Indexed OCR Text

Pages 641-660

قال الذهبيُّ: كان فقيهاً، عارفاً بالمذهب، يسلك طريقة والده في
التحرِّي والصَّلَابة. وكان فيه دِينٌ وتعبدُ، ولديه فضائل. وكان عَظِيمَ الهَيْبَةِ،
وافِرَ الجَلالةِ، عديم المُزَاحِ ، بارَّاً بالفقهاء، مُؤثراً، متصدقاً. وكان والده
يحترمه ويتبرَّك به. دَرَّس بأماكن، وتوفي يوم عاشوراء.
• وفيها الأَمِينُ(١) الإِربلي العدل أبو محمد القاسم بن أبي بكر ابن
القاسم بن غَنِيْمَة (٢). رحل مع أبيه، وله بضع عشرة سنة، فذكر - وهو
صدوق - أنه سمع جميع ((صحيح مسلم)) من المؤيَّد الطُّوسي، ورواه
بدمشق، فسمعه منه الكبار، وتوفي في جمادى الأولى وله خمس
وثمانون سنة.
• وفيها ابن سَنِي الدولة، قاضي القُضاة، نجم الدِّين محمد ابن قاضي
القُضاة صدر الدِّين أحمد بن قاضي القُضاة شمس الدِّين يحيى الدمشقي
الشافعي(٣).
ولد سنة ست عشرة وستمائة، واشتغل وتقدَّم، وناب عن والده، ثم
ولي قضاء حلب، ثم ولي قضاء دمشق، ثم عُزِلَ بعد سنة بابن خَلِّكَان، ثم
سكن مصر مُدَّة وصُودر وتَعِبَ، ثم ولي قضاء حلب، ودَرَّس بالأمينية وغيرها.
وكان يُعَدُّ من كبار الفقهاء العارفين بالمذهب، مع الهَيْبَة والتَّحَرِّي، موصوفاً
بجودة النِّقْل، مشهوراً بالصَّرَامَة والهمَّة العالية. حَدَّث عن أبي القاسم بن
صَصْرَىْ وغيره، وتوفي في ثامن المُحَرَّم ودفن بقاسيون.
(١) في ((أ) و((ط)): ((الأمير)) وهو خطأ، والتصحيح المصادر المذكورة في التعليق التالي.
(٢) انظر (العبر)) (٣٣٠/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٣٨٣) و((النجوم الزَّاهرة))
(٣٥٣/٧).
(٣) انظر ((العبر)) (٣٣٠/٥) و(«البداية والنهاية)) (٢٩٧/١٣).
٦٤١

● وفيها شمس الدِّين محمد بن مكتوم البَعْليُّ (١) الفاضل الأديب، توفي
شهيداً في وقعة حمص.
ومن شعره:
إذْ رَأَىْ حُسْنَ وَجْهِهِ قَد بَدَا لَهْ
رَامَ أَنْ يَتْرُكَ الهَوىْ فَبِدَا لَهْ
كُلّمَا لُمْتُهُ عَلَى الحُبِّ يَزْدَا
كَيفَ يُرجى الشِّفَاءُ يوماً لصَبٍّ
نَاقِصٌ صَبْرُهُ كَثِيرٌ بُكَاهُ
د ضَلالاً فَخَلّه وضَلَالهْ
لَمْ يُحَاكِ السَّقَامُ إلّ خَيَالَهْ
لَوْ رَآهُ عَدُوّهُ لَرثى لَهْ
عَمّهُ الوَجْدُ حِينَ عَاينَ خَالَهْ
دَنِفْ ظِلُّه مُسْتَهاماً ببدرٍ
وَعُبَيْدُ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالَهْ
أَنَا صَب لَهُ وإن حَالَ عَنِّي
ضَاعَفَ اللهُ حُسْنَهُ وجَمَالَهْ
فَاقَ كُلَّ الوَرَى جَمَالا وحُسْناً
• وفيها ابن المجبّر الكُتبيّ شرف الدِّين محمد بن أحمد بن إبراهيم
القُرَشي الدمشقي(٢).
ولد سنة عشر وستمائة، وسمع من أبي القاسم بن صَصْرَى وطائفة،
ورحل وأكثر عن الأنجب الحَمَّامي وطبقته، وكتب الكثير بالخطّ الحسن،
ولكنه لم يَكُن ثِقَةً في نقله.
توفي في ذي القعدة، ولم يكن عليه أَنْسُ [أَهْلِ] الحديث، الله
يُسامحه. قاله الذَّهبي .
• وفيها ابن رَزِين قاضي القُضاة شيخ الإِسلام تقي الدِّين أبو عبد الله
محمد بن الحسين بن رَزِين بن مُوسى العَامِرِيّ الحَمَويّ الشافعي (٣).
(١) لم أعثر على ترجمة له فيما بين يدي من المصادر.
(٢) انظر ((العبر)) (٣٣١/٥) وما بين الحاصرتين مستدرك منه و((الوافي بالوفيات)) (١٣١/٢).
(٣) انظر ((العبر)) (٣٣١/٥ -٣٣٢) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٣٨٣) و((طبقات الشافعية:
٦٤٢

ولد سنة ثلاث وستمائة في شعبان بحَمَاة، واشتغل من الصِّغَر، فحفظ
((التنبيه)) في صغره، ثم حفظ ((الوسيط)) و((المُفَضَّل)) و((المستصفى)) للغَزَّالي،
إلى غير ذلك. وبَرَعَ في الفقه، والعربية، والأصول، وشارك في الخلاف(١)،.
والمَنْطِق، والكلام، والحديث وفُنون العلم. وأفتى وله ثمان عشرة سنة.
وقَدِمَ دمشق، فَلَزَمَ ابنَ الصَّلاحِ، وقرأ القراءات على السَّخَاوي، وسمع
منهما ومن غيرهما. وأخذ العربية عن ابن يَعِيش. وكان يُفتي بدمشق في أيام
ابن الصَّلاح، ويَؤُمُّ بدار الحديث، ثم ولي وكالة بيت المال في أيام النَّاصر،
مع تدريس الشَّامية. ثم تَحَوَّل من هولاكو(٢) إلى مصر، واشتغل، ودَرَّس
بالظّاهرية، ثم ولي قضاء القُضاة فلم يأخذ عليه رِزْقَاً تَدَيُّناً وورعاً، ودَرَّس
بالشَّافعي وامتنع من أخذ الجَامِكِيَّةِ، وولي عِدَّة جِهَاتٍ، وظهرت فضائله
البَاهِرَة، وتفقه به عِدَّة أئمة، وانتفعوا بعلمه، وهديه، وسَمْتِهِ، وورعه، [وممن
تَخَرَّجِ بهِ بدر الدِّين بن جَمَاعَة. وحَدَّث عَنه الدِّمْيَاطِيّ والمِصْرِيُّونَ، وكان
يُقْصَدُ بالفَتَاوى من النَّواحي](٣).
وممن نقل عنه الإِمام النَّووي، وتوفي - رحمه الله تعالى - بالقاهرة في
ثالث رجب.
· وفيها الجمال بن الصَّابوني الحافظ أبو حامد محمد بن علي بن
محمود (٤)، شيخ دار الحديث النُّورية .
= الكبرى)» (٤٦/٨ -٤٧) و((الوافي بالوفيات)) (١٨/٣ -١٩) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي
شهبة (١٨٧/٢ - ١٨٩).
(١) لفظة ((الخلاف)) سقطت من ((ط)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((هلاكو)).
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من (ط)).
(٤) انظر ((العبر)) (٣٣٢/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٨٣) و((مرآة الجنان)) (١٩٣/٤)
و((النجوم الزاهرة)) (٣٥٣/٧) و((الدَّارس في تاريخ المدارس)) (١١٠/١ -١١١).
٦٤٣

ولد سنة أربع وستمائة، وسمع من أبي القاسم بن الحَرَسْتَاني وخلق
كثير، وكتب العَالي والنَّزل، وبالغ، وحَصَّل الأصول، وجَمَعَ، وصَنَّفَ،
واختلط قبل موته بسنة أو أكثر، وتوفي في نصف ذي القعدة.
وفيها ابن أبي الدَّنِيَّة مُسْنِدُ العِرَاق، شِهَابُ الدِّين، أبو سعد، محمد
ابن يعقوب بن أبي الفَرَج البغدادي(١).
ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة(٢)، وسمع من أبي الفتح المَنْدَائي،
وضياء بن الخُرَيف، والكبار(٣). وأجاز له ذاكر بن كامل، وابن كُلَيب.
وولي مشيخة المستنصرية إلى أن توفي في ثامن عشر رجب.
· وفيها ابن عَلان القاضي الجليل شمس الدِّين، أبو الغَنَائم، المُسْلِم بن
محمد بن المُسْلِم بن مَكِّ بن خَلَف القيسي الدمشقي (٤).
ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع الكثير من حَنْبَل، وابن
طَبَرْزَد، وابن مَنْدُويَه، وغيرهم. وأجاز له الخُشُوعي وجماعة. وكان من
سَرَوَات النَّاس. توفي في ذي الحجّة.
• وفيها البَدْرُ يوسف بن لُؤلُؤ (٥)، الشَّاعر المشهور.
قال الذهبيُّ: كان من كِبَار شُعَرَاء الدولة النَّاصرية، ومن الأدباء
الظِّراف.
(١) انظر ((العبر)) (٣٣٢/٥) و((الوافي بالوفيات)) (٢٢٨/٥) وقد ذكر بأن وفاته كانت سنة (٦٧٠).
(٢) لفظة ((وخمسمائة)) سقطت من ((آ)).
(٣) تحرفت في (آ)) و((ط)) إلى (والأبار)) والتصحيح من ((العبر)) مصدر المؤلّف.
(٤) انظر ((العبر)) (٣٣٢/٥ -٣٣٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٨٣) و((النجوم الزاهرة))
(٣٥٣/٧).
(٥)) انظر ((العبر)) (٣٣٣/٥) و((فوات الوفيات)) (٣٦٨/٤ - ٣٨٣).
٦٤٤

من شعره ۔ وقد تکاثرت الأمطار بدمشق -:
جَاءَ بالطُّوفَانِ والبَحْرِ المُحِيطْ
إِنْ أَلَحَّ(١) الفَيثُ شَهْراً مَكّذا
أقْلِعِي [عَنْهُم] فَهُمْ مِنْ قَوْمِ لُوطْ
مَا هُمُ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ يَا سما
وكتب إلى ابن إسرائيل(٢) وكان يهوى غُلَاماً اسمه جَارِح:
قَلْبُكَ اليومَ طَائِرٌ عَنْكَ أَمْ فِي الجَوَانِحِ
وَهُو فِي كَفِّ جَارِحٍ
كَيْفَ يُرْجَى خَلَاصُهُ
ثم بلغه أنه تركه، فقال:
مِنْ جَارحٍ يَغْدُو بِهِ وَيَرُوحُ
خَلَّصْتَ طَائِرَ قَلْبَكَ العَانِي تُرى(٣)
وَلَقَدْ يسرُّ خَلَاصُهُ إن كُنْتَ قَدْ خَلْصْتَهُ مِنْهُ وفِيهِ رُوحُ
توفي في شعبان، وقد نَّف على سبعين سنة.
· وفيها المِزِّيُّ الفقيه، شمس الدِّين أبوبكر بن عمر بن يونس
الحنفي (٤). روى ((البخاري)) عن ابن مَنْدُويَه، والعَطَّار، و((مسلماً) عن ابن
الحَرَسْتَاني، وعاش سبعاً وثمانين سنة، وتوفي في شعبان، رحمه الله تعالى.
(١) في ((فوات الوفيات)): ((إن أقام)) ولفظة ((عنهم)) مستدركة منه.
(٢) تقدمت ترجمته في وفيات سنة (٦٧٧)، انظر ص (٦٢٦) من هذا المجلد.
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((الذي)) والتصحيح من ((فوات الوفيات)).
(٤)) انظر ((العبر)) (٣٣٣/٥).
٦٤٥

سنة إحدى وثمانين وستمائة
فيها وصلت رُسُل أحمد بن هُولاكو (١) بأنه استَقَرَّ في المملكة إلى
بغداد عوض أخيه، وأمر ببناء المساجد والجوامع وإقامة الشَّرْع الشّريف على
ما كان في زمن الخلفاء، ووصلت رسله إلى الشام وإلى مصر(٢). وكان منهم
الشيخ قطب الدِّين الشِّيرازي.
· وفيها كان بدمشق الحَرِيقُ العظيم الذي لم يسمع بمثله، أقامت النَّارُ
ثلاثة أيام ليلاً ونهاراً. وكان مبدؤه من الذّهبيين. وذهب للنّاس شيءٌ كثير،
ولكن لم يحترق فيه أحدٌ من الناس. ومن جملة مَا ذَهَبَ فيه(٣) للشيخ
شمس الدِّين الكُتُبِي، عرف بالفَاشُوشَة خمسة عشر ألف مجلدٍ.
وحكى السيد جمال الدِّين بن السِّرَاجِ البَصْرَويّ، قال: بتنا(٤) في
الجامع، وإذا الهواءُ ألقى ورقةً من الحريق، مكتوب فيها:
سَلِمَ الأمْرُ رَاضِياً جَفَّ بالكَائِنِ القَلَمْ
إِنَّمَا الرِّزْقُ في القسمْ
لَيْسَ في الرِّزْقِ حِيْلَةٌ
(١) في ((أ) و(ط)): ((هلاكو)).
(٢) في ((ط)): ((ومصر)).
(٣) لفظة ((فيه)) سقطت من ((ط)).
(٤) تصحفت في ((ط)) إلى ((تبنا)).
٦٤٦

ـفَ وَهْوَ لَحْمٌ عَلَى وَضَمْ
جَلَّ مَنْ يَرْزُقُ الضَّعِيـ
لا مَرَدّ لِمَا حَكَمْ
إنَّ للخَلْقِ خَالِقاً
• وفيها توفي (١) الأمين الأشتري الإِمام أبو العَبَّاس أحمد بن
عبد الله بن محمد بن عبد الجَبَّار ابن طلحة بن عمر بن الأشتري الشَّافعي
الحلبي ثم الدِّمشقي(٢).
ولد في شوال سنة خمس عشرة وستمائة، وسمع من أبي محمد بن
عِلْوَان، والقَزْويني، وابن روْزَبَة وخلق، وكان بصيراً بالمذهب، ورعاً،
صالحاً. جمع بين العلم والعمل، والإِنابة، والديانة التَّامة، بحيث إن الشيخ
محبي الدِّين النَّووي كان إذا جاءه شابٌّ يقرأ عليه، يرشده القراءة على
المذكور، لعلمه بدينه وعِفَّته.
قال المِزِّيُّ: كان ممن يُظن به أنه لا يُحسن أن يَعصيَ الله تعالى.
وقال الذهبي: كان بَارِزَ العَدَالة، كبير القَدْرِ، مُقبلاً على شأنه، سرد
الصَّومَ أربعين سنة. توفي فجأة بدمشق في ربيع الأول.
• وفيها ابن خَلِّكان، قاضي القضاة، شمس الدِّين أبو العَبَّاس،
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خَلَّكان البَرْمَكيُّ الإِربليُّ
الشَّافعي (٣) .
ولد بإربل سنة ثمان وستمائة، وسمع ((البخاري)) من ابن مُكرم، وأجاز
(١) لفظة ((توفي)) سقطت من ((آ)).
(٢) انظر ((العبر)) (٣٣٤/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٨٤) و((طبقات الشافعية)) للإِسنوي
(٤٥٤/٢) و((البداية والنهاية)) (٣٠٠/١٣).
(٣) انظر ((العبر)) (٣٣٤/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٨٤) و((الوافي بالوفيات))
(٣٠٨/٧ -٣١٦) و((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٤٩٦/١ -٤٩٧) و((البداية والنهاية))
(٣٠١/١٣) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢١٢/٢ -٢١٥).
٦٤٧

له المؤيّد الطّوسي وجماعة، وتفقه بالموصل على كمال الدِّين بن یُونس،
وبالشَّام على ابن شَدَّاد، ولقي كبار العلماء، وبَرَعَ في الفضائل والآداب،
وسكن مصر مُدَّة، وناب في القضاء، ثم ولي قضاء الشام عشر سنين، وعُزِلَ
بابن الصَّايغ سنة تسع وستين، فأقام سبع سنين معزولاً بمصر، ثم رُدّ إلى
قضاء الشام، ثم عُزِلَ ثانياً في أول سنة ثمانين، واستمر معزولاً وبيده الأمينية
والنَّجيبية.
قال الشيخ تاج الدِّين الفَزَاري في ((تاريخه)): كان قد جمع حُسْنَ
الصُّورة، وفصاحة المَنْطِق، وغزارة الفَضْل، وثبات الجأش، ونزاهة النّفْس.
وقال الذَّهبيُّ: كان إماماً، فاضلاً، مُتقنّاً، عارفاً بالمذهب، حسن
الفَتَاوى، جيد القَرِيحة، بصيراً بالعربية، عَلَّمةً في الأدب، والشعر، وأَيَّام
الناس، كثير الاطلاع، حلو المُذَاكَرَة، وافر الحُرْمَة، من سَرَوَات النَّاس،
كَرِيماً، جواداً، مُمَدَّحاً. وقد جمع كتاباً نفيساً في وفيات الأعيان(١). انتهى.
وللّه دَرُّ القائل:
مَا زِلْتَ تَلْهَجُ بِالأَمْوَاتِ تَكْتُبُهَا حَتَّى(٢) رَأَيْتُكَ فِي الأَمْوَات مَكْتُوبًا
ومن محاسنه أنه كان لا يَجْسُرُ أحدٌ أن يذكر أحداً عنده بغيبة .
حكي أنه جاءه إنسانٌ فحَدَّثه في أذنه، أن عدلين في مكان يشربان
الخمر، فقام من مجلسه ودعا برجل، وقال: اذهب إلى مكان كذا، وأمر من
فيه بإصلاح أمرهما وإزالة ما عندهما، ثم عاد فجلس مكانه إلى أن علم أن
نقيبه قد حضر، فدعا بذلك الرجل، وقال: أنا أبعث معك النَّقيب فإن كنت
(١) وهو المعروف بـ ((وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان)) وهو مطبوع عدة طبعات أفضلها الصادرة
عن دار صادر ببيروت في ثمانية مجلدات بتحقيق الأستاذ الدكتور إحسان عبَّاس، وهي طبعة
جيدة مفهرسة.
(٢) في ((ط)): ((فقد)).
٦٤٨

صادقاً ضربتهما الحدّ، وإن كنت كاذباً أشهرتُك وقطعتُ لسانك، وجهّز
النَّقيب معه، فلم يجدوا غير صاحب البيت وليس عنده شيءٌ من ذلك، فأحضر
الدّة وهدَّده، فشفع النَّقِيب فيه، فقبل شفاعته، ثم أحضر له مُصْحَفَاً وحَلَّفَهُ
أن لا يعود يقذف عرض مسلمٍ.
وله النظم الفائق، فمنه قوله(١):
في حُبَّكُم مِنْكُم بِأَيْسَرِ مَطْلَب
يَا سَادَتِي إِنّي قَنِعْتُ وحَقِّكُم
وَقَصَدْتُمُ هَجْرِي وفَرْطَ تجنُّبِي
يوم الخميسِ جَمَالكم في المُؤْكبِ
وتَحَيُّري وتَلَهُّفي وتَلَّهُّبي
فيما أَمرت وإن شَكَكْتَ فَجَرِّبٍ
وبياض غُرَّتِكَ التي كالغَيْهَبِ
أَخطارِهَا في الحُبِّ أَصْعَبَ مَرْكَبَ
ـعَهْدَ القديم صِيَانَةٌ للمنصب
خَلْعُ العِذَارِ وَلَجَّ فِيكَ مُؤَنِّي
قَدْ جُنَّ هذا الشيخُ فِي هَذَا الصَّبي
إن لم تجودوا بالوصَال تَعَطُّفاً
لا تَحْرِمُوا عَيني القَريحة أن ترى
قَسماً بوجدي في الهوى وتَحَرُّقي
لَوْ قِلتَ لي جُدْ لِي بِرُوحِكَ لم أَقف
وحَياةِ وَجِهِكَ وَهُوَ بدرٌ طالعٌ
وبقامةٍ لكَّ كالقَضِيبِ رَكبتُ من
لَوْ لَمْ أَكُن في رتبة أَرعى لها الـ
لَهَتَكْتُ سِترِي فِي هَوَاكِ وَلَّذَّ لي
لَكِنْ خَشِيتُ بأن تَقُولَ عَوَاذلي
وله في مِلاحٍ يسبحون(٢):
وسِرْب ◌ِبَاءٍ في غديرٍ تَخَالُهُمْ
يقولُ خَليلي والغَرَامُ مُصََاحبي
وفي دَمِكَ المَطْلُولِ خَاضوا كما تَرَى
بُدوراً بأفقِ المَاءِ تبدو وتُغْرِبُ
أما لك عَنْ (٣) هذي الصَّبَابة مذهبُ
فَقُلْتُ لَهُ: دَعْهُم يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا
(١) الأبيات في ((الوافي بالوفيات)) (٣١٢/٧) و((فوات الوفيات)) (١١٢/١ -١١٣) مع بعض
الخلاف.
(٢) الأبيات في ((الوافي بالوفيات)) (٣١٣/٧) و((فوات الوفيات)) (١١٤/١).
(٣) في ((آ): ((في)).
٦٤٩

وتوفي - رحمه الله تعالى - في رجب، ودفن بالصَّالحية.
قال ابن شهبة قال الإِسنوي: خَلِّكَان: قرية [من عمل إربل] كذا قال
وهو وهمٌ(١) وإنما هو اسم لبعض أجداده. انتهى.
وقال الإِسنويُّ في ((طبقاته)): هو صاحب ((التاريخ)) المعروف، وهو ولد
الشِّهَاب محمد (٢)، بيته كما ترى من أَجَلُّ البيوت، ولكن تَلَعَّبَ الدَّهْرُ بناره(٣).
ما بين لَهِيبٍ وخُبُوت، وتَلَغُّبُ بتذكاره، ما بين ظُهُورٍ وخُفُوت، وقد أوضح هو
حاله في ((تاريخه)) مفرقاً. انتهى ملخصاً.
• وفيها البُرْهَانُ بن الدّرجي أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن
إبراهيم بن يحيى القُرَشي الدمشقي الحنفي (٣). إمام مدرسة الكشك. روى
عن الكِنْدي، وأبي الفُتُوح البَكْري، وأجاز له أبو جعفر الصَّيدَلاني وطائفة،
وروى ((المعجم الكبير)) للطبراني، وتوفي في صفر.
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من (طبقات الشافعية)) للإسنوي قلت: وعَلّق مُحقِّقُه الدكتور عبد الله
الجبوري بقوله: أقول: وما زالت هذه القرية التي يقترن باسمها اسم المؤرخ العظيم قاضي
القضاة ابن خَلّكان إلى الآن، وهي كذلك قرية، وتقع في (جناران) - مرزا - رستم، التابعة
إلى قضاء رانية، من محافظة السليمانية في شمال العراق. أفادنيه الأخوان الصديقان: العميد
الأستاذ الفاضل عبد الرحمن التكريتي، والأستاذ صادق التكريتي قائم مقام قضاء
بغداد. انتهى .
قلت: وسألت عن ذلك صديقي الأديب الدكتور خالد قوطرش الكُرْدِيّ - وهو ممن يتقن
الكُرْدِيَةَ ويُلِمُ بالفَارِسِيَةِ - فقال: يقال بأن (ابن خلكان)) يُنسب إلى قرية ((خَلْكَان)) بفتح الخاء
وسكون اللام وفتح الكاف، قرية تقع الآن في شمال العراق، وعليه فإن الصواب أن يقال
(ابن خَلْكَان)). ويقال أيضاً: بأنه حين سئل عن نسبه، قال: خَلِّ كان، يعني اسأل عن الرجل
ودعك من السؤال عن آبائه وأجداده. انتهى كلامه.
(٢) هو محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان. مات سنة (٦١٠) هـ. ترجم له الإسنويّ في
((طبقاته)) (٤٩٦/١).
(٣) انظر ((العبر)) (٣٣٥/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٨٤) و((البداية والنهاية))
(٣٠٠/١٣) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (١ /٥٥٦ - ٥٥٧).
٦٥٠

• وفيها ابن المَلِيجي (١) مسند القُرَّاء بالدِّيار المِصْرِية فخر الدِّين
أبو الطّاهر إسماعيل بن هِبَة الله بن علي المقرىء المعدَّل.
ولد سنة بضع وثمانين وخمسمائة (٢)، وقرأ القراءات على أبي
الجُود (٣)، فكان آخر من قرأ عليه وفاةً، وسمع الحديث من أبي عبد الله بن
البنَّا وغيره، وتوفي في رمضان.
● وفيها الشيخ عبد الله كتيلة بن أبي بكر الحَرْبي الفقير (٤) الصُّوفي°،
بقية شيوخ العراق. كان صاحِبَ أحوالٍ وكرامات، وله أتباع وأصحاب.
تفقه، وسمع الحديث، وصَحِبَ الشيوخ، ومات في عشر الثمانين وكان
حنبلياً (٦).
قال ابن رجب: ولد سنة خمس وستمائة، وسمع الحديث بدمشق من
الحافظ الضَّياء المقدسي، وسليمان الأسعردي، وأجاز له الشيخ
موفق الدِّين (٧)، وتفقه في المذهب ببغداد على القاضي أبي صَالح، وبحَرَّان
على مجد الدِّين بن تيمية، وابن تميم صاحب ((المختصر))، وبدمشق على
(١) تصحفت في ((آ)) و((ط)) و(العبر)) بطبعتيه إلى ((المليحي)) بالحاء المهملة، والتصحيح من
((معرفة القراء الكبار)) (٦٦٣/٢) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٨٤) و((غاية النهاية))
(١٦٩/١) و((النجوم الزاهرة)) (٣٥٦/٧).
(٢) لفظة ((وخمسمائة)) لم ترد في ((أ)).
(٣) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((أبي النجود)) والتصحيح من ((معرفة القراء الكبار)) (٥٨٩/٢)
و ((غاية النهاية)) (١٦٩/١).
(٤) تحرفت في ((آ)) إلى ((الفقيه)).
(٥) انظر ((العبر)) (٣٣٥/٥) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٠١/٢ -٣٠٢).
(٦) قوله: ((وكان حنبليا)) لم يرد في (ط)) وورد مكانه لفظة ((الحنبلي)) عقب لفظة ((الصُّوفي)) في
صدر الترجمة.
(٧) يعني ابن قدامة المقدسي.
٦٥١

الشيخ شمس الدِّين بن أبي عمر وغيره، وبمصر على أبي عبد الله بن
حَمْدَان، ونقل عنهم فوائد، وشرح ((كتاب الخِرَقِي)) وسَمَّاه ((المُهِمّ)). وله
تصانيف أُخَرْ، منها مجلد في أصول الدِّين، سماه «العُدَّة للشِدَّة)) ومصنَّف في
السَّمَاعِ، وحَدَّث، وسمع منه عبد الرزاق بن الفُوطي وغيره، وكان قدوةً،
زاهداً، عابداً، ذا أحوالٍ وكرامات.
وقال الذهبي: كان مع جلالته، يَتَرَنَّمُ ويغني لنفسه في بعض الأوقات.
وكان فيه كَيْسُ وظرفٌ وبشاشةٌ. توفي - رحمه الله - يوم الجمعة منتصف
رمضان ببغداد.
· وفيها جَلَالُ الدِّين أبو محمد عبد الجَبَّار بن عبد الخالق بن
محمد بن نصر الزَّاهد الفقيه الحنبلي المُفَسِّرُ الأصوليّ الواعظ(١).
ولد سنة تسعٍ (٢) عشر وستمائة ببغداد، وسمع من ابن المَنيّ وغيره،
واشتغل بالفقه، والأصول، والتفسير، والوعظ، والطبِّ، وبَرَعَ في ذلك. وله
النَّظْمُ والنّثْرُ، والتصانيف الكثيرة، منها ((تفسير القرآن)) في ثمان مجلدات،
ولم يزل على ذلك إلى واقعة بغداد، فأُسِرَ، واشتراه بدر الدِّين صاحب
الموصل، فحمله إلى الموصل فوعظ بها، ثم حَدَّرَه إلى بغداد، فاستمر بها
صدراً إلى أن توفي في يوم الاثنين سابع عشري شعبان، وكان له يوم مشهود.
· وفيها الشيخ زين الدِّين الزَّوَاوي الإِمام أبو محمد عبد السَّلام بن
علي بن عمر بن سَيِّد النّاس المَالِكي القاضي المقرىء(٣)، شيخ المقرئين.
(١) انظر ((الوافي بالوفيات)) (٤٧/١٨) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٠٠/٢ - ٣٠١) و((طبقات
المفسرین» للداودي (٢٥٨/١ - ٢٥٩).
(٢) لفظة ((تسع)) لم ترد في ((ط)).
(٣) انظر ((العبر)) (٣٣٥/٥ -٣٣٦) و((معرفة القراء الكبار)) (٦٧٦/٢ - ٦٧٧) و((الإعلام بوفيات
الأعلام)) ص (٢٨٤) و((غاية النهاية)) (٣٨٦/١ - ٣٨٧).
٦٥٢

ولد ببجاية سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وقرأ القراءات بالإِسكندرية
على ابن عيسى، وبدمشق على السَّخَاوي، وبَرَعَ في الفقه، وعلوم القرآن،
والزُّهد، والإِخلاص، وولي مشيخة الإِقراء بتّرْبَة أم الصَّالح اثنتين وعشرين
سنة، وقرأ عليه عدد كثير، وولي القضاء تسعة أعوامٍ، ثم عَزَلَ نفسه يوم
موت رفيقه القاضي شمس الدِّين بن عطاء، واستمر على التدريس والإِقراء
إلى أن توفي في رجب.
• وفيها البُرْهَان المَرَاغي أبو الثَّنَاء محمود بن عُبَيْد الله بن
عبد الرحمن بن محمد العَلَّمة برهان الدِّين الشافعي(١) الأصولي (٢).
ولد سنة خمس وستمائة، وحَدَّث عن أبي القاسم بن رَوَاحة، وكان مع
سَعَة فضائله وبراعته في العلوم، صالحاً، متعبِّداً، متعقِّفاً، عُرِضَ عليه
القضاء ومشيخة الشيوخ فامتنع، ودَرَّس مُدَّة بالفلكية، وأفتى، واشتغل
بالجامع مُدَّة طويلة. وحَدَّث عنه المزِّيُّ، والبِرْزَالِيُّ، وابن العَطَّار، وجماعة.
وكان شيخاً، طوالاً، حسن الوجه، مهيباً، متصوفاً، لطيف الأخلاق، كريم
الشَّمَائل، مُكَمَّل الأدوات. وكان عليه وعلى الشيخ تاج الدِّين مدار الفتوى
بدمشق. توفي في ربيع الآخر، ودفن بمقابر الصُّوفية.
• وفيها أبو المُرْهَف المِقْدَاد بن أبي القاسم هِبَة الله بن علي بن
المِقْدَاد الإِمام نجيبُ الدِّين القَيسيّ الشافعي(٣).
ولد سنة ستمائة ببغداد، وسمع بها من ابن الأخضر، وأحمد بن
(١) في ((ط)): ((الشافعي العَلامة)).
(٢) انظر ((العبر)) (٣٣٦/٥) و(«البداية والنهاية)) (٣٠٠/١٣) و((النجوم الزاهرة)) (٣٥٦/٧).
(٣) انظر ((العبر)) (٣٣٦/٥ - ٣٣٧) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٨٤) و((طبقات الشافعية)
لابن قاضي شهبة (٢٦٢/٢ -٢٦٣) و((النجوم الزاهرة)) (٣٥٦/٧).
٦٥٣

الدّبيئي، ويمكّة من ابن الحُصَري، وابن البنّا، وروى الكثير. وكان عدلاً،
خَيِّراً، تاجراً. توفي في ثامن شعبان بدمشق.
• وفيها منكوتَمُر أخو أَبْغَا بن هُولاكو (١) المُغْلي (٢) طاغية التتار. كان
نصرانياً، جرح يوم المَصَافَ على حِمْصَ، وحصل له أَلَمٌ، وَغَمُّ بالكسرة،
فاعتراه فيما قيل صَرْعْ مُتدارك كما اعترى أباه، فهَلَكَ في أوائل المُحَرِّم
في قرية(٣) من جزيرة ابن عُمَر، وله ثلاثون سنة. وكان شجاعاً جريئاً مهيباً.
• وفيها جمال الدِّين أبو إسحاق يوسف بن جامع بن أبي البَرَكات
البغدادي القُفْصي (٤) الضرير المقرىء النحوي الحنبلي الفَرَضِي.
ولد سابع رجب سنة ست وستمائة بالقُفْص(٥) من أعمال بغداد. وقرأ
القرآن بالروايات على أبي عبدالله محمد بن سالم صاحب البطائحي وغيره،
وسمع الحديث من عمر بن عبد العزيز بن النَّاقد، وأخته تاج النّساء عجيبة.
وأجاز له ابن مَنِيْنَا وغيره، وبرع في العربية، والقراءات، والفرائض، وغير
ذلك. وانتفع الناس به في هذه العلوم، وصَنّف فيها التصانيف الحسنة.
قال إبراهيم الجَعْبَري: هو جَمَّاعةٌ لعلوم القرآن، قرأت عليه كتباً كثيرة
في ذلك.
(١) في ((آ)) و((ط)): ((هلاك)).
(٢) في ((آ)): ((المضل).
(٣) في ((آ) و((ط)): ((بقوجه)) والتصحيح من ((العبر)) وهامش((ط)).
(٤) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((القَصَصي)) والتصحيح من (معرفة القراء الكبار)) (٦٨٣/٢)
و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٠٤/٢) و((غاية النهاية)) (٣٩٤/٢).
(٥) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((بالقصص)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)) وانظر ((معجم
البلدان» (٣٨٢/٤).
٦٥٤

وقال الذهبي: كان مقرىء بغداد، عارفاً باللغة، والنَّحو، بصيراً بعلل
القراءات، متصدياً لإِقرائها. دخل دمشق، ومصر، وسمع من شيوخهما. جَمِّ
الفضائل لا يتقدمه أحد في زمانه في الإِقراء. توفي يوم الجمعة تاسع عشري
صفر ببغداد، ودفن بباب حرب.
٦٥٥

سنة اثنتين وثمانين وستمائة
● فيها توفي إسماعيل بن أبي عبد الله العَسْقَلاني ثم الصَّالحي(١) في
ذي القعدة، وله ست وثمانون سنة. سمع من حَنْبَل، وابن طَبَرْزَد، والكبار.
وكان أُمَّاً لا يقرأ ولا يكتب.
، وفيها أمير آل مِرَى أحمد بن حِجِّي(٢). كان يدّعي أنه من نَسْلِ
البَرَامِكة، وأنه ابن عَمِّ قاضي القضاة شمس الدِّين بن خَلِّكان. وكانت سَرَايَاهُ
تصل إلى أقصى نَجْدٍ، وأهل الحجاز يؤدّونَ لَهُ الخفر.
• وفيها شِهَابُ الدِّين أبو المحاسن وأبو أحمد عبد الحليم بن
عبد السلام بن عبد الله بن تَيْمِيَّة الحَرَّاني(٣)، نزيل دمشق، الحنبلي ابن
المجد، وأبو شيخ الإِسلام تقي الدِّين.
ولد سنة سبع وعشرين وستمائة بحرَّان، وسمع من والده وغيره، ورحل
في صِغَرِه إلى حلب، فسمع بها من ابن اللّتي، وابن رَوَاحة، ويوسف بن
خليل، ويَعِيش النّحوي، وغيرهم. وتفقه بوالده، وتَفْنْنَ في الفضائل.
قال الذهبي: قرأ المذهب حتّى أتقنه على والده، ودَرَّس، وأفتى،
(١) انظر ((العبر)) (٣٣٧/٥) و((القلائد الجوهرية)) (٤٢٠/٢).
(٢) نظر ((الوافي بالوفيات)) (٣٠٤/٦ -٣٠٥) و((المنهل الصافي)) (٢٦١/١ -٢٦٢).
(٣) انظر (العبر)) (٣٣٨/٥) و((الوافي بالوفيات)) (٦٩/١٨) و((ذيل طبقات الحنابلة))
(٣١٠/٢ -٣١١).
٦٥٦

وصَنَّف، وصار شيخ البلد بعد أبيه، وخطيبه، وحاكمه. وكان إماماً مُحَقِّقاً،
كثير الفُنون. له يدٌ طولى في الفرائض، والحساب، والهيئة، دَيِّناً، مُتواضعاً،
حسن الأخلاق، جواداً، من حَسَنَات العصر. تفقه عليه ولداه أبو العَبَّاس(١) وأبو
محمد، وحَدَّثنا عنه على المنبر ولده، وكان قدومه إلى دمشق بأهله وأقاربه،
مهاجراً سنة سبع وستين، وكان من أَنْجُم الهُدى، وإنما اختفى من نور القَمَر
وضوء الشمس، یشیر إلى أبيه وابنه.
وقال البِرْزَالي: كان من أعيان الحنابلة، باشر بدمشق مشيخة دار
الحديث السُّكَّرية بالقَصَّاعين، وبها كان يَسكن، وكان له كرسيّ بالجامع
يتكلم عليه أيام الجُمَعِ من حفظه، ولما توفي خَلَفَهُ فيهما ولده أبو
العَبَّاس(١)، وله تعاليق وفوائد، ومُصَنَّف في علوم عِدَّة. توفي ليلة الأحد سلخ
ذي الحجَّة، ودفن من الغَدِ، يُقال بسفح قاسيون.
• وفيها الجَمَال الجَزَائري أبو محمد عبد الله بن يحيى الغَسَّاني(٢)،
المُحَدِّث، نزيل دمشق. روى عن أبي الخَطَّاب ابن دِحْيَة، والسَّخَاوي
وخلق، وكتب الكثير، وصار من أعيان الطَّلبة، مع العبادة والتواضع. توفي
في شوال.
● وفيها شيخ الإِسلام وبقية الأعلام شمس الدِّين أبو الفرج وأبو محمد
عبد الرحمن ابن القُدْوَةِ الزَّاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن
قُدَامة المقدسي ثمَّ الصَّالحي الحنبلي(٣).
(١) يعني شيخ الإسلام.
(٢) تحرفت في ((ا)) و((ط)) إلى (العتابي)) والتصحيح من (العبر)) (٣٣٨/٥) و((الوافي بالوفيات))
(٦٧١/١٧).
(٣) انظر ((العبر)) (٣٣٨/٥ - ٣٣٩) و((الوافي بالوفيات)) (٢٤٠/١٨ - ٢٤٤) و(«ذيل طبقات
الحنابلة)) (٣٠٤/٢ - ٣١٠).
٦٥٧

ولد في أول شوال، وقيل: في المحرم، سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدير
والده بسفح قاسيون، وسمع من أبيه وعَمِّه الشيخ موفقْ الدِّين، ومن ابن
طَبَرْزَد، وحَنْبَل، وأبي اليُمن الكِنْدي، وأبي القاسم بن الحَرَسْتَاني، وابن
مُلَاعِب، وجماعة مستكثرة، وأجاز له الصَّيْدَلاني، وابن الجوزي، وجماعة،
وسمع من أصحاب السِّلَفي، وعُني بالحديث، وكتب بخطّه الأجزاء والطّباق،
وتَفَقّه على عَمِّه شيخ الإِسلام الموفق، وشرح كتاب عَمِّه ((المقنع)) في عشر
مجلدات ضخمة، وأخذ الأصول عن السَّيف الآمدي، ودَرَّس، وأفتى، وأقرأ
العلم زماناً طويلاً، وانتفع به الناس، وانتهت إليه رئاسة المذهب في عصره
بل رئاسة العلم في زمانه، وكان مُعَظّماً عند الخاص والعام، عظيم الهيبة
لدى الملوك وغيرهم، كثير الفضائل والمحاسن، متين الدِّيانة والوَرَع، وقد
جمع المُحَدِّثُ إسماعيل بن الخَبَّاز ترجمته وأخباره في مائة وخمسين جزءاً.
قال الحافظ الذهبي: ما رأيت سيرة عالم أطول منها أبداً.
وقال الذهبي أيضاً في (معجم شيوخه))(١) في ترجمة الشيخ
شمس الدِّين: شيخ الحنابلة، بل شيخ الإِسلام، وفقيه الشام وقدوة العباد
وفريد وقته ومن اجتمعت الألْسُنُ على مَدْحِهِ والثَّنَاء عليه، حَدَّث نحواً من ستين
سنة، وكتب عنه أبو الفتح بن الحاجب، وقال: سألت عنه الحافظ الضياء
فقال: إمامٌ عالمٌ خَيِّرُ. قال الذهبي: وكان الشيخ محيي الدِّين النَّواوي يقول:
هو أَجَلُّ شيوخي .
وأول ما ولي مشيخة دار الحديث سنة خمس وستين وستمائة. حَدَّث
عنه بها في حياته(٢).
(١) انظر ((معجم الشيوخ)) للذهبي (٣٧٥/١ - ٣٧٦).
(٢) قوله ((في حياته)) سقط من ((ط)).
٦٥٨

وقال ابن رجب: روى عنه [الشيخ] محبي الدِّين النّوي في كتاب
((الرُّخصة في القيام)) (١) له، فقال: أنبأ الشيخ الإِمام المتفق على إمامته وفضله
وجلالته، القاضي أبو محمد عبد الرحمن ابن الشيخ الإِمام العالم العامل
الزَّاهد أبي عمر المقدسي، رضي الله عنه.
وقال الذهبي: وروى عنه أيضاً الشيخ زين الدِّين أحمد بن عبد الدائم
وهو أكبر منه وأسند. وذكره في ((تاريخه الكبير)) وأطال ترجمته، وذکر فضائله،
وعباداته، وأوراده، وكرمه، ونفعه العام، وأَنَّه حَجَّ ثلاث مَرَّات، وكان آخرها
قد رأى النَّبِيِّ - وَ ◌ّهـ في المنام يطلبه، فَحَجَّ ذلك العام، وحضر الفتوحات،
وأنه كان رقيق القلب، سريع الدَّمعة، [كَرِيمَ النَّفْس]، كثير الذِّكر لله، والقيام
بالليل، محافظاً على صلاة الضُّحى، ويصلي بين العشاءين ما تيسّر، ويؤثر
بما يأتيه من صِلات(٢) الملوك وغيرهم. وكان متواضعاً عند العَامَّة، مترفِّعاً
عند الملوك، وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والمُحَدِّثين، وأهل الدِّين، وأوقع
الله محبته في قلوب الخلق. وكان كثير الاهتمام بأمور النَّاس، لا يكاد يَعْلَمُ
بمريضٍ إلّ افتقده، ولا مات أحد من أهل الجبل إلا شَيَّعَهُ.
وذكر فخر الدِّين البَعْلَبكي، أنه منذ عرفه ما رآه غضب، وعرفه نحو
خمسين سنة.
وقد ولي القضاء مُدّةً تزيد على اثنتي عشرة سنة، على كُرٍْ منه، ولم
يتناول عليه معلوماً، ثم عزل نفسه في آخر عمره، وبقي قضاء الحنابلة شاغراً
[مُدَّة]، حتى ولي ولده نجم الدِّين في آخر حياة الشيخ. وكان الشيخ ينزل(٣)
في ولايته الحكم على بهيمة إلى البلد.
(١) ص (٣٤) طبع دار الفكر بدمشق بتحقيق الأستاذ الفاضل أحمد راتب حَمُّوش.
(٢) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((من صِلّة)).
(٣) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((نزل)).
٦٥٩

وقد ذكر أبو شامة في ((ذيله)): ولاية الشيخ سنة أربع وستين، قال: جاء
من مصر ثلاثة عهود بقضاء القُضَاة لثلاثة: ابن عطاء، والزَّوَاوي، وابن
أبي عمر. فلم يقبل المالكي، والحنبلي، وقبل الحنفي. ثم ورد الأمر
بإلزامهما بذلك، وقيل: إن لم يقبلاها وإلّ يؤخذ ما بأيديهما من الأوقاف،
ففعلا من أخذ جامكية، وقالا: نحن في كفاية، فأعفيا منها.
وبقي بعد عزل نفسه متوفّراً على العبادة والتدريس، وإشغال(١) الطلبة،
والتصنيف.
وكان أَوْحَدَ زمانه في تَعَدُّدِ الفَضَائل، والتَّفَرُّدِ بالمحامد، ولم يكن له
نظيرٌ في خلقه ورياضته، وما هو عليه. وانتفع به خلق كثير.
وممن أخذ عنه العلم، الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية، والشيخ مجد الدِّين
إسماعيل بن محمد الحَرَّاني. وكان يقول: ما رأيت بعيني مثله.
وروى عنه خلق كثير من الأئمة والحُفّاظ، منهم: الشيخ تقي الدِّين بن
تيمية، وأبو محمد الحَارِثِي، وأبو الحسن بن العَطَّار، والمِزِّي، والبِرْزَالي،
وغيرهم.
وتوفي - رحمه الله - ليلة الثلاثاء، سلخ ربيع الآخر، ودفن من الغد عند
والده بسفح قاسيون، وكانت جنازته مشهودةً، حضرها أُمَمٌ لا يُحْصَوْنَ،
ويقال: إنه لم يُسْمَع بمثلها من دَهْرٍ طويلٍ.
قال الذهبي: رأيت وفاة الشيخ شمس الدِّين بن أبي عمر بخط شيخنا
شيخ الإِسلام ابن تَّيْمِيّة، فمن ذلك:
توفي شيخنا الإِمام سَيِّدُ أهل الإِسلام في زمانه، وقُطْبُ فَلَك الأيام في
(١) في ((آ)): ((واشتغال)) وهو خطأ.
٦٦٠