Indexed OCR Text

Pages 141-160

على ترعة، فبثق المسلمون عليها النيل، فلم يبق لهم وصول إلى دمياط،
وجاء الأسطول فأخذوا مراكب الفرنج، وكانوا مائة كُنْد(١) وثمانمائة فارس،
فيهم صاحب عكا وخلقٌ من الرجّالة، فلما عاينوا الخذلان تطلبوا الصلح على
أن يسلّموا دمياط إلى الكامل، فأجابهم، ثم جاءه أخواه بالعساكر في رجب،
فعمل سماطاً عظيماً، وأحضر ملوك الفرنج وأنعم عليهم، ووقف في خدمته
المعظّم والأشرف، وكان يوماً مشهوداً، وقام راجح الحِلِّي(٢) فأنشد قصيدة
منها :
عقيرته في الخافقين ومُنْشِدا
ونادى لسانُ الكونِ في الأرض رافعاً
ومُوسى جميعاً ينصرانِ مُحْمِّدا
أَعْبّاد عيسى إن عيسى وحِزْبَهُ
وأشار إلى الإخوة الثلاثة.
· وفيها توفي الشيخ الزاهد القدوة نجمُ الدِّين أبو الجناب الخِيْوَقي
أحمد بن عُمر بن محمدٍ(٣) الصوفي المُحَدِّث، شيخ خُوَارزم، ويقال له
الكُبْرَى. رحل [إلى] الأقطار راكباً وماشياً، وأدرك من المشايخ ما لا يُحصى
كثرةً، ولبس خرقة التصوف النهرجورية من الشيخ إسماعيل القصري
والسُّهروردية للتبرك من الشيخ أبي ناصر عمّار بن ياسر، وسبق أقرانه في
صغره إلى فهم المشكلات والغوامض، فلقبوه الطّامة الكبرى، ثم كثر استعماله،
فحذفوا الطَّامة وأبقوا الكبرى(٤).
وخِيْوَق المنسوب إليها من قرى خوارزم.
(١) جاء في حاشية ((تاريخ الإسلام)) (٥٥/٦٢) ما نصه: الكند: هو الكونت، ويجمعها
المؤرخون المسلمون آنذاك على كنود.
.(٢) سترد ترجمته في ص (٢١٧) من هذا المجلد.
(٣) انظر ((العبر)) (٧٣/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٥٣/٦٢ - ٣٥٥) و((سير أعلام النبلاء))
(١١١/٢٢ - ١١٤) و((غربال الزمان)) ص (٥٠١ - ٥٠٢).
(٤) وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٣٥٣/٦٢): سمعت أبا العلاء الفرضي يقول: إنما هو
نجم الكُبراء، ثم خُفَّفَ وغُر، وقيل: نجم الدِّين الكُبرى.
١٤١

سمع بهمذان من الحافظ أبي العلاء، وبالإسكندرية من السِّلَفي،
وعُني بمذهب الشافعي والتفسير، وله ((تفسير)» في اثنتي عشرة مجلدة،
واجتمع به الإمام فخر الدِّين الرازي فاعترف بفضله.
قال عمر بن الحاجب: طاف البلاد، وسمع بها الحديث، واستوطن
خوارزم، وصار شيخ تلك الناحية، وكان صاحب حديثٍ وسُنَّةٍ، ملجأً
للغرباء، عظيم الجاه، لا يخاف في الله لومة لائم.
وقال ابن الأهدل: استشهد - رضي الله عنه - بخوارزم في فتنة التتار،
وذلك أن سلطانها لما فَرَّ (١)، جمع الشيخ أصحابه وكانوا نحو ستين، فقال
لهم: ارتحلوا إلى بلادكم، فإنه قد خرجت نار من المشرق تحرق إلى قرب
المغرب، وهي فتنة عظيمة ما وقع في هذه الأمة مثلها، فقال له بعضهم: لو
دعوت برفعها، فقال: هذا قضاء محكم لا ينفع فيه الدعاء. فقالوا له: تخرج
معنا، فقال: إني أقتل هاهنا(٢)، فخرج أصحابه .
فلما دخل الكفّار البلد، نادى الشيخ وأصحابه الباقون: الصلاة جامعة،
ثم قال: قوموا نقاتل في سبيل الله، ودخل البيت ولبس خرقة شيخه، وحمل
على العدو فرماهم بالحجارة، ورموه بالنبل، وجعل يدور ويرقص حتّى أصابه
سهم في صدره فنزعه ورمى به نحو السماء، وفار الدم وهو يقول: إن أردت
فاقتلني بالوصال أو بالفراق، ثم مات، ودفن في رِيَاطه، رحمه الله تعالى.
• وفيها عبد الرحيم بن النَّفيس بن هبة الله بن وهبان بن رومي بن
سلمان بن محمد بن سلمان بن صالح بن محمد بن وهبان السّلمي الحَدِيثي
ثم البغدادي أبو نصر(٣) الفقيه الحنبلي المُحَدِّث.
ولد في عاشر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ببغداد، وسمع الكثير
(١) في (ط)): ((لما قد)) وهو خطأ وفي ((غربال الزمان)): ((لما مَرَ)).
(٢) أقول: هذا أيضاً من المبالغات، ولا يعلم الغيب إلا الله. (ع).
(٣) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٢٨/٢ - ١٣٠).
١٤٢

من أبي الفتح بن شاتيل وخلق، وبالغ في الطلب، وارتحل فيه إلى الشام،
والجزيرة، ومصر، والعراق، وخُراسان، وما وراء النهر، وخوارزم، وتفقه في
المذهب، وتكلّم في مسائل الخلاف. وحَدَّث ببغداد ودمشق وغيرهما.
قال ابن النجار: كان مليح الخطّ، صحيح النقل والضبط، حافظاً،
متقناً، ثقةً، صدوقاً، له النظم والنثر الجيد. كان من أكمل الناس ظرفاً
ولطفاً، وحُسنَ خُلُقٍ، وطِيب عِشرة وتواضع، وكمال مروءة، ومسارعة إلى
قضاء حوائج الإِخوان.
ومن شعره:
مُنْذُ نأَيتم عنه أو راقا؟
سَلُوا فُؤَادِي هَلْ صَفَا شُرْبُهُ
إن أودع التسليمَ أَوراقا؟
وهَل يُسلِّيهِ إِذَا غِبْتُمُ
قتل شهيداً في فتنة التتار بخُرَاسَان.
· وفيها أبو القاسم عبد الغني بن قاسم بن عبد الرزاق بن عيَّاش
الهَلْبَاوي المقدسي الأصل المصري(٢)، الفقيه الحنبلي الزاهد.
سمع بمصر من البُوصيري وغيره، وتفقّه في المذهب، وانقطع إلى
الحافظ عبد الغني (٣) ولازمه، وكتب عنه كثيراً من مصنّفاته وغيرها. ذكر ذلك
المنذري. وقال: سمع معنا من جماعة من شيوخنا، وصحب جماعة من
المشايخ، وكان صالحاً مقبلاً على مصالح نفسه، منفرداً، قانعاً باليسير، يظهر
التجمل مع ما هو عليه من الفقر، وحَدَّث.
وتوفي ليلة ثامن عشر صفر ودفن من الغد بسفح المقطّم.
(١) في ((آ)) و((ط)): (مُذ)) وما أثبتناه يقتضيه الوزن.
(٢) انظر (التكملة لوفيات النقلة)) (٣٥/٣) و((تاريخ الإسلام)) (٣٦٥/٦٢) و(«ذيل طبقات
الحنابلة)) (١٢٣/٢ - ١٢٤) وقد تحرفت ((الهلباوي)) فيه إلى ((الهناوي)).
(٣) يعني المقدسي كما جاء مبيناً في ((التكملة)).
١٤٣

• وفيها عبد المعزّ بن محمد بن أبي الفضل بن أحمد أبو رَوْحِ الهَرَويّ
البزاز ثم الصوفي (١)، مسند العصر.
ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وسمع من تميم الجرجاني، وزاهر
الشحّامي وطبقتهما، وله ((مشيخة)) في جزء. روى شيئاً كثيراً، واستشهد في
دخول التتار هَرَاة في ربيع الأول، وهو آخر من كان بينه وبين رسول الله وَله
سبعة أنفس ثقات. قاله في ((العبر)).
• وفيها أبو محمد عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني الدمشقي (٢)
الحافظ. تكلم فيه ابن النجار بعدم تحريره في الحديث، وفقد بنيسابور لما
دخلتها التتار بالسيف.
قال ابن ناصر الدِّين(٣):
عبدُ العزيز اللّين المباني
مثاله المفقود ذَا الشيباني
أي الضعيف.
· وفيها أبو الحسن علي بن ثابت بن طالب بن الطالباني البغدادي
الأزجي (٤) الفقيه الحنبلي الواعظ موفق الدِّين.
سمع ببغداد من صالح ابن الرحلة، وشُهْدَة، وسمع بالموصل من
خطيبها أبي الفضل، وتفقه ببغداد على ابن المَنِّي، واشتغل بالموصل
بالخلاف على ابن يونس الشافعي، وأقام بحرَّان مدة عند الخطيب ابن تيمية،
ثم جرى بينه وبينه نكدٌ؛ فقدم دمشق ثم رجع وأقام برأس العين من أرض
الجزيرة ووعظ هناك، وانتفع به .
(١) انظر ((العبر)) (٧٤/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (١١٤/٢٢ - ١١٥).
(٢) انظر ((تاريخ الإِسلام)) (٣٦٥/٦٢) و((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٧٤ /آ).
(٣) في ((بديعة البيان)) (٢٤ / آ) مصورة المكتبة الأحمدية بحلب.
(٤) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٢٥/٢ - ١٢٨).
١٤٤

قال ابن نُقطة: سمعت منه وسماعه صحيح.
وقال المنذري: له اختيارات في المذهب.
· وفيها القاسم بن المفتي أبي سعد عبد الله بن عمر أبو بكر بن
الصفَّار النيسابوري(١) الشافعي الفقيه.
روى عن جدّه العلّامة عمر بن أحمد الصفَّار، ووجيه الشَّحّامي، وأبي
الأسعد القشيري، وطائفة، وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
استشهد في دخول التتار نيسابور في صفر.
• وفيها الشهاب محمد بن خَلَفٍ بن راجح بن بلال بن هِلال بن
عيسى بن موسى بن الفتح بن زُرَيْق المقدسي ثم الدمشقي(٢) الإمام أبو
عبد الله الحنبلي الفقيه المناظر.
ولد سنة خمسين وخمسمائة بجماعيل، ثم قدم دمشق وسمع بها من
أبي المكارم بن هِلال. وقدم مصر فسمع بها بالإسكندرية من السِّلَفي وأكثر
عنه. وقدم بغداد فسمع من ابن الخشّاب، وشُهْدَة وطبقتهم، وتفقه بها في
المذهب والخلاف على ابن المَنّي حتى برع. وكان بحاثاً مناظراً مفحماً
للخصوم، ذا حظٍ من صلاح وأوراد وسلامة صدر. أمَّاراً بالمعروف نهَّاءً عن
المنكر.
قال المنذري: لقيته بدمشق وسمعت منه، وكان كثير المحفوظات،
متحرياً في العبادات، حسن الأخلاق.
وقال أبو المظفّر سبط ابن الجوزي: كان زاهداً عابداً ورعاً، فاضلاً في
(١) انظر ((العبر)) (٧٤/٥ - ٧٥) و((طبقات الشافعية)» للإسنوي (١٣٩/٢).
(٢) انظر (التكملة لوفيات النقلة)) (٣٦/٣ -٣٧) و((العبر)) (٧٥/٥) و(«ذيل طبقات الحنابلة))
(١٢٤/٢ - ١٢٥).
١٤٥

فنون العلوم، وحفظ ((المقامات الحريرية)) في خمسين ليلة فتشوش خاطره،
وكان يغسل باطن عينيه حتَّى قلَّ نظره. وكان سليم الصدر من الأبدال،
ما خالف أحداً قطُّ، رأيته يوماً وقد خرج من جامع الجبل، فقال له إنسان:
ما تروح إلى بعلبك؟ فقال: بلى، فمشى من ساعته إلى بعلبك بالقبقاب.
وقال أبو شامة: كنت أراه يوم الجمعة قبل الزوال يجلس في درج المنبر
السفلي بجامع الجبل، وبيده كتاب من كتب الحديث وأخبار الصالحين يقرؤه
على الناس، إلى أن يؤذن المؤذن للجمعة.
وتوفي يوم الأحد سلخ صفر، ودفن بسفح قاسيون.
• وفيها أبو عبد الله محمد بن عمر بن عبد الغالب العثماني المُحَدِّث
الدمشقي(١). دَيِّنَ، صالحٌ ورعٌ. روى عن أحمد بن حمزة بن الموازيني،
وابن كليب، وطبقتهم. توفي بالمدينة النبوية في المحرّم (٢) كهلًا.
● وفيها أبو نصر موسى بن الشيخ عبد القادر الجيلي(٣).
روى عن أبيه، وابن ناصر، وسعيد بن البنّا، وأبي الوقت. وسكن
دمشق، وكان عرياً من العلم. توفي في أول جمادى الآخرة عن ثمانين سنة
قاله في ((العبر)).
· وفيها أبو الفتوح برهان الدِّين نصر بن محمد بن علي بن أبي الفرج
أحمد بن الحَصِري الهمّذَاني البغدادي الحنبلي (٤) المقرىء المُحَدِّثُ الحافظ
الزاهد الأديب. نزيل مكة.
ولد في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وقرأ القرآن
(١) انظر ((العبر)) (٧٥/٥) و«تاريخ الإسلام)) (٣٨٤/٦٢ - ٣٨٥).
(٢) في ((آ) و((ط)): ((في الحرم)) وهو خطأ والتصحيح من ((العبر)) و((تاريخ الإسلام)).
(٣) انظر ((العبر)) (٧٥/٥) و(«تاريخ الإسلام)) (٣٨٩/٦٢).
(٤) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٣٠/٢ -١٣٢) و((شذرات من كتب مفقودة)) ص (٢٠٤).
١٤٦

بالروايات على أبي بكر بن الزَّاغوني، وأبي الكرم الشهرزوري، وابن
السمين، وابن الدجّاجي، وجماعة.
وسمع الحديث الكثير من أبي الوقت [السجزي] وغيره وخلق كثير.
منهم الشيخ عبد القادر (١)، وعُني بهذا الشأن، ثم خرج من بغداد سنة ثمان
وتسعين وخمسمائة فاستوطنها وأَمَّ بها بالحنابلة، وكان شيخاً صالحاً متعبداً.
قال ابن الدُّبَيثي: كان ذا معرفةٍ بهذا الشأن(٢) ونِعْمَ الشيخُ كان،
عبادةٌ، وثقةً .
قال ابن النجار - هو خاتمة أصحابه -: كان حافظاً حجةٌ نبيلاً، جمّ
الفضائل، كثير المحفوظ، من أعلام الدِّين وأئمة المسلمين.
حَدَّث بالكثير ببغداد، ومكة، وسمع منه خلق كثير من الأئمة
والحفاظ(٣)، منهم الدّبيثي، وابن نقطة، وابن النجار، والضياء، والبرزالي،
وابن خلیل.
وقال ابن الحنبلي: مات بالمهجم من أرض اليمن في شهر ربيع
الآخر، وكان خروجه إلى اليمن بأهله لقحطٍ وقع بمكة. وكان ذا عائلةٍ، فنزح
بهم إلى اليمن. في نحو سنة ثمان عشرة، أي هذه السنة.
● وفيها هبة الله بن الخَضِر بن هبة الله بن أحمد بن طاووس السَّدید أبو
محمد الدمشقي(٤)
سمّعه أبوه من نصر الله المِصِّيصي، وابن البُن، وكان كثير التلاوة.
توفي في جمادى الأولى.
(١) يعني الجيلاني.
(٢) يعني علوم الحديث.
(٣) في (ط)): ((من الأئمة الحفاظ)).
(٤) انظر ((تاريخ الإسلام)) (٣٩٠/٦٢ -٣٩١) و((العبر)) (٧٦/٥).
١٤٧

• وفيها أبو الدُّر ياقوت بن عبد الله (١) الموصلي (٢) الكاتب المجيد
المشهور، الملقب أمين الدِّين، المعروف بالملكي، نسبة إلى السلطان
ملكشاه. سكن الموصل، وأخذ النحو عن ابن الدّان، وكان ملازماً قراءة
(ديوان)) المتنبي و((المقامات)) وكتب بخطِّه الكثير، وانتشر خطّه في الآفاق،
وكان خطّه في نهاية الحُسن، ولم يؤدِّ أحدٌ طريقة ابن البوّاب مثله، مع فضل
غزيرٍ ونباهةٍ، وكان مغرى بنقل ((صحاح)) الجوهري، وكتب منها نسخاً كثيرة
كل نسخة في مجلد، وكتب عليه خلق كثير وانتفعوا به، وكانت له سمعة
كثيرة في زمنه، مات في هذه السنة وقد أسنَّ وتغيَّر خطّه كثيراً.
· وفيها سالم بن سعادة الحمصي (٣) الشاعر، مات بحلب.
ومن شعره:
لنَّوْرَيْهما من تحتِ قُضْبِ الزَّبَرْجَدِ
وروض أریضٍ مِنْ شقيقٍ ونرجسٍ
وأجفانُ دُرِّ حول أحداقٍ عَسْجَدٍ
خدودُ عقيقٍ تحت خالاتِ عَنْبٍ
• وفيها جلال الدِّين [الحسن، حفيدُ] الحسن [بن] الصَّبَّاح(٤)،
صاحب الألموت، وكَرْدَكوه(٥)، وهو مقدَّمُ الإسماعيلية، وكان قد أظهر شريعة
الإسلام من الأذان وغيره وولّى بعده ولده الأكبر.
٠٠٠
(١) تنبيه: في ((آ) و((ط)): ((ياقوت المستعصمي بن عبد الله الموصلي)) وهو وهم من المؤلف
رحمه الله، والصواب حذف لفظة ((المستعصمي)) لأنها سبقت إلى ذهن المؤلف فإن ياقوتاً
المستعصمي مات سنة (٦٩٨) كما سيأتي في أواخر أحداثها من هذا الكتاب ص (٧٧٣) لذا
قمت بحذفها.
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (١١٩/٦ -١٢٢) و((النجوم الزاهرة)) (٢٨٣/٥).
(٣) لم أقف على ترجمة له فيما بين يدي من المصادر.
(٤) انظر ((الكامل في التاريخ)) (٤٠٥/١٢) و((سير أعلام النبلاء)) (١٥٨/٢٢ - ١٥٩) و((تاريخ
الإسلام)» (٣٥٨/٦٢) وما بين الحاصرتين مستدرك منه.
(٥) في ((آ) و((ط)): ((ودردكوه)) وما أثبته من ((الكامل في التاريخ)).
١٤٨

سنة تسع عشرة وستمائة
● فيها توفي أبو طالب أحمد بن عبد الله بن الحسين بن حديد الكِنَاني
الإِسكندراني المالكي(١).
روى عن السِّلَفي وجماعة، وهو من بيت قضاء وحشمة. توفي في
جمادى الآخرة.
● وفيها ابن الأنماطي الحافظ تقي الدِّين أبو الطاهر إسماعيل بن
عبد الله بن عبد المحسن المصري الشافعي (٢).
قال عمر بن الحاجب: كان إماماً ثقةً حافظاً، مبرِّزاً، واسع الرواية،
وعنده فقه وأدب ومعرفة بالشعر وأخبار الناس. قال: وسألت الحافظ الضياء
عنه فقال: حافظٌ ثقةٌ مفيدٌ إلّ أنه كان كثير الدعابة مع المُرْدِ.
وقال ابن النجار(٣): ولد سنة سبعين وخمسمائة، واشتغل من صباه،
وتفقّه وأقرأ الأدب (٤) وسمع الكثير، وقدم دمشق سنة ثلاث وتسعين، ثمَّ حجّ
سنة إحدى وستمائة وقدم مع الركب، وكانت له مِمَّةٌ وافرةً وجدٌّ واجتهادٌ
(١) انظر ((العبر)) (٧٦/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٩٥/٦٢ - ٣٩٦).
(٢) انظر ((العبر)) (٧٦/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٩٩/٦٢ - ٤٠٠) و((طبقات الشافعية)» للإسنوي
(١٣٤/١ - ١٣٥).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((ابن البخاري)) والتصحيح من ((طبقات الشافعية)) للإسنوي.
(٤) في ((طبقات الشافعية)) للإسنوي: ((وافر الأدب)).
١٤٩

ومعرفةٌ كاملة، وحفظ وفصاحة، وفقه، وسرعة فهم، واقتدار على النَّْم
والنثر. وكان معدوم النظير في وقته(١).
قال الضياء: بات صحيحاً فأصبح لا يقدر على الكلام أياماً، واتصل به
ذلك حتى مات في رجب.
• وفيها ثابت بن مُشَرّف أبو سعد(٢) الأُزَجي البنّاء المعمار(٣). روى
عن ابن ناصر والكُرُوخي وطبقتهما فأكثر، وحَدَّث بدمشق وحلب، وتوفي في
ذي الحجّة.
• وفيها الشيخ عليّ بن [أبي بكر محمد بن عبد الله بن] إدريس
البعقوبيّ (٤) الزاهد، صاحب الشيخ عبد القادر الكيلاني، سيّدٌ زاهدً عابدٌ
ربّانيّ مُتَأَلَّهُ، بعيدُ الصيت. توفي في ذي القعدة.
· وفيها أبو الفضائل شهاب الدِّين عبد الكريم بن نجم بن عبد الوهاب
ابن عبد الواحد الشيرازي الدمشقي بن الحنبلي(٥) الفقيه الحنبلي، أخو
ناصح الدِّين [عبد الرحمن الآتي ذِكره إن شاء الله تعالى، وهو أصغر من
الناصح بتسع سنين. سمع ببغداد من نصر الله](٦) القزّاز. وأجاز له الحافظ
أبو موسى المديني وغيره، وتفقّه، وبَرَع، وأفتى، وناظر، ودرّس بمدرسة جدّه
بدمشق، وهي الحنبلية جوار الرواحية سكن بني الأسطواني.
(١) في ((ط)): ((لي وقته)) وهو خطأ.
(٢) لفظة ((أبو سعد)) سقطت من (آ)).
(٣) انظر ((العبر)) (٧٦/٥ - ٧٧) و((تاريخ الإسلام)) (٤٠٠/٦٢ - ٤٠١).
(٤) انظر ((العبر)) (٧٧/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٤٠٩/٦٢ - ٤١٠) و((النجوم الزاهرة)) (٢٥٤/٦)
وما بين الحاصرتين مستدرك منهما وقد سقط من ((العبر)) بطبعتيه فيستدرك.
(٥) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٣٢/٢ - ١٣٣).
(٦) ما بين الحاصرتين سقط من ((آ)) وأثبته من ((ط)) و((ذيل طبقات الحنابلة)).
١٥٠

قال أبو شامة: هو أخو البهاء والناصح، وهو أصغرهم، وكان أبرعهم
في الفقه والمناظرة والمحاكمات، بصيراً بما يجري عند القضاة في الدعاوى
والبينات.
وقال ابن السَّاعي في ((تاريخه)): كان فقيهاً، فاضلاً، خيِّراً، عارفاً
بالمذهب والخلاف.
وقال غيره: كان ذا قوةٍ وشهامةٍ، وانتزع مسجد الوزير من يد العَلَم
السخاوي، وبقي للحنابلة.
توفي في (١) سابع ربيع الأول ودفن بسفح قاسيون.
● وفيها العلامة كمال الدِّين علي بن محمد بن يوسف بن النَّبيه(٢)،
الكاتب الشاعر، صاحب ديوان رسائل الملك الأشرف موسى بن العادل، وله
دیوان شعر مشهور کله ملح، فمن شعره :
بَدْرُتِمِّ لَهُ مِنَ الشِّعْرِ هَالَهْ مَنْ رَآهُ من المُحبِّينَ هَالَهْ
وَغزالٌ غارت عليه الغَزَالِهْ
قَصُرَ الليلُ حِينَ زَار ولا غَرْ
ـتَ لنا من سكان نجد رِسالَةْ
يا نسيمَ الصَّبَا عَسَاكَ تحمَّلـ
: حمتها سُمر القنا العسّالَةْ
كُلُّ مسعولةِ المراشف بَيْضًا
وله :
فمِنْ جَفْنَيْكَ أَسيافُ تُسَلُ
أماناً أَيُّها القمرُ المُطِلُّ
يَزِيدُ جَمَال وجهكَ كلَّ يومٍ
ولي جسدٌ يذوبُ ويضمحِلُ
صدقتم إنَّ ضِيقَ العَينِ بُخلُ
يميلُ بطرفهِ التركيِّ عَنّي
(١) لفظة ((في)) سقطت من ((ط)).
(٢) انظر ((فوات الوفيات)) (٦٦/٣ -٧٣) و((تاريخ الإسلام)) (٤١٠/٦٢) و((سير أعلام النبلاء))
(١٧٨/٢٢).
١٥١

وَفَتْكُكَ فِي الرَّعِيَةِ لَ يَحِلُّ
أيا مَلِكَ(١) القُلوب فَتَكْتَ فِيهَا
يُصِبْهَا وَابِل منهُ فَطَلُّ
قَليلُ الوصلِ يُقْنِعُهَا فَإِنْ لَمْ
وله :
مَاءُ الحياةِ والخَضِرْ
لماك والخدُّ النَّضِرْ
أَخَذْتني يَا تَارِكي
أَحَلْتَ سُلواني على
ونمتُ عن ذي أرقٍ
أخْذَ عزيزٍ مُقتدرْ
ضامن قلبٍ منكسرْ
إذا غَفَا النّجْمُ سَهِرْ
ـذا العربيِّ تفتخرَ(٢)
قد أضحت الترك بهـ
غَابَ فَإِنِّي مُنْتَظِرْ
وليّ عهد البدرِ إن
ما في الغَزَالِ والنَّمِرْ
في خَلْقه وخُلْقه
فحيثما سَارَ تَسِرْ
ترعاهُ أحداقُ الورى
• وفيها أبو العبّاس الخَضِر بن نصر الإِربلي(٣) الفقيه الشافعي، تفنن
في العلوم، مع الزهد والورع، وهو أول من درَّس باربل، وله تصانيف حِسَان
في التفسير والفقه، وله كتاب ذكر فيه ستاً وعشرين خطبة للنّبِيِّ وَلَ كلها
مسندة، وانتفع به خلق كثير. قاله ابن الأهدل.
(١) في ((آ)): ((أيا مالك)).
(٢) رواية البيت في ((فوات الوفيات)):
قلبي على الترك بهـ
ـذا
يفتخر
البدوي
(٣) تنبيه: كذا أورد المؤلف ترجمته هنا في حوادث سنة (٦١٩) هـ وهو وهم منه تبع فيه ابن
الأهدل وابن الأهدل تبع في ذلك اليافعي في ((مرآة الجنان)) (٤٥/٤ - ٤٦) وقد تبعهم في
ذلك أيضاً العامري في ((غربال الزمان)) ص (٥٠٢) والصواب أنه مات سنة (٥٦٧) والمتوفى
سنة (٦١٩) إنما هو ابن أخيه (نصر بن عقيل) الذي سيترجم المؤلف له بعد قليل. انظر
((وفيات الأعيان)) (٢٣٧/٢ -٢٣٨) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (٨٣/٧) و((طبقات الشافعية))
للإسنوي (١١٨/١ - ١١٩).
١٥٢

● وفيها الحافظ محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم بن مفرج الغافقي
الملاحي الأندلسي الغرناطي المالكي أبو القاسم(١).
كان إماماً، حافظاً، مكثراً، من الأثبات. قاله ابن ناصر الدِّين.
· وفيها أبو القاسم نصر بن عقيل بن نصر الإِربلي(٢).
ولد بإربل سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وتفقه بها على عمه أبي
العبّاس الخَضِر المتوفى في هذا العام أيضاً(٣)، ثم توجه إلى بغداد سنة
ستمائة، فآذاه متوليها(٤) مظفّر الدِّين، واستولى على أملاكه، فتوجه إلى
الموصل سنة ست وستمائة، فأقبل عليه صاحبها الأتابك نور الدِّين أرسلان
شاه بن مسعود، وأحسن إليه، ورتّب له كفايته، ولم يزل مكرّماً إلى أن مات
بها في رابع عشر ربيع الآخر. ذكره التفليسي .
● وفيها الشيخ يونس بن يوسف بن مُساعد الشَّيباني المخارقي
القُنِي (٥) - نسبة إلى القُنَيَّة، قرية من نواحي ماردين(٦) - وهذا شيخ الطائفة
الْيُونُسية أولي الشَّطح وقِلة العَقْل وكثرة الجهل، أبعد الله شَرَّهُم.
وكان - رحمه الله - صاحب حال وكشف. يحكى عنه كرامات .. قاله في
((العبر)).
(١) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٦٢/٢٢ - ١٦٣) و(«تاريخ الإسلام)) (٤١٥/٦٢ - ٤١٦) و((التبيان
شرح بديعة البيان)) (١٧٤ / آ).
(٢) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٣٨٨/٨) و((تاريخ الإسلام)) (٤١٩/٦٢).
(٣) سبق أن نبهت عند التعليق على ترجمة (الخضر بن نصر) المتقدمة قبل قليل إلى وهم
المؤلف رحمه الله تعالى في إيراده مع وفيات هذا العام، وأن الصواب وفاته سنة (٥٦٧) هـ.
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((بتوليها) وما أثبته يقتضيه السياق.
(٥) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٥٦/٧ - ٢٥٧) و((العبر» (٧٧/٥ -٧٨) و((تاريخ الإِسلام))
(٤٢٤/٦٢ - ٤٢٦) و ((سير أعلام النبلاء)» (١٧٨/٢٢ - ١٧٩).
(٦) قال ابن خلِّكان: القُنَيَّة: تصغير قناة.
١٥٣

وقال ابن خَلِّكان: سألت رجلاً من أصحابه عنه فقال: كنا مسافرين
والشيخ يونس معنا، فنزلنا في الطريق بين سنجار وعانة، وهي مخوفة فلم
يقدر أحد منا ينام من شدة الخوف، ونام الشيخ يونس، فلما انتبه قلنا له:
كيف قدرت تنام؟ فقال: والله ما نمت حتّى جاء إسماعيل بن إبراهيم، عليهما
السلام، وتدرك القُفْل، ورحلنا سالمين ببركة الشيخ يونس(١).
ومن شعره موالياً:
وَأَنَا رَمَّيْتِ الخَلَائِقِ في بحارِ التِّيهِ
أَنَا حَمَيت الحِمى وأنا سَكَنْت(٢) فیهِ
أَنَا فَتَىِّ ما أُدَانِي مَنْ بِهِ تشبيهِ
مَنْ كَانَ يبغي العَطَا مِنِّي أَنَا أُعطيه
وله :
يُنَالُكَ مِنْ مَكْرُوهِ دَقِّ المَطَارِقِ
إذا صِرْتَ(٣) سَنْدَاناً فصبراً على الذي
فَتَضْرِبَ أَعْنَاقَ العِدَا بالبوارِقِ
لَعَلَّ اللّيالي أَنْ تُعِيدَكَ ضَارِبَاً
توفي بقريته القُنّة وقد ناهز التسعين، وقبره مشهور هناك.
(١) هذا من المبالغات التي لا يقرها شرعنا الحنيف.
(٢) كذا في (()) و((ط))، وفي ((وفيات الأعيان)) و((تاريخ الإِسلام)): ((سكنتو)).
(٣) في (ط)): ((إذا صوت)) وهو تحريف.
١٥٤
٢

سنة عشرين وستمائة
· فيها كانت الملحمة الكبرى بين التتار وبين القَفْجَاق والرُّوس، وثبت
الجمعان أياماً، ثم انتصرت التتار وغسلوا(١) أولئك بالسيف.
· وفيها توفي الشيخ أبو علي الحسن بن زُهرة الحُسَيني النَّقِيب(٢)،
رأس الشيعة بحلب، وعزّهم وجاههم وعالمهم. كان عارفاً بالقراءات،
والعربية، والأخبار، والفقه، على رأي القوم، وكان متعيناً للوزارة، ونفذ
رسولاً إلى العراق وغيرها، واندكت الشيعة بموته.
• وفيها الحسين(٣) بن يحيى بن أبي الردَّاد المصري، ويسمى أيضاً
محمداً (٤). "كان آخر من روى بنفس مصر عن ابن رفاعة. توفي في
ذي القعدة.
· وفيها الشيخ موفق الدِّين المقدسي أحد الأئمة الأعلام أبو محمد
عبد الله بن أحمد بن محمد بن قُدامة الحنبلي(٥) صاحب التصانيف.
ولد بجمّاعيل سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وهاجر مع أخيه الشيخ
أبي عمر سنة إحدى وخمسين، وحفظ القرآن، وتفقه، ثم ارتحل إلى بغداد،
(١) في ((آ)) و((ط)): ((وغلّوا)) والتصحح من ((العبر)) بطبعتيه.
(٢) انظر ((العبر)) (٧٨/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٤٢٩ - ٤٣٠).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((الحسن)) والتصحيح من ((العبر)) و((تاريخ الإِسلام)).
(٤) انظر ((العبر)) (٧٨/٥ - ٧٩) و((تاريخ الإسلام)) (٤٣٠ - ٤٣١).
(٥) انظر («العبر» (٧٩/٥ - ٨٠) و((تاريخ الإسلام)) (٤٣٤/٦٢ - ٤٤٨) و ((سير أعلام النبلاء،
. (١٦٥/٢٢ -١٧٣) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٣٣/٢ -١٤٩) و((القلائد الجوهرية))
(٤٦٥/٢ - ٤٧٠) طبعة المجمع.
١٥٥

فأدرك الشيخ عبد القادر(١)، فسمع منه، ومن هبة الله الدقّاق، وابن البَطِّي
وطبقتهم، وتفقه على ابن المَنِّي حتَّى فاق على الأقران، وحاز قَصَبَ السبق،
وانتهى إليه معرفة المذهب وأصوله، وكان مع تبحُّره في العلوم ويقينه، ورِعاً
زَاهِداً تقيّاً ربّانياً، عليه هيبةٌ ووقارٌ، وفيه حلم وتُؤَدة، وأوقاته مستغرَقةٌ للعلم
والعمل، وكان يفحم الخُصوم بالحُجَجِ والبراهين، ولا يتحرّج ولا ينزعج،
وخصمه یصیح ويحترق.
قال الحافظ الضياء: كان تامًّ القامة، أبيضَ، مشرق الوَجه، أدعج
العينين، كأن النّور يخرج من وجهه لحسنه، واسع الجبين، طويل اللّحية،
قائم الأنف، مقرون الحاجبين، لطيف اليدين(٢)، نحيف الجسم، إلى أن
قال: رأيت الإِمام أحمد في النوم فقال: ما قصّر صاحبكم الموفق في شرح
((الخرقي))(٣).
وسمعت أبا عمرو(٤) بن الصلاح المفتي يقول: ما رأيت مثل الشيخ
الموفق.
وسمعت شيخنا أبا بكر بن غُنيمة المفتي ببغداد يقول: ما أعرف أحداً
في زماننا أدرك درجةَ الاجتهاد إلّ الشيخ الموفق.
قلت: جمع له الضياء ترجمة في جزءين، ثم قال: توفي في يوم عيد
الفطر. قاله جميعه في ((العبر)).
وذكر الناصح بن الحنبلي (*): أنه حجّ سنة أربع وسبعين وخمسمائة،
(١) يعني الجيلاني رحمه الله تعالى وهو عبد القادر بن موسى، وقد توفي ببغداد سنة (٥٦١) هـ.
(٢) في (()) و((ط)): ((لطيف البدن)) وما أثبته في ((العبر)).
(٣) يعني ((مختصر الخرقي)) ومعلوم أنه شرحه في كتابه العظيم ((المغني)) وسوف يذكر المؤلف
ذلك بعد قليل.
(٤) في ((ط)): ((أبا عمر)) وهو خطأ.
(٥) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٣٤/٢) و((شذرات من كتب مفقودة)) ص (١٨٦) وما بين
الحاصرتين مستدركة منه.
١٥٦

ورجع مع وفد العراق إلى بغداد، وأقام بها [سنةً]. واشتغلنا جميعاً على
الشيخ أبي الفتح [بن المَنِّي] ثم رجع إلى دمشق واشتغل بتصنيف کتاب
((المغني في شرح الخِرَقي)) فبلغ الأمل في إتمامه، وهو كتابٌ بليغ في
المذهب، عشر مجلدات، تعب عليه وأجاد فيه، وجمّل به (١) المذهب. وقرأه
عليه جماعة، وانتفع بعلمه طائفة كثيرة.
قال: ونشأ على سمتٍ(٢) أبيه وأخيه، في الخير، والعبادة، وغلب عليه
الاشتغال بالفقه والعلم.
وقال سبط ابن الجوزي: كان إماماً في فنون كثيرة، ولم يكن في زمانه
- بعد أخيه أبي عمرَ، والعماد(٣) - أزهد ولا أورع (٤) منه. وكان كثير الحياء،
عزوفاً(٥) عن الدُّنيا وأهلها، هيناً، ليناً، متواضعاً، محباً للمساكين، حسن
الأخلاق، جواداً، سخياً، من رآه كأنما رأى بعض الصحابة، وكأن النّور
يخرج من وجهه. كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سُبعاً من القرآن، ولا يصلي
ركعتي السُّنّة إلّ في بيته اتباعاً للسُّنَّة. وكان يحضر مجالسي دائماً بجامع
دمشق وقاسیون.
وقال أبو شامة: كان شيخ الحنابلة موفق الدِّين إماماً من أئمة
المسلمين، وعلماً من أعلام الدِّين في العلم والعمل، وصنَّف كتباً حساناً في
الفقه وغيره، عارفاً بمعاني الأخبار والآثار. سمعت عليه أشياء، وجاءه مرَّة
الملك العزيز بن الملك العادل يزوره، فصادفه يصلي، فجلس بالقرب منه
(١) لفظة ((به)) سقطت من ((آ)).
(٢) تحرفت في ((آ) و((ط)) إلى (سمعت)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٣) أقول: أخوه أبو عمر: هو محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، المتوفى سنة (٦٠٧) هـ وقد تقدم
صفحة (٥٠).
والعماد: هو إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، أخو الحافظ عبد الغني
المقدسي، توفي سنة (٦١٤) هـ وقد تقدم صفحة (١٠٥) من هذا المجلد (
٤)
(٤) تحرفت في ((آ) و((ط)) إلى ((أروع) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٥) في ((ط)): ((عفوفاً) وهو تحريف.
١٥٧

إلى أن فرغ من صلاته، ثم اجتمع به ولم يتجوز في صلاته. ومن أظرف(١)
ما حكي عنه: أنه كان يجعل في عِمامته ورقةً مصرورةً، فيها رملٌ يرمِّلُ به
ما يكتبه للناس من الفتاوى والإِجازات وغيرها، فاتفق ليلة أن(٢) خطفت
عمامته، فقال لخاطفها: يا أخي خذ من العِمَامة الورقة المصرورة بما فيها
وردّ العِمَامة أُغطي بها رأسي وأنت في أوسع الحلِّ مما في الورقة، فظن
الخاطف أنها فضة، ورآها ثقيلة، فأخذها وردَّ العِمامة، وكانت صغيرة عتيقة،
فرأى أخذ الورقة خيراً منها بدرجات، فخلَّص الشيخ عِمامته بهذا الوجه
اللَّطيف.
وقال أبو العباس بن تيمية: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ
الموفق، رحمه الله.
وقال الضياء: كان - رحمه الله تعالى - إماماً في القرآن، إماماً في
التفسير، إماماً في علم الحديث ومشكلاته، إماماً في الفقه، بل أوحد زمانه
[فيه، إماماً](٣) في علم الخلاف، أوحد زمانه في الفرائض، إماماً في أصول
الفقه، إماماً في النحو، إماماً في الحساب، إماماً في النجوم السَّيَّارة
والمنازل.
قال: ولما قدم بغداد قال له الشيخ أبو الفتح بن المنّ: اسكن هنا؛
فإن بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج من بغداد ولا تخلَّف فيها مثلك.
وكان العماد (٤) يعظّم الموفق تعظيماً كثيراً، ويدعو له، ويقعد بين
يديه، كما يقعد المتعلم من العالم.
(١) في ((ط)): ((ومن أطرف)).
(٢) لفظة ((أن)) لم ترد في ((آ) و((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من ((آ)).
(٤) يعني عماد الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن سرور المقدسي، أخو الحافظ
عبد الغني المقدسي، المتوفى سنة (٦١٤) هـ وقد تقدم صفحة (١٠٥).
١٥٨

وقال ابن غُنيمة: ما أعرف أحداً في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلّ الموفق.
وقال أبو عمرو بن الصلاح: ما رأيت مثل الشيخ الموفق.
وقال الشيخ عبد الله اليونيني: ما أعتقد أن شخصاً ممن رأيته حصل له
من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصَّل بها الكمال سواه، فإنه
- رحمه الله - كان إماماً كاملاً في صورته ومعناه، من الحسن، والإِحسان،
والحلم، والسؤدد، والعلوم المختلفة، والأخلاق الحميدة، والأمور التي
ما رأيتها كملت في غيره. وقد رأيت من كرم أخلاقه وحسن عشرته، ووفور حلمه،
وكثرة علمه، وغزير فضله وفطنته(١)، وكمال مروءته، وكثرة حيائه، ودوام
بشره، وعُزوف نفسه عن الدُّنيا وأهلها، والمناصب وأربابها، ما قد عجز عنه
كبار الأولياء، فإن رسول الله - مَ ﴿ه - قال: ((مَا أَنْعَمَ الله تعالى عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً
أَفْضَل مِنْ أَنْ يُلْهِمَهُ ذِكْرَهُ))(٢) فقد ثبت بهذا أن إلهام الذكر أفضل [من]
الكرامات، وأفضل الذكر ما يتعدى نفعه إلى العباد، وهو تعليم العلم والسُّنّة،
وأعظم من ذلك وأحسن ما كان جِبِلَّةً وطبعاً، كالحلم، والكرم، والفضل(٣)،
والعقل، والحياء، وكان قد جبله الله على خُلقٍ شريف، وأفرغ عليه المكارم
إفراغاً، وأسبغ عليه النُّعم، فلطف به في كل حال.
وقال ابن رجب: كان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره،
لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإِمرار لما جاء في
(١) في ((ط)): ((وغزير فطنته)).
(٢) ذكره الحافظ المنذري في ((الترغيب والترهيب) (٢/ ٤٠٠) من رواية ابن أبي الدنيا عن أبي ذرِّ
رضي الله عنه بلفظ «ما من يوم وليلة إلا ولله عز وجل فيه صَدَقةٌ يمنُّ بها على من يشاء من
عباده، وما منَّ الله على عبد بأفضل من أن يلهمه ذكره)» وصدَّره بلفظ روي، وهذا دليل على
ضعفه کما ذکر في مقدمته للكتاب، فهو حديث ضعيف.
وهو قطعة من حديث أبي ذر ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد)) (٢٣٦/٢ - ٢٣٧) وقال:
رواه البزَّار وفيه حسين بن عطاء، ضعّفه أبو حاتم وغيره، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال:
یخطی ویدلس.
(٣) لفظة ((والفضل)) لم ترد في ((ذيل طبقات الحنابلة)).
١٥٩

الكتاب والسُّنَّة من الصفات من غير تغييرٍ ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تحريف،
ولا تأويل ولا تعطیل.
ومن تصانيفه في أصول الدِّين ((البرهان في مسألة القرآن)) و((جواب
مسألة وردت من صرخد في القرآن)) جزء، و((الاعتقاد))(١) جزء، و((مسألة العلو))
جزءان، و((ذم التأويل)) جزء، و((كتاب القدر)) جزءان، و((منهاج القاصدين
في فضائل الخلفاء الراشدين)» و«رسالة إلى الشيخ فخر الدِّين بن تيمية في
عدم تخليد أهل البدع في النار)) و(«مسألة في تحريم النظر في كتب أهل
الكلام».
ومن تصانيفه في الحديث (((مختصر العلل للخلال)) مجلد ضخم،
و ((مشيخة شيوخه)) أجزاء كثيرة.
ومن تصانيفه في الفقه: ((المغني)) في عشر مجلدات، و((الكافي))(٢)
أربع مجلدات، و((المقنع))(٣) مجلد](٤) و((مختصر الهداية)) مجلد.
و((العمدة)) مجلد صغير، و((مناسك الحج)) جزء، و((ذم الوسواس)) جزء،
وفتاوى ومسائل منثورة، ورسائل شتى كثيرة(٥) و((الروضة في أصول الفقه))
مجلد .
(١) واسمه الكامل ((لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد)) وقد طبع في دمشق عام (١٣٩١) هـ
بمكتبة دار البيان بتحقيق والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط حفظه الله، ثم نشرته
مكتبة الهدى في الرياض نشرة جديدة عام (١٤٠٨) هـ اشتملت على زيادات وفوائد نافعة كتبها
والدي في حواشي الكتاب. وهو كتاب صغير الحجم جمُّ الفوائد لو عمل الإِنسان بما فيه لكفاه
إن شاء الله عن الخوض في الكتب المطولات في هذا الباب.
(٢) وقد قام بتحقيقه والدي حفظه الله بالاشتراك مع زميله الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، ونشره
المكتب الإسلامي بدمشق في ثلاث مجلدات كبار عام (١٣٨٢) هـ.
(٣) وهو مطبوع في مصر طبعة قديمة صورت مرات عدة، وقد حصلت على مصورتين لنسختين
خطيتين نفيستين منه.
(٤) ما بين الحاصرتين سقط من ((آ) وأثبته من ((ط)).
(٥) في ((آ)) و((ط)): ((ورسائل شيء كثير)) وما أثبته من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
١٦٠
!