Indexed OCR Text
Pages 281-300
وتسعين، وجرت له كائنة مع الباعوني هو والغزّي وغيرهما، فضربهم وطوّفهم، وسجنوا بالقلعة، وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين، ثم حجَّ سنة تسع وتسعين، وجاور وولي قضاء حماة مرتين، ثم قضاء الشام مراراً. وقال في ((المنهل)): ثم طُلب لقضاء الدِّيار المصرية فامتنع، ولما كانت دولة الأشرف برسباي طلبه إلى الديار المصرية وخلع عليه باستقراره في كتابة السرِّ في حادي عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وباشر ذلك بتجمُّل وحُرْمَةٍ وافرةٍ وعدم التفات إلى رفقته من مباشري الدولة، فعمل عليه بعضهم حتّى عُزِلَ وأخرج من القاهرة على وجه شنع في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين إلى دمشق، ثم جهّز إليه تقليد بقضاء دمشق، فباشر، وكان حاكماً، صارماً، مقداماً، رئيساً، فاضلاً، ذا حُرْمَةٍ وإحسان لأهل العلم والخير، واستمر قاضياً إلى أن قتل ببستانه في النِّيْرَب خارج دمشق، ولم تدر زوجته إلّ وهو يضطرب في دمه، وذلك في ليلة الأحد مستهل ذي القعدة ولم يعرف قاتله. • وفيها فتح الدِّین عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي بن أيوب بن محمود بن ختلو الحلبي ابن الشّحنة(١) أخو العَلَّمة محبّ الدِّين الحنفي. كان أصغر سناً من أخيه، واشتغل كثيراً في الفقه، وناب عن أخيه في الحكم، ثم تحوّل بعد الفتنة العظمى مالكياً، وولي القضاء، ثم عزل، وحصل له نكدً لاختلاف الدول، ثم عاد إلى القضاء مراراً. قال القاضي علاء الدِّين الحلبي: رافقته في القضاء، وكان صديقي وصاحبي وعنده مروءة وحشمة، وأنشد له من نظمه: وَتَوالَتْ لأجْلِهِ لا تَلَومُوا الْغَمَامَ إِنْ صَبَّ دَمْعَاً الأَنْوَاءُ ٥٤ فَبَكَتْ رَحْمَةُ عَلَيْنَا السَّماءُ فَاللَّيَالِي أَكْثَرْنَ فينا الرَّزَايَا (١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٥٠/٤) و((إنباء الغمر)) (١٢٨/٨). ٢٨١ • وفيها تاج الدِّين أبو عبدالله محمد بن المُحَدِّث عماد الدِّين إسماعيل بن محمد بن نصر بن بَرْدس بن رسلان البعلبكي الحنبلي(١). ولد يوم السبت تاسع عشري جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبعمائة ببعلبك، وسمع من والده، وأسمعه أيضاً من عدة، منهم أبو عبدالله بن الخبّاز. سمع منه ((صحيح مسلم)) و((جزء ابن عَرَفة)) وهو آخر من حَدَّث عنه. وسمع من أبي عبدالله محمد بن يحيى بن السعر جميع ((مسند الإِمام أحمد)) وتفرَّد برواية ((المسند)) عنه ومن ابن الجوخي، وابن أميلة، وجماعة من أصحاب ابن البخاري، وحَدَّث، ورحل الناس إليه، وانتفع به جماعة، منهم الشيخ تقي الدِّين بن قندس، وكان ملازماً للأشغال في العلم ورواية الحديث، ولا يخلّ بتلاوة القرآن، مع قراءته لمحفوظاته، وكان طلق الوجه، حسن الملتقى، كثير البشاشة، ذا فكاهة ولين، مع عبادة وصلاح وصلابة في الدِّين، مبالغاً في حُبِّ الشيخ تقي الدِّين بن تَيْمِيَّة، وكان كثير الصَّدقة سِرَّاً، ملازماً لقيام الليل، وله نظم ونثر، ومن نظمه ما كتب على استدعاء إجازته لجماعة : مَوْلاهُمُ رَبُّ العُلَى فِي الأَثَرِ أَجَزْتُ للإِخْوانِ مَا قَدْ سَأَلُوا أَثَّمِةُ النَّقْلِ رُوَاةُ الْأَثَرِ وَذَاكَ بالشَّرطِ الَّذِي قَرَّرَهُ وتوفي ببعلبك في شوال. · وفيها بدر الدِّين محمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقي الأصل البشتكي(٢) . كان أبوه فاضلاً، فنزل بخانقاه بشتاك الناصري، فولد له بدر الدِّين هذا بها، وكان جميل الصُّورة، فنشى مُحِبّأ في العلم، وحفظ القرآن وعدة مختصرات، وتعانى الأدب فَمَهَرَ فيه، ولازم ابن أبي حَجَلَة، وابن الصّايغ، ثم قدم ابن نُبَاتة فلازمه، ثم رافق جلال الدِّين بن خطيب داريًّا، وأخذ عن البهاء السُّبكي وغيره. (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٣٣/٨) و((الضوء اللامع)) (١٤٢/٧) و((السحب الوابلة)) ص (٣٦٤). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٣٢/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٧٧/٦). ٢٨٢ قال ابن حجر: وبالجملة، كان عديم النظير في الذكاء وسُرْعَة الإِدراك، إلا أنه تبلّد ذهنه بكثرة النسخ. سمعت منه كثيراً من شعره وفوائده. ومن نظمه : فَزْعْتُ إِلَى الْمُدَامَةِ وَالنَّدِيْمِ وَكُنْتُ إِذَا الْحَوادِثُ دَنَّسْتي لأَنَّ الرَّاحَ صَابُونُ الهُمُوم لَغْسِلَ بالكُؤْوْسِ الهَمَّ عَنِّي وكانت وفاته فجأة داخل (١) الحَمّام فمات في الحوض يوم الاثنين ثالث عشري جمادى الآخرة. • وفيها شمس الدِّين محمد بن خالد بن موسى الحِمصي القاضي الحنبلي (٢) المعروف بابن زَهْرَة - بفتح الزاي - أول حنبلي ولي قضاء حمص. كان أبوه خالد شافعياً، فيقال إن شخصاً رأى النَّبِّ ◌َ﴿ وقال له: إن خالداً ولد له ولد حنبلي، فاتفق أنه كان ولد له هذا، فشغّله لما كبر بمذهب الحنابلة. وقرأ على ابن قاضي الجبل، وزين الدِّين بن رجب، وغيرهما، وولي قضاء حمص. • وفيها تقي الدِّين محمد بن عبد الواحد بن العماد محمد بن القاضي علم الدِّين أحمد بن أبي بكر الأخنائي (٣) المالكي نائب الحكم. قال ابن حجر: كان من خيار القُضاة. مات في سادس ذي الحجّة بمكة، وكان قد جاور بها(٤) في هذه السنة. انتھی . · وفيها محيي الدِّين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن (١) في ((ط)): ((دخل)). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٣٤/٨) و((السحب الوابلة)) ص (٣٧٨). (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٣٥/٨) و((الضوء اللامع)) (١٣٢/٨). (٤) في ((١)): ((وكان قد جاور بمكة)). ٢٨٣ محمد بن محمد بن محمد بن الإِمام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغَزَّالي الشافعي الطَّسي(١). قدم من بلاده إلى حلب في شهر رمضان من هذه السنة بعد أن كان دخل الشام قديماً، وسمع من مسند الوقت ابن أميلة، وحَدَّث عنه في هذه القَدْمَة. قال في ((ذيل تاريخ حلب)): رأيت أتباعه يذكرون عنه علماً كثيراً، وزُهداً، وورعاً، وأخبر عنه بعض الطلبة أنه حجَّ مراراً، منها واحدة ماشياً علي قدم التجريد، وكان معظّماً في بلاده، وأخذ عنه إبراهيم بن علي الزَّمْزَمي المَكَي. وتوفي بحلب في العشر الأخير من شهر رمضان، وكانت جنازته مشهودة. انتهى، والله أعلم. (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٣٥/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٨٩/٩). ٢٨٤ سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة ، فيها ولد السَّخاوي تلميذ ابن حجر. • وفيها توفي شمس الدِّين محمد بن أحمد بن موسى بن عبدالله الكفيري (١) الشافعي العَجْلُوني الأصل ثم الدمشقي(٢). ولد في العشر الأول من شوال سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وحفظ ((التنبيه)) وأخذ عن ابن قاضي شهبة وغيره، ولازم الشيخ شمس الدِّين الغَزِّي مدة طويلة، واشتُهر بحفظ الفروع، وكتب بخطه الكثير، وناب في الحكم، وولي بعض التداريس، وحجَّ مراراً، وجاور، وولي مرة قضاء الركب، وجمع شرحاً على ((البخاري)) في ست مجلدات. وكان قد لخص شرح ابن الملقن، وشرح الكرماني، ثم جمع بينهما، وسمع على ابن أميلة، وابن قواليح(٣) وابن المحبّ، وابن عوض، وخلائق وصنَّف ((عين النّبيه في شرح التنبيه)) واختصر ((الروض الأنف)) للسهيلي وسماه «زهر الروض)). وتوفي في ثالث عشر المحرم. • وفيها تاج الدِّين أبو حامد محمد بن بهادر بن عبدالله (٤). (١) في ((آ)): ((الكفري)). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٦٠/٨) و((الضوء اللامع)) (١١١/٧). (٣) في ((ط)): ((ابن قوالح)). (٤) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٠٤/٧ - ٢٠٥). ٢٨٥ قال البُرْهَان البُقَاعي: الإِمام العَلَّمة القُدوة سبط ابن الشهيد. کان یعرف علوماً كثيرة، ويحلّ أي کتاب قرىء علیه سواءً كان عنده له شرح أم لا، وكان فصيحِ العبارة، حسن التقرير، صحيح الذّهن، ديناً، شديد الانجماع عن الناس، مع خِفّة الروح، ولطافة المزاج، والصّبر على الطلبة، وعدم الميل إلى الدنيا، وكثرة التلاوة لكتاب الله تعالى، وإيثار العُزْلَة والانقطاع في الجامع، مع التجمل في اللباس والهيئة. وتوفي صبح يوم الثلاثاء تاسع شهر رمضان بدمشق عن ثلاث وثلاثين سنة، ولم أرَ جنازة أحفل من جنازته، ووالله لم يحصل لي بأحد من النفع ما حصل لي به. انتهى ملخصاً. • وفيها شمس الدِّين محمد بن عبد الدائم بن عيسى بن فارس البرماوي الشافعي(١). ولد في نصف ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وكان اسم والده فارساً فغيّره البرماوي، وتفقه وهو شاب، وسمع من إبراهيم بن إسحاق الآمدي، وعبد الرحمن بن علي (٢) القارىء، وغيرهما. قال الحافظ تاج الدِّين بن الغرابيلي الكَرَكي ما نصه: هو أحد الأئمة الأجلاء، والبحر الذي لا تُكَدِّره الدِّلاء، فريد دهره ووحيد عصره، ما رأيت أقعد منه بفنون العلوم، مع ما كان عليه من التواضع والخير، وصنّف التصانيف المفيدة، منها (شرح البخاري)) شرح حسن، ولخص ((المهمات)) و((التوشيح)) ونظم ((ألفية)) في أصول الفقه لم يسبق إلى مثل وضعها وشرحها شرحاً حافلاً نحو مجلدين، وكان يقول: أكثر هذا الكتاب هو جملة ما حصلت في طول عمري، وشرح («لامية ابن مالك)) شرحاً في غاية الجودة، واختصر ((السيرة)) وكتب الكثير، وحشّی الحواشي المفيدة، وعلّق التعاليق النّفيسة والفتاوى العجيبة، وكان من عجائب دهره . (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٦١/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٨٠/٨). (٢) لفظة ((علي)) سقطت من ((ط)). ٢٨٦ جاور بمكة سنة، ثم قدم إلى القاهرة، فوافى موت شيخنا شمس بن عطا الهَرَوي، فولِّي الصَّلَاحية، وقدم القدس، فأقام بها قريب سنة غالبها ضعيف بالقرحة(١) . وتوفي بها يوم الخميس ثامن عشري أحد الجمادين، ودُفن بتربة ماملا بجوار الشيخ أبي عبدالله القُرَشي. انتهى . وكان بينه وبين ابن حجر نوع وقفة، والله أعلم. (١) في ((آ)): ((بالقرية)). ٢٨٧ سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة ● فيها توفي أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكربن عبد الوهاب المُرْشدي المَكِّي(١) أخو محمد، وعبد الواحد. قال ابن حجر: ولد سنة ستين وسبعمائة، وسمع من محمد بن أحمد بن عبد المعطي ((صحيح ابن حِبَّان)) ومن عبدالله بن أسعد اليافعي ((صحيح البخاري)) ومن عزّ الدِّين بن جَمَّاعة وغيرهم، وأجاز له الصَّلاح ابن أبي عمر، وابن أميلة، وابن هبل، وابن قواليح، وغيرهم، وحَدَّث. وتوفي بمكّة يوم الخميس رابع ذي القعدة. · وفيها شِهَابُ الدِّين أبو العَبَّاس محمد بن عمر بن أحمد، وقيل عبدالله، المعروف بالشَّاب التائب الشافعي(٢). قال في ((المنهل الصَّافي)): الفقيه الشافعي، الواعظ المذكّر بالله تعالى. مولده بالقاهرة في حدود الستين وسبعمائة، وبها نشأ، وطلب العلم، وتفقه، ومال إلى التّصوف، وطاف البلاد، وحجّ مراراً، ودخل اليمن مرتين، والعراق، والشام، وكثيراً من البلاد الشرقية. وكان ماهراً في الوعظ، والناس فيه اعتقاد زائد، وبنى زوايا بعدة بلاد، كمصر والشام وغيرهما، واستوطن دمشق فمات بها يوم الجمعة ثامن عشر رجب. انتهى ملخصاً. (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٨٠/٨) و((الضوء اللامع)) (١٩١/١). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٨١/٨) و((الدليل الشافي)) (٦٧/١) و((الضوء اللامع)) (٥/٢) وفيها جميعاً: ((أحمد بن عمر ... )» فليحرر. ٢٨٨ • وفيها نور الدِّين علي بن عبدالله(١). قال في ((المنهل)): الشيخ الأديب المعتقد، النحريري المولد والمنشأ والدار والوفاة، الشهير بابن عامرية. كان أديباً شاعراً فاضلاً وأكثر شعره في المدائح النبوية. توفي بالنّحريرية(٢) في يوم الخميس سادس عشر ربيع الآخر. ، وفيها شمس الدِّين محمد بن إبراهيم بن عبدالله الشَّطَّنَوْفي(٣) - بفتح الشين المعجمة وتشديد الطاء المهملة، نسبة إلى شَطََّوْف بلد بمصر (٤) - النحوي . قال السيوطي: ولد بعد الخمسين وسبعمائة، وقدم القاهرة شاباً، واشتغل بالفقه، ومَهَرَ في العربية، وتصدّر بالجامع الطولوني في القرآآت، وفي الحديث بالشيخونية، وانتفع به الطلبة، وسمع الحديث، وحَدَّث، ولم يُرزق الإِسناد العالي، وكان كثيرَ التّواضع، مشكور السيرة. أخذ عنه النحو جماعة؛ شيخنا تقي الدِّين الشُّمُنِّي، وحدَّثنا عنه خلق، منهم شيخنا علم الدِّين البُلقيني . وتوفي ليلة الاثنين سادس عشر ربيع الأول. · وفيها الحافظ تقي الدِّين أبو الطّيب محمد بن أحمد بن علي الفَاسي ثم المَكِّي المالكي(٥) مفيد البلاد الحجازية وعالمها. (١) ترجمته في ((النجوم الزاهرة)) (١٥٣/١٥) و((الدليل الشافي)) (٤٥٩/١) و((الضوء اللامع)) (٢٥٤/٥). (٢) النحريرية: بلدة بمصر. انظر ((تحفة السَّنية)) ص (٧٠). (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٨٧/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٥٦/٦) و((بغية الوعاة)) (١٠/١ -١١). (٤) شطنوف: بلدة بمصر. انظر ((التحفة السَّنية)) ص (١٠٦). (٥) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٨٧/٨) و((العقد الثمين)) (٣٣١/١) و((الدليل الشافي)) (٥٨٥/٢) و((الضوء اللامع)) (١٨/٧). ٢٨٩ ولد سنة خمس وسبعين وسبعمائة، وأجاز له بإفادة الشيخ نجم الدِّين المرجاني ابن عوض، وابن السلّار، وابن المحبّ، وجماعة من الدماشقة، وعُنِيَ بالحديث، فسمع بعد التسعين من جماعة ببلده، ورحل إلى القاهرة والشام مراراً، وولي قضاء بلده للمالكية، وهو أول مالكي ولي القضاء بها استقلالاً، وصنَّف ((أخبار مكة)) و((أخبار ولاتها)) و((أخبار من نبل بها من أهلها وغيرهم)) عدة مصنَّفات طوال وقصار، وذيَّل على ((العبر)) للذهبي، وعلى ((التقييد)) لابن نقطة، وعمل ((الأربعين المتباينة)) و((فهرست مروياته)) وكان لطيف الذات، حسن الأخلاق، عارفاً بالأمور الدينية والدنيوية، له غورٌ(١) ودهاء، وتجربة وحسن عِشْرَة، وحلاوة لسان، يجلب(٢) القلوب بحسن عبارته ولطيف إشارته. قال ابن حجر: رافقني في السماع كثيراً بمصر، والشام، واليمن، وغيرها، وكنت أوده وأعظمه وأقوم معه في مهماته، ولقد ساءني موته وأسفت على فقد مثله، فللَّه الأمر، وكان قد أصيب ببصره، وله في ذلك أخبار، ومكن من قدحه فما أطاق ذلك ولا إفادة. انتهى . ومن مصنَّفاته ((العقد الثمين في أخبار البلد الأمين))(٣) و((غاية المرام في أخبار البلد الحرام)». وتوفي بمكة في رابع شوال. · وفيها ناصر الدِّين محمد بن عبد الوهاب بن محمد البارنباري - بالباء الموحدة، وبعد الألف راء، ثم نون، ثم موحدة، نسبة إلى بارنبار قرية قرب دمياط - الشافعي النحوي (٤) . (١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((تمور)) والتصحيح من ((إنباء الغمر)) مصدر المؤلف. (٢) في ((ط)): ((يخلب)). (٣) طبع في مصر على مراحل وحقق الجزء الأول منه الأستاذ الشيخ محمد حامد الفقي، والأجزاء الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع الأستاذ فؤاد سيد، والجزء الثامن د. محمود محمد الطناحي، وهي طبعة جيدة، لكنها بحاجة ماسة إلى فهارس مفصلة تلحق بها لكي يتم الانتفاع بالكتاب على أكمل وجه. (٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٨٩/٨) و((الضوء اللامع)) (١٣٨/٨) و((بغية الوعاة)) (١٦٩/١). ٢٩٠ قال السيوطي: ولد قبيل سبعين وسبعمائة، وقدم القاهرة، فاشتهر، ومَهَرَ في الفقه، والعربية، والحساب، والعروض، وغير ذلك. وتصدّر بالجامع الأزهر تبرعاً، ودرَّس وأفتى مدة، وأقرأ وخطب، وناب في الجمالية عن حفيد الشيخ ولي الدِّين العراقي، ثم انتزعها منه الشيخ شمس الدِّين البِرماوي، وأصابه فالج أبطل نصفه، واستمر موعوكاً(١) إلى أن مات ليلة الأحد حادي عشر ربيع الأول. • وفيها محمد ويُدعى الخضر بن علي بن أحمد بن عبد العزيز بن القاسم النُّويري الشافعي(٢). ولد في ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وتفقه قليلاً، وأسمع على العزّ بن جَمَاعة، وابن حبيب، وابن عبد المعطي، والأميوطي، ومن بعدهم. وأجاز له البهاء بن خليل، والجمال الإِسنوي، وأبو البقاء السُّبكي، وغيرهم، وناب في الحُكم عن قريبه عزّ الدِّين بن محبّ الدِّين. وولي قضاء المدينة مدة يسيرة، ولم يصل إليها، بل استناب ابن المَطَري، وصرف، وكان ضخماً جداً، وانصلح بأخرةٍ، وهو والد أبي اليمن خطيب الحرم. وتوفي في رابع عشر ذي الحجّة. * (١) في ((آ)) و((ط)): ((موعكاً) وما أثبته من ((بغية الوعاة)) مصدر المؤلف. (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٨٩/٨) و((الضوء اللامع)) (١٦١/٨). ٢٩١ سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة · فيها كما قال البرهان البُقَاعي أخبرني الفاضل البَارع بدر الدِّين حسين البيري الشافعي أنه سكن آمِدَ مدة وأنها أمطرت بها ضَفَادع، وذلك في فصل الصيف، وأخبرني أن ذلك غير مُنكر في تلك الناحية بل هو أمر معتاد، وأن الضفادع تستمر إلى زمن الشتاء فتموت، وأخبرني أن أهل المدينة وهي آمِدَ أخبروه أنها أمطرت عليهم مَرَّة حَيَّات ومرة أخرى دماً. انتهى. ● وفيها كان الغلاء الشديد بحلب ودمشق، والطّاعون المُفْرطُ بدمشق، وحمص، ومصر، حتى قال ابن حجر(١) ركب أربعون نفساً مركباً يقصدون الصعيد، فما وصلت إلى المَيْمُون(٢) حتى مات الجميع، وأن ثمانية عشر صيَّاداً اجتمعوا في مكان، فمات منهم في يوم واحد أربعة عشر، فجهّزهم الأربعة، فمات منهم وهم مُشَاة ثلاثة، فلما وصل بهم الآخر إلى المَقْبرة مات. انتهى. • وفيها مات صاحب الحَبَشَة إسحاق بن داود بن سيف أرغد الحبشي الأمحري(٣). توفي في ذي القعدة، وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة. وأقيم بعده ولده أندراس، فملك أربعة أشهر وهَلَكَ، فأقيم عَمّه خرنباي بن (١) انظر ((فتح الباري)) (٢٠٠/٨). (٢) الميمون: قرية جبلية بالصعيد الأدنى قرب الفسطاط على غربي النيل. انظر ((معجم البلدان)) (٢٤٥/٥) و((التحفة السنية)) ص (١٤١). (٣) ترجمته في (إنباء الغمر)) (٢٠٩/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٧٧/٢) و((الدليل الشافي)) (١١٦/١). ٢٩٢ داود فهلك في سبعة أشهر، فأقيم سلمون بن إسحاق بن داود المذكور فهلك سريعاً، فأقيم بعده صبيٍّ صغير إلى أن هلك في طاعون سنة تسع وثلاثين. وفيها صَارم الدِّين إبراهيم بن ناصر الدِّين بن الحسام الصّقري(١). نشأ طالباً للعلم، فتأدب، وتعلُّم الحساب والكتابة، والأدب والخط البارع، وولي حسبة القاهرة في أواخر أيام المؤيد. وتوفي مطعوناً في ثامن عشر جمادى الآخرة. · وفيها زين الدِّين أبو بكر بن عمر بن عرفات القِمَني الشافعي (٢) الشيخ الإِمام العالم. ولد بناحية قِمَن من ريف مصر(٣). وقدم القاهرة، وتفقّه بها على جماعة من علماء عصره (٤وبَرَع في المذهب٤) وصحب أعيان الأمراء فأثرى بعد فقر، وتولى تدريس الصلاحية بالقدس الشريف، ودرَّس بعدة مدارس، وكتب على الفتاوى، واشتغل. وتوفي ليلة الجمعة ثالث عشر رجب عن نحو ثمانين سنة. • وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن علي بن إبراهيم بن عدنان الشَّريف الحُسَيني الدمشقي الأصل والمولد والمنشأ المصري الوفاة الشافعي (٥). ولد في سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ومع والده نقابة الأشراف بدمشق(٦). (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٠٥/٨) و((الضوء اللامع)) (١٥٧/١). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٠٩/٨) و((الضوء اللامع)) (٦٣/١١). (٣) قال ياقوت في ((معجم البلدان)) (٣٩٨/٤): قِمن: بكسر أوله، وفتح ثانيه، وآخره نون، بوزن سِمَن، كذا ضبطه الأديبي وأفاد فيه المصريون، قرية من قرى مصر نحو الصعيد. وانظر ((التحفة السنية) ص (١٤٥). (٤ - ٤) ما بين الرقمين سقط من ((آ)). (٥) ترجمته في (إنباء الغمر)) (٢٠٦/٨) و((الضوء اللامع)) (٥/٢) و((الدليل الشافي)) (٦٢/١). (٦) لفظة ((بدمشق)) سقطت من ((ط)). ٢٩٣ (١ قال ابن حجر: وكان فيه جُراءة وإقدام، ثم ترقّى بعد موت أبيه، فولي نقابة الأشراف بدمشق١) ثم كتابة السِّرِّ في سلطنة المؤيد، ثم ولي القضاء بدمشق في سلطنة الأشرف. انتهى. وقال في ((المنهل)): تفقه على مذهب الشافعي، وولي بدمشق عدة وظائف سنية، وتكرّر قدومه إلى القاهرة، إلى أن طلبه الأشرف برسباي إلى الديار المصرية، وولّه كتابة سِرِّها فباشرها مباشرة حسنة، وسار فيها أجمل سيرة، على أنه لم تطل أيّامه، فإن قدومه إلى القاهرة كان في ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين. وتوفي ليلة الخميس ثامن عشري جمادى الآخرة بالطَّاعون. وتولى كتابة السُّرِّ من(٢) بعده أخوه أبو بكر الملّقب عماد الدِّين ولم تطل أيامه فمات ليلة الجمعة ثالث عشر رجب من هذه السنة بعد أخيه بستة عشر يوماً، وكان(٣) قدم مصر لزيارة أخيه فطعن ومات. • وفيها شِهَابُ الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن علي بن محمد بن عبدالله بن علي بن حاتم، الشيخ الإِمام الرّحلة، قاضي القُضَاة ابن الحَبَّالِ الْبَعْلي الحنبلي (٤) . ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وتفقه، وسمع الحديث، وولي قضاء طرابلس، ثم قضاء دمشق سنة أربع وعشرين وثمانمائة، إلى أن صُرِفَ سنة اثنتين وثلاثين في شعبان بسبب ما اعتراه من ضعف البصر والارتعاش، وكان مع ذلك كثير العبادة، ملازماً على الجمعة والجماعة، منصفاً لأهل العلم. قال الشاب التائب: کان أهل طرابلس يعتقدون فیه الکمال بحیث أنه لو جاز أن يبعث الله نبياً في هذا الزمان لكان هو. (١ - ١) ما بين الرقمين سقط من ((آ)). (٢) لفظة ((من)) لم ترد في ((ط)). (٣) لفظة ((وكان)) لم ترد في ((ط). (٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٠٧/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٦/٢) و((السحب الوابلة)) ص (٨٤). ٢٩٤ وتوفي بطرابلس بعد قدومه إليها في يوم واحد، وذلك في ربيع الأول. · وفيها صدر الدِّين أحمد بن محمود بن محمد بن عبدالله القيسري، المعروف بابن العجمي الحنفي(١). ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة بالقاهرة، ونشأ بها، واعتنى به أبوه في صغره، وصلَّى بالناس التراويح بالقرآن أول ما فتحت الظاهرية سنة ثمان وثمانين وهو ابن إحدى عشرة سنة لم يُكملها، وبَرَعَ في الفقه، والأصول، والعربية، وباشر التوقيع في ديوان الإنشاء، ثم ولي الحسبة مراراً، ونظر الجوالي، وغير ذلك، إلى أن تمت له عشر وظائف نفيسة، وأفتى ودرَّس، وكان كريماً، حسن المحاضرة، متواضعاً، فصيحاً، بَحَّاثاً، طَلْقَ اللَّسان، مستحضراً، ذكياً. توفي بالطّاعون يوم السبت رابع عشر رجب. • وفيها تاج الدِّين إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن محمد التَّدمري الشافعي(٢) خطيب الخليل. قال ابن حجر: ذكر أنه أخذ(٣) عن قاضي حلب شمس الدِّين محمد بن أحمد بن المهاجر، وعن شيوخنا العراقي وابن المُلَقّن، وغيرهما. وأجاز له ابن المُلَقّن في الفقه، ومات ليلة عيد رمضان. انتهى. · وفيها أمير المؤمنين المستعين أبو الفضل العَبَّاس بن المتوكل بن المعتضد (٤) . استقر في الخلافة بعهد من أبيه في رجب سنة ثمان وثمانمائة(٥). وقرِّر أيضاً سلطاناً مع الخلافة مدة، إلى أن تسلطن المؤيد فعزله من الخلافة، وقُرِّر فيها أخاه (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٠٨/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٢٣/٢). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٠٨/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٧٦/٢). (٣) لفظة (أخذ)) سقطت من ((ط)). (٤) ترجمته في (إنباء الغمر)) (٢١٣/٨) و((الضوء اللامع)) (١٩/٤) و((تاريخ الخلفاء)) ص (٥٠٥). (٥) في ((آ): ((ثمان وثمانين)) وهو خطأ. ٢٩٥ داود، ولُقِّب المعتضد، واعتقل المستعين بالإسكندرية، فلم يزل بها إلى أن تكلّم ططر في المملكة، فأرسل في إطلاقه، وأذن له في المجيء إلى القاهرة، فاختار الاستمرار بالإسكندرية لأنه استطابها، وحصل له مال كثير من التجارة، إلى أن توفي بها شهیداً بالطّاعُون، وخلّف ولده یحیی. • وفيها جمال الدِّين عبدالله بن محبّ الدِّين خليل بن فرح بن سعيد القُدسي الأصل الدمشقي البرماوي، المعروف بالقلعي (١). قال البُرْهَان البُقَّاعي: هو شيخنا الرّبَّاني الصُّوفي العارف. كان إماماً، عارفاً، مُسَلّكاً، مربياً، قُدوةً، ذا قدمٍ راسخٍ في علم الباطن، مشاركاً في الفقه والنحو مشاركةً جيدةً، أستاذاً في علم الكلام، ذا حافظة قويَّةٍ، مفتوحاً عليه في الكلام في الوعظ، يحفظ حديثاً كثيراً ويَعزوه إلى مخِّرجيه، وله مُصَنَّفات، منها ((منار سُبُل الهُدى وعقيدة أهل التَّقى)) بحثت عليه بعضه وأقمت عنده مُدَّة بزاويته بالعُقَيبة الصُّغْرى. ومات بدمشق یوم الجمعة عاشر شهر ربيع الأول. انتهى. • وفيها نَسِيمُ الدِّين عبد الغني بن جلال الدِّين عبد الواحد بن إبراهيم المُرْشدي المَكِّي(٢). اشتغل كثيراً، ومَهَرَ وهو صغير، وأحبَّ الحديث، فسمع الكثير، وحفظ، وذاكر، ودخل الیمن، فسمع من الشیخ مجد الدِّين الفيروزأبادي، وکتب عن ابن حجر الكثير. وتوفي مطعوناً بالقاهرة. · وفيها علي بن عنان بن مُعَافِس بن رُمَيْئَة بن أبي نُمي الحُسَينِي المَكِّي الشريف(٣) . (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢١٤/٨) و((الضوء اللامع)) (١٨/٥). (٢) ترجمته في (إنباء الغمر)) (٢١٥/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٥١/٤). (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢١٦/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٧٢/٥). ٢٩٦ ولي إمرة مكّة مدة، ودخل المَغْربَ بعد عَزْلِهِ عنها فأكرمه أبو فارس متولي تونس، ثم عاد إلى القاهرة فتوفي بها مَطَعوناً في ثالث جمادى الآخرة، وكان عنده فَضِيلَةٌ ومعرفة ويُحاضِرُ بالأدب وغيره. • وفيها فاطمة بنت خليل بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح الشيخة المُسْنِدَة المُعَمّرة الحنبلية(١) الأصيلة بنت الشيخ صلاح الدِّين، وهي بنت أخي قاضي القُضاة ناصر الدِّين نصر الله بن أحمد الحنبلي. شاركت الشيخ زين الدِّين القبّاني في أكثر مروياته، وهي التي ذكرها شيخ الإِسلام ابن حجر في ((المشيخة المخرَّجة)) للقبابي التي سَمَّاها بـ ((المشيخة الباسمة)) للقَبَّابي، وفاطمة. توفيت في آخر يوم الجمعة الأول من جمادى الأولى بالقاهرة، وصلّي عليها بباب النصر ودُفِنَت هناك. • وفيها شمس الدِّين محمد بن أحمد بن سليمان الأذرعي الحنفي (٢). أخذ عن ابن الرّضي، والبدر المقدسي، وتفقه حنفياً ثم بعد اللّنك. انتقل إلى مذهب الشافعي، وولي قضاء بعلبك وغيرها، ثم عاد حنفياً، وناب في الحُكم، ودرَّس وأفتى، وكان يُقرىء ((البخاري) جيداً، ويكتب على الفتوى كتابة حسنةً بخطٍ مليحٍ، وتوجه إلى مصر في آخر عمره، فعند وصوله طُعن فمات غريباً شهيداً في جمادى الآخرة. • وفيها السلطان الصالح محمد طَطَر (٣). خلع في خامسٍ عشر ربيع الأول سنة خمس وعشرين، وأقام عند السلطان الملك الأشرف مُكَرَّماً إلى أن طُعِنَ ومات في سابع عشري جُمادي الآخرة. (١) ترجمتها في ((الضوء اللامع)) (٩١/١٢) و((أعلام النساء)) (٥٣/٤). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢١٨/٨) و((الضوء اللامع)) (٣١٣/٦). (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢١٨/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٧٤/٧) و((الدليل الشافي)) (٦٣٠/٢). ٢٩٧ • وفيها الحافظ شمس الدِّين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف، المعروف بابن الجَزَري (١) الشافعي، مقرىء الممالك الإِسلامية . ولد بدمشق ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وتفقه بها، ولهج بطلب الحديث والقرآآت وبرَّز فيهما، وعَمّر للقراء مدرسة سَمَّاها دار القرآن، وأقرأ الناس، وعُيِّنَ لقضاء الشام مرة ولم يتم ذلك العارض، وقدم القاهرة مراراً، وكان شكلاً حسناً، مثرياً، فصيحاً بليغاً، وكان باشر عند قطلبك استادار ايتمش، فاتفق أنه نَقَمَ عليه شيئاً فتهدده، ففرَّ منه، فنزل البحر إلى بلاد الرُّوم في سنة ثمان وتسعين، فاتصل بأبي يزيد بن عثمان فعظّمه وأخذ أهل البلاد عنه علم القرآآت، وأكثروا عنه، ثم كان فيمن حضر الوقعة مع ابن عثمان واللّنكية، فلما أسر ابن عثمان اتصل ابن الجَزَري باللّنك، فعظّمه وفَوَّض له قضاء شِيرَاز فباشره مدة طويلة، وكان كثير الإِحسان لأهل الحجاز، وأخذ عنه أهل تلك البلاد القرآآت والحديث، ثم اتفق أنه حَجَّ سنة اثنتين وعشرين فنُهبَ، ففاته الحجُّ، وأقام بينبع، ثم بالمدينة المنورة، ثم بمكّة إلی أن حجّ ورجع إلى العراق، ثم عاد سنة ست وعشرين، وحجَّ، ودخل القاهرة سنة سبع، فعظّمه الملك الأشرف وأكرمه، وحجَّ في آخرها، وأقام قليلاً، ودخل اليمن تاجراً فأسمع الحديث عند صاحبها ووصله، ورجع ببضاعة كثيرة، فدخل القاهرة في سنة سبع، وأقام بها مدة إلى أن سافر على طريق الشام ثم على طريق البصرة، إلى أن وصل شيراز. قال ابن حجر: وقد انتهت إليه رئاسة علم القرآآت في الممالك، وكان قديماً، صنّف ((الحصن الحصين)) في الأدعية، ولهج به أهل اليمن، واستكثروا منه، وسمعوه عَلَيَّ قبل أن يدخل هو إليهم، ثم دخل إليهم فأسمعهم، وحَدَّث بالقاهرة بـ «مسند أحمد» و «مسند الشافعي» وغير ذلك. وسمع بدمشق وبمصر من ابن أميلة، وابن الشيرجي، ومحمود بن خليفة، وعماد الدِّين ابن كثير، وابن أبي عمر، وخلائق وبالإِسكندرية، من عبد الله ابن الدَّمَاميني ، وببعلبك من أحمد بن (١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٥٥/٩) و((غاية النهاية)) (٢٤٧/٢) و((الدليل الشافي)) (٦٩٧/٢). ٢٩٨ عبد الكريم، وطلب بنفسه، وكتب الطِّبَاق، وعُنيَ بالنَّظم، وكانت عنايته بالقرآآت أكثر، وذَيّل ((طبقات القراء)) للذهبي وأجاد فيه، ونظم قصيدة في قراآت الثلاثة(١)، وجمع ((النشر في القرآآت العشر)) وقد سمعت بعض العلماء يتهمه بالمجازفة في القول، وأما الحديث فما أظن ذلك به، إلا أنه كان إذا رأى للعصريين شيئاً أغار عليه ونسبه لنفسه، وهذا أمر قد أكثر المتأخرون منه ولم ينفرد به، وكان يلقب في بلاده الإِمام الأعظم، ولم يكن محمود السيرة في القضاء، وأوقفني بعض الطلبة من أهل تلك البلاد على جزء فيه ((أربعون حديثاً)) عشاريَّات فتأملتها فوجدته خرَّجها بأسانیده من جزء الأنصاري وغيره، وأخذ كلام شيخنا العراقي في ((أربعينه العشاريات)). انتھی باختصار. وبالجملة فإنه كان عديم النَّظير، طائر الصِّيت. انتفع الناس بكتبه وسارت في الآفاق مسير الشمس. وتوفي بشيراز في ربيع الأول، ودُفن بمدرسته التي بناها بها، رحمه الله تعالى . • وفيها جَلَال الدِّين نصر الله بن عبد الرحمن(٢) بن أحمد بن إسماعيل، المعروف بالشيخ نصر الله العَجَمي الحنفي الأنصاري البُخاري الرُّوياني الكَجْوَري(٣). ولد بگجور إحدى قرى رُویان من بلاد العجم سنة ست وستين وسبعمائة تقريباً ونسبته إلى أنس بن مالك، وتجرَّد، وبَرَعَ في علم الحكمة والتصوف، وشَارَك في الفنون، وكتب الخطّ الفائق، ودخل القاهرة على قدم التجريد، وصحب الأمراء والأكابر، وحصل له قبول زائد، ونالته السعادة، وجمع الكتب النَّفيسة، وكان يتكلّم في علم التصوف على طريقة ابن عربي، وفاق في علم الحرف وما أشبهه. (١) سمّاها المترجم في كتابه ((غاية النهاية)) (٢٥٠/٢): ((الدرّة في قرآآت الثلاثة)). (٢) في معظم المصادر: ((نصر الله بن عبدالله)). (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٢٢/٨) و((الضوء اللامع)) (١٩٨/١٠) و((الدليل الشافي)) (٧٥٨/٢) و ((النجوم الزاهرة)) (١٦٥/١٥ - ١٦٦). ٢٩٩ قال ابن تغري بردي: وكانت له تصانيف كثيرة في عدة فنون، وصنع مرة للوالد خاتماً يضعه على الثعبان فيفر منه أو يموت فأعجب به الوالد إعجاباً كثيراً وأنعم عليه برزقه في برّ الجيزة نحو مائة فدان وأظنها إلى الآن وقفاً على زاويته بقرب خان الخليلي، وكانت له وجاهة في الدولة، ولم يزل وافر الحُرْمَة إلى أن. توفي بالقاهرة ليلة الجمعة سادس رجب ودُفن ببيته وأوصی أن يكون زاوية، فوقع ذلك، وفتح لها شُبَّاكٌ على الطريق بالقُرب من خان الخليلي. · وفيها القاضي تقي الدِّين يحيى بن العَلَّمة شمس الدِّين محمد بن يوسف الكَرْماني البغدادي(١). ولد في رجب سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وسمع من أبيه وغيره، ونشأ ببغداد، وتفقه بأبيه وغيره، وشارك في عدة علوم، وقدم القاهرة هو وأخوه في حدود الثمانمائة بشرح أبيهما على ((البخاري)) فابتهج الناس به، وكتبت منه نسخ عديدة، وعَرَف تقي الدِّين هذا بالفضيلة، وتقرَّب غاية التقرب من السلطان شيخ في حال إمارته وسلطنته، وكان عالماً فاضلاً، شرح ((البخاري) و((مسلم)) واختصر ((الرَّوض الأَنُف)). وله مصنَّف في الطب وغير ذلك. وتوفي بالقاهرة في الطَّاعون يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة. قاله في ((المنهل)). • وفيها نِظَامُ الدِّين يحيى بن يوسف(٢)، وقيل: سيف، وهو الأشهر، ابن عيسى السّيرامي الأصل والمولد المصري الدار والوفاة، الحنفي شيخ الشيوخ بمدرسة الظَّاهرَ بَرْقُوق، وابن شيخها. قدم مع والده وإخوته في السابعة من عمره إلى القاهرة بعد موت العلاء السيرامي، ونشأ بالقاهرة تحت كنف والده، وبه تفقه، حتّى بَرَعَ في الفقه، والأصلين، واللغة، والعربية، والمعاني، والبيان، والجبر، والمقابلة، والمنطق، والطب، والحكمة، والهندسة، والهيئة. (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٢٥/٨) و(الضوء اللامع)) (٢٥٩/١٠) و((الدليل الشافي)) (٧٨١/٢). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٢٤/٨) و((الضوء اللامع)) (٢٦٦/١٠). ٣٠٠