Indexed OCR Text

Pages 101-120

تسلمها علماء النقول، ولا تسعها(١) منهم العقول، إذ كان ممن أقيم في السماع
وكشف(٢) القناع، والضرب ببعض الآلات، والبسط والخلاعات، ثم اعتذر عن
ضربه بالآلات، بما هو مذكور في ((شرح التائية)).
وبالجملة فكان ابن حبيب، رضي الله عنه، متستراً بالخلاعة، والنفخ في
المواصيل، والضرب على الدف على الإِيقاع حيثما كان في الأسواق والمحافل،
كل ذلك لأجل التستر ويأبى الله إلّ أن يتم نوره، ويظهر أمره، حتى رسخ في
النّفوس أنه من كُمَّلٍ (٣) العارفين، وكان حيثما سمع الأذان وقف وأذّن، وكان ربما
مشى بدبّوس أمام نائب صفد، وكان لا يمكن أحداً من تقبيل يده، وإنما يبادىء
بالمصافحة، ويطوف على أهل السوق، فيصافحهم في حوانيتهم واحداً واحداً،
وكان يداعب الناس ويباسطهم، وكان يقول يأتون فيقولون: سلكنا وغزلهم معرقل،
وكان يقول: لو جاءني صادق لطبخته في يومين، وكان في ابتدائه يثور به الغرام،
وتسري فيه المحبة والشوق حتى يفيض على رأسه الماء من (٤) إناء كبير فلا يصل
إلى سرته من شدة الحرارة الكائنة في بدنه، وكان ينفرد الأيام والليالي في البراري
والصَّحاري حتى فجأته العناية ووافقته(٥) الهداية، وجاءته الفيوض العرفانية،
والمواهب الربانية، وكان لا يتكلم في رمضان إلّ بالإِشارة خوفاً من النطق بما لا يعني،
وكان لا يقبل هدايا الأمراء، وإذا جاءته رسالة من إخوانه لا يأخذها إلّ وهو متوضىء.
وقال: مرة لبعض أصحابه: تقدم فامشٍ أمامي، ثم أخبره عن سبب ذلك أنه
كان معه كتاب فيه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ففعل ذلك تعظيماً.
وكان مُبْتَلَّى بأمراض وعلل خطيرة حتى عمَّت سائرَ جسده، وربما طرحته في
الفراش، وهو على وظائفه ومجاهداته، وكان يعاقب نفسه إذا اشتهت شيئاً بإحضار
الشهوة ومنعها إياها أياماً.
وكان يعتقد ابن عربي اعتقاداً زائداً، ويؤول كلامه تأويلاً حسناً.
(١) ليست اللفظة في ((آ)).
(٢) في ((آ): ((وقشف)) وهو تحريف.
(٣) في ((ط)): ((أكمل)).
(٤) في ((ط)): ((في)).
(٥) في ((أ)): ((وافقه)) وفي ((الكواكب)): ((وافته)).
١٠١

ومن شعره الدال على علو همّته، وسمو رتبته، ((التائية)) التي ذيَّل بها على
أبيات الشافعي رضي الله تعالى عنه، التي أولها:
لمّا عفوتُ وَلَمْ أحقدْ على أحدٍ أَرَحْتُ نَفْسَي مِنْ حَمْلِ المَشَقَّاتِ
وقد تلقاها الناس بالقبول وأداروا أبياتها فيما(١) بينهم إدارة الشمول وخدمت
بالشروح، وهي جديرة بذلك. وقد اتفق لناظمها أنه رأى روحانية النبيّ بٍَّ وهو
يقظان، وعرضها عليه، وأصلح له بعض أبيات، وكان إذا ذكر فيها وصفاً حسناً قال
له: بلّغك اللَّهُ ذلك يا عبد القادر، وإذا نفر من وصف قبيح قال له: أعاذك الله من
ذلك يا عبد القادر.
ومن شعره أيضاً:
أنا الضّيغمُ الضِّرْغَامُ صَمْصَامُ عزمِها على كلِّ صعبٍ في الغرامِ مُصَمِمُ
وما سُدتُ حتّى ذَقْتُ ما الموتُ دُونَهُ كَذَا حُسن عشقي في الأنام يترجمُ
وتوفي بصفد يوم الأحد عاشر جمادى الأولى .
• وفيها - تقريباً - زين الدِّين عبد القادر المنهاجي(٢) الإِمام العَلَّامة المقرىء
الشافعي المعروف بالمنهاجي نزيل مكة المشرفة.
قرأ على البرهان العمادي أحاديث من الكتب الستة، وأجازه برباط العَبَّاس.
● وفيها عبد الودود الصواف(٣) الشيخ الصَّالح العابد الزَّاهد المقيم بنواحي
قلعة الجبل بالقاهرة، وكان ينسج الصُّوف ويتقوت(٤) منه، وكانت عمامته قطعة من
الصُّوف الأحمر. وكان سيدي محمد بن عنان يقصده بالزيارة، وكانت له مكاشفات
وعلي أنسٌ عظيم.
· وفيها علاء الدِّين علي بن ناصر المكِّي الإِمام العَلّمة الشافعي(٥).
(١) ليست اللفظة في ((آ)).
(٢) ترجمته في ((الكواكب)) (٢٥٤/١).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٥٧/١).
(٤) في ((ط)): ((يتقوت)) بدون الواو.
(٥) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٧٨/١).
١٠٢

أخذ ((صحيح البخاري)) عن المُسْنِد زين الدِّين عبد الرحيم المكي
الأسيوطي، وعن غيره، وتفقَّه بالشَّرَف المُنَاوي عن الولي بن العِرَاقي عن أبيه عن
ابن النعماني عن النووي.
ومن مؤلفاته ((مختصر المنهاج)) وشرحه وتأليف في الحديث والتفسير
والأصول. وأجاز البرهان العمادي .
● وفيها شرف الدِّين موسى بن أحمد النّحلاوي(١) الأصل الحلبي الدار
الأردبيلي الخرقة الشافعي المذهب الشهير بالشيخ موسى الأريحاوي لسكناه بأريحا
قديماً، وكان إماماً عالماً زاهداً صوفياً، فتح الله تعالى عليه من غير تعبٍ بل من
فضل الله تعالى .
وتوفي في أواخر ذي الحجة بحلب ودفن بتربة الخشّابين داخل باب قنسرين.
● وفيها - تقريباً - شمس الدِّين محمد بن علي الصّمودي(٢) المالكي القاضي.
كان فقيهاً فاضلاً، ناب عن العفيف بن حنبل قاضي المالكية بحلب وكتب
بها على الفتوى.
● وفيها محيي الدِّين يحيى بن كمال الدِّين محمد بن سلطان الحنفي(٣).
کان عالماً فاضلاً.
توفي بمكة المشرّفة رابع عشر ذي الحجة .
· وفيها جمال الدِّين محمد الطيب بن إسماعيل مبارز اليمني (٤).
قال في ((النور)): كان فقيهاً إماماً عالماً عاملاً عَلّمةً فَهَامةً مُدَقّقاً.
توفي عشية يوم الاثنين خامس شهر ربيع الآخر. انتهى، والله تعالى أعلم.
(١) ترجمته في ((در الحبب)) (٥٠١/١/٢) و((الكواكب السائرة)) (٣٠٨/١).
(٢) ترجمته في ((در الحبب)) (٢٠٠/١/٢).
(٣) لم أعثر على ترجمته فيما بين يدي من المصادر والمراجع.
(٤) ترجمته في ((النور السافر)) (٩١).
١٠٣

سنة ست عشرة وتسعمائة
فيها كما قال في ((النور)): انقض كوكبٌ عظيمُ من نصف الليل آخذاً في
الشام وأضاءت الدّنيا لذلك إضاءة عظيمة حتّى لو أن الإِنسان حاول رؤية الذرّ لم
يمتنع عليه ثم غاب في الجهة الشامية وبقي أثره في السماء ساعة طويلة(١).
وفيها زلزلت مدينة زبيد زلزالاً شديداً ثم زلزلت مرة أخرى ثم ثالثة وانقض
في عصر ذلك اليوم كوكب عظيم من جهة المشرق آخذاً في جهة الشام ورئي نهاراً
وحصل عقبه رجفة عظيمة كالرّعد الشديد وزلزلت مدينة موزع ونواحيها زلزالاً
عظيماً ما سمع بمثله واستمرت تتردد ليلاً ونهاراً زلازل صغار وزلازل(٢) كبار، وقد
أضرَّت بأهل الجهة إضراراً عظيماً حتى تصدعت البيوت، ولم يسلم بيتٌ من
تشغُّث، وتشقَّقتِ الأرض المُعَدَّةُ للزراعة، وتهدَّمتِ القبورُ واختلطت الآبار.
انتھی(٣).
● وفيها توفي برهان الدِّين إبراهيم بن محمد بن سليمان بن عون بن
مسلم بن مكِّي بن رضوان الهلالي الدمشقي الحنفي، المعروف بابن عون (٤) مفتي
الحنفية بدمشق .
ولد سنةً خمسٍ وخمسين وثمانمائة. وأخذ الحديثَ عن جماعةٍ منهم
الحافظان السخاوي والدِّيمي، وترجمه الثاني في إجازته بالشيخ الإِمام الأوحد
المقرىء المجوّد العالم المفيد، وتفقه بجماعة منهم ابن قطلوبغا، وأخذ عنه ابن
طولون .
(١) انظر ((النور السافر)) ص (٩٣).
(٢) في ((أ)): ((زلزال صغار وزلزال كبار)) وهو خطأ.
(٣) انظر ((النور السافر)) ص (٩٣).
(٤) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٠١/١).
١٠٤

وتوفي ليلة الأحد سادس عشر شوال بدمشق ودفن بباب الصغير قبلي جامع
جرّاح.
● وفيها شهاب الدِّين(١) أحمد بن شعبان (٢ بن علي بن شعبان٢) الإِمام
العلاَّمة العمدة.
قال في ((الكواكب)): أخذ العلم والحديث عن الشهاب الحجازي والشرف
المناوي والجلال أبي هريرة وعبد الرحمن القمصي والمُسْنِد الشمس الملتوتي(٣)
الوفائي، وتلقّن الذكر من العارف بالله زين الدين الحافي الشبريسي، والجمال بن
نظام الشيرازي بجامع الأزهر وغيرهما، ولبس الخرقةَ القادريةَ والسَّهْرَ وَرْدِيةَ
والأحمدية من جماعات .
وتوفي بغزة .
● وفيها السلطان العادل المجاهد أبو الفتح أحمد (٤) بن محمد(٥)، صاحب
کجرات من بلاد الهند.
قال السخاوي في ((الضوء)»: ولد سنة ثمانٍ وأربعين وثمانمائة تقريباً.
أَسلَم جدُّه(٦) مُظَفَّر على يد محمد شاه صاحب دلي وكان عاملاً له على فتن من
كجرات، فلما وقعت الفتن في مملكة دلي وتقسمت البلاد كان الذي خَصِّ مظفراً كجرات،
ثم وثب عليه ابنه وسجنه، ولم يلبث أن استفحل أمرُ الأب بحيث قتل ولده، ثم
بعد سنين انتصر أحمد لأبيه وقتل جدّه واستقر في كجرات. وخلفه ابنه
غياث الدِّين، ثم ابنه قطب الدِّين، ثم أخوه داود، فلم يلبث سوى أيامٍ، وخلع
واستقر أخوهم أحمد شاه صاحب الترجمة، وذلك في سنة ثلاث وستين حين
كان ابنَ خمسَ عشرةَ سنةً ودام في المملكة إلى الآن وأخذ من الكفّار قلعة
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٣٤/١).
(٢ - ٢) ليس ما بين الرقمين في ((آ)).
(٣) في ((ط)): ((الملتوني)) وهو تحريف.
(٤) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٩١/٢ - ١٤٤/١٠) و((النور السافر)) (٩٢).
(٥) في ((الضوء اللامع)): ((محمود)).
(٦) في ((الضوء اللامع)): ((أسلم جد جده)).
١٠٥

الشبابانير (١) فابتناها مدينة(٢) وسماها أحمد أباد، ومن جملة ممالكه كنباية. انتهى
وقال في ((النور)): قال جار الله بن فهد أقول: وعَمَّرَ بمكة رباطاً مجاورَ بابٍ
الدربية عرف بالكنباتية(٣)، وقرّر به جماعة ودروساً وغير ذلك، وكان يرسل لهم مع
أهل الحرمين عدةً صدقاتٍ، ثم قطعها لما بلغه استيلاء النظار عليها، واستمر على
ولا يته إلى أن توفي يوم الأحد ثاني رمضان بأحمدأباد.
• وفيها شهاب الدِّين أحمد بن محمد الْفَرْغَاني (٤) الإِمام العَلامة الصَّالح
القاضي .
توفي يوم الأربعاء ثامن عشري المحرم بمدينة تعز.
· وفيها محبّ الدِّين أبو بكر أحمد بن شرف الدِّين أبي القاسم محمد(٥) بن
محمد بن أحمد بن محمد الشيخ الإِمام خطيب الخطباء بالمسجد الحرام، وإمام
الموقف الشريف القرشي الهاشمي العقيلي النّويري المكي الشافعي.
أخذ عن أبي الفتح المَرَاغي، وسمع ((ثلاثيات البخاري)) على جدّته لَأمّه أم
الفضل خديجة وتُدعى سعادة بنت وجيه الدِّين عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن
فهد المكّي، وعلى العَلامة البُرهان الزَّمْزَمي وعلى أخيه المحبّ الَّمزمي كلهم عن
أبي (٦) إسحاق إبراهيم بن محمد الرسَّام عن الحجّار، وله شيوخ آخرون، وأجاز
البرهان العِمَادي في السنة التي قبلها.
وتوفي في هذه السنة ظناً.
• وفيها القاضي بدر الدِّين حسن بن القاضي زين الدِّين أبي بكر بن مزهر(٧)
كاتب أسرار القاهرة.
(١) في ((الضوء اللامع)): ((الشيابانية)).
(٢) تكررت اللفظة في ((أ)).
(٣) في ((النور السافر): ((باب المدينة عرف بالكبنابيتية)).
(٤) ترجمته في ((النور السافر)) (٩٢).
(٥) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٢٦/١).
(٦) في ((أ)): ((ابن)) وهو تحريف.
(٧) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٧٦).
١٠٦

قال في ((الكواكب))(١): صُودِرَ وحبس، ثم ضرب بحضرة السلطان
الغُوري، ثم عصر ثم لف القصب والمشاق على يديه وأحرقت، ثم عُصِر رأسه ثم
أحمي له الحديد ووضع على ثدييه(٢) وقطع ثديه، وأطعم لحمه، واستمرّ في
العذاب إلى أن مات بقلعة مصر، وعُذّب عذاباً شديداً رحمه الله تعالى.
وكانت وفاته يوم الأربعاء رابع رجب سنة ست عشرة وتسعمائة. انتهى
قلت: الصحيح موته في اليوم المذكور من الشهر المذكور لكن سنة عشر،
والله أعلم.
● وفيها بدر الدِّين أبو علي حسن بن علي بن عبيد بن أحمد بن عبيد(٣) بن
إبراهيم المرداوي (٤) ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي.
حفظ القرآن العظيم، وعدة كتب واشتغل على جماعة من آخرهم الشيخ زين
الدِّين بن العَيني، وقرأ عليه شرخَيْه على ((الألفية)) و ((الخزرجية)) وأخذ الحديث عن
ابن السّلمي، وابن الشريفة، والنظام بن مُفلح، ورحل مع الجمال بن المِبْرَد إلى
بعلبك، فسمع بها غالب مسموعاته، وسمع على جماعة كثيرين، وكان له خط
حسن، وكان يتكسب بالشهادة وهو من شيوخ ابن طولون ومجيزيه .
توفي يوم الخميس تاسع رمضان.
• وفيها رضي الدِّين الصِّدِّيق بن عبد العليم(٥) إقبال القُرْتُبي(٦).
قال في ((النور)): كان فقيهاً، نبيلاً، سرياً.
توفي عصر يوم الثلاثاء من عشر ذي الحجّة ودفن بمجنة باب القُرْتُب بجوار
مشهد الفقيه أبي بكر بن علي الحداد. انتهى
(١) في (أ)): (الكوكب)) وهو خطأ.
(٢) في ((ط)): ((يديه)) وهو تحريف.
(٣) ترجمته في (متعة الأذهان)) (ق ٣٦) و((الكواكب السائرة)) (١٧٨/١).
(٤) في ((الكواكب السائرة)): ((المرادي)) وهو تحريف.
(٥) ترجمته في ((النور السافر)) (٩٣/١).
(٦) في ((ط)): ((القربتي)) وهو تحريف.
١٠٧

● وفيها شمس الدِّين علي بن موسى المشرع (١) عجيل.
كان فقيهاً خَيِّراً.
توفي بزَبيد ليلة الاثنين خامس جمادى الأولى.
● وفيها - تقريباً - زين الدِّين عبد الرحيم بن صَدَقة المكّي الشافعي(٢).
كان إماماً، عَلَّمة، وَرِعاً، زاهداً، قرأ عليه البُرهان العِمَادي الحلبي (٣)
أحاديث من الكتب الستة، وأجازه برباط العباس تجاه المسجد الحرام في العشر
الأول من الحجّة سنة خمس عشرة وتسعمائة. قاله في ((الكواكب)).
· وفيها القاضي(٤) جلال الدِّين محمد بن عمر بن محمد بن محمد بن
أحمد بن عبد القادر بن هبة الله النَّصيبي(٥) الحَلَبي الشافعي سبط المحبّ أبي
الفضل بن الشّحنة.
ولد في ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بحلب، وحفظ
((المنهاجين)) و((الألفيتين)) و((جمع الجوامع)) وعرض ذلك على الجمال البَاعُوني
وأخيه البرهان، والبدر بن قاضي شهبة، والنجم بن قاضي عجلون وأخيه التقوي،
وأخذ الفقه عن أبي ذرّ، والأصول والنحو عن السّلامي، وولده الزّيني عمر ثم قدم
القاهرة على جدّه لأمه سنة ست وسبعين وثمانمائة، فأخذ عن الجوجري (٦)
وغيره، وقرأ ((شرح الألفية)) لابن أم قاسم على الشَّمُنّ، وقرأ على السخاوي بعض
مؤلفاته، وبَرَعَ، وتميَّز، وناب في القضاء بالقاهرة ودمشق وحلب، وولي قضاء
حماة وقضاء حلب أنشد فيه بعضهم لما ولي قضاء حماة:
حَمَاةُ مذ صرتَ بها قاضياً استبشرَ الداني مع القاصي
(١) ترجمته في ((النور السافر)) (٩٣).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٣٥/١).
(٣) في ((آ): ((الحنبلي)).
(٤) في ((أ)): ((قاضي)).
(٥) ترجمته في ((در الحبب)) (٢٣٦/١/٢)، و((الكواكب السائرة)) (٦٩/١).
(٦) في ((أ)): ((الجوهري)) وهو تحريف.
١٠٨

وكلُّ مَنْ فيها أتَى طائِعاً إليك وانقَادَ لكَ العاصي
وكان ذا فطنةٍ، وحافظة مع رفاهية، وجمع تعليقاً على ((المنهاج)) سماه
((الابتهاج)) في أربع مجلدات، واختصر ((جمع الجوامع)) وجمع كتاباً كبيراً فيه نوادر
وأشعار. وله شعر حسن منه تخميسُ الأبيات المشهورة لابن العَفيف:
غبتمْ فَطَرْفي من الهجرانِ ما غمضا ولم أجد عَنْكُم لي في الهوى عِوَضًا
للعاشقينَ بأحكامِ الغرامِ رِضَا
فيا عذولاً بفرطِ اللَّوْمِ قد نَهَضَا
فلا تکن یا فتی بالعدل معترضا
وإن هم نَقَضُوا عَهْدي وإن رَفَضُوا
أنا الوفيُّ بعهدٍ ليس يَنْتَقِضُ
فقلتُ لما بقتلي بالأسى فَرَضوا روحي الفداء لأحبابي وإن نقضوا
عهد الوفاء الذي للعهد ما نقضا
أحبابَنا ليس لي عن عطفكم بَدَل وعن غرامي ووجدي لستُ أنْتَقل
يا سائلي عن أحبّائي وقد رَحَلوا قِفْ واستمع سيرةَ الصّبِّ الذي قَتَلوا
فمات في ◌ُبِّهم لم يبلغ الغرضا
وعذّبوا قلبَه هجراً وما انتفعوا
قد حَمَّلُوه غراماً فوقَ ما يَسَعُ
دُعي أجاب توالى سهدُهُ هجَعوا رأى فحبَّ فرام الصبر فامتنعوا
فسام صبراً فأعيا نيله فقضى
وتوفي في ثالث عشر رمضان.
• وفيها بدر الدِّين محمد بن محمد الشّهير بابن اليَاسُوفي(١) الدمشقي
الشافعي المفتي المدرِّس.
ولد سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وسافر إلى القاهرة مراراً آخرها مطلوباً
مع جماعة مباشري الجامع الأموي(٢) في جمادى الآخرة سنة ست عشرة
(١) ترجمته في ((متعة الأذهان)) (١٠١) و((الكواكب السائرة)) (٢٠/١).
(٢) في ((أ)): (الأموي الجامع) وفوق كل لفظة منهما حرف ميم.
١٠٩

وتسعمائة، فحصل له قبل دخول القاهرة توعك، واستمرُّ إلى رابع يوم من وصوله
إليها فتوفي يوم الاثنين تاسع رجب منها.
• وفيها شَرَف الدِّين موسى بن عبدالله بن عبدالله(١)، الشّهير بابن جَمَاعة
المقدسي (٢) الشافعي الإِمام العَلامة خطيب المسجد الأقصى.
ولد في حادي عشري رجب سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وأجازه الشيخ
زين الدِّين بن الشيخ خليل وغيره.
قال في ((الأنس الجليل)): اشتغل في العلم على والده وغيره وخطب
بالمسجد الأقصى، وله نحو خمس عشرة سنة، واستقرَّ في الخطابة مشاركاً لبقية
الخطباء هو وأخوه الخطيب بدر الدِّين محمد. قال: وأعاد الخطيب شرف الدِّين
بالمدرسة الصلاحية وفضل وتميّز، وصار من أعيان بيت المقدس، وهو رجل خيِّر من
أهل العلم وعنده فصاحة في الخطبة وعلى صوته الأنس والخشوع والناس سالمون
من لسانه ويده. انتهى
ودخل دمشق مع والده حين أسمع والده بها غالب مسموعاته، وكان والده
من الأكابر يُرْحَل للأخذ عنه، وكان صاحب الترجمة رجلاً مهيباً.
وتوفي ببيت المقدس في رجب أو شعبان.
(١) ترجمته في ((متعة الأذهان)) (ق ١٠٤)، و((الكواكب السائرة)) (٣٠٩/١).
(٢) في ((ط)): ((القدسي)) وهو تصحيف.
١١٠

سنة سبع عشرة وتسعمائة
• فيها كما قال في ((النُّورِ السَّافر))(١): ولدت مولودة بقرية النّويدرة من اليمن
وطلب من يؤذن في أذنها فحين بلغ (أشهد أن محمداً رسول الله) سمع الطفلة
تقول: (الله أكبر الله أكبر) ثلاث مرات.
● وفيها خسف بفيل السلطان عامر بن عبد الوهاب المسمى مرزوق بقرية
يقال لها الركز من زوايا الشيخ شهاب الدِّين قطب زمانه أحمد بن علوان قريباً من
قرية بفرس (٣) وكان قد أدخله بيت بعض فقراء الشيخ كرهاً وسألهم ما لا طاقة لهم
بتسليمه فلم يشعروا حتى غاب أكثر الفيل في الأرض من قبل رجليه فصرخ
صرخات ومات ألا(٤) رحم الله سائسه فكان عبرة لمن رأى ولم يقدر أحد على
إخراج شيء منه من موضع الخسف(٢). انتهى
• وفيها توفي بُرهان الدِّين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح بن
محمد بن مفرج بن عبد الله الحنبلي (٥) مفتي الحنابلة الإِمام العَلّمة.
ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وثمانمائة، وأخذ عن أبيه وغيره.
وتوفي بقرية مضايا من الزَّبداني ليلة الجمعة سادس عشر شعبان، وحُمل ميتاً
إلى منزله بالصالحية، ودفن بالروضة قرب والده.
(١) انظر ((النور السافر)) (٩٦).
(٢) ((النور السافر)» (٩٧).
(٣) في ط: ((بغرس).
(٤) ((ط)): ((لا)».
(٥) ترجمته في ((متعة الأذهان)) ق (٢٥)، و((الكواكب السائرة)) (١٠٨/١)، و((السحب الوابلة)) (٢٩).
١١١

• وفيها تقي الدِّين أبو بكر بن الحافظ ناصر الدِّين محمد بن زُرَيق
الحنبلي (١) الدمشقي الصالحي .
كان إماماً علامةً توفي يوم السبت ثاني عشر صفر.
● وفيها - تقريباً - أبو الخير بن نصر(٢).
قال في ((الكواكب)): هو شيخ البلاد الغربية(٣) من أعمال مصر، ومحيي
السُّنَّة بها.
توفي في أواسط حدود هذه الطبقة، رحمه الله تعالى. انتهى
• وفيها صفي الدِّين أحمد بن عمر المزجدالي (٤).
قال في ((النُّورِ)): كان فقيهاً إماماً عالماً(٥) عاملاً صالحاً مفتياً مدرِّساً.
توفي ضحى يوم الخميس رابع المحرم وأسف عليه والده أسفاً كثيراً وصبر. انتهى .
● وفيها أبو القاسم بن علي بن موسى (٦) المشرع(٧).
قال في ((النور)): كان فقيهاً صالحاً حصل له في ليلة الجمعة حاد عشر ربيع
الأول وهو قاعد في بيته بين الناس لقراءة مولد النبي ◌َّر من ضربه على رأسه
فانكسر فأقام تسعة أيام ثم مات ولم يعلم قاتله ودفن بمرجام إلى جنب أبيه وجده
انتھی .
• وفيها شهاب الدِّين أحمد الفَيُّومي(٨).
قال في ((الكواكب)): هو الشيخ العلامة خطيب جامع بردبيك بدمشق وهو
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١١٣/١).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٢٠/١).
(٣) في ((أ)) ((العربية)) وهو تصحيف.
(٤) ترجمته في ((النور السافر)) (٩٦).
(٥) ليست اللفظة في ((ط)).
(٦) في ((ط)): ((أبو موسى)) وهو تحريف وانظر ((النور السافر)).
(٧) ترجمته في ((النور السافر)) (٩٧).
(٨) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٥١/١).
١١٢

المعروف بالجامع الجديد خارج بابي الفراديس والفرج (١ أي وهو المعروف الآن
بجامع المعلق(١).
توفي ثاني شهر رمضان(٢) وأخذ عنه الخطابة صاحب والد الشيخ يونس
العيثاوي(٣) واستمرت في يده إلى أن مات.
● وفيها المولى باشا جلبي العالم ابن المولى زيرك الرُّومي الحنفي (٤).
كان من الأفاضل. وله ذكاء تام، ولطف محاورة. وتخرَّج عنده كثير من
الطلبة، وكان من مشاهير المدرّسين، وتنقل في التدريس(٥) حتى ولي إحدى
المدرستين المتجاورتين بأدرنة، وتوفي وهو مدرّس بها في حدود هذه السنة، وله
شريك في اسمه سيأتي إن شاء الله تعالى .
● وفيها السيد الشريف الحسين بن عبدالله العيدروس(٦).
ولد سنة إحدى وستين وثمانمائة. وكان عالماً بالكتاب والسُّنَّة، حافظاً لكتاب
الله تعالى، مواظباً على تلاوته ليلاً ونهاراً، قائماً بما جرى عليه سلفه من الأوراد
والأذكار وإكرام الوافدين والفقراء والمساكين وبذل الجاه في الشفاعات للمسلمين
وإصلاح ذات بينهم، ولله دَرُّ مَنْ قال فيه:
إِنَّ الحسينَ تواتَرَتْ أخبارُهُ في فضلِهِ عن سادةٍ فُضَلَاءٍ
سَحّاً إذا شَخَّتْ يَدُ الْأنْواءِ
غَيْثُ يَسحُّ على العُفاةِ سِحابُهُ
متمسك بالسُّنَّةِ البَيْضاء
تالٍ لآثارِ النبيِّ محمدٍ
ورثوا عن الآباء فالآباء
ورثَ المكارمَ والعُلَى عن سادةٍ
(١ - ١) زيادة من المؤلف ابن العماد الحنبلي وليست في ((الكواكب)).
(٢) كذا في ((أ)): ((ثاني شهر رمضان)) وليست لفظة ((شهر)) في ((ط)).
(٣) في ((أ)): ((العيتاوي)) وهو تصحيف.
(٤) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) (٢٤٤)، و((الطبقات السنية)) (٢٢٧/٢)، و((الكواكب السائرة))
(١٦٣/١).
(٥) في ((الكواكب)) مصدر المؤلف: ((في التداريس)).
(٦) ترجمته في ((النور السافر)) (٩٤).
١١٣

وروي عن والده أنه كان يقول: كنت كثيرَ الدعاء في سجودي أن يرزقني الله
ولداً عالماً سنياً، وأرجو أن يكون هو الحسين.
قال في ((النور)): وكان مشاركاً في جميع العلوم المنطوق منها والمفهوم.
ومن مشايخه الفقيه عبدالله بن أحمد باكثير، والقاضي إبراهيم بن ظهيرة، والشيخ
عبد الهادي السّودي قبل أن ينجذب.
وكانت له اليد الطولى في علم الفلك.
وحجّ وجاور بمكة سنتین، وزار قبر جدّه مرتین.
وتوفي بتريم في سادس عشر المحرم ودفن عند أبيه. انتهى
● وفيها خليل العالم الفاضل المولى الرُّومي الحنفي(١) المشهور بمنلا
خليل (٢) .
كان حليماً كريماً متواضعاً متخشعاً إلّ أنه كان يغلب عليه الغفلةُ في سائر أحواله.
درّس في بعض مدارس الرُّوم ثم بإحدى الثمانية، ثم بمدرسة أدرنة ثم
أعطى قضاء القسطنطينية في دولة السلطان أبي (٣) يزيد ثم قضاء العسكر الأناضولي
ثم الرُّوم إيلي، ومات على ذلك في أوائل دولة السلطان سليم خان. قاله في
((الكواكب».
● وفيها العارف بالله تعالى رستم خليفة الرُّومي البُرسوي الحنفي (٤).
أصله من قصبة كونيك من ولاية أناضولي(٥). وأخذ الطريق عن العارف
حاجي خليفة الرُّومي، وكان له خوارق ويتستر(٦) بتعليم الأطفال ولا يتكلم إلّ عن
ضرورةٍ، وله إنعام تام على الأغنياء والفقراء، وإذا أهدى إليه أحدٌ شيئاً كافأه
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٩١/١)، و((الفوائد البهية)) (٧٢).
(٢) في مصدريه: (منلا خليلي).
(٣) في (أ): (أبا) وهي خطأ.
(٤) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٩٤/١)، و((الشقائق النعمانية)) (٢١٠).
(٥) في ((أ)): (أناطولي)، وفي (الكواكب)): (أناظولي).
(٦) في ((أ)): (وتَسَتَّ).
١١٤

بأضعافه(١). ولم يكن له منصبٌ ولا مالٌ. وحكى عن نفسه أنه رمد مرةً فلم ينفعه
الدواء، فرأى رجلاً فقال له: يا ولدي اقرأ المُعَوَّذَتَيْن في الركعتين الأخيرتين من
السنن المؤكدة. قال: فداومتُ على ذلك فشقي بصري. وكان بعض جماعته يرى
أن ذلك الرجل هو الخضر عليه السلام. وتوفي ببروسا ودفن بها.
● وفيها - تقريباً - المولى عبد الوهاب بن عبد الكريم الفاضل ابن الفاضل
المولى ابن المولى الرومي الحنفي (٢). قرأ على جماعةٍ منهم المولى عذارى
والمولى لطفي التوقاتي والمولى خطيب زاده(٣) والمولى القسطلاني.
وكان ذكياً عارفاً بالعلوم الشرعية والعقلية مهيباً طارحاً للتكلف مع أصحابه
ودرَّس(٤) بالقسطنطينية ثم صار حافظاً لدفتر الديوان السلطاني، ثم ولي قضاء
بعض البلاد قاله في ((الكواكب))(٥).
• وفيها علاء الدِّين علي بن محمد بن علي بن عبدالله بن مليك الحموي(٦)
ثم الدمشقي الفقاعي الحنفي الشاعر.
ولد بحماة سنة أربعين وثمانمائة، وأخذ الأدب عن الفخر عثمان بن العيد(٧)
التَّوخي وغيره. وأخذ النحو والعَروض عن بهاء الدِّين بن سالم، وقدم دمشق
فتسبَّب بِبَيْعِ الفُقّاع عند قناة العوني. ثم تركه وصار يتردّد إلى دروس الشيخ برهان
الدِّين بن عون. وأخذ عنه فقه الحنفية. وصارت له فيه يد طولى، وشارك في اللغة
والنحو والصرف. وكان له معرفة بكلام العرب، وبرع في الشعر، حتى لم يكن له
نظيرٌ في فنونه وجمع لنفسه ديواناً(٨) في نحو خمس عشرة كراسة، وخمَّسَ
المنفرجة، ومدح النبيَّ وَ﴿ بعدة قصائد.
(١) في ((ط)): (بأضعانه) وهو تحريف.
(٢) ترجمته في ((الكواكب)) (٢٥٧/١).
(٤) في ((أ)): (درس) من غير الواو.
(٣) في ((أ)): (ذاده) بالذال وهو خطأ .
(٥) في ((أ)): (كوكب) وهو خطأ .
(٦) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٦١/١ - ٢٦٣)، و((ريحانة الألباء)) للخفاجي ص (٩٦ - ٩٩)
و ((معجم المؤلفين)» (٢١٩/٧).
(٧) في ((ط)): (الصد)، وفي ((الكواكب)): (العبد).
(٨) سمّاه ((النفحات الأدبية من الرياض الحموية)) منه نسخة في الظاهرية رقمها (٥٧٩١) وورقاتها (٧٢)
ورقة. انظر ((فهرس الشعر)) ص (٤١٢).
١١٥

ومن لطائفه قوله(١):
لم أجعلِ الفقّاعَ لي حرفةً إلّ لمعنى حُسْنِكِ الشَّاهِدْ
معاذِلَ أُسقيهِ من البارِدْ
أقابلُ الواشيَ بالحدِّ والـ
ومنها :
وعزَّتْ على قّاصِها أن تَنالَها
ولمّا احتمتْ منا الغزالةُ فِي السَّما
عليها فلم نَقْدِرْ فَصِدْنا خَيالَها
نَصَبْنَا شِباكَ الماءِ فِي الأَرْضِ حيلة
ومن لطائفه(٢):
وَزادَ بالنَّعْتِ وَصْفُهْ
يا مَنْ بِه رَقَّ شِعْري
والقَصْدُ شَيْءٌ ألفُّةْ
قَدْ مَزَّقَ الشِّعْرُ شاشي
وكان له صوف عتيق فقلبه وقال(٢):
قَدْ كانَ لي صوفٌ عتيقٌ طالما قد كنتُ ألبسُه بغيرِ تَكَلُّفٍ
قلبي يحدِّثِني بأَنَّك مُتْلِفِي (٣)
والآن لي قد قال حين قَلَبْتُهُ
وحكي عنه أنه مرَّ بالمرجةِ على قومٍ جلوس للشرب، وكانوا يعرفونه، فدَعَوْهُ
إلى الزاد، فقعد عندهم يذاكرهم. فبينما هم كذلك إذ جاءهم جماعةٌ الوالي
فأخذوهم وأخذوه معهم، فلما وصلوا للقاضي للتسجيل عليهم عرفه القاضي،
فلامه فقال (٢):
ولا دَعَتْني للهوى داعِيَهْ
والله ما كنتُ رفيقاً لهم
لأجلِ ذا ضَمَّتْنَيَ القافِيَهْ
وإنّما بالشِّعرِ نادَمْتُهُمْ
(١) البيتان في ((الكواكب السائرة)) (٢٦١/١).
(٢) البيتان في ((الكواكب السائرة)) (٢٦٢/١).
(٣) هذا الشطر تضمين لبيت عمر بن الفارض:
روحي فداك عرفت أم لم تعرفٍ
قلبي يحدثني بأنك متلفي
انظر «دیوانه» ۔ دار صادر - ص (١٥١).
١١٦

فخلوا عنه وله دوبيت :
والقلبُ لناظري يقولُ الذنبُ
الطرفُ يقولُ قد رماني القلبُ
هذا دَنِفُ ودمعُ هذا صبُّ
واللَّهِ لقد عجبتُ من حالهما
وشعره کله جید .
وتوفي في شوال بدمشق ودفن بمقبرة باب الفَرَاديس.
● وفيها العارف بالله سيدي علي بن ميمون بن أبي بكربن علي بن
ميمون(١) بن أبي بكر بن يوسف بن إسماعيل بن أبي بكر بن عطاء الله بن حسون بن
سليمان بن يحيى بن نصر الشيخ المرشد المربي القدوة الحجة ولي الله تعالى
السيد الحسيب النسيب الشريف أبو الحسن بن ميمون الهاشمي القرشي المغربي
الغُماري التباسي .
أصله من جبل غمارا - بالغين المعجمة من معاملة فاس - وسكن مدينة فاس،
واشتغل بالعلم ودرَّس. ثم ولي القضاء، ثم ترك ذلك ولازم الغزو على السواحل،
وكان رأس العسكر ثم ترك ذلك أيضاً وصحب مشايخ الصوفية منهم الشيخ عرفة
القيرواني فأرسله إلى أبي العبّاس أحمد التَّوزي الدبّاسي - ويقال التباسي بالتاء -
ومن عنده توجه إلى المشرق.
قال الشيخ موسى الكناوي: فدخل بيروت في أول القرن العاشر، وكان
اجتماع سيدي محمد بن عراق به أولاً هناك ولما دخل بيروت استمرّ ثلاثة أيام لم
يأكل شيئاً فاتفق أن ابن عراق كان هناك فأتي بطعام فقال لبعض جماعته أدع لي
ذلك الفقير فقام السيد علي وأكل، وقال ابن عراق لأصحابه: قوموا بنا نزور الإِمام
الأوزاعي فصحبهم ابن ميمون لزيارته، ففي أثناء الطريق لعب ابن عراق على جواده
كعادة الفرسان فعاب عليه ابن ميمون، فقال له: أتحسن لعب الخيل أكثر مني؟ قال:
نعم. فنزل ابن عراق عن فرسه فتقدم إليها ابن ميمون فحلَّ الحزام، وشدَّه كما يعرف،
(١) ترجمته في ((متعة الأذهان)) (٦٦)، و((الشقائق النعمانية)) (٢١٢ - ٢١٣) و((الكواكب السائرة)»
(٢٧١/١ - ٢٧٨)، و((جامع كرامات الأولياء)) (١٨٨/٢ - ١٩٠).
١١٧

وركب ولعب على الجواد، فعرفوا مقداره في ذلك، ثم انفتح الأمر بينهما إلى أن
أشهر الله تعالى سيدي علي بن ميمون.
وقال في ((الشقائق)): إنه دخل القاهرة وحجَّ منها ثم دخل البلاد الشامية
وربى كثيراً من الناس ثم توطن مدينة بروسا ثم رجع إلى البلاد الشامية وتوفي بها.
قال: وكان لا يخالف السُّنَّة حتى نقل عنه أنه قال: لو أتاني السلطان أبو يزيد بن
عثمان لا أعامله إلّ بالسُّنَّة، وكان لا يقوم للزائرين ولا يقومون له وإذا جاءه أحد من
أهل العلم يفرش له جلد شاة تعظيماً له. وكان قَوَّالاً بالحق، لا يخاف في الله لومة
لائم، وكان له غضب شديد إذا رأى في المريدين منكراً يضربهم بالعصا.
قال: وكان لا يقبل وظيفة ولا هدايا الأمراء والسلاطين، وكان مع ذلك يطعم
كل يوم عشرين نفساً من المُريدين وله أحوال كثيرة ومناقب عظيمة. انتهى.
وكان من طريقته ما حكاه عنه سيدي محمد بن عراق في كتابه ((السّفينة)) أنه
لا يرى لبس الخرقة ولا إلباسها.
وذكر الشيخ علوان أنه كان لا يرى الخلوة ولا يقول بها، وكان يقول جواب
الزفوت السكوت.
ومن وصاياه اجعل تسعة أعشارك صمتاً وعشرك كلاماً.
وكان يقول: الشيطان له وحي وفيض فلا تغتروا بما يجري في نفوسكم
وعلى ألسنتكم من الكلام في التوحيد والحقائق حتى تشهدوه من قلوبكم.
وكان ينهي أصحابه عن الدخول بين العوام وبين الحكام ويقول: ما رأيت
لهم مثلاً إلا الفأر والحيّات، فإن كُلَّاً منهما مفسد في الأرض، وكان شديد الإِنكار
على علماء عصره ويسمي القضاة القصاة.
ومن كلامه: لا ينفع الدار إلّ ما فيها.
ومنه: لا تشتغل بعدِّ أموال التجار وأنت مفلس.
ومنه: اسلك ما سلكوا تدرك ما أدركوا.
ومنه: عجبت لمن وقع عليه نظر المفلح كيف لا يفلح.
١١٨

ومنه: كنزك تحت جدارك وأنت تطلبه من عند جارك.
وله من المؤلفات ((شرح الجرومية)) على طريقة الصُّوفية، وكتاب ((غربة
الإِسلام في مصر والشام وما والاهما من بلاد الروم والأعجام)) ورسائل عدة منها
رسالة لطيفة سَمَّاها ((تنزيه الصديق عن وصف الزّنديق)) ترجم فيها الشيخ محي
الدِّين بن العربي ترجمة في غاية الحُسن والتعظيم.
وذكر ابن طولون أنه دخل دمشق في أواخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، ونزل
بحارة السكّة بالصالحية وهَرَعَ الناس إليه للتبرك به. وممن صعد إليه للأخذ عنه
الشيخ عبد النَّبِيِّ شيخ المالكية، والشيخ شمس الدِّين بن رمضان شيخ الحنفية،
وتسلكا على يديه هم وخلق من الفضلاء.
وقال سيدي محمد بن عراق في ((سفينته)): إنه لم يشتهر في بلاد العرب
بالعلم والمشيخة والإِرشاد إلّ بعد رجوعه من الرُّوم إلى حماة سنة إحدى عشرة،
ثم قدم منها إلى دمشق في سابع عشري رجب سنة ثلاث عشرة وتسعمائة. قال:
وأقام في قدمته هذه ثلاث سنوات وخمسة أشهر وأربعة عشر يوماً يُربِّي ويُرشد
ويُسَلّك، ويدعو إلى الله تعالى على بصيرة. قال: واجتمع عليه الجُمُّ الغفير، ثم
دخل عليه قبض وهو بصالحية دمشق واستمرّ ملازماً له حتى ترك مجلس التأديب
وأخذ يستفسر عن الأماكن التي في بطون الأودية ورؤوس الجبال، حتّى ذكر له
سيدي محمد بن عراق مجدل معوش فهاجر إليها في ثاني عشر محرم هذه السنة .
قال سيدي محمد بن عراق: ولم يصحب غيري والولد علي، وكان سنّه
عشر سنين وشخص آخر عملاً بالسُّنَّة، وأقمت معه خمسة أشهر وتسعة عشر يوماً.
وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بها في أرض موات
بشاهق جبل حسبما أوصى به. قال: ودفن خارج حضرته المشرَّفة رجلان وصبيان
وامرأتان وأيضاً امرأتان وبنتان، الرجلان محمد المكناسي، وعمر الأندلسي،
والصبيان ولدي عبدالله، وكان عمره ثلاث سنين، وموسى بن عبدالله التركماني،
والامرأتان أمّ إبراهيم وبنتها عائشة زوجة الذعري، والامرأتان الأخرتان مريم
١١٩

القدسية، وفاطمة الحموية، وسألته عند وفاته أين أجعل دار هجرتي، فقال: مكان
يسلم فيه دينك ودنياك، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الّذِين توفَّهُمْ المَلَائِكَةُ﴾
[النساء: ٩٧].
● وفيها سِرَاج الدِّين أبو حفص عمر بن عبد العزيز الفَّومي(١) الأصل
الدمشقي .
قال في ((الكواكب»: كانت له مشاركة جيدة وقال الشعر الحسن وله دیوان
شعر في مجلد ضخم، ومدح الأكابر والأعيان، وخَمَّس ((البُردة)) تخميساً حسناً
ورزق فيه السعادة التامّة، واشتهر في حال حياته، وكتبه الناس لحسنه وعذوبة
ألفاظه.
ومن شعره:
إن كان ◌َجْري لذنب حَدّثوك به عَاتب به ليبين العبد أعْذَارَه
وإن يكن حظ نفسٍ ماله سبب فَلا تُطِعها فإن النّفس أَمَّارَه
وتوفي بدمشق ودفن بمقبرة باب السريجة على والده.
· وفيها شمس الدِّين أبو الفضل محمد بن صارم الدِّين إبراهيم الرَّملي
الشافعي، الشهير بابن الذّهبي (٢) الإِمام العالم، أحد الشهود المعتبرين بدمشق.
ذكر النُّعيمي أنه كان قائماً بخدمة الشيخ رضي الدِّين الغَزِّي، وأن ميلاده كان
سنة تسع وخمسين وثمانمائة.
وقال البدر الغَزّي: كان يعرف القراءات.
وتوفي بدمشق ليلة الجمعة ثالث عشر المحرم بعد عوده من القاهرة.
(١) ترجمته في ((متعة الأذهان)) (ق ٦٩)، و((الكواكب السائرة)) (٢٨٦/١).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٧/١).
١٢٠