Indexed OCR Text

Pages 21-40

• وفيها شيخ الإِسكندرية تاج الدِّين علي بن أحمد بن عبد المحسن
الحُسَيني الغَرَّافي(١) - بالغين المعجمة المفتوحة، وتشديد الراء، وفاء، نسبة إلى
الغَرَّاف نهر تحت واسط على قرى كثيرة -.
قال ابن حجر في ((الدُّرَر الكَامِنَة)): ولد سنة ثمان وعشرين وستمائة، وسمع
من محمد بن عِمَاد، وظافر بن نجم، وعلي بن جُبَارة، وطائفة. وببغداد من أبي
الحسن القَطِيعي وغيره. وحَدَّث فأكثر، وحمل عنه المغاربة والرحّالة، وحَدَّثوا عنه
في حياته. وكان عارفاً بالمذهب.
وقال أبو العلاء الفَرَضي: كان عالماً، فاضلاً، مُحَدِّثاً، مكثراً، مسنداً،
مفيداً، عابداً.
وأثنى عليه البرزالي، والذهبي، وغيرهما. وكان يرتَزِقُ بالورَاقة، فإذا حَصَّل
قوته لا يتجاوز. مات في الإِسكندرية في ذي الحجّة.
• وفيها الضِّياء عيسى بن أبي محمد بن عبد الرزّاق المغاري(٢)، شيخ
المَغَارَة. روى عن ابن الزَّبيدي، وابن صباح، والإِربلي، وتوفي في ربيع الأول
عن ثمانين سنة .
· وفيها الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن يَعْقُوب الإِربلي ثم الدمشقي
أبو الفضل (٣)، كبير الذّهبيين. كان مكثراً. سمع المُسْلِم المازني، وابن الزّبيدي،
وأبا نصر بن عساكر، وغيرهم. وتَفرَّد بأشياء.
قال الذَّهبي: خَرَّجت له ((مشيخة)) ومات في رمضان. سقط من السُلّم فمات
لوقته عن ثمانين سنة.
· وفيها الأمير الكبير الأديب شَمْس الدِّين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
(١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٢٨ - ٢٩) و((معجم الشيوخ)) (١٢/٢ -١٣) و((الدُّرر الكامنة)) (١٧/٣)
و«حسن المحاضرة)) (٣٨٧/١).
(٢) انظر ((معجم الشيوخ)) (٨٨/٢ - ٨٩) و(«الدُّرر الكامنة)) (٢٨٩/٣).
(٣) انظر ((معجم الشيوخ)) (٣١٠/٢ - ٣١١) و((الوافي بالوفيات)) (٢٦٥/٥).
٢١

ابن أبي سعد بن علي بن المنصور بن محمد بن الحسين الشّيْبَاني الآمدي ثم
المِصْرِي الحنبلي (١).
ولد بمصر ثالث عشر المحرم، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وسمع بمصر
من ابن الجُمَّيزي (٢)، وابن المُقَيِّر. وبدمشق من جماعة، وبمَارْدِين من آخرين،
ونشأ بمَارْدِین.
• وكان والده الصَّاحب شرف الدِّين من العلماء الفُضَلَاء. جمع ((تاريخاً)»
لمدينة آمد، وله نظم ونثر. وسمع الحديث ورواه، وكان مُحَدِّثاً، فاضلاً، متقناً.
توفي سنة ثلاث وسبعين وستمائة.
وكان وزيراً للملك السعيد الأرتقي صاحب ماردين، وصار ابنه
شمس الدِّين هذا مع ابن الملك المُظَفّر بن السعيد نائباً للمملكة
ومُدَبِّراً لدولته إلى أن ذهب رسولاً إلى الملك المنصور قلاوون صاحب
مصر، فحبسه ست سنين، حتّى ولي ابنه الملك الأشرف فأخرجه وأنعم
عليه، وولّه نيابة دار العدل، فباشرها، وكان عالماً، فاضلاً، أديباً، متفنناً، ذا
معرفةٍ بالحديث، والتاريخ، والسِّيَر، والنَّحو، واللُّغة، وافر العَقْل، مليح العِبَارَة،
حسن الخطّ والنَّظم والنثر، جميل الهيئة، له خبرة تَامَّةٌ بسير الملوك المتقدمين
ودولهم، لا تُمَلُّ مجالسته.
وذكر الذهبي أنه نُسب إلى نقص في دينه، فالله تعالى أعلم.
قال ابن رجب: وسمع منه جماعة، منهم: الشيخ تقي الدِّين بن تَيْمِيَّة،
والمِزِّي، والبَرْزَالي، والذّهبي، وتوفي بمصر، سقط من فرسٍ فكسرت أعضاؤه،
وبقي أياماً، ثم مات في جمادى الآخرة، رحمه الله تعالى.
(١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٥٢/٢ - ٣٥٣).
(٢) تحرَّفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الجهيري)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)) مصدر المؤلف.
٢٢

سنة خمس وسبعمائة
• فيها توفي خطيب دمشق الإِمام الكبير شَرَفُ الدِّين أحمد بن إبراهيم بن
سِبَاعِ الفَزَاري الشّافعي(١)، أخو الشيخ تاج الدِّين.
ولد بدمشق في رمضان سنة ثلاثين وستمائة، وتلا بالسَّبع، وأحكم العربية،
وقرأ الحديث، وسمع كثيراً من السَّخَاوي وغيره. وكان فصيحاً، عديم اللّحن،
طيب الصَّوت. وأقرأ العربية زماناً، مع الكيس، والتواضع والتصوّن(٢)، وولي
خطابة جامع جرَّاح، ثم خطابة جامع دمشق.
وتوفي في شوّال عن خمس وسبعين سنة وشهر، ودفن بباب الصغير عند
أخيه .
• وفيها المعمَّرة(٣) زينب بنت سُلَيمان بن رَحْمَة الإِسعردي (٤).
سمعت من الزّبيدي، والشّمس أحمد بن عبد الواحد البُخَاري، وعلي بن
حجّاج، وجماعة. وتفردَّت بأشياء، وماتت في ذي القعدة عن بضع وثمانين سنة .
• وفيها حافظ الوقت العَلامة شرف الدِّين عبد المؤمن بن خَلَف بن أبي
الحسن بن شَرَف بن الخضر بن موسى الدّمياطي الشافعي(٥).
(١) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢٧٠/٢ - ٢٧٢).
(٢) كذا في ((آ)) و((المنتخب)) لابن شقدة (٢٠٦ / ب): ((والتصون)) وفي ((ط)): ((والتصوف)).
(٣) لفظة ((المعمّرة)) سقطت من ((آ).
(٤) انظر ((الوافي بالوفيات)) (٦٧/١٥).
(٥) انظر ((معجم الشيوخ)) للذهبي (٤٢٤/١ - ٤٢٥) ولم يرد اسمه في فهرسه فليستدرك، و((طبقات
الشافعية)) للإسنوي (٥٥٢/١ - ٥٥٤) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢٨٦/٢ -٢٨٨).
٢٣

ولد بدمياط في أواخر سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتفقه بها، وقرأ بالسُّبع على
الكمال الضرير، وسمع الكثير، ورحل، ولَزَمَ الحافظ عبد العظيم المُنْذري
سنين، وتخرَّج به، ورحل إليه الطُلّب، وحَدَّث قديماً، وسمع منه الشيخ
محمد بن محمد الأبيوردي، وكتب عنه في ((معجم شيوخه)) ومات قبله بتسع
وثلاثين سنة.
روى عنه من تلاميذه الحُفّاظ المِزِّي، والبرزالي، وابن سيد الناس،
والسبكي، وغيرهم، فعلى هذا الدّمياطي شيخ هؤلاء وشيخ شيخهم.
قال المِزّي: ما رأيت أحفظ منه.
وقال البرزالي: كان آخر من بقي من الحُفّاظ وأهل الحديث أصحاب الرّواية
العالية والدِّراية الوافرة.
وقال الذهبي في ((معجمه)): العَلَّمة الحافظ الحُجَّة، أحد الأئمة الأعلام
وبَقِيَّةُ نُقَّاد الحديث.
رحل، وسمع الكثير، و((معجمه)) نحو ألف ومائتين وخمسين شيخاً، وله
تصانيف في الحديث والعَوَالي، والفقه، واللغة، وغير ذلك. ومحاسنه
جَمَّةٌ. انتهى .
وقد أثنى عليه غير واحدٍ، وله مصنّفاتٌ نفيسةٌ، منها: ((السيرة النبوية)) في
مجلد، وكتاب في ((الصلاة الوسطى)) وكتاب (الخيل)) وكتاب ((التّسلي والاغتباط
بثواب(١) من تقدَّم من الأفراط)» وغير ذلك.
توفي فجأةً في نصف ذي القعدة بالقاهرة، ودفن بمقابر باب النَّصر،
رحمه الله تعالى .
• وفيها قاضي حَلَب وخطيبها العَلامة شمس الدِّين محمد بن محمد بن
بِهْرَام الدمشقي الشافعي أبو عبد الله الكُوراني(٢).
(١) تحرفت في ((ط) إلى ((بقوات)).
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣١ - ٣٢) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٠٦/٢ - ٣٠٧).
٢٤

ولد سنة خمس وعشرين وستمائة، وأخذ عن ابن عبد السَّلام، وأخذ
القراءات عن الكمال الضّرير فيما قيل، وناب في الحكم بدمشق، ثم ولي قضاء
حلب، وله ((مختصر)) في الخلاف، مأخوذ من ((حلية الشّاشي))(١) وغيرها.
قال الذهبي: كان مشكوراً، دَيِّناً، يدري المذهب، صالحاً، ورعاً.
وقال السبكي في ((الطبقات الكبرى)): كان من علماء حلب، وكان يدري
القراءات، توفي بحلب في جمادى الأولى .
• وفيها المُعَمّر أبو عبد الله محمد بن عبد المُنْعِم بن شِهَاب المؤدّب
المِصْري(٢). حَدَّث عن ابن باقا.
قال الذهبي: حدثنا عنه أبو الحسن السُّبكي، وتوفي بمصر.
• وفيها الإِمام المُعَمّر شرف الدِّين يحيى بن أحمد بن عبد العزيز بن
الصَّوَّاف الجُذَامي المالكي(٣)، كبير الشُّهود. سمع منه قاضي القضاة السُّبكي
وجماعة، وروى عن ابن عِمَاد، والصَّفْرَاوي، وتلا عليه بالسَّبع، وأول سماعه كان
في سنة خمس عشرة وستمائة، وأَصَمّ وأَضَرَّ مدة، وتوفي بالإِسكندرية عن ستٍ
وتسعین سنة .
• وفيها صاحب المَغْرب أبو يعقوب يُوسف بن السَّلطان يعقوب بن
عبد الحقّ المَرِيني (٤).
(١) هو ((حلية العلماء في مذاهب الفقهاء)). انظر ((كشف الظنون)) (٦٩٠/١).
(٢) انظر ((معجم الشيوخ)) (٢٢٧/٢).
(٣) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٢).
(٤) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٣).
٢٥

سنة ست وسبعمائة
• فيها أنشىء في الصَّالحية تجاه الرِّباط النَّاصري جامع الأفرم، وخَطَبَ به
القاضي شمس الدِّين بن [أبي] العزّ (١) الحنفي.
• وفيها مات رئيس التُّجَّار الصَّدر جمال الدِّين إبراهيم بن محمد بن
السَّوَاملي - والسَّوَاملِ كالطّاسات - العِرَاقي (٢). كان يثقب اللؤلؤ، فَصَمَّدَ ألفي
دِرْهم، ثم اتجر وسار إلى الصِّين، فتموّل وعظم، وضمن العِرَاق من القان ورفق
بالرَّعية، وصار له أولادٌ مثل الملوك، ثم صودر وأخذ منه أموال ضخمة، ومات
فجأة بشيراز عن ست وسبعين سنة .
● وفيها العَلّمة نصير الدِّين أبو بكر عبد الله بن عمر بن أبي الرِّضا
الفَارُوثي (٣) الشَّافعي.
قال البرزالي في ((تاريخه)): قدم علينا دمشق، وكان يَعْرِفُ الفقه،
والأصلين، والعربية، والأدب. وكان جَيِّد المناظرة.
ولد بفَارُوث، وهي (٤) قرية من عمل شِيرَاز، وسكن بغداد، ومات بها.
ودرَّس بالمستنصرية وغيرها من المدارس الكِبَار.
(١) مستدركة من ((الدارس في تاريخ المدارس)) (٤٣٥/٢) ومن ترجمته في حوادث سنة (٧٢٢)
ص (١٠٦).
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٥).
(٣) انظر ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٢٩٢/٢).
(٤) لفظة ((وهي)) سقطت من ((آ)) و((ذيول العبر)) ص (٣٦).
٢٦

• وفيها ضِياءُ الدِّين عبد العزيز بن محمد بن علي الطّوسي ثم الدِّمشقي
الشافعي (١)، اشتغل بالعلم، وتفنَّن ودرَّس بالنَّجيبيَّة، وأعاد بغيرها، وشرح
((الحاوي)) شرحاً حسناً، سمّاه المِصْبَاح، وشرح ((مختصر ابن الحاجب)).
قال البرزالي: كان شيخاً، فاضلاً.
وقال ابن حبيب: كان ذا فضائل منتظمة الفرائد، وتصانيف مشتملة على كثير
من الفوائد. توفي فجأة بدمشق في جمادى الأولى (٢) ودفن بمقابر الصُّوفية.
• وفيها خطيب دمشق، شمس الدِّين محمد بن أحمد بن عثمان
الخِلاَطي (٣) ابن إمام الكَلّسة. كان دَيّناً، صالحاً، صَيِّناً، مليح الشَّكْل، طيِّب
الصَّوت، حسن الهَدْي (٤). روى عن ابن البرهان، وابن عبد الدائم، وأَمَّ بالكَلّسة
مُدَّة، ثم خُطِبَ للخطابة، فأقام ستة أشهر ونصفاً، وخَرَجَ من الحمّام وصلى سُنَّةَ
الفجر فَغُشي عليه وانطفأ، وحُمِلَ على الرؤوس، وصلى عليه الأفرم نائب
دمشق، وولي بعده الخطابة جلال الدِّين القَزْويني صاحب ((تلخيص المفتاح)).
• وفيها مسند حلب علاء الدِّين(٥) سُنْقُر القَضَائي الزَّيني(٦)، تَفَرَّد بأشياء،
وحَدَّثَ عن الموفق عبد اللّطيف، وابن شَدّاد، وابن رُوزَبَة، وابن الزّبيدي،
وأنجب الحمّامي وعدة، وكان ديناً، خيراً، صبوراً على الطلبة.
قال الذهبي: أكثرنا عنه، وتوفي بحلب في شوال عن سبع وثمانين سنة،
رحمه الله تعالی.
(١) انظر ((طبقات الشافعية)) للإسنوي (١٨١/٢).
(٢) عبارة ((في جمادى الأولى)) سقطت من ((ط)).
(٣) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٥).
(٤) تحرفت في ((ط)) إلى ((الهدم)).
(٥) عبارة ((علاء الدين)) سقطت من ((ط)).
(٦) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٦).
سعطے
٢٧

سنة سبع وسبعمائة
· فيها عقد مجلسٌ بالقصر فاستُنِيبَ النَّجْم بن خَلِّكان(١) من عبارات
قبيحة، ودعاوٍ مبيحةٍ للدم، وادّعاءِ نُبُوَّةٍ ما، فاختلفت فيه الآراء، ومال إلى الرّفق
به(٢) الشيخ برهان الدِّين فتاب.
• وفيها توفي (٣) رئيس مصر، الصَّاحب تاج الدِّين محمد بن الصَّاحب
فخر الدِّين محمد بن الوزير بهاء الدِّين علي بن محمد حِنًا (٤).
قال الذهبي: حَدّثنا عن سبط السِّلَفي، وكان محتشماً، وسيماً، عادلاً،
شاعراً، متمولاً، من رجال الكَمَال.
وقال غيره: وزير ابن وزير ابن وزير، انتهت إليه رئاسة عصره بمصر،
صَدَقَاته كثيرة، وتواضعه وافرٌ، وهو الذي اشترى الآثار النبوية التي بالقاهرة على ما
قيل بستين ألف درهم وجعلها في مكانه المعشوق، وهو المكان المنسوب إليه،
وذلك قطعة من العنزة، ومِروَد، ومخصف، وملقط، وقطعة من قصعة.
وقال ابن فضل الله: رأيت إلى جانب تربته مكتب أيتام وهم يكتبون القرآن
في الألواح، فإذا أرادوا مسحها غسلوا ألواحهم وسكبوا ذلك على قبره، فسألت عن
ذلك، فقيل لي: هذا شَرْطُ الواقف، وهذا قصدٌ حسنٌ وعقيدةٌ حسنٌ.
(١) هو محمد بن إبراهيم. انظر ((الدُّرر الكامنة)) (٤٥٥/١).
(٢) في ((ذيول العبر)): ((إلى الترفق به)).
(٣) لفظة ((توفي)) سقطت من ((آ).
(٤) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٨).
٢٨
أ

ومن شعره:
للهِ في الأحوالِ لطفْ جَميلْ
ولاَ تُفَارق أَبدأَ بَابَهُ
وأشكُر عَلَى الإِنعام فيما مضى
خَلَىْ كَرِيماً ثُمَّ أَمَّ البخيلْ
كُل لِسَانٍ عندَ هَذَا كَلِيلْ
فَاغْنِ بِهِ عَنْ ذِكْرِ قَالَ وقيلْ
فَمِنْهُ قَدْ جَاءِ العَطَاءُ الجَزِيلْ
كَمْ أَسْبَلَ السِّتْرَ زَمَانَاً طويلْ
واخَيبةَ المُعْرِضِ عَنْ بَابِهِ
فَقُلْ لِمَنْ عَدَّدَ إِنْعَامه
وتوفي - رحمه الله تعالی ۔ بمصر.
· وفيها نور الدِّين أبو الحسن علي بن عبد الحميد بن محمد بن أحمد بن
عبد الله بن أحمد بن بكير الفُنَيدقي، الفقيه الحنبلي(١).
ولد سنة ست أو خمس وثلاثين وستمائة، وسمع من أبي عبد الله بن سعد(٢)
المقدسي، وجَدِّه لَأَمِّه خطيب مَرْدًا، وغيرهما. وبمصر من الرّشيد العطّار
وجماعة، وتفقّه، وبَرَعَ، وأفتى ودرَّس، مع دينٍ وتواضعٍ وصدقٍ، وأضر بأخَرَةٍ،
وسمع منه الذّهبي، وروى عنه في ((معجمه)) وتوفي بجبل نابلس في رجب.
• وفيها رشيد الدِّين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عمر بن أبي القاسم
البغدادي(٣) الحنبلي المقرىء المُحَدِّث الصُّوفي الكَاتب.
ولد ليلة الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة، سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وسمع
الكثير من ابن روزبة، والسُّهْرَ وردي، وابن الخازن، وابنِ اللّتي، وغيرهم. وعُني
بالحديث، وسمع الكتب الكبار والأجزاء، وكان عالماً، صالحاً، من محاسن
البغداديين وأعيانهم، ذَا لُطْفٍ وسهولة وحسن أخلاق، من أجلاء العُدول، ولبس
خرقة التصوف من السُّهْرَ وَرْدي، وحَدَّث بالكثير، وسمع منه خلق كثير من أهل
بغداد والرحّالين، وانتهى إليه علو الإِسناد، وتوفي في تاسع (٤) جمادى الآخرة
ببغداد، ودفن بمقبرة الإِمام أحمد.
(١) انظر ((معجم الشيوخ)) (٣٠/٢ - ٣١) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٥٤/٢).
(٢) في ((ط)): ((أسعد)).
(٣) انظر ((معجم الشيوخ)) (٢٠٤/٢ - ٢٠٥) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٥٣/٢ - ٣٥٤).
(٤) لفظة ((تاسع)) سقطت من ((ط)).
٢٩

وفيها أبو عبد الله محمد [بن حجاج بن إبراهيم] بن مُطَرِّف الأندلسي(١).
جاور نحو ستين عاماً بمكة، وكان يطوف في اليوم والليلة خمسين أسبوعاً، وتوفي
بمكة في رمضان، عن نَيفٍ وتسعين سنة، وحمل نَعْشُهُ صاحب مكة حُمَيْضَة.
• وفيها جمال الدِّين أبو بكر محمد بن عبد العظيم بن علي بن السّقطي
الشافعي(٢).
روى بالإِجازة عن ابن بَاقًا، وعن العَلَم بن الصَّابوني، وأكثر المُحَدِّثُون عنه.
وله أخ باسمه(٣)، وهو العدل نحم الدِّين، محمد، مات بعد النَّووي، ومات صاحب
الترجمة بالقاهرة، عن خمس وثمانين سنة، وكان قاضي قضاتها مدة.
• وفيها شِهَابُ الدِّين محمد بن أبي العزّبن مشرف بن بَيّان الأنصاري
البزاز(٤)، مسند دمشق، وشيخ الرِّواية بالدار الأشرفية. حَدَّث عن ابن الزّبيدي،
والنَّاصح(٥) وابن صباح، وابن المُقَيّر، وغيرهم. وتَفَرَّد واشتُهر، وتوفي بدمشق عن
ثمان وثمانين سنة .
(١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٨) و((العقد الثمين)) (٤٥٢/١) وما بين الحاصرتين مستدرك منهما.
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٩) و((حسن المحاضرة)) (٣٨٨/١).
(٣) تحرفت في (ط)) إلى ((بسمه)).
(٤) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٠).
(٥) يعني ابن الحنبلي.
٣٠
.
أ
i

سنة ثمان وسبعمائة
• فيها توفي بغرناطة، عالمها، وحافظها، أبو جعفر، أحمد بن إبراهيم بن
الزّبير الثَّقَفي. طلب العلم في سنة ست وأربعين وستمائة، وسمع من جماعة،
وتفرَّد بـ ((السُّنن الكبير)) للنسائي عن أبي الحسن الشَّاري، بينه وبين المؤلّف
ستة أُنفس.
قال ابن ناصر الدِّين(١): كان نحوياً، حافظاً، عَلَّمةً، أستاذ القرَّاء،
ثقةً ، عُمدةً.
وقال الذهبي(٢): مات بغرناطة في ربيع الأول، عن ثمانين سنة.
• وفيها المُعَمّر عِمَادُ الدِّين إسماعيل بن علي بن الطَّال(٣)، شيخ
المستنصرية. سمع عمر بن كَرَم (٤)، وابن رُوْزَبَة، وجماعة. وتفرَّد ومات ببغداد.
• وفيها خَديجة بنت عمر بن أحمد بن العَدِيم(٥)، في عشر التسعين.
قال الذهبي: روت لنا عن الرّكن إبراهيم الحَنَّفي .
(١) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٨٣ / ب).
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٤).
(٣) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٥).
(٤) تحرفت في ((آ) و((ط)) إلى ((مكرم)) والتصحيح من ((ذيول العبر)) وانظر ((سير أعلام النبلاء))
(٣٢٥/٢٢ -٣٢٦).
(٥) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٤).
٣١
---

• وفيها الشيخ الزَّاهد القُدْوَة الكبير، عثمان بن عبد الله الصَّعِيدي ثم
الحَلْبوني (١). كان صالحاً، عابداً، متعفِّفاً، تُؤْثَرُ عنه أحوال. وأقام مدة ببعلبك
ومدة بَيَرْزَة. وكان لا يأكل الخبز ويزعم أنه يتضرر بأكله، ومات في المحرّم بقرية
بَرْزَة. قاله السَّخاوي.
• وفيها شِهَابُ الدّين بن علي المُحْسِنِيّ(٢). كان عالماً، مسنداً، مكثراً عن
ابن المُقَيِّر، وابن رَوَاجِ، والسّاوي، وتوفي بمصر عن ثمانين سنة.
• وفيها عَلَمُ الدِّين إبراهيم عِرف بابن أبي خليقَة(٣). كان حكيماً، فاضلاً،
رئيس الطبِّ بالدِّيار المصرية والشَّامية، وهو أول من رَكَّب شراب الوَرْدِ، ولم
يكن (٤) يعرف بدمشق قبل ذلك.
توفي بمصر، قيل: بلغت تركته ثلثمائة ألف دينار.
• وفيها أُمُّ عبد الله فاطمة بنت سُليمان بن عَبد الكَريم الأنصاري(٥). لها
إجازة [من] الفتح، وابن عُفَيْجَة، وجماعة. وسمعت المُسَلّم المازني، وكريمة،
وابن رَوَاحَة. وروت الكثير، وتفرَّدت(٦) ولم تتزوج.
توفيت في ربيع الآخر بدمشق عن قريب التسعين.
· وفيها شَيخُ الحَرَمِ ظَهِيرُ الدِّين محمد بن عبد الله بن مَنَّعَة البغدادي(٧).
جاور بمكة أربعين سنة، وحَدَّث عن الشَّرَف المُرْسي، وتوفي بالمَهْجَم (٨) من
نواحي اليمن، عن بضع وسبعين سنة.
(١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٢).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((المجبي) والتصحيح من ((ذيول العبر)) ص (٤٢) و((الدُّرر الكامنة)) (١٩٥/٢).
(٣) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٢) و((النجوم الزاهرة)) (٢٢٩/٨).
(٤) لفظة ((يكن)) لم ترد في ((ط)).
(٥) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٢ - ٤٣).
(٦) لفظة ((وتفرَّدت)) سقطت من ((ط)).
(٧) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٣) و((العقد الثمين)) (٧٥/٢).
(٨) مدينة من أَمَّات مدن الجزء الشمالي من تهامة. انظر ((معجم ما استعجم)) (١٢٧٤/٢) و((صفة
جزيرة العرب)) ص (٩٧) وحاشيته و((معجم البلدان)) (٢٢٩/٥).
٣١

• وفيها الحافظ مُفِيدُ مصر شمس الدِّين محمد بن عبد الرحمن بن سَامَة بن
كَوْكَب الطّائِي السّوادي الحَكَمي - وحَكْمه (١) بالفتح قرية من قرى السَّوَاد -
الحنبلي (٢) الحافظ الزّاهد.
ولد في رجب سنة اثنتين وستين وستمائة، وسمع من أحمد بن أبي الخير،
وابن أبي عمر، وغيرهم. ورحل سنة ثلاث وثمانين إلى مصر، وسمع بها من العزّ
الحَرَّاني، وابن خَطيب المِزَّة، وغيرهما. وبالإِسكندرية من ابن طَرْخَان وجماعة،
وببغداد من ابن الطَّال وخلق، وبأصبهان، والبصرة، وحلب، وواسط. عُني بهذا
الفَنِّ، وحَصَّل الأصول. وكتب العالي والنَّازل.
قال الحافظ عبد الكريم الحلبي: كان إماماً، عالماً، فاضلاً، حسن القراءة،
فصيحاً، ضابطاً، متقناً. قرأ الكثير، وسمع من صغره إلى حين وفاته .
وقال البرزالي: خَالَطَ الفقراء، وصَارَت له أوراد كثيرة، وتلاوة، واستوطن
ديار مصر، وتزوّج وصارت له بها حظوة وشهرة بالحديث وقراءته، وكان معمور
الأوقات بالطّاعات.
وقال الذهبي في ((معجمه))(٣): أحد الرحّالين، والحفّاظ، والمكثرين.
ودخل أصبهان طمعاً أن يجد بها رواةً فلم يَلْقَ شيوخاً ولا طلبة، فرجع. وكان ثقةً
صحيحَ النَّقْل، عَارِفاً بالأسماء. من أهل الدِّين والعِبَادة.
وقال ابن رجب: سمع منه البرزالي، والذهبي، وعبد الكريم الحلبي،
وذكروه في ((معاجمهم)).
توفي يوم الثلاثاء رابع عشري (٤) ذي القعدة، ودفن بالقَرَافَة بالقرب من
الشَّافعي .
● وفيها - وجزم ابن حجر في ((الدُّرر الكامنة)) أنه في التي قبلها -
(١) في ((آ)) و((ط)): ((وحكم)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)) مصدر المؤلف.
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٣ - ٤٤) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٥٥/٢).
(٣) انظر ((معجم الشيوخ)) (٢٠٩/٢) و ((المعجم المختص بالمحدِّثين)) ص (١٠١ - ١٠٢).
(٤) في ((ط)): ((رابع عشر)) وما جاء في ((آ)) موافق لما في ((ذيل طبقات الحنابلة)).
٣٣

جمال الدِّين شرف القُضَاة أبو عبد الله محمد بن المكين أبي الطَّاهر إسماعيل بن
محمد بن محمود بن عمر التنوخي الإسكندراني المالكي (١).
سمع من ابن الفُوّي ((كرامات الأولياء)) ومن ابن رواج، ومن غيرهما. وسمع
منه أبو العلاء الفَرَضي، وأبو الفتح بن سيد الناس، وغيرهما. وحَدّث، وكان من
أعيان أهل الإِسكندرية. مات في أول يوم من شهر رمضان.
● وفيها مسند دمشق والشام أبو جعفر محمد بن علي بن حُسين السّلَمي
العبّاسي الدمشقي بن المَوَازِيني (٢). كان دَيِّناً زَاهداً. حَجَّ مرات، وتفرّد عن
القاسم بن صَصْرَى، والبهاء عبد الرحمن، ورُحل إليه، وتوفي بدمشق في نصف
ذي الحجّة عن أربع وتسعين سنة.
(١) انظر ((الدُّرر الكامنة)) (٣٨٨/٣).
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٤) و((الوافي بالوفيات)) (٢١٣/٣) و((الدُّرر الكامنة)) (٦٣/٤).
٣٤

سنة تسع وسبعمائة
• فيها كما قال السيوطي (١) خرج السلطان الملك النَّاصر بن قلاوون قاصداً
للحجِّ ، فخرج من مصر في رمضان وخرج معه جماعة من الأمراء لتوديعه فردّهم،
فلما اجتاز بالكَرَك عدل إليها فنُصب له الجسر، فلما توسطه انكسر به فسلم مَنْ
قُدّامة وقَفز به الفرس فسلم، وسقط من وراءَه، وكانوا خمسين فمات أربعة وتهشم
أكثرهم في الوادي الذي تحته، وأقام السلطان بالكَرَك وكتب كتاباً إلى الدِّيار
المصرية يتضمن عزل نفسه عن المملكة، فأثبت ذلك على القضاة بمصر، ثم نفذ
على قضاة الشام .
• وبويع الأمير ركن الدِّين بيبرس الجاشنكير (٢) بالسّلطنة في الثالث والعشرين
من شوال ولقّب الملك المُظَفّر، وقلّده الخليفة، وألبسه الخِلعة السوداء والعمامة
المدوّرة، ونفذ التقليد إلى الشام في كيس أطلس أسود(٣)، فقرىء هناك، وأوله
﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وإِنَّه بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [النَّمل: ٣٠] ثم عاد الناصر
في رجب سنة تسع وطلب عوده إلى الملك ووالاه على ذلك جماعة من الأمراء،
فدخل دمشق في شعبان، ثم دخل مصر يوم عيد الفطر، وصعد القلعة.
وقال العلاء الوداعي (٤) في عوده إلى الملك:
الملكُ النَّاصرُ قد أقبَلَتْ دولتُه مشرِقَةَ الشَّمْسِ
(١) انظر ((حسن المحاضرة)) (١١٢/٢ - ١١٤).
(٢) الجاشنكير: هو الذي يتصدى لتذوق المأكول والمشروب قبل السلطان. انظر ((معجم الألفاظ
التاريخية)» لدهمان ص (٥٠).
(٣) كذا في ((آ)) و((حسن المحاضرة)): ((أطلس أسود)) وفي ((ط)): ((أسود أطلس)).
(٤) هو علي بن مطفّر الكندي، سترد ترجمته في وفيات سنة (٧١٦) ص (٧١).
٣٥

عَادَ إلى كُرسيّه مِثْلَ مَا عاد سُليمانُ إلى الكُرسي
وخذل المُظَفّر، فجاء إلى خدمة السلطان، فوبخه وخنقه، وأباد جماعةً من
رؤوس الشرِّ وتمگّن.
وهرب نائبه سَلّار(١) نحو تبوك، ثم خُدع وجاء برجله إلى أَجله، فأُميتَ
جُوعاً، وأخذ من أمواله ما يضيق عنه الوصف، وكان تملّك إحدى عشرة سنة.
وكان مغلياً، أسمر، سهل الخدّين، ليس بالطويل، ذا هيئة، قليل الظَّلم، وقد بلغ
من الجاه والمال ما لا مَزِيد عليه.
● وفيها مات المقرىء المعمّر أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسن علي بن
صَدَقَة المَخْرَمي (٢).
قال الذهبي: حدّثنا عن ابن اللّتي، وجعفر، ومكرم، ومات بدمشق عن
بضع وثمانين سنة .
، وفيها أبو العَبّاس أحمد بن أبي طالب الحَمّامي البغدادي الزَّانكي(٣)
المجاور من زمان بمكّة، بحيث صار مُسْنِدُها. سمع من الأنجب الحَمّامي أجزاء
تفرّد بها، وأخذ عنه ابن مُسَلّمِ القاضي، وشمس الدِّين بن الصَّلاَح مدرّس
القَيمرية، وأجاز لأبي عبد الله الذّهبي.
وتوفي بمكّة في جمادى الآخرة، عن بضعٍ وثمانين سنة.
· وفيها أبو الفضل تاج الدِّين(٤)، أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن
عطاء الله الإِسكندري المالكي الشَّاذلي (٥).
(١) انظر ((الإِعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٩٨) و((ذيول العبر)) ص (٥٣).
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٩) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٣/١ - ٢٤) و((معجم الشيوخ))
(١٣٢/١ - ١٣٣).
(٣) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٨ - ٤٩) و((معجم الشيوخ)) (١١٧/١ -١١٨) و((الدرر الكامنة))
(١٤٢/١) و((العقد الثمين)) (٤٩/٣ - ٥١).
(٤) في ((ط)): ((تاج الدِّين أبو الفضل)).
(٥) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٨) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢٣/٩ - ٢٤) و((الدّرر الكامنة))
(٢٧٣/١) و((غربال الزمان)) ص (٥٨٠ - ٥٨١) و((حسن المحاضرة)) (٥٢٤/١).
٣٦
إ
:

قال ابن حجر في ((الدُّرر الكامنة)) صحب الشيخ أبا العَبّاس المُرْسي صاحب
الشَّاذلي، وصنَّف مناقبه ومناقب شيخه. وكان المتكلّم على لسان الصُّوفية في
زمانه، وهو ممن قام على الشيخ تقي الدِّين بن تَيْمِيَّة فبالغ في ذلك. وكان يتكلم
على النّاس، وله في ذلك تصانيف عديدة.
قال الذهبي: كانت له جلالة عجيبة(١) ووقع في النّفُوس، ومشاركة في
الفضائل. وكان يتكلّم بالجامع الأزهر فوق كرسيٍ بكلام يروح النّفوس، ومزج
كلام القوم(٢) بآثار السَّلَف وفنون العلم، فكثر أتباعه، وكانت عليه سيما الخير،
ويقال: إن ثلاثة قصدوا مجلسه، فقال أحدهم: لو سَلِمتُ من العائلة لتجرّدت.
وقال الآخر: أنا أُصلي وأصوم ولا أجد من الصّلاح ذَرَّةً. وقال الثالث: أنا صلاتي
ما تُرضيني فكيف ترضي رَبِّي. فلما حضروا مجلسه، قال في أثناء كلامه: ومن
الناس من يقول فأعاد كلامهم بعينه.
وقال الكمال جعفر: سمع من الأبرقوهي، وقرأ النحو على الماروني،
وشارك في الفقه والأدب، وصحب المُرْسي، وتكلّم على الناس، وكثر أتباعه.
وقال ابن الأهدل: الشيخ العارف بالله، شيخ الطريقين، وإمام الفريقين.
كان فقيهاً، عالماً، ينكر على الصُّوفية. ثم جذبته العناية، فصحب شيخ الشيوخ
المُرْسي، وفُتح عليه على يديه، والذي جرى له معه مذكورٌ في كتابه ((لطائف
المِنَن)) وله عدّة تصانيف، منها((الحِكَم)) (٣) وكُلّها مشتملة على أسرارٍ ومعارف،
وحكمٍ ولطائف. نثراً ونظماً.
(١) كذا في ((آ) و((المنتخب من شذرات الذهب)) لابن شِفْدة (٢٠٨/آ): ((عجيبة)) وفي ((ط)):
«عظيمة».
(٢) يعني الصُّوفية.
(٣) واسمه الكامل ((الحكم العطائية)) وهو كتيب صغير من كتب الصُّوفية الشهيرة، نشرته المكتبة العربية
بدمشق منذ سنوات طويلة بعناية الأستاذ أحمد عبيد رحمه الله. وقام بشرحه الشيخ عبد المجيد
الشّرنوبي المصري المتوفى سنة (١٣٤٨) هـ، وقامت بنشر شرحه المذكور دار ابن كثير سنة (١٤٠٨)
بعناية الأستاذ عبد الفتاح البزم، وقد أفردت أحاديث الكتاب لوالدي الأستاذ الشيخ عبد القادر
الأرناؤوط حفظه الله من قبل الأستاذ البزم، فقام بتخريجها والحكم عليها.
٣٧

وما أحسن قوله في شيخه في بعض قصائده:
كَمْ مِنْ قُلُوبٍ قَد أُمِيتَتْ بالهَوىْ أَحْيَا بِهَا مِنْ بَعْدِ مَا أَحْيَاهَا
وكان شيخه يستعيد منه هذا البيت. ومن طالع كتبه عرف فضله.
توفي - رحمه الله تعالى - بمصر في نصف جمادى الآخرة، ودفن بالقَرَافة،
وقبره مشهورٌ یزار.
• وفيها نَبِيهُ الدِّين حسن بن حسين بن جبريل الأنصاري (١) المعدَّل. سمع
من ابن المقيّر، وابن رَوَاج، وغيرهما. وتوفي بمصر عن تسعٍ وسبعين سنة، وأجاز
له السُّهْرَ وَرْديّ سنة ولادته، وهي سنة ثلاثين وستمائة.
● وفيها شُهْدَة بنت الصَّاحب كمال الدِّين عمر بن العَدِيم العُقَيلي (٢).
ولدت يوم عاشوراء سنة تسع عشرة وستمائة، وحضرت الكَاشَغْري،
وعمر بن بدر. ولها إجازة من ثابت بن مُشَرِّف. وكانت تكتب وتحفظ أشياء وتتزهد
وتتعبد .
قال الذهبي: سمعت منها، وماتت بحلب.
• وفيها مات بمصر الأمير الكبير الوزير شمس الدِّينِ سُنْقُر المَنْصُوري
الأعسر (٣) وله عدة مماليك تقدموا. وكان كبيراً، شهماً، عارفاً، فيه ظلمٌ. قاله في
((العبر)).
• وفيها شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل
الْبَعْلي (٤) الفقيه الحنبلي المُحَدِّث النَّحوي اللّغوي.
ولد سنة خمس وأربعين وستمائة ببعلبك، وسمع بها من الفقيه محمد
(١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٩) و((الدُّرر الكامنة)) (١٥/٢).
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٩) و((الدُّرر الكامنة)) (١٩٥/٢).
(٣) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٨) و((الدُّرر الكامنة)) (١٧٧/٢).
(٤) انظر ((ذيول العبر)) ص (٤٧) و((الوافي بالوفيات)) (٣١٦/٤) و((ذيل طبقات الحنابلة))
(٣٥٦/٢ - ٣٥٧).
٣٨

اليُّونيني، وبدمشق من ابن خَليل، ومحمد بن عبد الهادي، وغيرهما، وعُني
بالحديث، وقرأ العربية واللّغة على ابن مالك، ولازمه حتّى بَرَعَ في ذلك. وصنَّف
تصانيف، منها ((شرح ألفية ابن مالك)) وكتاب ((المُطْلع على أبواب المُقْنِع)) (١) في
غريب ألفاظه ولغاته.
قال الذهبي: كان إماماً في المذهب والعربية والحديث، غزير الفوائد،
متفنناً، ثقةً، صالحاً، متواضعاً، على طريقة السَّلف. حدّثنا ببعلبك، ودمشق،
وطرابلس .
وتوفي بالقاهرة في ثامن عشر المحرَّم، وذلك بعد دخوله إيّاها بدون شهر،
وكان زار القدس وسار إلى مصر ليسمع ابنه، ودفن بالقَرَافة عند الحافظ
عبد الغني(٢).
(١) قلت: وقد وقفت على نسخة من مخطوطاته وهي من محفوظات مكتبة شستربتي بدبلن في إيرلندا
الشمالية كُتِبَ على غلافها ((المطلع على ألفاظ المقنع)) وهو أصح لأنه يتناول ألفاظ ((المقنع)) بالشرح
لا أبوابه. وقد طبع هذا الكتاب أول مرة في المكتب الإسلامي بدمشق عام ١٣٨٥ هـ، وقام عليه
الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط وشاركه العمل فيه الأستاذ محمد محمد شُرَّاب.
ويقوم بتحقيقه الآن صديقي الفاضل الدكتور خالد عبد الكريم جمعة.
(٢) يعني المقدسي رحمه الله تعالى.
٣٩

سنة عشر وسبعمائة
قال الذهبي(١): في نيسان مُطرنا مطراً أحمر كأعكر ماء الزيادة، وبقي أثر
الطّین علی التمر والورق نحو شهرين.
· وفيها توفي شِهَابُ الدِّين أبو العبّاس أحمد بن شَرَف الدِّين حسن بن
الحافظ أبي موسى عبد الله بن الحافظ الكبير عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور
المقدسي ثم الصّالحي (٢) الفقيه الحنبلي، قاضي القضاة.
ولد في ثاني عشر صفر، سنة ست وخمسين وستمائة بسفح قاسيون، وسمع
من ابن عبد الدَّائم وغيره، وتفقه وبَرَعَ، وأفتى ودرَّس، وولي القضاء بالشام نحو
ثلاثة أشهر سنة تسع وسبعمائة، ثم عُزِلَ لما عاد الملك النّاصر إلى المُلك.
قال البِرْزَالي: كان رجلاً جيداً من أعيان الحنابلة وفضلائهم، فقيهاً، حسن
العبارة، وروی لنا عن ابن عبد الدائم.
وتوفي ليلة الأربعاء تاسع عشري ربيع الأول، ودفن من الغد بتربة الشيخ أبي
عمر بسفح قاسیون.
• وفيها شهاب الدِّين أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم العَزازي الشاعر
المشهور(٣).
(١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٥١).
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٥٢) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٥٨/٢).
(٣) لفظة ((المشهور)) سقطت من (ط)) وهو مترجم في ((ذيول العبر)) ص (٥٢) و((فوات الوفيات))
(٩٥/١ - ١٠٥) و((الدّرر الكامنة)) (١٩٣/١) والبيت الذي بين الحاصرتين في الترجمة مستدرك من
((الفوات)) و ((الدُّرر)).
٤٠