصورٌ مَشيدةٌ وديارُ
كلُّها روضةٌ وماءُ زُلالُ
وذكر ابن الحنبلي: أنها دخلت حلب في هذه السنة والسلطان
الغُوري بها لمصلحة لها كانت عنده، فاجتمع بها من وراء حجاب البدر
السُّيوفي، وتلميذه الشمس السّفيري، وغيرهما. ثم عادت إلى دمشق
وتوفيت بها في هذه السنة.
● وفيها السلطان الملك الأشرف أبو النّصر قَانْصُوه بن عبدالله الجركسي
المشهور بالغوري(٥) وسَمَّاه ابن طولون جندب، وجعل قانصوه لقباً له.
والغوري نسبة إلى طبقة الغور أحد الطبقات التي كانت بمصر معدة لتعليم
المؤدبین .
قال ابن طولون: كان يذكر أن مولده في حدود الخمسين وثمانمائة وترقى في
المناصب حتى صار نائب طَرَسُوس، فانتزعها منه جماعة السلطان أبي يزيد بن
(١) البيت في ((در الحبب)) (١٠٦٥/٢/١) و((الكواكب)) (٢٨٨/١).
(٢) الأبيات في ((الكواكب)) (٢٩٢/١).
(٣) في ((الكواكب)): (صارحات).
(٤) في ((ط)): (خرصت) تحريف.
(٥) ترجمته .
١٥٩

عثمان فهرب منها وعاد إلى حلب، فلما انتصر عسكر مصر على الأروام عاد إلى
طَرَسُوس مرة ثانية، ثم أخذها الأروام مع ما والاها فهرب منها أيضاً إلى حلب ثم
نصر عسكر مصر ثانياً فعاد إليها مرة ثالثة، ثم أعطي نيابة ملطية، فلما مات الملك
الأشرف قايتباي رجع إلى مصر ووقعت له أمور في دولة الملك الناصر بن قايتباي،
ثم أعطاه تقدمة ألف، ثم في دولة جان بلاط أعطاه رأس نوبة النّوب، ثم تنقّلت به
الأحوال إلى أن صار سلطاناً.
قال الشيخ مرعي الحنبلي في كتابه ((نزهة الناظرين)): تولى الملك يوم
الاثنين عيد الفطر مستهل شوال سنة ست وتسعمائة بعد أن هاب أمر الجلوس على
تخت الملك، وجعل بعضهم يحيل على بعض في الجلوس عليه، فاتفقوا على
الغوري لأنهم رأوه (١) لَّيِّنَ العريكة، سهل الإِزالة - أي وقت أرادوا ـــ وليس الأمر كما
ظنوا، فقال لهم أقبل ذلك بشرط أن لا تقتلوني بل إذا أردتم خلعي وافقتكم،
فاستوثق منهم وبويع بقلعة الجبل بحضرة الخليفة المستنصر بالله والقضاة الأربع
وأصحاب الحَلِّ والعقد، فأقام سلطاناً خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وخمسة
وعشرين يوماً، وكان ذا رأي وفطنة كثير الدّهاء والعسف قمع الأمراء وأذل
المعاندين، حتَّى اشتد ملكه وهيبته فهادته الملوك وأرسلت قصادها إليه كملك
الهند، واليمن، والمغرب، والرُّوم، والمشرق، والعبد، والزّنج، وفكّ الأسرى
منهم، وكان له المواكب الهائلة، ومهد طريق الحجّ بحيث كان يُسافر فيه النّفر
اليسير، وكانت فيه خصال حسنة، وكان يصرف لمطبخ الجامع الأزهر في رمضان
ستمائة وسبعين ديناراً، ومائة قنطار عسل، وخمسمائة إردب قمح للخبز المفرق فيه .
وفي أيامه بنى دائرة الحجر الشريف وبعض أروقة المسجد الحرام وباب
إبراهيم، وجعل علوه قصراً شاهقاً وتحته ميضأة، وبنى عدة خانات وآبار في
طريق (٢) الحج المصري، منها خان في العقبة والأزلم وأنشأ مدرسة بسوق
الجملون بالقاهرة والتربة المقابلة لها والمئذنة المعتبرة بالجامع الأزهر، والبستان
(١) في ((ط)): ((يروه)).
(٢) في ((أ)): (طرق).
١٦٠