Indexed OCR Text

Pages 601-620

كبار علماء الشيعة، عارفاً بمذهبهم، وله صيتٌ عظيم بالحِلّة والكُوفة، وعنده
دينٌ وأمانةٌ .
• وفيها عبد الملك بن العجمي الحلبي(١). كان فاضلاً.
ومن شعره في مليح في عنقه شَامَة واسمه العزّ:
مَسْرُوقَةٌ مِنْ دُجىْ صُدْغَيهِ وَالغَسَقِ
العزُّ بَدْرٌ ولكنْ إنّ شَامَتَهُ
في حُبِّه عَلِقَتْ للظُلْم في العُنُقِّ
وإنما حَبَّةُ القَلب التي احَتَرقَت
• وفيها عماد الدِّين عبد الرحمن بن أبي الحسن بن يحيى
الدَّمَنْهُوري (٢) كان فقيهاً شافعياً(٣)، فاضلاً إماماً. تولى إعادة المدرسة
الصَّالحية بالقاهرة، وصنّف كتابه المشهور في الاعتراض على التنبيه، وقد أساء
التعبير في مواضع منه.
ولد بدَمَنْهُور الوحش من أعمال الدِّيار المصرية في ذي القعدة، سنة
ست وستمائة، وتوفي في شهر رمضان. قاله الإِسنوي في ((طبقاته)).
(١) لم أعثر على ترجمة له فيما بين يدي من المصادر.
(٢) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٨٩/٨) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٥٥١/١)
و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٧١/٢ - ١٧٢) و((حسن المحاضرة)) (٤٢٠/١).
(٣) لفظة (شافعياً)) لم ترد في (ط) وأثبتت فيها لفظة ((الشافعي)) عقب لفظة «الدَّمَنْهُوري)).
٦٠١

ر
سنة خمس وسبعين وستمائة
· فيها توفي الشيخ قطب الدِّين أبو المَعَالي أحمد بن عبد السَّلام بن
المطهّر ابن أبي سعد بن أبي عَصْرُون التّميمي الشَّافعي(١) مدرس الأمينية
والعَصْرونية بدمشق.
ولد سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وختم القرآن سنة تسع وتسعين،
وأجاز له ابن كُلَيب وطائفة، وسمع من ابن طَبَرْزَد، والكِنْدي، وتوفي في
جمادى الآخرة بحلب.
· وفيها السَّيِّدُ الجليل الشيخ أحمد بن علي [بن إبراهيم] بن محمد بن
أبي بكر البَدَويّ(٢) الشّريف الحَسِيبُ النَّسيبُ.
قال الشيخ عبد الرؤوف المُنَاوي في ((طبقاته)) أصله من بني بَرِّي قبيلة
من عَرَب(٣) الشّام. ثم سكن والده المغرب فولد له صاحب الترجمة بفاس،
سنة ست وتسعين وخمسمائة، ونشأ بها، وحفظ القرآن، وقرأ شيئاً من فقه
الشَّافعيِّ، وحَجَّ أبوه به وبإخوته(٤) سنة ست وستمائة، وأقاموا بمكّة، ومات
أبوه سنة سبع وعشرين وستمائة، ودفن بالمُعَلّى، وعرف بالبدويّ للزومه
(١) انظر ((الوافي بالوفيات)) (٦٠/٧ - ٦١) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (١٩٠/١).
(٢) انظر ((النجوم الزاهرة)) (٢٥٢/٧ - ٢٥٣) و((طبقات الأولياء)) ص (٤٢٢ - ٤٢٣) و((حسن
المحاضرة)» (٥٢١/١ - ٥٢٢).
(٣) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((غرب)) والتصحيح من ((طبقات الأولياء)).
(٤) كذا في ((آ)) و((المنتخب)) لابن شِقْدَة (١٨٧/آ): ((وباخوته)) وفي ((ط)): ((وبأخويه)).
٦٠٢

اللَّثَامَ، لأنه كان يلبس لِثَامَينٍ ولا يفارقهما، ولم يتزوج قطَّ، واشتهر بالعَطَّاب
لكثرة عطب من يؤذيه [ثُمَّ لزم الصَّمْتَ، فكان لا يتكلَّمُ إلّ بإشارة وتولُه،
فحصل له جمعية على الحقِّ فاستغرق إلى الأبد](١). وكان عظيم الفتوة.
قال المَتْبُولي (٢): قال لي رسول الله وَّهُ: ((ما في أَوْلِياءِ مِصْرَ بَعْدَ
مُحمدٍ بن إدريسَ (٣) أَكْبَرَ فُتُوَّةً مِنْهُ، ثُمَّ نَفِيْسَةُ(٤) ثم شرف الدِّين الكُردي ثم
المنوفيّ))(٥) انتھی. وکان یمكث أربعين يوماً لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وأكثر
أوقاته شاخصاً ببصره نحو السماء، وعيناه كالجمرتين، ثم سمع هاتفاً يقول
ثلاثاً: قُم واطلب مطلع الشَّمس، فإذا وصلته؛ فاطلب مغربها، وسر إلى
طَنْدَتا(٦) فإن فيها مَقَامُك أَيُّها الفتى، فسار إلى العراق، فتلقاه العارفان
الكيلاني، والرِّفاعي - أي بروحانيتهما - فقالا: يا أحمد! مفاتيح العِرَاق،
والهند، واليمن والشرق والغرب(٧) بيدنا فاختر أيّها شئت. فقال: لا آخذ
(١) ما بين الحاصرتين لم يرد في ((ط)) و((المنتخب)) لابن شِقْدَة.
(٢) هو إبراهيم بن علي بن عمر الأنصاري المَتْبُولي، برهان الدِّين، صالح مصري. كان للعامة
فيه اعتقادٌ وغلوَّ. كانت شفاعته عند السلطان والأمراء لا تردُّ، وله برَّ ومعروفٌ. أنشأ جامعاً
كبيراً بطنطا (طندتا) وأنشأ برجاً بدِمْيَاط، وأنشأ بِيُرْكَةِ الخَبِّ حوضاً وسبيلاً ويستاناً. فال ابن
إياس: كان نادرة عصره وصوفيٍّ وقته. توفي سنة (٨٧٧ هـ) عن نحو ثمانين سنة وخلّف كتاباً
سمَّاه ((الأخلاق المتبولية)). انظر ((بدائع الزهور)) (٨٨/٣) بتحقيق الأستاذ محمد مصطفى،
و((الضوء اللّامع)) (٨٥/١ - ٨٦) و((الأعلام)) (٥٢/١) الطبعة الرابعة.
(٣) يعني الإِمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى.
(٤) يعني السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، صاحبة المشهد
المعروف بمصر، رحمها الله تعالى. انظر ((الأعلام)) (٤٤/٨).
(٥) أقول: هذا وما يتلوه في هذه القصة من شطحات الصُّوفية التي ما أنزل الله بها من
سلطان. (ع).
(٦) وهي المعروفة الآن بـ (طنطا)) وقد تحرفت في ((الضوء اللامع)) (٨٥/١) إلى ((طنتدا)) وتبعه
على ذلك العلامة الزركلي في ((الأعلام)) (٥٢/١) فتصحح. انظر ((بدائع الزهور)) (١ / ١/
٣٣٦ و٤٦٣) والقسم الثالث من فهارسه صفحة (٢٨٩).
(٧) كذا في ((آ) و((المنتخب)) لابن شقدة (١٨٧/ب): ((والشرق والغرب)) وفي ((ط)): ((والمشرق
والمغرب».
٦٠٣

المفاتيح إلّ من الفَتَّاح. ثم رحل إلى مصر، فتلقاه الظَّاهر بيبرس بعسكره،
وأكرمه، وعظّمه، ودخلها سنة أربع وثلاثين، وكان من القوم الذين تشقى بهم
البلاد وتسعد، وإذا قربوا من مكان هرب منه الشيطان وأبعد، وإذا باشروا
المعالي كانوا أسعد الناس وأصعد، فأقام بطَنْدَتًا على سطح دارٍ لا يفارقه ليلاً
ولا نهاراً اثنتي عشرة سنة، وإذا عرض له الحال صَاح صياحاً عظيماً، وتبعه
جمعٌ، منهم: عبد العال، وعبد المجيد، وكان عبد العال يأتيه بالرّجل أو
الطّفل فينظر إليه نظرةً واحدةً فيملوّه مدداً، ويقول لعبد العال: اذهب به إلى
بلد كذا أو مَحلِّ كذا، فلا تمكن مخالفته.
ولما دخل طَنْدَتَا كان بها جمع من الأولياء، فمنهم من خرج منها هيبةً
له، كالشيخ حسن الإِحْنَائي، فسكن إخْنَا(١) حتَّى مات، وضريحه بها ظاهر
یزار.
ومنهم من مكث كالشيخ سالم المغربي. وسَالَمَ الشيخ البَدَويّ، فأقرَّه
على حاله؛ حتَّى مات بطَنْدَتَا، وقبره بها مشهور.
ومنهم من أنكر عليه كصاحب الأيدوان العظيم بطَّنْدَتًا المسمى بوجه
القمر. كان ولياً كبيراً فندر به الحسد، فسلبه، ومحلّه الآن بطَنْدَتَا مأوى
الكلاب، ولیس فیہ رائحةُ صلاحٍ ولا مددٌ.
وكان الشيخ إذا لبس ثوباً أو عمامةً لا يخلعها لغسل ولا غيره حتى تبلی
فتبدل، وكان لا يكشف اللِّئَام عن وجهه. فقال له عبد المجيد: أرني
وجهك. قال: كُلُّ نظرةٍ برجل. قال: أرنيه ولو متُّ، فكشفه فمات حالاً.
وله كرامات شهيرة، منها قصة المرأة التي أُسَرَ ولدها الفِرنج فلاذت به،
فأحضره في قيوده.
(١) انظر ((معجم البلدان)) (١٢٤/١).
٦٠٤

ومنها أنه اجتمع به ابن دقيق العيد، فقال له: إنك لا تصلي وما هذا
[من] سُنن الصَّالحين! فقال: اسكت وإلّ أُغَبِّرُ دَقِيْقَكَ، ودفعه فإذا هو بجزيرة
عظيمةٍ جداً، فضاق خاطره حتّى كاد يَهْلَكُ، فرأى الخضر، فقال: لا بأس
عليك، إن مثل البدويّ لا يُعْتَرَضُ عليه، لكن اذهب إلى هذه القُبّة وقف
بيابها، فإنه يأتي عند دخول وقت العصر ليصلي بالناس، فتعلّق بأذياله، لعله
أن يعفو عنك(١)، ففعل فدفعه، فإذا هو بباب بيته. ومات - رضي الله عنه -
في هذه السنة، ودفن بطَنْدَتَا، وجعلوا على قبره مقاماً، واشتهرت كراماته،
وكثرت النُّذُور إليه (٢). واستخلف الشيخ عبد العال، فَعُمّرَ طويلاً، إلى أن
مات سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، واشتهرت أصحابه بالسُّطوحية. وحَدَثَ
لهم بعد مدة عمل المولد، وصار يقصد من بلاد بعيدة، وقام بعض العلماء
والأمراء بإبطاله فلم يتهيأ لهم ذلك؛ إلّ في سنة واحدة، وأنكر عليه ابن اللَّبان
ووقع فيه، فَسُلِبَ القرآن والعلم، فصار يستغيث بالأولياء حتّى أغاثه ياقُوت
العَرْشي، وشفع فيه. انتهى كلام الشيخ عبد الرؤوف المُنَاوي باختصار.
• وفيها الشيخ الزَّاهد جَنْدَل بن محمد العجمي(٣).
قال القطب اليُّونيني في ((ذيله على مختصر المرأة)) له: الشيخ الصَّالح
العارف. كان زاهداً، عابداً، منقطعاً، صاحب كراماتٍ وأحوال ظاهرة
وباطنة، وله جِدٌّ واجتهاد، ومعرفة بطريق القوم. انتهى.
(١) لفظة (عنك)) سقطت من ((آ)).
(٢) قلت: لا يجوز النَّذْرُ لغير الله عزَّ وجلَّ، وقد نهى رسول الله :﴿ عن النَّذر، وذلك فيما رواه
البخاريُّ رقم (٦٦٠٨) و (٦٦٩٢) و (٦٦٩٣) ومسلم رقم (١٦٣٩) عن عبد بن عمر بن
الخطّاب رضي الله عنهما قال: عن النبيِّ وَ﴿، أنَّهُ نهى عن النّذْر، وقال: إنه لا يأتي بخير،
وإنما يُسْتَخْرَجُ به من البَخِيلِ، وقد استوفيت تخريج الحديث في ((عمدة الأحكام)) للحافظ
عبد الغني المقدسي صفحة (٢٥٤) طبع دار المأمون للتراث بدمشق فراجعه.
(٣) انظر ((البداية والنهاية)) (٢٧٣/١٣).
٦٠٥

وكان الشيخ تاج الدِّين عبد الرحمن بن الفِرْكَاح الفَزاري يتردد إليه في
کثیر من الأوقات، وله به اختصاص.
قال ولده الشيخ برهان الدِّين: كنت أروح مع والدي إلى زيارته
بمَنِين(١)، ورأيته يجلس بين يديه في جمعٍ كثيرٍ ويستغرق في وقته في الكلام
مُغرباً لا يفهمه أحد من الحاضرين بألفاظ غريبة.
وقال الشيخ تاج الدِّين المذكور: الشيخ جَنْدَل من أهل الطريق وعلماء
التحقيق، اجتمعت به في سنة إحدى وستين وستمائة، فأخبرني أنه بلغ من
العمر خمساً وتسعين سنة، وكان يقول: طريق القوم واحدٌ، وإنما يثبت عليه
ذوو العقول الثابتة. وقال: المُؤَلَّهُ مَنْفِيٌّ ويعتقد أنه واصلٌ، ولو علم أنه مَنْفِيٌّ
لرجع عما هو عليه.
وقال: ما تقرّب أحد إلى الله عزّ وجلَّ بمثل الذُّل والتَّضَرُّعِ والانكسار.
وقال ابن كثير: كانت له عبادةٌ وزهادةٌ وأعمالٌ صالحةً. وكان الناس
يتردّدون إلی زیارته.
وزاره الملك الظَّاهر بيبرس مَرَّات، وكذلك الأمراء بمَنِين.
وكان يقول: السماع وظيفةُ أهل البَطَالة.
توفي في رمضان، ودفن بزاويته المشهورة بقرية مَنِين، ومات وله من
العمر مائة وتسع سنين، رحمه الله.
• وفيها ابن القُوَيرة(٢) بدر الدِّين محمد بن عبد الرحمن بن محمد
(١) مَنِين: مصيف إلى الشمال الشرقي من دمشق على بعد ثمانية عشر كيلو متراً منها. انظر ((معجم
البلدان» (٢١٨/٥).
(٢) قال صاحب ((الجواهر المضية)): الفُوَيْرِة: بكسر الراء المهملة واشتهر بين الناس بفتح الراء،
كذا قال لي شيخنا قطب الدِّين - يعني عبد الكريم بن عبد النُّور الحلبي المتوفى سنة
(٧٣٥ هـ) -.
٦٠٦

السّلَمي الدمشقي الحنفي(١). أحد الأذكياء الموصوفين. درَّس وأفتى، وبرع
في الفقه، والأصول، والعربية، ونظم الشعر الفائق الرائق.
منه قوله:
في روضة من جُلَّنَارٍ
خَالِهِ
حبَّةَ
عَاینتُ
فاصْطَادَهُ شَرَكُ العِذَارْ
طائراً
فَغَدا فُؤادي
وله في أصيل الذّهبيات:
نَرَتْ
ورِياضٍ كلما انعَطَفَتْ
أُوْرَاقها
ذَهَبَا
فَوْقَهَا
تحسبُ الأغصان حين شَدًا
القُمّرُّ
وانْتَحَبَا
لبستْ
ذَكَرتُ عَصْرَ الشبابِ وَقَدْ
قَشَبَا
أثوابهُ (٢)
ورَمَتْ
فَانْثَنَتْ في الدّوْحِ رَاقصةً
توفي - رحمه الله - في جمادى الأولى قبل الكُهُولة.
أُثْوَابَهَا
طَرَبَا
• وفيها شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن منصور
الحَرَّاني (٣) الفقيه الحنبلي الأصوليّ المُنَاظِرُ.
ولد بحَرَّان في حدود العشر والستمائة، وتفقّه بها على الشيخ مجد
الدِّين بن تَّيْمِيَّة، ولازمه حتَّى بَرَعَ. وقرأ الأصول والخِلَاف على القاضي
نجم الدِّين ابن المقدسي الشَّافعي. وسافر إلى الدِّيار المصرية، وأقام بها مُدة
يَحْضُرُ دَرْسَ الشيخ عز الدِّين بن عبد السَّلام. وولي القضاء ببعض البلاد
(١) انظر ((العبر)) (٣٠٦/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٨١) و ((فوات الوفيات)) (٣٩٤/٣ -
٣٩٧) و((الجواهر المضية)) (٢١٩/٣) بتحقيق الدكتور الحلو، و((النجوم الزاهرة))
(٢٥٣/٧ - ٢٥٤) و ((السلوك)) (٦٣٤/٢/١).
(٢) في ((فوات الوفيات)): ((أبراده)).
(٣) انظر ((العبر)) (٣٠٦/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٨١) و((ذيل طبقات الحنابلة))
(٢٨٧/٢ - ٢٨٨).
٦٠٧

المصرية، وهو أول حنبليٍّ حكم بالدِّيار المصرية، ثم ترك ذلك ورجع إلى
دمشق وأقام بها مدة سنين إلى حين وفاته، يُدَرِّسُ الفقه بحلقةٍ له بالجامع،
ويكتب على الفتاوى. وباشر الإِمامة بمحراب الحنابلة من جامع دمشق.
قال القُطب اليُّونيني: كان فقيهاً إماماً، عالماً، عارفاً بعلم الأصول
والخلاف وحسن العبارة، طويل النَّفَسِ في البحث، كثير التحقيق، غزير
الدَّمعة، رقيق القلب، وافِرَ الدِّيانة، كثير العبادة، حسن النَّظْم.
منه قوله:
وسواءٌ فَاضَ دَمْعِي أَوْ رَقَا
طَارَ قَلبي يومَ سَاروا فَرَقا
كُلّ من في الحَيِّ داوى أو رقى
صَارَ فِيَّ سَقَمي من بَعْدِهم
وكذا بَانَ الحِمى لا أَوْرَقَا
بَعْدَهُم لا ظلَّ وادي المُنحنى
وابتُلي بالفالج قبل موته بأربعة أشهر، وبَطَل شِقُّهُ الأيسر، وثَّقُلَ لِسَانُهُ.
وتوفي ليلة الجمعة بين العشاءين، لستٍ خَلَوْنَ من جمادى الأولى،
ودفن بمقابر باب الصَّغِير، ونَيَّف على الستين.
• [وفيها صَاحِبُ تونس أبو عبدالله محمد بن يحيى بن عبد الواحد
الهِنْتَاتي(١) - بالكسر والسكون وفوقيتين بينهما ألف، نسبة إلى هِنْتَاتة قبيلة
من البَرْبَر بالغرب - كان ملكاً، سائساً، عالي الهِمَّةِ، شديد البَأْسِ، جَوَاداً،
مُمَدَّحَاً، تُزَفُّ إليه كُلَّ ليلةٍ جاريةٌ. تَمَلَّكَ تُونُسَ سنة سبع وأربعين بعد أبيه،
ثم قَتَلَ عَمِّيهِ، وقتل جماعة من الخوارج، وتوطد له المُلْكُ.
وتوفي في آخر العام، عن نيفٍ وخمسين سنة](٢).
(١) انظر (العبر)) (٣٠٦/٥) و((دول الإسلام)) (١٧٦/٢) و((السلوك)) (١/ ٦٣٤/٢ - ٦٣٥)
و «الأعلام)» (١٣٨/٧).
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من ((آ)) وأثبته من ((ط)).
٦٠٨

● وفيها الشِّهَابُ التَّّعْفَرِيّ - بفتح أوله واللّام المشددة والفاء، وسكون
المهملة وراء، نسبة إلى التلّ الأعفر موضع بنواحي الموصل - صاحب
((الديوان)) المشهور. شِهَابُ الدِّين محمد بن يوسف بن مَسْعُود بن بركة
الشَّيْبَانِيّ (١) الأديب الشاعر المُفْلِقِ. مَدَحَ الملوك والكبراء، وسار شعره في
الآفاق.
فمنه :
حَظُّ قَلْبِي فِي هَوَاكَ (٢) الْوَلَهُ
وَلَهُ
قبَّلَهُ
باسم
جائر
الألحاظِ
یٹني
قَامَةً
قَدُّهُ المَائِلُ
مَا
أَعْدَلَهُ
ومنها :
أَجْهَلَهُ
المُشْتَاقَ
مَا
كَمْ أُدَارِي فِيكَ لُوَّامِي وَمَنْ يَعْدِلُ
توفي في شوال عن اثنتین وثمانين سنة.
(١)) انظر ((العبر)) (٣٠٦/٥) و((فوات الوفيات)) (٦٢/٤ - ٧١) و((الوافي بالوفيات)) (٢٥٥/٥).
(٢)) في ((فوات الوفيات)): ((في الغرام)).
(٣) في ((فوات الوفيات)): ((فيه)).
٦٠٩
عن
بَرَد منتظمٍ
لم
يَفُرْ إلّ
مالي
فتى
وعذولي فيك(٣)

سنة ست وسبعين وستمائة
• في أولها ولي مملكة تُونس أبو زكريا يحيى بن محمد الهنْتَاني بعد
أبيه .
• وفي سابع المُحَرَّمَ قَدِمَ السُّلطان الملك الظّاهِر، فنزل بجوسقه
الأبْلَق(١) ثم مرض في نصف المحرم، وتوفي بعد ثلاثة عشر يوماً فأُخفي
موته، وسار نائبه بيلبك بمحفّة يوهم أن السلطان فيها مريض، إلى أن دخل
بالجيش إلى مِصْرَ، فأُظْهر مَوتُهُ، وعُمِلَ العَزَاءُ، وحلفت الأمراء لولده الملك
السعید، وكأن عهد له في حياته.
• والملك الظّاهر هو السّلطان الكبير رُكن الدِّين أبو الفُتُوحِ بِيْبَرس
التُّركي البُنْدُقْدَاري ثم الصَّالحي(٢)، صاحب مصر والشام.
ولد في حدود العشرين وستمائة. واشتراه الأمير علاء الدين البُنْدُ قْدَاري
الصَّالحي، فقبض الملك الصَّالح على البُنْدُقْدَاري وأخذ ركن الدِّين منه،
فكان من جملة مماليكه، ثم طلع ركن الدِّين شُجاعاً فارساً، مِقْدَاماً، إلى أن
(١) علق الأستاذ الدكتور صلاح الدِّين المنجد على ((العبر)) (٣٠٧/٥) بقوله: ((هو القصر الأبلق
الذي عمره الظاهر في الميدان الأخضر، وقامت مقامه التكية السليمية وما حولها، يعني في
دمشق، وانظر التعليق على ((النجوم الزاهرة)) (٢٧٨/٧).
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٥٥/٤ - ١٥٦) و((العبر)) (٣٠٨/٥ -٣٠٩) و((فوات الوفيات))
(٢٣٥/١ - ٢٤٧) وفي حاشية محققه ذكرت مصادر أخرى.
٦١٠

بَهَرَ أمره، وبَعُدَ صِيْتُهُ. وشهد وقعة المنصورة بدِمْيَاط، ثم كان أميراً في الدولة
المُعِزِّية، وتنقلت به الأحوال، وصار من أعيان البحرية. وولي السلطنة في
سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين [وستمائة]، وكان ملكاً سَرِيّاً،
غازياً، مجاهداً، مؤيّداً، عظيم الهيبة، خليقاً للمُلك، يُضْرَبُ بشجاعته
المَثَلُ. له أيامٌ بيض في الإِسلام، وفتوحاتٌ مشهورةٌ، ومواقف مشهودة، ولولا
ظلمه وجبروته في بعض الأحايين لعُدَّ من الملوك العادلين. قاله في ((العبر)).
وقال ابن شهبة في ((تاريخ الإِسلام)): توفي بقصره الأبْلَق بمرجة دمشق
جوار الميدان، وغَسَّلُوهُ، وصَبَّرُوهُ، وعلقوه في البحيرة إلى أن فُرِغَ من
الظّاهرية، فنقلوه إليها. وكان قد أوصى أن يدفن على الطريق، وتبنى عليه
قبةً، فابتاع له ولده الملك السعيد دار العقيقي بسبعين ألف درهم، وبناها
مدرسة للشافعية والحنفية، ونقله إليها، ووقف عليها أوقافاً كثيرة، وفتح بِْرْسُ
من البلاد أربعين حصناً، كانت مع الفِرَنْج، افتتحها بالسيف عَنْوَةً. انتهى
ملخصاً.
وقال الذهبي: انتقل إلى عفو الله ومغفرته يوم الخميس بعد الظهر،
الثامن والعشرين من المحرّم بقصره بدمشق، وخَلَّف من الأولاد الذكور
الملك السعيد محمد، ولي السلطنة وعمره ثماني عشرة سنة، والخضر،
وسُلامِش، وسبع بنات، ودفن بتربةٍ أنشأها ابنه. انتهى.
• وفيها إبراهيم [بن أبي المجْد] الدُّسُوقي الهاشمي الشَّافعي
القُرَشي (١). شيخ الخِرقة (٢) البرهامية، وصاحب المحاضرات القدسية والعلوم
اللّدنية والأسرار العرفانية. أحد الأئمة الذين أظهر الله لهم المغيَّات(٣)، وخَرَقَ
(١) انظر ((الأعلام)) (٥٩/٤) والمصادر المذكورة في حاشيته.
(٢) في (آ): ((الحرفة)).
(٣) أقول: لا يعلم الغيب إلّ الله تعالى، وجميع ما جاء في ترجمته بعد هذا، فهو من الشطحات
الصوفية التي لا يقرها الإسلام. (ع).
٦١١

لهم العادات، ذو الباع الطويل في التصرف النافذ، واليد البيضاء في أحكام
الولاية، والقدم الرَّاسخ في درجات النهاية. انتهت إليه رئاسة الكلام على
خواطر الأنام، وكان يتكلم بجميع اللُّغات من عَجمي، وسِرْيَاني، وغيرهما.
وذُكِرَ عنه أنه كان يَعْرِفُ لغات الوَحْش والطّير، وأنه صام في المهد، وأنه رأى
في اللَّوْحِ المحفوظ وهو ابن سبع سنين، وأنه فَكَّ طلسم السبع المثاني، وأن
قدمه لم تسعه الدنيا، وأنه ينقل اسم مريده من الشقاوة إلى السعادة، وأن
الدُّنيا جُعِلَتْ في يده كخاتمٍ.
وقال: توليت القطبانية، فرأيت المشرقين والمغربين، وما تحت
التخوم(١) وصَافحتُ جبريل(٢).
ومن كلامه: لا تكليف على من غاب بقلبه في حضرة رَبِّه ما دام فيها،
فإذا ردَّ له عقله صار مكلّفاً.
وقال: عليك بالعمل بالشرع وإيَّكَ وشَقْشَقَةَ اللَّسان بالكلام في الطريق
دون التخلق بأخلاق أهلها.
قاله الشيخ عبد الرؤوف المُنَاوي في ((طبقاته)).
• وفيها الكمال بن فَارس أبو إسحاق إبراهيم بن الوزير نجيب الدِّين
أحمد بن إسماعيل بن فَارس التَّمِيميّ الإِسكندرانيّ(٣) المقرىء الكاتب، آخر
من قرأ بالرِّوايات على الكندي.
(١) في ((آ)): ((النجوم)). قال في ((مختار الصحاح)) (تخم): التَّخْم - بالفتح - منتهى كل قرية أو
أرضٍ وجمعه تُخُوم.
(٢) هذا كله من المبالغات التي ما كانت لأصحاب رسول الله # لتكون للمتأخرين من أمثال
المترجم، أسأل الله السدّاد والتثبيت على النهج السليم نهج السَّلَف الصالح ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدِّين.
(٣) انظر ((غاية النهاية)) (٦/١) و((النجوم الزاهرة)) (٢٧٩/٧).
٦١٢

ولد سنة ست وتسعين وخمسمائة، وتوفي في صفر، وكان فيه خيرٌ
وتدين، ترك بعض النَّاس الأخذَ عنه لتوليه نظر بيت المال.
• وفيها بيليك الخَزْنَدَار الظَّاهري(١)، نائب سلطنة مولاه. كان نبيلاً،
عالي الهمَّة، وافِرَ العَقْلِ، محبّباً إلى النَّاس، ينطوي على دينٍ ومروءَةٍ ومحبة
للعلماء الصُّلحاء والزُّهَّاد، ونظرٍ في العلوم والتواريخ، رَقّه أستاذه إلى أعلى
الرُّتَب، واعتمد عليه في مهمًّاته. قيل: إن شمس الدِّين الفَارقاني الذي ولي
نيابة السلطنة سَقَاهُ السُّمَّ باتفاقٍ مع أُمِّ الملك السعيد، فأخذه قولنجٌ عظيم،
وبقي به أيَّاماً، وتوفي بمصر في سابع ربيع الأول.
• وفيها الشيخ خضر بن أبي بكر المِهْرَاني - بالكسر والسكون، نسبة
إلى مِهْرَان جدَّ - العَذَويّ (٢)، شيخ الملك الظَّاهر. كان له حالٌ وكشفٌ ونفسٌ
مُؤْثِرَةٌ. مع سَفَه فم(٣) ومُزَاحٍ، تَغَيِّر عليه السلطان بعد شِدَّة خضوعه له،
وانقياده لأوامره وإرادته، لأنه كان يخبره بأمور قبل وقوعها، فتقع على
ما يخبره
منها: أنه لما توجه الظَّاهر إلى الرُّوم، سأله قشتمر العجميّ فقال له(٤)
الشيخ خضر: يظفر على الرُّوم ويرجع إلى الشام فيموت بها بعد أن أموت أنا
بعشرين يوماً، فكان كما قال(٥).
وكان سبب تغير السلطان عليه، أنه نقل بعض أصحاب الشيخ خضر
أموراً لا تليق به، فأحضره ليحاققوه، فأنكر، فاستشار الأمراء في أمره،
(١) انظر ((العبر)) (٣٠٩/٥) و((البداية والنهاية)) (٢٧٧/١٣) و((النجوم الزاهرة)) (٢٧٩/٧).
(٢) انظر ((العبر)) (٣٠٩/٥ - ٣١٠) و((البداية والنهاية)) (٢٧٨/٣) و((النجوم الزاهرة)) (٢٧٩/٧)
و ((غربال الزمان)» ص (٥٥٦).
(٣) في ((العبر)): ((مع سَفَهٍ فيه)).
(٤) لفظة ((له)) لم ترد في ((آ)).
(٥) أقول: وهذا أيضاً من المبالغات التي لا تجوز (ع).
٦١٣

فأشاروا عليه بقتله، فقال الشيخ خضر - وهو بعيد عنهم -: اسمع ما أقول لك،
أنا أجلي قريب من أجلك، من مات قبل صاحبه لحقه الآخر، فوجم
السلطان، ورأى أن يحبسه، فحبسه في القلعة وأجرى عليه المآكل المفتخرة،
وبنى له زاويةً بخطِّ الجامع الظَّاهري في الحُسينية، فمات سادس المحرم
ودفن بزاويته في الحسينية.
• وفيها أبو أحمد زكي بن الحسن البَيْلَقاني(١) - بفتح الموحدة واللّام
والقاف، وسكون التحتية، آخره نون، نسبة إلى البَيْلَقَّان مدينة بالدَّرَبَنْد -.
كان شافعياً، فقيهاً، بارعاً، مناظراً، متقدماً في الأصلين والكلام. أخذ
عن فخر الدِّين الرَّازي، وسمع من المؤيد الطّوسي، وكان صاحب ثروةٍ
وتجارةٍ، عُمّرَ دهراً، وسكن اليمن، وتوفي بعدن.
• وفيها البَرْوَاناه الصَّاحب مُعين الدِّين سليمان بن علي(٢). وزَرَ أبوه
لصاحب الرُّوم علاء الدِّين كَيْقُبَاذ، ولولده. فلما مات ولي الوزارة بعده
مُعين الدِّين هذا سنة بضع وأربعين وستمائة، فلما غلبت التتار على الرُّوم
سَاسَ الأمور، وصانع التتار، وتمكن من الممالك بقويّ إقدامه وقوة دهائه،
إلى أنْ دخل المسلمون وحكموا على مملكة الرُّوم، ونُسب إلى البَرْوَانَاه
مكاتيبهم، فقتله أبغا في المحرم.
• وفيها عزّ الدِّين عبد السلام بن صَالح البَصْري، عرف بابن
الكُبُوش(٣) الشَّاعر المشهور، وشعره في غاية الرِّقَّة .
فمنه :
أَدِرْ مَا بيننا كأسَ الحُمَيَّا بِكَفِّ مقرطقٍ طَلْقَ الْمُحْيًّا
(١) انظر ((العبر)) (٣١٠/٥) و((مرآة الجنان)) (١٧٨/٤).
(٢) انظر ((العبر) (٣١٠/٥).
(٣) لم أقف على ترجمة له فيما بين يدي من المصادر والمراجع.
٦١٤

يَحُورُ ولا يَجُورُ عَلى النَّدَامى
[غَزَالٌ لَوْ رأى غَيْلانُ ميِّ
سَقَاني من مَرَاشِفِهِ شَمولاً
إلى أن قال:
كما جَارَت لَوَاحِظُهُ عَلِيًّا
شَمَائِلَهُ سَلا غِيلَانُ مَّيًّا
فَأَنْسَانِي حُمَيَّهُ الحُمِيَّا)(١)
إِلَمَ به تَلُومُ ولَسْتُ أُصغي
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيتَ حَيًّا
• وفيها مجد الدِّين أبو أحمد وأبو الخير عبد الصَّمد بن أحمد بن
عبد القادر بن أبي الجيش بن عبد الله البغدادي(٢) المقرىء، النَّحويّ،
اللُّغويّ، الفقيه، الحنبلي، الخطيب، الواعظ، الزَّاهد، شيخ بغداد
وخطيبها، سبط الشيخ أبي زيد الحموي.
ولد في محرم سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ببغداد، وقرأ بالروايات
على الفخر الموصلي وغيره، وعُني بالقراءات. وسمع كثيراً من كتبها. وسمع
الحديث من الدَّاهِري، وابن النَّاقد، وغيرهما مما لا يُحصى. وجمع أسماء
شيوخه بالسماع والإِجازة، فكانوا فوق خمسمائة وخمسين شيخاً.
قال الجَعْبَري (٣): قرأ ((كتاب سيبويه)) و((الإِيضاح)) و((التكملة))
و ((اللُّمع)) على الكِنْدي، وهو غير صحيح، ولعله على العُكْبَري (٤)، وانتهت
إليه مشيخة القراءات والحديث، وله ديوان خطب في سبع مجلدات.
(١) ما بين الحاصرتين سقط من ((آ)).
(٢) انظر ((العبر)) (٣١١/٥) و((دول الإسلام)) (١٧٨/٢) و((ذيل طبقات الحنابلة))
(٢٩٠/٢ - ٢٩٤).
(٣) هو إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الربعي الجَعْبَري، سترد ترجمته في وفيات سنة
(٧٣٢) من المجلد الثامن إن شاء الله تعالى.
(٤) قلت: وهذا التعقيب للحافظ ابن رجب الحنبلي، نقله المؤلّف رحمه الله عن ((ذيل طبقات
الحنابلة)».
٦١٥

وقال الذَّهبيُّ: قرأ عليه الشيخ إبراهيم الرِِّّي الزَّاهد، والمَقَصَّاتي،
وابن خَرُوف، وجماعة. وكان إماماً، محقّقاً، بصيراً بالقراءات وعِلَلها
وغريبها، صالحاً، زاهداً، كبير القَدْر، بعيد الصيت. انتهى.
وممن روى عنه الدّمياطي في ((معجمه)) وأحمد بن القَلَانسي.
وتوفي يوم الخميس سابع عشر ربيع الأول، ودفن بحضرة الإِمام
أحمد.
· وفيها الواعظ نجم الدِّين علي بن علي بن أسفنديار البغدادي(١).
ولد سنة ست عشرة وستمائة(٢)، وقرأ(٣)، وسمع من ابن الشيخ اللّتي،
والحسين بن رئيس الرؤساء، ووعظ بدمشق، فازدحم عليه الخلق، وانتهت
إليه رئاسة الوعظ لحُسْن إيراده، ولُطف شمائله، وبهجة محاسنه. وتوفي في
رجب.
• وفيها شمس الدِّين أبو بكر وأبو عبد الله محمد بن الشيخ العماد
إبراهيم بن عبد الواحد بن شرف الدِّين علي بن سرور المقدسي (٤)، نزيل
مصر قاضي قُضاة الحنابلة(٥)، وشيخ الشيوخ.
ولد يوم السبت رابع عشر صفر سنة ثلاث وستمائة بدمشق، وحضر بها
على ابن طَبَرْزَد، وسمع من الكِنْدي، وابن الحَرَسْتَاني، وغيرهما. وتفقه
[على الشيخ موفق الدِّين، ثم رحل إلى بغداد. وأقام بها مُدَّةً. وسمع بها من
(١) انظر (العبر)) (٣١١/٥) و(البداية والنهاية)) (٢٧٩/١٣) و((النجوم الزَّاهرة)) (٢٧٩/٧).
(٢) في ((العبر)): ((ولد سنة ست وخمسين وستمائة)).
(٣) لفظة ((وقرأ)) سقطت من ((آ).
(٤) انظر ((العبر)) (٣١١/٥ -٣١٢) و((البداية والنهاية)) (٢٧٧/١٣ - ٢٧٨) و((ذيل طبقات
الحنابلة)) (٢٩٤/٢ - ٢٩٥).
(٥) لفظة ((الحنابلة)) سقطت من ((آ)).
٦١٦

جماعة، وتفقّه](١) أيضاً بها، وتفنن في علوم شتى، وتزوّج بها وولد له، ثم
انتقل إلى مصر وسكنها إلى أن مات بها، وعَظُمَ شأنه بها. وصار شيخ
المذهب عِلْماً، وصَلاحاً، ودِيَانَةً، ورئاسةً، وانتفع به الناس، وولي بها
مشيخة خَانقاه سعيد السعداء، وتدريس المدرسة الصَّالحية، ثم ولي قضاء
القُضاة مدة، ثم عُزِلَ منه، واعتقل مدة ثم أُطلق، فأقام بمنزله يدرِّس
بالصالحية ويفتي ويُقْرِىءُ العلم، إلى أن توفي .
قال القطب اليُّونيني: كان من أحسن المشايخ صورةً، مع الفضائل
الكثيرة التَّامَّة، والدِّيانة المُفْرِطَة، والكرم، وسَعَة الصَّدر، وهو أول من دَرَّس
بالمدرسة الصَّالحية للحنابلة، وأول من ولي قضاء القُضاة بالدِّيار المِصْرية.
وكان كامل الآداب، سيِّداً، صدراً من صدور الإِسلام، متبحِّراً في العلوم،
مع الزُّهد الخارج عن الحَدِّ واحتقار الدُّنيا، وعدم الالتفات إليها. وكان
الصَّاحب بهاء الدِّين - يعني ابن حَنَّا - يتحامل عليه ويُغري الملك الظّاهر به،
لما عنده من الأهلية لكل شيءٍ من أمور الدُّنيا والآخرة، ولا يلتفت إليه ولا
يخضع له. حَدَّث بالكثير، وسمع منه الكبار، منهم: الدّمياطي، والحارثي،
والإِسْعَردي، وغيرهم.
وتوفي يوم السبت ثاني عشر المحرَّم، ودفن من الغد بالقَرَافة عند عَمِّه
الحافظ عبد الغني. انتهى.
● وفيها الشيخ يحيى المنبجي(٢) المقرىء المتصدّر بجامع دمشق. لقّن
خلفاً(٣) كثيراً من الناس (٤)، وكان من أصحاب أبي عبدالله الفَاسي توفي في المُحرِّم.
(١) ما بين الحاصرتين سقط من ((آ).
(٢) كذا في ((آ)) و((ط)) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٥٥٩/١): ((المنبجي)) وفي ((العبر))
بطبعتيه: ((المنيحي)).
(٣) لفظة: ((خلقاً)) سقطت من ((ط)).
(٤) قوله: ((من الناس)) سقط من ((آ)).
٦١٧

· وفيها شيخ الإِسلام محبي الدِّين أبو زكريا يحيى بن شرف بن
مُرِّي بن حسن بن حسين بن محمد بن جُمعة بن حِزَام الفقيه الشافعي،
الحافظ الزَّاهد، أحد الأعلام النَّوَاوي(١) بحذف الألف ويجوز إثباتها -
الدمشقي(٢)».
ولد في مُحَرَّم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وقرأ القرآن ببلده، وقدم
دمشق بعد تسع عشرة سنة من عمره. قدم به والده، فسكن بالمدرسة
الرَّوَاحية .
قال هو: وبقيت نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض. وكان قوتي
فيها جراية المدرسة لا غير، وحفظت (التنبيه)) في نحو أربعة أشهر ونصف.
قال: وبقيت أكثر من شهرين أو أقل، لما قرأت: ((ويَجِبُ الغُسْلُ من
إِبْلَاج الحَشَفَة في الفَرْج)) اعتقد أن ذلك قرقرة البطن. وكنت أستحم بالماء
البارد كلما قرقر بطني .
قال: وقرأت وحفظت ربع ((المُهَذَّب)) في باقي السنة، وجعلت أشرح
وأصحح على شيخنا كمال الدِّين إسحاق المغربي ولازمته، فأعجب بي
وأَحبِّني، وجعلني أُعيد لأكثر جماعته.
فلما كانت سنة إحدى وخمسين، حَجَجْتُ مع والدي، وكانت وقفة
الجمعة. وكان رجبياً من أول رجب، فأقمنا بالمدينة نحواً من شهر ونصف.
(١) لفظة ((النواوي)) لم ترد في ((ط)).
(٢) انظر ((العبر)) (٣١٢/٥) و((تذكرة الحفاظ)) (١٤٧٠/٤ - ١٤٧٤) و((الإِعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٨٢) و((طبقات الشافعية)) (٣٩٥/٨ - ٤٠٠) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي
(٤٧٦/٢ - ٤٧٧) و(«البداية والنهاية)) (١٣ / ٢٧٨ - ٢٧٩) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي
شهبة (١٩٤/٢ - ٢٠٠) ومقدمة والدي حفظه الله تعالى للطبعة الثالثة من كتاب المترجم
((التبيان في آداب حملة القرآن)) الصادرة عن مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع في الكويت.
٦١٨

وذكر والده قال: لما توجهنا من نوى، أخذته الحُمَّى، فلم تفارقه إلى
يوم عرفة، ولم يتأوّه قَطُّ. قال: وذكر لي الشيخ، أنه كان يقرأ كل يوم
اثني عشر درساً على المشايخ، شرحاً، وتصحيحاً، درسين في ((الوسيط))
ودرساً في ((المُهَذَّب))، ودرساً في ((الجمع بين الصحيحين) ودرساً في
((صحيح مسلم)) ودرساً في ((اللّمع)) لابن جِنِّي، ودرساً في ((إصلاح المنطق))
لابن السِّكِّيت. ودرساً في التصريف، ودرساً في أصول الفقه، تارةً في
((اللَّمع)) لأبي إسحاق(١)، وتارةً في ((المنتخب)) لفخر الدِّين. ودرساً في أسماء
الرجال، ودرساً في أصول الدِّين. وكنت أُعَلِّق جميع ما يتعلق بها، من شرح
مشكلٍ ، ووضوح عبارةٍ، وضبط لغةٍ. وبارك الله لي في وقتي، وخطر لي
الاشتغال في علم الطب، فاشتريت كتاب (القانون)) فيه، وعزمت على
الاشتغال فيه، فأظلم على (٢) قلبي، وبقيت أيَّاماً لا أقدر على الاشتغال
بشيءٍ، ففكرت في أمري، من أين دخل عليَّ الداخل، فألهمني الله أن سببه
اشتغالي بالطبِّ، فبعت ((القانون)) في الحال واستنار قلبي.
وقال الذهبيُّ: لزم الاشتغال ليلاً ونهاراً نحو عشرين سنة، حتَّى فاق
الأقران، وتقدم على جميع الطلبة، وحاز قَصَبَ السبق في العلم والعمل، ثم
أخذ في التصنيف من حدود الستين وستمائة إلى أن مات. وسمع الكثير من
الرَّضي بن البرهان، والزَّين خالد، وشيخ الشيوخ عبد العزيز الحَمَّوي
وأقرانهم. وكان مع تبحّره في العلم وسَعَة معرفته بالحديث، والفقه، واللغة،
وغير ذلك مما قد سارت به الرّكبان، رأساً في الزّهد، وقدوةً في الوَرَّع، عديمَ
المثل في الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكر، قانعاً باليسير، راضياً عن اللهِ
والله راضٍ عنه، مقتصداً إلى الغاية في ملبسه، ومطعمه، وأثاثه، تعلوه
(١) قوله: ((لأبي إسحاق)) سقط من ((آ)).
(٢) لفظة ((على)) سقطت من ((آ).
٦١٩

سكينة وهيبة، فالله يرحمه ويسكنه الجَنَّة بمَنِّه.
ولي مشيخة دار الحديث بعد الشيخ شهاب الدِّين أبي شَامة، وكان لا
يتناول من معلومها شيئاً، بل يتقنّع(١) بالقليل مما يبعثه إليه أبوه. انتهى.
وقال ابن العطَّار(٢): كان قد صَرَف أوقاته كُلُّها في أنواع العلم والعمل
بالعلم، وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلّ أكلةً واحدةً بعد العشاء الآخرة، ولا
يشرب إلّ شربة واحدةً عند السِّحَر، ولم يتزوّج.
ومن تصانيفه ((الروضة))(٣) و ((المنهاج)) و((شرح المُهَذِّب)» وصل فيه إلى
أثناء الرِّبا، سماه ((المجموع)) و((المنهاج في شرح مسلم)) وكتاب ((الأذكار)) (٤)
وكتاب ((رياض الصالحين))(٥) وكتاب ((الإِيضاح)) في المناسك و((الإِيجاز)) في
المناسك. وله أربع مناسك أخر، و((الخلاصة)) في الحديث [لخص فيه
الأحاديث المذكورة في ((شرح المُهَذَّب)). وكتاب ((الإِرشاد)) في علم
الحديث(٦)](٧) وكتاب ((التقريب)) و((التيسير)) في مختصر الإِرشاد، وكتاب
(التبيان في آداب حَمَلة القرآن)) وكتاب (المبهمات)) وكتاب ((تحرير ألفاظ
(١) في (آ): ((ينتفع)).
(٢) وهو تلميذه.
(٣) طبعه المكتب الإسلامي بدمشق في اثني عشر مجدداً، وقام بتحقيقه والدي الأستاذ الشيخ
عبد القادر الأرناؤوط بالاشتراك مع زميله الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط.
(٤) طبع عدة طبعات أشهرها التي طبعت بتحقيق والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في
مكتبة الملاح بدمشق ثم في مكتبة الهُدى في الرياض وهي الطبعة المعتمدة لدى المشتغلين
بالحديث النبوي الشريف وكتب التراث.
(٥) طبع عدة مرات، أفضلها التي قام عليها الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط حفظه الله، وصدرت
عن دار المأمون للتراث بدمشق، ثم عن مؤسسة الرسالة في بيروت.
(٦) طبع في دمشق حديثاً بتحقيق الدكتور نور الدِّين عتر ..
(٧) ما بين الحاصرتين سقط من ((آ)).
٦٢٠