Indexed OCR Text

Pages 441-460

أبو الصّدق أبو بكر بن إبراهيم بن يوسف بن قندس البَعْلي (١) الحنبلي الإِمام
العَلامة ذُو الفنون.
ولد على ما كتبه بخطه قرب(٢) سنة تسع وثمانمائة، وسمع على التاج بن
بَرْدِس وغيره، وتفقّه في المذهب، وحفظ ((المقنع)) وعُني بعلم الحديث كثيراً.
وقرأ الأصول على ابن العصياتي بحمص، وأذن له بالإِفتاء والتدريس جماعة،
منهم الشيخ شَرَف الدِّين بن مُفلح، ثم قرأ المعاني والبيان على الشيخ يوسف
الرُّومي، والنحو على ابن أبي الجوف، وكان مُفَتّاً في العلوم، ذا ذهن ثاقب، ثم
بعد وفاة شيخه ابن مُفلح طلبه الشيخ عبد الرحمن بن داود وأجلسه في مدرسة شيخ
الإِسلام أبي عمر، فتصدى لإِقراء الطلبة ونفعهم، ثم ولي نيابة الحكم عن العزّ
البغدادي مدة، ثم ترك ذلك، وأقبل على الاشتغال في العلم وكسب يده، وأخذ
عنه العلم جماعة وانتفعوا به، منهم شيخ المذهب علاء الدِّين المرداوي، والشيخ
تقي الدِّين الجراعي، وغيرهما من الأعلام. وكان من عباد الله الصَّالحين، وله
((حاشية على الفروع)) و((حاشية على المحرَّر)).
وتوفي يوم عاشوراء ودُفن بالروضة قريباً من الشيخ موفق الدِّين.
● وفيها تقريباً داود بن محمد بن إبراهيم بن شَدَّاد بن المبارك النَّجدي
الأصل الرّبيعي النسب الحَمَوي المولد الحنبلي، المعروف بالبلاعي(٣) - نسبة إلى
بلدة تسمّى البلاعة - الفقيه الفَرَضي .
أخذ العلم عن قاضي القُضاة علاء الدِّين بن المغلي. وكان له يد طولى في
الفرائض والحساب. ومن تلامذته الأعيان من قضاة طرابلس وغيرها.
وتوفي بحماة.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٤/١١) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٦) و((القلائد الجوهرية))
(٣٩٧/٢) و((السحب الوابلة)) ص (١٢٤).
(٢) في ((المنهج الأحمد): ((قريب)).
(٣) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٧ - ٤٩٨) و((السحب الوابلة)) ص (١٦٦) وقد تأخرت
ترجمته في ((آ)) إلى ما بعد ترجمة القاضي نور الدين التالية.
٤٤١

• وفيها القاضي نور الدِّين علي بن محمد بن أقْبَرس الشافعي(١) الإِمام
العَلَّامة.
قال في ((العنوان)): ولد سنة إحدى وثمانمائة بالقاهرة، وأخبرني أنه تلا
بالسبع على الشّمس الزراتيتي(٢)، والشيخ أمير حاج، وأنه أخذ الفقه عن الشيخ
شمس الدِّين الأبوصيري، والشيخ عزّ الدِّين بن جَمَاعة، والشمس البرماوي.
والمنطق(٣). وكان رفيقه الكمال بن الهُمَّام عن الجلال الهندي، وأثنى على علمه
به، ولازم الشمس البساطي فانتفع به في النحو، والتصريف، والمعاني، والبيان،
والأصلين، والمنطق، وغير ذلك. وعنده فضيلة، وكلامه أكثر من فضيلته، وعنده
جرأة وطلاقة لسان وقدرة على الدخول في الناس، وعلى صحبة الأتراك. صحب
جقمق العلائي، ولازمه حتّى عُرف به، فلما ولي السلطنة حصل له منه حظ وولاه
وظائف، منها نظر الأوقاف، ووسّع في دنياه جداً. وناب في القضاء للشمس
الهَرَوي وغيره، وله نظم وسط ربما وقع فيه الجيد، وكذا نثره، وسمع شيخنا ابن
حجر وغيره، وحَجِّ، وجاور، وسافر إلى دمشق، وزار القدس، ودخل ثغر
إسكندرية ودِمْيَاط.
ومن نظمه :
أرجو النَّجَاة بِهَا مِنَ النَّشديدِ
يَا ربّ ما لي غير رَحمتكَ التي
حُوسبتُ ما عندي سوى التّوحيدِ
مَولاي لا علمي ولا عملي إذا
انتهى ملخصاً.
وتوفي بالقاهرة في صفر وقد جاوز الستين.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٩٢/٥) و((الذيل التام على دول الإسلام)) (٧٢/٢) من المنسوخ
و((الدليل الشافي)) (٤٨٠/١) و((النجوم الزاهرة)) (١٩٠/١٦).
(٢) تصحفت في ((ط)) إلى ((الزراتيني)).
(٣) كأن لفظة ((والمنطق)) هنا قد أثبتها المؤلف رحمه الله أثناء النقل عن ((الضوء اللامع)) من مكانها
الصحيح بعد سطرين، والله أعلم.
٤٤٢

● وفيها نور الدِّين أبو الحسن علي بن محمد المتبولي، الشهير بابن الرزّاز
الحنبلي(١) الإِمام العَلَّمة.
كان من أعيان فقهاء الدِّيار المصرية وقضاتها، باشر نيابة القضاء عن ابن
المغلي ومن بعده، وكان يكتب على الفتوى عبارة حسنة.
وتوفي بالقاهرة في حادي عشر ربيع الأول ودفن بتربة الشيخ نصر المنبجي.
• وفيها زين الدِّين عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن زُهر (٢) الحنبلي
الحمصي (٣).
كان من أهل الفضل. قرأ ((المقنع)) على والده، وروى الحديث بسند عالٍ،
روى عن الشيخ شمس الدِّين بن اليُّونانية عن الحَجَّار. وكان ملازماً للعبادة
والخشوع والصّلاح.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٥/٦) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٧) من المخطوط و((السحب
الوابلة)» ص (٣١٠).
(٢) في ((الضوء اللامع)) و((السحب الوابلة)): ((ابن زهرة)).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٢٩/٤) و((السحب الوابلة)) ص (٢١١) و((المنهج الأحمد)) الورقة
(٤٩٨).
٤٤٣

سنة ثلاث وستين وثمانمائة
• فيها توفي شِهَابُ الدِّين أحمد بن محمد بن صالح بن عثمان الأشليمي(١)
ثم الحُسيني القاهري الشافعي(٢) الإِمام العَلَّمة (٣).
· وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن محمد بن المجد المخزومي الحنبلي
النابلسي (٤) الإِمام العالم.
توفي بنابلس.
• وتوفي فيها أيضاً في هذه السنة زين الدِّين عبد المغيث ابن الأمير
ناصر الدِّين محمد بن عبد المغيث الحنبلي (٥).
• وفيها برهان الدين أبو الخير إبراهيم بن أحمد بن عبد الكافي الطَّبَاطبي(٦)
المقرىء الصَّوفي الشافعي السّيِّد الشريف.
(١) في (آ)) و((ط)) ومعظم المصادر ((الأسليمي)) بالسين المهملة وهو خطأ، والصواب ما أثبته نقلاً عن
((نظم العقيان)) و((الأشليمي)) نسبة إلى ((أشليم)) من أعمال الغربية بمصر. انظر ((التحفة السَّنية))
ص (٦٤) وتعليقنا على ترجمته في ((الذيل التام على دول الاسلام)) للسخاوي.
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١١٤/٢) و((الذيل التام على دول الاسلام)) (٧٧/٢) من المنسوخ،
و «نظم العقیان) ص (٥٨).
(٣) قال السخاوي: ويعرف بابن صالح، وأورد من نظمه:
فلا ضائع إلّ شذى منه طَيِّبُ
وقد حَفِظ اللَّهُ الحديث بحفظه
لآلىء إذ يُملي عَلينا ونكتبُ
وما زال يملأ الطَّرْسَ من بحر صدره
(٤) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٨) و((السحب الوابلة)) ص (١٠٤).
(٥) ترجمته في (المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٨) و((الضوء اللامع)) (٨٤/٥) و((السحب الوابلة))
ص (٢٧٢).
(٦) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٤/١) و((التحفة اللطيفة)) (١٠١/١ -١٠٢)، و((الذيل التام على
دول الإِسلام)» (٧٧/٢) من المنسوخ.
٤٤٤

قال المُنَاوي: كان يُطْلِقُ بكل صالحة يده ولسانه، ويُطوي على المعارف
اليقينية جَنَانه، ولا يلتفت إلى الدنيا ولا يقبلها، ويشتري حاجته من السوق
ويحملها .
أخذ عن المحبّ الطَّبري، والكمال الكازروني، والحافظ ابن حجر.
وتصدى للإِقراء بالحرمين، وأخذ عنه الأماثل، وله اليد الطولى في التصوف، وعنه
أخذ جدُّنا الشَّرف المُنَاوي التصوف، واستمرَّ ملازماً طريقته المرضية إلى أن حان
أجله وأدركته المَنَّة، وتوفي بمكة. انتهى.
• وفيها شمس الدِّين محمد بن عبدالله بن خليل بن أحمد البَلَاطُنُسي(١) ثم
الدمشقي الشافعي (٢) الإِمام العالم.
توفي في صفر عن أربع وستين سنة.
• وفيها شمس الدِّين محمد بن محمد بن علي بن أحمد الحَمَوي ثم
الحَلَبِي الشافعي الصُّوفي، ويعرف بابن الشَمَّاع(٣).
كان إماماً، عالماً، عاملاً(٤)، زاهداً، عَلَّمة.
توفي بطيبة المُشَرَّفة في ذي القعدة عن بضع وسبعين سنة، ودُفن بالبقيع .
(١) قلت: البَلَاطُنُسي: نسبة إلى (بَلَاطُنُس)) بضم الطاء والنون والسين المهملة: حصن منيع بسواحل
الشام مقابل اللاذقية من أعمال حلب. انظر ((معجم البلدان)) (٤٧٨/١).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٨٦/٨) و((الذيل التام على دول الإسلام)) (٧٦/٢) من المنسوخ،
و((نظم العقيان)) ص (١٥٠) و((النجوم الزاهرة)) (١٩٩/١٦).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٤٣/٩) و((الذيل التام على دول الإِسلام)) (٧٦/٢ - ٧٧) من
المنسوخ.
(٤) لفظة ((عاملاً)) سقطت من ((آ)).
٤٤٥

سنة أربع وستين وثمانمائة
· فيها كان الطَّاعون العظيم بغزَّة، ثم الشام والقدس، ومات فيه من لا
يُحصى.
• وفيها توفي بُرهان الدِّين إبراهيم بن علي بن محمد بن داود البيضاوي ثم
المَكِّي الشافعي، ويعرف بالزَّْزَمي(١) الإِمام العَلَّمة.
توفي في ربيع الأول عن ست وثمانين سنة.
• وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن علي بن محمد بن الشحّام(٢) الحنبلي المُؤذن
بالجامع الأموي.
ولد في خامس عشري المحرم سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، وسمع من
جماعة، وروى عنه جماعة من الأعيان.
وتوفي بالقدس الشريف في نهار الثلاثاء تاسع جمادى الآخرة.
· وفيها تقريباً قاضي القُضاة تقي الدِّين أبو الصّدق أبو بكر بن محمد بن
الصّدر البَعْلي الحنبلي (٣).
ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وروى عَمّن روى عن الحجّار. وسمع
على الشيخ شمس الدِّين بن اليُّونانية البَعْلي ببعلبك. وولي قضاء طرابلس مدة
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٨٦/١) و((معجم الشيوخ)) لابن فهد ص (٤٥ - ٤٦).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٤١/٢) و((السحب الوابلة)) ص (٨٥).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٩٠/١١) و((السحب الوابلة)) ص (١٣٤).
٤٤٦

طويلة، وكان حَسَن السيرة، وأجاز الشيخ نور الدِّين العصياتي، وأخذ عنه
جماعات.
• وفيها جلال الدِّين محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المَحَلِّي(١)
الشافعي تفتازاني العرب، الإِمام العَلَّاّمة.
قال في ((حسن المحاضرة)): ولد بمصر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة،
واشتغل، وبَرَعَ في الفنون، فقهاً، وكلاماً، وأصولاً، ونحواً، ومنطقاً، وغيرها.
وأخذ عن البدر محمود الأقصرائي، والبرهان البيجوري، والشمس البِسَاطي،
والعلاء البخاري، وغيرهم.
وكان عَلَّمةً، آية في الذكاء والفهم. كان بعض أهل عصره يقول فيه: إن
ذهنه يثقب الماس. وكان هو يقول عن نفسه: إنَّ فَهمي لا يقبل الخطأ، ولم يك(٢)
يقدر على الحفظ، وحفظ كُرَّاساً من بعض الكتب فامتلأ بدنه حَرَارَةً. وكان غُرَّة
هذا العصر في سلوك طريق السَّلف، على قدم من الصَّلاح والوَرَعِ، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، يواجه بذلك أكابر الظّلمة والحُكّام، ويأتون إليه
فلا يلتفت إليهم، ولا يأذن لهم في الدخول عليه. وكان عظيم الحِدَّة جداً لا يُراعي
أحداً في القول، يؤسي في عقود المجالس على قضاة القضاة وغيرهم وهم
يخضعون له ويهابونه ويرجعون إليه، وظهرت له كرامات، وعرض عليه القضاء
الأكبر فامتنع، وولي تدريس الفقه بالمؤيَّدية والبرقوقية، وقرأ عليه جماعة. وكان
قليل الإِقراء، يغلب عليه الملل والسآمة، وسمع الحديث من الشَّرف بن الكُويك.
وكان متقشفاً في مركوبه وملبوسه، ويتكسَّب بالتجارة، وألّف كُتباً تُشَدُّ إليها الرِّحال
في غاية الاختصار والتحرير والتنقيح وسلاسة العبارة وحُسن المزج والحل، وقد
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٩/٧) و((الذيل التام على دول الاسلام)) (٨٠/٢ - ٨١) من
المنسوخ، و((حسن المحاضرة)) (٤٤٢/١) و((صفحات لم تنشر من بدائع الزهور في وقائع الدهور))
لابن إياس ص (٦٨) و(الأعلام)) (٣٣٣/٥) و((معجم المؤلفين)) (٣١١/٨ - ٣١٢) وكتابي
((زهرات الياسمين)) ص (٧٥ - ٧٧) طبع مكتبة دار العروبة بالكويت.
(٢) في ((آ)): ((ولم يكن)) وكلاهما بمعنى.
٤٤٧

أقبل عليها الناس وتلقوها بالقبول وتداولوها، منها ((شرح جمع الجوامع)) في
الأصول، و((شرح المنهاج)) في الفقه، و ((شرح بردة المدیح)) و ((مناسك)) و ((کتاب
في الجهاد)) ومنها أشياء لم تكمل كـ ((شرح القواعد)) لابن هشام، و((شرح
التسهيل)) كتب منه قليلاً جداً، و((حاشية على شرح جامع المختصرات)) و((حاشية
على جواهر الأسنوي)) و((شرح الشمسية)) في المنطق، وأجَلَّ كتبه التي لم تُكمل
((تفسير القرآن)) كتب منه من أول الكهف إلى آخر القرآن، وهو ممزوج مُحَرّر في
غاية الحُسن، وكتب على الفاتحة وآيات يسيرة من البقرة وقد كملته(١) بتكملة على
نمطه من أول البقرة إلى آخر الإِسراء(٢).
وتوفي في أول يوم من سنة أربع وستين وثمانمائة انتهى.
(١) القائل: الحافظ جلال الدِّين السيوطي في ((حسن المحاضرة)) مصدر المؤلف.
(٢) قلت: واشتهر هذا التفسير من بعد ذلك بـ ((تفسير الجلالين)) وقد طبع عدة مرات في مصر والشام
ولبنان، آخرها طبعته المتقنة الجيدة الصادرة عن دار ابن كثير، وقد تفضل بالتقديم لها والدي الأستاذ
المُحَدِّث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، وقمت أنا بالتعريف بالجلالين عقب تقديمه، وقد صدرت
هذه الطبعة عام (١٤٠٧) هـ وأعيد طبعها مصورة عدة مرات آخرها هذا العام.
٤٤٨

سنة خمس وستين وثمانمائة
• في صفرها كان بمكّة سيلٌ عظيمٌ (١).
• وفيها توفي الملك الأشرف سيف الدِّين أبو النصر إينال العلائي(٢) تسلطن
في صبيحة يوم الاثنين لثمان مضين من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين
وثمانمائة، وهو الثاني عشر من ملوك الجَرَاكسة وأولادهم، وهو جَرْكسيَّ جلبه
الخَوَاجا علاء الدِّين إلى مصر، فاشتراه الظّاهر بَرْقُوق، وأعتقه الناصر فرج بن
بَرْقُوق، وتنقّل في الدولة إلى أن صار في أيام الأشرف برسباي أمير مائة مُقدّم
ألف، وولاه الظاهر جقمق الدوادارية الكبرى، إلى أن جعله أتابكاً، واستمر إلى أن
تسلطن، وتم أمره في المُلك، وطالت أيّامه نحو ثمان سنين وشهرين وأياماً. وكان
طويلاً، خفيف اللحية، بحيث اشتهر بإينال الأجرود، وكان قليل الظّلم، قليل
سفك الدماء، متجاوزاً عن الخطأ والتقصير، إلّ أن مماليكه ساءت سيرتهم في
الناس، واستمرَّ سلطاناً إلى أن خَلَع نفسه من السلطنة وعقدها لولده الملك المؤيد
شِهَاب الدِّين أبي الفتح أحمد بن إينال العلائي في يوم الأربعاء رابع عشر ليلة
خلت من جمادى الأولى. وتوفي والده بعد ذاك بيوم واحد، ثم خلعه أتابكة
خشقدم بعد خمسة أشهر وخمسة أيام، وولي السلطنة عوضه الملك الظّاهر
خشقدم يوم الأحد لإِحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان.
(١) ذكر هذا الخبر السخاوي في ((الذيل التام على دول الإسلام)) (٨٤/٢) من المنسوخ بأطول مما هنا.
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٢٨/٢) و((النجوم الزاهرة)) (٥٧/١٦) و((الدليل الشافي))
(١٧٥/١).
٤٤٩

: وفيها القاضي شِهَاب الدِّين أحمد بن محمد بن محمد بن عمر البُلْقيني(١)
الإِمام العالم.
توفي في ذي القعدة عن ثلاث وخمسين سنة.
· وفيها عبدالله بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الكِنَاني الحَمَوي،
المعروف بابن جَمَاعة(٢).
توفي في ذي القعدة عن خمس وثمانين سنة.
• وفيها أبا علوي عبدالله بن أبي بكر بن عبد الرحمن اليمني الصُّوفي(٣).
كان شيخ حضرموت، ورُكنها، وصوفيّها، وزاهدها. له أتباع وخدم، مع
الولاية الظّاهرة والأسرار الباهرة.
وتوفي في رمضان.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٨٨/٢) و((الذيل التام)) (٨٩/٢) من المنسوخ.
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٥١/٥) و((الذيل التام)) (٨٨/٢) من المنسوخ.
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٦/٥) و((الذيل التام على دول الإِسلام)) (٩١/٢) من المنسوخ.
٤٥٠

سنة ست وستين وثمانمائة
• فيها توفي السيد حسن(١) بن محمد بن أيوب الحَسَني (٢) الشافعي،
المعروف بالسَّيِّد النَّسَابة .
كان إماماً، عالماً، أخبارياً.
توفي في مستهل صفر وقد قارب المائة.
• وفيها السُّلطانِ خَلَف [بن محمد بن سليمان] الأيوبي(٣) صاحب حصن
كيفا، وهو آخر ملوك الحصن من بني أيوب.
• وفيها شمس الدِّين أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي بكر القاهري
الشافعي (٤) الصُّوفي الإِمام الزاهد توفي في ربيع الأول عن نحو ثمانين سنة.
(١) في ((ط)): ((حسين)) وهو خطأ.
(٢) ترجمته في ((معجم الشيوخ)) لابن فهد ص (٣٥٤) و((الضوء اللامع)) (١٢١/٣) و((الذيل التام))
(٩٣/٢) من المنسوخ، و((نظم العقيان)) ص (١٠٤ - ١٠٥).
(٣) ترجمته في ((النجوم الزاهرة)) (٢٧٣/١٦) و((الضوء اللامع)) (١٨٤/٣) وما بين الحاصرتين زيادة
أثبتها منه، و((الذيل التام على دول الإِسلام)) (٩٥/٢) من المنسوخ، و((بدائع الزهور)) (٣٩٢/٢).
(٤) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٠٠/٢).
٤٥١

سنة سبع وستين وثمانمائة
• في ربيع الآخر وقع بمكّة سيلٌ عظيم حتى دخل المسجد الحرام، وارتقى
الماء إلى نحو قفل باب الكعبة(١).
· وفي حدودها توفي بُرهان الدِّين أبو إسحاق إبراهيم بن التَّاج
عبد الوهاب بن عبد السلام بن عبد القادر البغدادي الحنبلي (٢).
ولد في ثالث ذي الحجّة سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وقرأ على علماء
عصره، وجدَّ، واجتهد، حتى صار إماماً، عالماً، مُحَدِّثاً، زاهداً، يُشار إليه
بالبنان .
• وفيها أبو بكر (٣) بن محمد بن إسماعيل بن علي القَلْقَشَنديّ المقدسي
الشافعي (٤).
كان إماماً، عالماً، عاملاً، مُحَدِّثاً، فقيهاً.
توفي ببيت المقدس جمادي الآخرة عن بضع وثمانين سنة.
· وفيها أبو السُّعادات [سعد] بن محمد بن عبدالله بن سعد النَّابلسي الأصل
المقدسي (٥) نزيل القاهرة الحنفي.
(١) ذكر هذا الخبر بأطول مما هنا السّخاوي في ((الذيل التام على دول الإِسلام)) (٩٦/٢) من المنسوخ.
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٧٣/١) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٨) و((السحب الوابلة)
ص (٢٩).
(٣) قال الأستاذ الزركلي في ((الأعلام)) (٦٩/٢): ((ويسمى عبدالله)).
(٤) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٦٩/١١) و((الذيل التام)) (٩٨/٢) من المنسوخ.
(٥) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٤٩/٣) و((الذيل التام)) (٩٨/٢) من المنسوخ و«الأعلام)) (٨٧/٣)
وما بين الحاصرتين مستدرك منها، ويعرف ((بابن الدَّيري)).
٤٥٢

كان إماماً، عالماً(١)، عَلَّمَةً، شيخ مذهب النُّعمان في زمنه.
توفي في ربيع الآخر عن نحو مائة سنة.
• وفيها تقريباً زين الدِّين أبو عبدالله بلال بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم
القَادري (٢) الحنبلي الفقيه الإِمام العالم.
· وفي حدودها شمس الدِّين محمد بن عبد الله المتبولي الحنبلي، المشهور
بابن الرزّاز(٣).
كان إماماً، عالماً، فقيهاً.
(١) لفظة (عالماً) سقطت من ((ط)).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٨/٣) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٨) و((السحب الوابلة))
ص (١٤٥).
(٣) ترجمته في ((النهج الأحمد)) الورقة (٤٩٨).
٤٥٣

سنة ثمان وستين وثمانمائة
فيها توفي قاضي القضاة عَلَم الدِّين صَالح بن شيخ الإِسلام سِرَاجِ الدِّين
عمر البُلْقيني (١) الشافعي الإِمام العَلّمة.
قال السيوطي في ((حسن المحاضرة)): وهو شيخنا حامل لواء مذهب
الشافعي في عصره.
ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وأخذ الفقه عن والده وأخيه، والنحو عن
الشَّطَّنَوْفي، والأصول عن العزّابنِ جَمَاعة. وسمع على أبيه ((جزء الجمعة)) وختم
((الدلائل)) وغير ذلك، وعلى الشُّهَاب ابن حِجي ((جزء ابن نجيد)) وحضر عند
الحافظ أبي الفضل العِرَاقي في الإِملاء، وتولى مشيخة الخشابيّة والتفسير بالبَرْقُوقية
بعد أخيه، وتدريس الشريفيّة بعد القمني، وتولى القضاء الأكبر سنة ست وعشرين
بعزل الشيخ ولي الدِّين، وتكرّر عزله وإعادته، وتفرَّد بالفقه، وأخذ عنه الجمُّ
الغفير، وألحق الأصاغر بالأكابر والأحفاد بالأجداد، وألّف ((تفسير القرآن)» وكَمَّل
((التدریب) لأبيه وغير ذلك.
قرأت عليه الفقه، وأجازني بالتدريس، وحضر تصديري، وقد أفردت
ترجمته بالتأليف.
ومات يوم الأربعاء خامس رجب. انتهى.
• وفيها جمال الدِّين عبدالله بن أبي بكر بن خالد بن زُهرا الحمصي
الحنبلي (٢) الإِمام العَلَّامة.
(١) ترجمته في ((الدليل الشافي)) (٣٥١/١) و((معجم الشيوخ)) لابن فهد ص (٣٥٧) و((الضوء اللامع))
(٣١٢/٣) و((حسن المحاضرة)) (٤٤٤/١).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٥/٥) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٨).
٤٥٤
%

قرأ ((الفروع)) على ابن مغلي، وله عليه ((حاشية)) لطيفة. وقرأ ((تجريد
العناية)) على مؤلَّفه القاضي علاء الدِّين بن اللحّام، والأصول له أيضاً. وأخذ عن
عَمِّه القاضي شمس الدِّين، وعلماء دمشق. وكان من أكابر الفضلاء.
وتوفي في هذه السنة عن أكثر من مائة سنة.
، وفيها أبو الحسن علي بن سُودون البَشْبَغَاوي القاهري الحنفي(١) الإِمام
العَلامة.
أخذ عن علماء عصره، وتَفَنَّن في العلوم، وكان مملقاً فأخذ في رواج أمره
بالمجون، ويقال: إنه أول من أحدث خيال الظلِّ، وألف كتاباً حافلاً صدَّره ((نظمٍ
فائق في مديح المصطفى (وَل﴿)) وغيره وعجزه خرافات، ويقال: إن والده كان قاضياً
بمصر، وأنه سمع بأن ولده تعاطى التمسخر مع الأراذل تحت قلعة دمشق، فأتى
إلى الشام، ووقف على حلقة فيها ولده يتعاطى ذلك فلما رأى والده أنشد:
بَأنْ أَكُن قاضي البَلَدْ
قَدْ كَانَ يَرجُو والدي
مَا تَمَّ إلّ مَا يريدُ فَلْيَعْتَبرِ مَنْ لَهُ وَلَدْ
وبالجملة فقد كان من أعاجيب الزمان.
وتوفي بدمشق في رجب عن ثمان وخمسين سنة.
• وفيها السيد يحيى بن السيد بهاء الدِّين الشّرواني الحنفي الصوفي
الخَلْوَتي(٢).
قال في ((الشقائق)): ولد بمدينة شماخي، وهي أمُّ مدائن ولاية شروان، وكان
أبوه من أهل الثروة، وكان هو صاحب جمال وكمال، يلعب بالصّولجان، فبينا هو
يلعب فيه إذ مرَّ عليه الشيخ بيرزاده [ابن الشيخ الحاج عزّ الدِّين] الخَلْوَتي، فلما
رأى أدبه وجماله دعا له بالفوز بطريق الصُّوفية [فرأى السيد يحيى في تلك الليلة
واقعة تغيّرت بها أحواله]، فالتجأ المترجم إلى خدمة الشيخ صدر الدِّين الخَلْوَتي،
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٢٩/٥).
(٢) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (١٦٤ - ١٦٥) وما بين الحاصرتين مستدرك منه.
٤٥٥

ولازم خدمته، فكره والده ذلك لدخوله الخلوة مع الصُّوفية مع هذا الجمال، وأنكر
على الشيخ صدر الدِّين [أيضاً] لإِذنه له في ذلك، ونصح ولده فلم ينفع، حتى
قيل: إنه قصد إهلاك الشيخ صدر الدِّين. واتفق أن السيد يحيى لم يحضر
الجماعة في صلاة العشاء لاشتغاله بالتنور، وكان الوقت بارداً، فدخل الشيخ بيته
من كوة الدار، وأخذ بيده، وقال: قم يا ولدي، فقال له والده: لأي شيءٍ دخل
شيخك من الكوة ولم يدخل من الباب، وأنت تعتقد أنه متشرع، فقال: خاف من
الشوك في الطريق، فقال: وأي شوك هو؟ قال: إنكارك [عليه] فعند ذلك زال
إنكاره، ولازم أيضاً خدمة الشيخ المذكور، ثم إن السيد يحيى انتقل بعد موت
شيخه من شماخي إلى بلدة باكو (١) من ولاية شروان، وتوطن هناك، واجتمع عليه
الناس، حتى زادت جماعته على عشرة آلاف(٢)، ونشر الخلفاء إلى أطراف
الممالك.
وكان هو أول من سَنَّ ذلك. وكان يقول بجواز إكثار الخلفاء لتعليم الآداب
للناس، وأما المرشد فلا يكون إلّ واحداً. وحُكي أنه لم يأكل طعاماً في آخر عمره
مقدار ستة أشهر.
وتوفي في بلدة باكو. انتهى ملخصاً.
● وفيها العزيز يوسف بن الأشرف برسباي(٣).
توفي بالإِسكندرية في المحرم عن أربعين سنة.
، وتوفي بعده أخوه الشُّهابي أحمد (٤) عن نحو سبع وعشرين سنة في هذه
السنة أيضاً، ولم يكن بينهما ثلاثة أشهر.
(١) باكو: هي عاصمة جمهورية أذربيجان المعاصرة التي نالت استقلالها منذ فترة قريبة.
(٢) عبارة ((الشقائق النعمانية)): ((واجتمع عليه الناس مقدار عشرة آلاف)).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٠٤/١٠) و((النجوم الزاهرة)) (٣٢٦/١٦) و((الدليل الشافي))
(٧٩٩/٢).
(٤) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٤٧/١).
٤٥٦

سنة تسع وستين وثمانمائة
· فيها توفي قاضي القُضاة شِهَاب الدِّين أحمد بن الحسن(١) العباسي(٢)
السيد الحَسيب النسيب الحنبلي، الإِمام العَلَّمة.
ولد سنة خمس وتسعين وسبعمائة، وأخذ عن ابن المغلي، وابن زهر
الحمصي، وولي قضاء حماة فباشره فوق ثلاثين سنة بِعِفَةٍ وديانة. وكان يروم
الخلافة ورُبما تُكِلِّمَ له فيها، لأنه كان من ذُرِّيَّة العَبَّاس رضي الله عنه.
وكان من أهل العلم والفضل.
وتوفي بحماة في أوائل هذه السنة.
وولي قضاء حماة بعده ولد ولده قاضي القضاة محيي الدِّين عبد القادر بن
القاضي موفق الدِّين بن القاضي شِهَاب الدِّين (٣) واستمرّ بها نحو عشر سنين إلى أن
توفي رحمه الله.
· وفيها السلطان عبد الحق بن أبي سعيد المَرِّيني (٤) صاحب فاس.
توفي في رمضان.
(١) كذا في ((آ)) و((المنهج الأحمد)) مصدر المؤلف، و((السحب الوابلة)): ((أحمد بن الحسن)) وفي ((ط))
و((الضوء اللامع)): ((أحمد بن الحسين)) وقد ذكر بأن وفاته كانت سنة (٨٧٣).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٧٤/١) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٩) و((السحب الوابلة))
ص (٥٨).
(٣) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٩).
(٤) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٧/٤).
٤٥٧

سنة سبعين وثمانمائة
• فيها توفي بُرهان الدِّين إبراهيم بن أحمد بن ناصر بن خليفة المقدسي
الشافعي الناصري البَاعُوني الدمشقي(١)، الإِمام العالم العَلّمة.
توفي في ربيع الأول عن بضع وتسعين سنة.
• وتوفي بعده في رمضان هذه السنة أخوه شمس الدِّين محمد بن أحمد(٢)
الإِمام العالم النّاظم النّاثر.
· وفيها شِهَاب الدِّين أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى المنوفي
الشافعي، المعروف بابن أبي السعود(٣).
كان إماماً، فاضلاً، عالماً.
توفي بطيبة في شوال عن ست وخمسين سنة.
· وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكربن زيد
الحنبلي (٤) الإِمام العَلّمة النحوي المُفَسَّرِ المُحَدِّث.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٦/١) و((معجم الشيوخ)) لابن فهد ص (٣٨) و((الدليل الشافي))
(٧/١) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٧/١).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١١٤/٧).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٣١/١) و((التحفة اللطيفة)) (١٦١/١).
(٤) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٧١/٢) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٩).
٤٥٨

قال العُلَيمي: اعتنى بعلم الحديث كثيراً، ودأب فيه، وكان أستاذاً في
العربية، وله يد طولى في التفسير، وانتفع به الناس، وكان يقرأ على الشيخ
علي ابن زَكْنُون(١) ((ترتيب مسند الإِمام أحمد)) له وكذلك غيره من كتب الحديث.
وكان أستاذاً في الوعظ، وله كتاب خطب في غاية الحسن، وتوفي في سلخ
صفر.
· وفيها بيرنصع بن جهان شاه بن قرا يوسف بن قرا محمد التركماني(٢)
صاحب بغداد.
توفي في ثاني ذي القعدة.
• وفيها أبو الفضل عبد الرحمن بن علي بن عمر بن علي الأنصاري
الأندلسي ثم القاهري الشافعي، المعروف بابن المُلَّقَّن(٣).
(١) هو الإمام العلامة المُحَدِّث المفسّر الفقيه الحنبلي الأصولي أبو الحسن علي بن الحسين بن عُرْوَة
المشرقي، ويعرف بابن زكنون أيضاً.
ولد قبيل سنة (٧٦٠) ونشأ في ابتداء أمره جَمَّالاً، ثم أعرض عن ذلك، وحفظ القرآن، وتفقه،
وأخذ العلم عن طائفة كبيرة من العلماء الأعلام. وانقطع إلى الله تعالى في مسجد القدم بآخر أرض
القبيات ظاهر دمشق يؤدّب الأطفال به احتساباً، مكباً على الاشتغال بما یعنیه. وحصلت له شدائد
ومحن كثيرة فصبر واحتسب، وكانت له عناية بتحصيل نفائس الكتب وبالجمع، حتى إنه رتب
(مسند الامام أحمد بن حنبل)) - الذي أشار إليه المؤلف - على أبواب البخاري، وشرحه في مائة
وعشرين مجدداً، طريقته فيه أنه إذا جاء لحديث الإفك مثلاً يأخذ نسخة من شرحه للقاضي عياض
فيضعها بتمامها، وإذا مرَّت مسألة فيها تصنيف مفرد لابن القيم أو لشيخه شيخ الإسلام ابنٍ تَّيْمِيَّة أو
غيرهما وضعه بتمامه، فكان كتابه من أهم المصادر التي نقلت عنها رسائل ابن تيمية ومصنفاته التي
أتلفت أو أحرقت على أيدي خصومه وأعوانهم. مات بمنزله في مسجد القدم سنة (٨٣٧) وصلِّي
عليه هناك قبل الظهر ودفن في حديقة المسجد، وقد أوقف من كتبه الكثير على مدرسة الشيخ أبي
عمر المقدسي في الصالحية قرب دمشق وهي يومئذ من أحاسن المكتبات الإِسلامية، وقد تقدمت
ترجمته في ص (٣٢٣ - ٣٢٤) من هذا المجلد، فلتراجع هناك.
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٢/٣) وفيه: ((بير بضع)).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٠١/٤) و((الذيل التام على دول الإِسلام)) (١١١/٢) من المنسوخ.
٤٥٩

كان إماماً، علّمة.
توفي في شوال عن ثمانين سنة. قاله في ((ذيل الدول)).
· وفيها القاضي نور الدِّين أبو الحسن علي بن شِهَاب الدِّين أحمد
الشّيشيني الحنبلي (١) الإِمام العَلامة.
قال العُلَيمي: كان من أهل العلم، فقيهاً، مفتياً باشر نيابة الحكم بالدِّيار
المصرية، وكان يكتب على الفتوى كتابة جيدة، وأفتى في خلع الحيلة إن العمل
على صحته ووقوعه، ورأيت خطه بذلك، وتقدم نَظِيرُ ذلك في ترجمة ابن نصر الله
البغدادي. انتهى ملخصاً.
· وفيها ملك صنعاء عامر بن طَاهر العَدَني اليَمَاني (٢).
• وفيها قاضي القضاة نظام الدِّين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مُفلح
الرَّاميني المقدسي ثم الصالحي الحنبلي(٣) الإِمام العلامة الواعظ الأستاذ.
ولد ظناً سنة ثمانين وسبعمائة، فإن له حضوراً على الشيخ الصَّامت سنة أربع
وثمانين، وسمع من والده، وعمه الشيخ شرف الدِّين، وجماعة، وحضر عند ابن
البُلقيني، وابن المغلي، وغيرهما من الأئمة. وكان رجلاً دَيّاً يعمل الميعاد يوم
السبت بكرة النهار على طريقة والده، وقرأ ((البخاري)) على الشيخ شمس الدِّين بن
المحبّ، وأجازه، وباشر نيابة الحكم بدمشق مدة، ثم استقلّ بالوظيفة بعد عزل
ابن الحَبَّال سنة اثنتين وثلاثين، واستمرَّت الوظيفة بينه وبين العزّ البغدادي دولاً إلى
أن مات البغدادي، وتوفي المترجم بصالحية دمشق ودفن بالرّوضة قريباً من والده
وجده .
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٨٧/٥) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٩).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٦/٤) وانظر ((طبقات صلحاء اليمن)) ص (١٧٢).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٦٦/٦) و((القلائد الجوهرية)) (٨٧/١) و((السحب الوابلة))
ص (٣١٥).
٤٦٠