Indexed OCR Text

Pages 521-540

سنة خمس وتسعين وخمسمائة
· فيها كانت فتنة فخر الدِّين الرَّازي، صاحب التصانيف، وذلك أنه
قدم هَرَاة ونال إكراماً عظيماً من الدولة، فاشتد ذلك على الكراميّة، فاجتمع
يوماً هو والزاهد مجد الدِّين بن القُدْوَة، فاستطال فخر الدِّين على ابن القُدْوَة
وشتمه وأهانه، فلما كان من الغد جلس ابن عم مجد الدِّين فوعظ الناس،
وقال: ﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آل
عمران: ٥٣] أيها الناس! لا نقول إلّ ما صحَّ عن رسول الله - وَالّ - وأما قول
أرسطو، وكفريات ابن سينا، وفلسفة الفَارَابي فلا نعلمها فلأي شيءٍ يُشتم
بالأمس شيخ من شيوخ الإِسلام يَذُبُّ عن دين الله، وبكى فأبكى الناس
وضجت الكراميّة وثاروا من كل ناحية، وحميت الفتنة، فأرسل السلطان الجند
فسكّنهم، وأمر الرَّازي بالخروج. قاله في ((العبر))(١).
• وفيها كانت بدمشق فتنة الحافظ عبد الغني (٢)، وكان أمَّاراً بالمعروف،
داعيةً إلى السُّنَّة، فقام عليه الأشعرية وأفتوا بقتله، فأُخرج من دمشق طريداً.
قاله في ((العبر))(٣) أيضاً.
● وفيها مات العزيز صاحب مصر أبو الفتح عثمان بن السلطان
(١) (٢٨٥/٤).
(٢) يعني المقدسي.
(٣) (٢٨٦/٤) وانظر الخبر بتوسع في ((ذيل الروضتين)) ص (١٦) ..
٥٢١

صلاح الدِّين يوسف بن أيوب(١)، توفي في المحرَّم عن ثمان وعشرين سنة.
وكان شاباً مليحاً ظريف الشمائل قوياً ذا بطشٍ وأيدٍ وكَرَمٍ وحياءٍ وعفةٍ، بلغ
من كرمه أنه لم تبق له خِزانة، وبلغ من عفته أنه كان له غلامٌ بألف دينار،
فحلَّ لباسه، ثم وفِّقَ فتركه وأسرع إلى سُرِيَّةٍ له فَاقْتَضَّها، وأمر الغلام بالتستّر.
وأقيم بعده ولده علي فاختلفت الأمراء، وكاتب بعضهم الأفضل، فصار
من صَرْخَد إلى مصر وعمل نيابة السلطنة، ثم سار بالجيوش ليأخذ دمشق من
عمه، فأحرق العادل الحواضر والسّرَب، ووقع الحصار، ثم دخل الأفضل من
باب السلامة، وفرحت به العامة وحوصرت القلعة مدة، وكان سبب موت
العزيز أنه خرج إلى الفيُّوم يتصيَّد فتقنطرت به فرسه فأصابته حمی فمات بعد
يومين ودفن بالقرافة قرب الإِمام الشافعي، وكان عمره سبعاً وعشرين سنة،
وخلّف عشرة أولاد أكبرهم ناصر الدِّين محمد.
• وفيها صُلِبَ بدمشق الذي زعم أنه عيسى بن مريم وأَضَلَّ طائفةً،
فأفتى العلماء بقتله.
• وفيها عبدُ الخالق بن هبة الله أبو محمد الحَرِيمي بن البُنْدار (٢)
الزَّاهد. روى عن ابن الحصين وجماعة.
قال ابن النجار: كان يُشْبهُ الصحابة، ما رأيت مثله، توفي في
ذي القعدة.
· وفيها ابن رُشد الحفيد، هو العلامة أبو الوليد محمد بن أحمد بن
العلامة المفتي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رُشد القرطبي (٣) المالكي. أدرك
من حياة جده شهراً سنة عشرين، وتفقّه وبَرَعَ، وسمع الحديث وأتقن الطب
(١) انظر ((العبر)) (٢٨٦/٤) و((النجوم الزاهرة)) (١٤٦/٦).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٨٦/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٨/٢١ - ٣٣٠).
(٣) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٣٢١/١ -٣٢٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٠٧/٢١ - ٣١٠).
٥٢٢

وأقبل على الكلام والفلسفة حتَّى صار يُضرب به المثل فيها، وصنَّف
التصانيف، مع الذكاء المُفْرِطِ والملازمة للاشتغال ليلاً ونهاراً، وتآليفه كثيرةٌ
نافعة، في الفقه، والطب، والمنطق، والرياضي، والإِلَهي، وتوفي في صفر
بمُرَّاکش.
● وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الملك(١) بن إسماعيل بن
عبد الملك بن إسماعيل بن علي الأصبهاني (٢) الواعظ الحنبلي.
ولد سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وسمع من أبي علي
الحمّامي، والباغبان، وغيرهما. وببغداد من هبة الله بن الشُّبْلي وخلق، وكان
له قبول كثير عند أهل بلده، وقدم بغداد غير مرَّةٍ وأملى بها، وسمع منه ابن
القطيعي، وابن النجَّار، وقال: كان فاضلاً صدوقاً. وتوفي ليلة الرابع
والعشرين من ذي الحجّة.
• وفيها أبو بكر(٣) بن زُهْر (٣) محمد بن عبد الملك بن زُهْر الإِيادي
الإِشبيلي (٤) شيخ الطب وجالينوس العصر.
ولد سنة سبع وخمسمائة، وأخذ الصناعة عن جدّه أبي العلاء زُهْر بن
عبد الملك، وبَرَعَ ونال تقدّماً وحظوة عند السلاطين، وحمل الناس عنه
تصانيفه .
(١) في ((آ)) و((ط)): ((ابن عبد اللّه)) والتصحيح من مصادر الترجمة المذكورة في التعليق التالي.
(٢) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٣٤٢/١ - ٣٤٣) و((الوافي بالوفيات)) (٤٣/٤) و((ذيل طبقات
الحنابلة)) (٣٩٧/١ - ٣٩٨).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((أبو بكر بن خيرون بن زهر)) والتصحيح من المصادر المذكورة في التعليق
التالي .
(٤) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٣٤/٤ - ٤٣٧) و((العبر)) (٢٨٨/٤) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٢٥/٢١ - ٣٢٧).
٥٢٣

وكان جواداً ممدحاً محتشماً كثير العلوم. قيل: إنه حفظ ((صحيح
البخاري)» كلَّه.
قال ابن دحية: كان شيخنا أبو بكر يحفظ شعر ذي الرُّمَّة، وهو ثلث لغة
العرب، مع الإِشراف على جميع أقوال أهل الطب، توفي بمرَّاكش في
ذي الحجة .
• وفيها أبو جعفر الطَّرَسُوسي محمد بن إسماعيل الأصبهاني(١)
الحنبلي. سمع أبا علي الحدّاد، ويحيى بن مَنْدَه، وابن طاهر، وطائفة،
وتفرَّد في عصره، وتوفي في جمادى الآخرة عن أربع وتسعين سنة.
• وفيها أبو الحسن الجَمَّال مسعود بن أبي منصور بن محمد الأصبهاني
الخَيَّاط(٢). روى عن الحدّاد، ومحمود الصَّيْرَفي، وحضر غانماً البرجي،
وأجاز له عبد الغفّار الشِّيرَوي، وتوفي في شوال.
• وفيها أبو الفضل الصُّوفي منصور بن أبي الحسن الطَّبَري(٣) الواعظ.
تفقّه وتفنَّن، وسمع من زَاهِر الشّحّامي وغيره، وهو ضعيف في روايته (٤)
لمسلم(٥) عن الفُراوي توفي بدمشق في ربيع الآخر.
• وفيها جمال الدِّين أبو القاسم يحيى بن علي بن الفضل بن
هبة الله (٦)، العلّامة البغدادي، شيخ الشافعية بها، ويعرف بابن فضلان.
ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، وتفقّه على أبي منصور بن الرزَّاز
(١) انظر ((العبر)) (٢٨٧/٤ -٢٨٨) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٤٥/٢١ - ٢٤٦).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٨٨/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٨/٢١) و((النجوم الزاهرة)) (١٥٤/٦).
(٣) انظر (العبر)) (٢٨٨/٤ - ٢٨٩) و((النجوم الزاهرة)) (١٥٤/٦).
(٤) في ((ط)): ((في رواية)).
(٥) قال الذهبي في ترجمته في ((ميزان الاعتدال)) (١٨٣/٤): ((أخذ يروي ((صحيح مسلم)) عن
الفُرَاوي، فتقدم ابن خليل وبيَّنَ للجماعة أن الثَبَتَ مزوَّرُ؛ فقاموا)).
(٦) انظر ((العبر)) (١٥٤/٤) و((النجوم الزاهرة)) (١٥٤/٦).
٥٢٤

ببغداد، وينيسابور على محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وسمع جماعة،
وانتفع به خلق كثير، واشتهر اسمه وطار صيته، وكان إماماً في الفقه،
والأصول، والخلاف، والجَدَلِ ، مشاراً إليه في ذلك، وكان يجري له
وللمجير البغدادي بحوث ومحافل، ويُشَنَّعُ كل منهما على الآخر، وتوفي في شعبان.
● وفيها المنصور أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي
القيسي (١) الملقب بأمير المؤمنين. بويع سنة ثمانين وخمسمائة بعد أبيه وسِنْهُ
اثنتان وثلاثون سنة، وكان صافي اللّون، جميلاً، أَعْيَنَ، أَقْوَهَ، أقنى، أكحل،
مستدير اللّحية، ضخماً، جَهْوَرِيَّ الصوت، جَزْلَ الألفاظ، كثير الإِصابة
بالظنِّ والفراسة، خبيراً، ذكياً، شجاعاً، مِقْدَاماً، محباً للعلوم، كثير الجهاد،
ميمون التقيَّة، ظاهري المذهب، معادياً لكتب الفقه والرأي(٢)، أباد منها شيئاً
كثيراً بالحريق، وحمل الناس على التشاغل بالأثر. قاله في ((العبر)).
وقال ابن الأهدل: طاب حاله وأظهر بهجة ملك عبد المؤمن، وتنصّل
للجهاد، وأجرى الأحكام على قانون الشرع، ولقُّب أمير المؤمنين كأبيه
وجدّه. رحل إلى الأندلس، ورتّب قواعدها، وعزم عليهم في الجهر
بالبسملة(٣) في أول الفاتحة، ثم عاد إلى مُرَّاكش وهي كرسي ملكهم، فجاءه
كتاب ملك الفرنج يتهدده، من جملة كتابه: باسمك اللهم فاطر السموات
والأرض، وصلّى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته، فمزَّق يعقوب
الكتاب، وكتب على ظهر قطعة منه: ﴿ارْجِعْ إِليْهِمْ فَلَنَأْتِيَّنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَ قِبَلَ
لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةٌ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [النَّمْل: ٣٧] الجواب ما ترى
لا ما تسمع، وأنشد:
(١) انظر ((العبر)) (٢٨٩/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٣١١/٢١ -٣١٩).
(٢) في ((أ)) و((ط): ((لكتب الفقه والفقه)) والتصحيح من ((العبر)).
(٣) في ((آ) و((ط)): ((بالتسمية)) والتصحيح من ((مرآة الجنان)) (٤٨٠/٣).
٥٢٥

وَلَ رُسْلَ إلّ الخَمِيْسُ العَرَمْرَمُ (١)
ولا كُتْبَ إلّ المَشْرَفِيّةُ عِنْدَنَا
ثم سار إليهم وعبر بحر سبتة إلى الأندلس، ثم رحل منها فدخل
بلادهم وأوقع بهم وقعة لم يسمع بمثلها، ولم ينج منهم إلّ ملكهم في عدد
يسير، وبلغت الدُّروع من المغنم ستين ألف درعٍ ولم يُخْصَ عدد الدواب،
وكان من عادة الموحدين لا يأسرون مُشركاً بل يقتلونهم، ثم عاد إلى إشبيلية
والتمس الفرنج صلحهم فصالحهم، ولو طالت أيامه لم يترك في يدهم
مدينة .
وبنى بالقرب من سلا مدينة على هيئة الإِسكندرية في اتساع الشوارع
وحسن التقسيم والتحسين، بناها على جانب البحر المحيط، وسمّاها دار
الفتح، ثم رجع إلى مُرَّاكش، وكان محباً للعلم والعلماء، يصلّي بالناس
الخمس ويلبس الصوف، وكان على قدم التواضع وإليه تنسب الدنانير
اليعقوبية، وكان قد عزم على علماء زمانه أن لا يقلدوا أحداً من الأئمة
الماضين بل تكون أحكامهم بما ينتهي إليه اجتهادهم.
قال ابن خَلَّكان(٢): أدركنا جماعة منهم على هذا المنهج، مثل أبي
الخطّاب بن دِحْيَة، وأخيه أبي عمر، ومحبي الدِّين بن عربي الطائي نزيل
دمشق، وغيرهم، وتوفي يعقوب بمُرَّاكش وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق
لتترحم عليه المارَّة، وقيل: إنه تجرَّد من المُلك وذهب إلى المشرق فمات
خاملاً.
قال اليافعي(٣): سمعت من لا أشك في صلاحه من المغاربة أن
(١) البيت للمتنبي وهو في ((ديوانه)) بشرح العكبري (٣٥٢/٣) وفيه ((عنده)) مكان ((عندنا)).
قال العكبري: المشرفية: السيوف، تنسب إلى موضع تطبع فيه السيوف، وهي المشارف.
والخميسُ: الجيش العظيم. والعرمرم: الكثير.
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٠/٣).
(٣) انظر ((مرآة الجنان)) (٤٨٣/٣).
٥٢٦

شيوخ المغرب راموا أن يعارضوا ((رسالة)) القشيري وما جمع فيها من المشايخ
المشارقة فذكروا إبراهيم بن أدهم، وقالوا: لا تتم لنا المعارضة إلّ بملكٍ مثله،
فلما تزهد يعقوب وانسلخ عن الملك تمَّ لهم ذلك.
ويُويع بعد يعقوب لولده محمد الناصر فاسترجع المهدية من الملثم.
٥٢٧

:
سنة ست وتسعين وخمسمائة
قال ابن كثير(١): في هذه السنة والتي بعدها، کان بدیار مصر غلاء
شديد، فهلك الغنيُّ والفقير، وعمَّ الجليل والحقير، وهرب الناس منها نحو
الشام، ولم يصل منهم إلّ القليل من الفِيَامِ (٢) وتخطفتهم الفرنج من
الطرقات وغرُّوهم(٣) في أنفسهم واغتالوهم بالقليل من الأقوات.
· وفيها توفي أبو جعفر(٤) القُرْطُبي أحمد بن علي بن أبي بكر المقرىء
الشافعي إمام الكلّسة وأبو إمامها.
ولد سنة ثمان وعشرين بقرطبة، وسمع بها من أبي الوليد بن الدبَّاغ(٥)،
وقرأ القراءات على أبي بكر بن صَافٍ(٦) ثم حجَّ وقرأ القراءات على ابن
سعدون القُرطبي، ثم قدم دمشق فأكثر عن الحافظ ابن عساكر، وكتب
(١) انظر ((البداية والنهاية)) (٢٢/١٣).
(٢) في ((ط)): ((الفئام)) والفِيَامُ: الجماعة من الناس. انظر ((لسان العرب)) (فيم) وقوله: ((من.
الفيام)) لم يرد في ((البداية والنهاية)) الذي بين يدي.
(٣) في ((ط)) و((المنتخب)) (١٢٩/ب): ((وعزوهم)) وفي ((آ)): ((وغزوهم)) وفي («البداية والنهاية)):
((وغروهم)» وهو ما أثبته وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
(٤) في ((آ)): ((جعفر)) وهو خطأ، وهو مترجم في ((العبر)) (٢٩١/٤) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٠٣/٢١ - ٣٠٤).
(٥) في ((سير أعلام النبلاء)): ((سمع منه ((الموطأ)) بقراءة والده)).
(٦) تحرفت في ((آ)) و((ط)) و((العبر)) بطبعتيه إلى ((ابن صيف)) والتصحيح من ((معرفة القراء الكبار))
(٥٥٥/٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٠٤/٢١) وهو محمد بن خلف الإِشبيلي أبوبكر.
٥٢٨

الكثير، وكان عبداً صالحاً خبيراً بالقراءات.
• وفيها أبو إسحاق العراقي(١) العلامة إبراهيم بن منصور بن المُسَلَّم،
الفقيه الشافعي المصري، المعروف بالعراقي .
ولد بمصر سنة عشر وخمسمائة، ولُّقِّب بالعراقي لاشتغاله ببغداد،
وتفقّه بها على أبي بكر الأرموي تلميذ أبي إسحاق الشيرازي وغيره، وبمصر
على القاضي مُجَلَّ، وشرح ((المهذب))(٢) في نحو خمسة عشر جزءاً
متوسطة(٣)، وتخرَّج به جماعة، وتوفي في جمادى الأولى.
• وفيها إسماعيل بن صالح بن ياسين أبو الطاهر الشّارِعيّ (٤) المقرىء
الصالح. روى عن أبي عبد الله الرزّاز ((مشيخته)) و((سداسياته)) وتوفي في
ذي الحجّة.
• وفيها أبو سعيد الرَّارَاني (٥) - براءين مهملتين، نسبة إلى رَارَان قرية
بأصبهان - خليل بن أبي الرجاء بدر بن ثابت الأصبهاني الصُّوفي .
ولد سنة خمسمائة، وروى عن الحدّاد، ومحمود الصَّيرفي، وطائفة.
وتوفي في ربيع الآخر، وتفرَّد بعدة أجزاء.
• وفيها علاء الدِّين خَوَارزم شاه تكش بن خُوَارَزْم شاه أرسلان (٦) بن
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٣/١ - ٣٦) و((العبر)) (٢٩١/٤) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٠٤/٢١ - ٣٠٥).
(٢) لأبي إسحاق الشيرازي .
(٣) في ((الوافي بالوفيات)) (١٥١/٦): ((في عشرة أجزاء)).
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((الساعي)) وهو تحريف، والتصحيح من ((التكملة لوفيات النقلة)) (٣٦٧/١)
و ((العبر)» (٢٩١/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٧٠/٢١).
(٥) انظر ((العبر)) (٢٩١/٤ - ٢٩٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٩/٢١).
(٦) كذا في ((آ)) و((ط)) و((العبر)) بطبعتيه، و((النجوم الزاهرة)) (١٥٩/٦): ((خوارزم شاه تكش بن
خوارزم شاه أرسلان)) وفي ((الكامل في التاريخ)) (١٥٦/١٢): ((خوارزم شاه تكش بن ألب =
٥٢٩

آتِزِ(١) بن محمد بن نوشتكين(٢)، سلطان الوقت، ملك من السِّنْدِ، والهنْدِ،
وما وَرَاءَ النهر، إلى خُرَاسَان، إلى بغداد. وكان جيشه مائة ألف فارس. وهو
الذي أزال دولة بني سلجوق، وكان حاذقاً بلعب العود، ذهبت عينه في بعض
حروبه، وكان شجاعاً فارساً عالي الهمَّة، تغيرت نيته للخليفة، وعزم على
قصد العراق، فجاءه الموت فجأة بدِهِسْتان في رمضان، وحُمِلَ إلى خُوَارَزْم،
وقيل كان عنده أدبُ ومعرفة بمذهب الإِمام أبي حنيفة، مات بالخوانيق.
وقام بعده ولده قطب الدِّين محمد ولقبوه بلقب أبيه.
• وفيها مجد الدِّين طاهر بن نصر الله بن جَهْبَل الكلابي الحلبي (٣)
الشَّافعي الفَرَضي، مدرس مدرسة صلاح الدِّين بالقدس. سمع الحديث من
جماعة، وحَدَّث وصنَّف للسلطان نور الدِّين الشهيد كتاباً في فضل الجهاد،
وهو والد بني جَهْبَل الفقهاء الدمشقيون، وأحد من قام على السُّهْرَ وَرْدِي
الفيلسوف، وأفتى بقتله، مات بالقدس عن أربع وستين سنة.
· وفيها القاضي الفاضل أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن
اللّخمي البَيْسَاني ثم العسقلاني ثم المِصْري محبي الدِّين (٤) صاحب ((ديوان
الإِنشاء)) وشيخ البلاغة.
ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
قيل: إن مسودَّات رسائله لو جمعت لبلغت مائة مجلد.
قال عبد اللطيف البغدادي في ((تاريخه)): كان ثلاثة إخوة أصلهم من
= أرسلان)) وفي ((ذيل الروضتين)) ص (١٧): ((خوارزم شاه تكش بن أرسلان شاه)) وفي ((سير
أعلام النبلاء)): ((خوارزم شاه تكش بن أرسلان)).
(١) في ((آ)) و((ط)): ((بن أطر)) والتصحيح من ((ذيل الروضتين)) و((سير أعلام النبلاء)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((ابن بوستكين)) والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٩٢/٤) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣١/٢).
(٤) انظر ((العبر)) (٢٩٣/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٣٨/٢١ - ٣٤٤).
٥٣٠

بيسان، وكان أحدهم بالإِسكندرية وبها مات، وخلّف من الخواتم صناديق
ومن الحصر والقدور والخزف بيوتاً مملوءةً، وكان متى رأى خاتماً أو سمع به
اجتهد في تحصيله واشتراه .
وأما الأخ الثاني فكان له هوسٌ مفرطً في تحصيل الكتب، وكان عنده
مائتا ألف كتاب، ومن كل كتاب نسخ كثيرة حتى من ((الصحاح)) ثمان عشرة
نسخة .
وأما الثالث فالقاضي الفاضل، وكان يحب الكتابة، فقصد مصر ليشتغل
بالأدب، فاشتغل به، وحفظ القرآن، وقال الشعر والمراسلات، وخدم الأكابر،
فلما ملك أسد الدِّين احتاج إلى كاتب فأُحضر إليه فأعجبه نفاده وسمته ودينه
ونصحه، فلما تملّك صلاح الدِّين استخلصه لنفسه، وحسَّنَ اعتقاده فيه ووجد
البركة في رأيه، ولذلك لم يكن أحد في منزلته، وكان نزهاً عفيفاً نظيفاً، قليل
الّذات، كثير الحسنات، دائم التهجد، ملازم القرآن والاشتغال بعلوم
الأدب، غير أنه كان خفيف البضاعة من النحو لا عرياً منه، لكن قوة الدُّربة
توجب له عدم اللّحن، وكتب ما لم يكتبه أحد، ولما عظم شأنه أَنِفَ من قول
الشعر، وكان لباسه لا يُساوي دينارين، وثيابه البياض، ولا يركب معه أحد
ولا يصحبه سوى غلام له، ويكثر زيارة القبور، ويُشَيِّعُ الجنائز ويعود
المرضى، وكان له صدقات ومعروف كثير في الباطن، وكان ضعيف البنية
رقيق الصورة، له حدبة يسترها الطيلسان، وفيه سوء خلق، لا يضر أحداً،
ولأصحاب الفضائل عنده موقع، يحسن إليهم ولا يمنُّ عليهم، ويؤثر أرباب
البيوت ومن كان خملاً من ذوي النباهة، ويحب الغرباء، ولم يكن له انتقام
من أعدائه بل يحسن إليهم، وكان دخله كل سنة من إقطاعه ورباعه وضياعه
خمسون ألف دينار، هذا سوى التجارات من الهند والمغرب وغير ذلك،
وسوى ضيعة من السلطان تسمَّى تُرُنْجَه تعمل إثني عشر ألف دينار، وكان
٥٣١

يقتني الكتب من كل فنٌّ ويجتلبها من كل جهةٍ، وله نُسَّاخ لا يفترون
ومجلُّدونَ لا يَسأمون.
قال لي بعض من يخدمه في الكتب: إن عدد كتبه قد بلغ مائة ألف
كتاب وأربعة عشر ألف كتاب، هذا قبل أن يموت بعشرين سنة .
وحكى لي ابن صورة الكتبي(١) قال: إن ابنه التمس مني نسخة
((حماسةٍ)) ليقرأها، فقلت للفاضل، فاستدعى من الخادم أن يحضر شدات
((الحماسة)) فأحضر خمساً وثلاثين نسخة، يقول: هذه بخطّ فلان، وهذه بخط
فلان، حتَّى أتى على الجميع، ثم قال: ليس فيها ما تبتذله الصبيان، فاشترى
له نسخة، ولم يزل معظّماً بعد موت صلاح الدِّين عند ولده العزيز، ثم
الأفضل، ومات فجأة أحوج ما كان إلى الموت عند تولي الإِقبال واستيلاء
الإِدبار، كان أمر بإصلاح الحمّام وقت السحر فأُصلح، وجاءت ابنته تخبره
بذلك فوجدته جالساً ساكتاً فهابته لأنه كان مُهَاباً، فطال سكوته حتَّى ارتابت،
فقدمت قليلاً قليلاً فلم تَرَ عليه أثر حركةٍ، فوضعت يدها عليه فخرَّ صريعاً
وأخذ في النزع، وقبض وقت الظهر وقت رجوع عسكر مصر مهزوماً، ودخل
الملك الأفضل فصلّى عليه ودُفن بالقُرَافة، وكان له يوم مشهود.
وفي حدبة القاضي الفاضل يقول ابن سناء المُلك:
حَاشَا لعبدٍ الرحيمِ سيِّدْنَا الـ ـفَاضِلِ مَا تقوَّلَهُ السفلُ
في ظَهْرِهِ مِنْ عَبِيدِهِ حَبَلُ
يَكْذِبُ مَنْ قَالَ إِنَّ حَذْبَتَهُ
يَصِحُ لَوْ كَانَ يَحْبَلُ الرَّجُلُ
هَذَا قِيَاسٌ فِي غَيرِ سيِّدْنَا
وحدثني من أثق به أن الفاضل دخل مع أبيه مصر لطلب الإِنشاء، وكان
إذ ذاك المقدّم بها فيه ابن عبد الظاهر فقصده وطلب منه الاشتغال عليه
(١) انظر التعريف به في تعليقي على آخر أحداث سنة (٦٠٧) من المجلد السابع.
٥٣٢

بذلك، فقال له: ما أعددت للإِنشاء؟ قال: ديواني الطائيين، يعني أبا تمَّام
الطائي والبحتري الطائي، فقال مختبراً لقابليته: اذهب فانثرهما فذهب
ونثرهما في ليلةٍ واحدة وعرضهما عليه، فقال له: يقرب أن تصير كاتب
إنشاء. انتهى .
وقال ابن شهبة في ((تاريخه): كان له بمصر رَبْعٌ(١) عظيم يؤجّر بمبلغ
كثير، فلما عزم على الحجِّ ركب ومرَّ به ووقف وقال: اللهم إنك تعلم أن هذا
الرّبْعَ ليس شيءٌ أحبُّ إليَّ منه. اللهم فاشهد أني وقفته على فكاك الأسرى،
وهو إلى يومنا هذا وقف، وهو الذي زاد في الكلّسة بدمشق مثلها. ولما
حفرها وجد تحت الأرض أعمدة رخام قائمة على قواعد رخام وفوقها مثلها
وأثر العمارة متصل تحت الأرض، ليس له نهاية، وكأنه(٢) كان معبداً ووجد
فيه قبلة نحو الشمال، وله مدرسة بالقاهرة هي أول مدرسة بنيت بالقاهرة،
وكان صلاح الدِّين يقول: ما فتحت البلاد بالعساكر إنما فتحتها بكلام
الفاضل، وله مائتان وخمسون ألف بيت من الشعر. انتهى ملخصاً.
· وفيها تاج الدِّين أبو منصور عبد العزيز بن ثابت بن طاهر البغدادي
المأموني السِّمْعي - بكسر السين المهملة والسكون(٣) نسبة إلى السِّمْع بن
مالك بطن من الأنصار - الخيَّط (٤) المقرىءِ الفقيه الحنبلي الزاهد.
قال أبو الفرج بن الحنبلي: كان رفيقنا في سماع درس ابن المنِّي،
وبلغ من الزهد والعبادة إلى حد يقال به تمسك بغداد، وكان لطيفاً في
صحبته، توفي يوم الأربعاء تاسع عشري شعبان، ودفن بباب حرب.
(١) الربع: الدار وجمعها رِبَاع. انظر ((مختار الصحاح)) (ربع).
(٢) لفظة ((كأنه)) لم ترد في ((آ)).
(٣) وقال السمعاني في ((الأنساب)) (١٤٧/٧): بكسر السين المهملة، وفتح الميم، وقيل
بسكونها. وانظر ((الإِكمال)) لابن ماكولا (٤٥٨/٤).
(٤) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٣٦٠/١) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٩٨/١).
٥٣٣

· وفيها عبد اللطيف بن أبي البركات إسماعيل بن أبي سعد
النيسابوري ثم البغدادي(١) ابن شيخ الشيوخ(٢). كان صوفيّاً عامِّيّاً. روى عن
قاضي المارستان، وابن السمرقندي، وحجَّ فقدم دمشق فمات بها في
ذي الحجّة.
• وفيها ابن كُلَّيْب، مسند العراق أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب
ابن سعد الحرَّاني ثم البغدادي(٣) الحنبلي التَّاجر.
ولد في صفر سنة خمسمائة، وسمع من ابن بَيّان، وابن نبهان، وابن
زيدان الحلواني، وطائفة، ومات في ربيع الأول ممتّعاً بحواسه. قاله في
((العبر)).
• وفيها الأثير محمد بن محمد بن أبي الطَّاهر بن محمد بن بَيَان
الأنباري ثم المصري (٤) الكاتب. روى عن أبي صادق مُرْشِد(٥) المَدِيني
وغيره، وروى ببغداد ((صحاح)) الجوهري عن أبي البركات العراقي، وعمّر
وزالت رئاسته، وتوفي في ربيع الآخر وله تسع وثمانون سنة.
· وفيها الشهاب الطَّوسي أبو الفتح محمد بن محمود بن محمد بن
شهاب الدِّين(٦)، نزيل مصر، وشيخ الشافعية. توفي بمصر عن أربع وسبعين
سنة، ودرَّس وأفتى ووعظ، وتخرَّج به الأصحاب، وكان يركب بالغاشية
(١) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٣٧٠/١) و((العبر)) (٢٩٣/٤) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٣٤/٢١ -٣٣٦).
(٢) كذا في ((آ)) و((ط)) و((التكملة)) و(العبر)): ((ابن شيخ الشيوخ)). وفي «سير أعلام النبلاء)): ((أخو
شيخ الشيوخ)).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٩٣/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٥٨/٢١ - ٢٦٠).
(٤) انظر ((العبر)) (٢٩٤/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٠/٢١ - ٢٢٣).
(٥) في ((آ) و((ط)): ((عن أبي صادق ومرشد)) وهو خطأ.
(٦) انظر ((العبر)) (٢٩٤/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٨٧/٢١ -٣٨٩).
٥٣٤

والسيوف المسلولة، وبين يديه يُنادى: هذا ملك العلماء. وبنى له الملك عمر
ابن شاهنشاه المدرسة المعروفة بمنال العزّ، وانتفع به جماعة كثيرة، وكان
جامعاً لفنون كثيرة، معظماً للعلم وأهله، غير ملتفت إلى أبناء الدُّنيا، ووعظ
بجامع مصر مدة.
ذكر أبو شامة (١) أنه لما قدم بغداد كان يركب بسنجق والسيوف مسلَّلة،
والغاشية على رأسه، والطوق في عنق بغلته، فَمُنع من ذلك، فذهب إلى مصر
ووعظ وأظهر مذهب الأشعري ووقع بينه وبين الحنابلة .
وقال غيره(٢): كان معظماً عند الخاص والعام، طويلاً مهيباً مقداماً
يرتاع منه كلُّ أحد ويرتاع هو من الخُبُوشاني، وعليه مدار الفتوى في مذهب
الشافعي، وتوفي في ذي القعدة.
· وفيها ابن زريق الحدَّاد أبو جعفر المبارك بن المبارك بن أحمد
الواسطي(٣) شيخ الإِقراء.
ولد سنة تسع وخمسمائة، وقرأ على أبيه وعلى سبط الخيَّط، وسمع
من أبي علي الفَارقي، وعلي بن علي بن شيران، وأجاز له خميس
الحَوْزيّ (٤) وطائفة وتوفي في رمضان.
(١) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (١٨ - ١٩).
(٢) في ((سير أعلام النبلاء)): ((وقال عبد اللطيف - يعني البغدادي -)).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٩٥/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٧/٢١ -٣٢٨).
(٤) تصحفت في ((ط)) إلى ((الجوزي)).
٥٣٥

سنة سبع وتسعين وخمسمائة
· فيها كان الجوع المفرطُ والموتُ بالدِّيار المصرية، وجرت أمور
تتجاوز الوصف، ودام ذلك إلى نصف العام الآتي، فلو قال قائل: مات ثلاثة
أرباع أهل الإِقليم لما أبعد. وأُكِلَتْ لحومُ الآدميين.
· وفي شعبان كانت الزلزلة العظمى التي عمّت أكثر الدُّنيا.
قال أبو شامة(١): مات بمصر خلق [كثيرٌ] تحت الهدم. قال: ثم
تهدمت نابلس. وذكر خسفاً عظيماً، إلى أن قال: وأُحصي من هَلَكَ في هذه
السنة فكان ألف ألف ومائة ألف.
· وفيها توفي اللبّان القاضي العدل أبو المكارم، أحمد بن محمد بن
محمد التّميمي الأصبهاني(٢) مسند العجم، مكثر عن أبي علي الحدَّاد، وله
إجازة من عبد الغفّار الشَّيْرَوي (٣)، توفي في آخر العام.
• وفيها أبو القاسم تميم بن أحمد بن أحمد البَنْدَنِيجيّ الأُزَجي(٤)
الحنبلي، مفيد بغداد ومُحَدِّثها. كتب الكثير وعُني بهذا الشأن، وحَدَّث عن
(١) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (٢٠) وما بين حاصرتين زيادة منه، و((العبر)) (٢٩٦/٤).
(٢) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٣٦٢/٢١ - ٣٦٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٤٦) و((النجوم
الزاهرة)» (١٧٩/٦).
(٣) تحرفت في ((ا)) و((ط)) إلى ((السروي)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)).
(٤) انظر ((العبر)) (٢٩٧/٤) و((النجوم الزاهرة)) (١٨٠/٦).
٥٣٦
:

أبي بكر بن الزَّاغوني وطبقته، وسمع منه ابن النجّار، وتكلّم فيه هو وشيخه
ابن الأخضر، وأجاز للحافظ المنذري، وتوفي يوم السبت ثالث جمادى
الآخرة عن أربع وخمسين سنة ودفن بمقبرة باب حرب.
• وفيها ظافر بن الحسين أبو منصور الأزْدِي المصري(١) شيخ المالكية.
كان منتصباً للإِفادة والفُتيا، وانتفع به بشر كثير وتوفي بمصر في جمادى
الآخرة.
· وفيها أبو محمد بن الطّويلة عبد الله بن أبي بكر المبارك بن هبة الله
البغدادي(٢). روى عن ابن الحُصين وطائفة، وتوفي في رمضان.
• وفيها أبو الفرج بن الجَوْزي عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي
بن عُبيد الله بن عبد الله بن حُمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله
ابن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - القُرشي التَّيمي
البكري البغدادي(٣) الحنبلي الواعظ المتفنّن، صاحب التصانيف الكثيرة
الشهيرة في أنواع العلم، من التفسير، والحديث، والفقه، والزهد، والوعظ،
والأخبار، والتاريخ، والطب، وغير ذلك.
• ولد سنة عشر وخمسمائة أو قبلها، وسمع من علي بن عبد الواحد
الدِّينوري، وابن الحصين، وأبي عبد الله البارع، وتتمة سبعة وثمانين نفساً.
ووعظ من صغره وفاق فيه الأقران، ونظم الشعر المليح، وكتب بخطّه مَا لَا
(١) انظر ((العبر)) (٢٩٧/٤) و((حسن المحاضرة)) (٤٥٤/١).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٩٧/٤).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٩٧/٤ -٢٩٨) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٦٥/٢١ - ٣٨٧) و((ذيل طبقات
الحنابلة)) (٣٩٩/١ - ٤٣٣) ومقدمة كتابه ((زاد المسير في علم التفسير)) تحقيق الشيخين
شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط. طبع المكتب الإسلامي بدمشق وبيروت. وكتابي
((زهرات الياسمين)) ص (٩١) طبع مكتبة دار العروبة في الكويت.
٥٣٧

يُوصف، ورأى من القَبُولِ والاحترام ما لا مزيد عليه.
وحُكي غير مرَّة أن مجلسه حُزر بمائة ألف، وحضر مجلسه الخليفة
المستضيء مرَّات من وراء الستر.
وذكر هو أنه منسوب إلى محلّة بالبصرة تسمَّى محلَّة الجوز.
ولما ترعرع حملته عمته إلى مسجد أبي الفضل بن ناصر - وهو خاله -
فاعتنى به وأسمعه الحديث، وحفظ القرآن وقرأه على جماعة من القرَّاء
بالروايات. وسمع بنفسه الكثير، وعُني بالطلب، ونظر في جميع الفنون وألّف
فيها، وعَظُمَ شأنه في ولاية ابن هُبيرة.
قال في آخر كتاب ((القصّاص والمذكِّرين)) له: ما زلت أعظ النَّاس
وأُحرّضهم على التَّوبة والتَّقوى، فقد تاب على يدي(١) إلى أن جمعت هذا
الكتاب أكثر من مائة ألف رجل، وقد قطعت من شعور الصبيان اللّهين أكثر
من عشرة آلاف طائلة، وأسلم على يدي أكثر من مائة ألف.
قال: ولا يكاد يُذكر لي حديث إلّ ويمكنني [أن] أقول: صحيح، أو
حسن، أو محال. ولقد أقدرني الله على أن أرتجل المجلس كله من غير ذكر
محفوظ.
وقال سبطه أبو المظفّر(٢): كان زاهداً في الدُّنيا متقللاً منها. وما مازح
أحداً قطُّ، ولا لعب مع صبيٍّ، ولا أكل من جهة لا يتيقّن حِلَّهَا. وما زال على
ذلك الأسلوب إلى أن توفاه الله تعالى.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان ابن الجوزي لطيف الصوت، حلو
الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات، لذيذ المفاكهة، يحضر مجلسه
(١) قوله: ((فقد تاب على يدي)) سقط من ((آ)).
(٢) انظر ((مرآة الزمان)) (٣١١/٨).
٥٣٨

مائة ألف أو يزيدون، لا يضيِّعُ من زمانه شيئاً. يكتب في اليوم أربع كراريس،
ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجدداً إلى ستين، وله في كل
علمٍ مشاركة. وكان يُراعي حفظ صحته، وتلطيف مزاجه، وما يفيد عقله قوةً
وذهنه حِذةً، يعتاض عن الفاكهة بالمفاكهة. لباسه الأبيض الناعم المطيّب.
ونشأ يتيماً على العفاف والصلاح، وله مجونٌ لطيف ومداعبات حلوة، ولا
ينفك من جاريةٍ حسناء.
وذكر غير واحد أنه شرب حبَّ البلادر فسقطت لحيته، فكانت قصيرة
جداً، وكان يخضبها بالسواد إلى أن مات. وصنّف في جواز الخضاب بالسواد
مجلداً وسئل عن عدد تصانيفه فقال: زيادة على ثلاثمائة وأربعين مصنفاً،
منها ما هو عشرون مجلداً وأقل.
وقال الحافظ الذهبي: ما علمت أن أحداً من العلماء صنَّفَ ما صنَّفَ
هذا الرجل.
وقال يوماً في مناجاته: إلهي لا تعذب لساناً يخبر عنك، ولا عيناً تنظر
إلى علومٍ تدل عليك، ولا قدماً تمشي إلى خدمتك، ولا يداً تكتب حديث
رسولك، فبعزتك لا تدخلني النَّار، فقد علم أهلها أني كنت أَذُبُّ عن دينك.
وقال ابن رجب(١): نقم عليه جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم ميله
إلى التأويل في بعض كلامه، واشتد نكيرهم(٢) عليه في ذلك، ولا ريب أن
كلامه في ذلك مضطرب مختلف، وهو وإن كان مطلعاً على الأحاديث والآثار
فلم يكن [خبيراً] بحلِّ شُبَهَ المتكلمين وبيان فسادها، وكان معظماً لأبي الوفاء
ابن عقيل، متابعاً لأكثر ما يجده من كلامه، وإن كان قد رَدَّ (٣) عليه في بعض
(١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤١٤/١).
(٢) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((نكرهم)) ولفظة ((خبيراً)) مستدركة منه.
(٣) تحرفت في ((ذيل طبقات الحنابلة)) إلى ((ورد)) فتصحح.
٥٣٩

المسائل، وكان ابن عقيل بارعاً في الكلام. ولم يكن تامَّ الخبرة بالحديث
والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب وتتلون فيه آراؤه. وأبو الفرج تابع له
في هذا التلون.
قال الشيخ موفق الدين المقدسي: كان ابن الجوزي إمام أهل عصره
في الوعظ، وصنّف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب فنون،
وكان يدرِّس الفقه ويصنف فيه، وكان حافظاً للحديث،ُ وصنَّف فيه، إلّ أننا
لم نرض تصانيفه في السُّنَّة ولا طريقته فيها. انتهى.
توفي ليلة الجمعة بين العشاءين من شهر رمضان، وكان في تموز فأفطر
بعض من حضر جنازته لشدة الزحام والحرِّ.
· وفيها ابن مَلّح الشَطّ عبد الرحمن بن محمد بن أبي ياسر
البغدادي(١). روى عن ابن الحصين وطبقته، ومات في عشر المائة.
● وفيها عمر بن علي الحَرْبي الواعظ أبو علي البغدادي(٢). روى عن
ابن الحُصَين أيضاً والكبار، وتوفي في شوال.
● وفيها قَرَاقُوش الأمير الكبير الخادم بهاء الدِّين الأبيض (٣) فتى الملك
أَسَدُ الدِّين شيركوه، وقد وضعوا عليه خُرَافَاتَ لا تَصِحُ، ولولا وثوق
صلاح الدِّين بعقله لما سلّم إليه عكا وغيرها، وكانت له رغبة في الخير وآثار
حسنة .
قال ابن شهبة: أسر في عكا فقداه السلطان بستين ألف دينار، وهو
الذي بنى قلعة القاهرة والسور على مصر والقاهرة، والقنطرة التي عند
(١) انظر ((العبر)) (٢٩٨/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٣١٠/٢١ - ٣١١).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٩٨/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٣/٢١ - ٣٥٤).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٩١/٤ -٩٢) و((العبر)) (٢٩٨/٤ - ٢٩٩) و((النجوم الزاهرة))
(٦ /١٨٠).
٥٤٠