Indexed OCR Text
Pages 321-340
واشتغل به الفقهاء في ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم. واستدعاه المقتفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة إلى داره، وقلّده الوزارة، وخلع عليه، وخرج في أبهة عظيمةٍ، ومشى أرباب الدولة وأصحاب المناصب كلهم(١) بين يديه، وهو راكب. وحضر القراء والشعراء، وكان يوماً مشهوداً. وقرىء عهده، وخُوطب فيه بالوزير العالم العادل عون الدِّين جلال الإِسلام صفي الإِمام، شرف الأنام، معزّ الدولة، مجير الملّة، عماد الأمة مصطفى الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، صدر الشرق والغرب، سيد الوزراء. وقال يوماً: لا تقولوا في ألقابي سيد الوزراء، فإن الله تعالى سمّى هَارُونَ وزيراً، وجاء عن النَّبِيِّ نَ﴿ ((أنَّ وزيريه من أَهْلِ السَّماءِ جِبْرِيْلَ ومِيْكَائِيلَ، وَمِنْ أَهْلِ الأرضِ أبو بَكْرٍ وَعُمَرَ))(٢). وقال مرَّة في وزارته: والله لقد كنت أسأل الله الدنيا لأخدم بما يرزقنيه منها العلم وأهله. وكان سبب هذا أنه ذكر في مجلسه مفردات الإِمام أحمد؛ التي تفرَّد (١) لفظة ((كلهم)) سقطت من ((ط)). (٢) أقول: وذلك فيما رواه الترمذي رقم (٣٦٨٠) في المناقب: باب رقم (١٧) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وإسناده ضعيف وذكره أيضاً أبو نُعيم في ((حلية الأولياء)) (١٦٠/٨) والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٢٩٨/٣) والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٥١/٩) من حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما بلفظ: ((إن الله عزَّ وجل أيدني بأربعة وزراء نقباء)) قلنا يا رسول الله من هؤلاء الأربع؟ قال: ((اثنين من أهل السماء واثنين من أهل الأرض)) فقلت: من الاثنين من أهل السماء؟ قال: ((جبريل وميكائيل)) قلنا من الاثنين من أهل الأرض؟ قال: ((أبو بكر وعمر)) وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه محمد بن محبب الثقفي وهو كذاب، ورواه البزار بمعناه، وفيه عبد الرحمن بن مالك بن مغول وهو كذاب، ومع ذلك فقد قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وهذا من تساهله، رحمه الله تعالى. ٣٢١ بها(١) عن الثلاثة(٢) فادعى أبو محمد الأشيري (٣) المالكي: أنها رواية عن مالك، ولم يوافقه على ذلك أحد، وأحضر الوزير كتب مفردات أحمد، وهي منها، والمالكي مقيم على دعواه، فقال له الوزير: بهيمة أنت؟ أما تسمع هؤلاء يشهدون بانفراد أحمد بها، والكتب المصنّفة، وأنت تنازع، وتفرَّق المجلس، فلما كان المجلس الثاني، واجتمع الخلق للسماع، أخذ ابن شافع في القراءة، فمنعه الوزير، وقال: كان الفقيه أبو محمد جريءٌ في مسألة أمس على ما لا يليق به من العدول عن الأدب والانحراف عن نهج النظر، حتى قلت تلك الكلمة - أي قوله أنت بهيمة - وها أنا فليقل لي كما قلت له، فلست بخير منكم، ولا أنا إلّ كأحدكم، فضج المجلس بالبكاء، وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء، وأخذ الأشيري يعتذر ويقول: أنا المذنب والأولى بالاعتذار من مولانا الوزير، ويقول القَصَاصَ القَصَاصَ، فقال يوسف الدمشقي: إذاً فالفداء، فقال له الوزير: له حكمه، فقال الأشيري: نعمك عليَّ كثيرة، فأيُّ حكمٍ بقي لي؟ فقال: قد جعل الله لك الحكم علينا، فقال: على بقية دينٍ منذ كنت بالشام، فقال الوزير: يعطى مائة دينار لإِبراء ذمته وذمتي، فأحضرت له. وقال ابن الجوزي: كان يتحدث بنعم الله عليه، ويذكر في منصبه شدة فقره القديم، فيقول: نزلت يوماً إلى دجلة، وليس معي رغيف أعبر به. ودخل عليه يوماً تركي، فقال لحاجبه: أما قلت (٤) لك: أعط هذا (١) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((مفردة للإِمام أحمد تفرَّد بها)) ولفظة ((بها)) أثبتها منه وكانت في ((آ) و((ط)): ((لها)). (٢) يعني عن الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي، رحمهم الله تعالى. (٣) في ((آ)): ((الأشير)) وفي ((ط)): ((الأشيري)) وهو ما أثبته وهو الصواب، وانظر سير أعلام النبلاء (٤٦٦/٢٠) و((اللباب في تهذيب الأنساب)) (٦٨/١). (٤) في ((أ)) و((ط)): ((ما قلت) وأثبت لفظ ((ذيل طبقات الحنابلة)). ٣٢٢ عشرين ديناراً، وكُوَّاً(١) من الطعام، وقل له: لا تحضر هاهنا فقال: قد أعطيناه. فقال: عد وأعطه، وقل له: لا تحضر، ثم التفت إلى الجماعة فقال: هذا كان شِحْنَةً(٢) في القرى، فقتل قتيل قريباً(٣) من قريتنا، فأخذ مشايخ القرى وأخذني مع الجماعة، وأمشاني مع الفرس، وبالغ في أذاي وأوثقني ثم أخذ من [كل] واحدٍ شيئاً وأطلقه، ثم قال لي: أي شيء معك؟ قلت: ما معي شيءٌ (٤) [، فانتهرني، وقال: اذهب. فأنا لا أريد اليوم أذاه، وأبغض رؤيته، وذكر: أن الوزير قال: ](٥) وما نقمت عليه إلّ أني سألته في الطريق أن يمهلني حسبما أُصلي الفرض، فما أجابني وضربني [على رأسي وهو مكشوفُ عدة مَقَارِع](٦). وقال ابن الجوزي: كنا نجلس إلى ابن هُبيرة فيملي علينا كتابه ((الإِفصاح)) فبينا نحن كذلك إذ قدم علينا رجل ومعه رجل ادعى عليه أنه قتل أخاه، فقال له عون الدِّين (٧): أَقتلته؟ قال: نعم. جرى بيني وبينه كلام فقتلته، فقال الخصم: سلِّمه إلينا حتَّى نقتله فقد أقرَّ بالقتل، فقال عون الدِّين: أطلقوه ولا تقتلوه، قالوا: كيف ذلك، وقد قتل أخانا؟ قال: فتبيعونيه، فاشتراه منهم بستمائة دينار، وسلّم الذهب إليهم وذهبوا، وقال للقاتل: اقعد عندنا (١) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((وكذا)) والكُرُّ: واحد أكرار الطعام، والكُرُّ سِتُّونَ قفيزاً، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاح ونصف. انظر ((لسان العرب)) (كرر). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((سجنه)) وما أثبته من ((ذيل طبقات الحنابلة)). وانظر التعليق على ((دول الإِسلام» (٧٦/٢). (٣) في ((آ)) و((ط)): ((قريب)). (٤) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((ما معي شيئاً). (٥) ما بين حاصرتين لم يرد في ((آ)) و((ط)) وأثبته من ((ذيل طبقات الحنابلة)). (٦) ما بين حاصرتين تقدم في ((آ)) و((ط)) إلى عدة أسطر من النص فأعدته إلى مكانه كما في ((ذيل طبقات الحنابلة)) مصدر المؤلف. (٧) يعني ابن هبيرة، وعون الدِّين لقبه كما تقدم أول الترجمة. ٣٢٣ لا تبرح. قال: فجلس عندهم وأعطاه الوزير خمسين ديناراً. قال: فقلنا للوزير: لقد أحسنت إلى هذا وعملت معه أمراً عظيماً وبالغت في الإِحسان إليه. فقال الوزير: منكم أحد يعلم أن عيني اليمنى لا أبصر بها شيئاً؟ فقلنا: معاذ الله، فقال: بلى والله. أتدرون ما سبب ذلك؟ قلنا: لا. قال: هذا الذي خلّصته من القتل جاء إليَّ وأنا في الدور ومعي كتاب من الفقه أقرأ فيه ومعه سلّة فاكهة، فقال: احمل هذه السلّة، قلت له: ما هذا شغلي فاطلب غيري، فشاكلني، ولكمني، فقلع عيني ومضى، ولم أره بعد ذلك إلى يومي هذا. فذكرت ما صنع بي فأردت أن أقابل إساءته إليَّ بالإِحسان مع القدرة. وقال صاحب سيرته: كنا عنده يوماً والمجلس غاص بولاة الدِّين والدُّنيا، والأعيان(١) الأماثل، وابن شافع يقرأ عليه الحديث، إذ فجأنا من باب. السِّتر وراء ظهر الوزير صراخ بشع وصياح مرتفع، فاضطرب له المجلس، فارتاع الحاضرون والوزير ساكن ساكت، حتى أنهى ابن شافع قراءة الإِسناد ومتنه، ثم أشار الوزير إلى الجماعة أن على رسلكم، وقام ودخل السِّتر، ولم يلبث أن خرج فجلس وتقدم بالقراءة، فدعا له ابن شافع والحاضرون، وقالوا: قد أزعجنا ذلك الصياح، فإن رأى مولانا أن يعرّفنا سببه؟ فقال الوزير: حتى ينتهي المجلس، وعاد ابن شافع إلى القراءة حتَّى غابت الشمس وقلوب الجماعة متعلقة بمعرفة الحال، فعاودوه، فقال: كان لي ابن صغير مات حين سمعتم الصياح عليه ولولا تعين الأمر عليّ بالمعروف في الإِنكار عليهم ذلك الصياح لما قمت عن مجلس رسول الله وَلقر، فعجب الحاضرون من صبره. وقال في كتابه ((الإِفصاح)) في الخضر الذي لقيه موسى عليه السلام: (١) في ((آ)) و((ط): ((وأعيان)) وأثبت لفظ ((ذيل طبقات الحنابلة)). ٣٢٤ قيل: كان مَلَكاً وقيل بشراً وهو الصحيح، ثم قيل: إنه عبد صالح ليس بنبيّ وقيل: بل نبيَّ هو الصحيح. والصحيح عندنا أنه حيٌّ، وأنه يجوز أن يقف على باب أحدنا مستعطیاً له، أو غير ذلك. وقال ابن الجوزي: أنشدنا لنفسه: ويزهدُ فيه الألمعيُّ المُحَصِّلُ يَلَذُّ بهذَا العيشِ مَنْ ليسَ يعقلُ -عجيبة نفس مقتضى الرأي تفعلُ ما عجبُ نفسٍ أن تری الرأي إنما الـ ترى النصّ إلّ أنها تتأوَّلُ إلى اللهِ أشكو مِمَّةً دنيويةً ويخدعها روحُ الحياةِ فتغْفُلُ مِنَ الجسم جزء مثلهُ يتحللُ وجسم الفتى في شغله وهو يعملُ ينهنهها موت الشباب فترعوي وفي كل جزءٍ ينقضي من زِمَانها فنفس الفتى في سهوها وهي تنقضي قال: وأنشدنا لنفسه: والوقتُ أَنْفَسُ مَا عُنِيتُ بحفْظِهِ قال: وأنشدنا لنفسه أيضاً: الحمد للهِ هَذَا العينُ لا الأثرُ وقتٌ يفوتُ وأشغالٌ معوِّقةٌ والنَّاسُ رکضی إلی مهوی مصارعهمِ تسعى بها خادعات مِنْ سلامتهم والجهل أصلُ فساد النَّاسِ كلهمِ وإنما العلم عن ذي الرشد يطرحهُ وأصعب الداءِ داءٌ لا يحس بهِ وإنما لم يحسَّ المرءُ موقعها(١) وأُرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَليكَ يَضِيعُ فَما الذي باتّباع الحقِّ ينتظرُ وضعفُ عزمٍ ودارٌ شأنها الغِيَرُ وليسَ عندهمُ من ركضهم خَبَرُ فيبلغون إلى المهوى وما شعروا والجهلُ أصلٌ عليه يخلقُ البشرُ كما عن الطفلِ يوماً تطرح السُّرُرُ كالدُّقّ يضعفُ حِسَّأً وهو يستعرُ لأن أجزاءه قد عَمَّهَا الضررُ (١) في ((١)) و((ط)): ((وإنما لم تحس النفس موبقها)) وأثبت لفظ ((ذيل طبقات الحنابلة)). ٣٢٥ وذكر ياقوت الحموي في ((معجمه)) بإسناد له أن الوزير عُرِضَتْ عليه جارية فائِقَةُ الحُسن، وأُظهر له في المجلس من أدبها وحسن كتابتها وذكائها وظُرفها ما أعجبه، فأمر فاشتريت له بمائة وخمسين ديناراً، وأمر أن يهيأ لها منزل وجارية، وأن يحمل لها من الفرش والآنية والثياب ما تحتاج إليه، ثم بعد ثلاثة أيام جاءه الذي باعها وشكا له ألم فراقها، فضحك وقال له: لعلك تريد ارتجاع الجارية؟ قال: إي والله، وهذا الثمن بحاله لم أتصرف فيه وأبرزه، فقال الوزير: ولا نحن تصرفنا في المُثَّمِّنِ، ثم قال لخادمه: ادفع إليه الجارية وما عليها وجميع ما في حجرتها، ودفع إليه الخرقة التي فيها الثمن، وقال استعينا به على شأنكما، فأكثرا من الدعاء له، فأخذها وخرج. وحكي عنه أنه كان إذا مدّ السماط أكثر ما يحضره الفقراء والعميان، فلما كان ذات يوم وأكل الناس وخرجوا، بقي رجل ضرير يبكي ويقول: سرقوا متاعي وما ليَ غيرُهُ، ووالله ما أقدر على ثمن مداسٍ ، فقام الوزير من مجلسه، ولبس مداسه وجاء إلى الضرير، فوقف عنده وخلع مداسه والضرير لا يعرف، وقال له: البس هذا وأبصره قدر رجلك؟ فلبسه وقال: نعم كأنه مداسي، ومضى الضرير ورجع الوزير إلى مجلسه وهو يقول: سلمتُ منه أن يقول: أنت سرقته. وأخبار الوزير - رحمه الله تعالى - ومناقبه كثيرة جداً. وقد مدحه الشعراء فأكثروا. منهم الحَيْصَ بَيْص، وابن بختيار الأبله، وابن التَّعاويذي، والعماد الکاتب، وخلق کثیر. قال ابن الجوزي: كان الوزير يتأسف على ما مضى من زمانه، ويندم على ما دخل فيه، ثم صار يسأل الله عزَّ وجلَّ الشهادة، ونام ليلة الأحد ثالث عشر جمادى الأولى في عافية، فلما كان وقت السحر، حضر طبيب كان يخدمه، فسقاه شيئاً، فيقال: إنه سُمَّ فمات، وسُقي الطبيب بعده بنحو ستة ٣٢٦ أشهر سماً، فكان يقول: سُقِيتُ كَمَا سَقَيْتُ. وحُمِلَتْ جنازةُ الوزير إلى جامع القصر وصُلِّي عليه، ثم حُمل إلى مدرسته التي أنشأها بباب البصرة، فدفن بها، وغُلَّقت يومئذٍ أسواق بغداد، وخرج جمعٌ لم نره لمخلوقٍ قَطَّ، وكثر البكاء عليه، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. ٠ ٣٢٧ سنة إحدى وستين وخمسمائة فيها ظهر ببغداد الرفضُ والسبُّ وعَظُمَ الخطبُ. • وفيها أخذ نور الدِّين من الفرنج حصن صافيتا(١). · وفيها توفي القاضي الرشيد أبو الحسن أحمد بن القاضي الرشيد أبي الحسن علي الغسَّاني الأسواني - بضم الهمزة على الصحيح -(٢) الشافعي كان من ذوي الفضل والرئاسة - وأسوان قرية بصعيد مصر - وله ديوان شعر ومصنفات، ولأخيه القاضي المُهَذَّب ديوان شعر أيضاً، والمُهَذَّبُ أشعر، والرشيد أعلم بسائر الفنون. قتله الوزير شاور ظلماً، وذلك أنه لما دخل اليمن رسولاً، مدح ملوكها فقال في علي بن حاتم الهَمْدَاني قصيدته التي يقول فيها : وإن جَهَلَت حقِّي زَعَانِفُ خِنْدِفٍ فَقَدْ عَرَفَتْ فَضلي غَطَارِيفُ هَمَدَانٍ (١) تنبيه: كذا في ((آ)) و((ط)) و((المنتخب)) (١١٧ / ب). وفي جميع المصادر الأخرى التي بين يدي: ((حصن المُنَيطِرة)) انظر ((الكامل في التاريخ)) (٣٢٢/١١) و((الروضتين في أخبار الدولتين)) (١٤١/١) و((دول الإِسلام)) (٧٥/٢) وتصحفت ((المنيطرة)) فيه إلى ((المنيظرة)) بالظاء فتصحح، و((العبر)) (١٧٤/٤) و((البداية والنهاية)) (٢٥١/١٢). قال ياقوت في ((معجم البلدان)) (٢١٧/٥): المنيطرة - مصغر بالطاء المهملة -: حصن بالشام قريب من طرابلس. (٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٦٠/١ - ١٦٤) و((مرآة الجنان)) (٣٦٧/٣ - ٣٦٩) و((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (١١٦/١ -١١٨) و((غربال الزمان)) ص (٤٤٢ - ٤٤٣) وسيكرر المؤلف ترجمته في السنة التالية فتنبه. ٣٢٨ فكتب بذلك داعي الإِسماعيلية إلى صاحب مصر، فأخذ جميع موجوده ثم قتله شاور. • وفيها الحسن بن علي القاضي المُهَذَّب(١)، صنَّف كتاب ((الأنساب)) في عشرين مجلداً، ومن شعره: أَوْلاَ فَخُذْ لِي أَمَاناً من ظِبَا المُقَلِ أَقِصِرْ فديتُكَ عَنْ لَومي وعَنْ عَذَلي يا ربّ رام بنجد من بني ثعلِ مِنْ كُلِّ طرف مريض الجفن يَنْشُدُلي(٢) فربما صحّت الأجسادُ بالعِللِ إن كانَ فيه لنا وهو السقيمُ شِفاً وفيها الحسن بن العَبَّاس(٣) الأصفهاني (٤)، الشيخ الصالح، كان كثير البكاء، ولم یکن بأصبهان أزهد منه. قال: وقفت على علي بن ماشاذَه(٥) وهو يتكلم على الناس، فلما كان الليل رأيت ربَّ العزة في المنام، فقال: يا حسن(٦)! وقَفْتَ على مبتدعِ وسمعت كلامه، لأحرمنك النظر في الدُّنيا، فاستيقظ وعيناه مفتوحتان لا يبصر بهما شيئاً، ومات. قال الحميدي: سمعت الفُضَيل بن عياض يقول: من وَقَّرَ صاحبَ بدعةٍ (١) انظر ((فوات الوفيات)) (٣٣٧/١ - ٣٤١). (٢) في ((فوات الوفيات)): ((ينشدني)). (٣) في ((آ)) و((ط)): ((الحسن بن عبد الله)) وهو خطأ، والتصحيح من المصادر المذكورة في التعليق التالي. (٤) انظر ((المنتظم)) (٢١٩/١٠) و((الكامل في التاريخ)) (٣٢٣/١١) و((العبر)) (٢١٩/٤) و(«سير أعلام النبلاء)) (٤٣٢/٢٠ - ٤٣٥) و((الوافي بالوفيات)) (٦١/١٢) و((طبقات الشافعية الكبرى)» (٦٤/٧) و(«البداية والنهاية)) (٢٥١/١٢). (٥) في ((آ)) و((ط)): ((علي ابن شاده)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) (٤٣٤/٢٠) و(٢٩٧/١٧) و((ماشاذه)) لقب عرف به والده واسمه محمد. انظر ((ذكر أخبار أصبهان)) (٢٤/٢). (٦) في ((آ)) و((ط)): (يا أبا حسين)) وما أثبته من ((المنتظم)) (٢١٩/١٠) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٣٤/٢٠). ٣٢٩ أورثه الله تعالى العمى قبل موته. ● وفيها الحسن بن عَبَّاس الأصبهاني (١)، الفقيه الشافعي، مسند أصبهان. سمع أبا عمرو ابن مَنْدَة، ومحمود الكوسج، وطائفة، وتفرَّد ورُحل إليه، وكان زاهداً ورعاً بكاءً خاشعاً فقيهاً مفتياً(٢) محقّقاً، تفقّه به جماعة. • وفيها عبد الله بن رِفَاعة بن غَدير الشافعي أبو محمد السَّعدي المصري (٣) قاضي الحِيرة. كان فقيهاً ماهراً في الفرائض والمقدرات، صالحاً دِيِّناً، تفقّه على القاضي الخلعي ولازمه، وهو آخر من حَدَّث عنه، ثم ترك القضاء واعتزل في القرافة مشتغلا بها بالعبادة. قال في ((العبر)): توفي في ذي القعدة، عن أربع وتسعين سنة كاملة، وقد ولي القضاء بمصر وطلب أن يُعفى فأعفي . • وفيها أبو محمد الأشِيرِي - كالكريمي، نسبة إلى أَشِير، حصن بالمغرب - عبد الله بن محمد المقرىء الصنهاجي (٤) الفقيه المالكي الحافظ. روى عن أبي الحسن الجُذَامي، والقاضي عياض، وكان عالماً بالحديث وطرقه، وبالنحو، واللغة، والنسب، كثير الفضائل، وقبره ظاهر ببعلبك. • وفيها أبو طالب بن العَجَمي، عبد الرحمن بن الحسن الحلبي (٥)، الفقيه الشافعي، تفقّه ببغداد على الشّاشي، وأسعد المِيهَني، وسمع من ابن بَيَان، وله بحلب مدرسة كبيرة، عاش إحدى وثمانين سنة، ومات في شعبان. ● وفيها الشيخ عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست بن أبي عبد الله [بن] عبد الله بن يحيى بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله (١) تنبيه: هذه الترجمة مكررة عن التي سبقتها، ولم ينتبه لذلك المؤلف رحمه الله تعالى. (٢) في ((آ)): ((نقيباً)). (٣) انظر ((العبر)) (١٧٤/٤ - ١٧٥) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٥٤/٢) .. (٤) انظر ((العبر)) (١٧٤/٤ - ١٧٥) و((مرآة الجنان)) (٣٤٧/٣) و((النجوم الزاهرة)) (٣٧٢/٥). (٥) انظر ((العبر)) (١٧٥/٤). ٣٣٠ ابن موسى الحوزي بن عبد الله المحصن بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب الجيلاني(١)، نسبة إلى جيل، وهي بلاد متفرقة من وراء طبرستان، وبها ولد، ويقال لها أيضاً چيلان وكيلان. وهو سبط أبي عبد الله الصومعي من جِلَّة مشايخ جيلان، أُمُّه أم الخير بنت أبي عبد الله، وأخوه الشيخ أبو أحمد عبد الله أصغر منه سناً، نشأ في العلم والخير، ومات بجيلان شاباً وعمته الصالحة أم عائشة استسقى بها أهل جيلان فلم يسقوا، فكنست رحبة بيتها وقالت: يا ربّ كنّست رحبة بيتي فَرُّشَ أنت، فمطروا كأفواه القرب. كان شيخ الشيوخ الشيخ عبد القادر نحيف الجسم، عريض الصدر، عريض اللّحية، أسمر، مدور الحاجبين، ذا صوت جهوريٌّ وسمتٍ بھيٍّ. ولما ترعرع وعلم (٢) أن طلب العلم فريضة، شمَّر ساق الاجتهاد في تحصيله، وسارع في تحقيق فروعه وأصوله، بعد أن اشتغل بالقرآن حتَّى أتقنه . ثم تفقّه في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، على أبي الوفاء بن عقيل، وأبي الخطّاب، وأبي الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى، والمبارك المخرِّمي . وسمع الحديث من جماعة، وعلوم الأدب من آخرين. وصحب حماد الدبَّاس، وأخذ عنه علم الطريقة بعد أن لبس الخرقة من (١) انظر ((المنتظم)) (٢١٩/١٠) و((المستفاد من ذيل تاريخ بغداد)) ص (٣٠٤ - ٣٠٧) طبع مؤسسة الرسالة، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٣٩/٢٠ - ٤٥١) و((فوات الوفيات)) (٣٧٣/٢ - ٣٧٤) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٩٠/١ - ٣٠١) ولفظة ((ابن)) التي بين حاصرتين مستدركة منه، و((الأعلام)) للزركلي (٤٧/٤) وفيه: ((عبد القادر بن موسى)). (٢) لفظة ((وعلم)) سقطت من ((آ)). ٣٣١ أبي سعد المبارك المخرِّمي، وفاق أهل وقته في علوم الديانة، ووقع له القبول التّام، مع القدم الراسخ في المجاهدة وقطع دواعي الهوى والنفس. ولما أراد الله إظهاره أُضيف إلى مدرسة أستاذه أبي سعد(١) المخرِّمي، فعمرها وما حولها، وأعانه الأغنياء بأموالهم والفقراء بأنفسهم، فكملت في سنة ثمان وعشرين، ثم تصدّر فيها للتدريس، والوعظ، والتذكير، وقصد بالزيارات والنذور من الآفاق، وصنّ وأملى، وسارت بفضله الركبان، ولقب بمجمع الفريقين، وموضح الطريقين، وكريم الجدّين، ومعلّم العراقين، وتلمذ له أكثر الفقهاء في زمنه، ولبس منه الخرقة المشايخ الكبار، وصار قطب الوجود، وأكبرُ شيوخ اليمن وغيرها تَنْتَسب إليه، وكراماته تخرج عن الحدِّ وتفوت الحصر والعدّ، وله نظمٌ فائق رائق. وتاب على يده معظم أهل بغداد، وأَسْلَم معظم اليهود والنصارى على يديه. قال الشيخ موفق الدِّين - وقد سئل عن الشيخ عبد القادر -: أدركناه في آخر عمره، فَأَسْكَنَّنَا مدرسته، إلى أن قال: ولم أسمع عن أحدٍ يُحكى عنه من الكرامات أكثر مما يُحكى عنه، ولا رأيت أحداً يعظمه الناس من أجل الدِّين أكثر منه . وقال الشيخ عز الدِّين بن عبد السَّلام: ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر إلّ الشيخ عبد القادر. وقال ابن النجار: قال الشيخ عبد القادر: فتشت الأعمال كلها، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أَوَدُّ لَوْ كانت الدُّنيا بيدي فأُطْعِمَهَا الجياع. وقال: الخلق حِجَابُكَ عن نفسك، ونفسك حِجَابٌ عن ربِّك، ما دمت (١) أقول: وهو المبارك بن علي شيخ الحنابلة، توفي سنة (٥١٣) هـ. انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٤٢٨/١٩) (ع). ٣٣٢ ترى الخلق لا ترى نفسك، وما دمت ترى نفسك لا ترى ربَّك. وقال ابن السمعاني: هو إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيهٌ صالحٌ ديِّنٌ خيِّرَ، كثير الذِّكر، دائم الفِكر، سريعة الدمعة، كتبت عنه، وکان یسکن بباب الأزج في المدرسة التي بنيت له. وقال ابن رجب(١): ظهر الشيخ عبد القادر للناس، وجلس للوعظ بعد العشرين وخمسمائة، وحصل له القبول التام من الناس، واعتقدوا ديانته وصلاحه، وانتفعوا [به و]بكلامه، وانتصر أهل السُّنَّة بظهوره، واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته، وهابه الملوك فمن دونهم. وصنَّف الشَّطَنُوفي (٢) المصري في أخبار عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات، ذكر فيه بإسناده إلى موسى ابن الشيخ عبد القادر قال: سمعت والدي يقول: خرجت في بعض سياحاتي إلى البَرِّيَّة ومكثت أياماً لا أجد ماءً فاشتد بي العطش، فأظلّتني سحابة ونزل عليَّ منها شيءٌ يشبه النَّدَى فرويت، ثم رأيت نوراً أضاء به الأفق، وبدت لي صورة، ونوديت منها يا عَبْدَ القادر أنا ربُّك وقد حلّلت لك المحرمات - أو قال ما حرّمت على غيرك - فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اخسأ يا لعين، فإذا ذلك النور ظلام وتلك الصورة دخان، ثم خاطبني وقال: يا عبد القادر نجوت مني بعلمك بحكم ربِّك وقوتك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللتُ بهذه الواقعة سبعين من أهل (١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٩١/١ - ٢٩٢) وما بين حاصرتين مستدرك منه. (٢) في ((آ)): ((الصطنوفي)) وفي ((ط)): ((السطيوفي)) وكلاهما خطأ، والتصحيح من ((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٥٨٥/١) و((الدرر الكامنة)) (١٦٧/٤) و((حسن المحاضرة)) (٥٠٦/١) و((الأعلام)) (٣٤/٥) وهو علي بن يوسف بن حريز اللّخمي الشَّطَنُوفي، شيخ الإِقراء بالديار المصرية في عصره. مات سنة (٧١٣) هـ، واسم كتابه الذي ألمح إليه المؤلف ((بهجة الأسرار ومعادن الأنوار)» وهو مطبوع كما ذكر الزركلي رحمه الله . ٣٣٣ الطريق، فقلت: لربِّي الفضل والمِنَةُ. قال: فقيل له: كيف علمت أنه شيطان؟ قال: بقوله: قد حلّلت لك المحرمات. وذكر فيه أيضاً الحكاية المعروفة عن الشيخ عبد القادر أنه قال قدمي هذه على رقبة كل وليٍّ لله، ساقها عنه من طرق متعددة. قال ابن رجب: أحسن ما قيل في هذا الكلام ما ذكره السهروردي في ((عوارفه)) أنه من شطحات الشيوخ التي لا يقتدى بهم فيها، ولا تقدح في مقاماتهم ومنازلهم، فكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلّ المعصوم [َ﴿]. وقال ابن رجب أيضاً: وكان الشيخ عبد القادر متمسكاً في مسائل الصفات والقدر ونحوهما بالسُّنَّة، مبالغاً في الردِّ على من خالفها. قال في كتابه ((الغُنية))(١) المشهور: وهو بجهة العلو، مستو على العرش، محتو على الملك، يحيط(٢) علمه بالأشياء ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إلى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إليهِ فِي يَومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَا تَعُدُّوْنَ ﴾ [السجدة: ٥] ولا يجوز وصفه بأنه في كلِّ مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىْ﴾ [طه: ٥] وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواءُ الذات على العرش. قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كلِّ نبيِّ أُرسل بلا كيف. وذكر كلاماً طويلاً، وذكر نحو هذا في سائر الصفات. وذكر الشيخ أبو زكريا يحيى بن يوسف الصَّرْصَرِي، الشاعر المشهور، (١) انظر ((الغُنية)) (٥٤/١ - ٥٥) مصورة دار الألباب بدمشق، ولكن نقل المؤلف عن ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٩٦/١) ووقع في النقل عند ابن رجب تصرف واختصار. (٢) في ((الغنية)) و((ذيل طبقات الحنابلة)): ((محيط)). ٣٣٤ عن شيخه العارف علي بن إدريس، أنه سأل الشيخ عبد القادر فقال: يا سيدي هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ فقال: ما كان، ولا يكون. انتهى ما أورده(١) ابن رجب. ونُقل عن الشيخ عبد القادر أنه قال: كنت أقتات الخرنوب والشوك، وقامة البقل، وورق الخس من جانب النهر والشطّ، وبلغت بي الضائقة في غلاءٍ نزل ببغداد إلى أن بقيت أياماً لم آكل فيها طعاماً، بل كنت أتتبع المنبوذات أطعَمها، فخرجت يوماً من شدة الجوع إلى الشطّ لعلي أجد ورقَ الخس أو البقل أو غير ذلك، فأتقوت به، فما ذهبت إلى موضعٍ إلّ وغيري قد سبقني إليه، وإذا وجدت الفقراء يتزاحمون عليه فأتركه حياءً، فرجعت أمشي وسط البلد فلا أدرك منبوذاً إلّ وقد سُبِقْتُ إليه، حتى وصلت إلى مسجد بسوق الريحانيين ببغداد، وقد أجهدني الضعف وعجزت عن التماسك، فدخلت إليه وقعدت في جانب منه، وقد كدت أُصافح الموت، إذ دخل شاب أعجمي ومعه خبز رصافي وشواء، وجلس یأکل، فكنت أکاد كلما رفع يده باللقمة أن أفتح فيَّ من شدة الجوع، حتَّى أنكرت ذلك على نفسي وقلت: ما هذا! إذ التفت إليَّ العجمي فرآني، فقال: باسم الله يا أخي، فأبيت، فأقسم عليَّ، فَبَادَرَتْ نفسي فخالفتها، وأقسم أيضاً فأجبته، فأكلت، فأخذ يسائلني من أين أنت وبمن تُعرف؟ فقلت: أنا متفقّه من جيلان، فقال: وأنا من جيلان، فهل تعرف شاباً جيلانياً يسمى عبد القادر يعرف بأبي عبد الله الصومعي الزاهد؟ فقلت: أنا هو، فاضطرب وتغير وجهه، وقال: والله لقد وصلت إلى بغداد ومعي بقية نفقة لي، فسألت عنك فلم يرشدني أحد، ونفدت نفقتي، ولي ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلّ مما كان لك معي، وقد حَلَّت لي الميتة، وأخذت من وديعتك هذا الخبز والشواء، فَكُل طيباً، فإنما هو لك وأنا ضيفك (١) في ((ط)): ((ما أورد)). ٣٣٥ الآن بعد أن كنت ضيفي، فقلت له: وما ذاك؟ فقال: أُمُّكَ وجهت لك معي ثمانية دنانير، فاشتريت منها هذا للاضطرار وأنا معتذر إليك، فسكَّنته وطيِّيت نفسه، ودفعت إليه باقي الطعام وشيئاً من الذهب برسم النفقة فقبله وانصرف. ١ قال: وكنت أشتغل بالعلم فيطرقني الحال فأخرج إلى الصحارى ليلاً أو نهاراً وأصرخ وأهج على وجهي، فصرخت ليلة فسمعني العيّرون ففزعوا، فجاؤوا فعرفوني، فقالوا: عبد القادر المجنون أفزعتنا، وكان ربما أغشي عليّ فيلفوني ويحسبون أني مت من الحال التي تطرقني. وربما أردت الخروج من بغداد فيقال لي: ارجع فإن للناس فيك منفعة . وقال ابن النجار: سمعت عبد الرزاق(١) بن الشيخ عبد القادر يقول: ولَدَ والدي تسعاً وأربعين ولداً، سبع وعشرون ذكوراً، والباقي إناث. ومات الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى بعد عتمة ليلة السبت عاشر ربيع الآخر، وفُرغ من تجهيزه ليلاً، وصلى عليه ولده عبد الوهاب في جماعة من حضر من أولاده وأصحابه وتلامذته، ثم دفن في رواق مدرسته ولم يفتح باب المدرسة حتَّى علا النهار، وأهرع الناس للصلاة على قبره وزيارته، وكان يوماً مشهوداً. : انتھی . وبلغ تسعين سنة . (١) تحرف في ((ط)) إلى ((عبد الرازق)). ٣٣٦ سنة اثنتين وستين وخمسمائة فيها سار أسد الدِّين شيركوه المسيرَ الثاني إلى مصر بمُعْظَم جيشٍ نور الدِّين، فنازل الجزيرة شهرين، واستنجد وزيرُ مصر شاور بالفرنج، فدخلوا في النيل من دمياط، والتقوا، فانتصر أسد الدِّين وقُتل أُلوفٌ من الفرنج . قال ابن الأثير(١): هو من أعجب ما وُرِّخَ، أنَّ ألفيْ فارس تهزمُ عساكرَ مصر والفرنج. وقال في ((العبر)): ثم استولى أسد الدِّين على الصعيد وتقوّى بخراجها، وأقامت الفرنج بالقاهرة حتى استراشوا(٢)، ثم قصدوا الإِسكندرية وقد أخذها صلاح الدِّين، فحاصروه أربعة أشهر، ثم كرّ أسد الدِّين مُنْجِداً له، فترحلت الملاعين [بعد أن استقرَّ لهم بالقاهرة شحنة وقطيعة مئة ألف دينار في العام](٣) وصالحَ شاور أسدَ الدِّين على خمسين ألف دينار أخذها ونزل إلى الشام . ● وفيها على الصحيح، توفي أحمد بن علي الغسَّاني الأسواني، عرف (١) انظر ((الكامل في التاريخ)) (٣٢٦/١١) وقد نقل المؤلف كلامه عن ((العبر)) (١٧٦/٤). (٢) في ((الكامل في التاريخ)): ((وأما المصريون والفرنج فإنهم عادوا واجتمعوا على القاهرة، وأصلحوا حال عساكرهم، وجمعوا وساروا إلى الإِسكندرية ... )). (٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (()) و((ط)) وأثبته من ((العبر)). ٣٣٧ بالرشيد - وتقدم الكلام عليه في السنة الماضية (١) والصحيح وفاته هنا - الكاتب الشاعر الفقيه، النحويّ اللغويّ، المنطقي المهندس، الطبيب الموسيقي المنجم. كان مفتياً وألّف تآليف التحق فيها بالأوائل، منها كتاب ((مُنية الألمعي وبينة المُدَّعي)) يشتمل على علومٍ كثيرةٍ، ومنها ((المقامات)) على نسق ((مقامات)) الحريري، وغير ذلك. قال ابن شهبة في ((تاريخ الإِسلام)): وكان مع جلالته أسود الجلد، ذا شفة غليظة، سمج الخلق، قصيراً. حكى ياقوت عنه أنه انقطع عن أصحابه يوماً، فحكى لهم أنه مرَّ بموضع وإذا امرأة شابة حسنة نظرت إليه نظر مطمعٍ له في نفسها، فتوهم أنه وقع منها بموقع، فأشارت إليه بطرفها، فتبعها حتى دخلت داراً، وأشارت إليه فدخل، وكشفت عن وجهها، فإذا هي كالقمر ليلة تمامه، ثم نادت يا ست الدَّار، فنزلت إليها طفلة كفلقة القمر، فقالت لها: إن عدت تبولين في الفراش خلّيت سيدنا القاضي يأكلك، ثم قالت: لا أعدمني الله فضلك يا سيدنا القاضي، فخرجت وأنا خزيان. قال فیه محمود بن قادُوس : ـتَ وفُقتَ كُلَّ النَّاسِ فَهما إن قُلْتَ مِنْ نَارٍ خُلقـ أَطْفَاكَ(٢) حَتَّى صِرْتَ فَحْمَا قُلْنا صَدَقْتَ فَمَا الذي ذهب رسولاً إلى اليمن فأقام وتولى القضاء بها، وضربت له السكة على الوجه الواحد قل هو الله أحد وعلى الآخر الإِمام أبو الخير(٣) أحمد، ثم قُبض عليه وأُنفذ مكبلاً في الحديد إلى قوص، فحبسه ابن طَرْخَان في المطبخ، ثم ورد كتاب الصالح بالإِحسان إليه وأحضره مُكَرَّماً، فلما نزل شيركوه (١) انظر ص (٣٢٧ - ٣٢٨) من هذا المجلد. (٢) في ((وفيات الأعيان)) (١٦٣/١): ((أضناك)). (٣) المعروف أن كنيته ((أبو الحسن)) انظر ذلك في ترجمته ص (٣٢٧). ٣٣٨ بالإِسكندرية خرج بين يدي صلاح الدِّين وقاتل بين يديه، وبلغ ذلك شاور فطلبه، فلما حضر أركبه على جملٍ وعلى رأسه طرطور ووراؤه نفاط ينادي علیه والرشید ینشد : إِن كَانَ عِنْدَكَ يَا زَمَانُ بقيّة مِمّا تُهِينُ بِهِ الكِرَامَ فَهَاتِهَا ثم يتلو القرآن، ثم أمر به أن يُصلب شنقاً، فلما أحضر للشنق جعل يقول للذي تولى(١) ذلك عجِّل عجِّل فلا رغبة لكريمٍ في حياة بعد هذه الحال، فصلب ثم بعد حين قتل شاور، فلما أرادوا دفنه حفروا له قبراً فوجدوا الرشيد مدفوناً فيه، فدفنا معاً، ثم نقل كل واحد منهما إلى تربة بالقرافة. وكان الساعي في صلبه الفقيه عُمارة اليمني، وقال: هذا أبو الفتن، ثم إن الفقيه عُمارة صلب كما سيأتي، فإن المجازاة من جنس العمل، والمرءُ مقْتُولٌ بما قَتَلَ به، ولما كان باليمن كتب إليه أخوه المهذّب: هل أنجدوا من بَعْدِنَا أَمْ أَتَهُمُوا يا رَبْعُ أينَ ترى الأحبة يمموا ومِنَ الفُؤادِ مَكَان ما أَتَكَلَّمُ نَزَلُوا من العينِ السَّوَادِ وإن نأَوْا رَحَلوا وفي القلب المُعَنَّى بَعْدَهُم رَحَلُوا وَقَدْ لَحَ الصَّبَاحُ وإِنَّمَا وهي طويلة. فأجابه الرشيد : رَحَلُوا فَلَ خَلَتِ المَنَازِلُ مِنْهُمُ وَسَرَوا وقد كَتَموا الغَدَاةِ مَسِيرَهُم وَتَبَدَّلوا أرضَ العَقِيقِ عَنِ الحِمى نَزَلُوا الْعَذِيبَ وإنما هي مُهْجَتي وْدٌ على مَرِّ الزَّمَانِ مُخَيمُ تسري إذَا جَنَّ الظَّلامُ الْأَنْجُمُ ونَأَوْا فَلاَ سَلَتِ الجَوَانِحُ عَنْهُمُ وضِيَاءُ نُورِ الشَّمْسِ مَا لَا يُكْتَمُ رَوَّتْ جُفوني أي أرضٍ يَمَّمُوا نَزَلوا وفي قلبي المُعَنَّى خَيِّمُوا (١) في ((ط)): ((يولى)). ٣٣٩ نَارَ الغَرَامِ وسَلّمُوا مَنْ أَسْلَمُوا مَا ضَرَّهُم لَوْ وَدَّعوا مَنْ أَوْدَعوا أَو أَيَمَنُوا أو أَنْجَدُوا أَوْ أَنْهِمُوا هُم في الحَشَا إن أَعْرَقُوا أَوْ أَشْأَمُوا أني حَفِظْتُ العَهْدَ لمّا خُنْتُمُ لا ذَنْبَ لي في البُعْدِ أَعْرِفُ سِوى فَأَقَمْتُ حِينَ ظَعَنْتُمُ وَعَدَلْتُ لمــ جُرْتُمُ وسهرت لمّا بِنْتُمُ • وفيها خطيب دمشق أبو البركات الخضر بن شِبْل بن عبد الحارثي الدمشقي(١) الفقيه الشافعي. درَّس بالغزالية والمجاهدية، وبنى له نور الدِّين مدرسته التي عند باب الفرج، فدرَّس بها، وتعرف الآن بالعِمَادية لأنه درّس بها بعده العماد الكاتب فاشتهرت به. قرأ على أبي الوحش سُبَيْع، صاحب الأهوازي، وسمع من أبي الحسن بن الموازيني، وأخذ عنه ابن عساكر، وقال: كان سديد الفتوى، واسع الحفظ، ثبتاً في الرواية، ذَا مُرُوءَةٍ(٢) ظاهرةٍ. وكان عالماً بالمذهب ويتكلم في الأصول والخلاف. مولده سنة ست وثمانين وأربعمائة، وتوفي في ذي القعدة، ودفن بباب الفَرَاديس. • وفيها عبد الجليل بن أبي أسعد الهَرَوي أبو محمد المُعَدَّل(٣)، مسند هَرَاة، تفرَّد بالرواية عن عبد الرحمن كُلار، وغيره، وعاش اثنتين وتسعين سنة، وهو أكبر شيخ للحافظ عبد القادر الرُّهاوي. · وفيها الحافظ أبو سعد السَّمْعَاني تاج الإِسلام عبد الكريم بن محمد ابن منصور المروزي (٤) الشافعي، مُحَدِّث المشرق، وصاحب التصانيف (١) انظر ((العبر)) (١٧٧/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٩٢/٢٠) و((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (٧٢/٨) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (١٠٩/٢). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((ذا ثروة ظاهرة)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) و((مختصر تاريخ دمشق)». (٣) انظر ((العبر)) (١٧٧/٤ - ١٧٨) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٥١/٢٠ - ٤٥٢). (٤) انظر ((المستفاد من ذيل تاريخ بغداد)) ص (٣٠٨ - ٣١٠) طبع مؤسسة الرسالة، و((العبر)) (١٧٨/٤ - ١٧٩) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٥٦/٢٠ - ٤٦٥). ٣٤٠